← Сияса и кади

Сияса и кади · id 150967

شرح «أدب القاضي للخصاف» للصدر الشهيد - ت سرحان

الصدر الشهيد

Полный текст (1 720 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أربعة شهود لا أسأل عنهم -يعني عن عدالتهم- شاهدا رد الطينة، وشاهدا تعديل، وشاهدا الغربة؛ ليدعو به القاضي على غير قرعة، والرجل يستعدي على الرجل ويريد أشخاصه إلى لمصر.

стр. 597

يريد به أن يبعث من يدعوه (من (خارج المصر، ويأتي به إلى المصر، ويقيم عليه شاهدين بحق يدعيه. قال الشيخ الامام شمس الائمة الحلواني ﵀: اسماعيل بن حماد هذا نافلة ابي حنيفة ﵀، وكان يختلف الى ابي يوسف ﵀، ويتفقه عنده، ثم صار بحال يزاحمه، ولو بلغ من العمر حتى شاخ لصار له نبأ في الناس؛ لحسن حفظه، وقريحته، الا أنه مات شابا، فأور صاحب الكتاب قوله: أربعة شهود لا أسأل عنهم. اما شاهدا رد الطينة فرأي صاحب الكتاب وافق رأيه، وقد مر هذا من قبل. وإما شاهدا تعديل العلانية (فان (هذا كان في زمنهم، فانه بعد ما سأل القاضي عن الشهود في السر يسأل عنهم في العلانية، وانما

стр. 598

يسأل عنهم في العلانية من قوم غير القوم الذي سأل منهم في السر. ولا نشترط العدالة في شاهدي تزكية العلانية؛ لأن القاضي لو اكتفى بتزكية السر كان له ذلك، فكان الثاني زيادة احتياط، فيكتفي بالمستور. وإما شاهدا الغربة، فلأن التقديم بحكم الغربة انما كان نظرا له كيلا ينقطع عن الرفقة، والاستغمال بتعديل الشهود يبطل عليه هذا النظر، فلا يفيده. وإما شاهدا الأشخاص، فلان القاضي لو اشتغل بالسؤال (عنهم (لهرب الخصم. وقال محمد بن سماعة:

стр. 599

وإما أنا فأسأل عن شاهدي رد الطينة، وعن شاهدي الأشخاص. لأن فيهما الزام شيء على الغير، وفي ما فيه الزام (شيء) على الغير لا بد من العدالة. لنا: ليس في تقديم الغريب وتزكية العلانية الزام شيء

стр. 600

على الغير. فرأيه في رد الطينة وافق ما قال شمس الائمة من قبل. (الهجوم على منزل الخصم المتواري في منزله) [٤٨٤] قال: وإما الهجوم على الخصم إذا تواري في منزله، وتبين ذلك للقاضي، فانه رأي بعض أصحابنا. أراد به ابا يوسف، فانه كان يفعله في وقت قضائه، ويجيزه. ولم يذكر شمس الائمة (السرخسي) خلافا. وذكر شمس الائمة الحلواني أن المذهب عندنا انه لا ينبغي للقاضي الهجوم. وصورته ما ذكر في الكتاب: أن يكون لرجل على رجل دين، فيتواري في منزله، وتبين ذلك للقاضي يوجه رجلين ممن يثق بهم، ومعهما جماعة من النساء والخدم ومعهما الأعوان الى منزله بغته، حتى يهجموا عليه

стр. 601

(في (منزله، فيكون الاعوان على الباب، وحول الدار، حتى اذا خرج من ناحية على قصد الفرار اخذوه. ثم النساء يدخلن من غير استئذان، وينذرن حرم المطلوب؛ ليدخلن في بيته، ثم يدخل الرجال فيفتشون (البيت (فان لم يجدوا أمر النساء بتفتيش النساء؛ لأنه ربما اختفى بين النساء. هذا هو صورة الهجوم. اما من أجاز ذلك (فانه (احتج بحديث عمر ﵁ أنه قال: بلغني أن في بيت فلان وفلان شرابًا، قم هجم على بيت القرشي والثقفي، كما ذكرنا قبل هذا.

