← Сияса и кади

Сияса и кади · id 150967

شرح «أدب القاضي للخصاف» للصدر الشهيد - ت سرحان

الصدر الشهيد

Полный текст (1 720 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وهذا لأن رسول الله ﷺ كان إذا سمع من أصحابه شيئًا ساءه، لم يجاهر بالمرد عليهم ولا يواجه أحدًا بالسوء، لكنه كان يخطب؛ فيذكر ذلك في خطبته؛ ليعرف ذلك الإنسان المقصود، وهذا أقرب إلى الستر وحسن المعاشرة. والحديث دليل على أن العامل إذا أهدي إليه هدية فلا ينبغي أن يقبل، وإذا قبل لا يختص به، بل تكون لبيت المال، لأن تعززه بالجند وبالمسلمين فكانت بمنزلة الغنيمة، والغنيمة توضع في بيت المال. [٢٩٧] ذكر: عن علي بن ربيعة أن عليًا ﵁ استعمل رجلًا من بني أسد يقال له ضبيعة بن زهير، فلما جاء قال: يا أمير المؤمنين أهدي إلي في عملي سمن، فأتيتك به، فإن كان حلالًا أكلنا، وإلا فقد أتيتك به، فقبضه علي ﵁، وقال: لو حبستها كان غلولا. أفاد الحديث مثل ما أفاد الأول.

стр. 317

[٢٩٨] ذكر عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه نزل منزلًا بالشام فأهدي إليه تفاح، فأمر برده، فقال له عمر بن قيس: يا أمير المؤمنين: أما علمت أن رسول الله ﷺ كان يأكل الهدية؟ فقال: ويحك يا عمرو إن الهدية كانت لرسول الله ﷺ هدية وهي لنا اليوم رشوة. قال: فقام رجل من أهل بيته يقال له هشام، وكان يعرفه عمر

стр. 318

صلاح فقال: يا أمير المؤمنين لو أمرت به فقوم وأعطيتهم ثمنه، وأكلته. فأمر به فقوم، وأعطاهم ثمنه. أما أول الحديث فقد ذكرنا تأويله في ما تقدم. وأما قول ذلك الرجل: لو أمر به فقوم فإنما قال ذلك لأحد

стр. 319

معينين. أما لأنه أقرب إلى حسن العشرة، لأن في رد الهدية ما يسوؤه ويوحشه. أو لأنه رأى عمر يشتهي ذلك التفاح، لكنه رده لمعنى الرشوة. [٢٩٩] ذكر عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه أخذ في أرض الحبشة فرشاهم حتى خلو سبيله. في الحديث دليل على أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان ممن هاجر إلى أرض الحبشة. وفيه دليل على أن من ابتلى بشيء ظلما، لا بأس بأن يرشو ليخلى سبيله.

стр. 320

[٣٠٠] ذكر عن أيوب قال: أخذ سارق بمكة، فرشاهم طاووس دينارًا، حتى خلو سبيله. وتأويل الحديث من وجهين: أحدهما: أنه [أخذ] بتهمة السرقة؛ لأن السرقة إذا ثبتت [وظهرت] لا يجوز لأحد أن يرشو ليسقط عنه الحد. والثاني: أنه أخذ في خصومة أخرى عرف طاووس أنه مظلوم فيها لا في السرقة، وذكر السرقة للتعريف. فهذا يدل على أن المسلم إذا رأى مسلمًا يظلم فرشا، وأنجى

стр. 321

المسلم من ذلك الظلم، فلا بأس به. [٣٠١] وذكر عن جابر بن زيد، وعطاء،

стр. 322

وحجاج، أنهم قالوا: لا بأس بالرشوة إذا خاف الرجل على نفسه الظلم. في الحديث دليل على أنه لا بأس بأن يرشو الرجل لما يخاف من ظلم في المستقبل، وإن لم يكن التهديد للحال.

стр. 323

[٣٠٢] ذكر عن جابر يقول: لم نجد في زمن عبيد الله بن زياد أنفع لنا من الرشا. ذكر عبيد الله بن زياد في هذه الرواية. وفي رواية أخرى قال: في زمن بني أمية. ذكر صاحب الزمان في هاتين الروايتين. وفي رواية أخرى قال: في ذلك الزمان، ولم يذكر صاحب الزمان. في الحديث دليل على أنه لا بأس بالرشوة لدفع الظلم عن نفسه وماله.

