Полный текст (1 720 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
فلان الفلاني الذي المال باسمه أقر أن المال له، وأن اسمه عارية له في ذلك، وأنه قد وكله بقبض ذلك، وفي الخصومه فيه، فإن القاضي يسأل المدعى عليه عن هذه الدعوى، فإن أقر بجميع ما ادعى المدعي أمره بدفع المال إليه.
شرط في ظاهر الرواية أنه يدعي أن فلان بن فلان وكله يقبض ذلك.
وروي عن أبي يوسف [﵀] أن هذا ليس بشرط؛ بل إذا ثبت أن هذا المال الذي عليه باسم فلان، ملك هذا الرجل، أمره بدفع المال إليه.
ووجه تلك الرواية أن الدين في الذمة مال مملوك كالعين، ولو ادعى عينًا في يد رجل أنه ملكه وثبت ذلك بالحجة يؤمر بالدفع إليه، وإن لم يثبت كون المدعي وكيلًا بالقبض من جهة أحد، فكذا إذا أثبت كون الدين في الذمة مملوكًا له.
وجه ظاهر الرواية: أن أصل الدين قد يكون مملوكًا لإنسان، ولا يكون له حق القبض، أكثر ما في الباب أن يثبت كون الدين مملوكًا له، لكن بهذا لا يثبت له حق القبض لا محالة.
ثم المسألة على أربعة أوجه:
أما أن أقر بجميع ذلك.
стр. 422
أو جحد جميع ذلك.
أو أقر بالوكالة وجحد المال.
أو أقر بالمال وجحد الوكالة.
فإن أقر بجميع ذلك أمره بدفع المال إليه.
ولم يكن هذا قضاء على الغائب، حتى إذا جاء الغائب وانكر ذلك كان له أن يأخذ ماله من المدعى عليه؛ لأن الدين إنما يقبض من مال المديون، فيكون إقراره تصرفًا منه على نفسه وفي ملكه، فينفذ عليه، ولا يتعدى إلى غيره.
وإن جحد الدعوى كلها، فقال المدعي للقاضي: حلفه لي، فإن القاضي يكلف المدعي البينة على ما أدعى من إقرار الرجل بالمال ومن توكيله له بالقبض لذلك المال؛ لأنه يدعى أنه خصم له وهو ينكر، فيحتاج إلى إثباته بالبينة.
وما قال في الكتاب [من أن القاضي] يكلف المدعي البينة على إقرار الرجل بالمال وتوكيله إياه بقبض ذلك المال فكلاهما ليس بشرط، بل الشرط إقامة البينة على أنه وكيل ليثبت كونه خصمًا، وإلا حضر.
стр. 423
فصل في الكتاب.
فبعد ذلك المسألة على وجهين:
إما أن أقام البينة على الوكالة، أو لم تكن له بينة.
فإن أقام [بينة] ثبت كونه خصمًا، فبعد ذلك المسألة على وجهين:
أما إن أقام البينة على المال، أو لم تكن له بينة على المال.
فإن أقان [بينة فإنها] تقبل، ويأخذ المدعي المال، ويكون هذا قضاء على الغائب، حتى [إنه] لو جاء وأنكر ذلك ليس له أن يأخذ المال من المدعي عليه؛ لأن المدعي إنما أثبت الوكالة بالبينة فالمدعي عليه خصم في إثبات الوكالة عليه، لأن ما يدعى على الغائب سبب لما يدعي على الحاضر، فينتصب هو خصمًا، فيصير كان البينة قامت على الغائب.
فإن لم تكن له بينة على المال، فأراد استحلافه، فالقاضي يحلفه: بالله ما لفلان بن فلان الفلاني ولا باسمه عليك هذا المال الذي سماه فلان بن فلان وهو ألف درهم، ولا أقل منها.
لأنه لما أثبت الوكالة بالبينة صار خصمًا، فهذا خصمه يدعي عليه المال، والمدعي عليه ينكر، فتوجه عليه اليمين.
وإن لم يكن للمدعي بينة على التوكيل، وقال للقاضي: إن هذا المدعي عليه يعلم أن فلانًا الذي باسمه هذا المال قد وكلني بقبض هذا المال،
стр. 424
فاستحلفه لي على ذلك، يحلفه: بالله ما يعلم أن فلان بن فلان الفلاني [الذي باسمه هذا المال] وكله على ما ادعى.
هكذا ذكر في الكتاب.
وأضاف هذا الجواب إلى أبي يوسف ﵀.
واختلف المشايخ فيه:
منهم من قال؛ منهم [الشيخ] الإمام شمس الأئمة الحلواني [﵀]: هذا قولهم جميعًا.
ومنهم من قال؛ منهم الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: هذا قولهما خاصة؛ بناء على ما ذكر في الجامع الكبير أنه إذا
стр. 425
اشترى عبدًا فطعن فيه المشتري بعيب الأباق وغيره، فإن أقام البينة على وجود هذا العيب في الحال كان البائع خصمًا، وإن لم يكن له بينة، وأراد استحلافه يحلفه: بالله ما يعلم وجود هذا العيب في الحال.
عند أبي حنيفة ﵀ لا يستحلف.
وعندهما يستحلف.
ولا فرق بينهما؛ فإن وجود العيب به في الحال ثمة شرط لسماع الخصومة وثبوت الوكالة بالقبض ههنا شرط لسماع الخصومة، والأول أظهر.
ثم إذا حلف، فإن حلف انتهى.
وإن نكل صار مقرًا بالوكالة، منكرًا للمال.
وههنا ثلاث مسائل:
أحداها: هذه.
والثانية: لو أقام البينة على إقرار الغائب له بالمال، ولم يكن له بينة على التوكيل، فلا خصومة بينهما.
فإن طلب من القاضي أن يحلفه حلفه كما قلنا.
فإن حلف انتهى.
وإن نكل صار مقرًا بالوكالة، منكر للمال.
стр. 426
والثالثة: لو كان المدعي عليه مقرًا بالوكالة صريحًا، منكرًا للمال، فصارت المسائل الثلاث واحدة: وهو ما إذا أقر بالوكالة، وأنكر المال.
