Полный текст (1 720 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الباب الرابع والعشرون في رد الإيمان ومن لا يرى ردها
[اختلاف السلف في مسألة رد الإيمان]
[٤١٥] ذكر عن الشعبي أن المقداد بن الأسود استسلف من عثمان ﵁ سبعة آلاف درهم، فلما أتاه بها أتاه بأربعة آلاف درهم، فقال عثمان ﵁: أنها كانت سبعة آلاف درهم، فقال المقداد: ما كانت إلا أربعة آلاف، فلم يزالا حتى ارتفعا إلى عمر بن الخطاب رضي
стр. 492
الله عنه، وكان ذلك في خلافته، قال: فقال المقداد: يا أمير المؤمنين، ليحلف أنها كما يقول، وليأخذها.
فقال عمر ﵁: قد انصفك، احلف إنها كما تقول، وخذها.
فقال عثمان ﵁: لا أحلف.
فقال: أن لا تحلف فخذ ما أعطاك.
قال: فأخذها.
قال: فلما قام المقداد قال عثمان: والله إنها كانت لسبعة آلاف.
فقال: فما منعك أن تحلف، وقد جعلت ذلك إليك، والله إن هذه لسماء، وإن هذه لأرض، وإن هذه لشمس، وإن هذا لنهار؟!
стр. 493
اشتمل الحديث على فوائد:
منها: إنه علم أن عمر ﵁ كان ممن يرى رد اليمين إلى المدعي، ألا ترى أنه عد هذا من الإنصاف؟!
والمسألة مختلفة بين الصحابة ﵃:
فكان عمر ﵁ يرى رد اليمين إلى المدعي، وعلي ﵁ ممن لا يرى ذلك.
والشافعي ﵁ أخذ بقول عمر ﵁.
وعلماؤنا ﵃ أخذوا بقول علي رضي الله تعالى عنه.
وقد صح رجوع عمر ﵁ [عن ذلك]:
стр. 494
فإنه روي أن امرأة ادعت على زوجها أنه قال لها: حبلك على غاربك، فحلفه عمر: بالله ما أراد به الطلاق، فنكل فقضى بالفرقة.
والقضاء بالنكول إنما يتصور إذا كان لا يرى رد اليمين إلى المدعي، فكان تأويل حديث عمر مع عثمان والمقداد أحد الوجهين:
[أما أن كان] قبل الرجوع، أو كان بطريق الصلح.
فقد ذكر محمد ﵀ في كتاب الاستحلاف أنه يجوز رد اليمين
стр. 495
إلى المدعي على وجه الصلح.
وذكر في الجامع الصغير أن الصلح عن اليمين جائز، حتى لا يكون له أن يستحلفه على تلك اليمين أبدًا، فلما جاز الصلح جاز أيضًا رد اليمين على وجه الصلح.
ومنها أنه لا بأس باليمين الصادقة؛ ألا ترى أن عمر ﵁ قال: ما منعك أن تحلف؟
وهذا لأن في اليمين تعظيم المقسم به، فمتى كان صادقًا في اليمين كان فيه تحقيق معنى التعظيم، فلم يكن به بأس.
وعثمان ﵁ تحرز عن اليمين الصادقة صيانة لنفسه عن اليمين.
ثم قال صاحب الكتاب:
إن القرض كان سبعة آلاف، والتجاحد كان في ثلاثة آلاف، وغيره من رواة الحديث قالوا: إنها كانت اثنى عشر ألفًا، والتجاحد كان في خمسة آلاف؛ لأنه أتاه بسبعة آلاف وجحده في خمسة
стр. 496
آلاف.
ثم الأخبار إلى أخر الكتاب على هذا الأصل، فبعضهم رأوا رد اليمين إلى المدعي، وبعضهم أبوا [ذلك]، وبقولهم أخذ علماؤنا.
والله تعالى أعلم
* * *
стр. 497
الباب الخامس والعشرون في اليمين على العلم
[اختلاف السلف في أخذ اليمين على العلم أو البتات]
[٤١٦] ذكر عن الشعبي أنه قال:
كان شريح يحلف البتة في الرجل يدعي على أبيه دينًا، فإن حلف وإلا أخذ منه.
واختلف السلف في هذا؛ إن الرجل إذا أدعى على مورثه دينًا أو عينًا كيف يحلف؟ على العلم، أو على البتات؟
стр. 498
قال شريح: يحلف على البتات.
وبه أخذ ابن أبي ليلى.