стр. 324

[٣٠٣] ذكر عن مجاهد قال: اجعل مالك جنة دون دينك، ولا تجعل دينك جنة دون مالك. في الحديث دليل على أنه لا بأس بالرشوة لدفع الظلم عن نفسه، إذا خاف الظلم على نفسه أو على دينه. [٣٠٤] وكان رسول الله ﷺ يعطي المال من كان يخاف من لسانه وكان يعطي الشعراء. [٣٠٥] وفي هذا الباب أحاديث كثيرة تدل كلها على أن الإنسان إذا بذل مالًا لرجل يخاف من ظلمه أو لسانه أو لشاعر فلا بأس به. [٣٠٦] ذكر عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: بعثني عمر بن الخطاب ﵁ إلى بعض ولده؛ لادعوه له، ونهاني أن أخبره لأي شيء ادعوه، فدعوته.

стр. 325

فسأل عم يدعوه أبوه. فأبيت أن أخبره. فقال: أخبرني على أني أرشوك هذه الدجاجة وهذا الديك. فقلت: فعلى أن لا تخبر عمر. قال: نعم. فرشاني، فأخبرته. فلما رجعت إلى عمر قال: أخبرته؟ فوالله ما استطعت أن أقول لا، فقلت: نعم. فقال: أرشاك؟ فقلت: نعم؟ فقال: ما أرشاك؟ فقلت: ديكًا ودجاجة هنديين. قال: فأخذ بيساره يدي، وأخذ الدرة بيمينه. قال: فجعل يضربني.

стр. 326

فجعلت أنزوي حتى أوجعني ضربا. وجعل يقول لي: أنك لجريء. وإنما أدبه لوجهين: أحدهما: أنه أساء في الأدب، فإنه نهاه أن يخبره فأخبره. والثاني: أنه أخذ الرشوة. وقوله: أنك لجريء روي بروايتين: لجريء، ولجربز. فإن كانت الرواية لجريء يريد به إنك تجتريء على الله تعالى في أخذ الرشوة. وإن كان الرواية لجربز يريد به بالفارسية كربز، حيث تنزوي [كي] لا يصيبك الوجع من الضرب.

стр. 327

[٣٠٧] ذكر عن الشعبي قال: لأن أعطى درهمًا في النائبة أحب إلي من أعطي خمسة دراهم. يعني أتصدق بها. إنما أراد بالنائبة فكاك الأسير، وفكاك الأسير أفضل من التصدق على المساكين، لأن الأسير مشرف على الهلاك، فكان الفكاك إحياء له. [٣٠٨] قال صاحب الكتاب: لو أن رجلًا ابتلي بسلطان جائر [جار] عليه في نفسه، أو في ولده، أوفي أحد من أهله، أو في ماله، فصانعه في شيء فرشاه على أن يدفع ذلك الجور، رجونا أن لا يكون آثمًا في ذلك. لما قلنا من قبل. علقه بالرجاء؛ لأن القبض حرام، والإعطاء تمكين من القبض، والتمكين من الحرام حرام، إلا أن قصد المعطي من هذا دفع الظلم عن نفسه، أو عن ماله، فمن ذلك الوجه يكون حرامًا، ومن هذا الوجه لا [يكون حرامًا]، فعلقه بالرجاء لهذا. فرق بين هذا وبين ما إذا رشا القاضي؛ ليقضي له بالحق؛ حيث لا يحل للقابض أن يقبض، ولا للمعطي أن يعطي. والفرق أن [في] السلطان الجائر أن رشا ينال ما هو المقصود

стр. 328

بدفع الرشوة، وهو دفع الظلم عن نفسه، أو ماله، فلا يأثم المعطي. أما في القاضي فلا ينال [ما هو المقصود]، لأن المقصود منه أن يصير المدعي ملكًا وحقًا له، وهذا إنما يحصل إذا نفذ القضاء، وقضاء المرتشي في ما ارتشى باطل؛ حتى لا يحل لأحد من القضاة إن اتضح هذا عنده أن ينفذ ذلك الحكم، ولكن برده ويبطله؛ فلهذا أثم المعطي. ثم إنما لم ينفذ قضاء المرتشي في ما ارتشى؛ فلأنه لما رشاه المدعي فقد استأجره على القضاء بحق فرض عليه، والاستئجار على ما هو فرض عليه لا يجوز؛ كالاستئجار على الأذان والإقامة. [٣٠٩] [قال]: وإن رشا الطالب ولد القاضي، أو كاتب القاضي، أو أحدًا في ناحية القاضي، على أن يعينه عند القاضي؛ ليقضي له، وهو حق له، فقضى القاضي، وهو لا يعلم بذلك، حتى قضى، فالطالب آثم بما صنع، والقاضي معاتب، وهو حرام عليه، والقضاء نافذ.

