Полный текст (1 720 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
دل الحديث على أن عثمان كان ممن يرى جواز القضاء بالنكول.
لكن، في الحديث أشكال، أن البيع كان بشرط البراءة عن العيب وفي هذا تكون اليمين على المشتري فلماذا حلف ابن عمر؟
تأويله أن عثمان ﵁ كان لا يرى تصحيح الشرط.
[٤٣٠] ذكر بعد هذا الحديث الشعبي؛ لبيان أنه كان لا يقضي بالنكول، لكن يرد اليمين على المدعي.
[٤٣١] قال:
وإذا قدم رجل رجلا إلى القاضي، وادعى عليه مالا، من قرض أو مداينة، أو ادعى في يده ضبعة أو دارا، وحددها، وعين ذلك، واستحلفه القاضي على ذلك، فأبى أن يحلف، فإن القاضي يقول له: إني أعرض عليك اليمين ثلاثًا، فان حلفت، وإلا ألزمتك دعوى الرجل.
والذي أعرض عليك: أن تحلف: بالله مالهذا عليك هذا المال الذي
стр. 527
ادعى، وهو كذا وكذا، لا شيء منه، أو ما لهذا في يديك هذه الضيعة، أو الدار التي حدد، أو الجارية التي سمى، فإن نكلت عن اليمين ألزمتك جميع هذا الشيء.
فإذا قال ذلك يقول له: احلف: بالله ما لهذا عليك هذا المال الذي ادعى، كذا وكذا، ولا شيء منه.
فإن أبى قال له مرة أخرى مثل ذلك.
فإن أبى قال له: بقيت الثالثة ثم أحكم عليك.
ثم يقول له الثالثة: احلف على مثل ما قال له أول مرة.
فإن نكل عن اليمين ألزمه ذلك الشيء الذي ادعاه المدعي قبله.
وإنما قدره بثلاث مرات؛ ليكون أبلغ في إبلاء العذر.
فإن قضى القاضي بنكوله في المرة الأولى، نفذ قضاؤه؛ لأن نكوله متعين للتورع عن اليمين الكاذبة. وقد وجد دليل القضاء، لكن الإمهال وترك الاستعجال أولى، لكن مع هذا إذا قضى به نفذ قضاؤه، كالمرتد يمهله ثلاثة أيام، فلو لم يمهله وقتله كان مصيبًا، وإن كان الإمهال أولى.
فإن قال في المرة الأولى: لا احلف، ثم قال في المرة الثانية: احلف، فلما قال له القاضي: قل والله، قال: لا احلف، ثم قال في المرة الثالثة لا احلف، فإن القاضي يحتسب ذلك كله عليه الأولى
стр. 528
والثانية فيقضي عليه؛ لأن بقوله في المرة الثانية احلف لم يصر موفيا [خصمه] حقه في اليمين، فيحتسب به.
ألا ترى أن المرتد إذا أمهل ثلاثة أيام، فقال في اليوم الأول: لا أسلم، ثم قال في اليوم الثاني: اسلم، ثم قال في اليوم الثالث: لا اسلم، فإن القاضي يحتسب الكل ويقتله في اليوم الثالث كذا ههنا.
فرق بين هذا وبين مسألة ذكرها بعد هذا، وهو أن المدعى عليه إذا استمهل من المدعي ثلاث أيام، بعم ما قال في المرة الأولى: احلف، ثم جاء بعد مضي المدة وأبى اليمين، فإن النكول المتقدم لا يعتبر، ويستقبل القاضي عرض اليمين عليه ثلاث مرات.
والفرق أن عرض اليمين إنما [يبقى] معتبرا إذا بقى الاستحلاف مستحقا للمدعي.
ففي المسألة الأولى بقى حقًا مستحقًا للمدعي في المهلة، فبقي عرض اليمين معتبرا.
وفي هذه المسألة لم يبق حقا مستحقًا للمدعي في مدة المهلة، فلا
стр. 529
يبقى عرض اليمين معتبرا.
[٤٣٢] قال:
فلو نازعه الرجل، وادعى عليه حقًا من الحقوق، فقال: ما لهذا علي هذا الحق، فأراد استحلافه، فقال له القاضي: قل والله؛ ليحلفه له، فسكت عن جواب القاضي، ولم يجبه، فإن القاضي يقول له: إني أعرض عليك اليمين ثلاثا، فإن لم تحلف قضيت عليك بما ادعى [عليك به].
ثم تعرض عليه اليمين ثلاثا، فإن حلف وإلا ألزمه ذلك.
لأنه امتنع عن اليمين المستحقة عليه، فيجعله القاضي ناكلا، إلا ترى أنه لو سكت عن جواب الخصم يجعله القاضي مجيبًا، فكذا هنا.
فكأن النكول نوعان: حقيقة، وحكمًا.
فالحقيقة: أن يقول: لا أحلف.
وحكما: أن يمتنع عن اليمين، لكن هذا إن لم يكن به آفة.
أما إذا كان في لسانه آفة تمنعه عن الجواب، أو بأذنه آفة تمنعه عن السماع، لا يجعل الامتناع عن اليمين نكولا حكما؛ لأن الإنسان
стр. 530
قد يسمع كلام القاضي، لكنه لا يمكنه أن يجيب لآفة في لسانه.
وقد يمكنه أن يجيب، لكن لا يسمع كلام القاضي لآفة في سمعه.
وما لم يسمع، ويقدر على الجواب، لا يصير ظالماً، فلا يجعل نكولا حكمًا.