ولو أقر بالوكالة، وأنكر المال صار المدعي خصمًا في حق استحلافه على المال، وأخذ المال منه، ولم يصر خصمًا في حق الخصومة، حتى لو أراد المدعي إقامة البينة على المدعي عليه بالمال قبل أن يحلفه على المال، أو بعد ما حلف، لا تسمع.
وإنما كان [ذلك]؛ لأن المدعي إنما يصير خصمًا بالوكالة، والوكالة تثبت بإقرار المدعي عليه، وإقراره حجة على نفسه، وليس بحجة على الغائب، فتثبت وكالة المدعي في حق استخلافه على المال إن كان جاحدًا للمال، وأخذ المال منه إن كان مقرًا؛ لأنه يقتصر عليه ولا يتعدى إلى الغائب، ولم تثبت في حق الخصومة، وإثبات المال عليه بالبينة؛ لأنه لو ثبت كان ذلك قضاء على الغائب، ويتعدى قوله إلى الغائب.
ونظير هذا ما قال أصحابنا: لو أن رجلًا ادعى أن رجلًا يقال له فلان بن فلان الفلاني وكله بطلب كل حق هو له على هذا الرجل، وأن له عليه ألف درهم، فأقر المدعي عليه بالوكالة، وأنكر المال، فقال المدعي له: أنا أقيم البينة أن هذا المال عليه، لم يكن خصمًا في ذلك.
وإن أقر بشيء أمره القاضي بدفعه إليه.
وإن لم يقر وأراد استحلافه حلفه.
стр. 427
فإن جاء الغائب بعد ذلك، وأنكر الوكالة، فالقول قوله، كذا ههنا.
فرق بين ما إذا ثبتت الوكالة بالإقرار، وبين ما إذا ثبتت الوكالة بالبينة.
والفرق: أن الإقرار حجة على نفسه، وليس بحجة على غيره، والقضاء بالإقرار يقتصر على المقضي عليه، والبينة حجة في حق الكل، والقضاء بالبينة يتعدى إلى غيره، فإنه يتعدى إلى الناس اجمع؛ فلهذا قال: إذا ثبتت الوكالة بالبينة يكون خصمًا، وإذا ثبتت بالإقرار لا يكون خصمًا.
و [أما] إذا أقر بالمال وجحد الوكالة فهذا على وجهين:
أما إن أقام البينة على الوكالة. أو لم تكن له بينة.
فإن أقام البينة على الوكالة ثبتت الوكالة بالبينة فصار خصمًا مطلقًا، فيؤمر بتسليم المال إليه.
وإن لم تكن له بينة، فأراد استحلافه يحلفه على ما قلنا:
فإن حلف انتهى.
وإن نكل ثبتت الوكالة، لكن في حق أخذ المال منه، لا في حق الخصومة والقضاء على الغائب.
стр. 428
[٢١ - في دعوى الوارث الدين]
[٣٧٥] قال:
ولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي، وقال: إن أبي فلان بن فلان الفلاني توفى، ولم يترك وارثًا غيري، وله على هذا كذا وكذا من المال، فإن القاضي يسأله عن ذلك:
فإن أقر بجميع ذلك أمره القاضي أن يدفع جميع ذلك إليه، ولم يكن ذلك حكمًا من القاضي على الغائب.
فههنا أربع مسائل:
مسألة في الوارث إذا حضر.
ومسألة في الوكيل إذا حضر.
ومسألة في الوصي إذا حضر.
ومسألة في المشتري إذا حضر.
أما الأولى فالجواب على ما ذكره في الكتاب: أن يؤمر أن يدفع جميع المال إليه؛ لأن المدعي عليه أقر بثبوت حق القبض له في دين في ذمته وفي عين في يده؛ فإن الدين في ذمته، والعين في يده ملك للأب بإقراره، فإذا مات الأب ولم يترك [وارثًا] إلا هذا الابن، كان حق قبض الدين والعين له، فقد أقر المدعي عليه بثبوت حق القبض له في الدين والعين جميعًا، فقبلنا إقراره، وأمرناه بالدفع إليه.
стр. 429
ولا يكون هذا حكمًا من القاضي على الأب؛ لأن القضاء بدفع المال إلى الابن لا يمس جانب الغائب، ألا ترى أن الأب لو كان حيًا، فيطالب الذي كان عليه المال بهذا المال، فإن القاضي يلزمه المال، ويحكم له عليه، فيأخذ الأب منه، ثم يرجع هو على الابن بما كان أخذه منه، فلا يكون [في] هذا إبطال حق الغائب.
ولو أنكر المدعي عليه دعواه، فقال له الابن: استحلفه: بالله ما يعلم أن أبي فلان بن فلان، ولا يعلم أن فلانًا مات ..
ذكر صاحب الكتاب: أنه روى عن أصحابنا أنه لا يستحلفه، ولكن يقال للابن: أقم البينة على وفاة أبيك، وأنك وارثه، ثم يحلف بعد ذلك على ما تدعي لأبيك من المال.
ولم ينص على أن هذا الذي روى عنه من هو.
قال: وفيها قول آخر: أنه يستحلف على العلم لما بينا.
ومنهم من قال، ومنهم الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: الأول قول أبي حنيفة، والثاني قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، بناء على ما ذكرنا من مسألة الجامع [الكبير] وهو جمل الوكالة على هذا الخلاف.
стр. 430
ومنهم من قال؛ منهم الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: الصحيح هو القول الثاني أنه يحلف كما في الوكالة، حتى لا يقع الفرق بينهما، وجعل مسألة الوكالة على الاتفاق، فإن حلف على ذلك كلف الابن إقامة البينة على وفاة أبيه [وإنه] وارثه.
فإن نكل صار مقرًا بالنسب والموت، فصار كما لو أقر بالنسب والموت صريحًا، وأنكر المال.
ولو كان كذلك [فإن] القاضي لا يجعل الابن خصمًا في إقامة البينة على إثبات المال، لكن يجعله خصمًا في حق التحليف على المال، وأخذه منه، فيحلفه على المال، لكنه يحلف البتة ما لفلان بن فلان الفلاني عليك هذا المال، وعلى دعوى النسب والموت يحلف على العلم؛ لأن ذلك ليس بتحليف على الفعل؛ فإن النسب والموت ليس من فعله، والتحليف لا على فعل نفسه يكون على العلم.