стр. 329

لأن القاضي لم يصر مستأجرًا على القضاء؛ لأنه لم يأخذ الرشوة، فنفذ قضاؤه، بخلاف ما تقدم. [٣١٠] قالوا: ولا ينبغي للقاضي أن يقبل من أحد هدية إلا من رجل كان يهاديه قبل أن يلي الحاكم. وقد مر هذا الفصل في آخر الباب السابع. [والله تعالى أعلم]

стр. 330

الباب الخامس عشر في القاضي يسلم على الخصوم [٣١١] ذكر عن محمد بن سيرين ﵀ بأن شريحًا كان يسلم على الخصوم. لأن السلام سنة فلا تمنع عليه إقامة السنة بسبب تقلده القضاء؛ كالصلاة على الجنازة وعيادة المريض. [٣١٢] قال صاحب الكتاب أحمد بن عمر: وإذا دخل القاضي المسجد فلا بأس بأن سلم على الخصوم. يريد به تسليمًا عامًا. واختلف المشايخ فيه: منهم من قال: إن سلم عليهم فلا بأس، وإن ترك وسعه، لتبقى الهيبة، وتكثر الحشمة، فإن ترك وتأول هذا فلا بأس به. وإلى هذا القول مال صاحب الكتاب. ومنهم من قال: عليه أن يسلم، ولا يسعه الترك؛ لأنه سنة، فلا يسعه ترك السنة بسبب تقلد العمل. هذا هو الكلام وقت الدخول.

стр. 331

فأما إذا جلس ناحية من المسجد للفصل والحكم فلا يسلم على الخصوم، ولا يسلمون عليه. أما [أنه] لا يسلم فلامه جلس لفصل الخصومة فينبغي أن يشتغل بما جلس لأجله. وأما [أنهم] لا يسلمون فلان السلام تحية الزائرين، والخصوم ما تقدموا إليه إلا لأجل الخصومة. فينبغي أن يشتغلوا بما جاءوا له. وعلى هذا قال بعض مشايخنا: جرى الرسم أن الناس متى دخلوا على الولاة والأمراء لا يسلمون عليهم، ولا هم يسلمون على الناس؛ لأن القاضي متى جلس لا يسلم ولا يسلم عليه، فالوالي والأمير أولى. وليس كما ظنوا. والصحيح أن الناس يسلمون عليهم، وهم يسلمون على الناس بخلاف القاضي.

стр. 332

والفرق أن الوالي والأمير إنما جلسوا للزيارة لا للفصل والحكم، وتحية الزائرين السلام. فأما القاضي فإنما جلس للفصل والحكم لا للزيارة، فلا يسلمون عليه. فإن سلموا عليه مع هذا، وهو في مجلس الحكم، فلا بأس بأن يرد ﵈. وهذا إشارة إلى أنه لا يجب عليه رد السلام، بل يتخير: أن شاء رد، وإن شاء لم يرد؛ لأن الرد جواب، والسلام إنما يستحق الجواب إذا كان في أوانه. أما إذا كان في غير أوانه فلا، ألا ترى أنه لو سلم على المصلي لا يستحق الجواب، فكذا هذا. وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري

стр. 333

رحمه الله أنه كان يقول: من جلس ليفقه تلاميذه، فدخل عليه داخل، فسلم عليه وسعه أن لا يرد السلام؛ لأنه إنما جلس للتعليم لا لرد السلام، فلا يكون السلام في أوانه، فلا يستحق الجواب، وكذا من جلس للذكر في المسجد، فدخل عليه أحد، فسلم عليه، وسعه تركه؛ لأنه جلس للذكر، لا لرد السلام، فلا يكون السلام في أوانه، فلا يستحق الجواب. [٣١٣] قال: ولا ينبغي للقاضي أن يكلم أحد الخصمين بشيء إلا بشيء مما هو فيه، ولا ينظر إلى أحدهما دون الآخر؛ لأنه يجترئ على صاحبه، فينكسر قلب صاحبه. [والله تعالى أعلم]