وفي مسألتنا هذه سمع وقدر على الجواب؛ لأنه قد سمع كلام الخصم، وأجابه في مجلس القاضي بالإنكار، فيقدر أن يسمع كلام القاضي، ويجيبه، فإذا امتنع يجعله القاضي ناكلا.
[٤٣٣] قال:
ولو أنه حين قدمه إلى القاضي، وادعى عليه الحق الذي زعم أنه قبله، فسأله القاضي عن دعواه، فسكت، ولم يجب القاضي لا بقليل، ولا بكثير، وكلما كلمه القاضي بشيء لم يرد عليه الجواب، فإن القاضي يأمر المدعي أن يأخذ منه كفيلا، حتى يسأل عن قضيته، وحاله، هل به آفة تمنعه من السمع والكلام.
لأنه محتمل، فلابد أن يسأل؛ ليتبين حاله.
فإن فعل ذلك، وظهر أنه لا آفة به، وادعاه إلى مجلس القاضي، وادعى [عليه] وهو ساكت كذلك، فإن القاضي يعرض عليه اليمين
стр. 531
ثلاثًا، ويقضي عليه بالنكول.
هذا هو الكلام في غير الحدود والقصاص.
فأما الحدود فلا يقضي فيها بالنكول:
أما الحدود الخاصة [لله تعالى] فلأنه لو رجع بعد الإقرار صح.
وأما حد القذف، فلأن المغلب فيه حق الله تعالى، أنه يندرئ بالشبهات، فلا يقام بحجة فيها شبهة.
وأما القصاص فيستحلف فيه بالإجماع، سواء كان القصاص في النفس، أو فيما دون النفس، ثم يقضي بالنكول في النفس بالدية، وفيما دون النفس بالأرش، عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
وعند أبي حنيفة ﵀ في النفس يحبس إلى أن يحلف، وفي الطرف يقضي بالقصاص.
стр. 532
والحجج تعرف في المختلف.
[٤٣٤] قال:
ولو أن رجلا ادعى على رجل كالا أو حقًا من الحقوق، فأراد استحلافه في ذلك، فأمره القاضي أن يحلف، فأبى أن يحلف، حتى عرض عليه [اليمين] ثلاثا، وقد أعلمه قبل ذلك أنه إن أبى أن يحلف ألزمه المال، فأبى أن يحلف، فلما أراد أن يحكم عليه قال: أنا أحلف، فإن القاضي يقبل ذلك منه، ويحلفه على دعوى الرجل.
فإن حلف لم يلزمه شيء، ولم يحكم عليه بذلك النكول.
أما إذا قضى عليه، ثم قال: أنا أحلف، فلا يعتبر ذلك؛ لما روينا عن شريح في أول الباب.
وهذا لأن الحلف معتبر من إبطال كلام المدعي [غير معتبر في إبطال قضاء القاضي، فمتى كان قبل القضاء كان أثره في إبطال كلام المدعي] فاعتبر.
ومتى كان بعد القضاء كان أثره في إبطال قضاء القاضي، فلا
стр. 533
يعتبر.
وصار هذا كرجوع الشهود؛ إذا كان قبل القضاء اعتبر، وإذا كان بعد القضاء لا يعتبر؛ لما فيه من إبطال قضاء القاضي، كذا هذا
والله تعالى أعلم بالصواب
стр. 534
الباب التاسع والعشرون في أخذ الكفيل
[مشروعية أخذ الكفيل واختلاف]
[المتأخرين في ذلك]
[٤٣٥] ذكر عن قتادة، وأبي هاشم، في رجل ادعى قبل رجل مالا، فقال: أعطني [به] كفيلا حتى أجيء ببينتي، قالا: ليس له ذلك.
وهكذا روي عن عامر الشيعي.
وروي عن إبراهيم النخعي أنه جوز أخذ الكفيل.
واختلف المتأخرون فيه:
ومهم من قال: ما روى عن قتادة، وأبي هاشم، وعامر، قياس، وما روي عن إبراهيم استحسان، وبه أخذ علماؤنا، وحققوا الاختلاف بينهم.
وجه القياس: أن مجرد الدعوى ليس بسبب للاستحقاق، لكونه
стр. 535
ممارضا بالإنكار، فلا يجب على المدعى عليه إعطاء الكفيل.
وجه الاستحسان: إن في أخذ الكفيل نظرا للمدعي؛ فإنه متى أحضر بينته ربما يخفي المدعى عليه نفسه، فلا يقدر هو على إثبات حقه بالبينة، وليس فيه كبير ضرر بالمدعى عليه، فيصار إلى الكفيل.
ومنهم من قال: لا اختلاف بينهم، لكن ما روي عن قتادة وأبي هاشم وعامر مؤول، [و] إليه مال صاحب الكتاب.
وتأويله ما نبين إن شاء الله تعالى.
[الكفالة في الحدود]
[٤٣٦] ذكر عن شريح أنه قال:
لا كفالة في حد.
وقد روي هذا الحديث مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ .
стр. 536
والمعنى [فيه] من وجهين:
أحدهما: أن الكفالة مشروعة للتوثيق، والحدود مبناها على الدور، فلا يكون التكفيل لائقًا بالحدود.
والثاني: أنه لا حاجة [إليه] لما نبين إن شاء الله
стр. 537
تعالى، فلا يجوز التكفيل بنفس من عليه الحد.
