فلا تجب على مسافر إذا لم ينو إقامة أربعة أيام صحاح.
فعلم أن شروط وجوبها: الذكورية، والحرية، والسلامة من الأعذار المسقطة لها، والإقامة. ولا يعد من شروطها البلوغ والعقل لأنهما لا يختصان بها؛ لأنهما شرطان في الصلاة مطلقاً، ولا يعد الشيء شرطاً في شيء إلا إذا كان مختصاً بذلك الشيء، ألا ترى أن الوضوء وستر العورة لا يعدان من شروطهما؛ لكونهما لا يختصان بها.
ولما فرغ من بيان شروط الوجوب، شرع في بيان شروط صحتها؛ وهي خمسة على سبيل الإجمال، إذ [١] كل شرط منها له شروىط. ومعلوم أن شرط الشرط شرط [٢]. فقال:
(وصحتها): أي وشروط صحتها خمسة: أولها: الاستيطان، وهو أخص من الإقامة لأنه [٣] الإقامة بقصد التأبيد؛ والإقامة [٤] أعم وإليه أشار بقوله: (باستيطان بلد): مبنية بطوب أو حجر أو غيرهما (أو) استيطان (أخصاص) من قصب أو أعواد ترم بحشيش، (لا خيم) من شعر أو قماش، لأن الغالب على أهلها الارتحال فأشبهوا المسافرين، نعم إن أقاموا على كفرسخ من بلدها وجبت عليهما تبعاً لأهله كما تقدم، ومعنى كون الاستيطان شرط صحة أنه لولاه ما صحت جمعة لأحد؛ وكما أنه شرط صحة هو شرط وجوب، أيضاً؛ إذ لولاه ما وجبت على أحد جمعة.
ويشترط لهذا الشرط شرطان: الأول كونه ببلد أو أخصاص [٥] كما قدمنا.
الثاني: كونه (بجماعة تتقرى) أي تقام وتستغني (بهم القرية) عادة بالأمن على أنفسهم والاستغناء في معاشهم العرفي عن غيرهم. ولا يحدون بحد؛ كمائة أو أقل أو أكثر، فلو كانوا لا تتقرى بهم قرية بأن كانوا مستندين في معاشهم لغيرهم، فإن كانوا على كفرسخ من قرية الجمعة وجبت عليهم تبعاً لهم، وإن كانوا خارجين عن كفرسخ لم تجب عليهم كأهل الخيم، ولو أحدث جماعة تتقرى بهم قرية بلداً على كفرسخ من بلد الجمعة لوجبت عليهم الجمعة استقلالاً.
الشرط الثاني: حضور اثني عشر رجلاً لصلاتها وسماع الخطبتين، وإليه أشار بقوله:
ــ
على عبد ولو كان فيه شائبة حرية، ولو أذن له سيده على المشهور.
قوله: [فلا تجب على مسافر]: الحاصل أن اشتراط هذه الشروط يقتضي أن المتصف بأضدادها لا تجب عليه الجمعة، وإنما الواجب عليه الظهر، فإذا حضرها وصلاها حصل له ثوابها من حيث الحضور وسقط عنه الظهر. وقال القرافي: إنها واجبة على العبد والمرأة والمسافر على التخيير، إذ لو كان حضورها مندوباً فقط لورد عليه أن المندوب لا يقوم مقام الواجب. ورد: بأن الواجب المخير إنما يكون بين أمور متساوية؛ بأن يقال: الواجب إما هذا وإما هذا. والشارع إنما أوجب على من لم يستوف شروط الجمعة الظهر ابتداء. لكن لما كانت الجمعة فيها الواجب من حيث إنها صلاة، وزيادة من حيث حضور الجماعة والخطبة، كفت عن الظهر. قال شيخنا في حاشية مجموعه: لا يلزم هذا التعب من أصله لأن العبد ينوي إذا أحرم بالجمعة الفرضية فلم ينب عن الواجب إلا واجب، فالندب من حيث سعيه لحضورها فقط. اهـ.
قوله: [إذ كل شرط منها له شروط]: علة لقوله: (خمسة) إجمالاً. وحاصل ذلك أن شروط الصحة إجمالاً خمسة: أولها الاستيطان وله شرطان: أن يكون ببلد أو أخصاص، وأن يكون بجماعة تتقرى بهم تلك القرية عادة بالأمن على أنفسهم والاستغناء إلى آخر ما قال الشارح. والشرط الثاني: حضور اثني عشر رجلاً؛ وله ثلاثة شروط: الأول: كونهم من أهل البلد. الثاني: بقاؤهم من أول الخطبتين للسلام. الثالث: كونهم مالكيين أو حنفيين أو شافعيين مقلدين لمالك أو أبي حنيفة، وإن لم ينص على هذا الشارح، والشرط الثالث: الإمام. وله شرطان: كونه مقيماً إن لم يكن هو الخليفة. وكونه الخاطب إلا لعذر؛ والشرط الرابع: الخطبتان وذكر الشارح لهما شروطاً ثمانية، ويزاد تاسع: وهو اتصالهما بالصلاة. والشرط الخامس: الجامع وله شروط أربع كما قال الشارح. فتكامل تفصيل شروط الصحة خمسة وعشرين.
قوله: [لأنه الإقامة بقصد التأبيد]: أي وأما لو نزل جماعة في بلد خراب مثلاً، ونووا الإقامة فيه مدة ثم يرتحلون فأرادوا صلاة الجمعة فيه فلا تصح منهم، بل ولا تجب عليهم إلا تبعاً لمن استوفى شروط الجمعة.
قوله: [ومعنى كون الاستيطان] إلخ: حاصله أن كون البلد مستوطنة أي: منوياً الإقامة فيه على التأبيد شرط صحة، واستيطان الشخص في نفسه شرط وجوب. فمتى كان البلد مستوطنة والجماعة متوطنة وجبت عليهم، وصحت منهم مطلقاً ولو كانت البلد تحت حكم الكفار؛ كما لو تغلبوا على بلد من بلاد الإسلام وأخذوه ولم يمنعوا المسلمين من التوطن ولا من إقامة الشعائر الإسلامية فيه كما هو ظاهر إطلاقاتهم. اهـ. من حاشية الأصل.
قوله: [كونه ببلد أو أخصاص]: أي لا خيم فلا تجب إلا تبعاً.
قوله: [بجماعة تتقرى] إلخ: أي قال شيخنا في حاشية مجموعه: بأن يدفعوا عن أنفسهم الأمور الغالبة، ولا يضر خوفهم من الجيوش الكثيرة لأن هذا يوجد في المدن، ولا بد أن يكون الأمن بنفس العدد فلا يعتبر جاه ولا اعتقاد ولاية مثلاً لأن الأمن بواسطة ذلك قد يكون مع قلة العدد جداً. اهـ.
قوله: [كأهل الخيم]: تشبيه تام في التفصيل المتقدم.
قوله: [ولو أحدث جماعة] إلخ: فعلى هذا يسوغ للكفور التي تحدث بجانب القرى إحداث جمعة
стр. 177
(وحضور اثني عشر) رجلاً للصلاة والخطبة، ويشترط لهذا الشرط شرطان أيضاً: الأول أن يكونوا (منهم) أي من أهل البلد فلا تصح من المقيمين به لنحو تجارة إذا لم يحضرها العدد المذكور من المستوطنين بالبلد. الثاني أن يكونوا (باقين) مع الإمام من أول الخطبة (لسلامها) أي إلى السلام من صلاتها، أي سلام جميعهم، فلو فسدت صلاة واحد منهم ولو بعد سلام الإمام بطلت الجمعة، وحضور من ذكر شرط صحة (وإن) كان (في أول جمعة) أقيمت بهذا البلد فلا يشترط في أول جمعة حضور جميع أهل البلد جزماً هذا هو الصواب.
الشرط الثالث: الإمام، وإليه أشار بقوله:
(وإمام مقيم) فلا تصح أفذاذاً. ويشترط فيه الإقامة ولو لم يكن متوطناً كما أشرنا له بالوصف وأن يكون هو الخاطب، فلو صلى بهم غير الخاطب لم تصح إلا لعذر يبيح الاستخلاف كرعاف ونقض وضوء، وجب انتظاره إن قرب زوال العذر، وإليه أشار بقوله: (وكونه الخاطب، إلا لعذر).
الشرط الرابع الخطبتان وإليه أشار بقوله:
(وبخطبتين) بشروط ستة. أشار لأولها بقوله: (من قيام)، وقيل القيام فيهما سنة والأول قول الأكثر، والأظهر أنه واجب غير شرط، فإن جلس أتم وصحت.
وثانيها: أن يكونا (بعد الزوال) فإن تقدمتا عليه لم تجز.
وثالثها: أن يكونا (مما تسميه العرب خطبة) ولو سجعتين نحو: اتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما عنه نهى وزجر. فإن سبح أو هلل أو كبر لم يجزه.
ورابعها: (داخل المسجد) فلو خطبهما خارجه لم يصحا.
وخامسها: أن يكونا (قبل الصلاة) فلا تصح الصلاة قبلهما (فإن أخرهما) عنهما (أعيدت) الصلاة (إن قرب) الزمن عرفاً ولم يخرج من المسجد فإن طال أعيدتا لأنهما من الصلاة كركعتين من الظهر، فالطول والقرب كالمتقدمين في البناء.
وسادسها، أشار له بقوله: (يحضرهما الجماعة) الاثنا عشر؛ فإن لم يحضروا من أولهما لم يجزيا لأنهما كركعتين كما تقدم. وبقي شرطان: أن يجهر بهما وأن يكونا بالعربية ولو لأعجميين.
الشرط الخامس: الجامع وإليه أشار بقوله:
(وبجامع) فلا تصح في البيوت، ولا في براح من الأرض، ولا في خان، ولا في رحبة دار.
وله شروط أربعة: أن يكون مبنياً، وأن يكون بناؤه على عادتهم، وأن يكون متحداً، ومتصلاً بالبلد. وإليهما أشار بقوله (مبني) فلا تصح فيما حوط عليه بزرب أو أحجار أو طوب من غير بناء (على عادتهم) أي أهل البلد فيشمل بناءه من بوص لأهل الأخصاص لا لغيرهم (متحدًا [١]) بالبلد.
(فإن تعدد فالعتيق): هو الذي تصح فيه الجمعة دون غيره.
ــ
استقلالاً.
قوله: [وحضور اثني عشر رجلاً]: أي غير الإمام، وأن يكونوا مالكيين أو حنفيين أو شافعيين قلدوا واحداً منهما، لا إن لم يقلدوا. فلا تصح جمعة المالكي مع اثني عشر شافعيين لم يقلدوا. لأنه يشترط في صحتها عندهم أربعون يحفظون الفاتحة بشداتها.
قوله: [بطلت الجمعة]: أي ولو دخل بدله مسبوق فاتته الخطبة.
قوله: [هذا هو الصواب]: أي وهو أن الجماعة الذين تتقرى بهم القرية وجودهم فيها شرط وجوب وصحة، وإن لم يحضروا الجمعة بالفعل. والاثنا عشر حضورهم شرط صحة تتوقف الصحة على حضورهم بالفعل في كل جمعة، لا فرق في ذلك بين الأولى أو غيرها. فلو تفرق من تتقرى بهم القرية يوم الجمعة في أشغالهم - ولم يبق إلا اثنا عشر رجلاً والإمام - جمعوا، كما قاله ابن عرفة. وما مشى عليه خليل ضعيف.
قوله: [ويشترط فيه الإقامة] إلخ: هذا هو المعتمد وهو ما عليه ابن غلاب والشيخ يوسف بن عمر وجمهور أهل المذهب، فلو اجتمع شخص مقيم واثنا عشر متوطنون تعين أن يكون إماماً لهم. ويلغز بها فيقال: شخص إن صلى إماماً صحت صلاته وصلاة مأموميه، وإن صلى مأموماً فسدت صلاة الجميع انظر المج.
قوله: [ووجب انتظاره]: أي والفرض أن ذلك العذر طرأ بعد الشروع في الخطبة، سواء كان قبل تمامها أو بعده، أما لو حصل قبل الشروع فيها فإنه ينتظر إلى أن يبقى من الاختياري ما يسع الخطبة والجمعة، ثم يصلونها هذا إذا أمكنهم الجمعة دونه، وأما إذا كان لا يمكنهم الجمعة دونه فإنه ينتظر إلى أن يبقى مقدار ما يسع الظهر ثم يصلون الظهر أفذاذاً في آخر الوقت المختار، وهذا هو المنقول. اهـ. من الحاشية.
قوله: [إن قرب زوال العذر]: ويعتبر فيه العرف، وقال البساطي: بقدر أولتي الرباعية، والقراءة فيهما بالفاتحة وما تحصل به السنة من السورة.
قوله: [فإن سبح أو هلل] إلخ: أي خلافاً للحنفية فإنهم قالوا بإجزاء ذلك.
قوله: [كالمتقدمين في البناء]: أي في سجود السهو وهو العرف، أو الخروج من المسجد.
قوله: [يحضرهما الجماعة]: أي سواء حصل منهم إصغاء أم لا، فالذي هو من شروط الصحة الحضور لا الاستماع والإصغاء. وذكر بعضهم: أن حضور الخطبة فرض عين ولو كثر العدد جداً، وهو ضعيف، والحق أن العينية إذا كان العدد اثني عشر، فما زاد على ذلك لا يجب عليه حضور الخطبة.
قوله: [أن يجهر بها] أي ولو كانت الجماعة صماً.
قوله: [وأن يكونا بالعربية]: فلو كان ليس فيهم من يحسن الإتيان بالخطبة لم يلزمهم جمعة.
قوله: [فلا تصح في البيوت] إلخ: أي لأنه لا يسمى مسجداً إلا إذا كان ذا بناء معتاد خارجاً لله لخصوص الصلاة والعبادة قال تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ [الجن: ١٨].
قوله: [فإن تعدد فالعتيق]: أي ولا تصح في الجديد، ولو صلى فيه السلطان فإن لم يكن هناك عتيق بأن بنيا في وقت واحد ولم يصل في واحد منهما صحت الجمعة فيما أقيمت فيه بإذن السلطان أو نائبه، فإن أقيمت فيهما بغير إذنه صحت للسابق
стр. 178
والمراد بالعتيق ما أقيمت فيه الجمعة ابتداء ولو تأخر بناؤه عن غيره فالجمعة له، (وإن تأخر أداء) أي وإن تأخر أداء الجمعة فيه عن الجديد فالصلاة في الجديد، وإن سبقت فاسدة ما لم يهجر العتيق، فالجمعة لا تكون إلا متحدة في البلد متى أقيمت لا تصلى بجماعة بعد لا في العتيق ولا غيره، وإن صليت في غيره قبله فباطلة (متصل ببلدها) حقيقة أو حكماً بأن انفصل عنها انفصالاً يسيراً عرفاً (لا إن انفصل كثيراً) فلا تصح به الجمعة (أو خف بناؤه) عن عادة أهل البلد فلا تصح فيه، وهذا مفهوم قوله: على عاداتهم.
ثم أشار لنفي أمور قيل بشرطيتها، والراجح عدم اشتراطها بقوله:
(ولا يشترط سقفه) على الراجح (ولا قصد تأبيدها): أي إقامة الجمعة (به): أي فيه، فتصح في مسجد قصدوا بعد مدة الانتقال لغيره ولو لغير عذر، (أو إقامة) الصلوات (الخمس) فيه لا يشترط فتصح في جامع لم يصل فيه إلا الجمعة.
(وصحت) الجمعة (برحبته) وهي ما زيد خارج محيطه لتوسعته (وطرقه المتصلة) به من غير فصل بيوت أو حوانيت أو أشياء محجورة (مطلقاً) ضاق المسجد أو اتصلت الصفوف أم لا.
(ومنعت) الجمعة (بهما) أي بالرحبة والطرق المتصلة - وإن صحت - (إن انتفى الضيق و) انتفى (اتصال الصفوف). وما مشى عليه الشيخ ضعيف. (لا) تصح (بسطحه)، ولو ضاق بالناس.
(ولا بما) أي بكل مكان (حجر) أي كان محجوراً (كبيت قناديله) أو حصره أو خلوه لخادم من خدمته كمؤذن. (ودار وحانوت) بجواره [١].
ثم شرع في بيان السنن والمندوبات فقال:
ــ
بالإحرام إن علم وإلا حكم بفسادها في كل منهما كذات الوليين، ووجب إعادتها للشك في السبق جمعة إن كان وقتها باقياً وإلا ظهراً.
قوله: [والمراد بالعتيق] إلخ: أشار بهذا إلى أن العتاقة تعتبر بالنسبة للصلاة لا بالنسبة للبناء.
قوله: [وإن تأخر أداء]: أي في غير المرة الأولى التي صار بها عتيقاً.
قوله: [ما لم يهجر العتيق]: أي وينقلوها للجديد، وسواء كان الهجر للعتيق لموجب أو لغيره. وظاهره: دخلوا على دوام هجران العتيق أو على عدم دوام ذلك، فإن رجعوا للعتيق مع الجديد فالجمعة للعتيق، وينبغي أن لا يتناسى الأول بالمرة فيكون الحكم للثاني. قال شيخنا في حاشية مجموعه: واعلم أن خشية الفتنة بين القوم -إذا اجتمعوا في مسجد- تبيح التعدد كالضيق، وأما خوف شخص وحده فهو من الأعذار الآتية، ولا يحدث له مسجداً أو يأخذ معه جماعة. والضيق على من يخاطب بها شرعاً ولعله إن خشي من التوسعة التخليط وإلا فيجبر الملاك على التوسعة. اهـ. ومثل هجر العتيق حكم حاكم بصحتها في الجديد تبعاً لحكمه بصحة عتق عبد معين مثلاً علق سيده عتقه على صحة الجمعة في ذلك المسجد، بأن يقول باني المسجد أو غيره لعبد معين مملوك له: إن صحت صلاة الجمعة في هذا المسجد فأنت حر فبعد الصلاة فيه يذهب ذلك العبد إلى القاضي الحنفي فيقول ادعى علي سيدي أنه علق على صحة صلاة الجمعة في ذلك المسجد عتقي، وقد صليت الجمعة فيه، فيقول ذلك القاضي حكمت بعتقك فيسري حكمه بالعتق إلى صحة الجمعة المعلق عليها، لا فرق بين السابقة على الحكم والمتأخرة عنه، فالحكم بالصحة تابع للحكم بالعتق، لأن الحكم بالمعلق يتضمن الحكم بحصول المعلق عليه، وإنما لم يحكم بالصحة من أول الأمر لأن الحكم الحاكم لا يدخل العبادات استقلالاً، بل تبعاً كما للقرافي وهو المعتمد، خلافاً لابن رشد حيث قال: حكم الحاكم يدخلها استقلالاً كالمعاملات قوله: [حقيقة أو حكماً] إلخ: ولا يضر خراب ما حوله، وفي الحطاب عن ابن عمر وغيره: أن الانفصال اليسير هو أن ينعكس عليه دخانها، وحده بعضهم بأربعين ذراعاً أو باعاً كما يؤخذ من المجموع وغيره.
قوله: [أو خف بناؤه]: أي بأن كان أهل البلد يبنون بالأحجار أو بالطوب المحروق وبناؤه بالنيء، أو كان أهل البلد يبنون بالنيء وبناؤه بالبوص.
قوله: [ولا يشترط سقفه] إلخ: هذا هو الحق في تلك المسائل الثلاث كما في الحاشية وغيرها.
قوله: [من غير فصل ببيوت] إلخ: أي فلو فصل بين حيطانه والطرق بحوانيت كالجامع الأزهر بمصر، فظاهره يضر وهو ما يفيده كلام الشيخ سالم واستظهره في الحاشية
قوله: [ومنعت الجمعة] إلخ: أي كرهت كراهة شديدة كما في المجموع ومما يلحق بالطرق المتصلة المدارس التي حول الجامع الأزهر، وأما الأروقة التي فيه فهي منه فتصح الجمعة فيها من غير شرط ما لم تكن محجورة، وإلا كانت كبيت القناديل ومقامات الأولياء التي في المسجد كمقام أبي محمود الحنفي أو الحسين أو السيدة من قبيل الطرق المتصلة، فتصح فيها الجمعة ولو كان ذلك المقام لا يفتح إلا في بعض الأوقات كما قرره شيخ مشايخنا العدوي.
قوله: [لا تصح بسطحه] إلخ: أفهم كلامه صحتها بدكة المبلغين وهو كذلك إن لم تكن محجورة في سائر الأوقات، والفرق بين سطحه والطرق أن الطرق متصلة بأرضه، فتصح فيها وإن كانت أعلى من السطح، والقول بعدم صحتها على السطح قول ابن القاسم في المدونة، وقيل بصحتها عليه مطلقاً وهو لمالك وأشهب ومطرف وابن الماجشون، قالوا وإنما يكره ابتداء وقيل بصحتها عليه للمؤذن لا غيره وقيل إن ضاق المسجد
стр. 179
(وسن) حال الخطبة (استقبال الخطيب) بذاته لا استقبال جهته فقط. وقيل: يجب وهو ظاهر المدونة. وإذا قام الإمام يخطب فحينئذ يجب قطع الكلام واستقباله والإنصات إليه. وهذا لا يمكن لجميع الناس بالمسجد الحرام ولا المسجد النبوي؛ أما المسجد الحرام فلأن المنبر بجانب المقام والمطاف حائل بينهما وبين الكعبة فإذا رقى الخطيب على المنبر استقبله بعض الناس وباقيهم في المطاف خلف ظهره، وأكثرهم خلف البيت وجوانبه. وأما المسجد النبوي فإن زيادة عثمان خلف المنبر النبوي وخلف الروضة الشريفة من الجهة القبلية، فالجالس فيها يكون خلف ظهر الخطيب. فإذا فرغ من الخطبة في أيام الحج نزل وتخطى الصفوف حتى يصل للمحراب الذي في الزيادة
(و) سن (جلوسه) أي الخطيب (أول كل خطبة) أي في أول الأولى وأول الثانية.
(و) سن (غسل لكل مصل ولو لم تلزمه) الجمعة كالمسافرين والعبيد والنساء.
(وصحته): أي الغسل: (بطلوع الفجر) فلا يصح قبله (واتصاله بالرواح) إلى المسجد، ولا يضر الفصل اليسير (فإن فصل كثيراً أو تغذى) خارجه (أو نام خارجه اختياراً) أو اضطراراً وطال (أعاده) لبطلانه.
(وندب) لمريد صلاة الجمعة (تحسين هيئة): من قص شارب، وأظفار، وحلق عانة، ونتف إبط - إن احتاج لذلك - وسواك؛ وقد يجب لإزالة رائحة كريهة كبصل.
(وجميل ثياب) وأفضلها الأبيض.
(وتطييب لغير نساء) ويحرم التجميل بالثياب والطيب عليهن لتعلق الرجال بهن.
(ومشي) في الذهاب فقط للقادر عليه.
(وتهجير) أي ذهاب في الهاجرة والمراد بها الساعة السادسة التي يليها الزوال.
(وتقصير الخطبتين،
ــ
جازت الصلاة على سطحه.
قوله: [وسن حال الخطبة] إلخ: أي لقول ﵊: «إذا قعد الإمام على المنبر يوم الجمعة فاستقبلوه بوجوهكم وارمقوه بأجفانكم» وظاهر الحديث طلب استقباله بمجرد قعوده على المنبر ولو لم ينطق، لكن الذي في (عب) أن طلب استقباله عند نطقه لا قبله ولو كان قبل النطق جالساً على المنبر.
قوله: [وقيل يجب] إلخ: أي وهو ما عليه الأكثر كما قال (ح) ولكن المعتمد السنية. وقيل: إنه مستحب وصرح به أبو الحسن في شرح المدونة، وظاهره طلب الاستقبال حتى للصف الأول، وهو الذي جزم به ابن عرفة خلافاً لما مشى عليه خليل تبعاً لابن الحاجب، فإنه ضعيف.
قوله: [والمطاف حائل]: المناسب طريق.
قوله: [وسن جلوسه]: قال ابن عات قدر: (قل هو الله أحد).
قوله: [ولو لم تلزمه]: ولا يشكل كون الغسل للجمعة في حق الصبي سنة مع أن نفس الجمعة في حقه مندوبة، فإن الوضوء لها واجب وإن شئت فانظر إلى السورة ونحوها في صلاة الصبي كما أفاده في المجموع.
قوله: [واتصاله بالرواح]: استعمل الرواح فيما قارب الزوال، وإلا فالرواح في الأصل السير بعد الزوال هكذا قيل، ولكن قال المؤلف في تقريره: التحقيق أن الرواح هو الذهاب مطلقاً لا بقيد كونه بعد الزوال خلافاً لجمع. فالمطلوب عندنا هو وقت الهاجرة فلو راح قبله متصلاً بغسله - قال ابن وهب - يجزيه واستحسنه اللخمي.
قوله: [أو تغذى خارجه] إلخ: وأما إن تغذى أو نام في المسجد أو في ذهابه إليه فلا يضر كما في المجموع.
قوله: [اختياراً]: راجع لكل من الأكل والنوم على المعتمد لا للنوم فقط كما قيل.
قوله: [وندب لمريد صلاة الجمعة]: المراد التأكد، وإلا فتحسينها مندوب مطلقاً.
قوله: [وأفضلها الأبيض]: اعلم أن لبس الثياب الجميلة يوم الجمعة مندوب لا لأجل اليوم بل لأجل الصلاة، فيجوز لبس البياض في غير الصلاة، ويلبس الأبيض فيها. بخلاف العيد فإن لبس الجديد فيه مندوب لليوم لا للصلاة. فإن كان يوم الجمعة يوم عيد لبس الجديد غير الأبيض في غير وقت صلاة الجمعة، والأبيض عند حضورها.
قوله: [وتطييب]: إنما ندب استعمال الطيب يومها لأجل الملائكة الذين يقفون على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول، وربما صافحوه أو لمسوه.
قوله: [ومشى في الذهاب]: أي لما فيه من التواضع لله لأنه عبد ذاهب لمولاه فيطلب منه التواضع له فيكون ذلك سبباً في إقباله عليه، ولقوله ﵊: «من اغبرت قدماه في سبيل الله» أي في طاعته «حرمه الله على النار» وشأن الماشي الاغبرار وإن اتفق عدم الاغبرار فيمن منزله قريب، واغبرار قدمي الراكب نادر. والحاصل أن الاغبرار لازم للمشي عادة فأطلق اسم اللازم وأريد الملزوم الذي هو المشي على طريق الكناية.
قوله: [فقط]: أي وأما في رجوعه فلا يندب المشي لأن المقصود بالذات قد حصل.
قوله: [والمراد بها الساعة السادسة]: أي وهي المقسمة إلى الساعات أي الأجزاء في حديث الموطأ، وهو قوله ﵊: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» وما قلناه من أن تلك الساعات أجزاء للسادسة التي يليها الزوال هو ما ذهب إليه الباجي وشهره الرجراجي خلافاً لابن العربي القائل: إنه تقسيم للساعة السابعة، وذلك لأن الإمام يطلب خروجه في أولها وبخروجه تحضر
стр. 180
والثانية أقصر) من الأولى، أي يندب كونها أقصر. (و) ندب (رفع صوته بهما) زيادة على أصل الجهر الواجب. (وبدؤهما بالحمد والصلاة على النبي ﷺ ، وأوجبهما الشافعي كما أوجب الاستغفار وأمر بالتقوى ولو في أحدهما. (وختم الثانية بيغفر الله لنا ولكم وأجزأ) في الندب (اذكروا الله يذكركم و) ندب (قراءة فيهما) ولو آية والأولى سورة من قصار المفصل، وروي: أنه ﷺ كان يقرأ فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا﴾ [الأحزاب: ٧٠] إلى قوله تعالى: ﴿فوزا عظيما﴾ [الأحزاب: ٧١]، وأوجب الشافعي القراءة وجعل أركانها خمسة الأربعة المتقدمة والقراءة؛ فيكفي عنده: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اتقوا الله لقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة﴾ [الزلزلة: ٧] إلخ، غفر الله لنا ولكم، ثم يجلس، ثم مثل ذلك. وكذا عندنا لأنه مما تسميه العرب خطبة، ولم يصرحوا بندب قراءة حديث عن النبي ﷺ ، فلعله من البدع الحسنة.
(و) ندب للإمام (توكؤ) حال الخطبة (على عصا) وأجزأ قوس وسيف.
(و) ندب (قراءة) سورة (الجمعة) بعد الفاتحة في الأولى، (وهل أتاك أو سبح) بعدها في الثانية.
(و) ندب (حضور صبي و) امرأة (متجالة) أي عجوز لا أرب للرجال فيها، (ومكاتب) ولو لم يأذن له سيده (و) حضور (قن) أو مدبر (أذن سيده) له في الحضور.
(و) ندب (تأخير معذور) كمحبوس ومكره ومريض وعريان وخائف من الذهاب لأمر (الظهر): أي صلاة الظهر إلى أن تصلى الجمعة، ولا يستعجل بصلاتها (إن ظن زوال عذره) قبل أداء الجمعة وإدراكها فإن قدم صحت وأعادها جمعة وجوباً إن أمكن وظاهر قوله "وأخر الظهر" إلخ الوجوب (وإلا) يظن زوال عذره بل شك أو ظن عدمه (فله التقديم) لصلاة الظهر أول الوقت قبل إقامتهم الجمعة؛ كالنساء والعبيد (وغير المعذور) ممن تجب عليه الجمعة ولو لم تنعقد به؛ كالمقيم ببلدها (إن صلاه): أي الظهر في مسجد أو غيره (مدركاً) أي حال كونه ظاناً الإدراك (لركعة) من الجمعة (لو سعى) لها (لم يجزه) أي الظهر الذي صلاه، ويعيده إن لم تمكنه الجمعة أبداً (كمعذور) صلى الظهر لعذره ثم (زال عذره): كأن قدم من السفر أو صح من مرضه أو انفك من وثاقه قبل إقامة الجمعة بحيث لو سعى لأدرك منها ولو ركعة، فإنه تجب عليه الجمعة، فإذا لم يصلها مع الإمكان فهل يعيد الظهر أو لا؟ ولأنه قد صلاها حال العذر وهو الذي يفيده صدر المبحث (أو صبي بلغ) بعد أن صلى الظهر وقبل إقامة الجمعة فتجب عليه الجمعة، فإن لم يصلها مع الجماعة أعاد الظهر أبداً، لأن فعله الأول وقع نافلة وقد بلغ في الوقت.
(و) ندب (حمد عاطس سراً حال الخطبة) وكره جهراً لأنه يؤدي إلى التشميت والرد وهو من اللغو الممنوع (كتأمين) تشبيه في الندب أي في قوله آمين (وتعوذ واستغفار عند ذكر السبب) في الجميع بأن يشرع في دعاء أو ذكر جهنم أو استغفار، فيندب بشرط السر به ويكره الجهر.
ثم ذكر ما يجوز بقوله: (وجاز) بمعنى خلاف الأولى لداخل (تخط) لرقاب الجالسين (قبل جلوس الخطيب) على المنبر (لفرجة) يجلس فيها ويكره لغيرها كما يأتي في المكروهات،
ــ
الملائكة لسماع الذكر.
قوله: [والثانية أقصر]: أي وكذا يندب تقصير الصلاة لما مر أن التخفيف لكل إمام مطلوب.
قوله: [وندب رفع صوته بهما] إلخ: ولذلك ندب للخطيب أن يكون مرتفعاً على منبر.
قوله: [وأجزأ في الندب: اذكروا الله] إلخ: أي وأما ختمها بقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠] الآية فظاهر كلامهم أنه غير مطلوب في ختمها وأول من قرأ في آخرها: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠] عمر بن عبد العزيز فإنه أحدث ذلك بدلاً عما كان يختم به بنو أمية خطبتهم من سبهم لعلي ﵁، لكن عمل أهل المدينة على خلافه.
قوله: [وندب قراءة فيهما]: أي في مجموعهما لأن القراءة إنما تندب في الأولى كما في (شب).
قوله: [يقرأ فيها]: أي في خطبته الأولى.
قوله: [وهل أتاك أو سبح] إلخ: أي فيكون الخطيب مخيراً بين الاثنين في الثانية.
قوله: [ولو لم يأذن له سيده]: أي لسقوط تصرفه فيه بالكتابة.
قوله: [أو مدبر أذن سيده] إلخ: الظاهر أنه يندب للسيد الإذن لأنه وسيلة للمندوب. قال الأجهوري:
من يحضر الجمعة من ذي العذر ... عليه أن يدخل معهم فادر
وما على أنثى ولا أهل السفر ... والعبد فعلها وإن لها حضر
قال في المجموع: وقد نازع (ر) و (بن) في عدم الوجوب على ذي الرق بعد الحضور، وإن كان هو مقتضى بحث القرافي المشهور في إجزائها عن الظهر. اهـ. قال في حاشيته: لكن منازعتهما في عدم وجوب الدخول عند الإقامة، وذلك أن الأجهوري قال به وخص وجوب الدخول بالإقامة بما إذا كانت تلك الصلاة واجبة عليه، فقال (ر): الصواب أن الوجوب عام، وأن معنى كلام الأشياخ: أن المريض والمعذور بخوف أو وحل أو مطر مثلاً - إذا حضر في المسجد، وتحمل المشقة - وجبت عليهم لارتفاع عذرهم لما حضروا، فارتفع المانع المسقط للوجوب، وأما العبد ومن معه فعذرهم قائم بهم حال حضورهم فلهم الخروج من المسجد، وأما اللزوم فالإقامة فقدر مشترك. اهـ.