стр. 334

الباب السادس عشر في القاضي يولي القضاء، فيأتيه رجل فيقر عنده بشيء، أو يقول لي حق في البلد الذي وليته، وقد وكلت هذا الرجل عندك يطلب لي بحقي والقاضي في المصر الذي فيه الخليفة، أو في مصر آخر قبل أن يصل إلى عمله. [٣١٤] قال صاحب الكتاب: ولو أن رجلًا ولي القضاء على مصر من الأمصار، فلم يخرج من الموضع الذي فيه الخليفة، أو خرج فصار إلى مصر آخر غير المصر الذي ولي فيه، حتى أتاه رجل، فقال: أن لي حقوقًا قبل الناس في البلد الذي وليته، وقد وكلت هذا الرجل بطلب حقوقي في ذلك البلد، وقبضها، والخصومة فيها، والقاضي يعرف الوكيل والموكل، فعلى قول أبي حنفية ﵀ لا يسمع القاضي منه ذلك، ولا يقبل، فإن حضر الوكيل في البلد الذي ولي [فيه] أمره بإحضار بينته على الوكالة.

стр. 335

وفي قول أبي يوسف ومحمد يقضي بذلك ويقبل. لأن القاضي إنما يصير قاضيًا إذا بلغ الموضع الذي ولي القضاء فيه، فإن العلم الحاصل له بعد تقلد القضاء قبل الوصول إلى ذلك الموضع كالعلم الحاصل له قبل تقلد القضاء. وإن حصل له العلم قبل تقلد القضاء ثم تقلد، لا يقض بذلك العلم عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما يقضي، فهذا كذلك. [٣١٥] ثم من هذا الجنس ثلاث مسائل: أحداها: إذا علم بشيء قبل تقلد القضاء، ثم تقلد القضاء. والثانية: إذا علم بشيء يعد تقلد القضاء قبل أن يصل إلى الموضع الذي قلد القضاء فيه. والثالثة: إذا علم في حال القضاء، ثم عزل، ثم أعيد عليه القضاء. والكل على هذا الاختلاف. والثاني والثالث فرع الأول. أما الثاني فلما قلنا.

стр. 336

وأما الثالث فلإن علم القاضي قد بطل بالعزل، فصار كأنه علم به وهو ليس بقاض، ثم قلد القضاء. ولو كان هكذا كان عين الأول. والحجج تعرف في كتاب أدب القاضي لمحمد ﵀. [٣١٦] وكذا على هذا الخلاف لو علم القاضي بوجوب حق لإنسان على إنسان بإقراره، أو عاين سبب الحق في هذه الوجوه الثلاثة. [٣١٧] وكذا على هذا الخلاف لو علم القاضي أنه أوصى إلى فلان في هذه الوجوه الثلاثة. [٣١٨] وكذا على هذا الخلاف إذا علم القاضي أنه وكل فلانًا بالخصومة مع فلان في المصر الذي قلد فيه القضاء وقبل الوكيل هذه الوكالة في هذه الوجوه الثلاثة. [٣١٩] ثم عندهما يقضي بذلك كله في هذه الوجوه الثلاثة. لأن هذه الحقوق كلها سواء. ولا يقضي بالحدود الخالصة لله تعالى؛ نحو حد الزنا وحد شرب الخمر وحد السرقة، لأنهما يلحقان هذا العلم بالعلم الحاصل في حالة القضاء، ولو علم به [في] حالة القضاء؛ بأن عاين إنسانًا زنى،

стр. 337

أو شرب الخمر، أو سرق، لا يقيم عليه الحدود، إلا حد القذف والقصاص، إلا رواية عن محمد ﵀ إنه قال: يفضي بعلمه، ويقيم سائر الحدود بعلمه، فكذا إذا علم في هذه الوجوه الثلاثة. أما في الحقوق الخالصة للعباد؛ نحو المال، والقصاص، والحقوق المشتركة؛ نحو حد القذف [فإنه] يقضي بعلمه الحاصل في حالة القضاء، فكذا يقضي بهذا العلم. وموضع هذه المسائل كتاب الحدود. [٣٢٠] وكل أمر يريد رجل أن يثبته عند هذا القاضي ببينة يقيمها عنده وذلك قبل أن يصل إلى عمله، فإن القاضي لا يقبل ذلك ولا يسمع من شهوده في غير عمله؛ لأن القاضي إنما يصير قاضيًا إذا بلغ الموضع الذي قلد فيه القضاء؛ ألا ترى أن الأول لا ينعزل ما لم يبلغ هو البلد الذي قلد فيه القضاء، فكان هو في ذلك المكان بمنزلة واحد من الرعايا، فلا تقبل البينة. [والله تعالى أعلم]