وأما المسألة الثانية، وهي مسألة الوكالة إذا حضر الوكيل وادعى أنه وكيل فلان بن فلان الغائب وكله بقبض الدين الذي قبلك، وبقبض العين الذي في يدك وديعة، وصدقه المدعي عليه بجميع ذلك فإنه يؤمر بدفع
стр. 431
الدين إليه، ولا يؤمر بدفع عين الوديعة، وفي مسألة الوارث أمره بدفع الدين والعين إلى الوارث.
والفرق: أن الوديعة عين مال مملوك للمودع، فما دام المودع حيًا كان ملكه، وكان إقرار المودع بثبوت حق القبض للوكيل إقرارًا منه في ملك الغير فلا يكون مقبولًا.
أما إذا مات المودع [فقد] صار الملك للوارث، فلم يكن هذا إقرارًا بثبوت حق القبض للوكيل في ملك الغير.
وأما المسألة الثالثة، وهي مسألة الوصي إذا حضر الوصي وقال: إن فلان بن فلان توفي، وأوصى إلي بقبض الدين الذي هو في ذمة هذا الرجل، وبقبض العين التي في يده، وصدقه صاحب اليد، فإنه يؤمر بتسليم الدين والعين جميعًا كما في المسألة الأولى، بخلاف المسألة الثانية، ولا فرق بينهما، فإن الوكالة إنابة في حالة الحياة، والوصية إنابة بعد الوفاة، ومع هذا بينهما فرق:
والفرق: إن للقاضي ولاية نصب الوصي في تركة الميت، وولاية أمر المودع بدفع الوديعة إليه، فإذا ادعى هذا أنه وصي، وصدقه المودع أيضًا يؤمر المودع بدفع الوديعة إليه، أما [الوكالة] فليس للقاضي
стр. 432
ولاية نصب الوكيل في مال الغائب، وولاية أمر المودع بدفع الوديعة إليه، فإذا ادعى هذا أنه وكيل، وصدقه، لم يملك أن يأمر المودع بدفع الوديعة إليه.
والففه ما أشرنا إليه في الفرق بين الوكيل والوارث.
وأما المسألة الرابعة، وهي مسألة المشتري: إذا حضر المشتري فادعى عينًا في يد رجل أنه ملكه اشتراه من فلان الغائب وصدقه صاحب اليد، فإنه لا يأمره القاضي بالتسليم إليه؛ لأن الشراء سبب متجدد لملك المال، فكان المدعي مدعيًا الملك بسبب، ولو قضى لابد أن يقضي بالملك والسبب، ولو قضى بالملك والسبب كان هذا قضاء على الغائب بإقرار ذي اليد، وهذا لا يجوز، بخلاف الإرث؛ لأن ذلك ليس بسبب متجدد لملك المال، بل هو إبقاء على ملك الوارث، فلا يكون قضاء على الغائب.
[٢٢ - في دعوى الشفعة]
[٣٧٦] قال:
ولو أن رجلًا ادعى على رجل أنه اشترى دارًا بجنب داره، وأنه شفيعها بداره، وأراد استحلافه على ذلك، فقال [المدعي] للقاضي:
стр. 433
أن هذا لا يرى الشفعة بالجوار، فإن حلفته: مالي قبلك شفعة هذه الدار التي سميت وحددت يتأول قول من لا يرى الشفعة بالجوار، ويحلف فيكون صادقًا في يمينه، فإن القاضي يستحلفه على السبب: ما اشتريت هذه الدار التي حددت وسميت بكذا وكذا ولا أقل من ذلك.
ثم صاحب الكتاب إلى الآن كان يأمر القاضي بأن ينظر للمدعي عليه إذا عرض للقاضي [و] يحلفه على الحاصل، ثم حول الكلام إلى جانب المدعي، فأمر القاضي أن ينظر للمدعي إذا عرض للقاضي وذكر من جنس هذه المسائل مسائل.
وهذا لأن بين العلماء اختلافًا ظاهرًا في استحقاق الشفعة بالجوار، فمتى حلفه بالله ما له قبله شفعة يتأول قول من لا يرى الشفعة بالجوار، فيكون صادقًا في يمينه، فيؤدي إلى إبطال حق المدعي، فيحلف على السبب، نظرًا للمدعي، وإن كان في هذا النظر ضرر بالمدعي عليه؛ لجواز أنه اشترى ولا شفعة له؛ بأن سلم، أو سكت عن الطلب.
لأن القاضي لا يجد بدًا من إلحاق الضرر بأحدهما، فكان مراعاة جانب المدعي أولى؛ لأن السبب الموجب للحق له وهو الشراء، إذا ثبت ثبت الحق له، وسقوطه إنما يكون بأسباب عارضة، فيصح التمسك
стр. 434
بالأصل حتى يقوم الدليل على العارض.
وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح هذا الكتاب في هذا الفصل مسألة تحتاج إليها القضاة، وهي إن الرجل إذا جاء إلى القاضي وهو يرى مذهب المخالف، فادعى شفعة بالجوار على رجل هل يقضي له القاضي بالشفعة أم لا؟ [قال]:
اختلف المشايخ فيه:
منهم من قال: لا [يقضي له]؛ لأن المدعي يدعي أنه لا حق له فيما يدعي، فإذا علم القاضي بذلك لا يلتفت إلى دعواه.
ومنهم من قال: يقضي [له]؛ لأنه لما طلب الشفعة فقد ركن إلى مذهبنا، فتقبل دعواه، ويقضي له، وإن كان يعتقد خلاف ذلك، هذا كما قلنا في أحد الزوجين من أهل الذمة إذا رفع إلى القاضي أن زوجته محرم منه، فإن القاضي يفرق بينهما عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله؛ لأنه ركن إلى ديننا، وإن كان يعتقد خلاف ذلك، فإن كانا؟؟؟؟؟؟ يفرق بينهما عندهم جميعًا؛ لما قلنا، كذلك هذا.
