Полный текст (1 720 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وللإمام أن يقطع أرض بيت المال العامل عن عمالته حتى يزرعها وينتفع بها ما دام على العمل، فإذا عزل ردها إلى بيت المال.
[٢٧٠] ذكر [عن] هشام عن محمد ﵀ أنه قال: كان لا يرى بأسًا أن يأخذ القاضي رزقًا من بيت المال.
لأن القضاة من السلف قد ارتزقوا من بيت المال، فلا بأس أن يرتزق في زماننا، وإن استعف وتنزه فذلك أفضل له، لأن القضاة من السلف منهم من ارتزق، منهم شريح ومنهم من استعف
стр. 282
وتنزه منهم مسروق والقاسم.
[٢٧١] ذكر عن عمر ﵁ أنه قال:
لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرًا بالشرط ولا صاحب مغنم.
стр. 283
أراد به أن لا يأخذ بالشرط.
وأراد بصاحب المغنم الوالي.
وكما لا ينبغي للقاضي أن يأخذ على القضاء أجرًا لا ينبغي للوالي أيضًا؛ لأنه عامل المسلمين كالقاضي، لكن لا بأس له أن يأخذ مقدار كفايته من غير شرط.
[٢٧٢] قال أحمد بن عمر صاحب الكتاب:
لا بأس أن يأخذ القاضي رزقًا من بيت المال.
стр. 284
ثم بين المعنى فقال:
لأنه عامل من عمال المسلمين.
وقاسه على عمالة العامل في الصدقات.
[٢٧٣] ذكر عن النبي ﷺ أنه قال:
«من استعملناه منكم على عمل ولم يكن له امرأة فليتزوج امرأة، ومن لم يكن له خادم فليخذ خادمًا، ومن لم يكن له مسكن فليتخذ مسكنًا».
стр. 285
وإنما أراد بهذا ما تحت يده، فينتفع به مقدار ما يكون قاضيًا، فإذا عزل رد ذلك إلى بيت المال.
[٢٧٤] قال:
وقد رأيت أبا بكر وعمر ﵄ فرضًا لأنفسهما من بيت مال ما يغنيهما.
هكذا روى عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان يأخذ كل يوم ثلاثة دراهم.
وروى في رواية أخرى أنه كان [يأخذ] من بيت المال كل يوم درهمين وثلاثين.
وروي عن عمر ﵁ أنه كان له من بيت
стр. 286
المال الفرض رزقًا له ولأهله، ولم يرد في الخبر مقداره.
[٢٧٥] فهذا كله يدل على أنه لا بأس للقاضي أن يرتزق من بيت المال مقدار كفايته وأهله، ومن يمونهم، وكفاية أعوانه حتى لا تشره نفسه إلى أموال الناس.
[والله تعالى اعلم بالصواب]
* * *
стр. 287
الباب الرابع عشر في الرشوة في الحكم
[٢٧٦] ذكر عن أبي هريرة ﵁ أنه قال:
«لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم»
نقل أبو هريرة ﵁ لفظ رسول الله صلى الله
стр. 288
عليه وسلم مقيدا.
وروى عنه ﵊ أنه «لعن الراشي والمرتشي» مطلقا.
стр. 289
وروي عنه ﷺ أنه «لعن الراشي والمرتشي والرائش».
فالراشي: المعطي، والمرتشي: الآخذ، والرائش: الذي يمشي بينهما ويقدر الرشوة.
[٢٧٧] والرشوة مأخوذة من الرشا، فإن الناضح لا يتوصل إلى استقاء الماء إلا به، فكذلك الإنسان لا يتوصل إلى مقصود حرام إلا بها.
[٢٧٨] ثم الرشوة لا تخلو من أربعة أوجه:
стр. 290
أما أن يرشوه؛ لأنه قد خوفه، فيعطيه الرشوة، ليدفع الخوف عن نفسه.