[الكفالة في غير الحدود]
[٤٣٧] ثم قال في الكتاب:
وقول أصحابنا: لا كفالة في حد، يدل على أنهم يأخذون الكفيل في غير الحدود.
وهذا احتجاج بالمفهوم.
стр. 538
وصاحب الكتاب كان يرى الاحتجاج بالمفهوم صحيحًا، وظاهر المذهب أن المفهوم ليس بحجة، وهذا لأنه لا يمكن شرع التكفيل في باب الحد، وأمكن في باب المال؛ لما قلنا أنه لا حاجة إلى شرع التكفيل في باب الحد؛ لأنه يمكن حبسه، وفي باب المال حاجة؛ لأنه لا يمكن حبسه؛ لأن الحبس في باب الدعاوى أقصى العقوبات.
ألا ترى أنه بعد ما ثبت الحق لا يعاقب بعقوبة أخرى سوى الحبس، فقبل ثبوت الحق لا يجوز إيجاب أقصى العقوبات.
فإذا تعذر الحبس مست الحاجة إلى التكفيل، ولا كذلك الحدود.
[تأويل الآثار الواردة في جواز التكفيل عند من لا يراه من السلف]
[٤٣٨] إذا ثبت جواز التكفيل، فتأويل ما ذكر في الكتاب من
стр. 539
الآثار: أن السلف لم يجوزوا ذلك من وجوه أربعة، ذكر صاحب الكتاب ثلاثة، ولم يذكر الرابع:
[أحدها]
أن هذه الآثار تحمل على أن المدعي قال: لا بينة لي، ومتى قال ذلك لا يكفل؛ لأنه لا فائدة في التكفيل، فإن حقه تعين في اليمين، ويمكنه أن يحلف من ساعته.
والثاني:
[أنه] يحمل على أن المدعي قال: شهودي غيب، ومتى قال ذلك [لا] يكفل؛ لأنه ليس كل غائب يؤوب، فتعين حقه في اليمين.
والثالث:
أنه يحمل على أن المدعي عليه كان غريبًا، ومتى كان ذلك لا يجبر على إعطاء الكفيل لما تبين.
والرابع:
أنه يحمل على أن لا يطالب المدعي عليه بإعطاء الكفيل مؤبدًا، وإنما
стр. 540
يطالب إلى ثلاثة أيام، أو إلى المجلس الثاني، ونحو ذلك.
[هل يجبر المدعي عليه على إعطاء الكفيل؟]
[٤٣٩] [قال]:
وقال أبو حنيفة وأصحابنا جميعًا ﵏: إذا تقدم رجل إلى القاضي ومعه رجل يدعي عليه حقًا، وسأل أن يأخذ منه كفيلًا، وقال: لي بينة حاضرة في المصر، فإن القاضي يأخذ له منه كفيلًا.
ولا يقع الفرق في ظاهر الرواية بين ما إذا كان المدعي عليه معروفاً، أو لم يكن [و] المدعي به خطيرًا أو حقيرًا.
وروي عن محمد ﵀ أنه قال: إذا كان المدعي عليه معروفًا فالظاهر من حاله أنه لا يخفي نفسه لذلك القدر، ولا يجبر على إعطاء الكفيل. لكن إن أعطى [الكفيل] مختارًا يؤخذ منه، وكذلك إن كان المدعي به حقيرًا لا يخفي المرء نفسه لذلك القدر
стр. 541
[فإنه] لا يجبر على إعطاء الكفيل لكن إن أعطى يؤخذ منه.
[تحديد وقت الكفالة]
[٤٤٠] ثم في ظاهر الرواية إذا أخذ منه كفيلًا إلى أي وقت يأخذ؟
اختلفت الأقوال فيه.
والصحيح أنه يؤخذ إلى ثلاثة أيام.
وهكذا ذكر صاحب الكتاب في الباب في مواضع.
وروى عن أبي يوسف ﵀ أنه يأخذ إلى جلوس القاضي مجلسًا آخر، حتى إذا كان يجلس في كل سبعة أيام مرة يأخذ الكفيل إلى سبعة أيام، وإذا كان يجلس في كل خمسة عشر يومًا مرة أخذ منه الكفيل إلى خمسة عشر يومًا، فإن أحضر بينة وإلا رفع الكفيل [الأمر] إلى القاضي حتى يبريه.
وهذا القول أيضًا حسن، وهو أرفق بالناس في الزمن الأول، وما قلناه أرفق في زماننا، حيث يجلس القاضي في كل يوم.
[أخذ الكفيل في دعوى الطلاق والعتاق]
[٤٤١] وكذا إذا ادعت المرأة طلاقًا أو الأمة عتاقًا، وأقامت شاهدًا
стр. 542
واحدًا حتى وجبت الحيلولة، فإذا حال بينهما، فإذا طلبت الكفيل أخذ منه كفيلًا لها؛ لما ذكرنا.
[أخذ الكفل من المسافر]
[٤٤٢] قال:
فإذا كان المطلوب مسافرًا، [فإنه] لا يجبر على إعطاء الكفيل؛ [لأن الكفيل] يمنعه من السفر إلى منزله، فيتضرر، فلا يجبره القاضي على إعطاء الكفيل، لكن يؤجله إلى وقت قيامه من مجلس الحكم، فإذا أتى المدعي ببينته، وإلا خلي سبيله.