стр. 435
ومنهم من قال: إذا تقدم إلى القاضي يسأله عن ذلك، ويقول: هل يعتقد وجوب الشفعة بالجوار؟ فإن قال: نعم، يقضي، وإن قال: لا يدفعه عن مجلسه، ولا يسمع كلامه.
قال ﵀: وهذا أوجه الأقاويل واحسنها.
ومن جنس مسألة الكتاب ما حكى عن القاضي أبي عاصم أنه كان يدرس والخليفة يحكم، واتفق جلوسه أن امرأة ادعت على زوجها نفقة العدة فأنكر الزوج، فحلفه: بالله ما عليك تسليم النفقة من الوجه
стр. 436
الذي تدعي، فلما تهيأ للحلف نظرت المرأة إليه، فعلم أنها لماذا نظرت إليه، فنادى خليفته: سل الرجل من أي المحلة هو حتى إن كان من أصحاب الحديث حلفه: بالله ما هي معتدة منك.
لأن الشافعي ﵀ لا يرى النفقة للمبتوتة.
وإن كان من أصحابنا حلفه: بالله ما عليك تسليم النفقة إليها من الوجه الذي تدعي؛ نظرًا لها.
[٢٣ - في دعوى الإيلاء]
[٣٧٧] ومن هذا الجنس مسألة ذكرها بعد هذا وهي إنه إذا ادعت امرأة على زوجها أنه آلى منها، ومضت مدة الإيلاء، ووقعت الفرقة بينهما، وطلبت من القاضي استحلافه، وقالت للقاضي: إنه يرى أن المولي يوقف بعد الأربعة الأشهر، فيقال له: إما أن تفيء، وإما أن تطلق، فإن حلفته: بالله ما أنا بائن منه بهذا الإيلاء فإنه يحلف ويتأول: أني لست ببائن منه، فإن القاضي لا يحلفه على ذلك، لكن يحلفه
стр. 437
على السبب: بالله ما قلت لها والله لا أقربك منذ كذا وكذا على ما ادعت.
فإن حلف انتهى.
وإن نكل أبانها منه بتطليقة؛ نظرًا للمدعية، وإن كان فيه ضرر بالمدعي عليه؛ لأن سبب الفرقة إذا ثبت وهو الإيلاء، يثبت الحكم، وهو وقوع الفرقة، وعدم الفرقة إنما يكون بأسباب عارضة فلا يعتبر.
[٢٤ - في دعوى إيفاء الحق في اليمين]
[٣٧٨] قال:
ولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي، وادعى عليه ألف درهم، وأنكر ذلك، فأراد أن يستحلفه على ذلك فقال المدعي عليه للقاضي: أنه قد حلفني على هذه الدعوى عند قاضي بلدة كذا، وأنكر الطالب ذلك، وقال: ما حلفته عليها، وطلب المدعي عليه يمين الطالب على ذلك، فإن القاضي يحلفه.
لأن المدعي عليه يدعى إيفاء حقه في اليمين. ولو ادعى إيفاء حقه في المال، وأراد أن يحلف الطالب على ذلك كان له ذلك، وكذا إذا ادعى إيفاء حقه في اليمين، وأراد أن يحلفه، فله أن يحلفه.
وهذا لأنه يدعى عليه شيئًا لو أقر به الطالب لزمه، فإنه إذا أقر.
стр. 438
به لا يبقى قبله حق آخر له؛ لأن المستحق عليه يمين واحدة، ولهذا جرى الرسم أن المدعي عليه إذا حلف، فإن القاضي يبذل له الخط حتى لا يحلفه مرة أخرى، فدل إنه إذا أقر به يلزمه، فإذا أنكر يحلف، فيحلفه القاضي: بالله ما حلفت هذا المدعي عليه على دعواي هذه عند قاضي بلدة كذا.
فإن حلف، فله أن يحلف المدعي عليه على المال.
وإن نكل الطالب عن اليمين لم يحلف له المدعي عليه؛ لأنه أقر أنه لا حق له قبله.
[٢٥ - في دعوى البراءة]
[٣٧٩] قال:
ولو كان ادعى عليه ألف درهم، فقال المدعي عليه للقاضي: قد كان علي هذه الدعوى عند قاضي بلدة كذا ثم خرج من دعواه تلك فابرأني من هذه الدعوى، فحلفه أنه لم يبرئني منها، فإن حلف على ذلك حلفت له ما له علي هذه الألف التي ادعاها، ولا شيء منها، فإن القاضي لا ينبغي [له] أن يحلف المدعي: ما ابرأت هذا المدعي عليه من هذه الألف ولا [من] شيء منها.
стр. 439
هكذا ذكر صاحب الكتاب، وأشار في الكتاب إلى الفرق بين دعوى البراءة من المدعي عليه على المدعي وبين دعوى المطلوب على الطالب أن حلفه مرة.
واختلف المشايخ فيه:
منهم من قال: لا فرق بينهما، وإن اختلف الجواب لاختلاف الموضعين؛ فإن الاستحلاف إنما يكون على وفق الدعوى، ولا يكون على خلاف الدعوى، والمطلوب ادعى على الطالب البراءة عن الدعوى لا عن الألف.
ثم وضع اليمين على خلاف الدعوى وقال: لا ينبغي أن يحلف المدعي: ما أبرأت هذا المدعي عليه من هذه الألف، والمطلوب ما ادعى البراءة عن الألف، وإنما ادعى البراءة عن الدعوى.
أما في المسألة المتقدمة، فوضع المسألة على وفاق الدعوى؛ فإن المدعي عليه ادعى على الطالب أنه أوفاه حقه في اليمين، وأجاب وقال بأنه يحلف على هذا: بالله ما حلفته، فكان استحلافًا على وفاق الدعوى
стр. 440
فيستحلف فبهذا أيضًا يستحلف على دعوى البراءة من الدعوى.
ومنهم من فرق فقال: لا يستحلف أيضًا على دعوى البراءة من الدعوى.
والصحيح أنه يستحلفه. وإليه ذهب [الشيخ الإمام] شمس الأئمة الحلواني ﵀؛ لأنه ادعى عليه معنى لو أقر به يلزمه، فإذا أنكر فله أن يحلفه.