قوله: [لم يجزه]: أي على الأصح وهو قول ابن القاسم وأشهب وعبد الملك، لأن الواجب عليه جمعة ولم يأت بها. وسواء أحرم
стр. 181
ويحرم حال الجلوس كما يأتي أيضاً.
(و) جاز التخطي (بعدها) أي الخطبة (وقبل الصلاة مطلقاً) أي لفرجة أو غيرها، (كمشي بين الصفوف) يجوز مطلقاً ولو حال الخطبة.
(و) جاز (كلام بعدها) أي الخطبة (للصلاة): أي للأخذ في إقامتها إذ الكلام حال الإقامة مكروه، ويحرم بعد إحرام الإمام في الجمعة وغيرها، لكن الذي نص عليه ابن رشد أنه مكروه، ونص غيره على جوازه حال الإقامة.
(و) جاز (ذكر) كتسبيح وتهليل (قل سراً) حال الخطبة ومنع الكثير جهراً لأنه يؤدي إلى ترك واجب وهو الاستماع، والظاهر أن الجهر باليسير مكروه. ومن البدع المحرمة ما يقع بدكة المبلغين بالقطر المصري من الصريخ على صورة الغناء والترنم، ولا ينكر عليهم أحد من أهل العلم. ومن البدع المذمومة أن يقول الخطيب الجهول في آخر الخطبة الأولى: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، ثم يجلس فتسمع من الجالسين ضجة عظيمة يستمرون فيها حتى يكاد الإمام أن يختم الثانية، وعلى دكة التبليغ جماعة يرفعون أصواتهم جداً بقولهم آمين آمين يا مجيب السائلين إلى آخر كلام طويل، وهكذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(و) جاز (نهي خطيب) حال الخطبة (أو أمره) إنساناً بالغاً [١] أو وقع منه ما لا يليق كأن يقول: أنصت أو لا تتكلم، أو لا تتخط أعناق الناس ونحو ذلك.
(و) جاز للمأمور (إجابته) فيما يجوز إظهاراً لعذره، كأنا فعلت كذا خوفاً على نفس أو مال أو نحو ذلك، ولا يكون كل من الخطيب والمجيب لاغياً.
ثم شرع في ذكر المكروهات فقال:
(وكره تخط قبل الجلوس): أي جلوس الخطيب على المنبر (لغير فرجة) لأنه يؤذي الجالسين.
(و) كره (ترك طهر) بأن يخطب وهو محدث (فيهما) أي الخطبتين فليس من شرطهما الطهارة على المشهور.
(و) كره ترك (العمل يومها): أي الجمعة لأجله لما فيه من التشبه باليهود والنصارى في السبت والأحد.
(و) كره (تنفل عند الأذان) الأول لا قبله (لجالس) في المسجد، لا داخل (يقتدى به) من عالم أو سلطان أو إمام لا لغيرهم؛ خوف اعتقاد العامة وجوبه. ويكره التنفل بعد صلاتها أيضاً
ــ
بالظهر عازماً على عدم الجمعة أم لا، فإن لم يكن وقت إحرامه بالظهر مدركاً لركعة من الجمعة لو سعى إليها أجزأته ظهره. ومقابل الأصح ما في التوضيح عن ابن نافع: أن غير المعذور إذا صلى الظهر مدركاً لركعة فإنها تجزئه، قال: إذ كيف يعيدها أربعاً وقد صلى أربعاً؟ لأنه قد أتى بالأصل وهو الظهر. وذكر ابن عرفة أن المازري بنى هذا الفرع على الخلاف في الجمعة هل هي فرض يومها أو بدل عن الظهر. اهـ. من حاشية الأصل.
تنبيه: تكره صلاة الظهر جماعة يوم الجمعة لغير أرباب الأعذار الكثيرة الوقوع، وأما عن أرباب الأعذار الكثيرة الوقوع فالأولى لهم الجمع، ويندب صبرهم إلى فراغ صلاة الجمعة، وإخفاء جماعتهم لئلا يتهموا بالرغبة عن الجمعة. واحترزنا بكثرة الوقوع عن نادرة الوقوع كخوف بيعة الأمير الظالم فإنه يكره للخائف الجمع، وإذا جمعوا لم يعيدوا على الأظهر خلافاً لمن قال بإعادتهم إذا جمعوا. وقد وقعت هذه المسألة بالإسكندرية فتخلف ابن وهب وابن القاسم عن الجمعة فلم يجمع ابن القاسم، ورأى أن ذلك نادر وجمع ابن وهب بالقوم وقاسها على المسافر، ثم قدما على مالك فسألاه؟ فقال: لا تجمعوا ولا يجمع إلا أهل السجن والمرض والمسافر.
قوله: [ويحرم حال الجلوس]: أي ولو لفرجة.
قوله: [وجاز التخطي] إلخ: أي لأنه ليس من مقدمات الخطبة بخلاف الجلوس قبلها فإنه تأهل لها.
قوله: [ونص غيره] إلخ: وهو (بن) تبعاً للمواق والحطاب.
قوله: [وجاز ذكر]: أي بمرجوحية خلافاً لقول (عب) إنه مندوب، فالأولى الإنصات على كل حال.
قوله: [والظاهر أن الجهر] إلخ: أي فتحصل أن الأقسام أربعة: مندوب وهو الذكر سراً عند السبب، وخلاف الأولى وهو الذكر القليل سراً من غير سبب، ومكروه وهو الذكر القليل جهراً، وحرام وهو كثرة الذكر جهراً كالواقع بدكة المبلغين.
قوله: [على صورة الغناء]: بالمد مع كسر الغين: وهو تطريب الصوت.
قوله: [أن يقول الخطيب الجهول]: صيغة مبالغة لأن جهله مركب لزعمه أنه يأمر بالمعروف وهو يأمر بالمنكر؛ لأن أصل قراءة الحديث لم يكن مأموراً بها في الخطبة أصلاً فهو من البدع كما تقدم، والإنصات ولو بين الخطبتين واجب، ورفع الأصوات الكثيرة ولو بالذكر حرام، فهذا الخطيب ضل في نفسه وأضل غيره.
قوله: [فإنا لله وإنا إليه راجعون]: إنما استرجع لكونها من أعظم المصائب حيث جعلوا شعيرة الإسلام ملحقة بالملاهي بحضور كبار العلماء والخلق مجمعون على ذلك ولم يوجد لها مغير.
قوله: [فليس من شروطهما الطهارة] إلخ: أي ولكن يحرم عليه في الكبرى من حيث المكث بالجنابة في المسجد. ابن يونس عن سحنون: إن ذكر في الخطبة أنه جنب نزل للغسل وانتظروه إن قرب وبنى - أي على ما قرأه من الخطبة. قال غيره فإن لم يفعل وتمادى في الخطبة واستخلف في الصلاة أجزأه.
قوله: [في السبت والأحد لف ونشر مرتب]: وهذا حيث تركه تعظيماً كما يفعله أهل الكتاب لسبتهم وأحدهم. وأما تركه لاستراحة فمباح، وتركه لاشتغاله بأمر الجمعة من تنظيف ونحوه فحسن يثاب عليه، ولذلك يكره اشتغاله يوم الجمعة بأمر يشغله عن وظائف الجمعة.
قوله: [عند الأذان الأول]: أي وأما عند
стр. 182
إلى أن ينصرف الناس من المسجد.
(و) كره (حضور شابة غير مفتنة) لصلاتها وحرم لفتنة [١].
(و) كره (سفر بعد الفجر) إلى الزوال لا قبله، (وحرم) السفر (بالزوال) لتعلق الوجوب به.
(كتخط) لرقاب الجالسين (أو كلام) من الجالسين بالمسجد (في) حال (خطبتيه) لا قبلهما، ولو جلس على المنبر الجلسة الأولى (وبينهما) في الجلسة الثانية (ولو لم يسمع) الخطبة لبعده أو صممه (إلا أن يلغو) في خطبته: أي يأتي بكلام لغو أي ساقط كأن يسب من لا يجوز سبه، أو يمدح من لا يجوز مدحه، أو يتكلم بكلام خارج عن قانون الخطبة فيجوز الكلام حينئذ.
(و) حرم (سلام) من داخل أو جالس على أحد فهو الرفع عطف على الضمير المستتر في حرم لوجود الفصل، ويجوز جره عطفاً على تخط.
(و) حرم (رده) أي السلام ولو بالإشارة بخلاف رده بالإشارة من المصلي فيجب كما تقدم.
(و) حرم (تشميت عاطس) فأولى الرد عليه.
(و) حرم (نهي لاغ) بأن يقول كف عن هذا اللغو، أو نحوه (أو إشارة له): أي للاغي بأن ينكف.
(وأكل أو شرب وابتداء صلاة) نفلاً (بخروجه) أي الخطيب للخطبة لجالس بل (وإن لداخل). وقطع ولو عقد ركعة ولو لم يتعمد إن كان جالساً، (ولا يقطع الداخل إلا إن تعمد) النفل، بأن علم بخروج الخطيب وأحرم عمداً فيقطع، ولو عقد ركعة، لا إن جهل خروجه أو ناسياً فلا يقطع ولو لم يعقد ركعة لكن يخفف بأن يقتصر على الأركان والسنن، ومفهوم ابتداء إلخ أنه لو كان متلبساً بنفل قبل خروج الخطيب، أنه لا يحرم عليه الإتمام مطلقاً، وهو كذلك بل يجب عليه الإتمام.
(وفسخ بيع ونحوه) من إجارة وتولية وشركة وشفعة وإقالة وقع شيء من ذلك (بأذان ثان) إلى الفراغ من الصلاة، ودل ذلك على حرمة ما ذكر وإلا لم يفسخ لا قبله ولو حال الأذان الأول إلا إذا بعدت داره، ووجب عليه السعي قبله فاشتغل به عن السعي فيفسخ وترد السلعة [٢] لربها إن لم تفت (فإن فات)
ــ
الأذان الثاني فحرام فلا يعارضه حرمة الصلاة عند خروج الخطيب للمنبر، قال الخرشي: وكذا يكره للجالس التنفل وقت كل أذان للصلوات غير الجمعة، نص عليه في مختصر الوقار، فقال: ويكره قيام الناس للركوع بعد فراغ المؤذنين من الأذان يوم الجمعة أو غيرها. اهـ. كلام مختصر الوقار. ولكن قيد في المجموع الكراهة، كما قيدها شارحنا بقوله: إلا لغير مقتدى به وكذا الداخل أو من استمر يتنفل حتى أذن.
قوله: [إلى أن ينصرف الناس]: أي أو يأتي وقت انصرافهم.
قوله: [بعد الفجر]: أي لمن لا يدركها أمامه.
قوله: [وحرم السفر بالزوال]: أي لضرورة.
قوله: [ولو لم يسمع الخطبة]: إنما منع الكلام لغير السامع سداً للذريعة لئلا يسترسل الناس على الكلام حتى يتكلم من يسمع الإمام، وأشار المصنف ب "لو" لرد ما نقله ابن زرقون عن ابن نافع من جواز الكلام لغير السامع ولو لداخل المسجد كما حكاه ابن عرفة. ومفهوم قوله: "من الجالسين بالمسجد" أنه لا يحرم الكلام في الطرق المتصلة بالمسجد ولو سمع الخطبة، وكذلك رحبته على المعتمد. والحاصل أن حرمة الكلام وقت الخطبة، قيل: خاصة بمن في المسجد. وقيل بمن فيه والرحاب، وقيل: بمن فيهما أو في الطرق، ولكن المؤلف عول على القول الأول.
قوله: [إلا أن يلغو] إلخ: من جملة اللغو: الدعاء للسلطان، وكذا الترضي عن الصحب كذا في الحاشية، لكن قال المؤلف في تقريره نقلاً عن البناني: إن الترضي عن الصحب والدعاء للسلطان ليس من اللغو، بل من توابع الخطبة فحينئذ يحرم الكلام على المشهور خلافاً ل (عب) اهـ.
قوله: [عطف على الضمير المستتر في حرم]: أي في قول المصنف وحرم بالزوال.
قوله: [ولو بالإشارة]: نقل ابن هارون عن مالك جواز الرد بالإشارة، وأنكره في التوضيح.
قوله: [بخلاف رده] إلخ: والفرق بين المصلي ومستمع الخطبة عظم هيبة الصلاة فإنه مانع من كون الإشارة ذريعة للكلام.
قوله: [وابتداء صلاة بخروجه]: حاصل ما يؤخذ من المتن والشارح أن الصور ثمانية عشر، لأن المصلي: إما أن يبتدئ صلاة النفل بعد خروج الخطيب، أو قبله. فإن ابتدأها قبل خروج الخطيب فلا يقطع مطلقاً عقد ركعة أم لا، عامداً، أو جاهلاً، أو ناسياً؛ فهذه ست تؤخذ من قوله: ومفهوم "ابتداء" إلخ، وإن ابتدأها بعد خروج الخطيب وكان جالساً قطع مطلقاً عقد ركعة أم لا، عامداً، أو جاهلاً، أو ناسياً. وإن ابتدأها بعد خروج الخطيب وكان داخلاً قطع إن تعمد، عقد ركعة أم لا، فهاتان صورتان تضم للست قبلها يقطع فيها. وأما إن ابتدأها جاهلاً أو ناسياً - سواء عقد ركعة أم لا - فلا يقطع ولكنه يخفف كما قال الشارح، ويتمها جالساً فهذه أربع صور تضم للست الأول لا يقطع فيها.
قوله: [وإن لداخل]: رد بالمبالغة على السيوري القائل بجوازه للداخل حال خروج الإمام للخطبة وهو مذهب الشافعي.
قوله: [وفسخ بيع] إلخ: وهو ما حصل ممن تلزمه ولو مع من لا تلزمه. ونص المدونة: فإن تبايع اثنان تلزمهما الجمعة أو أحدهما فسخ البيع، وإن كانا ممن لا تجب الجمعة على واحد منهما لم يفسخ. اهـ. والحرمة والفسخ ولو في حال السعي وهو أحد قولين سداً للذريعة كما في الحاشية و (عب) عن ابن عمر، ويستثنى من انتقض وضوؤه ولا يجد الماء إلا بالشراء فلا حرمة على بائع ولا مشتر.
قوله: [من إجارة]: وهي بيع المنافع. والتولية: أن يولي غيره ما اشتراه بما اشتراه. والشركة: أن يبيعه
стр. 183
البيع ولو بتغير سوقه (فالقيمة) لازمة (حين القبض) لا حين العقد ولا الفوات ومفهوم بيع ونحوه أن النكاح والهبة والصدقة والكتابة لا تفسخ إن وقعت عند الأذان الثاني وإن حرم.
ثم شرع يتكلم على الأعذار المسقطة لها فقال:
(وعذر تركها) أي الموجب لتركها أي السبب فيه (كالجماعة) أي كعذر ترك الجماعة في المساجد (شدة وحل) بفتح الحاء وهو ما يحمل الناس على خلع المداس.
(و) شدة (مطر) وهو ما يحملهم على تغطية الرأس.
(وجذام) تضر رائحته بالناس (ومرض) يشق معه الذهاب (وتمريض) لقريب وإن كان عنده من يمرضه أو لأجنبي أو بعيد القرابة إذا لم يكن عنده من يقوم به غيره.
(وشدة مرض قريب ونحوه) كصديق ملاطف وزوجة وسرية وإن كان عنده من يعوله، وأولى إشراف من ذكر على الموت وأولى موته بالفعل.
(وخوف على مال) له بال (ولو لغيره، أو حبس أو ضرب) أي خوفهما وأولى ما هو أشد منهما كقتل وقطع وجرح.
(وعري) بأن لا يجد ما يستر عورته (ورائحة كريهة) تؤذي الجماعة كرائحة ثوم بضم المثلثة وقد تبدل فاء كما في الآية: ﴿وفومها﴾، ودباغ وبصل وكراث، ويجب ترك أكل ذلك يومها وكذا في المسجد ولو في غير جمعة (فيجب) على من تلبس برائحة كريهة (إزالتها) بما يقدر عليه (إن أمكن و) من الأعذار (عدم وجود قائد لأعمى) إن كان (لا يهتدي بنفسه)، وإلا وجب عليه السعي والله أعلم.
ــ
بعض ما اشتراه، والشفعة: هي أخذ الشريك الشقص من مشتريه بثمنه الذي اشتراه به، والإقالة: هي قبول رد السلعة لربها بعد لزومها. وهذا الحكم وهو الفسخ من خصوصيات الجمعة على المعول عليه؛ فلا يفسخ بيع من ضاق عليه وقت غيرها لأن السعي للجماعة هنا مقصود، وإلا لزم فسخ بيع من عليه فوائت، بل الغصاب لوجود اشتغالهم برد ما عليهم - كما قال في التوضيح انظر (ح) كذا في المجموع.
قوله: [فالقيمة لازمة] إلخ: أي وإن كان مختلفاً فيه فهو مستثنى من فوات المختلف فيه بالثمن.
قوله: [لا تفسخ]: أي إما لعدم العوض أو لأنها من قبيل العبادات. واستظهر في المجموع إلحاق الخلع بالنكاح، وهبة الثواب كالبيع فقول الشارح والهبة ": أي لغير الثواب.
قوله: [بفتح الحاء]: أي على الأفصح. ويجمع على أوحال كسبب وأسباب، ومقابل الأفصح: السكون، كفلس ويجمع على أوحل كأفلس.
قوله: [وهو ما يحمل الناس]: أي أوسطهم.
قوله: [تضر رائحته بالناس]: وأما من لا تضر فليس بعذر، ومثل الجذام البرص وكل بلاء منفر، ومحل كون ما ذكر مسقطاً إذا كان المجذوم ونحوه لا يجد موضعاً يتميز فيه، أما لو وجد موضعاً تصح فيه الجمعة ولا يضر بالناس فإنه تجب عليه اتفاقاً لإمكان الجمع بين حق الله وحق الناس.
قوله: [ومرض يشق] إلخ: أي ومنه كبر السن يشق معه الإتيان إليها راكباً أو ماشياً.
قوله: [وتمريض لقريب] إلخ: حاصله أن الأجنبي والقريب الغير الخاص لا يباح التخلف عنده إلا بقيدين: أن لا يكون له من يقوم به، وأن يخشى عليه الضيعة لو تركه. وأما الصديق الملاطف وشديد القرابة فيباح عنده التخلف. ولو وجد من يعوله وإن لم يخش عليه ضيعة؛ لأن تخلفه عنده ليس لأجل تمريضه بل لما دهمه من شدة المصيبة.
قوله: [وأولى موته بالفعل]: نقل ابن القاسم عن مالك يجوز التخلف لأجل النظر في أمر الميت من إخوانه من مؤن تجهيزه. وفي المدخل جواز التخلف للنظر في شأنه مطلقاً ولو لم يخف عليه ضيعة ولا تغيراً. كما في الحاشية.
قوله: [وخاف على مال]: أي من ظالم أو لص أو نار.
وقوله: [له بال]: أي وهو الذي يجحف بصاحبه. ومثل الخوف على المال: الخوف على العرض أو الدين كأن يخاف قذف أحد من السفهاء له أو إلزام قتل شخص أو ضربه ظلماً أو إلزام بيعة ظالم لا يقدر على مخالفته.
قوله: [بأن لا يجد] إلخ: كذا نقل (ح) عن بهرام والبساطي، ابن عاشر: ولا يقيد بما يليق بأهل المروءات اهـ. (بن)، فعلى هذا: إذا وجد ما يستر عورته فلا يجوز له التخلف ولو كان من ذوي المروءات. وهناك طريقة أخرى حاصلها أن المراد بالعري أن لا يجد ما يليق بأمثاله ولا يزري به وإلا لم تجب عليه، وهذه الطريقة هي الأليق بالحنيفية السمحاء. كذا في الحاشية، قال في المجموع: والظاهر أنه لا يخرج لها بالنجس لأن لها بدلاً. كما قالوا: لا يتيمم لها.
قوله: [ويجب ترك أكل ذلك يومها]: أي حيث لم يستحضر له على مزيل وإلا فلا حرمة في أكله خارج المسجد. وسمعت عن بعض الصالحين أن من أكل البصل ونحوه ليلة الجمعة أو يومها لا يموت حتى يبتلى بتهمة باطلة ولم تظهر له براءة.
قوله: [وإلا وجب عليه السعي]: أي حيث اهتدى بنفسه أو وجد قائداً ولو بأجرة حيث لم تزد على أجرة المثل وكانت لا تجحف به.
خاتمة: من أعذار الجماعة شدة الريح بالليل لا بالنهار. وليس العرس من الأعذار ولا شهود العيد وإن أذن لهم الإمام في التخلف على المشهور، إذ ليس حقاً له.
стр. 184
فصل: في حكم [١] صلاة الخوف وكيفيتها
(سن لقتال جائز) أي مأذون فيه؛ واجباً كان كقتال الحربيين والبغاة القاصدين الدم وهتك الحريم، أو جائزاً كقتال مريد المال من المسلمين.
(أمكن [٢] تركه) أي القتال (لبعض) من القوم والبعض الآخر فيه مقاومة للعدو أيضاً (قسمهم) أي القوم (قسمين وعلمهم) الإمام كيفيتها وجوباً إن جهلوا وندباً إن كانوا عارفين، حذراً من تطرق الخلل (وصلى بأذان وإقامة بالأولى) من الطائفتين (ركعة في) الصلاة (الثنائية) كالصبح والمقصورة (و) صلى بهم (ركعتين بغيرها): أي الثنائية وهي الرباعية بأن كانوا يحضروا [٣] الثلاثية، (ثم قام) بعد التشهد في غير الثنائية ولا تشهد في الثنائية (داعياً أو ساكتاً مطلقاً) في الثنائية وغيرها (أو قارئاً في الثنائية) فقط؛ ففي الثنائية يخير بين أمور ثلاثة: الدعاء بالنصر والفرج ورفع الكرب، والسكوت والقراءة لأنه يعقب الفاتحة فيها السورة فله أن يطول ما شاء، ويخير في غير الثنائية وهي الرباعية والثلاثية بين أمرين الدعاء والسكوت، إذ لا قراءة بعد الفاتحة (فأتمت) الطائفة الأولى حال قيامه صلاتها (أفذاذاً وانصرفت) بعد سلامها تجاه العدو للقتال (فتأتي) الطائفة (الثانية) التي كانت تجاه العدو فتحرم خلفه (فيصلي بها ما بقي) له (فإذا سلم) الإمام
ــ
فصل في كم صلاة الخوف
قوله: [وكيفيتها]: أي الكيفية المخصوصة التي تفعل حال الخوف، والمعول عليه «أن النبي ﷺ صلاها في ثلاثة مواضع: ذات الرقاع وذات النخيل وعسفان»، خلافاً لمن قال صلاها في عشرة مواضع.
قوله: [سن لقتال]: أي وهو الذي في الرسالة ونقله ابن ناجي عن ابن يونس وقيل إنها مندوبة وهو ما نقله سند عن المواز، والراجح الأول.
قوله: [كقتال مريد المال]: إن قلت إن حفظ المال واجب وحينئذ فمقتضاه أن يكون قتال مريد أخذه واجباً حتى يتحقق الحفظ الواجب. قلت معنى وجوب حفظه أنه لا يجوز إتلافه بنحو إحراق أو تغريق مثلاً، وهذا لا ينافي جواز تمكين الغير من أخذه له ما لم يحصل موجب لتحريمه؛ كأن يخاف على نفسه التلف إن أمكن غيره منه.
وقوله: [من المسلمين]: حال من مريد المال.
ومفهوم قوله: "جائزاً": لو كان القتال حراماً كقتال البغاة للإمام العدل وكقتال أهل الفسوق الذين اشتهروا بسعد وحرام، فلا يجوز لهم ذلك.
قوله: [قسمهم]: نائب فاعل سن، أي فيقسمهم ويصلي بهم في الوقت. فالآيسون من انكشاف العدو يصلون أول المختار، والمترددون وسطه والراجون آخره. وفي (بن) طريقة بعدم هذا التفصيل وأنهم يصلون أول المختار مطلقاً. وإذا قسمهم فلا يشترط تساوي الطائفتين؛ بل المدار على أن الأخرى تناوئ العدو. ويصلي بهم صلاة القسمة وإن كانوا متوجهين جهة القبلة خلافاً لمن قال بعدم القسم حينئذ، بل يصلون جماعة واحدة. بل وإن كانوا على دوابهم يصلون بالإيماء، وكذلك إمامهم يصلي بالإيماء. وهذه مستثناة مما مر من قولهم: المومئ؛ لا يؤم المومئ لأن المحل محل ضرورة. والحاصل أنهم هنا يصلون على الدواب إيماء مع القسم لإمكانه، بخلاف ما يأتي فإنهم يصلون على دوابهم أفذاذاً لعدم إمكان القسم كذا في الحاشية.
قوله: [وصلى بأذان] إلخ: إما عطف على قوله: "وعلمهم": أي والحكم أنه يصلي بأذان وإقامة، ويحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن قائلاً قال له إذا قسمهم فما كيفية ما يفعل؟ فأجابه بقوله: وصلى إلخ، والباء في قوله: "بأذان": بمعنى مع، وفي قوله: "بالأولى": للملابسة وكل منهما متعلق بصلى. فلم يلزم عليه تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد.
قوله: [كالصبح والمقصورة]: أي وكالجمعة؛ فإنها من الثنائية، لكن لا يقسمهم إلا بعد أن تسمع كل طائفة الخطبة، ولا بد أن تكون كل طائفة اثني عشر فإن كان كل طائفة أكثر من اثني عشر فلا بد من سماع الخطبة لاثني عشر من كل، ثم إنه يصلي بالطائفة الأولى ركعة وتقوم فتكمل صلاتها وتسلم أفذاذاً، ثم تأتي الطائفة الثانية تدرك معه الركعة الباقية ويسلمون بعد إكمال صلاتهم، وهذا مستثنى من قولهم: لا بد من بقاء الاثني عشر لسلامها لأن المحل ضرورة، ولذلك قال في المجموع - فيلغز من جهتين: جمعة لا يكفي فيها اثنا عشر يسمعون الخطبة، وجمعة صحت من غير بقاء اثني عشر لسلام الإمام. اهـ. قال في حاشيته: ومقابل هذا يخطب لاثني عشر يستمرون مع الإمام في الطائفتين لكن يلزمه أنهم قسموا أثلاثاً. اهـ.
قوله: [والقراءة]: أي بما يعلم أنه لا يتمها حتى تفرغ الأولى من صلاتها وتدخل معه الطائفة الثانية.
قوله: [فأتمت الطائفة الأولى]: وهل يسلمون على الإمام كالمسبوق؟ ذكر شيخ المشايخ في حاشية أبي الحسن عدمه، ويردون على من باليسار. وإذا بطلت صلاة الإمام بعد مفارقتهم لم تبطل عليهم.
قوله: [أفذاذاً]: فإن أمهم أحدهم سواء كان باستخلافهم له أم لا فصلاته تامة وإن نوى الإمامة، إلا لتلاعب، وصلاتهم فاسدة كما في الطراز عن ابن حبيب. وكذلك يقال في الطائفة الثانية. وإنما فسدت عليهم لأنه لا يصلى بإمامين في صلاة واحدة في غير الاستخلاف.
стр. 185
(قضوا ما فاتهم) من الصلاة من ركعة أو ركعتين بفاتحة وسورة جهراً في الجهرية (وإن سها مع الأولى سجدت) الأولى (بعد إكمالها) صلاتها السجود (القبلي قبل السلام)، أي سلامها والبعدي بعده (وسجدت الثانية) السجود (القبلي معه)، فإذا سلم قامت لقضاء ما عليها (و) سجدت (البعدي بعد القضاء)
وذكر مفهوم قوله أمكن إلخ بقوله:
(وإن لم يمكن تركه) أي القتال (لبعض صلوا آخر) الوقت (المختار إيماء) أي بالإيماء بخفض للسجود أكثر من الركوع (أفذاذاً إن لم يمكن ركوع وسجود)، فإن أمكن صلوها تامة.
(وحل) للمصلي صلاة الالتحام (للضرورة) أي لأجلها (مشي) وهرولة وجري وركض (وضرب وطعن) للعدو (وكلام) من تحذير وإغراء وأمر ونهي، (وعدم توجه) للقبلة (ومسك) سلاح (ملطخ) بدم (وإن أمنوا) أي حصل لهم الأمان (بها) أي فيها أي في صلاة الالتحام (أتمت صلاة أمن) بركوع وسجود.
ثم شرع في الكلام على السنن المؤكدة - وقدم الكلام على الوتر وأنه آكدها فقال:
فصل [١]: في أحكام صلاة العيدين
(صلاة العيدين): أي عيد الفطر وعيد الأضحى،
ــ
قوله: [قضوا ما فاتهم]: عبر في الأولى بقوله: "فأتمت" وهنا بقوله: "قضوا" إشارة إلى أن الأولى بانية والثانية قاضية كما هو معلوم.
قوله: [وإن سها مع الأولى] إلخ: وأما لو سها بعد مفارقة الأولى فلا يلزم شيء وإنما يلزم الثانية.
قوله: [القبلي معه]: وانظر لو أخرت لإكمال صلاتها وسجدته قبل سلامها. والظاهر أنه يجري فيه ما جرى من المسبوق المتقدم في سجود السهو، وتقدم أن البطلان قول ابن القاسم، وأن الصحة قول عيسى بن دينار، واختاره (بن) ثم إنها تسجد القبلي ولو تركه الإمام وتبطل صلاته إن كان مترتباً عن ثلاث سنن، وطال كذا في الحاشية.
قوله: [وسجدت البعدي بعد القضاء]: فإن سجدته معه بطلت صلاتها كما مر في المسبوق.
قوله: (آخر الوقت المختار) إلخ: هذا إذا رجوا الانكشاف قبل خروج الوقت بحيث يدركون الصلاة فيه. وأما إن أيسوا من انكشافه في الوقت صلوا صلاة مسايفة في أول الوقت، فإن ترددوا أخروا الصلاة لوسطه، كذا في الحاشية. كأن دهمهم عدو بها فيصلون كيفما تيسر، قال شيخنا في مجموعه: وسئلت إن دهمهم العدو في الجمعة، فقلت: الظاهر إن دهمهم بعد ركعة حصلت الجماعة وأتموا جمعة حيث أمكن المسجد كالمسبوق، وإلا أتموا ظهراً وتكفي نية الجمعة كما سبق وانظر النص اهـ.
قوله: [أفذاذاً]: أي لأن مشقة الاقتداء هنا أشد من مشقته فيما إذا أمكن القسم، ولذا تقدم أنه إذا أمكن القسم فإن لهم أن يصلوا ولو على دوابهم إيماء.
قوله: [وحل للمصلي] إلخ: أي في صلاة المسايفة المذكورة.
قوله: [وكلام]: أي لغير إصلاحها ولو كان كثيراً إن احتاج له في أمر القتال.
قوله: [ومسك سلاح ملطخ]: أي سواء كان محتاجاً لمسكه أو في غنية عنه لأنه محل ضرورة. وقيل: لا يجوز إلا إذا كان محتاجاً له، وهذا هو المعتمد.
قوله: [أي فيها]: الضمير راجع لصلاة الخوف مطلقاً؛ كانت مسايفة أو قسماً وقوله: [أتمت]: أي إن كانت سفرية فسفرية، وإن كانت حضرية فحضرية.
وقوله: [صلاة أمن]: حال من ضمير "أتمت" فإن حصل الأمن بعد مفارقة الطائفة الأولى فمن فعل منهم فعلاً أمهل حتى يأتي الإمام ليقتدي به ولو في السلام، فإن ألغى ما فعل ورجع بطلت على غير الساهي وهو العامد والجاهل بخلاف جماعة السفن؛ فمن فعل منهم فعلاً بعد المفارقة لا يعود للإمام أصلاً لعدم أمنهم من التفريق ثانياً كما يؤخذ من (المج).
تنبيه: لو صلوا في الخوف بإمامين فأكثر أو بعض فذاً، جاز: أي مضى ذلك بعد الوقوع، وإن كان الدخول على ذلك مكروهاً لمخالفة السنة أو المندوب.
خاتمة: إن صلى في ثلاثية أو رباعية بكل ركعة، بطلت على الأولى كثالثة الرباعية لمفارقتها قبل محل المفارقة، وصحت لغيرهما. ويقدم البناء كما سبق في الرعاف. اهـ. من المجموع.