стр. 338

الباب السابع عشر في القاضي ينظر في القصاص [٣٢١] ذكر عن فرات بن أحنف عن أبيه ﵀. أن رجلًا رفع إلى شريح قصة، فقال: إنا لا نقرأ الكتب. اختلف الناس في أخذ القصة:

стр. 339

منهم من قال: لا يأخذ، ولا يقرأ، في أي حال كان. وشريح كان ممن لا يأخذ القصة؛ لأنه لو قبل من أحدهما ربما يتغير قبل الآخر؛ لأن ابقصه مما يبالغ فيها. ومنهم من قال: لا يأخذه إذا جلس للقضاء، اما إذا كان في داره، أو عند فناء داره، فيأخذ، أو يقرأ، وهو المذهب عندنا؛ فإن الخلفاء الراشدين كانوا يأخذون القصة، وكذا من بعدهم من الخلفاء والأمراء. وهذا لأن من الجائز أن يكون الخصم أعجميًا، لا يعرف لسان القاضي، ولا القاضي [يعرف] لسانه. فلابد [من] أن يستعين بغيره؛ ليكتبه، فيدفعه إلى القاضي، فتصير الحال به معلومة للقاضي، إلا إذا كان جالسًا مجلس القضاء؛ لأنه لو جلس للقضاء، فيشتغل بما يجلس له. وشرح إنما لم يأخذ؛ لأنه جلس مجلس القضاء لما نبين

стр. 340

في الحديث الثالث [إن شاء الله تعالى]. [٣٢٢] ذكر عن ابن سيرين [﵀] قال: كان شريح إذا سئل: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وشطر الناس على غضبان. ويروى: وشطر الناس على غضاب. لم يرد حقيقة الشطر، وإنما أراد به شطر الخصوم، ولم يرد به أيضًا حقيقة شطر الخصوم؛ لأن من الخصوم من ينصرف إلى الصلح، فيكون كل واحد منهما شاكرًا، وكذلك المقضي عليه، قد يكون ورعًا دينا، فيقوم من مجلسه، وينقاد للحق. دل على أنه أراد به قريبا من الشطر. دل الحديث على التحذير عن الدخول في القضاء. [٣٢٣] ذكر عن ابن سيرين [﵀] أن شريحًا كان يجيز الاعتراف في القصص. وفيه بيان أن شريحًا كان ممن يأخذ القصة. لأن الاعتراف إنما يكون بعد أخذ القصة. والعلماء مختلفون في ذلك.

стр. 341

فمن مذهب شريح أنه كان إذا أخذ القصة يقول للخصم: أهذه قصتك؟ فإن قال: نعم، يقول: أنت كتبتها؟ فإن قال: [نعم، يقول: أهو كما فيها؟ فإن قال: نعم، قرأها، فإن كان فيها إقرار قضى عليه؛ لإقراره على نفسه. والمذهب] عندنا إنه يأخذ القصة، ولا يقضي عليه بإقراره على نفسه؛ لأن من الجائز أن الكاتب هو الذي زاد أو نقص، أو كتب بنفسه، لكنه غلط، أو أخطأ، أو يحتمل أنه كتب، ولم يكن من قصده أن يدفعها إلى القاضي، ثم أخطأ، أو نسي، فدفعها إلى القاضي، فكان محتملًا، فلا يكون حجة إلا إذا أعلمه القاضي ما فيها. فإن أعلمه، واعترف به قضى عليه بإقراره على نفسه. وذكر في بعض النسخ: أن شريحًا كان لا يجيز الاعتراف في القصص، والأول أصح. فإن كان المروي هذا فمن قال أن شريحًا كان يأخذ القصة، تأول الحديث في أول الباب: أنه إنما لم يأخذ؛ لأنه في مجلس