[٢٦ - عود إلى دعوى الإيلاء]
[٣٨٠] ثم ذكر بعد هذا مسألة الإيلاء، وقال: وقد شرحناها فيما تقدم.
[٢٧ - في دعوى إتلاف المال]
[٣٨١] قال:
ولو ادعى رجل على رجل: أنه كسر إبريق فضة له، وأحضره، أو أنه صب في طعامه ماء فأفسده، فجواب المسألة معروف عندنا: أن صاحب الإبريق والطعان بالخيار: إن شاء أمسك الإبريق والطعام، ولا يرجع عليه بشيء، وإن شاء دفع الإبريق والطعام إلى الجاني
стр. 441
يرجع عليه بالمثل في الطعام إن كان له مثل، وبجميع قيمة الإبريق من خلاف جنسه.
وعند الشافعي ﵀ يضمن النقصان، ولا يضمن جميع القيمة.
فإذا عرفنا جواب المسألة، فلو قال المدعي للحاكم: إن هذا ممن يرى أنه من فعل هذا لزمه النقصان، ولو يوجب عليه القيمة في الإبريق، ولا مثل كر حنطة، فمتى حلفته: بالله ما له عليك قيمة الإبريق ومثل هذا الطعام بتأول قول الشافعي ﵀ ويحلف، ولا يكون حانثًا في يمينه، فإن القاضي يحلفه له على السبب: بالله ما فعلت كذا وكذا على ما ادعاه المدعي مفسرًا، نظرًا للمدعي، وإن كان ضررًا بالمدعي عليه، لما قلنا من قبل.
[٢٨ - في دعوى خرق الثوب]:
[٣٨٢] قال:
ولو أن رجلًا أدعى على رجل أنه خرق ثوبًا له، وأحضر الثوب
стр. 442
إلى القاضي معه، وأراد استحلافه، فإن القاضي لا يحلفه على السبب: بالله ما خرقت ثوبه.
لأنه يجوز أن يكون خرقه ولا شيء عليه؛ بأن أبرأه عن ضمان النقصان، أو صالحه على شيء، أو أعطاه ضمان النقصان، فلا يحلف على السبب، لكن ينظر القاضي إلى الخرق؛ لأن من الخرق ما يوجب النقصان من غير خيار؛ نحو أن يكون الخرق يسيرًا، ومن الخرق ما يثبت الخيار، إن شاء أخذ الثوب وضمنه النقصان، وإن شاء ترك النقصان وضمنه قيمة الثوب كله؛ نحو أن يكون فاحشًا.
فإن كان يسيرًا حتى أوجب النقصان من غير خيار يقوم الثوب صحيحًا، ويقوم متخرقًا، فيضمنه ذلك النقصان، فيحلفه على الحاصل؛ لأن الخرق اليسير يوجب النقصان من غير خيار بالإجماع، فلا يمكنه أن يتأول، فلم يكن في التحليف على الحاصل ضرر بالمدعي، وفي التحليف على السبب ضرر بالمدعي عليه، فيحلف على الحاصل: بالله ماله عليك هذا القدر من الدراهم الذي يدعي، ولا شيء منه.
فإن حلف برئ.
وإن نكل لزمه ذلك.
هذا إذا كان الثوب حاضرًا.
стр. 443
وإن لم يكن الثوب حاضرًا، فجاء المدعي وقال: إن هذا خرق ثوبًا لي، فإن القاضي يقول: كم نقص هذا الخرق ثوبك؟ سمه حتى احلفه لك عليه.
لأن الدعوى لا تصح إلا بعد معرفة المدعي، ومعرفة الغائب ببيان القيمة والصفة.
هذا إذا كان الخرق يسيرًا.
وإن كان فاحشًا يوجب جميع قيمة الثوب، كان الجواب فيه في حق كيفية التحليف كالجواب في الإبريق، وإفساد الطعام بصب الماء فيه.
[٢٩ - في دعوى هدم الحائط]
[٣٨٣] قال:
وكذا إذا أدعى عليه أنه هدم حائطًا له، أو أفسد متاعًا له، أو ذبح شاة، أو بقرة، أو فقأ عين عبد له قد مات من غير ذلك، أو عيب دابة له، أو جنى على شيء من ماله، ونقصه، وذلك الشيء غير حاضر، فإن القاضي يقول [له]: كم نقصان ذلك؟ فإذا عرف ذلك حلفه على الحاصل، ولا يحلفه على السبب.
стр. 444
لأن في التحليف على السبب ضررًا بالمدعي عليه، وليس في التحليف على الحاصل ضرب بالمدعي.
[٣٠ - في دعوى القذف]
[٣٨٤] قال:
ولو أن رجلًا أدعى على رجل أنه قال له: يا فاسق، أو أدعى أنه قال له: يا زان، أو قال له: يا زنديق، أو يا كافر، أو يا منافق، أو يا فاجر، أو أدعى عليه أمرًا من الأمور التي يجب بها التعزير، أو أدعى عليه أنا ضربه، أو لطمه، فأدعى عليه التعزير، وأراد استحلافه [فإنه] يحلفه.
لأن التعزير محض حق العبد، والاستحلاف يجري في حقوق العبد، سواء كان عقوبة أو مالًا.
فإن حلف فلا شيء عليه.
وإن نكل لزمه التعزير.
لأن التعزير يثبت مع الشبهات، فجاز أن يقضي فيه بالنكول؛ كالأموال.
وصفة الاستحلاف أن يحلفه على الحاصل: بالله ما له عليك هذا الحق الذي ادعى. ولا يحلف على السبب: بالله ما فعلت؛ لأنه يجوز أن يكون فعل ذلك، وأبرأه، أو عفا عنه، وهو مما يسقط بالعفو.
[٣١ - في دعوى وضع الخشب على الحائط أو الميزاب وما شابه ذلك]
[٣٨٥] قال:
стр. 445
وإن أدعى رجل [على رجل] أنه وضع على حائط له خشبًا، أو أجرى على سطحه ميزابًا، أو في داره، أو فتح عليه في حقه بابًا، أو بنى على حائط له بناء، أو أدعى أنه أخرج تل تراب، فرمى به في أرضه، أو رملًا، أو دابة ميتة، أو شيئًا مما يكون فسادًا في أرضه، ويجب على صاحبه نقله، وأراد استحلافه على ذلك، فإنه يحلفه على السبب: بالله ما فعلت كذا وكذا، بخلاف ما تقدم.