فصل في أحكام صلاة العيدين
أي في أحكام الصلاة التي تفعل في اليوم المسمى عيداً. وسمي ذلك اليوم عيداً: لاشتقاقه من العود: وهو الرجوع لتكرره. ولا يرد أن أيام الأسبوع والشهر تتكرر أيضاً ولا يسمى شيء منها عيداً لأن هذه مناسبة ولا يلزم اطرادها، وقال عياض: لعوده على الناس بالفرح، وقيل تفاؤلاً بأن يعود على من أدركه من الناس. وهو من ذوات الواو قلبت ياء كميزان وجمع بها، وحقه أن يرد لأصله فرقاً بينه وبين أعواد الخشب. وأول عيد صلاها النبي ﷺ عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي سنة مشروعيتها ومشروعية الصوم والزكاة وأكثر الأحكام، واستمر مواظباً عليها حتى فارق الدنيا ﷺ . وما ورد من تسمية الجمعة عيداً، فمن باب التشبيه بدليل أنه عند الإطلاق
стр. 186
(سنة مؤكدة) تلي الوتر في التأكيد، وليس أحدهما أوكد من الآخر (في حق مأمور الجمعة): وهو الذكر البالغ الحر المقيم ببلد الجمعة أو النائي على كفرسخ منه، لا لصبي وامرأة وعبد ومسافر لم ينو إقامة تقطع حكم السفر، ولا بناء على أكثر من كفرسخ وندبت لغير الشابة، ولا تندب لحاج ولا لأهل منى ولو غير حاجين.
(وهي ركعتان) لا أكثر.
وقتها (من حل النافلة) بارتفاع الشمس عن الأفق قيد رمح لا قبله، فتكره بعد الشروق وتحرم حال الشروق ولا تجزئ (للزوال)، فلا تصلى بعده لفوات وقتها والنوافل لا تقضى.
وأشار لكيفيتها بقوله:
(يكبر) المصلي في الركعة الأولى (ستاً بعد) تكبيرة (الإحرام) فيكون التكبير بها سبعاً (ثم) يكبر في الركعة الثانية (خمساً غير) تكبيرة (القيام) ويكون التكبير (موالى) بلا فصل بين التكبيرات (إلا بتكبير المؤتم) فيفصل ساكتاً بقدره (وتحراه مؤتم لم يسمع) تكبير الإمام أو مأمومه.
ومحل التكبير قبل القراءة ولو اقتدى بحنفي يؤخره (فإن نسيه) وتذكره في أثناء قراءته أو بعدها (كبر) أي أتى به، أو بما تركه منه (ما لم يركع وأعاد القراءة وسجد) لزيادة إعادتها (بعد) أي بعد السلام (فإن ركع تمادى) وجوباً ولا يرجع له؛ إذ لا يرجع من فرض لنفل، وإلا بطلت.
(و) إذا تمادى (سجد) غير المؤتم (قبل، ولو لترك) تكبيرة (واحدة) إذ كل تكبيرة منها سنة مؤكدة، وأما المؤتم فالإمام يحمله عنه.
(ومدرك القراءة) مع الإمام من المسبوقين (يكبر) فمدرك الأولى يكبر (سبعاً) بالإحرام (ومدرك الثانية يكبر خمساً) غير تكبيرة الإحرام.
(ثم) إذا قام للقضاء كبر (سبعاً بالقيام) أي بتكبيرة القيام.
واستشكل بأن مدرك ركعة لا يقوم بتكبير
ــ
لم يتبادر للذهن الجمعة ألبتة.
قوله: [سنة مؤكدة]: أي عينية هذا هو المشهور وقيل سنة كفائية، وقيل: فرض عين، وقيل: فرض كفاية. فإن قلت: يؤخذ من استحباب إقامتها لمن فاتته أنها سنة كفائية؟ إذ لو كانت سنة عين لسنت في حق من فاتته؛ أجيب بأنها سنة عين في حق من يؤمر بالجمعة وجوباً بشرط إيقاعها مع الإمام، فلا ينافي استحبابها لمن فاتته جماعتها، أو يقال: إن استحباب فعلها لمن فاتته مشهور مبني على ضعيف: وهو القول بأنها سنة كفاية.
قول: (ولا تندب لحاج): أي لأن وقوفهم بالمشعر الحرام يوم النحر يكفيهم عنها.
قوله: [ولا لأهل منى]: أي لا تشرع في حقهم جماعة، بل تندب لهم فرادى إذا كانوا غير حجاج، وإنما لم تشرع في حقهم جماعة لئلا يكون ذريعة لصلاة الحجاج معهم.
قوله: [وقتها من حل النافلة] إلخ: هذا مذهب مالك وأحمد والجمهور، وقال الشافعي: وقتها من طلوع الشمس للغروب.
قوله: [فتكره بعد الشروق]: أي عندنا وأما عند الشافعي فتجوز، فاتفق المذهبان على الصحة، واختلفا في الجواز والكراهة.
قوله: [ولا تجزئ]: أي حال الطلوع باتفاق المذاهب.
تنبيه: لا ينادى: "الصلاة جامعة". أي لا يندب ولا يسن، بل مكروه أو خلاف الأولى لعدم ورود ذلك فيها فبالكراهة صرح في التوضيح، وقال ابن ناجي وابن عمر إنه بدعة وما ذكره الخرشي من أنه جائز فغير صواب، بل ما ورد ذلك إلا في صلاة الكسوف ومحل كونه مكروهاً أو خلاف الأولى إن اعتقد مطلوبية ذلك، وأما مجرد قصد الإعلام فلا بأس به.
قوله: [والنوافل لا تقضى]: أي لا يجوز قضاؤها إلا فجر يومه للزوال كما تقدم.
قوله: [ستاً بعد تكبيرة الإحرام]: أي وكونه بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة مستحب. والحاصل أن كل تكبيرة منها سنة كما يأتي، وتقديم ذلك التكبير على القراءة مندوب فلو أخره بعد القراءة وقبل الركوع أتى بالسنة وفاته المندوب.
قوله: [ثم يكبر في الركعة الثانية خمساً] إلخ: فلو اقتدى بشافعي يزيد، فلا يزيد معه وهذا العدد الذي ذكره المصنف وارد عن أبي هريرة في الموطأ، ومرفوع في مسند الترمذي قال الترمذي سألت عنه البخاري فقال صحيح.
قوله: [وتحراه مؤتم]: أي تكبير العيد، وأما تكبيرة الإحرام فلا يجزئ فيها التحري، بل لا بد فيها من اليقين بأن الإمام أحرم.
قوله: [قبل القراءة]: أي ندباً كما علمت.
قوله: [ولو اقتدى بحنفي] إلخ: مبالغة في القبلية أي يؤخره تبعاً له، بل يكبره حال قراءة الإمام والمخالفة القولية لا تضر.
قوله: [وإعادة القراء]: أي على سبيل الاستحباب لما علمت أن الافتتاح بالتكبير مندوب، فإن ترك إعادتها لم تبطل صلاته.
قوله: [لزيادة إعادتها]: هذا يفيد أن سبب السجود القراءة الثانية وليس كذلك بل هي مطلوبة بل السبب في الحقيقة القراءة الأولى لأنها هي التي لم تصادف محلها، فهي الزائدة في الجملة، وإنما قلنا في الجملة لأنه لو فرض اقتصاره عليها لأجزأت، ويجاب بأنه إنما جعل العلة زيادة الإعادة لكونه لا يؤمر بالسجود إلا عند حصولها.
قوله: [وإلا بطلت]: أي ليس كمن رجع للجلوس الوسط بعد أن يستقل قائماً لأن الركن المتلبس به هنا وهو الركوع أقوى من المتلبس به هناك لوجوب الركوع باتفاق والاختلاف في الفاتحة.
قوله: [يكبر خمساً] إلخ: بناء على أن ما أدركه
стр. 187
وأجيب: بأنه مبني على القول الضعيف؛ وهو أنه يقوم بتكبير (كمدرك التشهد): تشبيه في التكبير سبعاً؛ أي إن فاتته مع الإمام صلاة العيد، وأدرك الإمام في السجود من الثانية أو التشهد، فإنه يكبر سبعاً بتكبير القيام، وقيل ستاً ولا يكبر لقيامه. واستشكل بأن مدرك التشهد يقوم بتكبير
وأجيب: بأنه في العيد خاصة لا يقوم به، لأن تكبير العيد يقوم مقامه والأول أظهر، فلذا اقتصرنا عليه. والشيخ ذكر التأويلين.
(ورفع يديه في الأولى) أي تكبيرة الإحرام (فقط).
(وندب إحياء ليلته): أي العيد الصادق بالاثنين بالعبادة من صلاة وذكر وتكبير وتسبيح واستغفار، ويحصل بالثلث الأخير من الليل والأولى إحياء كله.
(و) ندب (غسل) يدخل وقته بالسدس الأخير.
(و) ندب كونه (بعد) صلاة الصبح.
(و) ندب (تطيب وتزين) بالثياب الجديدة إظهاراً لنعمته وشكره، (وإن لغير مصل) كالصبيان والنساء في بيوتهن.
(و) ندب (مشي في ذهابه) بالفتح لا في رجوعه، (ورجوع في طريق أخرى) غير التي ذهب فيها.
(و) ندب (فطر قبله) أي قبل ذهابه للمصلى (في) عيد (الفطر و) ندب (كونه على تمر) وتراً إن وجده، وإلا حسا حسوات من ماء كفطر رمضان.
(و) ندب (تأخيره) أي الفطر (في) عيد (النحر و) ندب (خروج): أي ذهاب للصلاة (بعد) طلوع (شمس لمن قربت داره) وإلا خرج بقدر ما يدرك الصلاة مع الجماعة.
(و) ندب (تكبير فيه) أي في خروجه.
(و) ندب (جهر به) أي بالتكبير لإظهار الشعيرة، ويستمر على التكبير فيكبرون وهم جالسون في المصلى
ــ
آخر صلاته وحينئذ فيكبر في ركعة القضاء سبعاً بالقيام كما سيقول المصنف وأما على القول بأن ما أدركه المسبوق مع الإمام أول صلاته فإنه يكبر سبعاً بالإحرام، ويقضي خمساً غير القيام فإن جاء المأموم فوجد الإمام في القراءة، ولم يعلم هل هو في الركعة الأولى أو الثانية، فقال الأجهوري الظاهر أنه يكبر سبعاً بالإحرام احتياطاً ثم إن تبين أنها الأولى، فظاهر وإن تبين أنها الثانية قضى الأولى بست غير القيام، ولا يحسب ما كبره زيادة على الخمس من تكبير الركعة الثانية.
قوله: [بأنه مبني] إلخ: أي أن يقوم بتكبير مطلقاً سواء جلس مع الإمام في ثانية نفسه أم لا، فما هنا مبني على ذلك القول ولا غرابة في بناء مشهور على ضعيف، وتقدم لزروق قال: كان شيخنا القوري يفتي به العامة لئلا يخلطوا، ففي ذلك القول نوع قوة.
قوله: [والأول أظهر]: أي الذي هو قول ابن رشد وسند وابن راشد، وإنما كان أظهر لأن سنة العيد أن يجتمع في إحدى ركعتيه سبع موالاة، واليوم يوم تكبير ولمقتضى القاعدة.
قوله: (وندب إحياء ليلته): أي لقوله ﵊: «من أحيا ليلة العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب»، ومعنى عدم موت قلبه عدم تحيره عند النزع وعند سؤال الملكين وفي القيامة، بل يكون مطمئناً ثابتاً في تلك المواضع.
قوله: [ويحصل بالثلث الأخير من الليل]: واستظهر ابن الفرات أنه يحصل بإحياء معظم الليل، وقيل بساعة، وقيل بصلاة العشاء والصبح في جماعة، ولكن الأولى كما قال الشارح إحياؤه كله، وقولهم إحياء الليل كله مكروه في غير الليالي التي رغب الشارع في قيامها كلها لما في الحديث الشريف: «إن لله في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها».
قوله: [وندب غسل]: هذا هو المشهور، وقال (ح) ورجح اللخمي وسند سنيته. وعلى كل حال لا يشترط اتصاله بالغدو إلى المصلى.
قوله: [وندب تطيب وتزين]: هذا في حق غير النساء وأما هن إذا خرجن فلا يتطيبن ولا يتزين لخوف الافتتان بهن.
تنبيه: لا ينبغي لأحد ترك إظهار الزينة والطيب في الأعياد تقشفاً مع القدرة عليه، فمن تركه رغبة عنه فهو مبتدع، قاله (ح) وذلك لأن الله جعل ذلك اليوم فرحاً وسروراً وزينة للمسلمين وورد: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»، قال (ح) أيضاً ولا ينكر في ذلك اليوم لعب الصبيان وضرب الدف فقد ورد.
قوله: [في ذهابه]: أي لأنه عبد ذاهب لخدمة مولاه فيطلب منه التواضع لأجل إقباله عليه. ومحل ذلك ما لم يشق عليه؛ وإلا فلا يندب له ذلك.
قوله: [في طريق أخرى]: أي لأجل أن يشهد له كل من الطريقين وملائكتهما.
قوله: [في عيد الفطر]: أي لأجل أن يقارن فطره إخراج زكاة فطره المأمور بإخراجها قبل صلاة العيد.
قوله: [وندب كونه على] إلخ: أي فكونه على تمر مندوب ثان، وكونه وتراً مندوب ثالث، وقوله على تمر إلخ أي إن لم يجد رطباً.
قوله: [وندب تأخيره] إلخ: أي ليكون أول أكله من كبد أضحيته فهذه هي العلة، وأجرى الباب على وتيرة وإن لم يضح.
قوله: [أي في خروجه]: أي ولو قبل الشمس فيمن بعدت داره، ويستحب الانفراد في التكبير حالة المشي للمصلى. وأما التكبير جماعة وهم جالسون في المصلى فهذا هو الذي استحسن. قال ابن ناجي افترق الناس بالقيروان فرقتين بمحضر أبي عمرو الفارسي وأبي بكر بن عبد الرحمن، فإذا فرغت إحداهما من التكبير كبرت الأخرى فسئلا عن ذلك؟ فقالا: إنه لحسن.
قوله: [ويستمر على التكبير] إلخ
стр. 188
(للشروع في الصلاة و) ندب (إيقاعها) أي صلاة العيد (بالمصلى)، في الصحراء لا في المسجد (إلا بمكة) فبمسجدها أفضل.
(و) ندب (قراءتها) أي القراءة فيها بعد الفاتحة (بكسبح) اسم ربك الأعلى أو ﴿هل أتاك﴾ في الأولى، (﴿والشمس) وضحاها﴾ أو ﴿والليل إذا يغشى﴾ في الثانية.
(و) ندب (خطبتان كالجمعة) يجلس في أول الأولى وأول الثانية، يعلم الناس فيهما زكاة الفطر ومن تجب عليه، ووجوب إخراجها يوم الفطر وحرمة تأخيرها عنه، والضحية ومن تتعلق به وما تجزئ منها وما لا تجزئ في النحر.
(و) ندب (بعديتهما) أي كونهما بعد الصلاة (وأعيدتا) ندباً (إن قدمتا) على الصلاة.
(و) ندب (استفتاحهما): أي الخطبتين (بتكبير) بلا حد بثلاثة أو سبعة أو غير ذلك، (وتخليلهما به) أي بالتكبير (بلا حد): راجع للافتتاح والتخليل (واستماعهما): بخلاف الجمعة فيجب كما تقدم.
(و) ندب (إقامتها) أي صلاة العيد (لغير مأمور الجمعة): من الصبيان والعبيد والنساء غير الشابة، ويحرم على مخشية الفتنة، ولا يحتاج مكاتب لإذن لأنه أحرز نفسه وماله، (أو لمن فاتته) صلاتها (مع الإمام) من مأمور الجمعة. فقولهم: سنة عين؛ أي لمن يمكنه فعلها مع الإمام فإن فاتته لعذر أو غيره فتندب للزوال.
(و) ندب لكل مصل ولو صبياً (التكبير إثر) كل صلاة من (خمس عشرة فريضة وقتية من ظهر يوم النحر) لا قبله إلى صبح اليوم الرابع لا بعد نافلة ولا مقضية فيها، ولو فاتته منها (فإن نسي) التكبير (كبر) إذا تذكر (إن قرب) الزمن لا إن خرج من المسجد أو طال عرفاً (وكبر مؤتم) ندباً (ترك إمامه) وندب تنبيه الناسي ولو بالكلام.
(و) ندب (لفظه الوارد) أي الاقتصار عليه (وهو: الله أكبر، ثلاثاً) فإن زاد بعد الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد فحسن والأول أحسن
(وكره تنفل قبلها وبعدها بمصلى) أي فيه (لا بمسجد) فلا يكره.
فصل: في صلاة الكسوف والخسوف
(سن وتأكد) الاستنان المفهوم من سن: تأكيداً يلي العيدين (لكسوف الشمس): أي لأجل كسوفها (ولو) كان المكسوف (بعضاً) منها كما هو الغالب (ركعتان): نائب فاعل لسن (بزيادة قيام، وركوع)
ــ
واختلف في ابتداء وقت التكبير في. المصلى فقيل بعد صلاة الصبح، وقيل عند طلوع الشمس أو من الإسفار. قوله: [للشروع في الصلاة]: هذا هو المشهور، وقيل لمجيء الإمام للمصلى وإن لم يدخل الصلاة بالفعل.
قوله: [وندب إيقاعها] إلخ: أي لأجل المباعدة بين الرجال والنساء، لأن المساجد وإن كبرت يقع الازدحام فيها وفي أبوابها بين الرجال والنساء دخولاً وخروجاً فتتوقع الفتنة في محل العبادة.
قوله: [لا في المسجد]: أي ولو مسجد المدينة المنورة وبيت المقدس، فلا يغتفر المسجد إلا الضرورة.
قوله: [إلا بمكة]: إنما كان أفضل في صلاة العيد - مع أن مسجد المدينة أفضل منه عندنا - للمزايا التي تقع فيه لمن يصلي العيد، وهي النظر والطواف المعدومان في غيره لخبر: «ينزل على البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين إليه».
قوله: [وندب خطبتان]: انظر هل هما مندوب واحد أو كل واحدة مندوب مستقل؟ قال شيخ المشايخ العدوي: الأول هو الظاهر وقد اقتصر ابن عرفة على سنية الخطبتين.
قوله: [يجلس في أول الأولى]: الظاهر أن الجلوس فيهما مندوب لا سنة كما في الجمعة، وانظر هل يندب القيام فيهما أم لا؟ .اهـ. من حاشية الأصل. والظاهر الندب. قوله: [وأعيدتا ندبا] ً: ما ذكره من ندب إعادتهما مبني على ما مشى عليه من أن بعديتهما مستحبة وأما على أن بعديتهما سنة فإعادتهما سنة.
قوله: [بتكبير]: أي بخلاف خطبتي الجمعة، فإنه يطلب افتتاحهما بالتحميد، وسيأتي أن خطبة الاستسقاء تفتتح بالاستغفار.
قوله: [واستماعهما]: ما ذكره من ندب الاستماع لهما بأن لا يشغل فكره فمسلم، وأما الكلام وقتهما فاختلف فيه؛ قيل مكروه، وقيل حرام بعد الحضور المندوب ابتداء، وهو ظاهر النقل على ما أفاده (ر) كذا في المجموع.
قوله: [فإن فاتته لعذر] إلخ: أي وأما من صلاها قبل الإمام فالظاهر أنه لم يأت بالسنة فيعيدها معه كذا في المجموع.
قوله: [من خمس عشرة فريضة] إلخ: هذا هو المعتمد خلافاً لابن بشير القائل إثر ست عشرة فريضة من ظهر يوم النحر لظهر الرابع.
قوله: [والأول أحسن]: أي لأنه الذي في المدونة والثاني في مختصر ابن عبد الحق.
قوله: [لا بمسجد فلا يكره]: أي النفل فيه قبل صلاتها وبعدها. أما عدم كراهته قبل صلاتها فنظراً للتحية، وأما عدم كراهته بعدها فلندور حضور أهل البدع لصلاة الجماعة في المسجد.
فصل في صلاة الكسوف والخسوف
اعلم أن الكسوف والخسوف قيل مترادفان وأنه ذهاب الضوء كلاً أو بعضاً من شمس أو قمر، وقيل الكسوف ذهاب ضوء الشمس، والخسوف ذهاب ضوء القمر، قال في القاموس: وهو المختار، وقيل عكسه ورد بقوله تعالى: ﴿وخسف القمر﴾ [القيامة: ٨] وقيل الكسوف اسم لذهاب بعض الضوء والخسوف اسم لذهاب جميعه وقيل عكسه.
قوله: [سن]: أي عيناً على المشهور وقيل سنة كفاية.
стр. 189
على الصلاة المعهودة (فيهما): أي في كل ركعة منهما؛ بأن يقرأ الفاتحة وسورة ولو من قصار المفصل، ثم يركع ثم يرفع منه فيقرأ الفاتحة وسورة، ثم يركع، ثم يرفع، ويسجد السجدتين ثم يفعل في الركعة الثانية كذلك ويتشهد ويسلم (لمأمور الصلاة) متعلق: بـ "سن"، (وإن) كان مأمور الصلاة (صبياً) على ظاهر الرواية.
(وعمودياً ومسافراً إلا أن يجد سيره) أي المسافر (لـ) أمر (مهم) فلا يسن له.
(ووقتها كالعيد) من حل النافلة للزوال.
(وندب صلاتها بالمسجد) لا الصحراء.
(وإسرارها) أي القراءة فيها سراً [١].
(و) ندب (تطويل القراءة بنحو) سورة (البقرة) بعد الفاتحة (وموالياتها في القيامات) آل عمران والنساء والمائدة.
(والركوع) فيها (كالقراءة) في الطول ندباً فالركوع الأول نحو البقرة، والركوع الثاني نحو آل عمران يسبح في الركوعات، لأن الركوع يعظم فيه الرب بلا دعاء كما هو الشأن في الصلاة. (والسجود كالركوع) في الطول ندباً يسبح فيه ويدعو بما شاء، وأما الجلسة بين السجدتين فعلى العادة لا تطويل فيها اتفاقاً (إلا لخوف خروج الوقت) بالزوال (أو) خوف (ضرر المأموم) بالتطويل فلا يطول، وينبغي حينئذ النظر لحال الوقت والمأمومين، فقد يقتضي قراءة يس ونحوها، أو طوال المفصل أو وسطه أو قصاره، وجاز اقتداء الجالس بالقائم لأنها نفل.
ــ
قوله: [يقرأ الفاتحة وسورة] إلخ: بيان لكيفية صلاة الكسوف بقطع النظر عن الأحكام، وسيأتي بيانها.
قوله: [لمأمور الصلاة]: أي الخمس ولو على سبيل الندب فيشمل الصبيان المميزين.
قوله: [وإن كان مأمور الصلاة صبياً] إلخ: هكذا أراد المصنف بمأمور الصلاة ولو على سبيل الندب، فيشمل الصبيان المميزين كما علمت تبعاً لغيره من الشراح، ووجهه في المجموع بقوله: ولا يستبعد كونه له أعلى من الخمس؛ لأنها محل خوف، وهو مقبول، ولا يرد الخسوف فإنه مندوب مع أنه يأتي وهو نائم، ولا يلحق مصيبة الشمس، وكذا الاستسقاء فإنه دونها في التأكيد مع أنه لا يعم العالم ويغني عنه نحو العيون اهـ. لكن قال (بن) لم أر من ذكر السنية في حق الصبي إلا ما نقله الحطاب عن ابن حبيب وهو يحتمل أن يكون إنما عبر بالسنية تغليباً لغير الصبي، وإنما عبر ابن بشير وابن شاس وابن عرفة بلفظ يؤمر الصبي بها فيحمل الأمر على الندب كما هو حقيقة، وإذا صح هذا سقط استغراب أمر الصبي بالكسوف استناناً وبالفرائض الخمس ندباً اهـ. كلام (بن) من حاشية الأصل. فعلى هذا فسنيتها إنما تتعلق بالمكلف.
قوله: [لأمر مهم]: أي فتعلق بالسنية به حيث لم يجد أصلاً أو جد لغير مهم هكذا مفاد الشارح، ومفاد المواق أنه إذا جد السير مطلقاً لا تسن في حقه وهو ظاهر كلام خليل.
تنبيه: لا يصلى لغير الكسوف والخسوف من الآيات كالزلازل كما قال (ح) في الذخيرة، وحكى اللخمي عن أشهب الصلاة واختاره (بن).اهـ. من حاشية الأصل.
قوله: [ووقتها كالعيد]: حكى ابن الجلاب في وقتها ثلاث روايات عن مالك: إحداها أنها من حل النافلة للزوال كالعيد والاستسقاء. والثانية أنها من طلوع الشمس للغروب. والثالثة أنها من طلوع الشمس إلى العصر، والأولى هي التي في المدونة فلو طلعت مكسوفة لم تصل حتى يأتي حل النافلة، وكذا إذا كسفت بعد الزوال لم تصلَّ على رواية المدونة التي مشى عليها المصنف، وأما على رواية غيرها فإنه يصلي لها حالاً ويصلي لها بعد العصر على الرواية الثانية.
قوله: [وندب صلاتها بالمسجد]: أي مخافة أن تنجلي قبل الذهاب إلى المصلى، وقال ابن حبيب: إن شاءوا فعلوها في المصلى أو في المسجد، قال خليل في توضيحه وهذا إذا وقعت في جماعة كما هو المستحسن، فأما الفذ فله أن يفعلها في بيته. ولا أذان لها ولا إقامة لأنها من خواص الفرض - ابن عمر. ولا يقول: الصلاة جامعة - ابن ناجي، نقل ابن هارون أنه لو نادى مناد الصلاة جامعة، لم يكن به بأس وهو قول الشافعي، واستحسنه عياض وغيره لما في الصحيحين أنه ﵊ بعث منادياً ينادي الصلاة جامعة، اهـ. خرشي.
قوله: [وإسرارها]: هذا هو المشهور، وقيل جهراً لئلا يسأم الناس، واستحسنه اللخمي. ابن ناجي وبه عمل بعض شيوخنا بجامع الزيتونة، وإنما طلب فيها الإسرار على ما مشى عليه المصنف لأنها صلاة نفل نهارية لا خطبة لها ومن المعلوم أن كل صلاة نفل نهارية لا خطبة لها، فالقراءة فيها سراً.
قوله: [بنحو سورة البقرة]: أي البقرة ونحوها في الطول، وقيل إن المندوب خصوص البقرة.
قوله: [آل عمران والنساء والمائدة]: أي فخصوص هذه السور مندوب وقيل مقدارها.
قوله: [كالقراءة] إلخ: أي يقرب منها فكل ركوع نحو القراءة التي يليها وكل سجود نحو الركوع الذي يليه. واعلم أن تطويل الركوع كالقراءة وتطويل السجود كالركوع قيل إنه مندوب كما قال الشارح وهو لعبد الوهاب، وقال سند إنه سنة ويترتب السجود على تركه واقتصر عليه (ح) والشيخ زروق، وحيث قرأ النساء عقب آل عمران فيسرع
стр. 190
(و) ندب (الجماعة فيها): أي صلاتها جماعة بخلاف خسوف القمر.
(و) ندب (وعظ بعدها): مشتملاً على الثناء على الله والصلاة والسلام على نبيه لفعله ﵊ ذلك.
(وتدرك الركعة) من الركعتين مع الإمام (بالركوع الثاني) فيكون هو الفرض، وأما الأول في الركعتين فسنة، وقيل فرض. والراجح أن الفاتحة فرض مطلقاً وقيل الأولى سنة.
(وإن انجلت) الشمس (قبل ركعة أتمها) المصلي (كالنوافل. و) إن انجلت (بعدها) أي بعد إتمام ركعة (فقولان) قال سحنون: كالنوافل بقيام وركوع فقط بلا تطويل وقال أصبغ: أتمت على سننها [١] (بلا تطويل وندب لخسوف القمر ركعتان جهراً كالنوافل) بقيام وركوع فقط على العادة.
(و) ندب (تكرارها) أي الصلاة (حتى ينجلي) القمر (أو يغيب) في الأفق (أو يطلع الفجر) فإن حصل واحد من هذه الثلاثة فلا صلاة.
ثم شرع في بيان السنة الخامسة وهي صلاة الاستسقاء فقال:
(فصل: في صلاة الاستسقاء) [٢]: أي طلب السقي من الله تعالى بمطر أو نيل لأمر مما يأتي (حكماً): أي في الحكم؛ وهو السنة المؤكدة، إلا أن العيد أوكد كما تقدم (ووقتاً): أي وفي الوقت من حل النافلة للزوال.
(وصفة): أي وفي الصفة من كونها ركعتين كالنوافل يقرأ فيهما جهراً بما تقدم في العيد وبعدها خطبتان (كالعيد إلا التكبير) الذي في العيد فليس في الاستسقاء بل فيه الاستغفار بدل التكبير في الجملة كما يأتي.
وتسن صلاة الاستسقاء (لزرع): أي لأجل زرع أي لأجل إنباته أو لأجل حياته، (أو) لأجل (شرب) لآدمي أو غيره لعطش واقع أو متوقع لتخلف مطر أو نيل أو لقلتهما، أو لقلة جري عين أو غورها إن كانوا ببلد أو بادية حاضرين أو مسافرين، (وإن) كانوا (بسفينة) في بحر ملح أو عذب.
(وكررت) الصلاة في أيام لا يوم (إن تأخر) السقي بأن لم يحصل أو حصل دون ما فيه الكفاية.
(يخرج الإمام والناس) لها (ضحى) بعد حل النافلة (مشاة) للمصلى لا راكبين لإظهار العجز والانكسار (ببذلة): أي بثياب المهنة أي ما يمتهن منها بالنسبة للابسها (وذلة): أي خشوع وخضوع، لأنه إلى الإجابة أقرب. واستثنى من عموم الناس قوله: (إلا شابة): ولو غير مخشية الفتنة، إلا أن مخشية الفتنة يحرم عليها الخروج وتمنع، وغيرها يكره لها ولا تمنع، وأما المتجالة فتخرج مع الناس.
(وإلا غير مميز) من الصبيان فلا يخرج لأنه لا يعقل القربة،
ــ
حتى تكون أقصر منها.
قوله: [وندب الجماعة فيها] إلخ: تبع المصنف التوضيح. والذي تقدم له في فضل الجماعة أنها من تمام السنة كالعيدين والاستسقاء.
قوله: [وندب وعظ بعدها]: أي لا على طريقة الخطبة لأنه لا خطبة لها.
قوله: [والراجح أن الفاتحة] إلخ: قال في المجموع: حاصل ما أفاده شيخنا وغيره أن الواجب الركوع الثاني لأنه على الشأن بعد قراءة وقبل سجود والأول في أثناء القراءة وهي ساقطة عن المأموم، وكذا قال: الواجب القيام الثاني، والأول سنة مع القول بأن الفاتحة واجبة في الأول والثاني على المشهور، وقيل سنة في الثاني، وقيل: لا تكرر، مع أن الظاهر أن قيام الفاتحة تابع لها اهـ.
قوله: [أتمها المصلي كالنوافل]: قال في المجموع ينبغي إذا انجلت بعد الركوع الأول أن يأتي بالثاني على ما سبق أنه الواجب.
قوله: [وندب لخسوف] إلخ: أي لبالغ، وأما الصبي فلا يخاطب بها لأنها تأتي وهو نائم.
قوله: [جهراً كالنوافل]: الليلية ووقتها الليل كله وفي (ح) أن الجزولي ذكر في صلاتها بعد الفجر أي إذا غاب عند الفجر منخسفاً أو طلع منخسفاً، قولين. وأن التلمساني اقتصر على الجواز، وأن صاحب الذخيرة اقتصر على عدمه. ووجه القول بعدم الجواز ما مر أنه لا يصلى نفل بعد طلوع الفجر إلا الورد لنائم عنه والشفع والوتر وركعتا الفجر. والأفضل فعلها في البيوت وفعلها في المساجد مكروه سواء كانت جماعة أو فرادى.
فصل: صلاة الاستسقاء
هو بالمد: طلب السقي، إذ هو استفعال من سقيت. ويقال سقى وأسقى لغتان، وقيل سقى ناوله الشرب بكسر الشين وسكون الراء الحظ من الماء، قاله في المختار، وأسقاه جعله مسقياً والاستفعال غالباً لطلب الفعل كالاستفهام والاسترشاد لطلب الفهم والرشد، وشرعاً طلب السقي من الله لقحط نزل بهم أو غيره بالصلاة المعهودة. قوله: [أي طلب السقي]: أي فالسين والتاء للطلب أي فالسنة الصلاة لا الطلب.
قوله: [هو السنة المؤكدة]: أي العينية والجماعة شرط في سنيتها، فمتى فاتته مع الجماعة ندبت له الصلاة فقط كالعيد والكسوف. ومقتضى التشبيه الآتي أيضاً أنها تسن في حق من تلزمه الجمعة، وتندب في حق من لا تلزمه.
قوله: [جهراً بما تقدم في العيد] إلخ: وهو قراءته بعد الفاتحة بكسبح والشمس والقراءة المذكورة، والجهر بها مندوب لأنها صلاة ذات خطبة وكل صلاة لها خطبة فالقراءة فيها جهراً لاجتماع الناس يسمعونه. ولا يرد الصلاة يوم عرفة لأن الخطبة ليست للصلاة بل لتعليم المناسك.
قوله: [أي لأجل زرع] إلخ: أي فهي لأحد سببين: وهما احتياج الزرع أو الحيوان للماء.
قوله: [وكررت الصلاة]: قال في الأصل تبعاً ل (عب) استناناً واعترضه (ر) وتبعه (بن) بأن المدونة وغيرها إنما عبر بالجواز، وقال شيخ مشايخنا العدوي والظاهر الندب، وقال شيخنا الأمير يراد بالجواز في كلام المدونة وغيرها: الإذن الصادق بالسنية والندب.