أو يرشوه؛ ليسوي أمره بين يدي السلطان، ويسعى في ذلك.
أو يرشوه؛ ليتقلد القضاء من السلطان.
أو يرشو القاضي؛ ليقضي له.
[٢٧٩] ففي الوجه الأول: لا يحل الأخذ للآخذ؛ لأن الكف عن التخويف كف عن الظلم، وأنه واجب بدين الإسلام؛ فلا يحل أخذ المال لذلك، وحل للمعطي الإعطاء؛ لأنه جعل المال صيانة للنفس، وهذا جائز في الشرع.
وكذا إذا طمع في ماله، فرشاه بعض ماله، لا يحل الأخذ، وحل الإعطاء؛ لأنه جعل بعض المال وقاية لسائر الأموال.
ولو سعى إنسان بينهما، فدفع إليه بعض المال ليوصله إلى الظالم، فلا بأس أن يفعل ذلك الإنسان، فيسعى بينهما.
[٢٨٠] وفي الوجه الثاني: لا يحل للآخذ الأخذ؛ لأن القيام بمعونة المسلمين واجب عليه بدون المال؛ فهو يأخذ المال؛ لإقامة ما وجب عليه إقامته بدونه، فلا يحل له الأخذ.
стр. 291
والحيلة في حل الأخذ أن يقول الرجل: استأجرني يومًا إلى الليل؛ لأقوم بعملك ببدل، فيستأجره، فيكون صحيحًا. ثم المستأجر بالخيار: إن شاء استعمله في هذا العمل، وإن شاء استعمله في عمل آخر.
وهل يحل للمعطي الإعطاء بدون هذه الحيلة؟
تكملوا فيه:
منهم من قال: لا يحل. لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ سيأتي بعد هذا. ولأنه لا يحل الأخذ فلا يحل الإعطاء.
ومنهم من قال: يحل. وهذا أصح كالوجه الأول.
هذا إذا أعطاه قبل أن يسوي أمره.
أما إذا أعطاه معد ما سوى أمره، ونجا عن ظلمه [فأنه] يحل للمعطي الإعطاء؛ لأنه أنعم عليه بالنجاة عن الظلم، قال النبي ﷺ :
«من أزلف إليه نعمة فليشكرها من غير فضل».
стр. 292
وأما الأخذ فهل يحل له الأخذ؟
تكلموا فيه:
منهم من قال: لا يحل؛ لأنه أقام الواجب.
ومنهم من قال: يحل، وهو الصحيح؛ لأن هذا بر وصلة. وقاسوا هذه المسألة بما ذكر محمد ﵀ في كتاب الصلاة: إن الإمام أو المؤذن إذا جمع له القوم شيئًا فأعطوه من غير شرط عليهم فما أحسن هذا، فقد سمي ذلك حسنا، وإن كانوا لا يعطونه [ذلك الشيء] إلا بسبب الإمامة والأذان، لكن جعل ذلك بمنزلة البر والصلة، فكذا هذا.
стр. 293
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني [﵀] حاكيًا عن أستاذه القاضي الإمام [﵀] قال:
ينظر، إن كان فعلا لو استأجره على ذلك استحق الأجر؛ بأن أعطاه لتبليغ الرسالة؛ بأن بعثه رسولًا إلى الظالم، فلما بلغ الرسالة أعطاه شيئًا، وأهدى إليه شيئًا، يحل له الأخذ، وإلا فلا.
[٢٨١] وفي الوجه الثالث: لا يحل له الأخذ والإعطاء؛ لأنه إنما يرشوه؛ ليأخذ من أموال الناس، فيحرم عليه الأخذ والإعطاء.
[٢٨٢] وفي الوجه الرابع: حرم الأخذ؛ سواء كان لذلك القضاء له بالجور أو بالحق:
أما الجور فلوجهين:
أحدهما: أنه رشوة.
والثاني: أنه تسبيب للقضاء بالجور.