стр. 602

وبأحاديث ذكر صاحب الكتاب منها ما روى أن عليًا ﵁ استعمل عبد الرحمن بم مخنف على الري، فأخذ المال، وتوارى عنه عند نعيم بن دجاجة الاسدي، فأرسل علي ﵁ من يخرجه من دار نعيم، فجاء نعيم معهم الى علي كرم الله وجهه، وقال: ان مفارقتك لكفر -يعني الخروج عليك، فيكون من الخوارج- وان المقام معك لذل. فأمر ﵁ بالكف عنه. جوز علي ﵁ الهجوم. ومنها ما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ بلغه عن نائحة لمدينة، فأتاتها، حتى هجم عليها في منزلها، ثم ضربها بالدرة، حتى سقط خمارها، فقيل له: يا أمير المؤمنين ان خمارها قد سقط، فقال: انه لا حرمة لها.

стр. 603

تكلموا في قوله: لا حرمة لها: منهم من قال: معناه أنها لما اشتغلت بما لا يحل لها في الشريعة، فقد أسقطت بما صنعت حرمة نفسها، فالتحقت بالاماء. والدليل عليه ما روي عن ابي بكر الاعمش انه خرج الى بعض الرستاق، فكان النساء على شط نهر كاشفات الرؤوس، والأذرع. فذهب ابو بكر الاعمش فجعل يخالطهن، ولا يتحامي عن النظر اليهن، فقيل له: كيف فعلت هذا؟ فقال: انه لا حرمة لهن، وأنا لنشك في

стр. 604

ايمانهن، فكأنهن حربيات. فكأنه بلغه هذا الحديث. لكن مع هذا لشعرها وعورتها حرمة، لكن معناه: لا حرمه لها بحيث يجب الامتناع بها عن سبب يفضي الى هذا؛ لانها هي التي أذهبت حرمة نفسها. وعن هذا الحديث قالوا: لا بأس بالهجوم على بيت المفسدين اذا سمع صوت الفساد (عندهم). لأن صاحب الدار لما أسمع صوت الفساد من داره، فقد اسقط حرمة داره، فلا بأس بالدخول فيها من غير اذن وحشمة، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كما فعل عمر ﵁ بيت القرشي والثقفي (فقد (جوز عمر ﵁ الهجوم. وأصحابنا قالوا: ان في الهجوم هتك ستر المسلم،

стр. 605

وهتك حرمة محارمه، وذلك لا يجوز (في حق المسلم). والله تعالى اعلم بالصواب. * * *

стр. 606

الباب الحادي والثلاثون في الحبس في الدين (دليل مشروعية الحبس) [٤٨٥] ذكر عن سلام بن مسكين أنه قال: سمعت الحسن يقول: ان اناسًا من أهل الحجاز اقتتلوا فقتلوا بينهم قتيلا، فبعث اليهم رسول الله ﷺ فحبسهم. أورد الحديث ليبين ان الحبس بالتهمة مشروع. وهذا موافق لما روى بهز بن حكيم عن ابيه عن جده «أن النبي ﷺ حبس رجلا بالتهمة».

стр. 607

وكما أن الحبس بالتهمة مشروع، فالحبس بالدين مشروع، نبت ذلك بأخبار أوردها صاحب الكتاب في الباب، إلا أن في زمن النبي ﷺ ، وفي زمن ابي بكر وعمر وعثمان ﵃، لم يكن سجن وكان يحبس في المسجد، أو في الدهليز، حيث أمكن.

стр. 608

ولما كان زمن علي ﵁ أحدث السجن، فكان أول من أحدث السجن في الاسلام، وسمى السجن نافعًا، ولم يكن حصينا، فأنفلت الناس منه، ثم بنى سجنا آخر وسماه مخيسًا، وقال فيه شعرًا أورده صاحب الكتاب ههنا، وأورده محمد ﵀ في كتاب الكفالة، لكن بين اللفظين تفاوت: اما الذي أورده صاحب الكتاب ههنا (فانه) قال: بنيت، وفي بعض النسخ بذلت.

стр. 609

بعد نافع مخيسًا بابًا سديدًا وأميرًا كيسًا الا تراني كيسًا مكيسًا واما الذي أورده محمد في كتاب الكفالة فقال: الا تراني كيسًا مكيسًا بنيت بعد نافع مخيسًا حصنًا حصينًا وأميرًا كيسًا

стр. 610

ونافع ومخيس اسم تعريف لذلك الموضع. وهذا كان من عادتهم، انه كان لأملاكهم وعقاراتهم أسماء تعريف.