قوله: [يخرج الإمام والناس لها] إلخ: أصل الخروج سنة وكونه ضحى ومشاة
стр. 191
فأولى البهائم والمجانين.
(ولا يمنع ذمي) من الخروج مع الناس، (وانفرد) عن المسلمين بمكان (لا بيوم) مخافة أن يسبق القدر بالسقي في يومه فتفتن [١] بذلك ضعفاء القلوب.
(وندب خطبتان بعدها) أي الصلاة (كالعيد) أي كخطبة يجلس في أول كل منهما ويتوكأ على عصا لكن (بالأرض) لا بالمنبر يعظهم فيهما ويخوفهم ببيان أن سبب الجدب معاصي الله، ويأمرهم بالتوبة والإنابة والصدقة والبر والمعروف.
(و) ندب (إبدال التكبير) في خطبتي العيد (بالاستغفار) بلا حد في أول الأولى والثانية.
(ثم) بعد الفراغ من الخطبتين (يستقبل القبلة) بوجهه حال كونه (قائماً فيحول) ندباً (رداءه) الذي على كتفيه (يجعل ما على عاتقه الأيسر): أي يأخذه بيده اليمنى ويجعله (على) عاتقه (الأيمن) ويأخذ بيده اليسرى ما على عاتقه الأيمن يجعله على الأيسر (بلا تنكيس) للرداء فلا يجعل الحاشية السفلى التي على رجليه على أكتافه.
(ثم) إذ استقبل القبلة وظهره للناس (يبالغ في الدعاء) برفع الكرب والقحط وإنزال الغيث والرحمة وعدم المؤاخذة بالذنوب، ولا يدعو لأحد من الناس.
(وحول الذكور فقط) أرديتهم دون النساء (كذلك): أي كتحويل الإمام المتقدم حال كونهم (جلوساً): أي جالسين، (وأمنوا): أي الحاضرون ذكوراً وإناثاً (على دعائه): أي الإمام بأن يقولوا آمين حال كونهم (مبتهلين): أي متضرعين.
(و) ندب لهم (صيام ثلاثة أيام قبلها) أي الصلاة.
(و) ندب لهم (صدقة) على الفقراء بما تيسر.
(وأمر الإمام) الناس (بهما): أي بالصوم والصدقة ندباً (كالتوبة): أي كما يأمرهم بالتوبة.
(ورد التبعات) بكسر الباء الموحدة أي المظالم لأهلها.
(و) ندب لمن نزل عليهم مطر مثلاً بقدر الكفاية (إقامتها) أي صلاة الاستسقاء (لطلب سعة)، ولا يسن إلا لمن قام به ضيق كما تقدم.
(و) ندب (دعاء غير المحتاج لمحتاج) لأنه من التعاون على البر والتقوى.
(لا) تندب (الصلاة) خلافاً للخمي القائل بندبها.
(وجاز تنفل) في المصلى (قبلها وبعدها) والله أعلم.
ــ
إلخ مندوب.
قوله: [فأولى البهائم والمجانين]: أي فليس خروجهم بمشروع، بل هو مكروه على المشهور خلافاً لمن قال يندب خروج من ذكر لقوله ﵊: «لولا شيوخ ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صباً»، وأجيب بأن المراد لولا وجودهم وليس المراد لولا حضورهم.
قوله: [ولا يمنع ذمي]: أي من الخروج كما لا يؤمر به، وسواء خرج من غير شيء يصحبه أو أخرج معه صليبه، فلا يمنع من إخراجه معه ولا من إظهاره حيث تنحى به عن الجماعة.
قوله: [بعدها أي الصلاة]: فلو قدم الخطبة على الصلاة استحب إعادتها بعد الصلاة.
قوله: [وندب إبدال التكبير] إلخ: أي فيبتدئها ويتخللها بالاستغفار عوضاً عن التكبير في خطبة العيد.
قوله: [فيحول رداءه]: أي وأما البرانس والغفائر فإنها لا تحول إلا إن كانت تلبس كالرداء والتحويل المذكور خاص بالرجال دون النساء الحاضرات فلا يحولن لأنه مظنة الكشف. ولا يكرر الإمام ولا الرجال التحويل.
قوله: [وأمر الإمام الناس بهما]: هذا قول ابن حبيب، قال ولو أمرهم الإمام أن يصوموا ثلاثة أيام آخرها اليوم الذي يبرزون فيه كان أحب إلي اهـ.
وهو يقتضي أنهم يخرجون صائمين ولكن المعتمد أنهم يخرجون مفطرين لأجل التقوي على الدعاء، والصوم يكون قبل يوم الخروج. وقال ابن حبيب في الصدقة أيضاً: ويحض الإمام على الصدقة ويأمر بالطاعة ويحذر من المعصية اهـ.
وفي بهرام قال ابن شاس يأمرهم بالتقرب والصدقة بل حكى الجزولي الاتفاق على ذلك.
قوله: [ورد التبعات]: أي لتوقف صحة التوبة على ذلك حيث كانت باقية بأعيانها، فإن عدمت عينها فرد العوض واجب مستقل لا تتوقف عليه صحة التوبة.
واعلم أن توبة الكافر مقبولة قطعاً، وأما توبة المؤمن العاصي فمقبولة ظناً على التحقيق، وقيل قطعاً وعلى كل فإذا أذنب بعدها لا تعود ذنوبه الأولى والذي عليه الجمهور عدم قبول التوبة من الكفر والمعصية عند طلوع الشمس من مغربها وعند الغرغرة، وقيل إن توبة المؤمن عند الغرغرة وعند طلوع الشمس من مغربها مقبولة، ويحمل ما ورد من عدم قبول التوبة عندهما على الكافر دون المؤمن كذا في (بن).اهـ. من حاشية الأصل.
قوله: [لطلب سعة]: أي فهو مندوب خلافاً لمن قال بالإباحة؛ إذ ليس ثم عبادة مستوية الطرفين، والمراد بالجواز في المدونة: الإذن الصادق بالندب.
قوله: [وندب دعاء غير المحتاج] إلخ: محل ندب الدعاء فقط دون الصلاة -ما لم يذهب لمحل المحتاج - وإلا صار من جملة المحتاجين فيخاطب معهم بالصلاة اتفاقاً.
قوله: [وجاز تنفل في المصلى] إلخ: لا مفهوم للمصلى بل وفي المسجد بخلاف العيد فإنه يكره قبلها وبعدها بالمصلى لا بالمسجد كما مر لأن المقصود من الاستسقاء الإقلاع عن الخطايا والاستكثار من فعل الخير.
стр. 192
فصل: في [١] بيان أحكام غسل الميت والصلاة عليه،
وما يتعلق به من مؤن تجهيزه وغير ذلك.
(غسل الميت المسلم) ولو حكماً؛ فلا يغسل كافر (المستقر الحياة) أي الذي استقرت حياته بعد ولادته ولو لحظة بأن استهل صارخاً، أو قامت به أمارة الحياة؛ فلا يغسل السقط (غير شهيد المعترك) في قتال الحربيين لإعلاء كلمة الله، وأما هو فلا يغسل لمزيد شرفه (بمطلق): متعلق بغسل فلا يجزئ فيه الماء المضاف (كالجنابة) أي غسلاً مثل غسل الجنابة الإجزاء كالإجزاء والكمال كالكمال.
(والصلاة عليه) عطف على غسل المبتدأ والخبر قوله: (فرضا كفاية) إذا قام به البعض من المسلمين سقط عن الباقي وهما متلازمان، فكل من وجب غسله وجبت الصلاة عليه وبالعكس ويقوم مقام الغسل التيمم عند التعذر كما يأتي.
(ككفنه) بسكون الفاء: أي إدراجه في الكفن بفتحها.
(ودفنه) أي مواراته في القبر أو ما في حكمه كما يأتي فإنهما فرضا كفاية إجماعاً.
(فإن تعذر الغسل يمم) وجوباً كفائياً وسيأتي قريباً تفصيله.
(وقدم) في الغسل (الزوجان) على العصبة (بالقضاء): أي بحكم الحاكم عند التنازع أي يقدم الحي منهما في غسل صاحبه ويقضى له بذلك (إن صح النكاح ولو) كانت صحته (بالفوات) أي بسببه كالدخول، أو هو مع الطول لا إن فسد إذ المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً.
(وإباحة الوطء برق): أي بسبب رق الأنثى (تبيح الغسل لكل) من السيد لأمته والأمة لسيدها وخرجت المكاتبة والمبعضة لعدم إباحة وطئهما،
ــ
فصل في بيان أحكام غسل الميت والصلاة عليه
تقدم دخول صلاة الجنازة في رسم مطلق الصلاة من قول ابن عرفة: ذات إحرام وسلام. والموت كيفية وجودية تضاد الحياة فلا يعرى الجسم عنهما، ولا يجتمعان فيه، وصريح كلام الأشعري أنه عرض لأن الكيفية عرض. وفي بعض الأحاديث أنه معنى خلقه الله في كف ملك الموت، وفي بعضها أن الله خلقه في صورة كبش لا يمر بشيء يجد ريحه إلا مات.
والروح جسم لطيف متحلل في البدن تذهب الحياة بذهابه. اهـ. خرشي.
فائدتان: الأولى: تردد بعض: هل شرعت الجنازة بمكة أو بالمدينة؟ وظاهر بعض الأحاديث أنها بالمدينة. اهـ. من الحاشية.
الثانية: قال في حاشية المجموع: ورأيت بخط النفراوي شارح الرسالة: لو أحيي ميت كرامة لولي ثم مات وجب له غسل وتجهيز ثان. قلت: هو ظاهر لأن الحكم يتكرر بتكرر مقتضيه، لكن ينبغي حمله على الحياة المتعارفة لا مجرد نطق وهو في نعشه أو قبره مثلاً. اهـ.
قوله: [غسل الميت]: أي كلاً أو بعضاً كما إذا سقطت عليه صخرة لم يمكن إزالتها عنه وظهر قدمه فيغسل ويلف ويصلى عليه ويوارى عملاً بحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم» هكذا يظهر، ولا ينافي قولهم الآتي: "ولا دون الجل" لأن ذاك انعدم باقيه، وهنا موجود لم يتوصل إليه. ولا يخرج على ما سبق في الجبيرة من إلغاء الصحيح إذا قل جداً كيد؛ لوجود البدل هناك، أعني التيمم. .اهـ. من حاشية الأصل. قوله: [ولو حكماً]: وهو المجوسي الذي نوى به مالكه الإسلام كما يأتي.
قوله: [بمطلق]: أي ولو بزمزم بل هو أبرك، والآدمي طاهر خلافاً لابن شعبان والمعتمد الذي عليه مالك وأشهب وسحنون أن غسل الميت تعبد.
قوله: [كالجنابة] إلخ: أي إلا ما يختص به الميت من تكرار غسل وسدر وغير ذلك مما يأتي، ولا يتكرر الوضوء بتكرر الغسل على الأرجح فيغسل يديه أولاً ثلاثاً ثم يبدأ بغسل الأذى فيوضئه مرة مرة فيثلث رأسه، ثم يقلبه على شقه الأيسر فيغسل الأيمن، ثم على شقه الأيسر فيغسل الأيمن، ثم على شقه الأيمن فيغسل الأيسر. اهـ. من الأصل.
قوله: [فرضا كفاية]: أما فرضية الغسل فهو قول عبد الوهاب وابن محرز وابن عبد البر وشهر ابن راشد وابن فرحون ومقابله السنية حكاها ابن أبي زيد وابن يونس وابن الجلاب، وشهر ابن بزيزة، وأما فرضية الصلاة فهو قول سحنون ابن ناجي وعليه الأكثر وشهره الفاكهاني، والقول بالسنية لم يعزه في التوضيح ولا ابن عرفة إلا لأصبغ، ولذلك لما كان الأشهر فيها الفرضية اقتصر عليه المصنف.
قوله: [سقط عن الباقي]: قال في حاشية المجموع نقلاً عن السيد: وهل يتعين غسل الميت بالشروع على قاعدة فرض الكفاية أم لا؟ لجواز غسل كل شخص عضواً. أقول: الظاهر الثاني فصار كل جزء كأنه عبادة مستقلة كما قال المحلي في شرح جمع الجوامع. إنما يتعين طلب العلم الكفائي بالشروع لأن كل مسألة منه بمنزلة عبادة مستقلة. ولو غسله ملك أو صبي كفى وإن لم يتوجه الخطاب له لأن إقرار البالغين له بمنزلة فعلهم بخلاف الصلاة. اهـ.
قوله: [وهما متلازمان]: أي في الطلب كما أشار له الشارح بقوله: فكل من غسله " إلخ وليس المراد أنهما متلازمان في الفعل وجوداً وعدماً؛ لأنه قد يتعذر الغسل والتيمم وتجب الصلاة عليه، كما إذا كثرت الموتى جداً فغسله أو بدله مطلوب ابتداء لكن إن تعذر سقط للتعذر فلا تسقط الصلاة عليه، وبهذا قرر (ر) عند قول خليل: " وعدم الدلك لكثرة الموتى " قوله: [ويقضى له بذلك]: أي إن أراد المباشرة بنفسه.
قوله: [إن صح النكاح] إلخ: أي لا إن فسد ولو لم يمض
стр. 193
وكذا المشتركة (بلا قضاء): أي للأمة، بالتقديم على عصبة سيدها. وأما السيد فهو أولى بأمته من كل أحد.
(ثم الأقرب فالأقرب من أوليائه) أي عصبته على ما سيأتي في الصلاة عليه.
(ثم) إذا لم يكن عصبة أو كانوا ولم يتولوا غسله (أجنبي) من العصبة ومن الأخ لأم والخال والجد لأم.
(ثم) بعد الأجنبي (امرأة محرم) كأم وبنت وأخت وعمة وخالة تغسله.
وهذا كله فيما إذا كان الميت ذكراً.
(ثم) إن لم توجد امرأة محرم ولو بمصاهرة (يمم): أي يممته امرأة غير محرم (لمرفقيه) لا لكوعيه فقط كما قيل؛ فعدم وجود المحرم من الأعذار المسقطة للغسل الموجبة للتيمم (كعدم الماء) حقيقة أو حكماً بأن احتيج له فيمم.
(وتقطع الجسد) بالماء (أو تسلخه من صبه) عليه فيمم.
ويجب غسله. (وسقط الدلك) فقط (إن [١] خيف منه): أي من الدلك (تسلخ) للجسد.
(ككثرة الموتى جداً) بحيث يتعذر الدلك فيسقط الدلك.
(فإن لم يكن للمرأة زوج أو سيد) يغسلها، أو كان وأسقط حقه (فأقرب امرأة) لها تغسلها (فالأقرب) لها فتقدم البنت فالأم فأخت شقيقة فلأب فبنت أخ كذلك، فجدة فعمة شقيقة فلأب فبنت عم كذلك.
(ثم) بعد من ذكرت (أجنبية ثم) إن لم توجد أجنبية غسلها (محرم) على الترتيب السابق، (ويستر) وجوباً (جميع بدنها ولا يباشر جسدها بالدلك بل بخرقة كثيفة) يلفها الغاسل على يده ويدلك بها.
(ثم) إذا لم يوجد محرم (يممت) الميتة (لكوعيها) لا لمرفقيها.
(ووجب) على الغاسل (ستر عورته من سرته لركبته [٢]) الذكر مع الذكر والأنثى مع الأنثى. وأما الذكر المحرم مع الأنثى فيستر جميع بدنها كما مر. وكذا إن غسلت الأنثى المحرم رجلاً من محارمها وقيل بل تستر العورة فقط.
(وندب) ستر العورة (لأحد الزوجين) بغسل صاحبه (كأمة مع سيد) إذا غسل أحدهما الآخر يندب له ستر العورة، ولا يجب وظاهر المصنف الوجوب وهو ضعيف.
(و) ندب (سدر) وهو ورق النبق. وأشار لكيفية الوجه المندوب بقوله: (يسحق) السدر (ويضرب بماء قليل) في إناء حتى تبدو له رغوة ثم (يعرك به جسده) لإزالة الوسخ ثم يفاض عليه الماء المطلق حتى يزول، فهذه هي الغسلة الأولى.
فإن لم يوجد سدر (فكصابون)
ــ
بشيء مما يمضي به الفاسد من دخول ونحوه. ومحل كونه إذا فسد لا يقدم الحي منهما إذا وجد من يجوز منه الغسل. فإن عدم وصار الأمر للتيمم كان غسل أحدهما للآخر من تحت ثوب أحسن لأن غير واحد من أهل العلم أجازه كذا نقل (ح) عن اللخمي. اهـ. من حاشية الأصل أي وموضوع المسألة في نكاح مختلف في فساده.
تنبيه: يقضى لأحد الزوجين -وإن رقيقاً- أذن سيده في الغسل، ولا يكفي إذنه له في الزواج. ويكره تغسيل الرجل امرأته إن تزوج أختها، كما يكره لها تغسيله إن تزوجت غيره، وحيث كان مكروهاً فلا قضاء لهما إن طلباه.
قوله: [وكذا المشتركة]: أي والمعتقة لأجل وأمة القراض، وأمة المديون بعد الحجر، والمتزوجة والمولى منها؛ أي المحلوف على ترك وطئها ولو كانت المدة أقل من أربعة أشهر، والمظاهر منها؛ ففي النوادر كل أمة لا يحل للسيد وطؤها لا يغسلها ولا تغسله، قال في المجموع والظهار والإيلاء يمنعان منه في الأمة لا الزوجة، والفرق أن الغسل في الأمة منوط بإباحة الوطء، وفي الزوجة بالزوجية كما ارتضاه (ر) ولا يضر منع حيض أو نفاس اهـ.
قوله: [ثم الأقرب فالأقرب] إلخ: أي من عصبة المسلمين. وأما الكفار فلا إذ لا علقة لهم به لقول خليل: ولا يترك مسلم لوليه الكافر. لكن لو غسله بحضرة مسلم أجزأ، كما في تغسيل الكتابية زوجها المسلم، ولو على أنه تعبدي.
وقولهم: الكافر ليس من أهل التعبد، مقيد بالتعبد الذي يتوقف على نية له؛ فيقدم ابن فابنه إلى آخر ما ذكر في النكاح. ويقدم الأخ وابنه على الجد كالنكاح. وما أحسن قول الأجهوري:
بغسل وإيصاء ولاء جنازة ... نكاح أخاً وابناً على الجد قدم
وعقل ووسطه بباب حضانة ... وسوه مع الآباء في الإرث والدم
قوله: [ولو بمصاهرة]: لكن يقدم محرم النسب على محرم الرضاع، ومحرم الرضاع على المصاهرة عند الاجتماع.
قوله: [فيستر جميع بدنها]: أي وجوباً، ما عدا الأطراف فيندب كما هو مقتضى الفقه. ويستر وجوباً جميع بدنه وصفة الساتر على ما قال بعضهم أن يعلق الثوب من السقف بينها وبينه ليمنع النظر إلى آخر ما قال المصنف.
قوله: [وقيل بل تستر العورة فقط]: أي وهو المعتمد، فإن لم يوجد ساتر غضت بصرها ولا تترك غسله.
قوله: [فهذه هي الغسلة الأولى]: هذا يخالف قول محشي الأصل عند قول خليل: وللغسل سدر أي في الغسلة التي بعد الأولى، إذ هي بالماء القراح للتطهير.
والثانية بالماء والسدر للتنظيف.
والثالثة بالماء والكافور للتطييب.
وقوله في المجموع: وندب للغسل سدر بغير الأولى لأنها بالقراح، ومثل السدر نحو الصابون وطيب في الأخيرة وأفضله الكافور اهـ. فلعل ما قاله شارحنا هنا وفيما يأتي طريقة، وما قاله الشيخان طريقة أخرى وعلى كل حال فالغسل صحيح وإنما الاختلاف في الكيفية.
стр. 194
أي صابون أو نحوه من أشنان أو غاسول يعرك به جسده، ثم يفيض عليه الماء للتنظيف.
(و) ندب (تجريده) أي الميت من ثيابه بعد ستر عورته كما تقدم، (ووضعه على مرتفع): حين غسل لأنه أمكن لغاسله.
(و) ندب (إيتاره): أي الغسل؛ أي جعله وتراً ثلاثاً أو خمساً (لسبع) ثم المدار على الإنقاء. (ولا يعاد) الغسل (كوضوئه): لا يعاد. (لخروج نجاسة) بعده (وغسلت) النجاسة فقط إن خرجت بعد الوضوء أو الغسل.
(و) ندب (عصر بطنه) حال الغسل (برفق) لا بشدة لإخراج ما في بطنه من النجاسة.
(و) ندب حينئذ (كثرة صب الماء في) حال (غسل مخرجيه) لإزالة النجاسة، وتقليل العفونة؛ لأن الشأن في الأموات كثرة ذلك.
(و) لا يفضي الغاسل بيده لغسل ذلك بل (يلف خرقة كثيفة بيده): حال غسل العورة من تحت السترة، (وله الإفضاء) للعورة (إن اضطر) له.
(و) ندب (توضئته أولاً) أي في أول الغسلات (بعد إزالة ما عليه): أي الميت (من أذى) نجاسة أو وسخ، بالسدر أو الصابون، فإذا أزاله شرع في توضئته كالجنابة؛ فيغسل يديه إلى كوعيه ثلاثاً، ويمضمضه بأن يضع الماء في فمه عند إمالة رأسه.
(و) ندب (تعهد أسنانه و) تعهد (أنفه) عند الاستنشاق بعد المضمضة (بخرقة نظيفة) كمنديل.
(و) ندب حينئذ (إمالة رأسه برفق) للتمكن من غسل الفم والأنف، ولئلا يدخل الماء في جوفه (لمضمضة) أي واستنشاق، ثم يتمم وضوءه مرة مرة، ثم يجعله على شقه الأيسر فيغسل الأيمن، ثم يديره على الأيمن فيغسل الأيسر بعد تثليث رأسه، ثم يجعل الكافور في ماء فيغسله به للتبريد. ولا يعيد الوضوء ولو خرجت منه نجاسة كما تقدم وهذه هي الغسلة الثالثة.
وهذا معنى قول بعضهم: الأولى بسدر للتنظيف، والثانية بمطلق للتطهير، والثالثة بكافور للتبريد، فإن احتيج بعد ذلك للخامسة أو السابعة لكون جسده يحتاج لذلك من أجل دمامل أو جدري أو نحو ذلك زاد ما يحتاج إليه الحال.
وندب (عدم حضور غير معين) للغاسل، وكره حضور غيره.
(و) ندب (كافور في) الغسلة (الأخيرة) كما تقدم.
(و) ندب (تنشيفه [١]): أي الميت بخرقة طاهرة قبل إدراجه في الكفن.
(و) ندب (عدم تأخير التكفين): أي إدراجه في الكفن (عن الغسل) لما في الإسراع من الاهتمام بأمره، ولئلا تخرج نجاسة منه فيحتاج لإزالتها.
(و) ندب (اغتسال الغاسل) للميت بعد فراغه من غسله.
(و) ندب (بياض الكفن) من كتان أو قطن وهو أولى، (وتجميره)، بالجيم. أي تبخيره بالعود ونحوه (والزيادة على) الكفن (الواحد)؛ فالاثنان أفضل من الواحد
ــ
قوله: [يعرك به جسده] إلخ ونص ابن ناجي في شرح الرسالة وقول الشيخ: بماء وسدر مثله في المدونة. وأخذ اللخمي منه جواز غسله بالماء المضاف كقول ابن شعبان. وأجيب بأن المراد أنه لا يخلط الماء بالسدر، بل يحك الميت بالسدر ويصب عليه الماء. وهذا الجواب عندي متجه، وهو اختيار أشياخي والمدونة قابلة لذلك.
قوله: [وندب تجريده]: قال في المجموع: وتغسيله ﷺ في ثوبه تعظيم، وغسله العباس وعلي والفضل وأسامة وشقران مولاه ﷺ وأعينهم معصوبة، ومات ضحوة يوم الاثنين. ودفن ليلة الأربعاء، فما يقال استمر ثلاثة أيام بلا دفن في جعل الليلة يوماً تغليباً وتأخيره للاجتماع اهـ.
قوله: [لخروج نجاسة]: أي ولا إيلاج.
قوله: [إن اضطر له]: وفي (بن) استحباب عدم المباشرة قال اللخمي: ومنعه ابن حبيب وهو أحسن؛ لأن الحي إذا كان لا يستطيع إزالتها لعلة أو غيرها إلا بمباشرة غيره فإنه لا يجوز أن يوكل من يمس فرجه لإزالة ذلك، ويجوز أن يصلي على حالته فهو في الموت أولى بذلك، إذ لا يكون الميت في إزالة تلك النجاسة أعلى من الحي.
قوله: [بخرقة نظيفة]: أي غير الخرقة التي غسل بها مخرجه.
قوله: [ثم يجعل الكافور في ماء]: اعلم أن الندب يحصل بأي نوع من الطيب في ماء الغسلة الأخيرة وأفضله الكافور لمنعه سرعة التغير، وإمساكه للجسد، ويؤخذ من هنا أن الأرض التي لا تبلى أفضل، وعكس الشافعي فقال بأفضلية التي تبلى، قال في المجموع وقد يقال إنا قبل الدفن مأمورون بالحفظ فتدبر. قوله: [وهذا معنى قول بعضهم]: تقدم التنبيه على أن هذا مخالف لقول محشي الأصل والمجموع.
قوله: [وندب اغتسال الغاسل]: أي لأمر النبي ﷺ به كما في حديث أبي هريرة الذي في الموطأ: «من غسل ميتاً فليغتسل».
وقد اختلف العلماء في ذلك فقال بعضهم: إن الأمر هنا تعبدي لا معلل، وحمله على مقتضاه من الوجوب، وقال بعضهم: إنه معلل وحمله على الندب، ثم اختلفوا في العلة؛ فمنهم من قال: إنما أمر بالغسل لأجل أن يبالغ في غسل الميت لأنه إذا غسل الميت موطناً نفسه على الغسل لم يبال بما يتطاير عليه منه، فكان سبباً لمبالغته في غسله. ومنهم من قال: ليس معنى أمره بالغسل أن يغسل جميع بدنه كغسل الجنابة، وإنما معناه أن يغسل ما باشره به أو تطاير عليه منه لأنه ينجس بالموت، وإلى هذا ذهب ابن شعبان، وعلى كلا القولين لا يحتاج هذا الغسل لنية فليس كغسل الجنابة، وإنما لم يؤمر بغسل ثيابه على الثاني للمشقة.
قوله: [وندب بياض الكفن] إلخ: قال (ح) عن سند ويندب أن يكون قطناً لأنه أستر، قال (ح): وفيه نظر؛ لأن
стр. 195
وإن كان وتراً. (و) ندب (وتره): أي الكفن، فالثلاثة أفضل من الاثنين ومن الأربعة.
(و) ندب (تقميصه) أي إلباسه قميصاً (وتعميمه) بعمامة. (و) ندب (عذبة فيها) قدر ذراع تجعل على وجهه، (وأزرة) بوسطه أقلها من سرته لركبته. فإن زادت على ذلك فأحسن (ولفافتان) فهذه خمسة [١] أفضل كفن الذكر.
(والسبع للمرأة) أي الأنثى لا الذكر (بزيادة لفافتين) على الأزرة والقميص واللفافتين؛ فتكون اللفائف التي تدرج فيها أربعة (و) ندب (خمار) يلف على رأسها ووجهها (بدل العمامة) للرجل؛ فالمجموع للمرأة سبع.
(و) ندب (حنوط): من كافور أو فيه كافور أو غيره يزر [٢] (داخل كل لفافة) من الكفن، (و) يجعل (على قطن، يلصق) القطن (بمنافذه) عينيه وأنفه وفمه وأذنيه ومخرجه، (ومساجده): جبهته وكفيه وركبتيه وأصابع رجليه (ومراقه): رفغيه وإبطيه وباطن ركبتيه ومنخره وخلف أذنيه.
ويندب تحنيطه، (وإن) كان الميت (محرماً) بحج أو عمرة لانقطاع التكليف بالموت (و) إن امرأة (معتدة) عدة وفاة أو طلاق (و) لكن إن كان الغاسل لميت مطلقاً محرماً أو معتدة (تولاه): أي الحنوط، أي تولى أمره للميت (غيرهما): لأنهما لا يجوز لهما مس الحنوط. (و) ندب (تكفينه بثياب كجمعته) الشرعية لحصول البركة بثياب مشاهد الخير.
(وهو): أي الكفن (من مال الميت كمؤن التجهيز) من حنوط وسدر وماء وأجرة غاسل وحامل وقبر وغير ذلك من ماله، (يقدم على دين غير المرتهن) لرهن في دينه من مال الميت، فإن كان ماله مرتهناً عند مدين، فالمرتهن أحق بالرهن من الكفن ومؤن التجهيز، فإذا لم يكن للميت مال أو مال ومرتهن (فعلى المنفق بقرابة): كأب لولده الصغير أو العاجز عن الكسب وكابن لوالديه الفقيرين (أو رق) كسيد رقيق (لا) على منفق بسبب (زوجية) فلا يجب على الزوج تكفين زوجته ولا مؤن تجهيزها، ولو كان غنياً وهي فقيرة على المذهب فإن لم يكن له مال ولا منفق (فمن بيت المال) فإن لم يكن (فعلى المسلمين) فرض كفاية (والواجب) من الكفن للذكر (ستر العورة) ما بين السرة والركبة (والباقي) وهو ما يستر بقية البدن حتى الرأس والرجلين (سنة) على أحد المشهورين والثاني أن ستر جميع البدن واجب، قال الشيخ في توضيحه وهو ظاهر كلامهم.
وأما المرأة فيجب ستر جميع بدنها قولاً واحداً، وما زاد على الكفن الواجب أو السنة فمندوب كما تقدم. (و) ندب (مشي مشيع) للجنازة. (و) ندب (تقدمه) عليها (وإسراعه) في المشي (بوقار) وسكينة لا بهرولة. (و) ندب (تأخير [٣] راكب) عنها (و) تأخر (امرأة) وإن ماشية، وتأخرها أيضاً عن الرجال. (و) ندب (سترها): أي المرأة الميتة (بقبة): من جريد أو غيره يجعل على النعش، ويلقى عليه ثوب أو رداء لمزيد الستر.
ثم شرع يتكلم على الصلاة على الجنازة وأركانها فقال: (وأركان الصلاة) على الجنازة خمسة:
ــ
من الكتان ما هو أستر من القطن.
والظاهر أن يقال لأن النبي ﷺ كفن فيه، ولكونه أبهج بياضاً.
قوله: [وإن كان وتراً]: أي فمحل كون الإيتار أفضل من الشفع إذا كان غير واحد، وإذا شح الوارث لا يقضى إلا بواحد كما في الخرشي، وفي (عب): ثلاث، فإن أوصى بزائد ففي ثلثه إن لم يكن أوصى بمنهي عنه.
قوله: [وندب تقميصه] إلخ: قال في التوضيح: والمشهور من المذهب أن الميت يقمص ويعمم أما استحباب التعميم فهو في المدونة، وأما استحباب التقميص ففي الواضحة عن مالك.
قوله: [وأزرة]: أي تحت القميص أو سراويل بدلها وهو أستر منها.
قوله: [فهذه خمسة]: أي الأزرة واللفافتان والقميص والعمامة.
قوله: وندب خمار: سمي بذلك لتخمير الرأس والعنق أي تغطيتها به.
قوله: [أو فيه كافور] إلخ: أي فالمراد بالحنوط: الطيب بأي نوع من مسك أو زبد أو شند أو عطر شاه أو عطر ليمون أو ماء ورد، والأكمل أن يكون فيه كافور.
قوله: [ومراقه]: أي ما رق من جسده.
قوله: [ورفغيه]: هما أعلى الفخذين مما يلي العانة.
قوله: [لأنه لا يجوز لهما]: مفهومه لو تحيلاً في عدم مسه فإنه يجوز لهما توليته ولو كان هناك من يتولاه غيرهما وهو كذلك.
قوله: [بثياب كجمعته]: أي وقضي له به عند التنازع إلى أن يوصى بأقل من ذلك، كذا في الأصل.
قوله: [غير المرتهن]: ومثله كل مال تعلق حق الغير بعينه؛ كالعبد الجاني، وأم الولد وزكاة الحرث والماشية، بل ولو كان الكفن مرهوناً فالمرتهن أحق به.
تنبيه: إن سرق الكفن طلب كالابتداء. ثم إن وجد الأول فتركة كأن ذهب منه الميت.
قوله: [كسيد رقيق]: فلو مات السيد وعبده وعنده ما يكفن به أحدهما فقط، كفن العبد لأن لا حق له في بيت المال، ويكون السيد على بيت المال لكونه من فقراء المسلمين نقله الحطاب.
مسألة: لو مات الأب والابن القاصر وكان عند الأب كفن واحد، قيل: يقدم الأب وهو الأظهر، وقيل يتحاصان، ولو مات الأب والأم الفقيران وكان ولدهما لا يقدر إلا على كفن واحد، قيل يتحاصان، وقيل تقدم الأم.
قوله: [على المذهب]: ومقابله قولان يلزمه مطلقاً أو إن كانت فقيرة.
قوله: [قال الشيخ في توضيحه]: أي ويؤيده القضاء به عند التنازع.