لأن من حجة الطالب أن يقول للقاضي: ظننت أن يقر المطلوب بحقي، ولو كنت اعلم أنه ينكر لكنت أتيت بالبينة، فلا يجد بدًا من أن يخرج من عند القاضي، فيطلب شهوده في المصر، فيجيء بهم، فيقدر ذلك إلى آخر المجلس، وليس في هذا القدر كبير ضرر على المطلوب؛ لأنه لا ينقطع عن الرفقة.
هذا إذا علم القاضي أن المطلوب مسافر.
стр. 543
فإن أشكل على القاضي أنه مسافر أو مقيم، وقال المطلوب: أنا مسافر، سأل القاضي أولًا [المدعي]: أهو مسافر؟
فإن قال: نعم هو مسافر، فقد ثبت كونه مسافرًا بإقراره فيكون الجواب كما ذكرنا، إنه يؤجل إلى آخر المجلس، فإن أنكر الطالب أن يكون هذا المطلوب مسافرًا، تكلموا فيه بأقوال.
قال بعضهم: القول قول المدعي؛ لأنه يتمسك بالأصل، وهو الإقامة في موضع الإقامة، وهو المصر.
وقال بعضهم: ينظر إلى زيه وثيابه: فإن كان في ثياب السفر يجعله مسافرًا، فإن عرف بنفسه، وإلا بعث إلى رفقته، لما نبين.
وقال بعضهم: يسأله مع من يريد السفر؛ فإن أخبره مع فلان بن فلان، فالقاضي يبعث إلى الرفقة أمينًا من أمنائه، يسألهم: أن فلانًا هل استعد للخروج معكم؟ فإن من أراد الخروج إلى السفر لابد من أن يكون مستعدًا لذلك الأمر؛ قال -الله تعالى-:
﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة﴾.
فإن قالوا: نعم قد استعد لذلك ثبت كونه مسافرًا.
стр. 544
وهكذا قال مشايخنا في المستأجر إذا أراد فسخ الإجارة لعذر السفر، وقد مر في الباب الخامس.
بعد هذا اختلف المتأخرون فيه:
منهم من قال، منهم الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: يقبل ويؤجله إلى آخر المجلس، فإن احضر بينته، وإلا خلي سبيله.
ومنهم من قال، منهم الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني: يسألهم عن الخروج متى يريدون الخروج، فيكفله إلى ذلك الوقت.
فإن لم يعلموا من حاله يجبره على إعطاء الكفيل ثلاثة أيام؛ لأنه لم يستعد، ونحن نعلم أنه يبقى ثلاثة أيام لأجل الاستعداد [للسفر].
[الكفالة في ما يوجب القصاص]
[٤٤٣] قال:
وإن ادعى الطالب على المطلوب حدًا في قذف، أو دمًا فيه قصاص، أو جراحة فيها قصاص، فقال: لي بينة حاضرة، وطلب كفيلًا من المطلوب، يجبر المطلوب على إعطاء الكفيل ثلاثة أيام، حتى يحضر شهوده عند أبي يوسف ﵀، وهو قول محمد ﵀.
ذكر [قول] محمد مع أبي يوسف في القصاص بعد هذا.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجبر، لكن إن أعطاه جاز.
стр. 545
واجمعوا أن في الحدود الخالصة -لله تعالى- كحد الزنى وشرب الخمر، والسكر من النبيذ، إذا قدمه فقال الذي قدمه: لي بينة حاضرة، وطلب منه كفيلًا لا يجبر [على إعطاء الكفيل].
هما يقولان بأن القصاص محض حق العبد، وفي حد القذف، حق العبد أيضًا، ولهذا شرط فيه الدعوى، والمدعي يحتاج إلى أن يجمع الشهود وبين المطلوب [وربما يخفي المطلوب نفسه، فيحتاج الطالب إلى أن يأخذ منه كفيلًا ليتوصل به إلى المطلوب] فيثبت حقه بالبينة.
وأبو حنيفة ﵀ يقول: الكفالة مشروعة للتوثق، والحدود والقصاص مبينة على الدرء، فلا تليق الكفالة بهما.
[٤٤٤] قال:
فإن شهد على المطلوب شاهد عدل حبسه القاضي؛ لأنه تم أحد شطري الشهادة، وهي العدالة.
فلو تم العدد، وانعدمت العدالة ثبتت التهمة، حتى وجب الحبس، فكذا إذا تمت العدالة، وانعدم العدد.
وهذا قول أبي حنيفة ﵀.
стр. 546
وعند أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- لا يحبسه.
لأن عند أبي حنيفة ﵀ القاضي لا يجبر على إعطاء الكفيل، فإذا شهد القذف أو بالقصاص رجل واحد عدل يحبسه.
وعندها يجبره على إعطاء الكفيل، وإذا شهد واحد عدل لا يحبسه.
وكذلك لو شهد على القذف والقصاص مستوران، فإن القاضي يحبس المدعي عليه في قول أبي حنيفة ﵀، وفي قولهما لا يحبسه؛ لما قلناه.
وإن شهد واحد وهو مجهول لا يعرفه القاضي لم يحبسه بالإجماع.
لأنه انعدم العدد والعدالة، فصار وجوده وعدمه سواء، بقى مجرد الدعوى، والحبس لا يثبت بمجرد الدعوى.
[الكفالة في مالا قصاص فيه]
[٤٤٥] قال:
وإن كانت جراحة خطأ، أو قتلًا خطأ، أو شيئًا من الجراحات، لا قصاص فيه، بجبر المطلوب على إعطاء الكفيل.