وقال إبراهيم النخعي والحسن البصري: يحلف على العلم.
стр. 499
وبه أخذ علماؤنا.
هما يقولان بأن الاستحلاف ينبني على الإنكار، وفي الإنكار لا يكفيه العلم، بل يلزمه أن ينكر باتًا؛ فإنه لو قال المدعى عليه: لا علم لي بأن له علي دينًا، أو قال: لا علم لي بأن العين الذي في يده ملك المدعي، أم لا، لا يكفيه؛ بل يلزمه الجواب باتًا بالإنكار إن كان منكرًا.
فكذلك الحلف لا يكفي فيه بالعلم؛ بل يلزمه الحلف باتًا.
والدليل على ذلك: أن الابن إذا أدعى دينًا لأبيه الميت، يكون الاستحلاف على البتات لا على العلم، فكذا ههنا.
وإنا نقول: مباشرة سبب هذا الدين لم توجد من الوارث، وإنما كان من المورث؛ كالاستحلاف على فعل نفسه، فيكون على البتات.
стр. 500
أما على فعل الغير فيكون على العلم.
أصله حديث القسامة.
[طلب الدائن استحلاف الوارث في دعوى المال على المورث]
[٤١٧] قال:
ولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي [وقال]:
إن أبا هذا قد توفى، ولي عليه ألف درهم، فإنه ينبغي للقاضي أن يسأل المدعى عليه: هل مات أبوه؟
لأن الجواب إنما يتوجه على الابن [إذا صار خصمًا] وإنما ينتصب الابن خصمًا بعد موت الأب.
فبعد ذلك المسألة على وجهين:
إما أن أقر، وقال: نعم.
أو أنكر أن يكون أبوه مات.
فإن أقر، وقال: نعم، سأله عن دعوى الرجل على أبيه.
لأنه صار خصمًا، والجواب يتوجه على الخصم.
فإن أقر له بالدين على أبيه يستوفى الدين من نصيبه.
لإقراره على نفسه بذلك.
وإن أنكر، فأقام المدعي البينة على ذلك تقبل، ويقضي بالدين، ويستوفي من التركة، لا من نصيب هذا الوارث.
стр. 501
لأن أحد الورثة ينتصب خصمًا في ما يدعى على الميت، فصارت البينة القائمة على هذا الواحد كالقائمة على جميع الورثة، أو على المورث لو كان حيًا، فيثبت الدين في جميع التركة، فيستوفى من التركة؛ بخلاف الإقرار.
وإن لم يكن للمدعي بينة على ذلك، وأراد استحلاف هذا الابن، يستحلف على العلم عند إبراهيم، والحسن، وهو قول علمائنا؛ خلافًا لابن أبي ليلى وشريح.
يحلف عندنا: بالله ما يعلم أن لفلان بن فلان هذا على أبيك هذا المال الذي أدعاه وهو ألف درهم، ولا شيء منه.
فإن حلف انتهى [الكلام].
وإن نكل يستوفى الدين من نصيبه.
فإن قال: لم يصل إلي من ميراث أبي شيء ينظر: إن صدقه المدعي فلا شيء له، وإن كذبه، وقال: لا، بل وصل إليه ألف درهم، أو أكثر، يحلف على البتات: بالله ما وصل إليه من مال أبيه هذه الألف، ولا شيء منها.
لأنه يحلف على فعل نفسه.
стр. 502
فإن نكل لزمه القضاء.
وإن حلف لا شيء عليه.
هذا إذا حلفه على الدين أولًا، ثم [حلفه] على الوصول.
وإن حلفه على الوصول، ولم يكن حلف المدعي على الدين، فأراد أن يحلفه على الدين بعد ما حلفه على الوصول، فقال الابن: ليس علي يمين؛ لأنه لم يصل إلي من ميراث أبي شيء، فإن القاضي لا يقبل قوله، ويحلفه على العلم.
لأن الحاجة إلي إثبات الدين، وفي إثبات الدين لا تقع الحاجة إلى وصول شيء من الميراث إلى يده، وفي إثبات الدين فائدة، فإنه متى استحلف، وأقر، أو نكل، وثبت الدين بعد ذلك، إذا ظهر للأب وديعة، أو بضاعة عند إنسان لا تقع الحاجة إلى الإثبات، فكان فيه فائدة منتظرة.
هذا إذا حلفه على الوصول أولًا ثم على الدين.
