Полный текст (1 720 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
كل شيء، وأما التدبير فليس من الحوائج الأصلية، فتجب السعاية، وصار هو بمنزلة المريض إذا كان عليه دين، فاستولد جارية، ثم مات، تعتق الجارية، ولا سعاية عليها، ول دبر عتق، وعليه السعاية كذا ههنا.
[٥٢٨] قال:
وكذا لو كان له غلام ولد في ملكه، ومثله يولد لمثله، فقال: هذا ابني لزمه نسبه، وعتق، ولا سعاية عليه.
لأن هذا إقرار بالنبوة.
ولو كان له غلام لم يولد في ملكه، ومثله يولد لمثله، فقال: هذا ابني لزمه نسبه، وعتق، وسعى له في قيمته.
وهو بمنزلة المريض إذا وهب له ابنه، ثم مات وعليه دين فغن الابن يسعى في جميع قيمته، فيدفع إلى الغرماء.
وهذه المسألة مذكورة في كتاب الدعوى، ولها فروع.
[٥٢٩] قال:
ولو تزوج السفيه المحجور امرأة جاز النكاح.
لأن الهزل لا يؤثر في النكاح، فكذلك الحجر بسبب السفه،
стр. 667
إلا أنه إذا كان رد على مهر مثلها بطلب الزيادة.
لأن الزيادة على مهر المثل لو وجبت، وجبت بالتزامه، لأنا حكمنا بصحة النكاح، ولا يجوز أن تجب بالتزامه، لأنه محجور عن التزام المال.
[٥٣٠] قال:
ولو طلق وقع الطلاق على امرأته.
لأن الهزل لا يمنع وقوع الطلاق فكذا الحجر بسبب السفه.
[٥٣١] قال:
ولو حنث في يمينه أجزأه الصيام، ولم يكن له أن يكفر من ماله.
لأنه إن أراد التكفير بالإطعام فلا يتم ذلك إلا بتسليم الطعام إلى الفقراء، ويده قاصرة، فلا يمكنه التسليم.
[٥٣٢] قال:
وإن أراد التكفير بالاعتاق، فإذا اعتق تجب على العبد السعاية، فيصير اعتاقًا بعوض، والاعتاق بعوض لا تتأدى به الكفارة.
وكذا لو ظاهر كان عليه الصوم.
لما قلنا.
فإنه اعتق مملوكًا له عن ظهاره جاز العتق، وكان على المعتق أن
стр. 668
ولم يجز في كفارة الظهار، وكذا كفارة القتل هو بمنزلة هذا، لما قلنا.
[٥٣٣] قال:
وأما زكاة المال فتجب عليه.
لأن الحجر بسبب السفه لا يؤثر فيه؛ لأن الحجر شرع نظرًا به، إبقاء لماله على ملكه، والإبقاء إنما يحصل بإخراج فدر الزكاة، قال الله تعالى:
﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾.
فيلزمه أن يخرج قدر الزكاة من ماله.
[٥٣٤] قال:
وأما حجة الإسلام فتجب عليه إن استطاع إليه سبيلًا.
لكن المال الذي يحتاج إليه في الطريق لا يدفع إليه، فغنه يسرف فيه ويبذر، لكن يدفع إلى رجل ثقة ممن يحج معه،
стр. 669
فينفق عليه في الطريق [بقدر حاجته].
وما لزمه في حجة من كفارة في شيء يصنعه في حجة أو إحصاره، فكل موضع شرع فيه الصوم كان هو في ذلك بمنزلة العبد الذي يحج بأمر مولاه.
وفي هدي الإحصار الصوم غير مشروع، وهو محتاج إلى التحلل عن الإحرام، فليزمه الهدي.
[٥٣٥] قال:
والمرأة المفسدة في ذلك بمنزلة الرجل.
فإن اختلعت نفسها من زوجها، أو قبلت الطلاق على مال من الزوج بعد ما حجر عليها القاضي، فإن الطلاق يقع، ولا يلزمها المال.
أما عدم لزوم المال فلأن الهزل يمنع التزام المال، فكذا الحجر بسبب السفه.
وأما وقوع الطلاق فلأن الطلاق المقرون بمال يعتمد وقوعه وجود
стр. 670
القبول لا وجود المقبول، كما إذا طلق امرأته الصغيرة على مال وقبلت وقع الطلاق ولم يلزمها المال، كذا هنا.
ثم ينظر:
إن كان الواقع بصريح لفظ الطلاق [فإنه] يكون رجعيًا.