لأن هذه الدعوى ودعوى المال سواء، فكما أن في دعوى المال يجبر المطلوب على إعطاء الكفيل، فكذا في جراحة الخطأ، وقتل الخطأ يجبر.
стр. 547
[الكفالة في حد القطع]
[٤٤٦] قال:
فإن ادعى سرقة فلا يجبر المطلوب على إعطاء الكفيل في حق القطع.
لأنه خالص حق -الله تعالى-؛ كحد الزنى، وشرب الخمر، والسكر من النبيذ، لكن يجبر على إعطاء الكفيل ثلاثة أيام بالمال المسروق، إذا ادعى المسروق منه قبله المال الذي سرق.
[الكفالة في ما يوجب التعزيز]
[٤٤٧] قال:
وكل شيء يجب فيه التعزيز؛ مصل الحر يقذف العبد، أو الحر يشتم الحر شتيمة يجب فيها التعزيز، فيقول الطالب: لي بينة حاضرة، فخذ لي منه كفيلًا، يجبر على إعطاء الكفيل ثلاثة أيام.
لأن التعزيز حق العبد [ولهذا] يسقط بعفوه، ويستحلف فيه، ويثبت مع الشبهات، حتى يثبت بشهادة النساء مع الرجال، فيجبر [المطلوب] على إعطاء الكفيل كالأموال.
[هل يؤخذ الكفيل منه الثقة]
[٤٤٨] قال:
стр. 548
ولو أن المدعي أقام البينة على المدعي عليه بحق من الحقوق، والقاضي لا يعرف الشهود، فقال المدعي للقاضي: خذ لي منه كفيلًا، إلى أن تسأل عن شهودي، فإن القاضي يأمره بإعطاء الكفيل.
وإن أعطاه كفيلًا فقال المدعي: لا أرضي بهذا فإنه ليس بثقة، فإن القاضي يأخذ له منه كفيلًا ثقة.
لأن الكفيل إنما شرع ليحضر الكفيل بنفس المطلوب؛ فيتوصل الطالب إلى حقه، وهذا المقصود إنما يحصل بكفيل ثقة.
والثقة: أن يكون له دار معلومة، أو يكون تاجرًا له حانوت معلومة، لا يمكنه أن يخفي نفسه.
أما إذا كان اكترى حجره يسكن فيها، فلا يكون ثقة.
لأنه إذا اتبع ربما يتوارى، فلا يقدر عليه، فلا يحصل معنى التكفيل، فكان له أن لا يرضى به كفيلًا.
[الملازمة]
[٤٤٩] قال:
فإن أبي المدعي عليه أن يعطيه كفيلًا، أمره القاضي بملازمته بالليل والنهار.
стр. 549
لأنه لا يتوصل إلى حقه إلا به.
لأنه ربما يخفي نفسه، فلا يقدر عليه لإقامة البينة عليه.
وتفسير الملازمة: أن يدور معه أينما دار، أو يبعث أحدًا من أمنائه؛ ليكون معه، حتى إذا اتفق له إقامة البينة يتوصل إليه.
وليس تفسير الملازمة أن يجلس معه في موضع؛ لأن ذلك حبس، والحبس غير مستحق عليه بنفس الدعوى، لكن يدور معه حيث ما دار، ولا يمنعه من اشتغاله بأعماله بل يشتغل هو بأعماله ومصالحه وتصرفه، وبكون الرجل معه.
[الكفالة في ما ينقل]
[٤٥٠] قال:
وكذلك إن ادعى في يده شيئًا بعينه، أمره القاضي أن يعطيه كفيلًا بنفسه، وبذلك الشيء بعينه إذا كان ذلك الشيء مما ينقل ويحول، مثل العبد والأمة والدابة.
لأن النظر للمدعي لا يحصل إلا بهذا، فإنه كما لا تقبل البينة إلا بمحضر من الخصم، لا يقبل أيضًا إلا بحضرة ذلك الشيء، لتقع الإشارة من المدعي والشهود إليه، فيتعذر عليه إثبات حقه إلا بوجود
стр. 550
المطلوب، والعين المدعي به، فكان له أن يطالب بإعطاء الكفيل بها جميعًا.
فإن أبى أن يعطي كفيلًا بنفسه، وبذلك الشيء أمره القاضي أن يلزمه، ويلزم ذلك الشيء، حتى يأخذ كفيلًا بهما؛ لأنه لا يصل إلى حقه إلا بذلك.
[الكفالة في العقار]
[٤٥١] قال:
فإن كان الذي يدعي عقارًا أو يدعي عليه دينًا، لم يأخذ منه كفيلًا بذلك، وأخذ كفيلًا بنفسه منه.
لأنه [لا] يتصور تغيب العقار والدين.
[الكفالة بالنفس والوكالة في الخصومة]
[٤٥٢] قال:
وإن كان المدعي به مما ينقل ويحول، وأعطاه كفيلًا بذلك الشيء، ولم يعطه كفيلًا بنفسه، أمره القاضي أن يلزمه، إلى أن يعطيه كفيلًا بنفسه.
стр. 551
لما قلنا.
فإن قال: قد أعطيته كفيلًا بذلك الشيء، وأنا أقيم له وكيلًا في خصومته، جائزًا على ما يقضي به عليه، فإن القاضي يقبل ذلك منه، ويأخذ من الوكيل كفيلًا بنفسه.
أما أولًا، فليس للمدعي أن يطالب المدعي عليه بإعطاء الوكيل.
فرق بينه وبين إعطاء الكفيل.
والفرق هو أن القاضي لا ينظر لأحدهما، ويلحق الضرر بالآخر، وفي المطالبة بالتوكيل إضرار بالمدعي عليه؛ لأن من حجته أن يقول: أنا اهدي إلى الدعاوى.
إذا ثبت هذا ففي هذه المسألة، إذا أعطى كفيلًا بالمدعي به، وأعطى وكيلًا بنفسه، فالقاضي يقبل منه، لكن يأخذ من الوكيل كفيلًا، لأن الوكيل قائم مقام الموكل. وفي حق ما كان يكتفي بإعطاء الكفيل بالمدعي به، بل يطالب بإعطاء الكفيل بنفسه أيضًا، فيطالب الوكيل عنه بإعطاء الكفيل [بنفسه] أيضًا.
стр. 552
فإذا فعل ذلك، فقد حصل المنظر للمدعي؛ لأنه يتوصل إلى الوكيل، وإلى المدعي به، متى أراد إقامة البينة.
وهذا كله ينبني على قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله-، لأن التوكيل بغير رضا الخصم جائز عندهما، فإذا جاز توجهت الخصومة على الوكيل، وسقطت المطالبة عن المطلوب، وإنما يطالب الوكيل بإعطاء الكفيل دون الموكل.
أما على قول أبي حنيفة ﵀ فالتوكيل بغير رضى الخصم لا يجوز، فبقى حضور الموكل مجلس القاضي حقًا للمدعي، فيجبره على إعطاء الكفيل بنفسه.
[٤٥٣] قال:
وأما في دعوى الدين، فإن قال المدعي عليه: أنا أقيم له وكيلًا في خصومته، فيأخذ من الوكيل كفيلًا، ولا أقيم أنا كفيًا، لم يقبل القاضي ذلك منه.
لأن المدعي أثبت حقه بالبينة على الوكيل، فلا يمكنه الاستيفاء من الوكيل، وحق المدعي في شيئين: في إثبات الدين، وفي الاستيفاء،
стр. 553
وههنا بإعطاء الكفيل إن تمكن المدعي من الإثبات لم يتمكن من الاستيفاء، فلا يحصل النظر له.
وإن قال: أنا أقيم [له] كفيلًا بالمال، ولا أعطيه كفيلًا بنفسي، والمسألة بحالها، لم يقبل ذلك منه.
لأنه لا يتوصل إلى الاستيفاء [إلا] بعد إثبات الدين، ولا يمكنه الإثبات على الكفيل.
وكذلك إن كان المال ثابتًا، فقال المطلوب: أنا أعطي كفيلًا بالمال، ولا أعطي كفيلًا بنفسي، وأبى الطالب إلا أن يأخذ منه كفيلًا بنفسه كان له ذلك.
لأن الناس يتفاوتون في إيفاء الدين، وربما الاستيفاء من الأصيل أسهل.
[٤٥٤] قال:
وأما العقار فإن إعطاء وكيلًا في خصومته، وأخذ من الوكيل كفيلًا، ودفع المطلوب العقار إلى الوكيل، وأبى أن يعطيه كفيلًا بنفسه، لم يجبر على ذلك.
لأن الناس لا يتفاوتون في تسليم العقار، فإن تسليم الكفيل وتسليم الأصيل يكون سواء، وحاجة المدعي إلى الإثبات، وقد أعطى وكيلًا يمكنه
стр. 554
أن يثبت عليه الدعوى، وقد أخذ كفيلًا من الوكيل بنفسه، فلا تمنت، فقد حصل مقصود المدعي، فيكتفي به.
بخلاف ما لو كانت دعوى المال في الدين؛ لما قلنا.
وقد ذكرنا هذه المسائل في الزيادات في الباب السادس والأربعين.
[القضاء بالبينة المقامة قبل موت المدعي عليه أو وكيله]
[٤٥٥] قال:
وإذا قامت البينة على رجل بشيء مما وصفت لك، وسمع القاضي البينة عليه، ثم مات المدعي عليه، أو غاب، أو قامت البينة على الوكيل بالخصومة، فقبل أن يقضي القاضي مات الوكيل، أو غاب، ثم زكيت البينة في السر والعلانية، قال أبو حنيفة ومحمد- رحمهما الله- القاضي لا يقضي بتلك البينة.
وقال أبو يوسف ﵀: يقضي، وهو اختيار صاحب الكتاب.
أبو يوسف يقول: لأن حضور المدعي عليه إنما كان شرطًا، أما ليسمع القاضي كلام كل واحد من الخصمين، فيعلم بماذا يقضي، أو ليمكن الدفع بالطعن بالشهود فإن كان شرطًا لذلك، فقد حصل المقصود، وإن كان شرطًا لهذا فقد عجزه ن الطعن في البينة، ولهذا هرب من البلدة، فلم يبق حضور المدعي عليه شرطًا، فيقضي
стр. 555
عليه القاضي، ويجعله على حجته إن كانت له.
وهما يقولان: الإنكار شرط لسماع البينة، وما يشترط لسماع البينة يشترط عند القضاء، كالعدالة. وما يكون شرطًا يشترط وجود حقيقته، ولا يكتفي بوجوده بظاهر الحال ولم يوجد.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني:
قول أبي يوسف أرفق بالناس.
فرق أبو حنيفة [ومحمد]-رحمهما الله- بين البينة والإقرار؛ فإنه إذا أقر ثم غاب فإن القاضي يقضي عليه به.