قوله: [لا بهرولة]: أي لأنها تنافي الخشوع، واستحبت الشافعية القرب من الميت حال تشييعه للاعتبار، والحنفية التأخر في صفوف الصلاة تواضعاً في الشفاعة.
قوله: [وندب سترها] إلخ: أي في حال
стр. 196
أولها (النية) بأن يقصد الصلاة على هذا الميت أو على من حضر من أموات المسلمين. ولا يشترط معرفة كونه ذكراً أو أنثى. ولا يضر عدم استحضار أنها فرض كفاية ولا اعتقاد أنها ذكر فتبين أنها أنثى ولا عكسه؛ إذ المقصود هذا الميت.
(و) ثانيها: (أربع تكبيرات) كل تكبيرة بمنزلة ركعة في الجملة.
(فإن زاد) الإمام خامسة عمداً أو سهواً (لم ينتظر) بل يسلمون قبله وصحت لهم وله أيضاً إذ التكبير ليس كالركعات من كل وجه، فإن انتظروا سلموا معه وصحت. (وإن نقص) عن الأربع (سبح له، فإن رجع) وكبر الرابعة كبروا معه وسلموا بسلامه؛ (وإلا) يرجع (كبروا) لأنفسهم وسلموا وصحت، وقيل تبطل لبطلانها على الإمام. وإنما خالفت صلاة الجنازة غيرها لأن بعض السلف كان يرى أنها أكثر من أربع تكبيرات، وبعضهم يرى أنها أقل.
(و) ثالثها (دعاء له) أي للميت (بينهن) أي التكبيرات (بما تيسر) ولو "اللهم اغفر له". (ودعاء بعد) التكبيرة (الرابعة إن أحب)، وإن أحب لم يدع وسلم (يثني): بفتح: المثلثة وتشديد النون المكسورة: أي يأتي بضمير التثنية أو بالاسم الظاهر مثنى إن كان الميت اثنين، (ويجمع إن احتاج) للتثنية أو الجمع بأن كانوا جماعة، فيقول إن كانا اثنين: "اللهم إنهما عبداك وابنا عبديك وابنا أمتيك كانا يشهدان" إلخ وإن كانوا جماعة قال: " اللهم إنهم عبيدك وأبناء عبيدك وأبناء إمائك كانوا يشهدون" إلخ، وإن شاء قال في الاثنين: "اللهم اغفر لهما وارحمهما"، وقال في الجماعة: "اللهم اغفر لهم وارحمهم" (يغلب) بضم الياء التحتية وتشديد اللام مكسورة (المذكر على المؤنث) إن اجتمع ذكور وإناث. (وإن والاه): أي التكبير -بأن [١] يدع بعد كل تكبيرة - (أو) دعا (وسلم بعد ثلاث عمداً، أعاد) الصلاة. وكذا إن سلم بعد ثلاث سهواً وطال (إن لم تدفن) الجنازة، فإن دفنت فلا إعادة في الصورتين، وقيل لا إعادة في الأولى وإن لم تدفن. فقول الشيخ: "وإن دفنت فعلى القبر" لا يعول عليه.
(و) رابعها (تسليمة) واحدة يجهر بها الإمام بقدر التسميع. (وندب لغير الإمام إسرارها و) خامسها:
ــ
الحمل والدفن.
قوله: [أولها النية]: أي وحينئذ فتعاد على من لم تنو عليه كاثنين اعتقدهما واحداً إلا أن يعين واحداً، فتعاد على غيره، وأما إن اعتقد الواحد متعدداً فإنه لا يضر لأن الجماعة تتضمن الواحد.
تنبيه: لا يشترط وضعها على الأعناق في الأظهر.
قوله: [أربع تكبيرات]: أي لانعقاد الإجماع زمن الفاروق عليها بعد أن كان بعضهم يرى التكبير أربعاً، وبعضهم خمساً وهكذا إلى سبع، والذي لابن ناجي أن الإجماع انعقد بعد زمن الصحابة على أربع، ما عدا ابن أبي ليلى فإنه يقول إنها خمس، ومثل ما لابن ناجي ما للنووي على مسلم. .اهـ. من حاشية الأصل.
قوله: [كل تكبيرة بمنزلة ركعة]: فإذا كبر على جنازة وطرأت جنازة أخرى فلا يشركها معها، بل يتمادى في صلاته على الأولى حتى يتمها، ثم يبتدئ الصلاة على الثانية قال أبو الحسن: لأنه لا يخلو؛ إما أن يقطع الصلاة ويبتدئ عليهما جميعاً وهذا لا يجوز لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]، أو لا يقطع ويتمادى عليهما إلى أن يتم تكبير الأولى ويسلم، وهذا يؤدي إلى أن يكبر على الثانية أقل من أربع، أو يتمادى إلى أن يتم التكبير على الثانية، فيكون قد كبر على الأولى أكثر من أربع، فلذا منع من إدخالها معها.
قوله: [لم ينتظر]: هذا مذهب ابن القاسم، وقال أشهب إنه ينتظر ويسلمون معه.
قوله: [صحت]: أي فيما يظهر مراعاة لقول أشهب: وسواء كانت الزيادة عمداً أو سهواً أو تأويلاً.
قوله: [وإن نقص]: أي سهواً، وأما عمداً فسيأتي.
وحاصله أن الإمام إذا سلم عن أقل من أربع فإن مأمومه لا يتبعه، بل إن نقص ساهياً سبح له، فإن رجع وكمل سلموا معه، وإن لم يرجع وتركهم كبروا لأنفسهم، وصحت صلاتهم مطلقاً سواء تنبه عن قرب وكمل صلاته أم لا، هذا هو المعتمد. وإن كان نقص عمداً وهو يراه مذهباً لم يتبعوه، وأتموا بتمام الأربع، وصحت لهم وله وإن كان لا يراه مذهباً - بطلت عليهم. ولو أتوا برابعة تبعاً لبطلانها على الإمام، وحينئذ فتعاد إن لم تدفن كما سيأتي.
قوله: [دعاء له]: أي من إمام ومأموم؛ لأن المطلوب كثرته للميت، وأوجب الشافعية الفاتحة بعد الأولى، والصلاة على النبي ﷺ بعد الثانية. ومن الورع مراعاة الخلاف، قال شيخنا في مجموعه: والأظهر أن الاقتصار على الفاتحة لا يكفي عندنا، ويبعد إدراج الميت في نستعين اهدنا الصراط. نعم يظهر كفاية من سمع دعاء الإمام فأمن عليه، لأن المؤمن أحد الداعين كما قالوه في: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ [يونس: ٨٩] أن موسى كان يدعو وهارون كان يؤمن.
قوله: [إن أحب]: وقال اللخمي وجوباً، والمشهور خلافه، ولذا قال المصنف إن أحب.
قوله: [يثني] إلخ: أي يتبع في دعائه الألفاظ العربية فلو دعا بملحون فالعبرة بقصده والصلاة صحيحة.
قوله: [لا يعول عليه] أي لأن الذي ارتضاه (ر) وتبعه في الحاشية إذا دفنت لا إعادة في الأولى ولا في الثانية كما هو قول يونس.
قوله: [تسليمة]: أي لكل من الإمام والمأموم فلا يرد المأموم ولا على إمامه ولا على من على يساره خلافاً
стр. 197
(قيام لها لقادر) على القيام لا لعاجز عنه وهذا مما زدناه عليه.
(و) إن سبق أحد بالتكبير مع الإمام والمأموم: بأن شرعوا في الدعاء، (صبر المسبوق) به وجوباً (للتكبير)، أي إلى أن يكبروا فلا يكبر حال اشتغالهم بالدعاء لأنه كالقاضي خلف الإمام، (فإن كبر صحت ولا يعتد بها) عند الأكثر من الأشياخ (ودعا) المسبوق بعد تكبيره الكائن بعد سلام الإمام (إن تركت) الجنازة (وإلا) بأن رفعت (والى) التكبير بلا دعاء وسلم.
(وندب رفع اليدين) حذو المنكبين (بالأولى) أي عند التكبيرة الأولى (فقط)
(و) ندب (ابتداء الدعاء بحمد الله والصلاة على نبيه ﷺ بأن يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. وأحسن الدعاء ما روي عن أبي هريرة ﵁ وهو: " اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده"، فإن كانت امرأة قال: "اللهم إنها أمتك وبنت عبدك وبنت أمتك كانت تشهد" إلخ.
(و) ندب (إسراره) أي الدعاء.
(و) ندب (وقوف إمام وسط) الميت (الذكر وحذو منكبي غيره)، من أنثى أو خنثى جاعلاً (رأس الميت عن يمينه) أي الإمام، (إلا في الروضة) الشريفة فتجعل رأسه على يسار الإمام تجاه رأس النبي ﷺ ، وإلا لزم قلة الأدب.
(والأولى بالصلاة) على الميت (وصي رجي خيره) أوصى الميت بأن يصلي عليه (فالخليفة) إن لم يكن وصي (لا فرعه) أي نائبه فلا حق له في الصلاة على غيره (إلا إذا ولي الخطبة) من الخليفة فيكون كالخليفة أولى من العصبة، (ثم الأقرب فالأقرب من عصبته) فيقدم ابن فابنه فأب فأخ فابنه، فجد فعم فابنه إلخ، وقدم الشقيق على غيره (وأفضلهم عند التساوي ولو) كان الأفضل (ولي امرأة) صلى عليها مع رجل.
(وصلت النساء) عند عدم الرجال (دفعة): أي في آن واحد (أفذاذاً) إذ لا تصح إمامتهن، ويلزم على ترتبهن تكرار الصلاة.
(و) ندب (اللحد): وهو أن يحفر في أسفل القبر جهة قبلته من المغرب للمشرق بقدر ما يوضع فيه الميت (في الأرض الصلبة) بضم الصاد المهملة أي المتماسكة التي لا تنهال (وإلا) تكن الأرض صلبة (فالشق): بأن يحفر وسط القبر بقدر الميت ويسد باللبن كما يأتي.
(و) ندب (وضعه على) شق (أيمن مقبلاً) بفتح القاف والباء المشددة أي مجعولاً وجهه للقبلة.
(و) ندب (قول واضعه) في قبره (بسم الله) أي وضعته (وعلى سنة رسول الله ﷺ ، اللهم تقبله بأحسن قبول).
ــ
لابن حبيب القائل بندب رده على الإمام إن سمعه، ولابن غانم من ندب رد المأموم على الإمام وعلى من على اليسار.
قوله: [قيام لها]: أي على القول بأنها فرض كفاية، وإلا فلا يجب القيام.
قوله: [لأنه كالقاضي] إلخ: أي لأن كل تكبيرة بمنزلة ركعة في الجملة.
قوله: [ولا يعتد بها] إلخ: هذا قول ابن القاسم وكأن وجهه أنه كمن أدرك الإمام في التشهد. فالتكبير عنده يفوت بمجرد الشروع في الدعاء، ومقابله ما قاله (عب): مقتضى سماع أشهب اعتداده بها، بل الذي في سماع أشهب أنه إذا جاء وقد فرغ الإمام ومأمومه من التكبير، واشتغلوا بالدعاء فإنه يدخل معهم ولا ينتظر لأنه لا تفوت كل تكبيرة إلا بالتي بعدها اهـ. (بن) من حاشية الأصل.
قوله: [والى التكبير]: أي لئلا تصير صلاة على غائب، واستشكل هذا بأن الصلاة على الغائب مكروهة كما يأتي، والدعاء ركن كما تقدم، فكيف يترك الركن خشية الوقوع في مكروه؟ وأجيب: بأن الدعاء ركن لغير المسبوق كما قالوا في القيام لتكبيرة الإحرام في الفرض العيني، وما ذكره المصنف من التفصيل بين ما إذا تركت فيدعو، وإذا لم تترك فيوالي التكبير أيده، (بن)، والذي ارتضاه في الحاشية تبعاً للرماصي: أن المسبوق إذا سلم إمامه فإنه يوالي التكبير مطلقاً.
قوله: [عند التكبيرة الأولى فقط]: أي وأما في غير أولاه فخلاف الأولى. هذا هو المشهور.
قوله: [وندب ابتداء الدعاء]: أي إثر كل تكبيرة على المعتمد، وفي الطراز: لا تكن الصلاة والتحميد في كل تكبيرة؛ بل في الأولى ويدعو في غيرها. وعزاه ابن يونس للنوادر.
قوله: [وابن عبدك] إلخ: لم يكن في مسودة المؤلف لفظ أمتك ولعلها مسقطة.
قوله: [وندب إسراره]: أي ولو صلى عليها ليلاً.
قوله: [وسط الميت]: أي عند وسطه من غير ملاصقة، بل يسن أن يكون بينهما فرجة قدر شبر وقيل قدر ذراع.
قوله: [أوصى الميت]: أي لرجاء خيره، وأما لو أوصاه لإغاظة أوليائه لعداوة لم تنفذ وصيته بذلك.
قوله: [أي نائبه]: أي في الحكم فقط بدليل ما بعده.
قوله: [فيقدم ابن] إلخ: أي كما تقدم في النظم.
قوله: [ولو ولي امرأة]: مبالغة في محذوف، والتقدير: كاجتماع جنائز فيقدم الأفضل ولو ولي امرأة.
قوله: [ويلزم على ترتبهن] إلخ: أي وهو مكروه.
قوله: [وندب اللحد]: إنما فضل لخبر: «اللحد لنا والشق لغيرنا».
قوله: [للقبلة]: أي لأنها أشرف
стр. 198
(وتدورك) الميت (إن خولف) بأن جعل ظهره للقبلة، أو نكس بأن جعل رجلاه مكان رأسه بأن يحول إلى الحالة المطلوبة (إن لم يسو عليه التراب)، وإلا ترك وشبه في مطلق التدارك قوله: (كترك الغسل أو الصلاة) عليه فإنه يتدارك ويخرج من القبر لهما ولو سوي عليه التراب (إن لم يتغير) الميت (وإلا) -بأن مضى زمن يظن به تغيره (صلى على القبر ما بقي) أي مدة ظن بقاء الميت (به)، أي فيه ولو بعد سنين، وهذا ظاهر إذا غسل وإلا ففيه نظر.
(و) ندب (سده) أي اللحد والشق (بلبن) وهو الطوب النيء، فإن لم يوجد (فلوح) من خشب (فقرمود) بفتح القاف وسكون الراء -طوب يجعل على صورة وجوه الخيل، (فقصب) لكن يقدم عليه الآجر بالمد وضم الجيم الطوب المحروق: (وإلا) يوجد شيء من ذلك (فسن التراب) بباب اللحد، وينبغي أن يلت بالماء ليتماسك (أولى) عند العلماء (من) دفنه في (التابوت) أي السحلية تجعل كالصندوق يدفن فيها النصاري أمواتهم وهو من سنتهم.
(و) ندب (رفعه) أي القبر برمل وحجارة أو نحو ذلك (كشبر مسنماً) أي كسنام البعير لا مسطباً.
(و) ندب للناس (تعزية أهله) أي تسليتهم وحملهم على الصبر.
(و) ندب للجار ونحوه (تهيئة طعام لهم) أي لأهل الميت (إلا أن يجتمعوا على محرم) من ندب ولطم ونياحة، فلا.
(و) ندب لأهله (التصبر): أي إظهار الصبر، (والتسليم للقضاء): أي لقضاء الله مالك الملك العليم الخبير، (كتحسين المحتضر): تشبيه في الندب وهو من إضافة المصدر لفاعله و (ظنه) مفعوله: أي يندب للمحتضر أن يحسن ظنه (بالله بقوة الرجاء فيه)، أي بسبب قوة رجائه في الله تعالى، أي فيما عنده من الكرم والرحمة والمسامحة، لأنه أكرم الأكرمين يعفو عن السيئات ويقيل العثرات فيقدم الرجاء على الخوف.
(و) يندب للحاضر عنده (تلقينه الشهادتين بلطف) بأن يقول عنده: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" ولا يقول له: "قل"، ولا يلح عليه لأن الساعة ساعة ضيق وكرب، وربما كان الإلحاح عليه سبباً في تغيره والعياذ بالله تعالى أو زيادة الضيق عليه.
(ولا يكرر) التلقين عليه (إن نطق بهما إلا أن يتكلم بأجنبي) من الشهادتين فيلقن ليكون آخر كلامه من الدنيا التكلم بهما.
(و) ندب (استقباله) للقبلة (عند شخوصه) ببصره
ــ
المجالس، أي وتحل عقد كفنه وتمد يده اليمنى على جسده، ويعدل رأسه بالتراب ورجلاه برفق، ويجعل التراب خلفه وأمامه لئلا ينقلب، فإن لم يتمكن من جعله على شقه الأيمن فعلى ظهره مستقبلاً للقبلة بوجهه، فإن لم يمكن فعلى حسب الإمكان.
قوله [وتدورك الميت]: أي استحباباً.
قوله: [وشبه في مطلق التدارك]: أي لأن هذا التدارك واجب إن لم يخف عليه التغير تحقيقاً أو ظناً فالتشبيه مختلف.
قوله: [وإلا ففيه نظر]: وجه النظر المنافاة لقوله فيما تقدم "وهما متلازمان" ويجاب بما تقدم عن (ر): بأن معنى التلازم في الطلب ابتداء فإن تعذر أحدهما وجب الآخر لما في الحديث الشريف: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم».
قوله: [وهو الطوب النيء]: أي كما فعل به ﵊ وأبي بكر وعمر، وظاهره سواء كان مصنوعاً بالقالب أم لا.
قوله: [الآجر]: وبعد الآجر الحجر.
قوله: [وهو من سنتهم]: ولذا قال ابن عات التابوت مكروه عند أهل العلم وليس هو من عادة العرب، بل هو من عادة الأعاجم وأهل الكتاب.
قوله: [كشبر مسنماً]: إنما استحب ذلك ليعرف به، وإن زيد على الشبر فلا بأس به، وكراهة مالك لرفعه محمولة على رفعه بالبناء لا رفع ترابه عن الأرض مسنماً، وعلى هذا تأولها عياض بأن قبره ﵊ مسنم كما في البخاري وكذا قبر أبي بكر وعمر وهو أثبت من رواية تسطيحها، لأنه زي أهل الكتاب وشعار الروافض. اهـ. خرشي.
قوله: [تعزية أهله]: أي لخبر: «من عزى مصاباً كان له مثل أجره»، قال الجوهري: هي الحمل على الصبر بوعد الأجر والدعاء للميت والمصاب. ابن حبيب في التعزية ثواب كثير، ابن القاسم ثلاثة أشياء: أحدها: تهوين المصيبة على المعزى وتسليته عنها وحضه على التزام الصبر واحتسابه الأجر والرضا بالقدر والتسليم لأمر الله تعالى.
الثاني: الدعاء بأن يعوضه الله تعالى عن مصابه جزيل الثواب.
الثالث: الدعاء للميت والترحم عليه والاستغفار له. ويجوز أن يجلس الرجل للتعزية كما فعل النبي ﷺ حين جاء خبر جعفر وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ومن قتل معهم بمؤتة، اسم مكان. وواسع كونها قبل الدفن وبعده، والأولى عند رجوع الولي إلى بيته.
قوله: [أي لأهل الميت]: أي لاشتغالهم بميتهم، وجمع الناس على طعام بيت الميت بدعة مكروهة لم ينقل فيها شيء وليس ذلك موضع ولائم. وأما عقر البهائم وذبحها على القبر فمن أمر الجاهلية مخالف لقوله ﷺ : «لا عقر في الإسلام»، قال العلماء العقر الذبح على القبر. كذا في الحاشية.
قوله: [فيقدم الرجاء على الخوف]: أي وأما الصحيح ففيه أقوال ثلاثة: قيل مثل المحتضر وهو لابن العربي، وقيل: يعتدل عنده جانب الخوف والرجاء فيكون كجناحي الطائر متى رجح أحدهما سقط، وقيل: يطلب منه غلبة الخوف ليحمله على كثرة العمل، وهذا هو التحقيق عندنا.
قوله: [تلقينه الشهادتين]: أي لحديث: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله»
стр. 199
(على شقه الأيمن ثم) إذا تعسر على الشق الأيمن فعلى (ظهره) رجلاه للقبلة.
(و) ندب (تجنب): أي تباعد (جنب وحائض وتمثال وآلة لهو) لأن ملائكة الرحمة تنفر من ذلك.
(و) ندب (إحضار طيب) كبخور عود أو جاوي عند المحتضر لأن الملائكة تحبه.
(و) ندب إحضار (أحسن أهله) خلقاً وخلقاً (و) أحسن (أصحابه) ممن كان يحبهم ولا ينبغي إحضار الوارث إلا أن يكون ابناً وزوجة ونحوهما.
(و) ندب (دعاء) من الحاضرين: لأنفسهم وللميت لأنه من أوقات الإجابة.
(و) ندب (عدم بكى) بالقصر وهو الخفي الذي لا يرفع فيه الصوت لأن التصبر [١] أجمل.
(و) ندب (تغميضه) أي قفل عينيه (وشد لحييه) بعصابة (إذا قضي) أي خرجت روحه بالفعل، فلا يغمض قبل ذلك كما يفعله الجهلة.
(و) ندب (رفعه) بعد موته (عن أرض [٢]) على طراحة أو سرير لئلا تسرع له الهوام
(وستره بثوب وإسراع تجهيزه) خوفاً من تغيره (إلا كالغرق) بكسر الراء: أي الغريق، ومن مات تحت هدم أو فجأة؛ فإنه يؤخر ولا يسرع بتجهيزه حتى تظهر أمارات التغير وتحقق موته لاحتمال أن يكون حياً ثم ترد له روحه.
(و) ندب (زيارة القبور بلا حد) بيوم أو وقت أو ليل أو نهار، (والدعاء والاعتبار) أي الاتعاظ وإظهار الخشوع (عندها) أي القبور، ويكره الأكل والشرب والضحك وكثرة الكلام، وكذا قراءة القرآن بالأصوات المرتفعة واتخاذ ذلك عادة لهم كما يقع في قرافة مصر، وربما خرجوا عن قانون القراءة إلى قانون الغناء والتمطيط وتقطيع الحروف كما هو مشاهد وهو لا يجوز.
ثم شرع في الكلام على الجائزات فقال: (وجاز غسل امرأة) من إضافة المصدر لفاعله ومفعوله قوله (ابن ثمان) أي يجوز للمرأة أن تغسل صبياً ابن ثمان سنين فأولى من دونه، لا ابن تسع، وإن جاز لها النظر لعورته.
(و) جاز (غسل رجل كرضيعة) أي رضيعة وما قاربها كزيادة شهر على مدة الرضاع لا بنت ثلاث سنين،
ــ
ليكون ذلك آخر كلامه وليطرد به الشياطين الذين يحضرونه لدعوى التبديل والعياذ بالله. ولا يلقن إلا بالغ، وظاهر الرسالة مطلقاً والمدار على التمييز.
قوله: (أي خرجت روحه بالفعل): وعلامة ذلك أربع: انقطاع نفسه. وإحداد بصره، وانفراج شفتيه فلا ينطبقان، وسقوط قدميه فلا ينتصبان. ومن علامة البشرى لأهل الخير الذين لا يلحقهم عذاب كما قيل وقيل -علامة الإيمان مطلقاً- أن يصفر وجهه ويعرق جبينه وتذرف عيناه دموعاً، ومن علامات السوء والعياذ بالله أن تحمر عيناه وتربد شفتاه، ويغط كغطيط البكر وتربد -بالباء. الموحدة بعدها دال مشددة - لون الغبرة.
قوله: [لئلا تسرع له الهوام]: أي لمفارقة الحفظة له بخروج روحه.
قوله: [وستره بثوب]: أي زيادة على ما عليه حال الموت، وقال بعضهم يغطى وجهه لأنه ربما يتغير من المرض فيظن من لا معرفة له ما لا يجوز.
تنبيه: قال حلولو في قول خليل وتليين مفاصله برفق ورفعه عن الأرض، ووضع ثقيل على بطنه - ما ذكره من هذه المندوبات: لم أر من نبه عليها من الأصحاب وهي منصوصة للشافعية اهـ.
قوله: [خوفاً من تغيره]: وتأخيره ﵊ للأمن من ذلك؛ واستثنوا من قاعدة العجلة من الشيطان ست مسائل: التوبة، والصلاة إذا دخل وقتها، وتجهيز الميت عند موته إلا ما استثني، ونكاح البكر إذا بلغت وتقديم الطعام للضيف إذا قدم، وقضاء الدين إذا حل. وزيد تعجيل الأوبة من السفر ورمي أيام التشريق، وإخراج الزكاة عند حلولها.
قوله: [بلا حد]: أي في أصل الندب، فلا ينافي التأكد في الأوقات التي ورد الأمر فيها بخصوصها كيوم الجمعة ورد عنه ﵊: «من زار والديه كل جمعة غفر له وكتب باراً»، وعن بعضهم: أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوماً قبله ويوماً بعده، وعن بعضهم: عشية الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت إلى طلوع الشمس، قال القرطبي: ولذلك يستحب زيارة القبور ليلة الجمعة ويومها، ويكره السبت فيما ذكره العلماء، لكن ذكر في البيان: قد جاء أن الأرواح بأفنية القبور، وأنها تطلع برؤيتها، وأن أكثر اطلاعها يوم الخميس والجمعة وليلة السبت، وفي القرطبي أنه ﵊ قال: «من مر على المقابر وقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات» اهـ. من الحاشية، ومما ورد أيضاً أن يقول العبد عند رؤية القبور: "اللهم رب الأرواح الباقية والأجساد البالية والشعور المتمزقة، والجلود المتقطعة والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة أنزل عليها روحاً منك وسلاماً مني".
تنبيه: ذكر في المدخل في زيارة النساء للقبور ثلاثة أقوال: المنع، والجواز بشرط التحفظ، والثالث الفرق بين المتجالة فيباح بل يندب، والشابة فيحرم إن خشيت الفتنة.
قوله: [ويكره الأكل والشرب] إلخ: أي لحديث: «زوروا القبور تذكركم الآخرة»، وفي رواية: «زوروا القبور ولا تقولوا هجراً» أي كلاماً لغواً أو باطلاً.
قوله: [وإن جاز لها النظر] إلخ: أي ما لم يناهز الحلم، وإلا فلا يجوز
стр. 200
فلا يجوز للرجل تغسيلها.
(و) جاز (تسخين ماء) للغسل كالبارد.
(و) جاز (تكفين بملبوس) للميت أو غيره -أي عند وجود غيره- وإلا تعين الملبوس، (أو مزعفر أو مورس) أي مصبوغ بزعفران أو ورس لأنهما من الطيب بخلاف المصبوغ بغيرهما فيكره.
(و) جاز (حمل غير أربعة) للنعش من الرجال كأن يحمله اثنان أو ثلاثة.
(و) جاز (بدء بأي ناحية) في حمل السرير (بلا تعيين): قال المصنف:
والمعين مبتدع؛ أي لأنه عين ما لا أصل له في الشرع.
(و) جاز (خروج متجالة) لجنازة مطلقاً (كشابة لم يخش فتنتها) يجوز خروجها (في) جنازة من عظمت مصيبته عليها (كأب) وأم (وزوج وابن) وبنت (وأخ) وأخت، وحرم على مخشية الفتنة مطلقاً، وعلم من هذا النص أن الزوجة المتجالة وغير مخشية الفتنة يجوز لها الخروج لجنازة زوجها مع أنها بموته لزمها الإحداد وعدم الخروج إلا فيما سيأتي بيانه في العدة؛ فيكون هذا من جملة المستثنى.
(و) جاز (نقله): أي الميت من مكان إلى آخر وإن من بلد لأخرى [١] قبل دفنه أو بعده (لمصلحة) كأن يخاف عليه أن يأكله البحر أو السبع، وكرجاء بركته للمكان المنقول إليه أو زيارة أهله أو لدفنه بين أهله ونحو ذلك (إن لم تنتهك حرمته) بانفجاره أو نتانته، وهل من انتهاك حرمته تكسير عظامه بعد يبسه في قبره أو لا؟
(و) جاز (بكى) بالقصر (عند موته وبعده) وقوله (بلا رفع صوت) كالتفسير لبكى المقصور، لأن ما كان برفع صوت يسمى بكاء بالمد وهو لا يجوز.
(و) بلا (قول قبيح) وإلا منع.
(و) جاز (جمع أموات بقبر) واحد (لضرورة)، كضيق مكان أو تعذر حافر ولو ذكوراً وإناثاً أجانب. (و) إذا دفنوا في وقت واحد (ولي القبلة الأفضل) فالأفضل، وقدم الذكر على الأنثى والحر على العبد (وفي الصلاة) عليه (يلي الإمام أفضل رجل) فالأفضل (فالطفل الحر فالعبد) كبير فصغير، (فالخصي) حر كبير فصغير فعبد كبير فصغير (فالمجبوب) كذلك (فالخنثى) كذلك (فالحرة) كبيرة فصغيرة (فالأمة) كذلك.
ثم شرع في بيان المكروهات فقال:
ــ
لها النظر لعورته كما لا يجوز لها تغسيله، فالأقسام ثلاثة: ابن ثمان فأقل يجوز لها تغسيله والنظر لعورته، وابن تسع لاثنتي عشرة فأكثر لا يجوز لها تغسيله ويجوز [٢] لها النظر لعورته، وابن ثلاث عشرة فأكثر لا يجوز لها تغسيله ولا النظر لعورته؛ فلا يلزم من جواز النظر جواز التغسيل، لأن في التغسيل زيادة الجس باليد.
قوله: [فلا يجوز للرجل تغسيلها]: أي وإن كان له نظر عورتها ما لم تطق الوطء لما سبق، والمحرم في الأنثيين أو الذكرين بلوغ أو فتنة بالغ.
قوله: [كالبارد]: واستحب الشافعي البارد لأنه يشد الأعضاء.
قوله: [بملبوس]: أي نظيف طاهر لم يشهد فيه مشاهد الخير وإلا كره في الأولين كما يأتي، وندب في الأخير كما تقدم اهـ. من الأصل.
قوله: [أو ورس]: وهو نبت باليمن أصفر يتخذ منه الحمرة للوجه.
قوله. [بخلاف المصبوغ بغيرهما]: أي كالمصبوغ بالخضرة ونحوها؛ حيث أمكن غيرهما إذ ليس في صبغهما طيب.
قوله: [وجاز حمل غير أربعة]: أي خلافا لمن قال يندب [٣] الأربعة، وهو أشهب وابن حبيب، وفي الخرشي أن ابن الحاجب شهر قول أشهب وابن حبيب باستحباب الأربعة، ومثله في الأجهوري، قال بن: وهو غلط منهما؛ فابن الحاجب لم يشهر إلا ما عند المصنف ونصه ولا يستحب حمل أربعة على المشهور اهـ. من حاشية الأصل.
قوله: [والمعين مبتدع] إلخ: أي للبدء كأشهب وابن حبيب؛ فأشهب يقول: يبدأ بمقدم السرير الأيمن فيضعه الحامل على منكبه الأيمن، ثم بمؤخرة الأيمن، ثم بمقدمه الأيسر، ثم بمؤخره الأيسر. وابن حبيب يقول يبدأ بمقدم يسار السرير، ثم بمؤخر يساره، ثم بمؤخر بيمينه، ثم بمقدم يمينه. كذا في عب.
قوله: (وحرم على مخشية الفتنة مطلقاً): أي وإن عظمت مصيبته عليها.
قوله: [إن لم تنتهك حرمته]: إلا لضرر أعظم.
وقوله: [وهل من انتهاك حرمته تكسير عظامه] إلخ؟ استظهر المؤلف في تقريره أنه من الانتهاك.
قوله: [وإلا منع]: حاصله أن البكى يجوز عند الموت وبعده بقيدين: عدم رفع الصوت، وعدم القول القبيح، وأما معهما أو مع أحدهما فهو حرام، ومحل جواز البكى بالقيدين المذكورين إن لم يجتمعوا له، وإلا كره.
قوله: [بقبر واحد]: أي وبكفن واحد، والمدار على الضرورة وكره جمعهم في قبر واحد لغير ضرورة في فور واحد، وإلا فلا يجوز النبش حيث لم تكن ضرورة، لأن القبر حبس لا يمشى عليه ولا ينبش.
وأما الجمع في كفن واحد لغير ضرورة فحرام.
قوله: [ولي القبلة الأفضل] إلخ: أي فالأفضل يجعل وجهه في الحائط القبلي، والمفضول يجعل خلف ظهره وهكذا، هذا بالنسبة للدفن. وبالنسبة للصلاة يجعل الفاضل يلي الإمام، والمفضول بعده لجهة القبلة، وهكذا عجز [٤] القبر. فالمراتب التي تؤخذ من المتن والشرح عشرون حاصلها: حر كبير، حر صغير، عبد كبير، عبد صغير، خصي حر كبير، خصي حر صغير، خصي عبد كبير، خصي عبد صغير، مجبوب حر كبير، مجبوب حر صغير، مجبوب عبد كبير، مجبوب عبد صغير، خنثى حر كبير، خنثى حر صغير، خنثى عبد كبير، خنثى عبد صغير. حرة كبيرة، حرة صغيرة، أمة
стр. 201
(وكره حلق رأسه) إن كان ذكراً وإلا حرم (وقلم ظفره وضم معه) في كفنه (إن فعل) به ذلك.