أما إذا أراد أن يحلفه على الدين أولًا، فقال الابن: لم
стр. 503
يصل إلي من ميراث أبي شيء، فليس علي يمين. ينظر:
إن صدقه المدعي، ومع هذا أراد استحلافه على الدين فله ذلك، لما قلنا.
وإن كذبه، وأراد استحلافه على الدين والوصول جميعًا، لم يذكر هذا في الكتاب. واختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: يستحلف يمينًا واحدةً: بالله ما وصل إليه ألف درهم، أو شيء منها من تركة أبيك، ولا نعلم أن لهذا الرجل على أبيك دينًا من هذا الوجه الذي يدعي.
ويجوز أن يجمع بين اليمين على البتات واليمين على العلم؛ كما في حديث القسامة.
وقال عامتهم: يحلف مرتين؛ لأنه إنما يجمع بين اليمينين إذا كانا من جنس واحد وسببهما واحد، وههنا قد اختلف الجنس؛ فإن اليمين على البتات ليس من جنس اليمين على العلم، وسببهما مختلف، فلا يجمع بينهما، بخلاف القسامة؛ لأن سببهما واحد وهو القتل، لكن يحلف مرة على الوصول على البتات ومرة يحلف على الدين
стр. 504
على العلم.
هذا إذا أقر، وقال: نعم.
أما إذا أنكر أن يكون أبوه مات، وأراد الغريم استحلافه على ذلك يحلف على الموت والوصول يمينًا واحدة، لكن على الموت على العلم، وعلى الوصول على البتات: بالله ما تعلم أن أباك مات، ولا وصل إليك من ميراثه شيء.
هكذا ذكر في بعض النسخ، وبه أخذ أولئك المشايخ.
وعامة مشايخنا على أنه يحلف مرتين: على الموت مرة على العلم، وعلى الوصول مرة على البتات.
فإن نكل حتى ثبت الموت يحلف على الدين على علمه.
فإن حلف فليس عليه شيء.
[طلب الوارث استحلاف المدين في دعوى مال مورثه]
[٤١٨] قال:
ولو أن رجلًا مات فادعى وارثه على رجل أنه كان لأبيه عليه ألف درهم دينًا، وصار ميراثًا له، وأقر المدعى عليه بالموت، وأنكر
стр. 505
الدين، وأراد الوارث أن يحلفه [فإنه] يحلفه بالله البتة: ما كان لأبيه عليه ألف درهم دينًا، ولا شيء منه من الوجه الذي يدعي.
وعلى قول شريح: يحلف الوارث أولًا على البتات: بالله ما قبض الأب منه شيئًا.
هو يقول بأن الدين إنما ينتقل إلى ملك الابن إذا لم يقبض الأب، أما إذا قبض فلا.
ونحن نقول: إن الدين إذا ثبت للأب على المديون يبقى إلى أن يوجد المسقط وهو القبض؛ ألا ترى أن في حياة الأب يحلف المديون على الدين، ولا يحلف الأب بالله ما قبض، إلا أن يكون المديون يقر ويدعي الاستيفاء، فكذا هذا.
وكذا إذا أقام الابن البينة على الدين، لا يحلف على قبض الأب عندنا.
وعند الشافعي وشريح يحلف البتة.
فإن حلف أخذ المال، وإلا فلا.
هذا معنى ما قال في أول الباب حاكيًا عن شريح: ويكون لأبيك على
стр. 506
إنسان دين تدعيه، فتقيم البينة، فإن حلفت مع بينتك، وإلا لم أعطك.
فإن أقر المديون، وادعى الابن أن أباه قبض منه الدين، أو عرض المديون فقال: قد يكون لإنسان على إنسان [دين] ثم لا يبقى، باعتبار أن صاحب الدين يقبض ذلك منه، وأنا لا أحب أن أقر بشيء، مخافة أن يلزمني، وأراد الاستحلاف، فحينئذ يحلف الابن على العلم: بالله ما يعلم أن أباه قبض هذا المال.
[استحلاف الوارث على الوصية]
[٤١٩] قال:
ولو أن رجلًا قدم رجلًا وارث الميت إلى القاضي، وادعى أن له على الميت حقًا مسمى، وإن الميت أوصى إليه بوصية، فإن الوارث يستحلف على علمه في ذلك.
لإنه يستحلف لا على فعله.