стр. 611

[٤٨٦] ذكر عن (ابي) مجلز أن النبي ﷺ حبس رجلا من جهينة اعتق شقصًا له في مملوك حتى باع فيه غنيمة له -تصغير الغنم-. دل الحديث على أن الحبس بالدين مشروع؛ فانه لما عتق نصيبه صار ضامنا لنصيب صاحبه فصار مديونًا. [٤٨٧] ذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلا أتاه وهو

стр. 612

بالجابية، يا أمير المؤمنين، عبدي وجدته على امرأتي. فقال: ابصر ما تقول؛ فانك مؤاخذ بما تقول. فأعاد الرجل. فأمر عمر ﵁ ابا واقد، فقال: خذ بيده، فأثبته عندك، حتى تغدو أنت وهو عليها (فانظر) أحق ما يقول ام باطل. فغدوا (عليها)، وقد حفرت حفيرة، وتهيأت وتحنطت، فقال لها أبو واقد: ان هذا جاءنا عنك بأمر منكر، فان كان كاذبا فلا تصدقيه، رجاء ان تتوب. فقالت: صدق، لا والله لا أتحملها مرتين.

стр. 613

فأمر بها عمر ﵁ فرجمت. فالحديث بظاهره حجة للشافعي ﵁ علينا؛ حيث أمر بأقامة الحد بالاقرار مرة (واحدة). وانا نقول: ذكر في الحديث أنها أقرت، لكن ليس في الحديث أنها خرجت من الحفيرة، وأقرت أربع مرات، في أربعة مجالس أم لا، فكان محتملا. وقولها: لا والله لا أتحملها مرتين (تعني) وزر الزنى، ووزر الكذب. (هل يشترط في الحبس طلب المدعي ذلك؟) [٤٨٨] ذكر أن رجلا أتى ابا هريرة ﵁ بغريم له قال: احبسه لي. فقال ابو هريرة: هل تعلم له عين مال نأخذه به؟ قال: لا.

стр. 614

قال: فهل تعلم له عقارا نكسره؟ قال: لا. قال: فما تريد منه؟ قال: احبسه قال: لا، ولكن دعه ليطلب لك ولنفسه ولعياله. وقوله: (هل) تعلم له عين مال نأخذه، أراد به المال النقد؛ لأن العين تتناول العرض والنقد، لكن عند الاطلاق تتناول النقد. وقوله: عقارا نكسره، أراد به نبيعه بثمن وكس. لان البائع

стр. 615

اذا كان مضطرا لا يشتري (متاعه) بقيمته. فيه دليل على أن المديون اذا كان له عقار يحبس ليبيع، فيقضي الدين، وان (كان لا) يشتري ذلك منه (الا) بثمن وكس. ثم سأل ابو هريرة ﵁ صاحب الدين: هل تعلم له عين مال؟ وهذا مذهبه. وللقضاء في هذا مذاهب. والمذهب عندنا أن القاضي لا يسأل المدعي حتى يسأل المدعي عليه من القاضي أن يسأل المدعي على ما يأتي بيانه. ثم (لما) قال الرجل: لا، قال ابو هريرة ﵁: دعه يطلب لك ولنفسه ولعياله. لأن المقصود من الحبس أن يضجر قلبه، فيشتغل بقضاء الدين، فإذا لم يكن له شيء، فلا يفيد الحبس. [٤٨٩] ذكر عن طلق بن معاوية قال:

стр. 616

كان لي على رجل ثلاثمائة درهم، فخاصمته إلى شريح، فقال الرجل: إنهم وعدوني أن يحسنوا إلي، فقال شريح: ﴿أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ وأمر بحبسه، وما طلبت إليه أن يحبسه حتى صالحني على مائة وخمسين درهمً. [فقد] حبسه شريح من غير سؤال المدعي. وهذا مذهبه. وللقضاة مذاهب في هذا.

стр. 617

والمذهب عندنا: أن المال إذا ثبت لا يحسبه مالم يسأل المدعي ذلك. ثم قال شريح: ﴿أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾. أطلق اسم الأمانة على الدين. والناس تكلموا في قوله تعالى ﴿أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾. قال بعضهم: هو أداء الودائع والعواري. وقال بعضهم: هو رد مفتاح الكعبة على بني شيبة. وقال بعضهم: هي الديون.