стр. 342

القضاء، وهو مذهبنا، لا يحتاج إلى التأويل؛ لجواز أن يأخذ القصة، ولا يجيز الاعتراف في القصة كما هو مذهبنا. وإن كان المروي ذلك -وهو الأصح -فمن قال أن شريحًا كان لا يأخذ القصة، ويجري حديث أول الباب على ظاهره [فإنه] يحتاج إلى تأويل هذا الحديث. وتأويله: أن شريحًا عرف حياء المدعي وعجزه، والقاضي إذا عرف حياء المدعي وعجزه يأخذ القصة منه. ونظير هذا ما قالوا في توكيل أحد الخصمين إذا وكل فالقاضي إن أتهمه بالتلبيس والتدليس وتعليه على خصمه لا يقبل منه الوكالة. وإن عرف أنه عاجز لا يقدر على البيان بنفسه يقبل [الوكالة] فكذا هذا. [والله تعالى أعلم] * * *

стр. 343

الباب الثامن عشر في القاضي يقوم على رأسه الجلواز [٣٢٤] ذكر عن أم داود الوابشية قالت: رأيت على رأس شريح شرطيًا بيده سوط. أراد بالشرطي الذي يقال له صاحب المجلس، والعريف والجلواز. والجلوزة هي المنع وبه نقول أن القاضي يقوم على رأسه الجلواز؛ ليمنع الناس من إساءة الأدب والتقدم إلى القاضي. وروي في الآثار عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان

стр. 344

إذا سافر استصحب رجلًا به سوء أدب، فقيل له ذلك، فقال: أما علمت أن الشر بالشر يدفع. ثم قال: وبيده سوط. لأنه يحتاج إلى تأديب السفهاء، وإنما يمكنه التأديب بالسوط. [٣٢٥] ذكر عن عمرو بن قيس قال: رأيت رجلًا يقوم على رأس شريح، فإذا تقدم إليه الخصمان قال: أيكما المدعي فليتكلم.

стр. 345

والناس في هذا يختلفون أن القاضي هل له أن يستنطق أحد الخصمين؟ وقد مر في الباب السابع. وشريح كان ممن يستنطق، إلا أنه أمر غيره حتى لا تذهب مهابته [٣٢٦] ذكر عن خالد الحذاء قال: شهدت أياسًا حين استقضى، قال: فجلس ناحية، فنكس رأسه، [وجعل يبكي] والخصوم ناحية … وهذا لأن إياسًا كان من زهاد التابعين، ثم أجبر على القضاء، وكان يبكي ندمًا على ما شرع في القضاء، أو خوفًا من أن يبتلى بالجور، لكن [كان] لا يبكي بين يدي الخصوم، وإنما كان يبكي في ناحية والخصوم في ناحية؛ كي لا تهذب مهابته، وحشمة مجلسه. قال: ثم دعا بهم اثنين اثنين، فصل بين سبعين بلا شاهد، إنما هو

стр. 346

إقرار. وإنما كان كذلك؛ لحسن نيته، وصلاح القوم؛ فإنه كان في زمن الصدق؛ فإن النبي ﷺ وصفهم بالخيرية؛ فما كانوا يتقدمون إلى القاضي لأجل الخصومة، وإنما كانوا يتقدمون ليتبين المحق عن المبطل؛ فينقاد كل واحد منهم للحق، ولهذا كان القاضي فيهم يسمى مفتيًا. وفي زماننا قد فسد الزمان؛ فيحتاج القاضي إلى الشهود والأيمان. [نائب القاضي]: [٣٢٧] قال أحمد بن عمر صاحب الكتاب: ينبغي للقاضي أن يتخذ رجلًا يقوم بين يديه، ويكون مأمونًا، ويدعو بالرقاع. لما قلنا من قبل. ولا ينبغي للذي يقوم بين يدي القاضي أن يسار أحد من الخصوم في مجلس الحكم؛ لإنه نائب القاضي.

стр. 347

[٣٢٨] قال: فإذا جلس الخصمان بين يدي القاضي، فرأى أن يأمر هذا القيم أن يصير إلى ناحية؛ كي لا يعرف ما يدور بين الخصمين وبين القاضي في ذلك فعل ذلك. لأنه لو سمع ربما يلقن أحدهما، أو يعلمه الحيلة، فتتمكن فيه تهمة المواضعة في أخذ الرشوة، وإن كان مأمونًا، وتركه، فلا بأس ذلك، ويعمل القاضي في ذلك بما فيه من الاحتياط والتحرز. [والله تعالى أعلم] * * *

стр. 348

الباب التاسع عشر في التسوية بين الخصمين [٣٢٩] ذكر عن عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت أن بعد الله بن الزبير خصامه عمرو بن الزبير إلى سعيد بن العاص، وهو

стр. 349

على السرير، وقد أجلس عمرو بن الزبير على السرير، فلما جاء عبد الله وسع له سعيد من شقه الآخر، فقال: ههنا، فقال عبد الله: الأرض، قضاء رسول الله ﷺ أو سنة رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الإمام.