وأما بالحق، فلوجه واحد، هو أنه أخذ المال لإقامة ما وجب عليه بدونه.
стр. 294
وأما الإعطاء، فإن كان بجور لا يحل، وإن كان بحق كذلك، نص عليه في آخر الباب على ما تبين [إن شاء الله تعالى]. ولا ينفذ قضاؤه الذي ارتشى فيه، نص عليه في آخر الباب، وسجله ذلك يكون باطلًا. وأما قضاياه بعد ذلك فهل تنفذ؟
فيه كلام.
والصحيح من المذهب عندنا أنها تنفذ، وقد مر شيء منه في صدر الكتاب، وتمامه يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
[٢٨٣] ذكر عن الحسن بن عثمان قال:
كنت مع عمي أبي سلمة بن عبد الرحمن بالإسكندرية
стр. 295
عند عبد العزيز بن مروان، فدخل عليه، فعرف له فضله وشرفه، وكان البواب بعد ذلك مسيئًا إليه، فقال:
стр. 296
يا ابن أخي إن منزلتي من صاحبي لحسنة، وإني لأرى هذا يسيء إلي.
قال: فقلت له: لو أعطيته شيئًا.
قال: كيف أعطيه، وقد لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي أو قال: الراشي والمرتشي في النار لا أدري أي ذلك قال.
стр. 297
وعلى هذا الحديث قالوا: لا ينبغي للقاضي أن يتخذ بوابًا يمنع الناس من دخول المسجد. حتى يأخذ قطعة؛ لأن ذلك رشوة يأخذها بتمكين القاضي، فيكون ذلك بمنزلة رشوة أخذها القاضي، لكن ينبغي أن يتخذ بوابًا يحتسب في ذلك، ويأمر الناس بالدخول على القاضي في نوبتهم؛ فإن لم يجد أحدًا يحتسب فليعط كفايته، كما تعطى كفاية القاضي من بيت المال.
[٢٨٤] ذكر عن علقمة ومسروق أنهما سألا عبد الله بن مسعود ﵁ عن السحت، فقال: الرشوة. فقالا: في الحكم؟ قال ذلك كفر.
стр. 298
وتأويله من وجهين:
أحدهما: أنه أراد به التهديد لا التحقيق.
والثاني: أنه أراد به التحقيق، وإنما قال ذلك في المستحل أنه إذا استحل ذلك يكفر.
[الهدية صورة من صور الرشوة]:
[٢٨٥] ذكر عن أبي الاحوص قال:
قال عبد الله:
الرشوة في الحكم كفر، إنما السحت أن يهدي الرجل هدية كيما يعينه على حاجته عند السلطان.
стр. 299
أنواع الهدية وأحكامها:
[٢٨٦] الهدية على ثلاثة أوجه:
أما أن تكون حلالًا من جهة المهدي والقابض جميعًا.
أو تكون حلالًا من جانب المهدي حرامًا على القابض أن يقبل. أو تكون حرامًا من الجانبين.
стр. 300
أما الأول: [فهو أن] يهدي الرجل إلى الرجل لابتغاء التودد والتحبب. قال ﷺ :
«تهادوا تحابوا».
وأما الثاني: [فهو] أن يخاف من غيره فيهدي إليه هدية؛ ليكف عنه ولا يظلمه، ولا يشترط أنه إنما يهدي إليه لهذا، لكن يعلم أنه إنما يهدي إليه لهذا؛ لأنه جعل المال وقاية لنفسه، فحل في جانب المهدي. والقابض أخذه لإقامة ما هو الواجب، فكان حرامًا.
وأما الثالث: [فهو] ما قاله عبد الله: أن يهدي إلى غيره؛ كيما يعينه عند السلطان على حاجته، وهذا حجة لقول أولئك المشايخ.
стр. 301
وتأويله عندنا [ما] إذا كان ذلك المقصود مما لا يحل بحال من الأحوال، أما إذا حل فيحل في جانب المهدي، ولا يحل في جانب القابض.
وإذا أراد [القابض] الحل فالحيلة للحل في جانب القابض ما ذكرنا في صدر الباب.
[٢٨٧] وذكر عن مسروق قال:
القاضي أذا أخذ الهدية فقد أكل السحت، وإذا أخذ الرشوة فقد بلغ به الكفر.
أما الهدية فلما ذكرنا في آخر الباب السابع أنه لا يباح له القبول
стр. 302
إلا ممن ذكرنا على الصفة التي ذكرنا، فإذا لم يكن ممن ذكرنا، ولا على الصفة التي ذكرنا كان سحتًا.
وأما الرشوة، فتأويل ما قال من الوجهين اللذين ذكرناهما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
[٢٨٨] وذكر عن علي ﵁ أنه خطب وفي يده قارورة قال:
ما أصبت بها منذ دخلتها إلا هذه القارورة أهداها دهقان.
وإنما قال ذلك لبيان أنه يتحرز ويتورع عن أموال الناس.
فعلى كل من اشتغل بشيء من أعمال المسلمين أن يكون بهذه الصفة.
[٢٨٩] ذكر عن أبي يوسف [﵀] قال:
стр. 303
أهدى الاصبهبذ إلى [عبد الحميد بن] عبد الرحمن أربعين ألفًا أو أقل، وكتب إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ فكتب إليه:
стр. 304
إن كان يهدي لك وأنت بالجزيرة فاقبلها و [إلا] أحسبها من خراجه.
يعني إذا أهدي إليك بعدما عزلت وذهبت إلى أهلك فأقبل الهدية، وإلا فاحسبها من خراجه.
وهكذا ينبغي للعامل أنه إذا ما عزل عن العمل فلا بأس أن يقبل الهدية، فإن لم يعزل فلا يقبل، وإذا قبل يحتسب ذلك من خراجه، ويجعل هذه الهدية من خراجه.
[٢٩٠] ذكر عن الحسن بن رستم أنه قال لعمر بن عبد العزيز:
يا أمير المؤمنين مالك لا تقبل الهدية، وكان رسول الله ﷺ يقبلها؟
قال عمر ﵁:
أنها كانت على عهد رسول الله ﷺ هدية وأنها
стр. 305
اليوم رشوة.
أشار عمر ﵁ إلى أن الزمان قد فسد والمهدي يلتمس. لا يحل له في الشريعة، فلو قبل كان رشوة، وهذا لا يتصور في زمن رسول الله ﷺ فكانت هدية.
[٢٩١] ذكر عن خيثمة قال:
[قال] عمر ﵁:
بابان من السحت يأكلهما الناس: الرشوة ومهر الزانية.
أما الرشوة فلما ذكرنا.
стр. 306
وأما مهر الزانية فلأن النبي ﷺ «نهى عن مهر البغي».
ولأن الزنا حرام، والاعتياض عن الحرام حرام.
[٢٩٢] ذكر عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [قال رسول الله ﷺ ]:
стр. 307
«هدايا الأمراء غلول».
стр. 308
يعني خيانة.
وإنما كان [كذلك] لأن تعزز الأمير ومنعه بالجند وبالمسلمين لا بنفسه، فكانت الهدية لجماعة المسلمين بمنزلة الغنيمة، فإذا استبد به كان ذلك من خيانة، بخلاف هديا رسول الله ﷺ ؛ لأن تعززه ومنعته كان بنفسه لا بالمسلمين، فصارت الهدية لنفسه لا للمسلمين.
[٢٩٣] وذكر عن يحيى بن سيد قال:
«لما بعث رسول الله ﷺ ابن رواحة إلى أهل
стр. 309
خيبر أهدوا إليه فرده، وقال: سحت».