[استحلاف المشتري]
[٤٢٠] قال:
ولو أن رجلًا اشترى من رجل جارية أو غيرها، وقبض ذلك منه، ثم إن رجلًا ادعى أنه اشترى ذلك من البائع، قبل أن يشتريه منه هذا، وقدم هذا المشتري إلى القاضي، فإن المشتري الذي ذلك في يده يحلف [على علمه] لكن على السبب: بالله ما يعلم أن هذا الرجل اشترى
стр. 507
هذا الشيء من فلان بن فلان قبل أن تشتريه أنت منه.
إما [إنه] يستحلف، فلأن المدعي يدعي شيئًا لو أقر به لزمه، فإن أنكر يستحلف.
وإنما يستحلف على العلم؛ لأنه استحلاف على فعل الغير.
فإن عرض المشتري الذي هو ذو اليد بشيء، فقال: قد يشتريه ثم ينتقض البيع، ولا أحب أن أقر مخافة أن يلزمني، فإن القاضي يحلفه الآن على الحاصل: بالله ما يعلم أن هذا الشيء شراء لهذا من فلان قبل أن تشتريه انت؛ على التفسير الذي فسرناه في باب اليمين.
لأنه لما عرض، فقد طلب النظر من القاضي، فيجب النظر له.
قال القاضي الإمام أبو الحسن علي السغدي:
стр. 508
النظر لا يحصل بما قال صاحب الكتاب، وإنما يحصل إذا حلفه: بالله ما هذا الشيء له من الوجه الذي يدعي.
[استحلاف المولى على جناية عبده]
[٤٢١] قال:
وكذلك لو أن رجلًا قدم رجلًا إلى الحاكم، فادعى أن غلامًا له قد استهلك له مالًا، أو جنى عليه جناية دون النفس، أو ادعى أنه
стр. 509
جنى على ابنه، أو على عبده جناية في النفس، أو في ما دونها، أو ادعى أنه قتل وليًا له خطأ، أو ادعى أنه قتل له وليًا عمدًا، وأراد استحلاف المولى على ذلك، فهذا على وجهين:
إن ادعى جناية موجبة للمال فاليمين تتوجه على المولى دون العبد.
لأن اليمين مشروعة لرجاء الإقرار، وإقرار المولى [بالمال] على عبده صحيح، فإما إقرار العبد بذلك فلا يصح؛ بخلاف ما إذا ادعى المال على العبد فإنه تتوجه اليمين على العبد.
لأن إقرار العبد على نفسه بالمال صحيح في حق نفسه، إلا أنه لا يستوفى في الحال لحق المولى، بدليل أنه إذا سقط حق المولى بالعتق، يطالب به العبد للحال.
أما إقرار العبد على نفسه بالجناية الموجبة للمال،
стр. 510
فلا يصح، حتى لا يطالب به العبد بعد العتق، فكانت اليمين في هذا على المولى.
وإن ادعى جناية موجبة للقصاص فاليمين تتوجه على العبد.
لأن إقرار العبد بالقصاص على [فعل] نفسه صحيح، وإقرار للمولى بذلك لا يصح، فلا يستحلف. إلا أن في الوجه الثاني العبد يستحلف على البتات، وفي الوجه الأول المولى يستحلف على العلم؛ لإن العبد يستحلف على فعل نفسه، والمولى يستحلف على فعل غيره، والاستحلاف على فعل الغير يكون على العلم. وعلى فعل نفسه يكون على البتات.
مثال الأول:
رجل وكل رجلًا بطلب حقه قبل فلان وقبضه من المطلوب، ثم جاء صاحب الحق يطالب فلانًا، فقال المطلوب: قد كنت دفعت ذلك إلى وكيلك، وأنكر الطالب ذلك منه، فإنه يستحلف على علمه في ذلك.
لأنه استحلاف على فعل غيره.
стр. 511
ومثال الثاني:
رجل اشترى من رجل أمة وقبضها، فجاء رجل وادعى أنها له، فإن المشتري يحلف البتة على دعواه؛ لأنه لم يستحلف على فعل غيره.
[الاستحلاف في دعوى الميراث]
[٤٢٢] قال:
ولو أن رجلًا ادعى دارًا في يد رجل فأراد أن يستحلفه، فقال المدعى عليه: هذه الدار ورثتها من أبي، فقال المدعي: ما ورثت هذه الدار، ولكنها وصلت إليك من غير ميراث، فإنه لا يقبل قول المدعى عليه، ويحلفه البتة على دعوى المدعي.
لأن سبب استحقاق اليمين على البتات قد تقرر، وهو ظهور الدار في يده، فيكون خصمًا لهذا المدعي.