لأنه ليس في التحليف على السبب إضرار بالمدعي عليه؛ لأنه بعد ما ثبت هذا الحق المدعي وهو استحقاق رفع هذه الأشياء عن أرضه لا يتصور سقوطه بسبب من الأسباب؛ فإنه لو أذن في الإبتداء أن يضع الخشب على حائطه، وأن يلقى الدابة الميتة في أرضه، كان ذلك إعارة منه، فمتى ما بدا له كان له أن يطالب بالرفع عن أرضه، وإن باع منه ذلك لا يجوز؛ لأن هذا بيع الحق، وبيع الحق لا يجوز.
وإن صالح عن ذلك الشيء لا يجوز.
وأن أجر الأرض لذلك لا يجوز.
دل أن هذا الحق متى ثبت لا يتصور سقوطه فلا يتضرر المدعي
стр. 446
عليه بالتحليف على السبب، فيحلف على السبب.
فإن حلف فلا سبيل عليه.
وإن نكل كلفه القاضي رفع الخشب والدابة الميتة من أرضه.
[٣٨٦] قال:
ولو كان صاحب الخشب هو المدعي، فقدم صاحب الحائط فقال: كان لي على هذا الحائط خشب، فوقع، فقلعته لأعمل غيره، وصاحب الحائط يمنعني من أن أضع عليه الخشب، فالقاضي يأمر المدعي بتصحيح الدعوى أولًا.
فإنه ما لم تصح الدعوى [أولًا] لا يستحق الجواب.
وتصحيح الدعوى في أن يبين أن له حقًا في وضع خشبة، أو خشبتين، وأن يبين غلظ الخشبة وخفتها؛ فإن هذا يتفاوت بين غلظ الخشبة وخفتها، ويبين موضع الخشبة من الحائط.
فإن صحح دعواه يسأل [القاضي] المدعي عليه عن ذلك: فإن أقر به فقد انقطعت المنازعة. وإن جحد فطلب المدعي استحلافه
стр. 447
لا يستحلفه القاضي على السبب: بالله ما كانت عليه خشبة، أو بالله ما وقعت الخشبة، أو بالله ما طرحت الخشبة؛ لأنه يجوز أن يكون طرحها لأنه لم يكن له حق وضع الخشبة، فلا يحلفه على السبب، بل يحلفه على الحاصل: بالله ما لهذا في هذا الحائط مواضع هذا الخشب، وهي كذا وكذا خشبة في موضع كذا من هذا الحائط حق واجب له.
فإن حلف لم يكن له عليه سبيل.
وإن نكل ألزمه القاضي حقه.
وكذلك أن أدعى مسيل ماء، فالقاضي يأمر المدعي بتصحيح الدعوى أولًا.
وتصحيح الدعوى في أن يبين [أن] له مسيل ماء المطر، أو ماء الوضوء؛ فإن هذا يتفاوت؛ فإن ماء المطر لا يكون أدوم لكن يكون
стр. 448
أكثر، وماء الوضوء والغسالات يكون أدوم لكن يكون أقل، فلابد من أن يبين.
[٣٢ - في دعوى حقوق الاتفاق]
[٣٨٧] قال:
وإذا أدعى طريقًا في دار رجل، فإن القاضي أولًا يأمره بتصحيح الدعوى.
لما قلته.
وتصحيح الدعوى في أن يبين مقدار عرضه وطوله، وموضعه من الدار، ثم يستحلف على الحاصل: بالله ما له هذا الحق الذي أدعاه في هذه الدار التي في يده.
فإن حلف فلا سبيل عليه.
وإن نكل ألزمه القاضي حقه.
ذكر في كتاب الدعوى قال:
إذا أدعى سبيل ماء أو طريقًا في دار رجل، وشهد الشهود أن له سبيلًا، وأن له طريقًا في هذه الدار [فإنه] تقبل البينة، وإن لم يبينوا.
هكذا ذكر في بعض النسخ.
стр. 449
وذكر في البعض: أنه لا تقبل ما لم يبينوا.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀:
تأويل ما ذكر في بعض النسخ أنها تقبل [فيما] إذا شهدوا على إقرار صاحب الدار للمدعي أن للمدعي سبيل ماء، أو طريقًا في داره، فإن جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار.
وتأويل ما ذكر في بعض النسخ أنه لا تقبل إذا شهدوا لا على الإقرار؛ فإن جهالة المشهود به تمنع صحة الشهادة.
[٣٨٨] قال:
وإن أدعى على رجل أنه شق في أرضه نهرًا، فساق الماء فيه إلى أرض له، فإنه ينبغي للقاضي أن يسأله عن هذه الأرض التي شق فيها لتصير معلومة، فتصح الدعوى.
وذلك في أن يبين أولًا حدود هذه الأرض، وموضع هذا النهر من هذه الأرض أنه من الجانب الأيمن، أو من الجانب الأيسر، ويبين قدر طول النهر وعرضه.
فإذا بين صار معلومًا، فتصح الدعوى.
ثم يسأل القاضي المدعي عليه عن ذلك:
стр. 450
فإن جحد دعواه، وأراد المدعي استحلافه يحلفه: بالله ما أحدثت في أرض هذا الرجل هذا النهر الذي وصف.
ولا يحلفه على الحاصل؛ لأنه ليس في التحليف على السبب ضرر بالمدعي عليه؛ لأنه إذا ثبت هذا لا يسقط حق صاحب الأرض في مطالبة حافر النهر بسبب من الأسباب من الإذن في الإبتداء، بالبيع والإجارة وغير ذلك، فيحلف على السبب.
وكذلك القناة وما أشبه ذلك على هذا.
[٣٣ - في دعوى الإضرار بالأرض]
[٣٨٩] قال:
وإن أدعى [رجل] على رجل إنه حفر في أرض له حفيرة أضر ذلك بأرضه، وأراد استحلافه على ذلك، فإنما عليه النقصان في ذلك.