وإن كان الطلاق بلفظ الخلع [فإنه] يكون بائنًا.
[٥٣٦] قال:
ولو حجر القاضي على سفيه، ثم أذن له أن يبيع شيئًا من ماله، ويشتري شيئًا، فالمسألة على ثلاثة أوجه:
أحدها: إذا أذن له في أن يبيع شيئًا من ماله، ويشتري شيئًا، فباع، واشترى، وقبض الثمن، جاز جميع ما صنع، وكان أمر القاضي أخراجا له من الحجر.
لأن الحجر إنما شرع؛ نظرًا له؛ إبقاء لماله، فإذ أذن له القاضي فالظاهر أنه رأى النظر في الإطلاق، فغن وهب، أو تصدق، لم يجز ذلك لأن القاضي إنما أذن له في التجارات، والإطلاق في التجارات لا يوجب ارتفاع الحجر في التبرعات؛ كالمولى، إذا أذن لمبده في التجارة، والوصي إذا أذن للصبي في التجارة [فأنهما] لا يملكان التبرعات؛ كذا هنا.
والثاني: لو أمره القاضي ببيع عبد بعينه، أو [بشراء] شيء
стр. 671
بعينه، لم يكن هذا إخراجًا له من الحجر؛ كالمولى، إذا أمر عبده أن يبيع شيئًا بعينه، أو يشتري شيئًا بعينه، لا يكون إذنًا له في التجارة، ويكون هذا استخدامًا. فإذا وجد من القاضي لا يكون إطلاقًا له عن الحجر أيضًا.
والثالث: إذا أذن له في شراء البز خاصة كان هذا إطلاقًا له من الحجر؛ كما في المولى مع العبد، والوصي مع الصبي.
[٥٣٧] قال:
ولو قال القاضي بمحضر من أهل سوقه: قد أذنت له في التجارة، ولا أجيز عليه من ذلك إلا ما كان ببينة، أو بمعاينة من الشهود، فأما ما كان بإقرار، فلم أجزه، فهو كما قال.
فرق بينه، وبين العبد والصبي، فإنه لا يعمل هذا الاستثناء في حقهما، ويجب الدين عليهما سواء كان بمعاينة من الشهود أو الإقرار.
والفرق: أن حجر العبد عن التصرفات إنما كان لحق المولي، فإذا أذن له المولى فقد أسقط حق نفسه، فلا يعمل فيه الاستثناء.
وكذا حجر الصبي كان لنقصان رأيه، فإذا انضم رأي المولى إلى رأيه كمل رأيه تقديرًا، والتحق بالبالغ في حق ذلك التصرف، فلا يعمل فيه الاستثناء.
стр. 672
وأما ههنا فالحجر إنما يثبت بطريق النظر، وربما يكون النظر في أصل الأذن دون الوصف، فكان النظر في تقييد الأذن لا في الإطلاق فعمل هذا التقييد والاستثناء.
[٥٣٨] قال:
ولو أن قاضيًا حجر على رجل فاسد يستحق الحجر فجاء قاض آخر فأطلق حجره، وأجاز ما صنع، كان إطلاقه جائزًا.
وما صنع في ماله من شراء أو بيع قبل إطلاقه عنه، وبعد إطلاقه عنه [فإنه] يجوز لوجهين:
أحدهما: أن الأول ليس بقضاء لعدم المقضي له والمقضي عليه، بل هو فتوى منه، فكان للثاني أن لا يعمل به ويطلق.
والثاني: إن كان قضاء فنفس القضاء مجتهد فيه، فلا يكون حجة تامة، بل يتوقف على إمضاء قاض آخر.
فإن إمضاء نفذ، وصار قول القاضي الآخر بيانًا في محل مجتهد فيه، والبيان من الثاني في محل مجتهد [فيه قد] يكون بمنزلة القضاء في محل مجتهد [فيه]، واو قضى في محل مجتهد [فيه] ينفذ
стр. 673
قضاؤه، فلا يكون للثاني أن ينقضه، فكذا إذا بين في محل مجتهد فيه لا يكون لثالث أن يرده.
فإن رد القاضي الثاني القضاء الأول بطل، فلا يكون للثالث أن ينفذه، وصار نظير هذا القاضي إذا قضى في حادثه، وهو محدد في قذف، فإن هذا القضاء لا يكون حجة حتى يتصل به الإمضاء من [القاضي] الثاني.