فقوله: وصلت إلي من جهة الميراث يريد إسقاط يمين البتات عن نفسه، فلا يقبل ذلك منه إلا بحجة.
فإن قال الذي في يده الدار [للقاضي]: حلف هذا المدعي أنها لم تصل إلي من ميراث أبي، حلفه القاضي: بالله ما يعلم أنها وصلت إليه
стр. 512
من قبل ميراث أبيه؛ لأنه ادعى عليه شيئًا لو أقر به لزمه، وسقطت يمين البتات عن المدعى عليه.
فإذا جحد يستحلف، لكن على العلم.
لأنه [استحلاف] على فعل غيره.
فإن حلف المدعي لم يثبت وصول هذه الدار إلى المدعى عليه بجهة الميراث، فتتوجه يمين البتات عليه.
وإن نكل ثبت الوصول بجهة الميراث، فحينئذ يستحلف المدعى عليه على العلم: بالله ما يعلم أن هذه الدار لهذا الرجل من الوجه الذي يدعيه.
[٤٢٣] قال:
ولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي، وقال: إن أبا هذا توفي، ولي عليه ألف درهم، وسأل القاضي المدعي على أبيه المال عن ذلك فقال:
стр. 513
قد مات أبي، ولهذا عليه ألف درهم، فقال المدعي: قد ترك أبوه مالًا، وسمى ألفًا أو أكثر من ذلك، فسأله القاضي عن ذلك فقال: ترك أبي هذه الألف وهؤلاء إخوتي، وأحضرهم، وهم اثنان، أو ثلاثة، صغارًا [كلهم] أو كبارًا كلهم، أو صغارًا وكبارًا، فالمسألة على وجهين:
إما أن أقر بالدين أولًا ثم ادعى أن هؤلاء إخوته كما ذكر في الكتاب.
أو ادعى الإخوة أولًا، وقال: هؤلاء إخوتي، وهذه الألف من بركة أبينا.
ففي الوجه الأول: يؤمر بتسليم جميع الألف إلى صاحب الدين، ولا يقبل قوله: إن هؤلاء إخوتي إذا كانوا لا يعرفون إلا بقوله.
لأنه لما أقر بالدين، وإن الألغ تركة الميت الآن، صارت
стр. 514
الألف مستحقة للمقر له عينًا؛ لأن الدين بعد الموت يتعلق بالتركة وتتعين التركة لقضاء الدين.
فإذا صارت مستحقة للمقر له عينًا، فإقراره بالإخوة بعد ذلك مما يؤدي إلى إبطال الاستحقاق الثابت له لا يقبل، فيؤمر بالتسليم إليه.
وفي الوجه الثاني: يؤمر بتسليم نصيبه إليه.
لأنه لما أقر بالإخوة أولًا فقد أقر لهم بالشركة، وصارت التركة مقسومة بينهم بالحصص، فبعد ذلك إقراره بالدين على نفسه يصح لا على غيره، ويستوفي نصيبه من ذلك الدين.
ونظير هذا إذا اختلف الشفيع والمشتري، فقال المشتري: اشتريت بألفين، وقال الشفيع: لا، بل اشتريت بألف، وقال البائع:
стр. 515
بعت بألفين، واستوفيت الثمن، فيعتبر قول البائع، ويجب على الشفيع ألفان، لا يأخذ الدار إلا بها.
ومثله: لو قال: بعت واستوفيت الثمن وهو ألفان، فإنه لا يعتبر بيانه، فافترق الحال بينهما إذا قدم أو أخر.
وكذلك في كتاب الإقرار إذا قال وصي الميت: استوفيت حق الميت الذي على فلان، وهو كذا وكذا، أو قال: استوفيت من فلان كذا وكذا، وهو جميع حق الميت الذي كان عليه، يفترق الحال بينهما، وموضعهما كتاب الإقرار.
والله تعالى أعلم
* * *
стр. 516
الباب السادس والعشرون في من قال: تقبل البينة بعد اليمين
[٤٢٤] ذكر عن شريح أنه قال:
اليمين الفاجرة أحق أن ترد من البينة العادلة.
يريد بهذا أن الرجل إذا ادعى على غيره حقًا واستحلفه، فحلف، بم جاء المدعي بعد ذلك بالبينة فإن بينته تكون مقبولة.
стр. 517
لأنه لما جاء بالبينة العادلة تبين أن المدعى عليه كان كاذبًا في يمينه، فكان رد اليمين الفاجرة أولى من رد البينة العادلة.
وهذا مذهبنا.