стр. 618

قال [بعضهم]: هي الديون والأمانات جميعاً. ومذهب شريح هو القول الرابع. قال: ثم وقع الصلح على مائة وخمسين. لأن المدعي وعد الإحسان إليه كم ازعم المدعي عليه، ووفى بما وعد وأحسن؛ حيث حطه شطر المال. [٤٩٠] ذكر عن الشعبي أنه قال: إذا لم أحبس في الدين، فأنا أتويت حقه.

стр. 619

لأن الناس متى علموا أن القاضي لا يحبس في الدين [فأنهم] لا يتسارعون إلى قضاء الدين، فيتوى حق الإنسان، فيكون القاضي هو المتوى لحقه. [٤٩١] ذكر عن علي ابن أبي طالب ﵁، أن كان إذا أتاه الرجل بالرجل، وقال أن لي عليه ديناً، فقال: أله مال؟ فإن كان له مال أخذناه لك، فإن قال: قد لجأة قال: أقم بينة أن لجأة، وإلا حلفه بالله ما لجأه. فإن قال: احبسه، قال: لا اعينك على ظلمه، فإن قال: فأنني ألزمه، قال: إن لزمته كنت له ظالماً، ولا أحول بينك وبينه. [فهو قد] سأل المدعي: أله مال؟

стр. 620

وهذا مذهبه، كما هو مذهب أبي هريرة. والمذهب عندنا أنه لا يسأل. قال: فإن قال المدعي: نعم قد لجأه، أراد به عقد التلجئة. وصورته ما عرف في كتاب الإكراه. فقال: أقم بينه أنه قد لجأه، وإلا حلفه بالله ما لجأه، لأنه بدعي عليه معنى، فيكلفه إقامة البينة، وعلى الآخر اليمين. قال: فإن قال: احسبه لي، قال: لا اعينك على ظلمه؛ لأنه متى حلف لم يثبت له اليسار، فيكون حبسه ظلمًا. قال: فإن قال: فإني ألزمه، قال: فإن لزمته كنت له ظالما، ولا أحول بينك وبينه. [٤٩٢] ههنا مسألتان لم يذكرهما صاحب الكتاب. أحدهما: أن المدعي عليه إذا لم يكن له مال فإن أقر المدعي بذلك حتى لم يحبسه القاضي، هل يمنع المدعي من ملازمته؟

стр. 621

قال عامة العلماء: لا [يمنع]. وقال إسماعيل بن حماد: يمنع. هو احتج بقوله علي ﵁: فإن لزمته كنت له ظالما، ولأنه معسر، والمعسر مستحق للنظرة إلى الميسرة، فصار كما لو استحق النظرة بالتأجيل، ولو أجله صاحب الدين لا يمكنه الملازمة كذا هذا. وعامة العلماء احتجوا بحديث أبي بن كعب، فإن النبي ﷺ رآه لازم غريمً له عند سارية، فلم ينكر عليه.

стр. 622

وقال ﵊: (لصاحب الحق اليد واللسان). وأراد باليد الملازمة. وأراد باللسان التقاضي. واستدلوا بقول علي ﵁: ولا أحول بينك وبينه. ولأنه ربما يظهر له مال فيظفر به متى لازمه. والثانية: إذا كان للمدعي الملازمة، فمتى لازمة في هذا هل يأثم؟ قال بعض العلماء: يأثم؛ لحديث علي ﵁: فإن لزمته كنت له ظالما.

стр. 623

وقال أكثرهم: لا [يأثم]؛ لحديث أبي بن كعب، وكذا حديث علي ﵁، فإنه لم يمنعه، ولو كان يصير به آثمًا لمنعه. [٤٩٣] قال: فإذا قدم رجل رجلًا إلى القاضي فثبت له عليه مال، إما بإقرار، أو ببينة، فالقاضي لا يحبسه، مالم يطلب المدعي حبسه عندنا. وقال شريح: يحبسه. وقد مرت المسألة. فإذا طلب المدعي حبسه، فغن القاضي يتأنى في حبسه، ولا يعجل، ويأمره بالخروج إليه من حقه. فإذا لم يفعل، وعاد إليه يريد حبسه، فإن القاضي يحبسه. صاحب الكتاب سوى بين الدين الثابت بالإقرار، وبين الدين الثابت بالبينة، وقال: لا يحبسه في أول وهلة. وهذا رأيه. والمذهب عندنا: أن في الإقرار لا يحبسه في أول وهلة، وفي البينة: بحبسه. والفرق: أن الحبس إنما يجب باعتبار مماطلة الغني بالنص.