[٥٣٩] قال:
فإن رفع شيء من بيوعه إلى القاضي الذي حجر عليه فنقضها، وأبطلها، فعلى القاضي الثاني أن ينفذ قضاء الأول. فإن لم يفعل ذلك وأجاز أمر المحجور عليه، ثم رفع إلى قاضي آخر، فإنه ينبغي لهذا القاضي الثالث أن ينفذ ما صنع الأول، ورد ما فعل الثاني.
أما على الوجه الأول فلأن القاضي الأول لما نقض بيوعه، كان هذا قضاء؛ لوجود المقضى له والمقضي عليه، فنفذ، فليس للثاني أن يبطله.
وعلى الوجه الثاني لم يكن فسخ البيع مختلفًا فيه، فإذا قضى نفذ قضاؤه، فليس للقاضي الثاني أن يبطله.
стр. 674
[٥٤٠] قال:
وهذا المفسد لماله لا يجوز بيعه.
وإن باع شيئًا من ماله وقبض ثمنه لم يكن للذي دفع إليه المال أن يرجع عليه بماله.
أطلق صاحب الكتاب جواب هذه المسألة.
ومحمد ﵀ في كتاب الحجر قسم الجواب تقسيمًا فقال: أما أن يكون بيع رغبة، أراد به أن يكون فيه توفير النظر والمنفعة على المحجور عليه، أو لم يكن بيع رغبة، أراد به أن يكون في جانب السفيه محاباة.
فإن كان بيع رغبة، فالقاضي ينفذ ذلك البيع؛ لأن الحجر عليه إنما كان نظرا له، فإذا كان النظر في تنفيذ التصرفات، وجب على القاضي تنفيذ.
وإن كان فيه محاباة، رد البيع وأبطله.
فبعد ذلك، أما إن كان الثمن قائمًا، أو هالكًا، هلك في يده، أو ستهلكه.
فغن كان قائمًا، وجب عليه أن يرده إلى البائع؛ لأن سلامة الثمن باعتبار العقد، وقد بطل العقد، فلا يسلم له الثمن.
وإن كان هالكًا، فلا ضمان عليه.
لأن المقبوض إنما يصير مضمونًا [عليه] إما بالعقد أو
стр. 675
بالقبض. والعقد قد انفسخ من الأصل، فلا يكون مضمونًا عليه بالعقد، والقبض حصل بإذن المالك، فلا يكون مضمونًا بالقبض.
وإذا استهلكه: فإن [كان] أنفقه في ما يحتاج إليه؛ بأن حج حجة الإسلام، وما أشبه ذلك [فإنه] يضمن المثل للدافع؛ لأن الحجر لا يؤثر ف الإنفاق على نفسه بالمعروف.
وإن استهلكه في ما لا يحتاج إليه، وصرفه إلى وجوه القبيح قال أبو يوسف: يضمن المثل.
وقال محمد: لا يضمن.
بناء على مسألة استقراض الصبي، والعبد المحجور إذا استقراضا مالًا واستهلكناه.
عن أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-: لا يجب الضمان على الصبي أصلًا، ولا يجب على العبد حتى يعتق.
وعند أبي يوسف ﵀: يجب الضمان عليهما في الحال.
إلا أن الخلاف في مسألة السفيه لا يتحقق على قول أبي حنيفة ﵀؛ لأن السفيه عنده كالرشيد في حق التصرفات، وإنما بتحقيق الخلاف بينهما؛ عند أبي يوسف ﵀: يجب الضمان،
стр. 676
وعند محمد ﵀: لا يجب الضمان.
إلا أنه فرق بين هذه المسألة وبين مسألة العبد إذا استقرض واستهلك، فإن ثمة قال: يضمن بعد العتق، وههنا قال: لا يضمن وإن زال الفسق؛ لأن الامتناع ثمة كان لحق المولى وقد زال، وههنا لمعنى النظر.
وهذا المعنى لا يوجب الفرق بين الحالتين، فصار السفيه عنده في هذا الحكم بمنزلة الصبي.
[٥٤١] قال:
المحجور عليه إذا زوج ابنته أو أخته، وهما صغيرتان، فتزويجه باطل، ولا أراه وليًا.
فرق بين هذا وببن ما إذا تزوج بنفسه.
والفرق أن التزويج بنفسه محتاج إليه، وحاجته مستثناه عما يتناوله الحجر، أما ههنا فغير محتاج إلى تزويج الصغير، فلا
стр. 677
يصير مستثنى عما يتناوله الحجر، فبقى داخلًا تحت الحجر.