وهو مروي عن عمر بن الخطاب وشريح ﵄.
وقال ابن أبي ليلى:
لا تقبل البينة من المدعى بعد يمينه المدعى عليه.
هو يقول:
فصل الخصومة إنما يكون بشيئين:
[إما] بالبينة من جانب المدعي
أو باليمين من جانب المدعى عليه.
стр. 518
ثم لو فصل الخصومة بالبينة من جانب المدعي [وجب أن] لا يجوز المصير إلى يمين المدعى عليه، فإذا فصل الخصومة باليمين من جانب المدعى عليه وجب أن لا يجوز المصير إلى بينة المدعي.
وإنا نقول:
بيمين المدعى عليه لم تنفصل الخصومة، لكن القاضي لا يمكن المدعي من الخصومة إلا بحجة. والحجة أنواع: بينة، وإقرار، ونكول، فإذا انتفى الإقرار والنكول تعينت البينة، فإذا جاء بالبينة فقد نور دعواه بالحجة، وتبين أن المدعى [عليه] كان كاذبًا في يمينه، فوجب العمل بالبينة العادلة، لا باليمين الكاذبة.
[٤٢٤] وذكر في الباب أخبار تدل على صحة ما قلنا.
[٤٢٥] [قال]
وكذلك إذا قال المدعي للمدعى عليه: إذا حلفت فأنت برئ من هذا الحق الذي ادعيت قبلك، أو قال: احلف وأنت برئ من هذا
стр. 519
الحق الذي ادعيت قبلك، فحلف، ثم جاء بالبينة بعد ذلك الحق، تقبل بينته.
لأن قوله: إذا حلفت، هذا شرط، وقوله: فأنت برئ، جزاء معلق بالشرط، فإن الجزاء إنما يتعلق بالشرط بحرف الفاء، وقوله: احلف، أمر [منه]. وقوله: وأنت برئ، جواب له، فإن جواب الأمر يكون بالواو، فكان هذا بمنزلة المعلق بالشرط أيضًا.
ألا ترى أن المولى إذا قال لعبده: إن أديت إلي ألفًا فأنت حر كان تعليق العتق بأداء الألف.
ولو قال له: أد إلي ألفًا وأنت حر كان بمنزلة الأول.
فإذا ثبت أن هذا تعليق بالشرط، فالبراءات مما لا يجوز تعليقها بالشروط، وإذا لم يصح [فقد] بقى مجرد اليمين، وقد ذكرنا أن البينة بعد اليمين مقبولة.
والله أعلم
стр. 520
الباب السابع والعشرون في المدعي يقول: ليس لي شهود ثم يأتي ببينة
[٤٢٦] قال احمد بن عمرو وصاحب الكتاب:
قال أبو حنيفة ﵁ في رجل قدم رجلا إلى القاضي فادعى قبله مالا، أو حقًا من الحقوق، فأنكر المدعي عليه ذلك، فقال [للقاضي] حلفه، فسأله القاضي: ألك بينة؟ فقال: لا، فحلف المدعي عليه، فلما حلف، قال المدعي: لي بينة، فإن القاضي يقبل ذلك منه.
وهذا قول أبي حنيفة ﵀ خاصة، روي عن الحسن ابن زياد.
وقال محمد ﵀: لا تقبل، روى عنه صاحب الإملاء.
ولا يحفظ عن أبي يوسف رواية في هذا.
وهذا الاختلاف لا يوجد في المبسوط.
محمد ﵀ يقول بأن المدعي لما قال: لا بينة لي، ثم أتى بالبينة
стр. 521
صار مناقضًا، والمناقض لا قول له؛ ألا ترى انه لو قال: لا حق لي قبله، ثم ادعى عليه حقًا لا تصح دعواه؟ كذا هذا. وإذا لم تصح الدعوة لا تقبل الشهادة؛ لأن الشهادة لا تقبل إلا بعد استشهاد المدعي.
وأبو حنيفة يقول:
لا منافاة بين استشهاده في الانتهاء، وبين ما قاله في الابتداء؛ لأنه انما قال ذلك في الابتداء لأنه لم يعلم [أن هؤلاء شهوده، بأن لم يعلم بأن هؤلاء عاينوا ذلك السبب، ولا علموا ذلك الأمر، ثم علم أنهم شهوده].
أو لم يكن هؤلاء شهوده، ثم صاروا شهوده؛ بأن أقر المدعى عليه عندهم، فلم يكن بينهما تناف، فلا يكون المدعي مناقضًا، فتسمع بينته.