стр. 624

فإذا أقر لم تظهر منه مماطلة، لأن من حجة المقر أن يقول: ظننت أنك تمهلني، فغن أبيت أوفيك حقك. أما إذا جحد الدين حتى اثبت بالبينة، فقد وجدت المماطلة، فإذا جاء أوان الحبس لا يسأله المدعي عليه ألك مال .. وقال صاحب الكتاب: الصواب عندي أنه لا يحبس حتى يسأله: ألك مال؟ ويستحلفه على ذلك، فإن أقر أن مالاً حبسه، وإن قال: لا مال لي قال للطالب: تثبت أن له مالاً حتى أحبسه. وهو مذهب بعض القضاة. وكذا روي في النوادر عن أصحابنا: أنه يسأل المدعي عليه: ألك مال؟، ولا يسأل المدعي أله مال. وقال أبو هريرة ﵁: يسأل. وهو مذهب بعض القضاة. وإن طلب الديون من القاضي أن يسأل المدعي عن ذلك يسأله القاضي بالإجماع.

стр. 625

فإن سأل المديون وسأل القاضي عن المدعي فقال إنه موسر، وزعم المديون أنه معسر، يجعل القول قول من؟ اختلفت الأقوال فيه. قال صاحب الكتاب: القول قول المديون؛ لأن العسرة أصل في بني آدم، والمديون متمسك بالأصل، وصاحب الدين يدعي أمرًا عارضًا، فيكون القول قول المديون. وقال بعضهم: إن كان الدين وجب بدلًا عما هو مال؛ كثمن متاع، أو بدل قرض، يكون القول قول المدعي، وإن كان الدين وجب بدلًا عما ليس بمال، يكون القول قول المدعي عليه. لأنه إذا وجب بدلًا عما هو مال، فقد عرفت قدرته على قضاء الدين بما دخل في ملكه، وزوال ذلك محتمل فإذا وجب بدلًا عما ليس بمال، لم تعرف قدرته على قضاء الدين، فبقى متمسكًا بالأصل أنه معسر. والذي يؤكد هذا الأصل مسألتان: أحدهما: نص في كتاب النكاح أن المرأة إذا أدعت على

стр. 626

زوجها انه موسر، وادعت عليه نفقة الموسرين، وأدعى الزوج أنه معسر، وعليه نفقة المعسرين، يجعل القول قول الزوج. لأن السبب الذي وجبت به النفقة دينًا في ذمته، لم يدخل في ملكه شيئًا يصير به قادرًا على قضاء الدين، فبقى متمسكًا بالأصل. والثانية: نص في كتاب العتاق: أن أحد الشريكين إذا أعتق العبد المشترك، وزعم أنه معسر كان القول قوله؛ لأن هذا الضمان وجب بسبب لم يدخل في ملكه شيئًا بذلك السبب. ثم صاحب الكتاب نسب هذا القول إلى أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، والقاضي المنتسب إلى اسبيحاب نسبه إلى الفقيه أبي جعفر الهنداوني.

стр. 627

وقال بعضهم: إن كان الدين لزمه بمباشرة العقد يكون القول قول المدعي، وإن كان الدين لزمه حكمًا لا بمباشرته

стр. 628

عقدًا فالقول قول المديون؛ لأن الظاهر من حال الإنسان أنه لا يشرع في أمر لا يقدر عليه، وأن لا يلتزم بما لا وفاء به. وهذا القول يوجب التسوية بينهما إذا ثبت ذلك بدلًا عما هو مال، ولم يكن بدلًا عما هو مال. وفرق هذا القائل بأن مسألة النفقة وبين مسألة العتق، وبين غيرهما، وقال: ذلك ليس بدين، بل هو صلة؛ فإن النفقة تسقط بالموت، وضمان العتق كذلك على قول أبي حنيفة ﵀. ونسب الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ هذا القول إلى الفقيه أبي جعفر الهندواني. وقال بعضهم: يحكم فيه الزي؛ إن كان عليه زي الفقراء كان القول قول المديون، وإن كان عليه زي الأغنياء كان القول قول المدعي. لأن ذلك علامة الغني، إلا في حق العلوية والفقهاء. ونسب الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ هذا القول إلى أبي جعفر الهنداوني. فعلى قول هذا القائل إن كان على المديون زي الفقراء، وأدعى المدعي أنه غير زيه، وقد كان عليه زي الأغنياء، قبل أن يحضر مجلس القاضي، فإن القاضي يسأله البينة، فإن أقام البينة على ذلك