стр. 310
لم يذكر صاحب الكتاب تمام الحديث، ومحمد بن الحسن ﵀ ذكر تمامه في أول كتاب المزارعة، نذكر تأويله إذا انتهينا إليه في شرح المختصر.
стр. 311
[٢٩٤] ذكر عن يحيى بن سعيد قال:
كتب عمر ﵁ إلى أهل العراق: أن لنا هدايا دهاقيينا.
والدهاقين هم رؤساء العجم من أهل الذمة، الذين عليهم الخراج والجزى، وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتوسعون في قبول الهدايا منهم؛ وهذا لأن الهدية كانت عادتهم، وكانوا لا يلتمسون منهم شيئًا، وإنما كانوا يهدون على وجه التودد، والتحبب، وكانوا يستوحشون برد هداياهم، فلا يتمكن فيه معنى الرشوة؛ فلهذا كانوا يقبلون.
ثم كانوا مختلفين في ما بينهم:
منهم من يقبل الهدية منهم ولا يحسب ذلك من الخراج.
ومنهم من يقبل ويحسب ذلك لهم من الخراج.
стр. 312
وعمر وعلي ﵄ كانا ممن يقبل ولا يحسب ذلك من الخراج.
وعمر بن عبد العزيز ﵁ كان ممن يقبل ويحسب ذلك لهم من الخراج.
[٢٩٥] وأصل توسيع الخراج هذا ما ذكر عن سفيان قال:
قدم معاذ برقيق من اليمن في زمن أبي بكر ﵁ فقال له عمر ﵁: ادفعهم إلى أبي بكر. فقال معاذ: ولم أدفع إليه رقيقي؟
فانصرف إلى منزله، ولم يدفعهم، فنام ليله ثم أصبح في الغد، فدفعهم إلى أبي بكر ﵁ فقال له عمر: ما بدا لك؟
قال: رأيتني فيما يرى النائم كأني أرى نارًا أهوى فيها، فأخذت بحجزتي، فمنعتني من دخولها فظننت أنهم الرقيق.
فقال له أبو بكر ﵁: هم لك.
فلما انصرف إلى أهله فقام يصلي فرآهم يصلون خلفه، فقال: لمن تصلون؟
قالوا: لله تعالى.
قال: فاذهبوا فأنتم لله تعالى …
стр. 313
فعمر ومعاذ ﵄ اعتمد كل واحد منهما دليلًا:
أما عمر ﵁ [فقد] اعتمد دليلًا: فإن معاذًا ﵁ إنما توصل إلى هذا المال بسبب القضاء والعمل للمسلمين، فيكون مال المسلمين، فأمره بالدفع إلى الخليفة؛ ليوضع في بيت المال.
فأما معاذ فقد اعتمد دليلًا: فأنه هو الذي أصاب.
تم الحديث إلى قوله (رأيتني) وفي رواية (رأيت كأني في مفازة أضل فيها وأنت تدعوني إلى العمران).
ثم الحديث إلى قوله: (فقال له أبو بكر: هم لك) أعطاه لفضله، وللإمام أن يخص أحدًا من أهل العلم بشيء من بيت المال لفضله.
ثم الحديث إلى قوله (فأنتم لله تعالى) فكأنه أعتقهم بهذا اللفظ، وأحسن إليهم؛ لأن رسول الله ﷺ كان يوصي بالإحسان إلى المصلين.
стр. 314
ولم يذكر محمد ﵀ في كتاب العتاق أن من قال لمملوكه: أنت لله هل يعتق؟
ذكر في النوادر أنه على قول أبي حنيفة ﵀ لا يعتق، لأن هذا الكلام محتمل يحتمل: أنت عبد لله والرقيق عبد لله تعالى، ويحتمل أنه أراد به التحرير، والمحتمل لا يكون حجة.
وعند أبي يوسف ومحمد [رحمهما الله] يعتق.
فيكون هذا الحديث حجة لهما عليه.
[٢٩٦] ذكر عن أبي حميد الساعدي أن النبي ﷺ استعمل عبد الله بن اللتبية على صدقات بني سليم. فلما جاء قال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي. فخطب النبي ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه فقال:
стр. 315
«ما بال رجال نوليهم أمورًا مما ولانا الله تعالى، فيجيئ أحدهم فيقول: هذا لكم، وهدا أهدي إلي، أفلا يجلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته أن كان صادقًا».
وفي رواية:
«هلا جلس عند حفش أمه فينظر هل يهدي إليه أم لا».
стр. 316
وهذا لأن رسول الله ﷺ كان إذا سمع من أصحابه شيئًا ساءه، لم يجاهر بالمرد عليهم ولا يواجه أحدًا بالسوء، لكنه كان يخطب؛ فيذكر ذلك في خطبته؛ ليعرف ذلك الإنسان المقصود، وهذا أقرب إلى الستر وحسن المعاشرة.
والحديث دليل على أن العامل إذا أهدي إليه هدية فلا ينبغي أن يقبل، وإذا قبل لا يختص به، بل تكون لبيت المال، لأن تعززه بالجند وبالمسلمين فكانت بمنزلة الغنيمة، والغنيمة توضع في بيت المال.
[٢٩٧] ذكر: عن علي بن ربيعة أن عليًا ﵁ استعمل رجلًا من بني أسد يقال له ضبيعة بن زهير، فلما جاء قال: يا أمير المؤمنين أهدي إلي في عملي سمن، فأتيتك به، فإن كان حلالًا أكلنا، وإلا فقد أتيتك به، فقبضه علي ﵁، وقال: لو حبستها كان غلولا.
أفاد الحديث مثل ما أفاد الأول.
стр. 317
[٢٩٨] ذكر عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه نزل منزلًا بالشام فأهدي إليه تفاح، فأمر برده، فقال له عمر بن قيس:
يا أمير المؤمنين: أما علمت أن رسول الله ﷺ كان يأكل الهدية؟
فقال: ويحك يا عمرو إن الهدية كانت لرسول الله ﷺ هدية وهي لنا اليوم رشوة.
قال:
فقام رجل من أهل بيته يقال له هشام، وكان يعرفه عمر
стр. 318
صلاح فقال:
يا أمير المؤمنين لو أمرت به فقوم وأعطيتهم ثمنه، وأكلته. فأمر به فقوم، وأعطاهم ثمنه.
أما أول الحديث فقد ذكرنا تأويله في ما تقدم.
وأما قول ذلك الرجل: لو أمر به فقوم فإنما قال ذلك لأحد
стр. 319
معينين.
أما لأنه أقرب إلى حسن العشرة، لأن في رد الهدية ما يسوؤه ويوحشه.
أو لأنه رأى عمر يشتهي ذلك التفاح، لكنه رده لمعنى الرشوة.
[٢٩٩] ذكر عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه أخذ في أرض الحبشة فرشاهم حتى خلو سبيله.
في الحديث دليل على أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان ممن هاجر إلى أرض الحبشة.
وفيه دليل على أن من ابتلى بشيء ظلما، لا بأس بأن يرشو ليخلى سبيله.
стр. 320
[٣٠٠] ذكر عن أيوب قال:
أخذ سارق بمكة، فرشاهم طاووس دينارًا، حتى خلو سبيله.
وتأويل الحديث من وجهين:
أحدهما: أنه [أخذ] بتهمة السرقة؛ لأن السرقة إذا ثبتت [وظهرت] لا يجوز لأحد أن يرشو ليسقط عنه الحد.
والثاني: أنه أخذ في خصومة أخرى عرف طاووس أنه مظلوم فيها لا في السرقة، وذكر السرقة للتعريف.
فهذا يدل على أن المسلم إذا رأى مسلمًا يظلم فرشا، وأنجى
следующие страницы →