[٥٤٢] قال:
ولو أن رجلًا كان صالحًا، ثم فسد بعد ذلك، فحجر عليه القاضي، وقد كان إنسان اشترى منه شيئًا فاختلف المحجور عليه، والمشترى منه، فقال المشترى: اشتريته منك في حال صلاحك قبل الحجر عليك، وقال المحجور عليه: بل اشتريته مني في حالة الحجر، فالقول قول المحجور عليه.
لأن الشراء حادث، والحوادث تحال بحدوثها إلى أقرب الأوقات، وأقرب الأوقات في الشراء حالة الحجر.
فإن أقاما جميعًا البينة، فالبينة بينة الذي يدعي الصحة.
لأنه يدعي الصحة، والآخر يدعي الفساد، فكانت بينة مدعي الصحة أولى.
لأنه اثبت (؟) بالبينة، فكانت بينته أولى.
ولو أطلق عنه القاضي، ثم اختلفا، فقال المشتري: اشتريته بعد ما أطلق عنك الحجر، وقال المحجور عليه، بل اشتريته مني في
стр. 678
حالة الحجر، فالقول قول المشتري.
لما قلنا من المعنى.
قال صاحب الكتاب: وفي هذه المسألة نظر.
فكأنه أشار إلى مسألة معروفة في الكتب وهي: أنه إذا وقع الاختلاف بين الصبي وبين امرأته، أو أمته، أو المشتري منه، فقالت المرأة: طلقتني بعد ما بلغت، وقالت الأمة: اعتقتني بعد ما بلغت، وقال المشتري: اشتريت منك بعد ما بلغت، وقال الصبي: كان ذلك مني في حالة الصبا، فإن القول في هذه الفصول الثلاثة قول الصبي.
لأنه لما أضاف التصرف إلى حالة معهودة تنافي تلك الحالة جواز التصرف، يكون انكارًا، فينبغي أن يكون القول ههنا قوله أيضًا.
لكن جعل في الكتاب القول قول المشتري.
والفرق: أن الحجر في حق الصبي مطلق غير مقيد، فإذا أضاف التصرف إلى تلك الحالة وهي منافية صحة التصرف على الإطلاق جعل إنكارًا، فكان القول قوله.
стр. 679
أما الحجر في حق السفيه [فهو] غير مطلق، بل هو مقيد بالنظر، فلم يكن مضيفًا للتصرف إلى حالة منافية للتصرف على الإطلاق، فلا يمكن أن يجعل هذا إنكارًا.
والله أعلم بالصواب
* * *
стр. 680
الباب الرابع والثلاثون في المسألة عن الشهود
[الأصل في الناس العدالة]
[٥٤٣] ذكر عن إبراهيم [أنه] قال:
العدل في المسلمين من لم يطعن عليه بطن ولا فرج.
وهذا الحديث [حجة] لأبي حنيفة ﵀: أن شهادة المستور حجة ما لم يطعن الخصم في شهادته؛ لأنه مسلم، والظاهر من حال المسلم العدالة، فيجوز البناء على هذا الظاهر، مالم يوجد الطعن والجرح في عدالته.
стр. 681
ثم خص في الحديث عدم الطعن في الفرج والبطن، وأراد بالطعن في البطن: انه أكل ربا، أو أكل بالمال المغصوب، وما أشبه ذلك. وعدم الطعن في الفرج: انه لا يقال انه زان، وما أشبه [ذلك]، فموضع الطعن فيهما، ولهما توابع، فإذا سلم عنهما وعن توابعهما كان عدلًا مقبول الشهادة.
ثم هنا شيء آخر لم يذكره صاحب الكتاب، وهو انه إذا كان كاذبًا، هل يكون عدلًا، مقبول الشهادة، أم لا؟
قال مشايخنا: لا [يكون عدلًا]؛ لأن الكذب من جملة الطعن في البطن، لأن موضعه البطن، ويخرج منه.
[٥٤٤] ذكر عن عامر قال:
شهادة الرجل جائزة، ما لم يضرب حدًا، أو يعلم منه سخرية في دينه، أو يعلم منه خزية في دينه.
стр. 682
لأن الحد انما يجب بارتكاب ما لا يحل، فإذا ضرب الحد فقد ظهر منه ارتكاب ما لا يحل، فتسقط عدالته، إلا أن تظهر توبته [بعد ذلك].