والفرق أن البينة لا تكون حجة موجبة إلا بانضمام قضاء القاضي إليها، فتراعي شرائط كونها حجة وقت القضاء.
أما الإقرار فحجة موجبة بنفسه، فلا يشترط انضمام قضاء القاضي إليه، لكونه حجة.
[طلب الوصي أو الوكيل الكفالة إلى حين إثباته وصيته أو وكالته]
[٤٥٦] قال:
стр. 556
ولو أن رجلًا تقدم إلى القاضي، فادعي وصية من رجل، واحضر معه رجلًا ادعى عليه مالًا للميت، ولم تثبت وصية الوصي عند القاضي، فقال الوصي للقاضي: خذ لي من هذا الرجل كفيلًا حتى أثبت وصيتي، وأثبت الحق للميت، فإن القاضي لا يأخذ منه كفيلًا.
لأن التكفيل إنما يكون للخصم، وهو بعد لم ينتصب خصمًا؛ لأنه إنما ينتصب خصمًا إذا انتصب وصيًا، ولم ينتصب.
وكذلك الوكالة على هذا القياس، لما قلنا.
[٤٥٧] قال:
ولو كان الوصي [قد] ثبت وصيته عند القاضي أو الوكيل قد ثبتت وكالته عند القاضي، ثم قدم المدعي عليه، وسأل أن يأخذ له منه كفيلًا، أخذ له منه كفيلًا ثلاثة أيام، فإن أتى بالبينة على الحق وإلا ابرأ كفيله.
لأنه انتصب [له] خصمًا.
[٤٥٨] قال:
стр. 557
ولو كان الوصي أو الوكيل قد أقام البينة على ما ادعى من الوصية أو الوكالة، والقاضي في المسألة عن الشهود، ثم إن الوصي أو الوكيل أحضر خصمًا ادعى عليه للذي أوصى إليه أو الذي وكله، وسأل القاضي أن يأخذ له منه كفيلًا إلى أن يسأل عن شهوده، ثم يثبت الحق على الرجل، لم يفعل القاضي ذلك.
لأنه لم يثبت الوصاية والوكالة عند القاضي، فلم ينتصب خصمًا عند القاضي.
[٤٥٩] قال:
ولو أن الوصي قدم رجلًا إلى القاضي، فادعى عليه حقًا للميت، وادعى وصية من الميت في مجلس واحد، وقال للقاضي: لي بينة بالوصية والحق الذي للميت على هذا، وهي حاضرة، فاسمع من شهودي على ذلك كله، فإن القاضي يقبل ذلك منه، ويدعو بالشهود فيسألهم عن الشهادة على الوصية.
فإذا شهدوا عليها سألهم عن الشهادة على الحق الذي على المدعي عليه.
فإذا شهدوا على ذلك أثبته عنده.
стр. 558
وهذا استحسان.
والقياس: أن لا يقبل البينة على الحق، وغنما تقبل على الوصاية.
فإذا قضى بالوصاية وثبتت الوصاية [عنده] حينئذ تقام البينة على الحق فيقبلها.
ثم إذا قبلنا الشهادتين جميعًا في مجلس واحد استحسانًا، فالمسألة على ثلاثة أوجه:
أم إن ظهرت عدالة الفريقين جميعًا.
أو ظهرت عدالة شهود الحق دون شهود الوصاية.
ففي الوجه الأول: قضى ببينة الوصاية أولًا ليكون خصمًا، ثم يقضي ببينة الحق.
وفي الوجه الثاني: قضي ببينة الوصاية، وجعله خصمًا، ولم يقض ببينة الحق.
وفي الوجه الثالث: لا يقضي بشيء؛ لأنه لا يمكنه القضاء بالوصاية؛ لعدم الحجة، ولا يمكنه القضاء بالحق؛ لأن البينة على
стр. 559
الحق قامت من غير خصم.
هذا هو الكلام في الوصي.
وكذلك الجواب في الوكيل، إذا أقام البينة على الوكالة وعلى الحق في مجلس [واحد].
فالقياس أن لا تقبل على الأمرين جميعًا.
وفي الاستحسان تقبل.
وكذلك بقية المسألة كما ذكرنا في الوصاية.
[٤٦٠] قال:
ولو أن رجلًا ادعى على الميت حقًا، وقدم وصية إلى القاضي، ولم تثبت وصيته عند القاضي، فطلب منه كفيلًا، حتى يثبت الحق على الميت، لم يأخذ له القاضي منه كفيلًا.
لأنه لم يصر خصمًا، فلا يجبر على إعطاء الكفيل.
وكذلك لو قدم رجلًا وادعى أنه وكيل فلان، وأن له على فلان
стр. 560
كذا، وأنت وكيله، بأداء المال إلى، ولم تثبت وكالته في الخصومة، وأراد المدعي أن يأخذ له كفيلًا، لم يأخذ له القاضي كفيلًا، لما قدمنا في الوصي.
[٤٦١] قال:
ولو كانت صيته قد ثبتت عند القاضي، لكن قال الوصي: لم يصر في يدي من مال الميت شيء فالقول قوله.
لأنه منكر، كالوارث إذا أنكر وصول التركة إليه يكون القول قوله، كذلك ههنا.
فإن قال الطالب: أريد أن أثبت حقي على الميت بمحضر منه، ثم أطلب مال الميت فخذ لي منه كفيلًا، حتى احضر شهودي، فإن القاضي يأخذ له منه كفيلًا، ثلاثة أيام.
لأن الوصي خلف عن الموصي كالوارث.