ويستحلفه القاضي على الحاصل: بالله ما له عليك هذا الذي ادعاه، وهو كذا وكذا.
ولا يحلف على السبب؛ بخلاف ما تقدم.
لأن هنا في التحليف على السبب ضررًا بالمدعي عليه؛ لأنه يجوز
стр. 451
أن يكون حفر حقه، وأضر بأرضه، لكن ابرأه عن ذلك، أو أوفاه النقصان، فلو حلف على السبب لتضرر المدعي عليه كما في دعوى الخرق اليسير في الثوب وأجناسه.
ثم من العلماء من قال: إذا حفر حفيرة في أرضه لا يضمن النقصان، لكن يؤمر بكسبها، فإذا حلف على النقصان ربما يتأول قوله، فيحلف. وصاحب الكتاب لم يأخذ في ذلك بالإحتياط؛ لأنه لم يعتبر هذا القول.
ثم قوله في الكتاب: أضر ذلك بأرضه، إشارة إلى أنه إن لم يتمكن النقصان في أرضه بذلك فلا يجب عليه شيء.
ولو رفع التراب من أرض إنسان هل تجب عليه قيمة التراب؟
ينظر:
إن كان في موضع للتراب فيه قيمة، يضمن قيمة التراب، سواء تمكن النقصان في الأرض أو لم يتمكن؛ لأن الأرض مملوكة له، فكذا التراب أيضًا مملوك له.
стр. 452
قال الشيخ شمس الأئمة السرحسي ﵀:
الرواية محفوظة في ما إذا دخل الماء في أرض رجل، واجتمع الطين في أرضه بذلك فإنه لا يكون لأحد أن يأخذ ذلك الطين، ويرفعه عن أرضه؛ بخلاف الصيد، إذا دخل في أرضه حيث يملك كل أحد أن يصطاده، وكذا السمك إذا دخل مع الماء في ملكه كان لكل أحد أن يأخذه، فثبت أن التراب مملوك له، فمتى رفعه إنسان، وله قيمة في ذلك الموضع يضمن.
وإن كان في موضع لم يكن للتراب فيه قيمة ينظر:
إن تمكن النقصان في الأرض بذلك الصنع يضمن النقصان، وإلا فلا.
[٣٤ - في دعوى الرهن]
[٣٩٠] قال:
ولو أن رجلًا أدعى على رجل مائة دينار، وكان للمدعي عليه عند المدعي رهن بهذه الدنانير، فخاف المدعي عليه أن لو أقر بالدنانير، وادعي الرهن يجحد المدعي الرهن، فالحيلة في ذلك: أن يسأل
стр. 453
القاضي، حتى يسأل المدعي: هل عندك بهذا المال رهن أم لا؟
فإن أقر، وقال: نعم كذا، فقد زال الخوف.
وإن جحد، وأراد الاستحلاف، لا يحلف: بالله ما له عليك مائة دينار؛ لأنه يتضرر به المدعي عليه؛ فإن المال واجب عليه، ولا يمكنه أن يحلف، لكن يحلف: بالله ما له عليك مائة دينار، ولا رهن لك بها عنده.
لأنه لا يتضرر به، فإنه يمكنه أن يحلف.
وقال بعض المتأخرين من مشايخنا: له حيلة أخرى، وهي أن يحلف: بالله ما عليك أداء هذا المال وتسليمه إلى هذا المدعي.
لأن أداء المال وتسليمه لا يجب إذا لم يحضر صاحب الدين الرهن، فيكون المدعي عليه صادقًا في يمينه.
وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذه الحيلة؛ فإنه يحلف: بالله ما له عليك مائة دينار، ولا شيء منها.
لأن جحود المدعي الرهن إتلاف منه للرهن، وبهلاك الرهن يصير مستوفيًا المال، فلا يبقى له عليه حق، فإذا حلف على ذلك كله كان صادقًا في يمينه.
стр. 454
[٣٥ - في دعوى المال والحقوق على العبد]
[٣٩١] قال:
ولو أن رجلًا أدعى على عبد محجور عليه مالًا أو حقًا من الحقوق، لا يؤخذ منه الساعة، وهو عبد، ويلزمه ذلك بعد العتق؛ بأن أدعى أنه كفل بالدين عن هذا الرجل، أو تزوج امرأة بغير إذن المولى، ودخل بها، ووجب المهر عليه صحت الدعوى، وتوجهت اليمين على العبد.
لأن العبد صحيح القول، وقد أدعى عليه شيئًا لو أقر [به] لزمه بعد العتق. فإذا أنكر توجهت عليه اليمين، فإذا نكل ثبت المدعي [به]، فإن عتق أخذ به حينئذ.
ثم اختلفوا في الدين الموجل إذا أدعى صاحب الدين ذلك الدين هل تتوجه اليمين على المدعي عليه أم لا؟
قال بعضهم: تتوجه.
واستدلوا بمسألة العبد المحجور.
وقال بعضهم: لا [تتوجه] وهو الأظهر.
стр. 455
وفرقوا بينه وبين مسألة العبد المحجور.
والفرق: أن التأخير في الدين المؤجل بدليل يوجب التأخير، وهو التأجيل، فتأخرت المطالبة [به] مطلقًا، فلم يبق واجب الأداء.
أما في العبد المحجور فلم يتأخر بدليل موجب للتأخير؛ ألا ترى أنه لو كفل به إنسان صح، ويطالبه بالأداء في الحال، لكن تأخرت المطالبة ضرورة العسرة، فلا يظهر التأخير في حق توجه اليمين عليه؛ كما إذا أدعى دينًا على المعسر الحر وجحده فإنه تتوجه اليمين عليه كذا ههنا.
وبعض العلماء قالوا: بل إن للمولى أن يمنع المدعي عن ذلك ويقول: لي حق استخدامه، فلو اشخصه إلى باب القاضي عجزت عن استخدامه، فلا يملك إبطال حقي بأشخاصه؛ كما قلنا في الرجل إذا زوج أمته من إنسان، فإن له أن يمنعها من الزوج، وإن كان
стр. 456
للزوج حق الاستمتاع بها بالنكاح؛ كيلا يفوت حق استخدام المولى، كذلك ههنا.