وقوله: خزية في دينه، أي فساد في دينه، فإنه إذا ظهر منه فساد في دينه ظهر منه ارتكاب ما لا يحل.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀:
الناس لا تخلو عن ارتكاب الصغائر شرعًا، ولا تخلو عن اتيان ما هو مأذون به في الشرع، فتجعل العبرة به في ذلك للغالب.
يريد به في حق الصغائر: فإن كان غالب حاله أن يأتي بما هو مأذون به في الشرع، ويحترز عما لا يحل له في الشرع، كان جائز الشهادة، بعد إن كان محترزًا عن كل الكبائر.
стр. 683
وان كان غالب حاله أنه لا يحترز عما لا يحل [له] في الشرع لا يكون جائز الشهادة، وان كان يأتي بالمأذون به شرعًا.
[العدالة مبنية على الغالب من أفعال الإنسان]
[٥٤٥] وذكر المزني في كتابه فقال:
стр. 684
ان كان غالب أفعاله موافقًا للشريعة، ويكون حافظًا للمروءة يكون جائز الشهادة.
وحفظ المروءة: أن يحفظ لسانه، ويخاف [من] هتك الستر؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة، يخاف من ظهور الكذب.
وقال القاضي أبو حازم:
стр. 685
أحسن ما نقل في هذا الباب ما روي عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيش الانصاري القاضي ﵀ أنه قال:
العدل في الشهادة: أن يكون مجتنبًا عن الكبائر، ولا يكون مصرًا على الصغائر، ويكون صلاحه أكثر من فساده، وصوابه أكثر من خطئه، وأن يستعمل الصدق ديانة ومروءة، ويجتنب عن الكذب ديانة ومروءة.
فالحاصل: أن العبرة للغالب.
وقد نص صاحب الكتاب في آخر الباب أن العبرة في الصغائر
стр. 686
للغالب، بعدما يحترز عن كل الكبائر على ما نبين إن شاء الله تعالى.
[الفاظ التعديل]
[٥٤٦] ذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سأل رجلًا عن رجل فقال: لا نعلم إلا خيرًا، فقال عمر ﵁ حسبك.
في الحديث دليل على أنه إذا قالوا: لا نعلم إلا خيرا كفى للتعديل، وهذا اللفظ مستعمل للتعديل؛ لأن المسلمين انما يعرفونه بالظاهر، وما وراء ذلك غيب، والغيب عند الله تعالى.
[٥٤٧] ذكر عن شريح: أنه قال للمدعى: ايت على ذلك بشهود عدول؛ فانا قد أمرنا بالعدل، وانت فاسأل عنه؛ فان قالوا: الله أعلم، فالله أعلم [به] يفرقون أن يقولوا هو مريب، ولا تجوز شهادة مريب، وإن قالوا: هو في ما علمنا عدل مسلم فهو
стр. 687
-إن شاء الله تعالى- كذلك وتجوز شهادته.
أما قوله: ايت بشهود عدول، فبه نقول.
وقوله: انت فاسأل عنه: أمر للمدعى عليه، يعني انت
стр. 688
فاسأل عن الشهود: أهم عدول أم لا؟
وقوله: فإن قالوا: الله أعلم فالله أعلم [به] انه مجروح أم لا، فان قولهم: الله أعلم جرح، فإن هذا اللفظ مستعمل في الجرح؛ لأنه بهذا الكلام امتنع عن بيان الخصال المذمومة فيه سخافة أن تقع بينهما عداوة ووحشة.
فأما بيان الخصال الحميدة في الإنسان [فإنه] لا يمتنع عن [بيانها] إنسان آخر.
وقوله: يفرقون أن يقولوا هو مريب، انه أراد به انهم يخافون ان يقولوا ذلك في وجهه على وجه التصريح.
وقوله: فان قالوا: هو فيما علمنا عدل مسلم، فهو -إن شاء الله تعالى- كذلك، إنما علقه بالاستثناء، لأنه قد يكون في الظاهر عدلًا وفي
стр. 689
الباطن بخلافه، وهذه اللفظة تكون تعديلًا؛ لأنها مستعملة في التعديل، لما قلنا من قبل، وإن لم يكن تعديلًا؛ لأن قوله: فيما علمنا إذا اقترن بالاخبارات لا يكون إثباتا.
الا ترى انه لو قال: أشهد أن لفلان على فلان كذا فيما أعلم لا يكون اثباتا، ولو أقر، فقال: لفلان علي الف درهم فيما أعلم [فانه] لا يكون إقرارا عند ابي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-، وإذا لم يكن هذا تعديلًا صار وجوده وعدمه سواء، فبقى مستورًا كما كان، وشهادة المستور جائزة، فيكون هذا حجة لأبي حنيفة ان شهادة المستور حجة.