стр. 629

سمع القاضي وجعل القول قوله، وإن لم يمكنه الإقامة يحكم زيه للحال، ويجعل القول قول المديون. [كتابة اسم المحبوس وتدوين المعلومات الكافية عنه] [٤٩٤] ثم متى توجه الحبس على المديون، وحبسه القاضي يكتب اسمه ونسبه في ديوانه [ثم يكتب اسم من حبس لأجله] ويكتب مقدار الحق الذي حبس به، ويكتب التاريخ، فيكتب: حبس فلان بن فلان، لفلان بن فلان بكذا وكذا درهمًا، يوم كذا، من شهر كذا، من سنة كذا. وإنما يكتب اسم المحبوس ونسبه؛ لأن الطالب ربما يطالب القاضي بتسليم المحبوس إليه، فلابد من أن يعرف القاضي اسمه ونسبه، حتى يطالب السجان بتسليم ذلك إليه، والتعريف إنما يحصل بالاسم والنسب. وإنما يكتب من جبس لأجله؛ لأنه لو لم يكتب ربما يجيء إنسان آخر ويدعي أنه حبس لأجله في دينه ويخرجه، فيهرب من القاضي،

стр. 630

والخصم الذي حبس لأجله غيره. وإنما يكتب مقدار الحق؛ لأنه ربما يجيء المحبوس بمال قليل، ويقول للقاضي: حبستني بهذا القدر من المال، فيدفعه إلى القاضي ويهرب. وإنما يكتب التاريخ؛ لأنه ربما يحتاج أن يسمع البينة على إفلاسه، وإنما يسمع البينة على إفلاسه، وإنما يسمع [البينة] بعد مدة فلا [بد أن] يعرف هل انقضت تلك المدة، وإنما يعرف بالتاريخ. [البينة على الإفلاس بعد الحبس] [٤٩٥] ثم البينة على الإفلاس بعد الحبس مقبولة بالإجماع. وإنما اختلف أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ في أن القاضي هل يقضي عليه بالإفلاس وبالحجر؟ قال أبو حنيفة: لا يقضي عليه بالإفلاس، ولا يحجر عليه. وعندهما: يقضي، ويحجر عليه. لكن إنما تقبل البينة على الإفلاس بعد مضي مدة على حبسه. واختلفوا في تقدير تلك المدة: فروى عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة [في كتاب الحوالة والكفالة إنها تقدر بشهرين أو ثلاثة أشهر. وروى الحسن عن أبي حنيفة ما بين أربعة أشهر] إلى ستة أشهر.

стр. 631

وذكر الطحاوي شهرًا. قال شمس الأئمة الحلواني: مال قاله الطحاوي أوفق الأقاويل في هذا الباب. وهذا لأن ما زاد على الشهر في حكم الآجل، وما دون الشهر في حكم العاجل، فصار الشهر أدنى الآجل، والأقصى لا غاية له. والصحيح أن هذا ليس بتقدير لازم، بل هو مفوض إلى رأي القاضي؛ فإن مضت ستة أشهر، ووقع عنده أنه متعنت [فإنه] يديم الحبس، وإن مضى شهر أو دونه، ووقع عنده أنه عاجز أطلقه، هذا معنى قول محمد في آخر الباب بعد ذكر التقدير: هذا إذا أشكل عليه أمره، يعني أفقير أم غني، فإما إذا لم يشكل أمره سألت عنه عاجلًا. يعني إذا كان ظاهر الفقر [فإني] أقبل البينة على الإفلاس واخلي سبيله. وهذا إذا ثبت أنه معسر ثبت له النظرة إلى الميسرة.

стр. 632

ولو استدام الحبس كان ذلك ظلمًا. وإن لم يقع للقاضي شيء، وكان حاله مشكلًا فالقاضي ينظر: إن كان الرجل لينًا، أو صحاب عيال، ويشكو عياله إلى القاضي، يحبس شهرًا ثم يسأل عن حاله، ويسمع البينة على إفلاسه. وإن كان وقحًا عند جواب الخصم، يحبسه إلى ستة أشهر، ثم يسأل عن حاله، ويقبل البينة على إفلاسه. [البينة على الإفلاس قبل الحبس] [٤٩٦] قال: فإن قامت البينة على إفلاسه قبل الحبس هل تقبل؟ وفيه روايتان: في إحدى الروايتين: تقبل، وبه كان يفتي الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري، وكان يقول: له رواية في كتاب الكفالة ستذكر في أول الكفالة. وفي رواية: لا تقبل، نص عليه صاحب الكتاب في آخر الباب، وبه كان يفتي عامة المشايخ، وهو الصحيح.

стр. 633

[البينة على الإفلاس بعد الحبس وقبل مضي المدة المقررة] [٤٩٧] فإن احضر المدعي عليه بينة بعد الحبس، قبل هذا الوقت الذي ذكرنا بالعدم، فشهدوا بذلك عند القاضي، قال صاحب الكتاب: قبل القاضي ذلك، وأخرجه من الحبس، وفلسه. وهذا لا يشكل على إحدى الروايتين. أما الرواية الثانية [فقد] قال مشايخنا هذا إذا لم يكن حال الرجل مشكلًا، أما إذا كان [مشكلًا] فلا تقبل [البينة] قبل مضي تلك المدة. فإذا مضت تلك المدة، واحتاج القاضي إلى معرفة حاله، رجع إلى من له معرفه بحاله، وعلم بحاله. واعلم الناس بحاله جيرانه وأهل محلته، فيسأل الثقات من جيرانه، وأصدقائه، وأهل سوقه؛ لأن الفساق يكذبون عسى. فإن قال هؤلاء: أنا لا نعرف له مالًا فلسه القاضي، وأخرجه من الحبس، ولا يحول بين المدعي وبين ملازمته عند عامة العلماء. وعلى قول إسماعيل بن حماد: يحول. وليس للمدعي أن يلازمه في الابتداء، لكن يأخذ المدعي من

стр. 634

الخصم كفيلًا، فإن أعطى الكفيل فقد انتهى الكلام، فإن أبى فحينئذ يلازمه. والمسألة قد مرت. [٤٩٨] فإن قامت البينة على أنه مفلس، والمدعي أقام البينة على أنه موسر، فالقاضي يقبل بينه المدعي؛ لأن بينته مثبته، وبينة المدعي عليه نافية، والبينات شرعت للإثبات لا للنفي. [حبس الشخص الممتنع عن الأداء وله أموال] [٤٩٩] قال: وإن حبسه القاضي، وله أموال، فامتنع من قضاء الدين، فإن كان له من جنس ما عليه من الدين؛ بأن كان الدين عليه دراهم، وله دراهم، فإن القاضي يقضي من ماله الدين. لأن صاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه [كان] له أن يأخذ، وكان للقاضي أن يعينه على ذلك. فإن كان عليه دراهم، وماله دنانير، أو على العكس فالقياس على قول أبي حنيفة ﵀ أن لا تصرف الدراهم بالدنانير، ولا يقضى دينه؛ لأنهما جنسان مختلفان، ولهذا لم يكن لصاحب الدين أن يمد يده ويأخذ الدنانير إذا كان دينه دراهم، أو على العكس.

стр. 635

وفي الاستحسان يصرف ويقضي دينه؛ جنسان مختلفان من حيث الصورة والعين، لكنهما جنس واحد في المالية، وحق صاحب الدين في العين، ومن حيث العين هما جنسان مختلفان، وولاية القاضي إنما تثبت من حيث المالية، وفي حق المالية هما جنس واحد، فلا يثبت لصاحب الدين ولاية أخذ الدنانير مكان الدراهم، وتثبت للقاضي ولاية صرف الدنانير بالدراهم. [٥٠٠] وإن كان له عروض، فعند أبي حنيفة ﵀ لا يبيع القاضي في دينه لكنه يستديم الحبس، إلى أن يبيع بنفسه، ويقضي الدين. وعندهما يبيع رواية واحدة. فإن كان عقارًا، فعند أبي حنيفة لا يبيع. وعندهما روايتان. وإلا ظهر أنه يبيع.
следующие страницы →