(و) كره (قراءة) لشيء من القرآن (عند الموت وبعده على القبور) لأنه ليس من عمل السلف، وإنما كان شأنهم الدعاء بالمغفرة والرحمة والاتعاظ (إلا لقصد تبرك) بالقرآن (بلا عادة) فإنه يجوز.
(و) كره (انصراف عنها) أي الجنازة (بلا صلاة) عليها ولو بإذن أهلها لما فيه من الطعن فيها، (أو) انصراف (بعدها) أي بعد الصلاة (بلا إذن) من أهلها (إن لم يطولوا)، فإن أذنوا بعد الصلاة أو طولوا ولم يأذنوا جاز الانصراف.
(و) كره (صياح خلفها بكاستغفروا لها): أي بـ استغفروا لها ونحوه.
(و) كره (إدخالها المسجد) ولو لغير صلاة.
(و) كره (الصلاة عليها فيه) أي في المسجد ولو كانت هي خارجه.
(و) كره (تكرارها) أي الصلاة على الميت (إن أديت) أولاً جماعة. (وإلا) تؤد جماعة بأن صلى عليها فذ (أعيدت) ندباً (جماعة) لا أفذاذاً، فالصور أربع تكره الإعادة في ثلاث، وتندب في واحدة.
(و) كره (صلاة فاضل على بدعي) لم يكفر ببدعته، (أو) على (مظهر كبيرة) كشرب خمر أي يفعلها عند بعض الناس من غير مبالاة، (أو) على (مقتول بحد) كقاتل أو زان محصن رجم.
(و) كره (تكفين) لميت ولو أنثى (بحرير وخز ونجس وكأخضر ومعصفر) أي مصبوغ بخضرة أو صفرة إذا (أمكن غيره) وإلا لم يكره، ويستثنى من ذلك المورس والمزعفر كما تقدم.
(و) كره (زيادة رجل) أي ذكر ولو صبياً (على خمسة) من الأكفان.
(و) كره زيادة (امرأة على سبعة) لأنه من الإسراف.
(و) كره (اجتماع نساء لبكى سراً) ومنع جهراً كالقول القبيح مطلقاً.
(و) كره (تكبير نعش) لميت صغير لما فيه من المباهاة والنفاق.
(و) كره (فرشه) أي النعش (بحرير) أو خز.
(و) كره (إتباعه) أي الميت (بنار وإن) كانت (ببخور) أي مصاحبة له لما فيه من التشاؤم بأنه من أهل النار.
(و) كره (نداء به) أي بسببه أي صياح (بمسجد أو ببابه) بأن يقال: فلان قد مات فاسعوا لجنازته مثلاً (إلا الإعلام بصوت خفي): أي من غير صياح فلا يكره.
(و) كره (قيام لها): أي للجنازة إذا مروا بها على جالس؛ لأنه ليس من عمل السلف.
(و) كره (الصلاة على) ميت (غائب) ولو في البلد.
ــ
كبيرة، أمة صغيرة. وجمع هؤلاء في الصلاة مطلوب لرجاء البركة، وفي القبر للضرورة. وبقيت صفة أخرى في جمعهم للصلاة، وهي جعلهم صفاً واحداً؛ الأفضل أمام الإمام، ثم المفضول عن يساره. قال الخرشي ويكمل الصف لليسار، والراجح أنه إذا وجد فاضل فعن اليمين أيضاً، ثم مفضول فعن اليسار، وهكذا، ورأس المفضول عند رجل [١] الفاضل، فالتفاوت بالقرب للإمام، وقدم أفضل كل صنف فيه كالأعلم، والشرعي ومن قويت شائبة حريته، ومن لا تخنث فيه على متضح ونحو ذلك كذا في المجموع.
قوله: [وكره حلق رأسه]: أي وكذا سائر شعره غير ما يحرم حلقه في حال الحياة وكما أنه لا يفعل به لا يفعله لنفسه بقصد أن يكون ميتاً على هذه الحالة، وأما إن قصد إراحة نفسه فلا يكره.
قوله: [وإلا حرم]: أي في حق الأنثى الكبيرة التي يكون الحلق فيها مثله.
قوله: [وضم معه]: أي على سبيل الاستحباب لأن هذه الأجزاء لا يجب مواراتها، ولأنها ليست أجزاء حقيقة كاليد والرجل.
قوله: [فإنه يجوز]: أي ولذا استحبه ابن حبيب، وبعضهم يسن.
قوله: [ولو بإذن أهلها]: أي ولو طولوا.
قوله: [وكره صياح خلفها]: أي لأنه ليس من فعل السلف.
قوله: [ولو بغير [٢] صلاة]: أي لاحتمال قذره وللقول بنجاسة الميت وإن كان ضعيفاً.
قوله: [ولو كانت هي خارجة]: أي لأنه ذريعة لدخولها.
قوله: [وتندب في واحدة]: أي وهي ما إذا صليت فذاً وأعيدت جماعة وظاهره ولو تعدد الفذ أو لا.
قوله: [أو على مظهر كبيرة]: ومثله مظهر الصغيرة المصر عليها.
قوله: [رجم]: أي وأما لو كان حده الجلد فلا كراهة في الصلاة عليه، ولو مات به.
قوله: [ونجس]: يؤخذ منه أن لا يشترط في صلاة الميت طهارته بل طهارة المصلى.
قوله: [لما فيه من المباهاة والنفاق]: أي من مظنة النفاق، ومظنة المباهاة وإلا لو حصل بالفعل حرم.
قوله: [وكره فرشه] إلخ: مفهومه أن الستر لا يكره، قال ابن حبيب: ولا بأس أن يستر الكفن بثوب ساج ونحوه، وينزع عند الحاجة، والساج طيلسان أخضر، والظاهر أن المراد هنا مطلق طيلسان سواء كان أحمر أو أخضر ونحو ذلك وظاهره ولو حريراً.
قوله: [لما فيه من التشاؤم]: أي ولأنه من فعل النصارى وإن كان فيها طيب فكراهة ثانية للسرف.
قوله: [فلا يكره]: أي بل هو مندوب لأن وسيلة المطلوب مطلوبة.
قوله: [وكره قيام لها]: قال الخرشي: صادق بثلاث صور:
إحداها للجالس تمر به جنازة، فيقوم لها.
الثانية: أنه يكره لمن يتبعها أن يستمر قائماً حتى توضع.
الثالثة أنه يكره لمن سبق للمقبرة أن يقوم إذا رآها حتى توضع، وأما القيام عليها حتى تدفن فلا بأس به، والقول بنسخه غير صحيح، وفعله علي ﵁ وقال قليل لأخينا قيامنا على قبره وأما القيام للحي فقد أطال القرافي فيه. وحاصله أنه يحرم لمن يحبه ويعجب به، ويكره لمن لا يحبه ويتأذى منه، ويجوز لمن لا يحبه ولا يعجب به، ويستحب للعالم والصهر والوالدين ولمن نزل به هم فيعزى أو سرور فيهنأ وللقادم من السفر؛ وهذا كله ما لم يترتب
стр. 202
وصلاته ﷺ على النجاشي وقد مات في أرض الحبشة - من خصوصياته بدليل أنه لم يصحبه عمل.
(و) كره (تطيين قبر) أي تلبيسه بالطين (أو تبييضه) بالجير (ونقشه) بالحمرة أو الصفرة، (وبناء عليه) أي على القبر نفسه (أو تحويز) عليه ولو بلا قبة إن كان (بأرض مباحة) إما بملك للميت أو غيره بإذنه أو أرض موات (بلا مباهاة) بما ذكر، (وإلا): بأن كان بأرض غير مباحة أو فعل ذلك للمباهاة بكونه كان كبيراً أو أميراً أو نحو ذلك (حرم) لأنه من الإعجاب والكبر المنهي عنهما، وكذا إذا كان البناء أو التحويز ذريعة لإيواء أهل الفساد فيه فيحرم.
(و) كره (مشي عليه) أي على القبر بشرطين (إن كان مسنماً) أو مسطباً، (والطريق دونه) الواو للحال، فإن زال تسنيمه أو لم تكن هناك طريق جاز المشي عليه.
(و) كره (تغسيل من فقد): أي عدم (أكثر من ثلثه) كنصفه فأكثر، ووجد نصفه فأقل.
(و) كرهت (صلاة عليه) لتلازمهما، فإن وجد جله فأكثر وجبا كما تقدم، وشبه في الكراهة قوله: (كمن لم يستهل صارخاً): يكره غسله والصلاة عليه، (ولو تحرك أو بال أو عطس إن لم تتحقق حياته)، فإن تحققت وجبا كما تقدم.
(و) كره (تحنيطه وتسميته) أي السقط.
(و) كره (دفنه بدار وليس) دفنه فيها (عيباً) ترد به إذا بيعت، (بخلاف) دفن (الكبير) فيها فإنه عيب ترد به.
(وغسل دمه): أي السقط (ولف بخرقة وووري) وجوباً فيهما وندباً في الأول.
(وحرما): أي الغسل والصلاة (لكافر وإن صغيراً
ــ
على تركه فتنة فيجب. اهـ.
قوله: [على النجاشي]: بفتح النون على المشهور وقيل بكسرها وخفة الجيم، وأخطأ من شددها، هو لقب لكل من ملك الحبشة واسمه أصحمة أسلم على عهد النبي ﷺ ولم يهاجر إليه.
قوله: [من خصوصياته]: وأجيب بجواب آخر بأن الأرض رفعته له وعلم يوم موته وأخبر به أصحابه، وخرج بهم فأمهم في الصلاة قبل أن يوارى فتكون صلاته عليه كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأمومون، ولا خلاف في جوازها فلا تكون على غائب، وليست من الخصوصيات.
قوله: [وكره تطيين قبر] إلخ: أي ما لم يتوقف منع الرائحة عليه.
قوله: [ونقشه]: ويشتد النهي في القرآن وقد وقع التردد قديماً في الوصية بوضعه في القبر، هل تبطل أو يرفع عن القذر؟ كذا في المجموع.
قوله: [غير مباحة]: أي كالموقوفة للدفن مثل قرافة مصر. واختلف هل يجوز إعداد قبر في الأرض الموقوفة حال الحياة؟ في الحطاب ما يقتضي المنع قال في المجموع، وسمعت شيخنا يقول ترب مصر كالملك فيجوز إعدادها. اهـ. ومحل الخلاف إذا لم يكن تحويز زائد على الحاجة وإلا فيحرم باتفاق دفن فيه صاحبه أم لا؛ قال في الأصل: ومن الضلال المجمع عليه أن كثيراً من الأغنياء يبقون بقرافة مصر أسبلة ومدارس ومساجد وينبشون الأموات ويجعلون محلها الأكنفة، وهذه الخرافات ويزعمون أنهم فعلوا الخيرات، كلا ما فعلوا إلا المهلكات. اهـ. ولكن ذكر في المجموع نقلاً عن الشعراني أن السيوطي أفتى بعدم هدم مشاهد الصالحين بالقرافة قياساً على أمره ﷺ بسد كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر، قال الشيخ وهي فسحة في الجملة لكن سياقه بعد الوقوع والنزول. اهـ.
قوله: [وكره تغسيل من فقد] إلخ: شروع في شروط وجوب الغسل والصلاة بذكر أضدادها وهي أربعة:
الأول: وجود كله أو جله. الثاني: أن يتقدم له استقرار حياة، الثالث: أن يكون مسلماً ولو حكماً، الرابع: أن لا يكون شهيد معترك، فذكر محترزاتها على هذا الترتيب فتدبر.
قوله: [ووجد نصفه فأقل]: مثله وجود ما دون الثلثين ولو زاد على النصف كذا في المجموع. ولا تجب الصلاة عليه إلا إذا وجد الثلثان فأكثر، وتلغى الرأس: فالعبرة بثلثي الجسد كان معهما رأس أم لا فإن وجد أقل من الثلثين ولو معه الرأس كره تغسيله والصلاة عليه هذا هو التحرير.
قوله: [لتلازمهما]: أي في أصل الشروط فإن شروطهما واحدة؛ وهي الأربعة المتقدمة. متى تخلف شروط منها انتفى الغسل والصلاة معاً وإذا وجدت وجداً إن لم يتعذر أحد الواجبين [١] وإلا أتى بالمستطاع، وسقط المتعذر كما تقدم لنا فيمن دفن بغير غسل ولا صلاة وتغير في القبر فإنه لا يغسل، ولكن تجب الصلاة عليه على القبر فتأمل. إن قلت: إن أصل الصلاة واجب، والصلاة على ما دون الجل مكروهة لما فيها من الصلاة على غائب، فكيف يترك واجب خوف الوقوع في مكروه؟ وأجاب في التوضيح بما حاصله: أنه لا يخاطب بالصلاة على الميت إلا بشرط الحضور، وحضور جله كحضور كله وحضور الأقل بمنزلة العدم. اهـ.
قوله: [فإن وجد جله]: أي وهو الثلثان كان معهما رأس أم لا.
قوله: [كمن لم يستهل] إلخ: شروع في محترز الشرط الثاني.
قوله: [فإن تحققت]: أي بأن وضع [٢] كثيراً أو وقعت منه أمور لا تكون إلا من حي.
قوله: [وندباً في الأول]: أي فغسل الدم مندوب كما استظهره في الحاشية بخلاف المواراة واللف بالخرقة، فكل واجب كما قال الشارح.
قوله: [وحرما]: شروع في محترز الشرط الثالث.
قوله: [لكافر]: اللام بمعنى على
стр. 203
ارتد) لأن ردة الصغير معتبرة فأولى غيره (أو) كان الكافر الصغير عبداً (نوى به مالكه الإسلام وهو): أي والحال أنه (كتابي): وهذا قيد لا بد منه تركه المصنف، فإن كان مجوسياً ونوى به مالكه الإسلام فإنه يغسل ويصلى عليه لأنه مسلم حكماً. وقولنا: "مالكه" أعم من قوله: "سابيه".
(وإن اختلطوا) أي الكفار بمسلمين ولم يميزوا (غسلوا) جميعاً للضرورة وصلي عليهم. (وميز المسلم) منهم (في) حال (الصلاة) عليهم (بالنية) بأن ينوى بالصلاة على المسلم منهم (كشهيد معترك) يحرم الغسل والصلاة عليه (لحياته ولو) كان شهيداً (ببلاد الإسلام أو لم يقاتل) كأن يصيبه السهم وهو نائم، (أو قتله مسلم خطأ) يظنه كافراً أو قصد كافراً فأصابه، وكذا إذا رجع عليه سيفه أو سهمه أو تردى من شاهق فمات حال القتال، (أو رفع) عطف على ما في حيز المبالغة أي ولو رفع حياً (منفوذ المقاتل) فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، خلافاً للمصنف.
(كالمغمور) فإنه لا يغسل اتفاقاً إذا استمر في غمرته لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم حتى مات.
(ودفن) وجوباً (بثيابه المباحة) لا المحرمة كالحرير (إن سترته) جميعه، (وإلا) تستره (زيد) عليها قدر ما يستر ما لم يكن مستوراً من وجه أو رجل أو غيرهما، فإن وجد عرياناً ستر جميع جسده (بخف) أي مع خف (وقلنسوة) هي ما يلف عليها العمامة (ومنطقة) قل ثمنها لا إن كثر (وخاتم) مباح (قل فصه) أي قيمة فصه (لا) يدفن بآلة حرب من (درع وسلاح) لأنه من إضاعة المال بغير وجه شرعي.
(والقبر حبس على الميت لا ينبش): أي يحرم نبشه (ما دام) الميت (به): أي فيه (إلا لضرورة) شرعية كضيق المسجد الجامع، أو دفن آخر معه عند الضيق أو كان القبر في ملك غيره وأراد إخراجه منه أو كفن بمال الغير بلا إذنه وأراد ربه أخذه
ــ
والمراد أنه كافر عند الموت، سواء كان كفره سابقاً أو طرأ له الكفر عند الموت والعياذ بالله.
قوله: [ارتد]: أي ومات على ذلك وهذا حيث كان مميزاً، وإلا فلا تعتبر ردته بالإجماع. قوله: [أي والحال أنه كتابي]: أي لأن صغار الكتابيين لا يجبرون على الإسلام على الراجح، وكبارهم لا يجبرون عليه اتفاقاً، والمراد بالكبير من يعقل دينه لا البالغ فقط.
قوله: [لأنه مسلم حكماً]: أي لأنه يجبر على الإسلام.
وهل الذي يجبر على الإسلام يكون مسلماً بمجرد ملك المسلم له؟ وهو لابن دينار.
أو حتى ينوي مالكه إسلامه؟ وهو لابن وهب.
أو حتى يقدم ملكه ويزييه بزي الإسلام؟ وهو لابن حبيب.
أو حتى يعقل ويجيب حين إثغاره؟ نقله ابن رشد.
خامسها حتى يجيب بعد احتلامه وظاهر كلام شارحنا ترجيح القول الثاني ولا فرق بين كون المجوسي كبيراً أو صغيراً.
قوله: [غسلوا جميعاً] إلخ: أي ومؤنة غسلهم وكفنهم من بيت المال، إن كان المسلم فقيراً لا مال له، ولا يقال: الكافر لا حق له في بيت المال؛ لأنه يقال غسل المسلم وتكفينه ومواراته لا تتأتى إلا بفعل ذلك في الكافر، وما لا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب. وأما إن كان للمسلم مال فإن مؤنة جميعهم تؤخذ من مال المسلمين منهم. وهذا إذا كان المختلط بالكفار مسلماً غير شهيد، أما إذا اختلط الشهيد بالكفار فإنه لا يغسل واحد منهم، ويدفنون بمقبرة المسلمين تغليباً لحق المسلم. بقي ما لو اختلط مسلم يغسل بشهيد معركة، فالظاهر أن يغسل الجميع ويكفنوا مع دفنهم بثيابهم احتياطا في الجانبين وصلي عليهم ويميز غير الشهيد بالنية.
قوله: [كشهيد [١] معترك]: شروع في محترز الشرط الرابع، ثم إن كلامه يقتضي أن مقتول الحربي بغير معركة يغسل ويصلى عليه وهو قول ابن القاسم، ومقتضى موضع من المدونة. وروى ابن وهب: لا يغسل شهيد كافر حربي بغير معركة لكونه له حكم من قتل به وهو نص المدونة في محل آخر، وتبعه سحنون وأصبغ وابن يونس وابن رشد. وذكر شيخ المشايخ العدوي أن ما قاله ابن وهب
هو المعتمد وقد اتفق سنة ١٠٥٢ اثنين وخمسين وألف أن أسرى نصارى بأيدي مسلمين أغاروا بسكندرية وقت صلاة الجمعة والمسلمون في صلاتها فقتلوا جماعة من المسلمين فأفتى العلامة الأجهوري بعدم غسلهم وعدم الصلاة عليهم. اهـ. من حاشية الأصل.
قوله: [لحياته]: علة لحرمة الغسل والصلاة عليه، وقيل علة ذلك أنه مغفور له وقيل كماله. واعترض بأن الأنبياء أحياء كاملون مغفور لهم مع أن غسلهم والصلاة عليهم مطلوبان. أجيب بأن عدم الغسل والصلاة مزية، والمزية لا تقتضي الأفضلية.
قوله: [أو قتله مسلم]: في الحطاب أن هذا يغسل ويصلى عليه، ومثله من داسته الخيل واعتمده بن.
قوله: [فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه]: أي لو كان في جميع المسائل جنباً قاله أشهب وأصبغ وابن الماجشون.
قوله: [خلافاً للمصنف]: أي العلامة خليل.
وحاصل كلامه: أنه إذا رفع حياً فإنه يغسل ولو منفوذ المقاتل ما لم يكن مغموراً وهو المشهور من قول ابن القاسم كما نقله في التوضيح عن ابن بشير، ولكن شارحنا اعتمد طريقة سحنون من أنه متى رفع منفوذ المقاتل أو مغموراً فلا يغسل ولا يصلى عليه، وهو الذي اقتصر عليه ابن عبد البر، فهما طريقتان واعتمد بن ما قاله خليل محتجاً بتغسيل عمر ﵁ بمحضر الصحابة مع أنه رفع منفوذ المقاتل، وفي هذا الاحتجاج نظر لأهل النظر.
قوله. [ودفن وجوباً]: أي لقوله ﷺ : «زملوهم بثيابهم اللون لون الدم والريح ريح المسك».
قوله: [لا المحرمة كالحرير]: أي فالظاهر كراهة دفنه بها.
قوله: [من وجه أو رجل]: بيان ل "ما".
قوله: [وأراد إخراجه منه] إلخ: حاصله أنه إذا دفن في ملك غيره بغير إذنه فقال ابن رشد للمالك إخراجه مطلقاً
стр. 204
قبل تغيره، أو دفن معه مال من حلي أو غيره، ومفهوم "ما دام" أنه إذا علم أن الأرض أكلته ولم يبق شيء من عظامه فإنه ينبش؛ لكن للدفن أو اتخاذ محلها مسجداً لا للزرع والبناء.
(وأقله): أي القبر (ما منع رائحته) أي الميت (وحرسه) من السباع، ولا حد لأكثره، وندب عدم عمقه.
(ورمي ميت البحر) بعد غسله والصلاة عليه (به) أي فيه (إن لم يرج البر قبل تغيره)، وإلا وجب تأخيره للبر.
(وحرم نياحة): على الميت من نساء أو رجال (ولطم) على وجه وصدر (وشق جيب وقول قبيح) نحو وا مصيبتاه وا ولداه (وتسخيم وجه أو ثوب) بطين أو نيلة.
(و) حرم (حلق) لشعر رأس لما في ذلك من إظهار عدم الرضاء بالقضاء والصبر لحكم الله المالك لكل شيء.
(ولا يعذب) الميت ببكائه عليه من أهله إذا (لم يوص) الميت (به) وإلا عذب لأنه أوصى بحرام.
(و) الميت (ينفعه صدقة) عليه من أكل أو شرب أو كسوة أو درهم أو دينار، (ودعاء) له بنحو: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه بالإجماع لا بالأعمال البدنية كأن تهب له ثواب صلاة أو صوم أو قراءة قرآن كالفاتحة، وقيل ينتفع بثواب ذلك والله أعلم بحقيقة الحال.
ولما أنهى الكلام على أحكام الصلاة انتقل ليتكلم على أحكام الزكاة [١] وهي [٢] لغة: النمو والزيادة، وشرعاً: إخراج مال مخصوص من مال مخصوص بلغ نصاباً لمستحقه
ــ
سواء طال الزمان أم لا، وقال اللخمي: له إخراجه إن كان بالفور، وأما مع الطول فلا، وجبر على أخذ القيمة، وقال ابن أبي [٣] زيد: إن كان بالقرب فله إخراجه، وإن طال فله الانتفاع بظاهر الأرض ولا يخرجه، انظر بن كذا في حاشية الأصل، وأما لو كان القبر في حبس على عموم الناس ودفن فيه شخص غير بانيه فليس للباني إلا قيمة الحفر والبنيان ولا يخرج منه الميت أصلاً.
قوله: [قبل تغيره]: أي وأما بعد التغير فليس له إلا قيمته من تركة الميت يبدأ بها.
قوله: [أو دفن معه مال]: وتشق بطنه أيضاً إن ثبت أنه ابتلع مالاً نصاب زكاة ولو بشاهد ويمين، قال في المجموع الظاهر أنه لا يتأتى هنا يمين استظهار لعدم تعلقها بالذمة فيلغز بها دعوى على ميت ليس فيها يمين استظهار، فإن لم يوجد في بطنه المال عزر المدعي والشاهد، ولا يشق بطن المرأة عن جنين ولو رجي حياته على المعتمد لأن سلامته مشكوكة فلا تنتهك حرمتها له، ولكن لا تدفن حتى يتحقق موته ولو تغيرت. وأما جنين غير الآدمي فإنه يبقر عنه إذا رجي حياته قولاً واحداً. وهناك قول ضعيف يقول: بالبقر في جنين الآدمي أيضاً. وعليه: يشق عليه من خاصرتها اليسرى إن كان الحمل أنثى، ومن اليمنى إن كان الحمل ذكراً، واتفقوا على أنه إن أمكن إخراجه بحيلة غير الشق وجب.
قال بعضهم: إنه مما لا يستطاع لأنه لا بد لإخراجه من القوة الدافعة، وشرط وجودها الحياة إلا لخرق العادة كذا في الحاشية.
قوله: [لكن للدفن] إلخ: قال صاحب المدخل اتفق العلماء على أن الموضع الذي يدفن فيه المسلم وقف ما دام شيء موجوداً فيه حتى يفنى فإن فني فيجوز حينئذ دفن غيره فيه، فإن بقي شيء من عظامه فالحرمة باقية لجميعه.
قال بعضهم: ولا يجوز أخذ أحجار المقابر العافية لبناء قنطرة أو دار، ولا حرثها للزراعة، لكن لو حرثت جعل كراؤها في مؤن دفن الفقراء.
قوله: [ورمي ميت البحر] إلخ: ولا يثقل بحجر ونحوه لرجاء أن يأتي إلى البر فيدفنه أحد.
قوله: [ولطم] إلخ: لما في الحديث: «ليس منا من حلق وخرق وذلق وسلق».
الأول: حلق الشعر.
والثاني: خرق الثوب
والثالث: ضرب الخدود.
والرابع: الصياح في البكاء وقبيح [٤] القول. قال زروق عن القوري: ووه معناها بالفارسية: لا أرضى يا رب، وأما ما يفعله النساء من الزغروتة عند حمل جنازة صالح أو عند فرح، فإنه من معنى رفع الصوت وإنه بدعة يجب النهي عنها.
قوله: [لأنه أوصى بحرام]: ومثل وصيته علمه به ورضاه.
قوله: [وقيل ينتفع] إلخ: وأيده بن بقوله إن القراءة تصل للميت وإنها عند القبر أحسن مزية، وإن العز بن عبد السلام رؤي بعد الموت فقيل له: ما تقول فيما كنت تنكر من وصول ما يهدى من قراءة القرآن للموتى؟ فقال: هيهات، فقد وجدت الأمر على خلاف ما كنت أظن.
قوله: [ولما أنهى الكلام على أحكام الصلاة]: قدمها لأنها أعظم أركان الإسلام بعد الإيمان بالله، وأوصل بها الزكاة؛ لأنهما لم يقعا في كتاب الله إلا هكذا [٥].
قوله: [النمو والزيادة]: يقال زكا الزرع إذا نما وطاب وحسن، ويقال فلان زاك أي كثير الخير، وسميت به وإن كانت تنقص المال حساً لنموه في نفسه عند الله كما في حديث: «ما تصدق عبد بصدقة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا كأنما يضعها في كف الرحمن فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيلة حتى تكون كالجبل» وأيضاً تعود على المال بالبركة والتنمية باعتبار الأرباح، ولأن صاحبها يزكو بأدائها. قال الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣]. قوله: [إخراج [٦] مال] إلخ: تعريف لها بالمعنى المصدري وأما الاسمي فيقال فيه: مال مخصوص مخرج من مال مخصوص إلخ، والمال المخصوص المخرج هو الشاة من الأربعين مثلاً، أو العشر أو نصفه أو ربعه مثلاً. قوله: [من مال مخصوص]: هو النعم والحرث والنقدان. وعروض التجارة والمعادن.
قوله: [بلغ نصاباً]: هو في اللغة الأصل، وشرعاً: القدر الذي إذا بلغه المال
стр. 205
إن تم الملك وحول غير معدن وحرث.
فقال: (باب [١] الزكاة) التي هي أحد أركان الإسلام الخمسة (فرض عين على الحر) ذكراً أو أنثى، فلا تجب على الرقيق ولو بشائبة حرية لعدم تمام ملكه.
(المالك للنصاب) فلا تجب على غير مالك كغاصب ومودع حال كون النصاب (من) أجزاء أنواع ثلاثة من الأموال:
(النعم) بفتح النون والعين المهملة أي الأنعام الإبل والبقر والغنم.
(والحرث): الحبوب وذوات الزيوت الأربع. والتمر والزبيب وسيأتي تفصيلها.
(والعين): الذهب والفضة.
فلا تجب في غير هذه الأنواع كخيل وحمير وبغال وعبيد، ولا في فواكه كتين ورمان، ولا في معادن غير عين كما لا تجب على مالك دون النصاب منها. والمراد أنها تجب على الحر في المال المذكور ولو غير مكلف كصبي ومجنون. والمخاطب بالإخراج وليه فليس التكليف من شروط وجوبها، وقال أبو حنيفة ﵁: إنما تجب على المكلف كغيرها من أركان الإسلام؛ فلا تجب على صبي ومجنون عنده. وتجب عند غيره على الحر مطلقاً في ماله. والخطاب بها فيه من باب خطاب الوضع: أي متعلق بجعل المال المذكور -إذا توفرت شروطه- سبباً في وجوب زكاته.
فشروط وجوبها أربعة: اثنان عامان في الأنواع الثلاثة وهما: الحرية وملك النصاب. واثنان خاصان ببعضها أولهما: تمام الحول؛ فإنه خاص بالماشية وبالعين من غير المعدن والركاز وإليه أشار بقوله: (إن تم الحول في غير الحرث والمعدن والركاز) وغيرهما: هو الماشية والعين. وأما الحرث فتجب فيه بطيبه كما سيأتي؛ وتجب في المعدن بإخراجه، وفي الركاز في بعض أحواله بوضع اليد عليه كما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. وثانيهما: مجيء الساعي؛ فإنه خاص بالماشية وإليه أشار بقوله: (و) إن (وصل الساعي) إلى محل الماشية
ــ
وجبت الزكاة فيه، وسمي نصاباً أخذاً له من النصب؛ لأنه كعلامة نصبت على وجوب الزكاة.
وقوله: [لمستحقه]: متعلق بإخراج والمستحقون هم الأصناف الثمانية المذكورون في الآية الكريمة.
قوله: [إن تم الملك وحول] إلخ: اختلف في الملك التام، قيل سبب لوجوب الزكاة لا شرط؛ لأنه يلزم من عدمه عدم الوجوب، ومن وجوده وجود السبب بالنظر لذاته، وقال ابن الحاجب: إنه شرط نظراً إلى الظاهر وهو أنه يلزم من عدمه عدم الوجوب ولا يلزم من وجوده وجود الوجوب ولا عدمه لتوقفه على شروط أخر، كالحول والحرية وانتفاء المانع كالدين. وأما الحول فهو شرط بلا خلاف لصدق تعريف الشرط عليه؛ لأنه يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة، ولا يلزم من وجوده وجود وجوبها ولا عدمه لتوقف وجوبها على مال النصاب وفقد المانع كالدين.
قوله: [غير معدن وحرث]: أي وأما هما فلا يتوقفان على الحول، بل وجوب الزكاة في المعدن بالخروج أو بالتصفية وفي الحرث بالطيب وسيأتي.
(وجوب الزكاة) [٢]
قوله: [فلا تجب على الرقيق] إلخ: أي ولو لم يجز لسيده انتزاع ماله كالمكاتب. وكما أنها لا تجب على الرقيق في ماله لا يجب على السيد إخراجها عن الرقيق؛ لأن من ملك أن يملك لا يعد مالكاً. اللهم إلا أن ينتزع المال منه، فيمن يجوز له انتزاعه ويمكث عنده حولاً. قال في المجموع: وفي الشاذلي على الرسالة، قال ابن عبد السلام: عندي أن مال العبد يزكيه السيد أو العبد، لأنه مملوك لأحدهما قطعاً، فكأنه جعلها من فروض الكفاية. إن قلت: قوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء﴾ [النحل: ٧٥]: يقتضي أن العبد لا ملك له كما يقول غيرنا، فكيف نقول إنه يملك لكن ملكاً غير تام؟ فالجواب: أن الصفة مخصصة على الأصل لا كاشفة، وهو معنى ما قيل لا يلزم من ضرب المثل بعبد لا يملك أن كل عبد لا يملك. اهـ.
قوله: [كغاصب]: من ذلك الظلمة المستغرقون للذمم؛ لا تجب عليهم زكاة حيث كان جميع ما بأيديهم من أموال الناس.
قول: [النعم]: إما من التنعم: لكونها: يتنعم بها، أو من لفظ نعم: لأن بها السرور كما يسر السائل بقول المجيب: نعم. والنعم اسم جمع لا اسم جنس لأنه لا واحد له من لفظه بل من معناه. واسم الجنس هو الذي: يفرق بينه وبين واحده بالتاء غالباً.
قوله: [والحرث]: سمي حرثاً لأنه تحرث الأرض لأجله غالباً.
قوله: [فلا تجب في غير هذه الأنواع]: أي ما لم تكن عروضاً للتجارة فتزكى زكاة إدارة أو احتكار كما يأتي.
قوله: [ولو غير مكلف]: أي لتعلق الخطاب به وضعاً كما سيقول.
قوله: [والمخاطب بالإخراج وليه]: أي ولى من ذكر من صغير ومجنون؛ فإن خشي غرماً رفع للحاكم المالكي ليحكم له: بلزوم الزكاة لهما: فلا ينفع المجنون والصبي بعد ذلك مذهب أبي حنيفة القائل بعدم وجوبها عليهما، لأن الحكم الأول رفع الخلاف.
قوله: [من باب خطاب الوضع]: وتعريفه عند الأصوليين: جعل الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً أو صحيحاً أو فاسداً.