[شهادة المستور]
[٥٤٨] ذكر عن الحسن انه كان يجيز شهادة من صلى، إلا أن يأتي الخصم بما يجرحه به.
стр. 690
والمراد بقوله: صلى، المسلم، كما قال الله تعالى: ﴿قالوا لم تك من المصلين﴾ يعني من المسلمين.
وهذا لأن إسلام الرجل وعقله يمنعانه عن الكذب ويدعوانه إلى الصدق.
فإذا عرف القاضي منه ما يمنعه من الكذب، ويدعوه إلى الصدق رجح صدقه على كذبه فيقبل.
في الحديث دليل على جواز القضاء بشهادة المستور، ما لم يطعن الخصم، فإذا طعن الخصم وجب السؤال عن الشهادة.
ثم ظاهر الحديث دليل على ان الحسن ﵀ شرط لوجوب السؤال عن الشهود أن يأتي الخصم بما يمكنه اثبات الجرح؛ فانه قال: الا ان يأتي الخصم بما يجرحه به، يعنى يأتي بحجة على ذلك.
فظاهر هذا انه ما لم يأت بالحجة على ما يدعي من الجرح في الشهود تبقى شهادة المستور حجة.
لكن ظاهر المذهب عندنا ان المدعى عليه متى طعن في الشهود، يجب على القاضي ان يسأل عن حالهم.
стр. 691
[٥٤٩] ذكر على الاشعث الحداني انه جاء رجل الى الحسن، فقال: ان هذا رد شهادتي، يعني اياس بن معاوية، فقام معه فقال: يا ملعكان لم رددت شهادة هذا؟ اما بلغك رسول الله ﷺ قال:
«من استقبل قبلتنا واكل ذبيحتنا فذلك مسلم»؟
стр. 692
فقال: يا شيخ: ان الله تعالى يقول: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وهذا ليس ممن نرضى من الشهداء.
فكان الحسن يعتبر الاسلام، واياس احتج [عليه] بالآية فقال: ان الله تعالى شرط مع الاسلام العدالة والرضا فدلت الآية على ان العدالة شرط، ولا يكتفي بمجرد الاسلام قال محمد، فخصمه اياس، يعني غلبه والزمه الحجة.
[٥٥٠] ذكر عن خالد الحذاء قال:
شهدت اياس بن معاوية فقضى في يوم ثلاثين قضية ما صبر فيها يمينًا، ولا سأل فيها بينة.
стр. 693
وقوله: ما صبر فيها يمينًا، يعنى ما أجبر على يمين.
وانما فعل ذلك اياس بن معاوية لرفقه في الحكم والقضاء؛ فانه كان يرفق بهم حتى يقر المدعى عليه، ولا يحتاج الى يمين ولا الى بينة.
وهكذا السنة في القضاء.
[٥٥١] ذكر عن منصور بن المعتمر قال:
سألتإبراهيم عن العدل، فقال: العدل من لم تظهر عنه ريبة.
أراد به التهمة.
والمذهب عندنا انهانما لا تقبل الشهادة إذا كان فاسقاً،
стр. 694
فأما إذا اتهم بالفسق، فذلك مما لا يوجب رد الشهادة؛ لان التهمة إذا تجردت تكون ظنًا، وقد قال الله تعالى: ﴿ان الظن لا يغنى من الحق شيئًا﴾.
[المسلمون عدول]
[٥٥٢] ذكر عن عمر ﵁ انه قال:
انا لا نقبل الا العدول.
وهذا حجة لأبي يوسف ومحمد على ابي حنيفة ﵏[في] انه لا يجوز القضاء بظاهر العدالة.
стр. 695
وأبو حنيفة ﵀ يقول: عندي لا يجوز القضاء الا بشهادة العدول.
لكن المسلمين كلهم عدول.
لما روينا من الحديث.
[٥٥٣] ذكر عن عمر ﵁ انه كتب الى ابي موسى الأشعري: ان المسلمين عدول بعضهم على بعض الا مجلودًا حدًا او مجربًا عليه شهادة زور، او ظنينا في ولاء او قرابة.
وقد مر شرح الحديث في ما تقدم الا ان صاحب الكتاب ذكر عن بعض العلماء انه قال:
المنهم على القرابة ان يتعدى عليهم غير الحق، أي يظلم قرابته في منع الصلة والبر [عنهم]، كنفقة المحارم.