стр. 350

فيه دليل على أن الخصوم يجثون بين يدي القاضي أمامه على الأرض، ألا ترى أن عبد الله بن الزبير أشار إلى هذا. وهذا لأن القاضي [لو أجلسهما على السرير فإن أجلسهما على جانب واحد كان أحدهما أقرب إلى القاضي] فتنعدم به التسوية. وإذا جلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره تنعدم به التسوية أيضًا؛ لفضل اليمين على اليسار أيضًا؛ ألا ترى أن يمين رسول الله ﷺ كانت لأبي بكر، ويساره كانت لعمر ﵄، وكان ذلك لإظهار فضل أبي بكر على عمر ﵄.

стр. 351

[٣٣٠] ذكر عن الشعبي قال: كان حائط بين عمر بن الخطاب وأبي بن كعب ﵄، فكانا جميعًا يدعيانه، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت ﵁، فأتياه فضربا الباب، فسمع زيد صوت عمر ﵁ فاستقبل، فقال:

стр. 352

ألا أرسلت إلي يا أمير المؤمنين. فقال: في بيته يؤتى الحكم … في الحديث دليل على جواز التحكيم. وفيه دليل أيضًا على أن الإمام إذا وقعت له الخصومة أو عليه، لا يحكم بنفسه لكن يحكم غيره، ليحكم بينه وبين خصمه؛ ألا ترى أن عمر ﵁ حكم [زيد بن ثابت].

стр. 353

فإذا حكم الإمام إنسانًا يصير ذلك الحكم كالحاكم المولى. وفيه دليل على أن الحكم لا يدعوه الإمام إلى نفسه، لكن يأتي إلى بيته. وإنما كان كذلك تعظيمًا للحاكم؛ كما أن المتعلم لا يدعو العالم إلى نفسه، بل يأتي إليه تعظيمًا [للعلم]. وفيه دليل على أن الخصومات كانت تقع بين كبار الصحابة ﵃، ولا يظن بهم إلا الجميل، فيحمل على أن الأمر قد يشتبه عليهم، فيختصمون كي يظهر الحق، ولا يظن بهم إلا هذا. ثم قال: حائط … والحائط اسم للبناء، لكن المراد منه ما ادير عليه الحائط من النخل والأشجار جميعًا. ثم قال: فلما دخل ألقى إليه وسادة، فقال: ههنا في

стр. 354

الرحب … وفتح الراء في الرحب جائز. يا أمير المؤمنين. قال: وهذا أول جورك … يعني دخلت عليك لأجل الخصومة، لا لأجل الزيارة. فجلسا بين يدي زيد. فقال أبي: حائطي. فقال زيد: بينتك. فيه دليل أن الحائط كان في يد عمر ﵁. ثم قال زيد لأبي بن كعب: فإن رأيت أن تعفي أمير المؤمنين عن اليمين فاعفه. فقال عمر: [وهذا جور] أيضًا. فيه دليل على أنه لا ينبغي للقاضي أن يقول مثل هذا، إنما عليه أن يفصل بينهما، فكان هذا منه جورًا أيضًا. فقال أبي: لا، بل نعفيه، ونصدقه.

стр. 355

فقال عمر: لا، بل تقضى علي باليمين، ثم لا أحلف. اختلف المتأخرون في تأويله: منهم من قال: أراد به لا، بل اقض علي باليمين؛ فإني لا أحلف. فيه دليل على أن القضاء بالنكول جائز. وفيه دليل على أن التجنب عن اليمين الصادقة واجب. ومنهم من قال: أراد به: لا، مفصولًا عن قوله: تقضي. يعني: لا، تقضي علي باليمين، ثم لا أحلف. يعني: إنك تقضى علي باليمين، فكيف لا أحلف. فيه دليل على أن اليمين الصادقة لا بأس بها ألا ترى أن عمر ﵁ تركت له اليمين، ومع هذا قال [له] احلف.
следующие страницы →