ولو كان مكان العبد المحجور صبي، فهذا على وجهين:
إن لم يكن للمدعي بينة فلا يكون له حق إحضاره إلى باب القاضي؛ لأنه لو أحضره لا تتوجه عليه اليمين؛ لأنه لو نكل لا يقضي بنكوله.
وإن كانت له بينة وهو يدعي عليه الاستهلاك كان له عليه حق إحضاره، لكن يحضر معه أبوه؛ لأن الصبي مؤاخذ بأفعاله، والشهود يحتاجون إلى الإشارة، فكان له حق إحضاره، فيحضر معه أبوه؛ لأن الصبي لا يلي بنفسه شيئًا، فيحضر الأب، حتى إذا لزم الصبي شيء يؤمر الأب بالأداء عنه من ماله.
[٣٦ - في الدعوى على العبد المأذون له في التجارة]
[٣٩٢] قال:
وكذا العبد المأذون له في التجارة [إذا] اشترى جارية فوطئها، ثم استحقت، وهي ثيب، إن أقر العبد بذلك الساعة لا يلزمه شيء، وإن
стр. 457
أنكر العبد فأراد استحلافه عليه حلفه [عليه] بالله.
وإن نكل جعلته عليه إذا أعتق.
والمأذون بمنزلة المحجور عليه في حق بعض الأحكام؛ فإنه لو أقر بمهر إمرأة، أو بافتضاض جارية وافضائها، فإنه لا يؤاخذ به في الحال، إنما يؤاخذ به بعد العتق كالمحجور عليه، وبمنزلة الحر في حق بعض الأحكام؛ فإنه لو أقر بثمن جارية اشتراها، يؤاخذ به في الحال؛ لكن إذا جحد المأذون ما يلزمه في الحال، وما يلزمه بعد العتق، وأراد المدعي استحلافه يحلف في الحال كما في المحجور عليه.
ثم قال صاحب الكتاب: إذا اشترى جارية فوطئها، ثم استحقت وهي ثيب، أن أقر العبد بذلك الساعة لا يلزمه شيء، وجعله فيه كالمحجور.
ومن المتأخرين من صحح ما قاله صاحب الكتاب، وفرق بين الثيب والبكر، وجعل المأذون في الثيب كالمحجور عليه، وفي البكر كالحر، ذكره الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني في شرح هذا الكتاب، وقال: هذا غير صحيح؛ فإنه شيء ذهب على صاحب الكتاب؛ فإن هذه المسألة
стр. 458
أوردها في المأذون والإقرار، أن إقراره صحيح؛ لأن هذا يبتني على الشراء، والشراء من التجارة، فيكون هذا من توابع التجارة، إلا ترى أن أحد المتفاوضين إذا فعل ذلك يؤاخذ به صاحبه، وكذا ذكر في الجامع الصغير في كتاب المكاتب، ووضع المسألة في المكاتب وقال: إذا وطئ المكاتب أمه على وجه الملك بغير إذن المولى، ثم استحقها رجل فعليه العقر يؤاخذ به في مكاتبته، وجعله من توابع التجارة.
[٣٧ - في دعوى العيوب]
[٣٩٣] قال:
ولو أن رجلًا أشترى من رجل جارية بألف درهم، وتقابضا، ثم طعن المشتري فيها بشبجة في رأسها، فاستحلف القاضي البائع على ذلك،
стр. 459
فنكل عن اليمين، فردها على البائع، ثم جاء البائع بالجارية بعد ذلك وقال: هذه الجارية حبلى، وهذا الحبل حدث عند المشتري، فإن القاضي يسأل المشتري عن ذلك.
هذه المسألة على ثلاثة أوجه:
أحدهما: هذه. فإذا سأله: فإن قال المشتري: ما لي بها علم، فإن القاضي يريها النساء، فإن قلن حبلى لا يثبت الرد بقول النساء لكن توجه الخصومة فيحلف القاضي المشتري: بالله ما حدث هذا الحبل عندك.
فإن حلف فلا شيء عليه، والرد باق على حاله، كما كان؛ لأنه لم يثبت كون هذا العيب عند المشتري.
وإن نكل قيل للبائع: أنت بالخيار: إن شئت فاحبسها، ولا شيء لك، وإن شئت فردها على المشتري، ويرد عليه أرش الشجة التي كانت بها عندك؛ لأن الجارية خرجت عن ملكه بعيب واحد والآن ترد بعيبين، فيكون له الخيار: إن شاء رضي بذلك، وإن شاء لم يرض.
وما قال صاحب الكتاب: يرد عليه أرش الشجة، أراد به نقصان ذلك العيب.
والثاني: إن قال المشتري للقاضي: قد كان هذا الحبل عند البائع،
стр. 460
ولا أعلم به فهذا إقرار منه بكون الحبل عنده؛ لأنه لما أقر إنه كان عند البائع، فقد أقر أنه موجود عنده، فثبت عيب الحبل عند المشتري، لكن لم يثبت عند البائع؛ لإن إقراره على نفسه حجة، أما على البائع فلا.
فيستحلف البائع: بالله لقد بعتها من هذا المشتري وسلمتها إليه، وما بها هذا الحبل.
فإن حلف ردها على المشتري، ورد عليه أرش الشجة.
وإن نكل لزمته الجارية.
كذا قال صاحب الكتاب.
وطعنوا فيه وقالوا: لا يحلف بالله لقد بعتها من هذا المشتري [وسلمتها إليه] وما بها هذا الحبل، لأن الحبل يجوز أن يكون حادثًا [بعد البيع قبل التسليم، والحبل الحادث بعد البيع قبل التسليم يثبت حق الرد، ومتى كان الحبل حادثًا] بعد البيع قبل التسليم، فلو حلف على ذلك يمكنه أن يحلف؛ لأنه يكون بارًا في يمينه، مع أن للمشتري حق الرد عليه؛ لأن شرط الحنث في هذه اليمين قيام الحبل عند الأمرين،
следующие страницы →