стр. 696
لان ذلك حق واجب عليه، فإذا منعه يصير ظالمًا، وشهادة الظالم لا تقبل.
وعندنا تفسيره غير هذا.
[من أسباب الجرح]
[٥٥٤] ذكر عن محمد بن عبد الرحمن النوفليانه قال:
قلت لا ياس بن معاوية: اخبرت انك كنت لا تجيز شهادة الاشراف بالعراق، ولا التجار، و [لا] الذين يركبون البحر …
قال: أجل … الحديث الى آخره.
стр. 697
وأعلمان اسبال الجرح كثيرة:
منها الركوب في البحر الى الهند؛ لانهإذا ركب البحر الى الهند فقد خاطر بنفسه، ودينه وسكن دار الحرب، وكثر سوادهم، وعددهم، وتشبه بهم؛ لينال بذلك مالًا، ويرجع الى أهله غنيًا، فإذا كان لا يبالي ان يخاطر بنفسه ودينه، فلا يؤمن ان يأخذ من عروض الدنيا فيشهد بالزور.
ومنها التجارة في قرى فارس؛ فانهم يطعمونهم الربا وهم يعلمون.
وأكل الربا من أسباب الجرح.
ومنها انه لا تقبل شهادة الاشراف من أهل العراق؛ لانهم قوم يتعصبون، فإذا نابت أحدًا منهم نائبة، اتى سيد قومه، فيشهد له سيد قومه، ويشفع، فلا يؤمن ان يشهد بالزور.
[شهادة اهل الاهواء]
[٥٥٥] ذكر عن عيسى بن موسى [ان عيسى] قال: أتجيز شهادة
стр. 698
أهل الأهواء؟ قال: نعم، وأراهم لذلك أهلًا، إنما ادخلهم في الاهواء الدين الا الخطابية.
стр. 699
وهذا لان الشهادة انما تكون حجة إذا ترجح جانب الصدق على جانب الكذب فيها، وقد وجد هذا المعنى في شهادتهم؛ لانهم قوم يعتقدون ان نفس الكذب كفر، فمن يعتقد ان نفس الكذب كفر كيف يشتغل الكذب؟ وشهادة الزور كذب، فتقبل شهادتهم الا الخطابية؛ فانهم قوم يستجيزون الشهادة لمن يحلف بالله بين ايديهم ان هذا كذا، ويقولون: ان المسلم لا يحلف كاذبًا، وهم قوم من الروافض، فتمكن تهمة الكذب في شهادتهم من هذا الوجه.
[تزكية الشهود]
[أول من سأل عن الشهود في السر]
[٥٥٦] ذكر عن ابن شبرمة انه قال:
стр. 700
ثلاث لم يعمل بهن أحد قبلي ولم يتركهن احد بعدي:
المسألة عن الشهود في السر، وإثبات حجج الخصمين، وتحلية الشهود في المسألة.
قال الشيخ الامام شمس الائمة السرخسي:
فيه نظر؛ فانه نقل عن ابن شبرمة تزكية السر، وتزكية السر انمااحدثها شريح، فانه قيل له: احدثت، فقال: احدثتم فأحدثنا.
стр. 701
يرد: ان في الابتداء. كانت التزكية في العلانية؛ لانه كان لا يخاف البعض من البعض في ان يبين منه ما يعلم منه، وانتم احدثتم الخوف والامتناع عن بيان ما تعلمون من بعضهم، فأحدثت تزكية السر، فثبت ان هذا [شيء] احدثه شريح.
[الجمع بين تزكية السر وتزكية العلانية]
[٥٥٧] ويجمع بين تزكية السر وتزكية العلانية.
بان يجمع القاضي بين المعدل وبين الشهود ويقول: أهؤلاء الذين زكيتم في السر؟
واختلفت الروايات عن محمد ﵀ في تزكية العلانية:
ذكر في بعض المواضع [ان] تزكية العلانية حسن.
وذكر في بعض المواضع [ان] تزكية العلانية بلاء وفتنة.
هذا بيان لواحد.
والثاني: اثبات حجج الخصمين، وتفسيره: ان يثبت القاضي الحجج في تذكرته، حتى إذا احتاج اليه ينظر فيه، وقد مر هذا من قبل.
والثالث: تحلية الشهود في المسألة؛ لانه ابلغ في التعريف؛ لانه قد يتفق اثنان في الاسم، والنسب والقبيلة، والمحلة، فلهذا قال: يبين حلاهم، حتى يتبين للقاضي انالمزكي هو الذي شهد، فلا يؤدى الى الاشتباه على القاضي.
[٥٥٨] قال:
стр. 702
وقال أبو حنيفة ﵀:
لا أسأل عن الشهود الا ان يطعن فيهم المشهود عليه.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يسأل عنهم [سواء] طعن فيهم الخصم او لم يطعن.
وهذا إذا كان المشهود به مالًا.
فان كان حدا او قصاصًا [فانه] يسأل بالاجماع طعن [فيهم] الخصم او لم يطعن، وهي مسألة كتاب التزكية.
[أصحاب المسائل او المزكون]
[٥٥٩] قال:
وينبغي للقاضي ان يتخير في المسألة عن الشهود اوثق من يقدر عليهم، واعظمهم أمانة، وأكثرهم خبرة بالناس، وأعلمهم بالتمييز، فيوليه المسألة [عنهم].
لان القاضي مأمور بالتفحص عن عدالة الشهود فتجب
стр. 703
عليه المبالغة والاحتياط في هذا الباب، فيتخير من يعتمد على قوله، وذلك بان يكون بهذه الصفة.
فإذا اختاره دفعها اليه في السر حتى لا يعلم فيخدع، فيدفع اليه اسماء الشهود بانسابهم وحلاهم وقبائلهم ومحالهم؛ لانه يمكن ان يتفق من تلك المحلة رجلان على ذلك الاسم والنسب، فيدفع الرقعة التي فيها اسماء الشهود وانسابهم وحلاهم ومصلياتهم، حتى لا تتمكن فيه الشبهة.
[عمل المزكين]
[٥٦٠] قال:
فيسأل عنه اهل الثقة والامانة من جيرانه.
لاناعرف من يكون بحال الإنسان جيرانه وأهل محلته.
فإذا سأل فقال المسؤول عنه: هو عدل جائز الشهادة رد المعدل تلك الرقعة الى القاضي في السر، واخبره بعدالته، فيقبل القاضي منه ويقضى به.
стр. 704
[اشتراط العدد في المزكين وأهليتهم للشهادة]
[٥٦١] وهل يشترط العدد في المزكي؟
قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يشترط، لكن الواحد يكفى، والاثنان افضل.
وقال محمد: يشترط العدد في المزكي؛ حتى لا تثبت التزكية عنده بقول الواحد، وهى مسألة كتاب التزكية، ولكن، الاثنان عندنا أفضل، وأحوط؛ لانه ابعد عن الاختلاف، واقرب الى الاحتياط.
فإذا أتاه كتاب التعديل من الواحد، واحتاط القاضي، وأراد ان يسأل عن حال الشاهد غير الاول فينبغي ان يدفع اليه اسماء الشهود، وأمره بالمسألة عنهم، ولم يعلمه انه سأل عن حالهم من غيره؛ لانه متى أعلمه بذلك يتهاون بسؤاله، ويعتمد على قول الاول، فلا يبالغ في التفحص.
فان جاء الثاني بمثل ما جاء به الاول انفذ ذلك، وأمر الطالب انيأتي بقوم يعدلونهم في العلانية.
شرط العدد في تزكية العلانية عند الكل، وان كان لا يشترط في تزكية السر عندهما؛ لان هذا في معنى الشهادة، فإنها تختص بمجلس
стр. 705
القضاء، فكان في معنى الشهادة، فيشترط فيها العدد.
ولهذا لم تشترط أهلية الشهادة لتزكية السر، حتى ان الابن إذا عدل اباه، والاب إذا عدل ابنه، والمرأة إذا عدلت زوجها، والعبد إذا عدل مولاه يصح. وتشترط لتزكية العلانية، حتى ان كل من كان من أهل الشهادة كان من أهل التعديل في العلانية، والا فلا.
وهذا كان في الابتداء.
فأما اليوم [فقد] وقع الاكتفاء بتزكية السر؛ لما قال محمد في رواية تزكية العلانية بلاء وفتنة، فلا تشترط أهلية الشهادة.
ثم شرط صاحب الكتاب ان يكون المزكي في العلانية غير المزكي في السر.
قال الشيخ الامام شمس الائمة الحلواني ﵀؛ هذا مذهب صاحب الكتاب ورأيه. واما عندنا فالذي يزكيهم في العلانية هو الذي يزكيهم في السر.
[تعارض اقوال المزكين]
[٥٦١] قال:
وإذا سأل القاضي عن حال الشهود من إنسان آخر بعدما سأل
следующие страницы →