وكذلك لو قال المدعي: كل بينة آتي بها فإنما هم شهود زور.
стр. 522
وكذلك لو قال: ليس لي عند فلان شهادة في ما ادعى قبل هذا، [ثم] حلف القاضي خصمه، ثم قال: لي بينة، فهو على هذا الخلاف.
وكذلك إن جاء الرجل الذي سماه، وقال: لا شهادة لي عنده، فشهد له على هذا الحق.
وكذلك لو قال: مالي عند فلان وفلان شهادة على هذا، ثم ادعى بعد ذلك شهادتهما عليه.
وكذلك لو قال: كل شهادة شهد لي بها فلان وفلان على فلان بهذا الحق، فلا حق لي فيها، ثم ادعى بعد ذلك شهادتهما عليه، وجاء بهما يشهدان عليه، فهو على هذا الخلاف.
والله تعالى أعلم
стр. 523
الباب الثامن والعشرون في النكول عن اليمين
[٤٢٧] ذكر عن شريح أن رجلًا نكل عن اليمين عنده، فقضى عليه بالنكول، فقال الرجل إذن احلف، قال: قد مضى قضائي.
دل الحديث على أن شريحًا كان مما يرى القضاء بالنكول.
وهذه مسألة اختلف فيها السلف:
стр. 524
منهم من قال: يجوز القضاء بالنكول منهم شريح وبقولهم أخذ علماؤنا ﵏.
ومنهم من قال: لا يقضي، لكن ترد اليمين إلى المدعي منهم الشعبي، وبقولهم أخذ الشافعي ﵀.
[٤٢٨] ذكر عن ابن أبي مليكة عن ابن العباس رضي الله عنهما
стр. 525
أنه أمره أن يستحلف امرأة، فأبت فألزمها ذلك.
دل ذلك على أن ابن عباس ﵄ كان ممن يرى جواز القضاء بالنكول.
[٤٢٩] ذكر عن عبد الله بن عمر ﵄: أنه باع غلامًا له بثمانمائة درهم، فوجد المشتري به عيبًا، فخاصمه [المشتري] إلى عثمان ﵁، فقال: بعته بالبراءة، فقال له: احلف بالله لقد بعته وما به عيب تعلمه، فقال: بعته بالبراءة، وأبى أن يحلف، فرده عثمان ﵁.
стр. 526
دل الحديث على أن عثمان كان ممن يرى جواز القضاء بالنكول.
لكن، في الحديث أشكال، أن البيع كان بشرط البراءة عن العيب وفي هذا تكون اليمين على المشتري فلماذا حلف ابن عمر؟
تأويله أن عثمان ﵁ كان لا يرى تصحيح الشرط.
[٤٣٠] ذكر بعد هذا الحديث الشعبي؛ لبيان أنه كان لا يقضي بالنكول، لكن يرد اليمين على المدعي.
[٤٣١] قال:
وإذا قدم رجل رجلا إلى القاضي، وادعى عليه مالا، من قرض أو مداينة، أو ادعى في يده ضبعة أو دارا، وحددها، وعين ذلك، واستحلفه القاضي على ذلك، فأبى أن يحلف، فإن القاضي يقول له: إني أعرض عليك اليمين ثلاثًا، فان حلفت، وإلا ألزمتك دعوى الرجل.
والذي أعرض عليك: أن تحلف: بالله مالهذا عليك هذا المال الذي
стр. 527
ادعى، وهو كذا وكذا، لا شيء منه، أو ما لهذا في يديك هذه الضيعة، أو الدار التي حدد، أو الجارية التي سمى، فإن نكلت عن اليمين ألزمتك جميع هذا الشيء.
فإذا قال ذلك يقول له: احلف: بالله ما لهذا عليك هذا المال الذي ادعى، كذا وكذا، ولا شيء منه.
فإن أبى قال له مرة أخرى مثل ذلك.
فإن أبى قال له: بقيت الثالثة ثم أحكم عليك.
ثم يقول له الثالثة: احلف على مثل ما قال له أول مرة.
فإن نكل عن اليمين ألزمه ذلك الشيء الذي ادعاه المدعي قبله.
وإنما قدره بثلاث مرات؛ ليكون أبلغ في إبلاء العذر.
فإن قضى القاضي بنكوله في المرة الأولى، نفذ قضاؤه؛ لأن نكوله متعين للتورع عن اليمين الكاذبة. وقد وجد دليل القضاء، لكن الإمهال وترك الاستعجال أولى، لكن مع هذا إذا قضى به نفذ قضاؤه، كالمرتد يمهله ثلاثة أيام، فلو لم يمهله وقتله كان مصيبًا، وإن كان الإمهال أولى.
فإن قال في المرة الأولى: لا احلف، ثم قال في المرة الثانية: احلف، فلما قال له القاضي: قل والله، قال: لا احلف، ثم قال في المرة الثالثة لا احلف، فإن القاضي يحتسب ذلك كله عليه الأولى
стр. 528
والثانية فيقضي عليه؛ لأن بقوله في المرة الثانية احلف لم يصر موفيا [خصمه] حقه في اليمين، فيحتسب به.
ألا ترى أن المرتد إذا أمهل ثلاثة أيام، فقال في اليوم الأول: لا أسلم، ثم قال في اليوم الثاني: اسلم، ثم قال في اليوم الثالث: لا اسلم، فإن القاضي يحتسب الكل ويقتله في اليوم الثالث كذا ههنا.
فرق بين هذا وبين مسألة ذكرها بعد هذا، وهو أن المدعى عليه إذا استمهل من المدعي ثلاث أيام، بعم ما قال في المرة الأولى: احلف، ثم جاء بعد مضي المدة وأبى اليمين، فإن النكول المتقدم لا يعتبر، ويستقبل القاضي عرض اليمين عليه ثلاث مرات.
والفرق أن عرض اليمين إنما [يبقى] معتبرا إذا بقى الاستحلاف مستحقا للمدعي.
ففي المسألة الأولى بقى حقًا مستحقًا للمدعي في المهلة، فبقي عرض اليمين معتبرا.
وفي هذه المسألة لم يبق حقا مستحقًا للمدعي في مدة المهلة، فلا
стр. 529
يبقى عرض اليمين معتبرا.
[٤٣٢] قال:
فلو نازعه الرجل، وادعى عليه حقًا من الحقوق، فقال: ما لهذا علي هذا الحق، فأراد استحلافه، فقال له القاضي: قل والله؛ ليحلفه له، فسكت عن جواب القاضي، ولم يجبه، فإن القاضي يقول له: إني أعرض عليك اليمين ثلاثا، فإن لم تحلف قضيت عليك بما ادعى [عليك به].
ثم تعرض عليه اليمين ثلاثا، فإن حلف وإلا ألزمه ذلك.
لأنه امتنع عن اليمين المستحقة عليه، فيجعله القاضي ناكلا، إلا ترى أنه لو سكت عن جواب الخصم يجعله القاضي مجيبًا، فكذا هنا.
فكأن النكول نوعان: حقيقة، وحكمًا.
فالحقيقة: أن يقول: لا أحلف.
وحكما: أن يمتنع عن اليمين، لكن هذا إن لم يكن به آفة.
أما إذا كان في لسانه آفة تمنعه عن الجواب، أو بأذنه آفة تمنعه عن السماع، لا يجعل الامتناع عن اليمين نكولا حكما؛ لأن الإنسان
стр. 530
قد يسمع كلام القاضي، لكنه لا يمكنه أن يجيب لآفة في لسانه.
وقد يمكنه أن يجيب، لكن لا يسمع كلام القاضي لآفة في سمعه.
وما لم يسمع، ويقدر على الجواب، لا يصير ظالماً، فلا يجعل نكولا حكمًا.
وفي مسألتنا هذه سمع وقدر على الجواب؛ لأنه قد سمع كلام الخصم، وأجابه في مجلس القاضي بالإنكار، فيقدر أن يسمع كلام القاضي، ويجيبه، فإذا امتنع يجعله القاضي ناكلا.
[٤٣٣] قال:
ولو أنه حين قدمه إلى القاضي، وادعى عليه الحق الذي زعم أنه قبله، فسأله القاضي عن دعواه، فسكت، ولم يجب القاضي لا بقليل، ولا بكثير، وكلما كلمه القاضي بشيء لم يرد عليه الجواب، فإن القاضي يأمر المدعي أن يأخذ منه كفيلا، حتى يسأل عن قضيته، وحاله، هل به آفة تمنعه من السمع والكلام.
لأنه محتمل، فلابد أن يسأل؛ ليتبين حاله.
فإن فعل ذلك، وظهر أنه لا آفة به، وادعاه إلى مجلس القاضي، وادعى [عليه] وهو ساكت كذلك، فإن القاضي يعرض عليه اليمين
следующие страницы →