وقد ذكرنا في الباب الخامس والعشرين: أن الوارث ينتصب خصمًا للمدعي، وإن لم يصل إلى يده شيء من التركة، فكذا الوصي.
وإذا انتصب خصمًا كان مجبرًا على إعطاء الكفيل.
وكذلك لو أحضر وارثًا للميت، فقال الوارث: ما صار إلى
стр. 561
من تركة الميت شيء، فإن القاضي يأخذ منه للمدعي كفيلًا ثلاثة أيام، حتى يثبت حقه، كما قلنا.
[طلب الوارث الكفالة إلى حين إثباته وفاة المورث]
[٤٦٢] قال:
ولو أن وارثًا نقدم إلى القاضي فادعى أن أباه مات، وهو وارثه، أو أن أخاه مات، وهو وارثه، وأن للميت على هذا الرجل ألف درهم، وأراد كفيلًا من الرجل، فإن القاضي يأخذ له منه كفيلًا ثلاثة أيام، حتى يثبت وفاة الميت، ونسبه منه، ويثبت الحق على هذا الرجل.
فرق بين الوارث وبين الوصي والوكيل إذا احضر واحد منهما خصمًا وادعى الدين عليه للميت أو للغائب، وأراد أن يأخذ من الخصم كفيلًا، فإنه لا يأخذ له منه كفيلًا.
والفرق: أن الوارث يدعى لنفسه حقًا؛ لأن الملك يزول من المورث إلى الوارث بالموت، فيكون الخصم في المال هو الوارث، فصار الوارث خصمًا مدعيًا الحق لنفسه، فكان له أن يطالبه بالكفيل؛ كمن ادعى دارًا في يدي رجل فقال: هي لي اشتريتها من فلان، وقبضتها، أو قال: اشتريتها من فلان، وهو يملكها، والذي في يده الدار يدعيها لنفسه، فإنه يأخذ منه كفيلًا ثلاثة أيام.
لأن بالشراء يزول الملك إلى المشتري، فصار مدعيًا لنفسه حقًا
стр. 562
فصار خصمًا.
فأما الوصي والوكيل، فكل واحد منهما لا يدعي لنفسه حقًا، وإنما يدعي الحق للغير، فما لم تثبت الوصاية والوكالة، لا يكون خصمًا، فلا يكون له ولاية المطالبة بإعطاء الكفيل.
[الكفالة في دعوى الزواج]
[٤٦٣] قال:
امرأة ادعت على رجل أنه تزوجها، أو رجل ادعى على امرأة أنها امرأته، فإن القاضي يأخذ للمدعي كفيلًا من المدعي عليه.
لأن يدعي حقًا لنفسه فصار خصمًا.
[الكفالة في دعوى الرق]
[٤٦٤] قال:
ولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي فقال: إن هذا مملوكي، فأنكر المدعى عليه ذلك، وقال: أنا حر، فطلب منه كفيلًا، إلى أن يحضر بينة، فإنه يأخذ منه كفيلًا ثلاثة أيام.
وكذا إذا ادعى على امرأة أنها أمته، أخذ له منهما كفيلًا ثلاثة
стр. 563
أيام.
لأنه يدعي لنفسه حقًا، فصار خصمًا، فيأخذ منه كفيلًا.
[وكذلك كل من ادعى حقًا لنفسه قبل رجل، وطلب منه كفيلًا، فإنه يأخذ منه كفيلًا] ثلاثة أيام، إلا أن يكون المدعى عليه ذلك ليس من أهل المصر؛ لما قلنا من قبل.
[متى تبطل الكفالة؟]
[٤٦٥] قال:
وكل مطلوب بحق من الحقوق أخذ منه الطالب كفيلًا بنفسه، فمات المطلوب، أو مات الكفيل، بطلت الكفالة.
لأنه وقع العجز عن تسليم الملتزم.
فإن مات الطالب، فالكفيل كفيل على حاله.
فرق بينه وبين ما إذا مات الكفيل.
والفرق: أن ورثة الطالب يقومون مقامه في الاستحقاق على الأصيل والكفيل جميعًا، فلا تبطل الكفالة.
أما ورثة الكفيل فلا يقومون مقامه في الاستحقاق عليه، فتبطل
стр. 564
الكفالة.
ثم إذا لم تبطل الكفالة بموت الطالب [فالكفيل كفيل على حاله] فإن دفع الكفيل المكفول به إلى وصي الميت بريء عن الكفالة.
لأن الوصي قائم مقام الموصي، فيكون الدفع إليه كالدفع إلى الموصي.
وإن لم يكن للميت وصي، وله ورثة، فدفع الكفيل المكفول به إلى ورثة الميت، يبرأ من حق ذلك الوارث خاصة، وكان لمن بقي من الورثة أن يطالبوا الكفيل بكفالة المكفول به.
فرق بين الوارث وبين الوصي.
والفرق أن الوصي أخذ للموصي، فيكون الدفع إلى الوصي كالدفع إلى الموصي، أما الوارث [فقد] أخذ لنفسه، فكان خصمًا في حقه، لا في حق غيره.
стр. 565
ألا ترى أن الغريم إذا دفع الدين إلى وصي الميت يبرأ عن الدين أصلًا، ولو دفعه إلى أحد الورثة يبرأ عن الدين من نصيب هذا الوارث خاصة دون من سواه من الورثة، فكذا في حق تسليم المكفول به.
والله أعلم بالصواب
* * *
следующие страницы →