قوله: [في الأنواع الثلاثة]: أي النعم والحرث والعين.
قوله: [وملك النصاب]: تقدم فيه خلاف هل هو سبب أو شرط.
قوله: [بطيبه]: والطيب في كل شيء بحسبه.
قوله: [بإخراجه]: هو أحد قولين. وقيل بالتصفية.
قوله: [وفي الركاز في بعض أحواله]:
стр. 206
(إن كان) ثم ساع - (في النعم) لا في غيرها، فإن لم يكن ساع فتجب بتمام الحول. كما تجب بتمامه في العين وبالطيب في الحرث، ولو كان هناك ساع. وسيأتي تفصيل مسألة الساعي إن شاء الله تعالى.
(و) إن (تم النصاب) في النعم. وهذا الشرط مستفاد من قوله السابق: "المالك للنصاب" - فليس ذكره مقصوداً لذاته - وإنما أتى به ليرتب عليه قوله:
(وإن بنتاج): كما لو كان عنده من النوق أو من البقر أو من الغنم دون النصاب فنتجت عند الحول أو عند مجيء الساعي وما يكمل النصاب فتجب فيها الزكاة؛
(أو) كان بسبب (إبدال من نوعها): كما لو كان عنده أربع من الإبل فأبدلها بخمس منها ولو قبل الحول بيوم أو أقل، أو عنده ثلاثون من الغنم فأبدلها بأربعين منها، فتجب فيها الزكاة لحول من يوم ملك الأصل بخلاف ما لو أبدلها بغير نوعها فإنه يستقبل بها الحول.
(أو) كانت (عاملة) في حرث أو حمل فتجب فيها.
(أو) كانت (معلوفة) ولو في جميع العام فتجب فيها كما لو كانت سائمة؛ (لا) إن كانت (متولدة منها): أي من النعم، (ومن وحش): كما لو ضربت فحول الظباء إناث الغنم أو عكسه مباشرة بواسطة فلا تجب فيها زكاة.
(وضمت الفائدة منها): أي من النعم. والمراد بالفائدة هنا: ما تجدد من النعم بهبة أو صدقة أو غيرهما؛ (وإن بشراء) لا خصوص ما يأتي من أنها ما تجددت لا عن مال أو عن مال مقتنى (له) أي للنصاب؛ فمن كان عنده نصاب من النعم كخمس من الإبل وثلاثين من البقر وأربعين من الغنم فأكثر. فاستفاد بهبة أو صدقة أو استحقاق في وقف أو دين أو بشراء قدر نصاب آخر أو ما يكمل نصاباً آخر، فإنه يضم للأول الذي كان عنده ويزكيه معه فيكون عليه شاتان بعد أن كان عليه واحدة مثلاً، أو تبيعان بعد أن كان عليه تبيع أو حقة مثلاً.
(وإن) ملكها (قبل الحول بيوم) فأولى أكثر ولا يستقبل بالفائدة المذكورة حولاً
ــ
وهو ما إذا احتاج إلى كبير عمل ونفقة وإلا ففيه الخمس كما سيأتي.
قوله: [إن كان ثم ساع]: أي وأمكن بلوغه.
قوله: [فإن لم يكن ساع]: أي أو كان وتعذر بلوغه.
قوله: [وإن بنتاج]: أي هذا إذا كان كمال النصاب بنفسه، بل وإن كان بنتاج بل وإن صار كله نتاجاً خلافاً لداود الظاهري القائل: إن النتاج لا يذكى [١]. ولا يلزم من وجوب الزكاة في النتاج الأخذ منه، بل يكلف ربها شراء ما يجزئ. ووجوب الزكاة في النتاج ولو كان من غير صنف الأصل؛ كما لو نتجت الإبل أو البقر غنماً، وتزكى على حول الأمهات زكاة نوعها إن كان فيها نصاب. فإذا ماتت الأمهات كلها زكى النتاج على حول الأمهات حيث كان فيه نصاب، وكذا إذا مات بعض الأمهات وكان في الباقي منها مع النتاج نصاب، زكى الجميع لحول الأمهات.
قوله: [أو كان بسبب إبدال] إلخ: حاصله أن من أبدل ماشية بنصاب من نوعها، فإنه: يبني على حول المبدلة كانت المبدلة؛ نصاباً أو دون نصاب. كانت للتجارة أو للقنية. كان الإبدال اختيارياً أو اضطرارياً. فهذه ثمان [٢] صور، فتمثيل الشارح بدون النصاب مفهومه أحروي.
قوله: [بخلاف ما لو أبدلها] إلخ: حاصله أن من عنده ماشية وأبدلها بغير نوعها من المواشي -كمن أبدل بقراً بغنم- فإنه يستقبل مطلقاً؛ كانت المبدلة نصاباً أو دون نصاب، كانت للتجارة أو للقنية كان البدل اختيارياً أو اضطرارياً. فهذه ثمان [٣] صور أيضاً. يستقبل فيها، ما لم يقصد الفرار وكان المبدل نصاباً كما يأتي، بقي ما لو أبدلها بنصاب عين؛ فإن كانت للتجارة بنى على حول أصلها، كانت المبدلة نصاباً أو دون نصاب. كان البدل اختيارياً أو اضطرارياً. فهذه أربع. وأما إن كانت للقنية وكانت نصاباً فكذلك: أي يبني على حول أصلها كان البدل اختيارياً أو اضطرارياً فهاتان صورتان، وأما إن كان دون نصاب فإنه يستقبل بالثمن مطلقاً. كان البدل اختيارياً أو اضطرارياً. فهاتان صورتان أيضاً. فجملة الصور أربع وعشرون. وكذلك ما لو أبدل نصاب عين بماشية فإنه يستقبل بالماشية مطلقاً هذا حاصل ما قرر به الشراح قول خليل، وكمبدل ماشية تجارة وإن دون نصاب بعين أو نوعها وإن لاستهلاك؛ كنصاب قنية لا بمخالفها أو عيناً بماشية. قدم هذا المبحث المصنف هنا. وقد أفدناك إياه والحمد لله.
قوله: [أو عاملة]: أي هذا إذا كانت مهملة، بل وإن كانت عاملة فتجب فيها الذكاة. خلافاً للشافعية.
قوله: [أو كانت معلوفة]: أي خلافاً للشافعية أيضاً. والتقييد بالسائمة في الحديث لأنه الغالب على مواشي العرب؛ فهو لبيان الواقع لا مفهوم له.
قوله: [أو بواسطة]: كذا في الخرشي وعب والمج. قال بن: وفيه نظر. بل ظاهر النقل خلافه؛ وذلك لأن المواق قصر ذلك على المتولد منها ومن الوحش مباشرة، وأما إذا كان ذلك النتاج بواسطة أو أكثر فالزكاة واجبة فيه من غير خلاف. واستظهر ذلك البدل [٤] القرافي كذا في حاشية الأصل.
قوله: [وضمت الفائدة منها] إلخ: أي سواء كانت نصاباً أو أقل. وحاصله: أن من كان له ماشية وكانت نصاباً، ثم استفاد ماشية أخرى من نوعها بشراء أو دية أو هبة، نصاباً أو لا، فإن الثانية تضم
стр. 207
بخلاف الفائدة في العين؛ فإنه يستقبل بها كما يأتي (لا) [١] تضم الفائدة من النعم (لأقل) من نصاب سواء كانت هي نصاباً أم لا، ويستقبل بها حول. وتضم الأولى لها. والحول: من وقت تمام النصاب بالفائدة، فإذا استفاد بعد تمام النصاب شيئاً ضم له كما تقدم والكلام في غير النتاج، والإبدال بها من نوعها؛ إذ فيهما يضم ما تجدد منها. ولو لغير النصاب كما تقدم.
ولما قدم أن الزكاة تجب في الأنواع الثلاثة إجمالاً شرع في بيان تفصيل ذلك فقال:
(أما الإبل ففي كل خمس) منها (ضائنة): أي شاة من الضأن خلاف المعز، وتاؤه للوحدة لا للتأنيث فيشمل الذكر والأنثى.
(إن لم يكن جل غنم البلد المعز)، وإلا فالواجب الإخراج من المعز؛ فإن تطوع بإخراج الضأن أجزأه لأنه الأصل والأفضل. ففي الخمسة، شاة، وفي العشرة، شاتان، وفي الخمسة عشر، ثلاث شياه، وفي العشرين، أربع شياه (إلى أربع وعشرين) ثم يتغير الواجب كما قال:
(وفي خمس وعشرين) من الإبل (بنت مخاض) ولا يكفي ابن مخاض ولا ابن لبون إلا إذا عدمت بنت المخاض فيكفي ابن اللبون إن كان عنده، وإلا كلفه الساعي بنت مخاض، وهي: ما (أوفت سنة) ودخلت في الثانية، إلى خمس وثلاثين.
(وفي ست وثلاثين، بنت لبون أوفت سنتين) ودخلت في الثالثة إلى خمس وأربعين.
(وفي ست وأربعين، حقة) بكسر الحاء (أوفت ثلاثاً) من السنين إلى ستين.
(وفي إحدى وستين، جذعة أوفت أربعاً) إلى خمس وسبعين.
(وفي ست وسبعين: بنتا لبون) إلى تسعين.
(وفي إحدى وتسعين: حقتان) إلى مائة وعشرين.
(وفي مائة وإحدى وعشرين إلى تسع وعشرين): إما (حقتان، أو ثلاث بنات لبون الخيار) في ذلك (للساعي) لا لرب المال عند وجود الأمرين أو فقدهما.
ــ
للأولى وتزكى على حولها سواء حصل استفادة الثانية قبل كمال حول الأولى بقليل أو كثير. فإن كانت الأولى أقل من نصاب فلا تضم الثانية لها، ولو كانت الثانية نصاباً. ويستقبل بهما من يوم حول الثانية.
قوله: [بخلاف الفائدة في العين]: والفرق أن زكاة الماشية موكولة للساعي فلو لم تضم الثانية للنصاب الأول لأدى ذلك لخروجه مرتين وفيه مشقة واضحة، بخلاف العين فإنها موكولة لأربابها، وأما إذا كانت الماشية الأولى دون النصاب وقلنا يستقبل فلا مشقة كذا في الأصل.
قوله: [أما الإبل] إلخ: قدمها لأنها أشرف النعم ولذا سميت جمالاً للتجمل بها قال تعالى: ﴿ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون﴾ [النحل: ٦]. قوله: [فيشمل الذكر والأنثى]: أي لأن الشاة المأخوذة عن الإبل كالمأخوذة عن الغنم سناً وصفة. وسيأتي أنه يؤخذ عنها الذكر أو الأنثى وهو مذهب ابن القاسم وأشهب. واشترط ابن القصار الأنثى في الموضعين. كذا في حاشية الأصل.
قوله: [أجزأه]: أي ويجبر الساعي على قبوله.
قوله: [ففي الخمسة شاة]: فلو أخرج عنها بعيراً أجزأ ولو كان سنه أقل من عام وهو ما ارتضاه الأجهوري. وأما لو أخرج البعير عن الشاتين فأكثر فلا يجزئ قولاً واحداً ولو زادت قيمته عليهما.
قوله: [إلا إذا عدمت]: أي بأن لم توجد عنده بنت مخاض سليمة، فلو وجدت لزم إخراجها ولو كانت من كرائم الأموال، ولا ينتقل للبدل مع إمكان الأصل. هكذا ظاهر المصنف.
قوله: [فيكفي ابن اللبون]: وتجزئ بنت اللبون بالأولى. وهل يخير الساعي في قبولها أو لا يخير بل يجبر على قبولها؟ قولان. اقتصر في التوضيح على جبره، وهو المعتمد. وليس لنا في الإبل ما يؤخذ فيه الذكر عن الأنثى إلا ابن اللبون عن بنت المخاض؛ وحينئذ لا يجزئ ابن المخاض عن بنت المخاض وابن اللبون عن بنت اللبون وهكذا، كذا في حاشية الأصل. وسميت بنت مخاض: لأن الحمل مخض في بطن أمها؛ لأن الإبل تحمل سنة وتربي سنة.
قوله: [بنت لبون]: أي ولا يجزئ عنها حق ولو لم توجد أو وجدت معيبة، وأما أخذ الحقة عن بنت اللبون فتجزئ، والفرق بين ابن اللبون يجزئ عن بنت المخاض والحق لا يجزئ عن بنت اللبون أن ابن اللبون يمتنع من صغار السباع ويرد الماء ويرعى الشجر، فقابلت هذه الفضيلة فضيلة الأنوثة التي في بنت المخاض. والحق ليس فيه ما يزيد على بنت اللبون، فليس فيه ما يعادل فضيلة الأنوثة التي فيها، وسميت بنت لبون: لأن أمها ولدت عليها وصار لها لبن جديد.
قوله: [حقة]: أي لا يجزئ عنها جذع. وسميت حقة لأنها استحقت الحمل عليها أو طروق الفحل.
قوله: [جذعة]: سميت بذلك: لأنها أجذعت أسنانها أي بدلتها.
قوله [والخيار في ذلك للساعي]: اعلم أن النبي ﷺ بعد أن بين ما تقدم من التقادير، وبين أن في الإحدى وتسعين إلى مائة وعشرين حقتان قال: «ثم ما زاد ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة»، ففهم مالك أن الزيادة زيادة عقد أي عشرة وهو الراجح، وفهم ابن القاسم مطلق زيادة ولو حصلت: بواحدة ففي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون باتفاق. وأما في مائة وإحدى وعشرين إلى تسع الخلاف بينهما؛ فعند مالك: يخير الساعي بين حقتين وثلاث بنات لبون وهو ما مشى عليه المصنف، وعند ابن القاسم: يتعين ثلاث بنات لبون.
стр. 208
(وتعين) عليه (ما وجد) عند رب المال من الحقتين أو ثلاث بنات اللبون.
(ثم) إن زادت على المائة والتسعة والعشرين: (في كل عشر يتغير الواجب فـ) يجب (في كل أربعين: بنت لبون وفي كل خمسين حقة): ففي مائة وثلاثين: حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين: أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين: حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين: حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وتسعين: ثلاث حقاق وبنت لبون، وفي مائتين: إما أربع حقاق أو خمس بنات لبون. الخيار للساعي. وتعين ما وجد.
(وأما البقر: ففي كل ثلاث تبيع) ما أوفى: سنتين و (دخل في الثالثة، وفي) كل (أربعين) بقرة: (مسنة) أنثى كملت ثلاثاً و (دخلت في) السنة (الرابعة) إلى تسع وخمسين، وفي الستين: تبيعان، وفي السبعين: مسنة وتبيع، وفي الثمانين: مسنتان، وفي التسعين: ثلاثة أتبعة، وفي مائة مسنة وتبيعان، وفي مائة وعشر: مسنتان وتبيع، وفي مائة وعشرين خير الساعي في أخذ ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة.
(وأما الغنم؛ ففي أربعين) منها (جذعة أو جذع ذو سنة) ودخل في الثانية، إلى مائة وعشرين. (وفي مائة وإحدى وعشرين: شاتان) جذعتان أو جذعان إلى مائتين (وفي مائتين وشاة: ثلاث) من الشياه، كذلك إلى ثلاثمائة وتسعة وتسعين، (وفي أربعمائة: أربع) من الشياه، (ثم لكل مائة شاة) جذع أو جذعة.
(وضم) في الإبل (بخت): وهي إبل خراسان ذات سنامين (لعراب) بكسر العين، فإذا اجتمع من الصنفين خمسة ففيها شاة وهكذا
(و) ضم (جاموس لبقر): فإذا ملك من كل خمسة عشر، وجب في الثلاثين تبيع
(و) ضم (ضأن لمعز وخير الساعي إن وجبت) ذات (واحدة) في صنفين (وتساويا)، كخمسة عشر من الجواميس ومثلها من البقر. وكعشرين من الضأن ومثلها من المعز في أخذها من أي صنف شاء.
(وإلا) يتساويا كعشرين من البقر وعشرة من الجواميس وكثلاثين من الضأن وعشرة من المعز أو عكس ذلك (فمن الأكثر): يأخذها؛ لأن الحكم للغالب. (وإن وجب) في الصنفين (اثنتان: فمنهما) يأخذهما أي: يأخذ من كل صنف واحدة (إن تساويا): كثلاثين من البقر ومثلها من الجواميس، وكاثنين وستين من الضأن ومثلها من المعز، وكستة وأربعين من البخت ومثلها من العراب فمن كل حقة.
(أو) لم يتساويا، (و) كان (الأقل نصاباً) ويجوز رفع "نصاب" على أن الجملة اسمية والواو للحال وهو الأقعد (غير وقص): نعت لنصاب، والوقص ما بين الفريضتين من كل الأنعام؛ مثل ذلك: مائة وعشرون ضأناً وأربعون معزاً؛ فالأقل -وهو الأربعون- نصاب. وغير وقص لأنه هو الذي أوجب الثانية فتؤخذ منه واحدة ومن الأكثر واحدة؛ أي فلا تؤخذ الثانية من الأقل إلا بشرطين كونه نصاباً أي لو انفرد لوجبت فيه الزكاة، وغير وقص لإيجابه الثانية، فإن عدم الشرطان أو أحدهما فالثانية تؤخذ من الأكثر كالأولى وإلى ذلك أشار بقوله: (وإلا) يكن الأقل نصاباً -ولو غير وقص- كمائة وعشرين ضأناً وثلاثين معزاً أو كان نصاباً إلا أنه وقص أي لم يوجب الثانية كمائة وإحدى وعشرين ضأناً وأربعين معزاً
ــ
قوله [وتعين ما وجد]: فإذا زادت على المائتين عشرة ففيها حقة وأربع بنات لبون فإذا زادت عشرة ففيها حقتان وثلاث بنات لبون. فإذا زادت عشرة ففيها ثلاث حقاق وبنتا لبون، فإذا زادت عشرة ففيها أربع حقاق وبنت لبون، فإذا زادت عشرة ففيها خمس حقاق. فإذا زادت عشرة ففيها حقتان وأربع بنات لبون، وهكذا على ضابط المؤلف ولا ينتقض بشيء.
قوله: [وأما البقر] إلخ: مأخوذ من البقر وهو الشق: لأنه يشق الأرض بحوافره، وهو اسم جنس، واحدة بقرة والبقرة تقع على المذكر والمؤنث. لأن تاءه للوحدة لا للتأنيث.
قوله: [تبيع]: سمي بذلك: لأن قرنيه يتبعان أذنيه. أو لأنه يتبع أمه.
قوله: [ذو سنة]: أي تامة كما قال ابن حبيب، وقيل ابن عشرة أشهر وقيل ثمانية، وقيل ستة. والمعتمد الأول، ولذا اقتصر عليه المصنف.
قوله: [شاتان]: تثنية شاة والتاء فيه للوحدة لا للتأنيث بدليل قوله فيما تقدم "جذع أو جذعة" فتصدق بالذكر والأنثى.
قوله: [ثم لكل مائة] إلخ: أي بعد الأربعمائة فلا يتغير الواجب بعدها إلا بزيادة المائة.
قوله: [بخت]: هي إبل ضخمة مائلة للقصر لها سنامان أحدهما خلف الآخر، وإنما ضمت البخت للعراب لأنهما صنفان مندرجان تحت نوع الإبل، وكذا الضأن والمعز مندرجان تحت نوع الغنم. وكذا الجاموس صنف من البقر.
قوله: [وخير الساعي]: دليل للضم كأنه قال: وإذا ضم أحد الصنفين للآخر فإن وجبت واحدة في الصنفين وتساويا خير الساعي في أخذها من أيهما، وهذا إذا وجد السن الواجب في الصنفين أو فقد منهما وتعين المنفرد كما نقله الحطاب عن الباجي.
قوله: [لأن الحكم للغالب]: قال ابن عبد السلام: وهذا متجه إن كانت الكثرة ظاهرة، وأما إن كانت كالشاة والشاتين فالظاهر أنهما كمتساويين كذا في الحاشية.
قوله: [وهو الأقعد]: أي لأن حذف كان بدون أحد الجزأين من غير تعويض ما قليل.
стр. 209
(فمن الأكثر) يؤخذان.
(و) إن وجب في الصنفين (ثلاث) وتساويا: كمائة وواحدة ضأناً ومثلها معزاً، (فمنهما) أي: فمن كل صنف يأخذ واحدة (وخير في الثالثة) في أخذها من أيهما شاء (إن تساويا وإلا) يتساويا (فكذلك): أي فالحكم كالحكم السابق في الاثنتين، فإن كان الأقل نصاباً غير وقص أخذت منه واحدة، وأخذ الباقي من الأكثر، وإلا أخذ الجميع من الأكثر.
(ومن أبدل) ما فيه الزكاة أو بعضه، (أو ذبح ماشيته فراراً) من الزكاة -ويعلم فراره بإقراره أو بقرائن الأحوال -وسواء أبدلها بنوعها؛ كأن يبدل خمسة من الإبل بأربعة- أو بغير نوعها؛ كأن يبدل الإبل بغنم أو عكسه؛ أو بعروض، أو بعين -بأن يبيعها بدنانير أو دراهم- (أخذت) الزكاة (منه) إذا كان الإبدال بعد تمام الحول، بل (ولو) كان (قبل الحول إن قرب) الحول -كقرب الخليطين لا إن بعد، لما تقرر عندنا أن الحيل لا تفيد في العبادات ولا في المعاملات كما يأتي إن شاء الله تعالى في بيوع الآجال، ولا يكون فاراً إلا إذا كان مالكاً للنصاب.
ومن الحيل الباطلة أن يهب ماله أو بعضه لولده أو لعبده قرب الحول ليأتي عليه الحول ولا زكاة عليه، ثم يعتصره أو ينتزعه منه ليكون -في زعمه- ابتداء ملكه، وقد يقع للزوج مع زوجته ثم يقول لها: ردي إلي ما وهبته لك؛ بقصد إسقاط الزكاة عنه، فتؤخذ منه، ويجب عليه إخراجها، فلا مفهوم للإبدال ولا للماشية.
(وبنى) المزكي على الحول الأصلي (في) ماشية (راجعة) إليه بعد بيعها (بعيب أو فلس) لمشتريها منه (أو فساد) لبيع فيزكيها لحولها، وكأنها لم تخرج عن ملكه (لا) إن رجعت إليه بسبب (إقالة) لأن الإقالة ابتداء بيع.
ثم انتقل يتكلم على حكم خلط المواشي من مالكين فأكثر فقال:
(وخلطاء الماشية)
ــ
قوله: [فمن الأكثر يؤخذان]: هذا هو مذهب ابن القاسم ومقابله ما لسحنون من أن الحكم للأكثر مطلقاً. ولو كان الأقل نصاباً وغير وقص.
قوله: [وإلا أخذ الجميع من الأكثر]: وما قيل في هذه الثالثة يقال في الرابعة؛ كما إذا وجب أربع من الغنم إذا كان أربعمائة منها ثلثمائة ضأناً ومائة بعضها ضأن وبعضها معز: أخرج ثلاثة من الضأن، واعتبرت الرابعة على حدة، ففي التساوي خير الساعي. وإلا فمن الأكثر ومن ذلك قول خليل: "وفي أربعين جاموساً وعشرين بقرة منهما"؛ وذلك لأن في الثلاثين من الجاموس تبيعاً تبقى عشرة فتضم للعشر من البقر فيخرج التبيع الثاني منها لأنها الأكثر. ولا يخالف هذا ما مر من أنه يؤخذ من الأقل بشرطين كونه نصاباً وغير وقص، لأن ذاك حيث لم تقرر النصب. وما هنا بعد تقررها وهي إذا تقررت نظر لكل ما يجب فيه شيء واحد بانفراده فيؤخذ من الأكثر والأخير كما مر في المائة الرابعة من الغنم. والمراد بتقرر النصب: أن يستقر النصاب في عدد مضبوط. كذا يؤخذ من الأصل.
قوله: [ومن أبدل ما فيه الزكاة] إلخ: حاصله أن من كان عنده نصاب من الماشية سواء كان للتجارة أو للقنية -ثم أبدله بعد الحول أو قبله بقرب كشهر بماشية أخرى من نوعها أو من غير نوعها، كانت الأخرى نصاباً أو أقل من نصاب، أو أبدلها بعرض أو نقد فراراً من الزكاة - ويعلم ذلك من إقراره أو من قرائن الأحوال - فإن ذلك الإبدال لا يسقط عنه زكاة المبدلة بل يؤخذ بزكاتها، معاملة بنقيض قصده، ولا يؤخذ بزكاة البدل وإن كانت زكاته أكثر، لأن البدل لم تجب فيه زكاة لعدم مرور الحول عليه.
قوله: [كقرب الخليطين]: اعترض بأنه لم يذكر فيما سيأتي قرب الخليطين ففيه إحالة على مجهول. وأجيب بأنه اتكل على شهرته في المذهب، وقد صرح في الأصل به في شرح الشرط الخامس لخلطاء الماشية بقوله: ما لم يقرب جداً كشهر اهـ. فعلم أن قرب الخليطين الشهر، ورد بالمبالغة قول ابن الكاتب: أنه لا يؤخذ بزكاتها إلا إذا كان الإبدال بعد مرور الحول وقبل مجيء الساعي، وأما إذا وقع الإبدال قبل مرور الحول ولو بقرب فلا يكون هارباً.
قوله: [لا إن بعد]: أي لا إن كان الإبدال قبل الحول بأكثر من شهر فإنه لا تؤخذ بزكاتها، ولو قامت القرائن على هروبه. هذا ظاهره؛ وهو الصواب خلافاً لما في (عب) كذا قرر شيخ المشايخ العدوي.
قوله: [لما تقرر]: علة لأخذه بالمبادلة كأنه قال: إنما أخذ بها ولو كان قبل الحول إن قرب الحول للتهمة لما تقرر إلخ.
قوله: [ولا يكون فاراً] إلخ: علم هذا من قوله: "ومن أبدل ما فيه الزكاة".
قوله: [وبنى المزكي] إلخ: أي سواء باعها بعين أو بنوعها أو بمخالفها. وحاصله: أن من باع ماشية بعد أن مكثت عنده نصف عام مثلاً - سواء باعها بعرض أو عين أو بنوعها أو بمخالفها - كان فاراً من الزكاة أم لا - فمكثت عند المشتري مدة ثم ردت على بائعها بعيب أو فلس للمشتري أو فساد البيع - فإنه يبني على حولها عنده ولا يلغي الأيام التي مكثتها عند المشتري، فإذا ملكها في رمضان وباعها في المحرم ورجعت له في شعبان وجب عليه زكاتها في رمضان وحمل زكاتها في رجوعها بالبيع الفاسد ما لم تفت عند المشتري بمفوتات البيع الفاسد وإلا فيستقبل بها.
قوله: [لا إن رجعت إليه] إلخ: أي فيستقبل [١] ولا يبني ومثلها الراجعة بهبة أو صدقة.
قوله: [على حكم خلط المواشي]: أي وأما
стр. 210
المتحدة النوع (كمالك واحد) أي حكمهما أو حكمهم حكم المالك الواحد (في الزكاة): كثلاثة لكل واحد أربعون من الغنم فعليهم شاة واحدة على كل ثلثها، فالخلطة أثرت التخفيف، ولو كانوا متفرقين لكان على كلٍّ شاة. وكاثنين لكل واحد منهما ست وثلاثون من الإبل فعليهما جذعة على كل نصفها. فلو كانا متفرقين لكان على كل بنت لبون، فأوجبت الخلطة التغير في السن. وقد توجب التثقيل؛ كاثنين لكل منهما مائة من الغنم وشاة فعليهما ثلاث شياه، ولولا الخلطة لكان على كل منهما شاة واحدة، فالخلطة أوجبت الثالثة. وإنما يكونون كالمالك الواحد بشروط ثلاثة: أفاد أولها بقوله: (إن نويت) الخلطة: أي نواها كل واحد منهما أو منهم. وثانيها بقوله: (وكل) منهما أو منهم (تجب عليه) الزكاة؛ بأن يكون حراً مسلماً ملك نصاباً تم حوله. فإن كان أحدهما تجب عليه فقط وجبت عليه وحده حيث توفرت الشروط، فهذا الشرط قد تضمن أربعة شروط. وثالثها بقوله: (واجتمعا): أي الخليطان، أو اجتمعوا إن كانوا جماعة (بملك) للذات (أو منفعة) بإجارة أو إعارة أو إباحة لعموم الناس؛ كنهر أو مراح بأرض موات (في الأكثر) متعلق: بـ "اجتمعا": أي واجتمعا بما ذكر في الأكثر من الأمور الخمسة الآتي بيانها -وأولى اجتماعهما في جميعها وبينها بقوله: (من مراح) بفتح الميم: المحل الذي تقيل فيه أو الذي تجتمع فيه آخر النهار، ثم تساق منه للمبيت، وأما بالضم: فهو المبيت وسيأتي، (وماء): بأن تشرب من ماء واحد مملوك لهما أو لأحدهما ولا يمنع الآخر، أو مباح (ومبيت) كذلك (وراع) متحد أو متعدد يرعى الجميع (بإذنهما، وفحل) كذلك يضرب في الجميع. بإذنهما إذا كانت من صنف واحد.
(و) إذا أخذ الساعي من أحدهما أو أحدهم ما عليهما أو عليهم (رجع المأخوذ منه على صاحبه) الذي لم يؤخذ منه (بنسبة عدد ما لكل) منهما - أو منهم (بالقيمة)، أي قيمة المأخوذ معتبرة (وقت الأخذ) لا وقت الرجوع، ولا الحكم؛ كما لو كان لأحدهما أربعون من الغنم، وللآخر ثمانون، فإن أخذ الشاة من ذي الأربعين رجع على صاحبه بثلثي قيمتها يوم أخذها، وإن أخذها من ذي الثمانين رجع بثلث القيمة على ذي الأربعين. ولو كان لكل أربعون فالتراجع بالنصف.
(وتعين) على الساعي (أخذ الوسط) من الواجب فلا يؤخذ من خيار الأموال، ولا من شرارها (ولو انفرد الخيار) عند المزكي كما لو كان عنده ست وثلاثون من الحقاق أو من المخاض أو ذات اللبن فلا يؤخذ عنها إلا بنت لبون سليمة ولا يأخذ من الأعلى إلا أن يتطوع المزكي به (أو) انفرد (الشرار) عنده فقوله: (إلا أن يتطوع المزكي) أي بإعطاء الخيار راجع للأول، وقوله (أو يرى الساعي أخذ المعيبة أحظ) للفقراء راجع للثاني والمراد يرى المعيبة المستوفية للسن الواجب شرعاً فلا يصح أخذ بنت لبون عن حقة؛ وإنما يأخذ ما وجب شرعاً من بنت لبون عن حقة لكنها معيبة لعور ونحوه وهي أكثر لحماً أو أكثر ثمناً.
ــ
الخلط في غيرها. فالعبرة بملك كل على حدة. فلا ثمرة في الخلط.
قوله: [المتحدة النوع]: قال بعد هذا قيد لا بد منه في كون الخليطين يزكيان زكاة المالك الواحد.
قوله: [إن نويت الخلطة]: قال في الأصل: وفي الحقيقة، الشرط عدم نية الفرار.
قوله: [حيث توفرت الشروط]: أي شروط الزكاة الأربعة المتقدمة.
قوله: [من مراح]: أي فلا بد أن يكون مملوكاً لهما ذاتاً أو منفعة أو أحدهما يملك نصف ذاته والآخر يملك نصف منفعته، وكذا يقال فيما بعده.
قوله: [بفتح الميم]: هكذا فرق الشارح بين الموضعين، وقال في المجموع: تضم ميمه وتفتح، وقال الخرشي: المراح بضم الميم، وقيل: بفتحها، قيل: هو حيث تجمع الغنم للقائلة، وقيل: حيث تجمع للرواح للمبيت. فلعل المؤلف اطلع على نقل آخر.
قوله: [للمبيت]: أي أو للسروح.
قوله: [أو متعدد]: أي وكذا يقال في المراح. والحاصل: أنه إذا كان كل من المبيت أو المراح متعدداً فلا يضر بشرط الحاجة لذلك. وتعدد الراعي لا يضر ولو لم يحتج إليه على المعتمد، خلافاً للباجي حيث قال: لا بد من اشتراط الاحتياج في تعدد الراعي. واعترض ابن عرفة كلام الباجي بأنه خلاف ظاهر النقل عن ابن القاسم من الاكتفاء بالتعاون في تعداد [١] الراعي، كثرت الغنم أو قلت اهـ. من حاشية الأصل.
قوله: [بإذنهما]: فإن اجتمعت مواش بغير إذن أربابها واشترك رعاتها في الرعي والمعاونة لم يصح عد الراعي من الأكثر، لأن أرباب الماشية لم تجتمع فيه فلا بد من اجتماعها في ثلاثة غيره.
قوله: [وفحل كذلك]: أن يكون مشتركاً أو مختصاً بأحدهما ويضرب في الجميع أو لكل ماشية فحل يضرب في الجميع.
قوله: [بنسبة عدد] إلخ: أي ولو انفرد وقص لأحدهما، كتسع من الإبل لأحدهما وللآخر خمس؛ فعليهما شاتان: على صاحب التسعة تسعة أسباع، وعلى صاحب الخمسة خمسة أسباع. فالمأخوذ منه يرجع على صاحبه بما عليه.
стр. 211
(ومجيء الساعي إن كان) ثم ساع (شرط وجوب) في الزكاة فلا تجب قبل مجيئه كما تقدم صدر الباب. وإنما أعاده هنا ليرتب فوائده عليه. وإذا كان شرط وجوب (فلا تجزئ إن أخرجها قبله): أي قبل مجيئه؛ لأنه فعل ما لم يجب عليه كالصلاة قبل دخول وقتها فيكون المجيء شرط صحة أيضاً، وإنما لم تجز -مع أن تقديم زكاة العين على الحول بكشهر يجزئ- لأن التقديم في زكاة العين رخصة لاحتياج الفقراء إليها دائماً مع عدم المانع، وليس الأمر هنا كذلك لأن الإخراج قبل مجيء الساعي فيه إبطال لأمر الإمام الذي عينه لجبي الزكاة على نهج الشريعة: ومحل عدم الإجزاء (ما لم يتخلف) الساعي عن المجيء لأمر من الأمور فإن تخلف أجزأت، فإن لم يكن ساع فالوجوب بمرور الحول.
(ويستقبل الوارث) إن مات ربها قبل مجيء الساعي ولو بعد تمام الحول؛ لأنه ملكها قبل الوجوب على المورِّث ما لم يكن عنده نصاب؛ وإلا ضم ما ورثه له وزكى الجميع كما تقدم أول الباب.
(ولا تبدأ) الوصية بالزكاة على ما يخرج قبل الوصايا من الثلث؛ كفك الأسير وصداق المريض، (إن أوصى) رب الماشية قبل مجيء الساعي (بها) أي بالزكاة ومات قبل مجيئه، بل تكون في مرتبة الوصايا بالمال يقدم عليها فك الأسير وما معه كما يأتي إن شاء الله تعالى.
ولا تجب الزكاة فيما ذبحه أو باعه قبل مجيئه إذا لم يقصد الفرار (وتجب فيما ذبحه أو باعه بعده): أي بعد مجيء الساعي
ــ
تنبيه:
يتراجعان بالقيمة لو أخذ الساعي من نصاب لهما متأولاً؛ كلكل عشرون من الغنم لا يملك غيرها أو لأحدهما نصاب وزاد للخلطة، كما لو كان لواحد مائة وللثاني أحد وعشرون لا يملك غيرها وأخذ الساعي شاتين. وأما لو كان عند الشريكين أقل من نصاب وأخذ الساعي من أحدهما فمصيبة على صاحبها كالغصب.
مسألة: قال في المجموع خليط الخليط خليط؛ فذو خمسة عشر بعيراً خالط ببعضها صاحب خمسة، وببعضها صاحب عشرة: على الكل بنت مخاض اهـ.
قوله: [ومجيء الساعي]: أي وصوله لأرباب المواشي.
وقوله: [شرط وجوب]: أي وجوب موسع كدخول وقت الصلاة؛ فإنه شرط في وجوبها وجوباً موسعاً لأنه قد يطرأ مسقط كحيض ونفاس وإغماء وجنون. وكذلك هنا قد يطرأ مسقط بعد المجيء والعد، بحصول موت فيها مثلاً؛ فإن العبرة بما بقي بعده. فإذا مات من المواشي أو ضاع منها شيء بغير تفريط بعد الحول وبعد بلوغه وقبل أخذه - ولو عدها - لا يحسب على ربها، كمسقطات الصلاة بعد الدخول وقتها. وليس العد والأخذ هما الشرط في الوجوب - خلافاً لما توهمه الشيخ سالم السنهوري - إذ لو توقف الوجوب على العد والأخذ لاستقبل الوارث إذا مات مورثه بعد مجيئه وقبل عده وأخذه، وليس كذلك. وأيضاً الوجوب هو المقتضي للعد والأخذ وهو سابق عليهما، ولأنه لو جعل الأخذ شرطاً في الوجوب للزم أنها لا تجب إلا بعد الأخذ، فيكون الأخذ واقعاً قبل الوجوب. وأما الزيادة والنقص فمبحث آخر يأتي.
تنبيه: يندب لجابي الزكاة أن يكون خروجه في أول الصيف لاجتماع المواشي إذ ذاك على المياه وذلك أيام طلوع الثريا بالفجر. واختلف في تولية الإمام لذلك الجابي؛ فقيل بوجوبه. وقيل بعدم وجوبه. وعلى كل إذا ولاه وجب خروجه فلا يلزم رب الماشية سوق صدقته إليه، بل هو يأتيها ويخرج الساعي لها كل عام ولو في جدب، لأن الضيق على الفقراء أشد فيحصل لهم ما يستغنون به، خلافاً لأشهب القائل إنه لا يخرج سنة الجدب، وعليه فهل تسقط الزكاة عن أربابها في ذلك العام؟ أو لا تسقط ويحاسب بها أربابها في العام الثاني؟ قولان. وعلى المعتمد من خروجه عام الجدب فيقبل من أرباب المواشي ولو العجفاء.
قوله [مع أن تقديم زكاة العين] إلخ: أي ومثلها الماشية التي لا ساعي لها كما يأتي في قوله كتقديمها بشهر في عين وماشية.
قوله: [وليس الأمر هنا كذلك]: ولا يقال إن زكاة الحرث كالعين فمقتضاه أنها تجزئ قبل الحول بكشهر؛ لأنا نقول إن الإجزاء في العين رخصة فيقتصر فيها على ما ورد.
قوله: [على نهج الشريعة]: مفهومه لو كان جائزاً في صرفها أنه لا يكون مجيئه شرطاً وهو كذلك، ولذلك لا يجوز إعطاؤها له، فإن أكره الناس عليه أجزأت.
قوله: [فإن تخلف أجزأت]: قال الخرشي: إذا كان السعاة موجودين وشأنهم الخروج فتخلفوا في بعض الأعوام لشغل، فأخرج رجل زكاة ماشيته أجزأت. وحملنا كلام المؤلف على ما إذا تخلف لعذر لأنه محل الخلاف على ما قاله الرجراجي، وأما إن تخلف لا لعذر فإنهم يخرجون زكاتهم ولا خلاف في هذا الوجه. اهـ.
قوله [بمرور الحول]: أي اتفاقاً. وكذا إن كان ولم يمكن بلوغه، فلو أمكن بلوغه ولم يبلغ فإن الزكاة لا تجب بمرور الحول.
قوله: [كما تقدم أول الباب]: أي في قوله: "وضمت الفائدة منها وإن بشراء له".
قوله: [ولا تبدأ] إلخ: أشار بهذا لقول مالك في المدونة: من له ماشية تجب فيها الزكاة فمات بعد حولها وقبل مجيء الساعي. وأوصى بزكاتها فهي من الثلث غير مبتدأة وعلى الورثة أن يصرفوها للمساكين التي تحل
стр. 212
(بغير) قصد (فرار)، فإن قصد الفرار أخذت منه مطلقاً.
(و) تجب (من رأس المال إن مات) ربها بعد مجيء الساعي، أي يأخذها الساعي من رأس المال لوجوبها فيه بخلاف ما لو مات قبله فيستقبل الوارث كما تقدم، فإن لم يكن ساع أخرجها الوارث من رأس المال إن مات المورث بعد الحول (لا إن ماتت) الماشية بعد مجيء الساعي (أو ضاعت بلا تفريط) من ربها فلا تجب لعدم اختياره في ذلك، بخلاف الذبح والبيع كما تقدم.
ولما فرغ من الكلام على زكاة الماشية انتقل يتكلم على زكاة الحرث فقال:
(وفي خمسة أوسق) جمع وسق -بفتح الواو وسكون المهملة- ستون صاعاً (فأكثر): إذ لا وقص في الحب.
(من الحب): بيان لخمسة أوسق، ودخل فيه أربعة عشر صنفاً: القطاني السبعة، والقمح والسلت والشعير والعلس والذرة والدخن والأرز، (وذوات الزيوت الأربع) وهي الزيتون، والسمسم، والقرطم وحب الفجل الأحمر. (والتمر والزبيب) فالأصناف التي تجب فيها الزكاة عشرون (فقط): لا في تين، ورمان، وتفاح. وسائر الفواكه. ولا في بزر كتان وسلجم، ولا في جوز ولوز ولا غير ذلك؛ (وإن) زرعت هذه العشرون (بأرض خراجية) - كأرض مصر والشام التي فتحت عنوة. وخراجها لا يسقط عنها الزكاة -كما أن العلف لا يسقط زكاة الماشية- وغير الخراجية هي أرض الصلح التي أسلم أهلها وأرض الموات (نصف عشر الحب) مبتدأ مؤخر خبره وفي خمسة أوسق، وجاز أن يكون فاعلاً لفعل محذوف أي يجب نصف إلخ ومراده بالحب هنا ما يشمل التمر والزبيب.
ــ
لهم الصدقة وليس للساعي قبضها لأنها لم تجب على الميت وكأنه مات قبل حولها إذ حولها مجيء الساعي بعد عام مضى. اهـ.
قوله: [بغير قصد فرار]: هذه العبارة ركيكة وإن كان المعنى صحيحاً.
قوله: [أي يأخذها الساعي من رأس المال]: أي قبل قسمة التركة بل تقدم على مؤن التجهيز.
قوله: [كما تقدم]: وتقدم تقييده بما إذا لم يكن عنده نصاب يضمه له وإلا فلا يستقبل.
قوله: [فإن لم يكن ساع]: أي أو لهم ساع وتخلف في تلك السنة لعذر أو غيره.
قوله: [بخلاف الذبح والبيع]: أي لأن كلاً فعل اختياري.
تنبيه: قد علم مما تقدم أنه إن أمكن وصول الساعي وتخلف لعذر أو غيره لم تجب الزكاة بمرور الحول، لكن إن أخرجها أجزأت. وليس للساعي المطالبة بها إن تخلف لغير عذر وادعى صاحبها الإخراج. أو تخلف لعذر وأثبت صاحبها إخراجها بالنية. فإن اعترف بعدم إخراجها عمل الساعي في الماضي على ما وجد بتبدئة العام الأول. فيعتبر نقصها بما أخذ منه كالهارب على الراجح، لكن يعامل
الهارب إن نقصت على ما فر به. ولو جاء تائباً - كما قال ابن عرفة راداً على ابن عبد السلام. نعم إن قامت بينة عمل بها إلا عام الأخذ فعلى ما وجد كذا في (عب). وفي (بن) اعتبار تبدئة العام الأول حتى في عام الاطلاع.
مسألة: يؤخذ من الخوارج عن طاعة الإمام زكاة الأعوام الماضية وقت القدرة عليهم، إلا أن يدعوا دفعها فيصدقوا. ما لم يكن خروجهم على الإمام لمنعها فلا يصدقون في دفعها إلا ببينة.
قوله: [وفي خمسة أوسق]: أي بشرط أن تكون في ملك واحد. فلو خرج من الزرع المشترك ستة عشر وسقاً على أربعة فلا زكاة عليهم لعدم كمال النصاب لكل.
قوله: [ستون صاعاً]: كل صاع: أربعة أمداد، كل مد: رطل وثلث، كل رطل: مائة وثمانية وعشرون درهماً مكياً، لأنه ورد: «الوزن وزن مكة والكيل كيل المدينة»، لأن مكة محل التجارة الموزونة والمدينة محل الزرع والبساتين، فيعتنون بالكيل. وكل درهم خمسون وخمسا حبة من وسط الشعير. قال في المجموع: فيوزن القدر المعلوم من الشعير، ويكال. ثم الضابط مقدار الكيل فلا يقال الوزن يختلف باختلاف الحبوب. وتقريب النصاب بكيل مصر أربعة أرادب وويبة؛ وذلك لأن كل ربع مصر: ثلاثة آصع. فالأربعة أرادب وويبة: ثلثمائة صاع وذلك قدر الخمسة الأوسق. لأن الجملة ألف مد ومائتان هذا كيلها ووزنها ألف وستمائة رطل.
قوله: [القطاني السبعة]: أي وهي الحمص بكسر الميم وفتحها. والفول واللوبيا والعدس بفتح المهملتين، والترمس بوزن بندق، والجلبان بضم الجيم وسكون اللام، والبسيلة - بالياء المثناة وبدونها - من لحن العوام كذا في الحاشية.
قوله: [الفجل الأحمر]: صفة للفجل لا للحب؛ يوجد في بلاد المغرب.
قوله: [لا في تين] إلخ: أي لا تجب في غير هذه العشرين وإن كان بعضها ربوياً.
قوله: [ولا غير ذلك]: أي كحب الفجل الأبيض والعصفر والتوابل وهي: الفلفل والكزبرة والأنيسون والشمار والكمون والحبة السوداء وغير ذلك من مصلحات الطعام وإن كانت ربوية.
قوله: [بأرض خراجية]: رد المصنف بالمبالغة على الحنفية القائلين: لا زكاة في زرع الأرض الخراجية.
قولة [كما أن العلف لا يسقط] إلخ: أي خلافاً للشافعية.
قوله: [التي أسلم أهلها]: أي بغير قتال.
قوله: [وأرض الموات]: أي كأرض الجبال والبراري مثلاً وتعريفها: ما سلم عن الاختصاص.
قوله: [نصف عشر الحب]: هذا بالنسبة لما شأنه الجفاف من الحب
стр. 213
(و) نصف عشر (زيت ما له زيت) من ذوات الزيوت الأربع. (وجاز) الإخراج (من حب غير الزيتون) وهو السمسم والقرطم وحب الفجل، وأما الزيتون فلا بد من الإخراج من زيته إن كان له زيت. فإن لم يكن له زيت -كزيتون مصر- فهو داخل في قوله:
(و) نصف عشر (ثمن ما): أي زيتون (لا زيت له) إن باعه، وإلا أخرج نصف عشر قيمته يوم طيبه، فقوله: "ثمن" عطف على الحب.
(و) نصف عشر ثمن (ما لا يجف من عنب ورطب) كعنب مصر ورطبها إن بيع وإلا فنصف عشر القيمة يوم طيبه (ولا يجزي) الإخراج (من حبه) وأما ما يجف فلا بد من الإخراج من حبه. ولو أكله أو باعه رطباً، ويتحرى. وهذا داخل في قوله: "نصف عشر الحب" كما أشرنا إليه بقولنا: "ومراده بالحب" إلخ (وكفول أخضر) الكاف بمعنى: مثل معطوفة على عنب أي من عنب ومن مثل فول أخضر: أي أن الفول الأخضر وما ماثله من القطاني كالحمص الأخضر - مما شأنه عدم اليبس كالمسقاوي- يخرج نصف العشر من ثمنه إن بيع، ونصف عشر قيمته إن لم يبع، بأن أكل أو أهدى به ونحو ذلك.
(وجاز) أن يخرج عنه حباً يابساً بعد اعتبار جفافه. فإن كان شأنه اليبس -كالذي يزرع بمحل النيل- فهو [١] يتعين فيه الإخراج (من حبه) إن أكل أخضر أو بيع كالرطب والعنب اللذين شأنهما اليبس، أو لا يتعين؟ بل يجوز الإخراج من ثمنه أو قيمته كالذي شأنه عدم اليبس: قولان. رجح بعضهم الثاني؛ وهو الذي ذكره ابن المواز عن مالك، وفي العتبية عنه: يتعين فيه الإخراج من أصل حبه، وظاهر ابن رشد وابن عرفة ترجيحه، وهو ظاهر المدونة فهو المعتمد. ومحل إخراج نصف العشر على ما تقدم. (إن سقي بآلة): كالسواقي والدواليب والدلاء. (وإلا) يسق بآلة - بأن سقي بالمطر أو النيل أو العيون أو السيح - (فالعشر) كاملاً على ما تقدم من إخراج الحب أو الزيت أو الثمن أو القيمة.
(ولو اشترى السيح) ممن نزل في أرضه (أو أنفق عليه) نفقة -كأجرة أو عمل حتى أوصله من أرض مباحة مثلاً إلى أرضه- فعليه العشر. ولا ينزل الشراء أو الإنفاق منزلة الآلة لخفة المؤنة غالباً.
(ويقدر الجفاف) إن أخذ من الحبوب أو الرطب أو العنب شيء بعد إفراكه وقبل يبسه لأكل أو بيع هذا إذا كان شأنه الجفاف، بل (وإن لم يجف) عادة -كعنب مصر ورطبها والفول المسقاوي - فإنه يقدر جفافه بالتخريص؛ بأن يقال: ما قدر ما ينقصه هذا الرطب إذا جف؟ أو ما قدره بعد جفافه؟ فإذا قيل النصف مثلاً اعتبر الباقي ليخرج منه الزكاة ولو بالضم لغيره.
(وإن سقي) زرع (بهما): أي بالآلة وغيرها، (فعلى حكمهما): أي فالزكاة في ذلك الزرع تجري على حكم السقي بالآلة والسقي بغيرها بأن يقسم الخارج نصفين. نصف فيه العشر والآخر فيه نصف العشر. وظاهره سواء استوى السقي بكل منهما في الزمن أو في عدد السقيات أم لا.
ــ
سواء ترك حتى جف بالفعل أم لا.
قوله: [ونصف عشر زيت] إلخ: أي إن بلغ حبه نصاباً، فمتى بلغ حبه نصاباً أخرج نصف عشر زيته وإن قل الزيت.
قوله: [فلا بد من الإخراج من زيته]: أي سواء عصره أو أكله أو باعه. ولا يجزئ إخراج حب أو من الثمن أو القيمة. وهذا إذا أمكن معرفة قدر الزيت ولو بالتحري، أو بإخبار موثوق بإخباره؛ وإلا أخرج من قيمته إن أكله أو أهداه أو من ثمنه إن باعه، وإلا أخرج نصف عشر قيمته، أي وإلا يبعه بل أكله أو أهداه أو تصدق به فيلزمه نصف عشر القيمة. ولو أخرج زيتوناً فإنه لا يجزئ، ومثله يقال في الرطب والعنب الذي لا يجف.
قوله: [ولا يجزئ الإخراج من حبه]: وروى علي وابن نافع: من ثمنه إلا أن يجد زبيباً فيلزم شراؤه. ابن حبيب: من ثمنه. وإن أخرج عنباً أجزأه. وكذا الزيتون الذي لا زيت له، والرطب الذي لا يتتمر؛ إن أخرج من حبه أجزأه، ولكن القول الأول الذي مشى عليه شارحنا هو مذهب المدونة كما في المواق. اهـ بن - من حاشية الأصل.
قوله: [وأما ما يجف]: أي شأنه الجفاف جف بالفعل أم لا، بدليل ما بعده.
قوله [أو باعه رطباً]: أي لمن يجففه أو لمن لا يجففه كما هو مذهب المدونة ما لم يعجز عن تحريه إذا باعه. وإلا أخرج من ثمنه. (هـ. بن من حاشية الأصل.
قوله: [وكفول أخضر]: اعلم أن وجوب الزكاة في الفول الأخضر والفريك الأخضر والحمص والشعير الأخضرين. مبني على القول بين [٢] الوجوب بالإفراك وهو المعتمد. وسيأتي أن معنى الإفراك هو طيبه وبلوغه حد الأكل منه. واستغناؤه عن السقي. وأما لو أكل قبل ذلك فلا زكاة فيه باتفاق. ولو بنينا على أن الوجوب باليبس فلا زكاة في هذه الأشياء حيث قطعت قبله. وهو ضعيف كما سيأتي.
قوله: [فهو المعتمد]: ويؤيد اعتماده تقوية (بن) فيه. والذي قال به (ر) ودرج عليه في الحاشية التخيير مطلقاً ولو كان شأنه الجفاف (قوله كالسواقي) أدخلت الكاف: النطالة والشادوف. خلافاً لمن قال إنهما لا يدخلان في الآلة.
قوله: [أو السيح]: عطف عام يشمل جميع ما قبله، فالمناسب الواو.
قوله: [فالعشر كاملاً] إلخ: ومما يجب فيه العشر ما يزرع من الذرة ويصب عليه عند زرعه فقط قليل من الماء كذا في حاشية الأصل.
قوله: [ولو اشترى السيح]: رد بلو على المخالف.
стр. 214
وهو أحد المشهورين. وعليه؛ فإذا سقي بالآلة شهرين وبالمطر شهر [١] أو سقي بالآلة أربع مرات وبغيرها مرتين. فالثلثان لهما نصف العشر والثلث له العشر. والمشهور الثاني يعتبر الأغلب لأن الحكم للغالب. وقولنا: "فعلى حكمهما" هو لفظ الشيخ ﵀ ونسخة المبيضة: "فكل على حكمه": أي فكل من السقيين جارٍ على حكمه، قل أو كثر. فهي موافقة للنسخة التي شرحنا عليها.
(وتضم القطاني) السبعة (لبعضها) بعضاً لأنها جنس واحد في الزكاة. فإذا اجتمع من جميعها أو من اثنين منها ما فيه الزكاة زكاه وأخرج من كل صنف منها ما ينوبه.
وأجزأ إخراج الأعلى عن الأدنى لا عكسه (كقمح وسلت وشعير) تشبيه في الضم، لأن الثلاثة جنس واحد.
(لا) يضم شيء منها (لعلس): حب طويل يشبه البر باليمن؛ لأنه جنس منفرد في نفسه، (وذرة) عطف على علس: أي ولا يضم شيء منها لذرة، (و) لا (دخن، و) لا (أرز، وهي) في نفسها (أجناس): أي كل واحد منها جنس على حدة (لا تضم) أي لا يضم واحد منها لآخر، بل يعتبر كل واحد على حدته.
(و) ذوات الزيوت الأربع وهي: (الزيتون، والسمسم، وبزر [٢] الفجل) الأحمر بضم الفاء يوجد بقطر الغرب (والقرطم؛ أجناس) لا يضم بعضها لبعض. (والزبيب) بأصنافه (جنس) كذلك؛ تضم أصنافه ولا يضم هو لغيره. (والتمر) بأصنافه (جنس) كذلك.
(واعتبر الأرز والعلس) في الزكاة (بقشره) الذي يخزن به (كالشعير) لا مجرداً عنه، فإذا كان فيما ذكر نصاب بقشره زكاه، وإن كان بعد التنقية منه أقل.
(والوجوب): أي وجوب الزكاة كائن ومحقق (بإفراك الحب): أي طيبه وبلوغه حد الأكل منه
ــ
قوله: [وهو أحد المشهورين]: أي لما أشهره في الإرشاد.
قوله: [والمشهور الثاني] إلخ: شهره في الجواهر.
قوله: [ونسخة المبيضة]: يعني بها مبيضة نفسه، وإنما نبه عليها لانتشار نسخة المتن قبل الشرح فدفع به توهم مخالفة النسختين ونسخة مبيضته أبلغ في العربية كما هو معلوم.
تنبيه: على القول بتغليب الأكثر اختلف: هل المراد به الأكثر مدة ولو كان السقي فيها أقل؟ كما لو كانت مدة السقي ستة أشهر منها شهران بالسيح، وأربعة بالآلة لكن سقيه بالسيح عشر مرات، وبالآلة خمس - فعلى هذا تغلب الآلة ويخرج نصف العشر في الجميع أو المراد الأكثر سقياً وإن قلت مدته؟ فعليه يغلب السيح في المثال، ويخرج عن الجميع العشر. وقد استظهره في الأصل.
قوله: [لأنها جنس واحد في الزكاة]: أي لا البيع فإنها فيه أجناس يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلاً يداً بيد كما يأتي. والقطاني: كل ما له غلاف وتقدم عدها.
قوله: [وأجزأ إخراج الأعلى]: أي أو المساوي. والعبرة بكونه أعلى أو مساوياً عرف المخرج. وإذا أخرج الأعلى عن الأدنى فإنه يخرج بقدر مكيلة المخرج عنه لأنه عوض عنه. ولا يخرج عنه أقل من مكيلته لئلا يكون رجوعاً للقيمة، فيدخله دوران الفضل من الجانبين وهو حرام.
قوله: [كقمح] إلخ: أي ويجزئ إخراج الأعلى أو المساوي كما تقدم نظيره.
قوله: [وسلت]: حب بين الشعير والقمح لا قشر له يعرف عند المغاربة بشعير النبي ﵊.
قوله: [لأن الثلاثة جنس واحد]: أي في هذا الباب وغيره يحرم بيع بعضها ببعض متفاضلة خلافاً لعبد الحميد الصائغ.
قوله: [أجناس]: أي في الزكاة والبيع.
قوله: [بل يعتبر كل واحد على حدته]: أي فإن كمل النصاب زكى وإلا فلا.
قوله: [والزبيب بأصنافه جنس]: أي في باب الزكاة والبيع.
قوله: [جنس كذلك]: تشبيه تام.
قوله: [بقشره]: أي وله أن يخرج عن الأرز مقشوراً أو غير مقشور خلافاً لمن قال بتعين الثاني.
تنبيه: يضم متحد الجنس في الحبوب ولو زرعت ببلدين، حيث زرع أحدهما قبل وجوب زكاة الآخر وبقي من الأول إلى وجوبها في الثاني ما يكمل به النصاب مع الثاني. وإن زرع ثالث بعد حصاد أول، وقبل حصاد ثان زرع ذلك الثاني قبل حصاد الأول: ضم الوسط للطرفين على سبيل البدلية إذ كان فيه مع كل منهما نصاب؛ مثل أن يكون فيه ثلاثة أوسق، وفي كل منهما وسقان ولم يخرج زكاة الأولين حتى حصل الثالث فيزكي الجميع زكاة واحدة. ولا يضم الأول للثالث إذا لم يكن في الوسط مع كل منهما على البدلية نصاب؛ مثل أن يكون في كل وسقان وزرع الثالث بعد حصاد الأول، ولو كان في الوسط مع أحد الطرفين فقط نصاب؛ كما لو كان الوسط اثنين والأول ثلاثة والثالث اثنين أو العكس، فإنه يضم له ما يكمله نصاباً ولا زكاة في الآخر. وقال ابن عرفة: إن كمل مع الأول زكى الثالث معهما دون العكس، لأنه إذا كمل من الأول مضموم للثاني وهو خليط الثالث، وإذا كمل من الثاني والثالث فالمضموم الثاني للثالث. فالحول الثالث ولا خلطة للأول به، ورجح ما لابن عرفة اهـ. من الأصل.
قوله: [بإفراك الحب] إلخ: أي كما صرح به في الأمهات، ونص اللخمي الزكاة تجب عند مالك بالطيب أي بلوغه حد الأكل، فإذا أزهى النخل أو طاب الكرم وحل بيعه وأفرك الزرع واستغنى عن الماء وأسود الزيتون أو قارب الاسوداد اهـ. فقد اقتصر في الزرع على الإفراك وذكر إباحة البيع
стр. 215
واستغنائه عن السقي كما هو مشاهد. لا باليبس ولا بالحصاد ولا بالتصفية (وطيب الثمر) بالمثلثة وفتح الميم وهو الزهو في بلح النخل، وظهور الحلاوة في العنب.
وإذا كان الوجوب بما ذكر (فيحسب) من الخمسة أوسق فأكثر (ما أكله) أو وهبه (أو تصدق) به (أو استأجر به) الحصاد أو غيره منه (بعده): أي بعد الإفراك أو الطيب تنازعه كل من العوامل قبله؛ (لا) يحسب (أكل دابة حال درسها) أي حال دورانها بالنورج، وأما ما أكلته حال ربطها فيحسب.
(ولا زكاة على وارث) ورث الزرع (قبله) أي قبل الطيب (إلا إذا حصل له) أي للوارث (نصاب) من ذلك الزرع. فإذا مات عن أخ لأم وعاصب، وحصل من الزرع ستة أوسق، فلا زكاة على الأخ للأم. لأن منابه وسق واحد. وعلى العاصب الزكاة.
(ولا) زكاة (على من): أي عبد أو كافر زرع و (عتق [١] أو أسلم بعده): أي بعد الطيب، لأنه حال الطيب لم يكن مخاطباً بالزكاة، بخلاف ما لو عتق أو أسلم قبله فعليه الزكاة.
(وخرص التمر والعنب فقط) التخريص: التحزير؛ أي يجب تخريص هذين الجنسين فقط دون غيرهما، أي يجب على الإمام أن يعين عارفاً لأرباب الحوائط يخرص عليهم. فإن لم يوجد فعلى رب الحائط أن يأتي بعارف يخرص ما في حائطه من التمر والعنب. وسواء كان شأنهما اليبس أم لا كرطب وعنب مصر ليضبط ما تجب فيه الزكاة منهما (بعده): أي الطيب لا قبله وهذا أخصر من قوله: "إذا حل بيعهما". وأشار لعلة وجوب التخريص فيهما دون غيرهما بقوله: (للاحتياج لهما): أي لأن الشأن الاحتياج لهما بالأكل والبيع والإهداء والتصدق دون غيرهما، فلو تركا بلا تخريص لحصل الغبن على الفقراء إذ لا تكاد تضبط الزكاة إلا به، وقوله ﵀: "لاختلاف حاجة أهلهما"
ــ
في غيره. كذا في (بن). ثم بعد أن ذكر كلاماً طويلاً قال: فتحصل أن المشهور تعلق الوجوب بالإفراك كما لخليل وابن الحاجب وابن شاس والمدونة، وما لابن عرفة من أن الوجوب باليبس ضعيف اهـ. من حاشية الأصل. والحق أن اليبس غير الإفراك كما هو معلوم بالمشاهدة.
قوله: [واستغنائه عن السقي]: أي ولا يلزم من ذلك أنه إذا قطع لا ينقص، بل المشاهد أنه إذا قطعه في هذه الحالة قبل يبسه يضمر وينقص.
قوله: [لا باليبس] إلخ: أي ولا يرد عليه قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] لأن المراد وأخرجوا حقه يوم حصاده. ووقت الإخراج متأخر عن وقت الوجوب.
قوله: [أو تصدق به]: أي على الفقراء ما لم يقصد به الزكاة، أو يتصدق بجميعه فلا يحسب عليه زكاة.
قوله: [لا يحسب أكل دابة]: أي لمشقة التحرز منه، فنزل منزلة الآفات السماوية، وحينئذ فلا يجب عليه تكميمها لأنه يضر بها. وفي حاشية الأجهوري على الرسالة: أنه يعفى عن نجاسة الدواب حال درسها، فلا يغسل الحب من بولها النجس. اهـ. من حاشية الأصل. فرع: قال البرزلي: لا زكاة فيما يعطيه لأهل الشرطة وخدمة السلطان، وهو بمنزلة الجائحة.
قوله: [إلا [٢] إذا حصل له] إلخ: أي لكونه حصل قبل الوجوب، فهو إنما يزكي على ملك الوارث. فإن ورث نصاباً زكاه، وإن ورث أقل فلا زكاة عليه إلا أن يكون له زرع يضمه له. وقيد عبد الحق زكاة الزرع الذي مات مالكه قبل الوجوب على ملك الوارث بما إذا لم تستغرق ذمة الميت الديون. وإلا لوجب أن يزكي على ملك الميت لأنه باق على ملكه. ولا ميراث فيه لتقدم الدين.
قوله: [فلا زكاة على الأخ للأم]: أي ما لم يكن عنده ما يكمل به النصاب من زرع آخر كما تقدم.
تنبيه: تجب الزكاة على بائع الزرع بعد الإفراك والطيب، ويصدق المشتري في إخباره بالقدر حيث كان مأموناً. وإلا احتاط؛ فإن أعدم البائع فعلى المشتري زكاته نيابة إن بقي البيع عنده أو أتلفه هو. ثم يرجع على البائع بحصتها من الثمن، ونفقته عليها من أجرة حصاد وتصفية. فإن تلف بسماوي فلا زكاة أصلاً، وإن أتلفه أجنبي لم يتبع بزكاته المشتري وأتبع بها البائع إن أيسر.
مسألة: من أوصى بشيء من الزرع بعد وجوب الزكاة فيه أو قبله ومات بعده، فالزكاة على الموصي، كانت بكيل أو بجزء، لمساكين أو لمعين. وأما إن مات قبل الوجوب فعلى الموصي أيضاً إن كانت بكيل لمساكين أو لمعين. وإن كانت بجزء لمعين: زكاها المعين إن كانت نصاباً، ولو بانضمامها لماله. ولمساكين: زكيت على ذمته إن كانت نصاباً ولا ترجع على الورثة بما أخذ من الزكاة. اهـ. من الأصل.
قوله [أو أسلم بعده]: إن قلت: لا يظهر هذا على التحقيق من أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ فمقتضاه الوجوب سواء أسلم بعد أو قبل، لأن الوجوب حاصل على كل حال. وأجيب: بأن الفرع مشهور مبني على ضعيف، ولذا قال بعد: "لأنه حال الطيب لم يكن مخاطباً بالزكاة".
قوله: [وخرص التمر والعنب فقط]: اعترض الحصر بأن الشعير الأخضر إذا أفرك وأكل أو بيع زمن المسغبة. والفول الأخضر والحمص تخرص أيضاً بناء على أن الوجوب بالإفراك. وأجيب بجوابين: الأول أن الحصر منصب على الشرط. الثاني أن الشعير والفول والحمص لا تخريص فيها لأنه وإن كان يقدر جفافه ويحسب ما أكل منه تحرياً إلا أن هذا الأمر موكول لربه. والتخريص: أن يعين الإمام عارفاً لأرباب الحوائط يخرص عليهم إلى آخر ما قال الشارح.
قوله: [من التمر]: