(ومجيء الساعي إن كان) ثم ساع (شرط وجوب) في الزكاة فلا تجب قبل مجيئه كما تقدم صدر الباب. وإنما أعاده هنا ليرتب فوائده عليه. وإذا كان شرط وجوب (فلا تجزئ إن أخرجها قبله): أي قبل مجيئه؛ لأنه فعل ما لم يجب عليه كالصلاة قبل دخول وقتها فيكون المجيء شرط صحة أيضاً، وإنما لم تجز -مع أن تقديم زكاة العين على الحول بكشهر يجزئ- لأن التقديم في زكاة العين رخصة لاحتياج الفقراء إليها دائماً مع عدم المانع، وليس الأمر هنا كذلك لأن الإخراج قبل مجيء الساعي فيه إبطال لأمر الإمام الذي عينه لجبي الزكاة على نهج الشريعة: ومحل عدم الإجزاء (ما لم يتخلف) الساعي عن المجيء لأمر من الأمور فإن تخلف أجزأت، فإن لم يكن ساع فالوجوب بمرور الحول.
(ويستقبل الوارث) إن مات ربها قبل مجيء الساعي ولو بعد تمام الحول؛ لأنه ملكها قبل الوجوب على المورِّث ما لم يكن عنده نصاب؛ وإلا ضم ما ورثه له وزكى الجميع كما تقدم أول الباب.
(ولا تبدأ) الوصية بالزكاة على ما يخرج قبل الوصايا من الثلث؛ كفك الأسير وصداق المريض، (إن أوصى) رب الماشية قبل مجيء الساعي (بها) أي بالزكاة ومات قبل مجيئه، بل تكون في مرتبة الوصايا بالمال يقدم عليها فك الأسير وما معه كما يأتي إن شاء الله تعالى.
ولا تجب الزكاة فيما ذبحه أو باعه قبل مجيئه إذا لم يقصد الفرار (وتجب فيما ذبحه أو باعه بعده): أي بعد مجيء الساعي
ــ
تنبيه:
يتراجعان بالقيمة لو أخذ الساعي من نصاب لهما متأولاً؛ كلكل عشرون من الغنم لا يملك غيرها أو لأحدهما نصاب وزاد للخلطة، كما لو كان لواحد مائة وللثاني أحد وعشرون لا يملك غيرها وأخذ الساعي شاتين. وأما لو كان عند الشريكين أقل من نصاب وأخذ الساعي من أحدهما فمصيبة على صاحبها كالغصب.
مسألة: قال في المجموع خليط الخليط خليط؛ فذو خمسة عشر بعيراً خالط ببعضها صاحب خمسة، وببعضها صاحب عشرة: على الكل بنت مخاض اهـ.
قوله: [ومجيء الساعي]: أي وصوله لأرباب المواشي.
وقوله: [شرط وجوب]: أي وجوب موسع كدخول وقت الصلاة؛ فإنه شرط في وجوبها وجوباً موسعاً لأنه قد يطرأ مسقط كحيض ونفاس وإغماء وجنون. وكذلك هنا قد يطرأ مسقط بعد المجيء والعد، بحصول موت فيها مثلاً؛ فإن العبرة بما بقي بعده. فإذا مات من المواشي أو ضاع منها شيء بغير تفريط بعد الحول وبعد بلوغه وقبل أخذه - ولو عدها - لا يحسب على ربها، كمسقطات الصلاة بعد الدخول وقتها. وليس العد والأخذ هما الشرط في الوجوب - خلافاً لما توهمه الشيخ سالم السنهوري - إذ لو توقف الوجوب على العد والأخذ لاستقبل الوارث إذا مات مورثه بعد مجيئه وقبل عده وأخذه، وليس كذلك. وأيضاً الوجوب هو المقتضي للعد والأخذ وهو سابق عليهما، ولأنه لو جعل الأخذ شرطاً في الوجوب للزم أنها لا تجب إلا بعد الأخذ، فيكون الأخذ واقعاً قبل الوجوب. وأما الزيادة والنقص فمبحث آخر يأتي.
تنبيه: يندب لجابي الزكاة أن يكون خروجه في أول الصيف لاجتماع المواشي إذ ذاك على المياه وذلك أيام طلوع الثريا بالفجر. واختلف في تولية الإمام لذلك الجابي؛ فقيل بوجوبه. وقيل بعدم وجوبه. وعلى كل إذا ولاه وجب خروجه فلا يلزم رب الماشية سوق صدقته إليه، بل هو يأتيها ويخرج الساعي لها كل عام ولو في جدب، لأن الضيق على الفقراء أشد فيحصل لهم ما يستغنون به، خلافاً لأشهب القائل إنه لا يخرج سنة الجدب، وعليه فهل تسقط الزكاة عن أربابها في ذلك العام؟ أو لا تسقط ويحاسب بها أربابها في العام الثاني؟ قولان. وعلى المعتمد من خروجه عام الجدب فيقبل من أرباب المواشي ولو العجفاء.
قوله [مع أن تقديم زكاة العين] إلخ: أي ومثلها الماشية التي لا ساعي لها كما يأتي في قوله كتقديمها بشهر في عين وماشية.
قوله: [وليس الأمر هنا كذلك]: ولا يقال إن زكاة الحرث كالعين فمقتضاه أنها تجزئ قبل الحول بكشهر؛ لأنا نقول إن الإجزاء في العين رخصة فيقتصر فيها على ما ورد.
قوله: [على نهج الشريعة]: مفهومه لو كان جائزاً في صرفها أنه لا يكون مجيئه شرطاً وهو كذلك، ولذلك لا يجوز إعطاؤها له، فإن أكره الناس عليه أجزأت.
قوله: [فإن تخلف أجزأت]: قال الخرشي: إذا كان السعاة موجودين وشأنهم الخروج فتخلفوا في بعض الأعوام لشغل، فأخرج رجل زكاة ماشيته أجزأت. وحملنا كلام المؤلف على ما إذا تخلف لعذر لأنه محل الخلاف على ما قاله الرجراجي، وأما إن تخلف لا لعذر فإنهم يخرجون زكاتهم ولا خلاف في هذا الوجه. اهـ.
قوله [بمرور الحول]: أي اتفاقاً. وكذا إن كان ولم يمكن بلوغه، فلو أمكن بلوغه ولم يبلغ فإن الزكاة لا تجب بمرور الحول.
قوله: [كما تقدم أول الباب]: أي في قوله: "وضمت الفائدة منها وإن بشراء له".
قوله: [ولا تبدأ] إلخ: أشار بهذا لقول مالك في المدونة: من له ماشية تجب فيها الزكاة فمات بعد حولها وقبل مجيء الساعي. وأوصى بزكاتها فهي من الثلث غير مبتدأة وعلى الورثة أن يصرفوها للمساكين التي تحل
стр. 212
(بغير) قصد (فرار)، فإن قصد الفرار أخذت منه مطلقاً.
(و) تجب (من رأس المال إن مات) ربها بعد مجيء الساعي، أي يأخذها الساعي من رأس المال لوجوبها فيه بخلاف ما لو مات قبله فيستقبل الوارث كما تقدم، فإن لم يكن ساع أخرجها الوارث من رأس المال إن مات المورث بعد الحول (لا إن ماتت) الماشية بعد مجيء الساعي (أو ضاعت بلا تفريط) من ربها فلا تجب لعدم اختياره في ذلك، بخلاف الذبح والبيع كما تقدم.
ولما فرغ من الكلام على زكاة الماشية انتقل يتكلم على زكاة الحرث فقال:
(وفي خمسة أوسق) جمع وسق -بفتح الواو وسكون المهملة- ستون صاعاً (فأكثر): إذ لا وقص في الحب.
(من الحب): بيان لخمسة أوسق، ودخل فيه أربعة عشر صنفاً: القطاني السبعة، والقمح والسلت والشعير والعلس والذرة والدخن والأرز، (وذوات الزيوت الأربع) وهي الزيتون، والسمسم، والقرطم وحب الفجل الأحمر. (والتمر والزبيب) فالأصناف التي تجب فيها الزكاة عشرون (فقط): لا في تين، ورمان، وتفاح. وسائر الفواكه. ولا في بزر كتان وسلجم، ولا في جوز ولوز ولا غير ذلك؛ (وإن) زرعت هذه العشرون (بأرض خراجية) - كأرض مصر والشام التي فتحت عنوة. وخراجها لا يسقط عنها الزكاة -كما أن العلف لا يسقط زكاة الماشية- وغير الخراجية هي أرض الصلح التي أسلم أهلها وأرض الموات (نصف عشر الحب) مبتدأ مؤخر خبره وفي خمسة أوسق، وجاز أن يكون فاعلاً لفعل محذوف أي يجب نصف إلخ ومراده بالحب هنا ما يشمل التمر والزبيب.
ــ
لهم الصدقة وليس للساعي قبضها لأنها لم تجب على الميت وكأنه مات قبل حولها إذ حولها مجيء الساعي بعد عام مضى. اهـ.
قوله: [بغير قصد فرار]: هذه العبارة ركيكة وإن كان المعنى صحيحاً.
قوله: [أي يأخذها الساعي من رأس المال]: أي قبل قسمة التركة بل تقدم على مؤن التجهيز.
قوله: [كما تقدم]: وتقدم تقييده بما إذا لم يكن عنده نصاب يضمه له وإلا فلا يستقبل.
قوله: [فإن لم يكن ساع]: أي أو لهم ساع وتخلف في تلك السنة لعذر أو غيره.
قوله: [بخلاف الذبح والبيع]: أي لأن كلاً فعل اختياري.
تنبيه: قد علم مما تقدم أنه إن أمكن وصول الساعي وتخلف لعذر أو غيره لم تجب الزكاة بمرور الحول، لكن إن أخرجها أجزأت. وليس للساعي المطالبة بها إن تخلف لغير عذر وادعى صاحبها الإخراج. أو تخلف لعذر وأثبت صاحبها إخراجها بالنية. فإن اعترف بعدم إخراجها عمل الساعي في الماضي على ما وجد بتبدئة العام الأول. فيعتبر نقصها بما أخذ منه كالهارب على الراجح، لكن يعامل
الهارب إن نقصت على ما فر به. ولو جاء تائباً - كما قال ابن عرفة راداً على ابن عبد السلام. نعم إن قامت بينة عمل بها إلا عام الأخذ فعلى ما وجد كذا في (عب). وفي (بن) اعتبار تبدئة العام الأول حتى في عام الاطلاع.
مسألة: يؤخذ من الخوارج عن طاعة الإمام زكاة الأعوام الماضية وقت القدرة عليهم، إلا أن يدعوا دفعها فيصدقوا. ما لم يكن خروجهم على الإمام لمنعها فلا يصدقون في دفعها إلا ببينة.
قوله: [وفي خمسة أوسق]: أي بشرط أن تكون في ملك واحد. فلو خرج من الزرع المشترك ستة عشر وسقاً على أربعة فلا زكاة عليهم لعدم كمال النصاب لكل.
قوله: [ستون صاعاً]: كل صاع: أربعة أمداد، كل مد: رطل وثلث، كل رطل: مائة وثمانية وعشرون درهماً مكياً، لأنه ورد: «الوزن وزن مكة والكيل كيل المدينة»، لأن مكة محل التجارة الموزونة والمدينة محل الزرع والبساتين، فيعتنون بالكيل. وكل درهم خمسون وخمسا حبة من وسط الشعير. قال في المجموع: فيوزن القدر المعلوم من الشعير، ويكال. ثم الضابط مقدار الكيل فلا يقال الوزن يختلف باختلاف الحبوب. وتقريب النصاب بكيل مصر أربعة أرادب وويبة؛ وذلك لأن كل ربع مصر: ثلاثة آصع. فالأربعة أرادب وويبة: ثلثمائة صاع وذلك قدر الخمسة الأوسق. لأن الجملة ألف مد ومائتان هذا كيلها ووزنها ألف وستمائة رطل.
قوله: [القطاني السبعة]: أي وهي الحمص بكسر الميم وفتحها. والفول واللوبيا والعدس بفتح المهملتين، والترمس بوزن بندق، والجلبان بضم الجيم وسكون اللام، والبسيلة - بالياء المثناة وبدونها - من لحن العوام كذا في الحاشية.
قوله: [الفجل الأحمر]: صفة للفجل لا للحب؛ يوجد في بلاد المغرب.
قوله: [لا في تين] إلخ: أي لا تجب في غير هذه العشرين وإن كان بعضها ربوياً.
قوله: [ولا غير ذلك]: أي كحب الفجل الأبيض والعصفر والتوابل وهي: الفلفل والكزبرة والأنيسون والشمار والكمون والحبة السوداء وغير ذلك من مصلحات الطعام وإن كانت ربوية.
قوله: [بأرض خراجية]: رد المصنف بالمبالغة على الحنفية القائلين: لا زكاة في زرع الأرض الخراجية.
قولة [كما أن العلف لا يسقط] إلخ: أي خلافاً للشافعية.
قوله: [التي أسلم أهلها]: أي بغير قتال.
قوله: [وأرض الموات]: أي كأرض الجبال والبراري مثلاً وتعريفها: ما سلم عن الاختصاص.
قوله: [نصف عشر الحب]: هذا بالنسبة لما شأنه الجفاف من الحب
стр. 213
(و) نصف عشر (زيت ما له زيت) من ذوات الزيوت الأربع. (وجاز) الإخراج (من حب غير الزيتون) وهو السمسم والقرطم وحب الفجل، وأما الزيتون فلا بد من الإخراج من زيته إن كان له زيت. فإن لم يكن له زيت -كزيتون مصر- فهو داخل في قوله:
(و) نصف عشر (ثمن ما): أي زيتون (لا زيت له) إن باعه، وإلا أخرج نصف عشر قيمته يوم طيبه، فقوله: "ثمن" عطف على الحب.
(و) نصف عشر ثمن (ما لا يجف من عنب ورطب) كعنب مصر ورطبها إن بيع وإلا فنصف عشر القيمة يوم طيبه (ولا يجزي) الإخراج (من حبه) وأما ما يجف فلا بد من الإخراج من حبه. ولو أكله أو باعه رطباً، ويتحرى. وهذا داخل في قوله: "نصف عشر الحب" كما أشرنا إليه بقولنا: "ومراده بالحب" إلخ (وكفول أخضر) الكاف بمعنى: مثل معطوفة على عنب أي من عنب ومن مثل فول أخضر: أي أن الفول الأخضر وما ماثله من القطاني كالحمص الأخضر - مما شأنه عدم اليبس كالمسقاوي- يخرج نصف العشر من ثمنه إن بيع، ونصف عشر قيمته إن لم يبع، بأن أكل أو أهدى به ونحو ذلك.
(وجاز) أن يخرج عنه حباً يابساً بعد اعتبار جفافه. فإن كان شأنه اليبس -كالذي يزرع بمحل النيل- فهو [١] يتعين فيه الإخراج (من حبه) إن أكل أخضر أو بيع كالرطب والعنب اللذين شأنهما اليبس، أو لا يتعين؟ بل يجوز الإخراج من ثمنه أو قيمته كالذي شأنه عدم اليبس: قولان. رجح بعضهم الثاني؛ وهو الذي ذكره ابن المواز عن مالك، وفي العتبية عنه: يتعين فيه الإخراج من أصل حبه، وظاهر ابن رشد وابن عرفة ترجيحه، وهو ظاهر المدونة فهو المعتمد. ومحل إخراج نصف العشر على ما تقدم. (إن سقي بآلة): كالسواقي والدواليب والدلاء. (وإلا) يسق بآلة - بأن سقي بالمطر أو النيل أو العيون أو السيح - (فالعشر) كاملاً على ما تقدم من إخراج الحب أو الزيت أو الثمن أو القيمة.
(ولو اشترى السيح) ممن نزل في أرضه (أو أنفق عليه) نفقة -كأجرة أو عمل حتى أوصله من أرض مباحة مثلاً إلى أرضه- فعليه العشر. ولا ينزل الشراء أو الإنفاق منزلة الآلة لخفة المؤنة غالباً.
(ويقدر الجفاف) إن أخذ من الحبوب أو الرطب أو العنب شيء بعد إفراكه وقبل يبسه لأكل أو بيع هذا إذا كان شأنه الجفاف، بل (وإن لم يجف) عادة -كعنب مصر ورطبها والفول المسقاوي - فإنه يقدر جفافه بالتخريص؛ بأن يقال: ما قدر ما ينقصه هذا الرطب إذا جف؟ أو ما قدره بعد جفافه؟ فإذا قيل النصف مثلاً اعتبر الباقي ليخرج منه الزكاة ولو بالضم لغيره.
(وإن سقي) زرع (بهما): أي بالآلة وغيرها، (فعلى حكمهما): أي فالزكاة في ذلك الزرع تجري على حكم السقي بالآلة والسقي بغيرها بأن يقسم الخارج نصفين. نصف فيه العشر والآخر فيه نصف العشر. وظاهره سواء استوى السقي بكل منهما في الزمن أو في عدد السقيات أم لا.
ــ
سواء ترك حتى جف بالفعل أم لا.
قوله: [ونصف عشر زيت] إلخ: أي إن بلغ حبه نصاباً، فمتى بلغ حبه نصاباً أخرج نصف عشر زيته وإن قل الزيت.
قوله: [فلا بد من الإخراج من زيته]: أي سواء عصره أو أكله أو باعه. ولا يجزئ إخراج حب أو من الثمن أو القيمة. وهذا إذا أمكن معرفة قدر الزيت ولو بالتحري، أو بإخبار موثوق بإخباره؛ وإلا أخرج من قيمته إن أكله أو أهداه أو من ثمنه إن باعه، وإلا أخرج نصف عشر قيمته، أي وإلا يبعه بل أكله أو أهداه أو تصدق به فيلزمه نصف عشر القيمة. ولو أخرج زيتوناً فإنه لا يجزئ، ومثله يقال في الرطب والعنب الذي لا يجف.
قوله: [ولا يجزئ الإخراج من حبه]: وروى علي وابن نافع: من ثمنه إلا أن يجد زبيباً فيلزم شراؤه. ابن حبيب: من ثمنه. وإن أخرج عنباً أجزأه. وكذا الزيتون الذي لا زيت له، والرطب الذي لا يتتمر؛ إن أخرج من حبه أجزأه، ولكن القول الأول الذي مشى عليه شارحنا هو مذهب المدونة كما في المواق. اهـ بن - من حاشية الأصل.
قوله: [وأما ما يجف]: أي شأنه الجفاف جف بالفعل أم لا، بدليل ما بعده.
قوله [أو باعه رطباً]: أي لمن يجففه أو لمن لا يجففه كما هو مذهب المدونة ما لم يعجز عن تحريه إذا باعه. وإلا أخرج من ثمنه. (هـ. بن من حاشية الأصل.
قوله: [وكفول أخضر]: اعلم أن وجوب الزكاة في الفول الأخضر والفريك الأخضر والحمص والشعير الأخضرين. مبني على القول بين [٢] الوجوب بالإفراك وهو المعتمد. وسيأتي أن معنى الإفراك هو طيبه وبلوغه حد الأكل منه. واستغناؤه عن السقي. وأما لو أكل قبل ذلك فلا زكاة فيه باتفاق. ولو بنينا على أن الوجوب باليبس فلا زكاة في هذه الأشياء حيث قطعت قبله. وهو ضعيف كما سيأتي.
قوله: [فهو المعتمد]: ويؤيد اعتماده تقوية (بن) فيه. والذي قال به (ر) ودرج عليه في الحاشية التخيير مطلقاً ولو كان شأنه الجفاف (قوله كالسواقي) أدخلت الكاف: النطالة والشادوف. خلافاً لمن قال إنهما لا يدخلان في الآلة.
قوله: [أو السيح]: عطف عام يشمل جميع ما قبله، فالمناسب الواو.
قوله: [فالعشر كاملاً] إلخ: ومما يجب فيه العشر ما يزرع من الذرة ويصب عليه عند زرعه فقط قليل من الماء كذا في حاشية الأصل.
قوله: [ولو اشترى السيح]: رد بلو على المخالف.
стр. 214
وهو أحد المشهورين. وعليه؛ فإذا سقي بالآلة شهرين وبالمطر شهر [١] أو سقي بالآلة أربع مرات وبغيرها مرتين. فالثلثان لهما نصف العشر والثلث له العشر. والمشهور الثاني يعتبر الأغلب لأن الحكم للغالب. وقولنا: "فعلى حكمهما" هو لفظ الشيخ ﵀ ونسخة المبيضة: "فكل على حكمه": أي فكل من السقيين جارٍ على حكمه، قل أو كثر. فهي موافقة للنسخة التي شرحنا عليها.
(وتضم القطاني) السبعة (لبعضها) بعضاً لأنها جنس واحد في الزكاة. فإذا اجتمع من جميعها أو من اثنين منها ما فيه الزكاة زكاه وأخرج من كل صنف منها ما ينوبه.
وأجزأ إخراج الأعلى عن الأدنى لا عكسه (كقمح وسلت وشعير) تشبيه في الضم، لأن الثلاثة جنس واحد.
(لا) يضم شيء منها (لعلس): حب طويل يشبه البر باليمن؛ لأنه جنس منفرد في نفسه، (وذرة) عطف على علس: أي ولا يضم شيء منها لذرة، (و) لا (دخن، و) لا (أرز، وهي) في نفسها (أجناس): أي كل واحد منها جنس على حدة (لا تضم) أي لا يضم واحد منها لآخر، بل يعتبر كل واحد على حدته.
(و) ذوات الزيوت الأربع وهي: (الزيتون، والسمسم، وبزر [٢] الفجل) الأحمر بضم الفاء يوجد بقطر الغرب (والقرطم؛ أجناس) لا يضم بعضها لبعض. (والزبيب) بأصنافه (جنس) كذلك؛ تضم أصنافه ولا يضم هو لغيره. (والتمر) بأصنافه (جنس) كذلك.
(واعتبر الأرز والعلس) في الزكاة (بقشره) الذي يخزن به (كالشعير) لا مجرداً عنه، فإذا كان فيما ذكر نصاب بقشره زكاه، وإن كان بعد التنقية منه أقل.
(والوجوب): أي وجوب الزكاة كائن ومحقق (بإفراك الحب): أي طيبه وبلوغه حد الأكل منه
ــ
قوله: [وهو أحد المشهورين]: أي لما أشهره في الإرشاد.
قوله: [والمشهور الثاني] إلخ: شهره في الجواهر.
قوله: [ونسخة المبيضة]: يعني بها مبيضة نفسه، وإنما نبه عليها لانتشار نسخة المتن قبل الشرح فدفع به توهم مخالفة النسختين ونسخة مبيضته أبلغ في العربية كما هو معلوم.
تنبيه: على القول بتغليب الأكثر اختلف: هل المراد به الأكثر مدة ولو كان السقي فيها أقل؟ كما لو كانت مدة السقي ستة أشهر منها شهران بالسيح، وأربعة بالآلة لكن سقيه بالسيح عشر مرات، وبالآلة خمس - فعلى هذا تغلب الآلة ويخرج نصف العشر في الجميع أو المراد الأكثر سقياً وإن قلت مدته؟ فعليه يغلب السيح في المثال، ويخرج عن الجميع العشر. وقد استظهره في الأصل.
قوله: [لأنها جنس واحد في الزكاة]: أي لا البيع فإنها فيه أجناس يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلاً يداً بيد كما يأتي. والقطاني: كل ما له غلاف وتقدم عدها.
قوله: [وأجزأ إخراج الأعلى]: أي أو المساوي. والعبرة بكونه أعلى أو مساوياً عرف المخرج. وإذا أخرج الأعلى عن الأدنى فإنه يخرج بقدر مكيلة المخرج عنه لأنه عوض عنه. ولا يخرج عنه أقل من مكيلته لئلا يكون رجوعاً للقيمة، فيدخله دوران الفضل من الجانبين وهو حرام.
قوله: [كقمح] إلخ: أي ويجزئ إخراج الأعلى أو المساوي كما تقدم نظيره.
قوله: [وسلت]: حب بين الشعير والقمح لا قشر له يعرف عند المغاربة بشعير النبي ﵊.
قوله: [لأن الثلاثة جنس واحد]: أي في هذا الباب وغيره يحرم بيع بعضها ببعض متفاضلة خلافاً لعبد الحميد الصائغ.
قوله: [أجناس]: أي في الزكاة والبيع.
قوله: [بل يعتبر كل واحد على حدته]: أي فإن كمل النصاب زكى وإلا فلا.
قوله: [والزبيب بأصنافه جنس]: أي في باب الزكاة والبيع.
قوله: [جنس كذلك]: تشبيه تام.
قوله: [بقشره]: أي وله أن يخرج عن الأرز مقشوراً أو غير مقشور خلافاً لمن قال بتعين الثاني.
تنبيه: يضم متحد الجنس في الحبوب ولو زرعت ببلدين، حيث زرع أحدهما قبل وجوب زكاة الآخر وبقي من الأول إلى وجوبها في الثاني ما يكمل به النصاب مع الثاني. وإن زرع ثالث بعد حصاد أول، وقبل حصاد ثان زرع ذلك الثاني قبل حصاد الأول: ضم الوسط للطرفين على سبيل البدلية إذ كان فيه مع كل منهما نصاب؛ مثل أن يكون فيه ثلاثة أوسق، وفي كل منهما وسقان ولم يخرج زكاة الأولين حتى حصل الثالث فيزكي الجميع زكاة واحدة. ولا يضم الأول للثالث إذا لم يكن في الوسط مع كل منهما على البدلية نصاب؛ مثل أن يكون في كل وسقان وزرع الثالث بعد حصاد الأول، ولو كان في الوسط مع أحد الطرفين فقط نصاب؛ كما لو كان الوسط اثنين والأول ثلاثة والثالث اثنين أو العكس، فإنه يضم له ما يكمله نصاباً ولا زكاة في الآخر. وقال ابن عرفة: إن كمل مع الأول زكى الثالث معهما دون العكس، لأنه إذا كمل من الأول مضموم للثاني وهو خليط الثالث، وإذا كمل من الثاني والثالث فالمضموم الثاني للثالث. فالحول الثالث ولا خلطة للأول به، ورجح ما لابن عرفة اهـ. من الأصل.
قوله: [بإفراك الحب] إلخ: أي كما صرح به في الأمهات، ونص اللخمي الزكاة تجب عند مالك بالطيب أي بلوغه حد الأكل، فإذا أزهى النخل أو طاب الكرم وحل بيعه وأفرك الزرع واستغنى عن الماء وأسود الزيتون أو قارب الاسوداد اهـ. فقد اقتصر في الزرع على الإفراك وذكر إباحة البيع
стр. 215
واستغنائه عن السقي كما هو مشاهد. لا باليبس ولا بالحصاد ولا بالتصفية (وطيب الثمر) بالمثلثة وفتح الميم وهو الزهو في بلح النخل، وظهور الحلاوة في العنب.
وإذا كان الوجوب بما ذكر (فيحسب) من الخمسة أوسق فأكثر (ما أكله) أو وهبه (أو تصدق) به (أو استأجر به) الحصاد أو غيره منه (بعده): أي بعد الإفراك أو الطيب تنازعه كل من العوامل قبله؛ (لا) يحسب (أكل دابة حال درسها) أي حال دورانها بالنورج، وأما ما أكلته حال ربطها فيحسب.
(ولا زكاة على وارث) ورث الزرع (قبله) أي قبل الطيب (إلا إذا حصل له) أي للوارث (نصاب) من ذلك الزرع. فإذا مات عن أخ لأم وعاصب، وحصل من الزرع ستة أوسق، فلا زكاة على الأخ للأم. لأن منابه وسق واحد. وعلى العاصب الزكاة.
(ولا) زكاة (على من): أي عبد أو كافر زرع و (عتق [١] أو أسلم بعده): أي بعد الطيب، لأنه حال الطيب لم يكن مخاطباً بالزكاة، بخلاف ما لو عتق أو أسلم قبله فعليه الزكاة.
(وخرص التمر والعنب فقط) التخريص: التحزير؛ أي يجب تخريص هذين الجنسين فقط دون غيرهما، أي يجب على الإمام أن يعين عارفاً لأرباب الحوائط يخرص عليهم. فإن لم يوجد فعلى رب الحائط أن يأتي بعارف يخرص ما في حائطه من التمر والعنب. وسواء كان شأنهما اليبس أم لا كرطب وعنب مصر ليضبط ما تجب فيه الزكاة منهما (بعده): أي الطيب لا قبله وهذا أخصر من قوله: "إذا حل بيعهما". وأشار لعلة وجوب التخريص فيهما دون غيرهما بقوله: (للاحتياج لهما): أي لأن الشأن الاحتياج لهما بالأكل والبيع والإهداء والتصدق دون غيرهما، فلو تركا بلا تخريص لحصل الغبن على الفقراء إذ لا تكاد تضبط الزكاة إلا به، وقوله ﵀: "لاختلاف حاجة أهلهما"
ــ
في غيره. كذا في (بن). ثم بعد أن ذكر كلاماً طويلاً قال: فتحصل أن المشهور تعلق الوجوب بالإفراك كما لخليل وابن الحاجب وابن شاس والمدونة، وما لابن عرفة من أن الوجوب باليبس ضعيف اهـ. من حاشية الأصل. والحق أن اليبس غير الإفراك كما هو معلوم بالمشاهدة.
قوله: [واستغنائه عن السقي]: أي ولا يلزم من ذلك أنه إذا قطع لا ينقص، بل المشاهد أنه إذا قطعه في هذه الحالة قبل يبسه يضمر وينقص.
قوله: [لا باليبس] إلخ: أي ولا يرد عليه قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] لأن المراد وأخرجوا حقه يوم حصاده. ووقت الإخراج متأخر عن وقت الوجوب.
قوله: [أو تصدق به]: أي على الفقراء ما لم يقصد به الزكاة، أو يتصدق بجميعه فلا يحسب عليه زكاة.
قوله: [لا يحسب أكل دابة]: أي لمشقة التحرز منه، فنزل منزلة الآفات السماوية، وحينئذ فلا يجب عليه تكميمها لأنه يضر بها. وفي حاشية الأجهوري على الرسالة: أنه يعفى عن نجاسة الدواب حال درسها، فلا يغسل الحب من بولها النجس. اهـ. من حاشية الأصل. فرع: قال البرزلي: لا زكاة فيما يعطيه لأهل الشرطة وخدمة السلطان، وهو بمنزلة الجائحة.
قوله: [إلا [٢] إذا حصل له] إلخ: أي لكونه حصل قبل الوجوب، فهو إنما يزكي على ملك الوارث. فإن ورث نصاباً زكاه، وإن ورث أقل فلا زكاة عليه إلا أن يكون له زرع يضمه له. وقيد عبد الحق زكاة الزرع الذي مات مالكه قبل الوجوب على ملك الوارث بما إذا لم تستغرق ذمة الميت الديون. وإلا لوجب أن يزكي على ملك الميت لأنه باق على ملكه. ولا ميراث فيه لتقدم الدين.
قوله: [فلا زكاة على الأخ للأم]: أي ما لم يكن عنده ما يكمل به النصاب من زرع آخر كما تقدم.
تنبيه: تجب الزكاة على بائع الزرع بعد الإفراك والطيب، ويصدق المشتري في إخباره بالقدر حيث كان مأموناً. وإلا احتاط؛ فإن أعدم البائع فعلى المشتري زكاته نيابة إن بقي البيع عنده أو أتلفه هو. ثم يرجع على البائع بحصتها من الثمن، ونفقته عليها من أجرة حصاد وتصفية. فإن تلف بسماوي فلا زكاة أصلاً، وإن أتلفه أجنبي لم يتبع بزكاته المشتري وأتبع بها البائع إن أيسر.
مسألة: من أوصى بشيء من الزرع بعد وجوب الزكاة فيه أو قبله ومات بعده، فالزكاة على الموصي، كانت بكيل أو بجزء، لمساكين أو لمعين. وأما إن مات قبل الوجوب فعلى الموصي أيضاً إن كانت بكيل لمساكين أو لمعين. وإن كانت بجزء لمعين: زكاها المعين إن كانت نصاباً، ولو بانضمامها لماله. ولمساكين: زكيت على ذمته إن كانت نصاباً ولا ترجع على الورثة بما أخذ من الزكاة. اهـ. من الأصل.
قوله [أو أسلم بعده]: إن قلت: لا يظهر هذا على التحقيق من أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ فمقتضاه الوجوب سواء أسلم بعد أو قبل، لأن الوجوب حاصل على كل حال. وأجيب: بأن الفرع مشهور مبني على ضعيف، ولذا قال بعد: "لأنه حال الطيب لم يكن مخاطباً بالزكاة".
قوله: [وخرص التمر والعنب فقط]: اعترض الحصر بأن الشعير الأخضر إذا أفرك وأكل أو بيع زمن المسغبة. والفول الأخضر والحمص تخرص أيضاً بناء على أن الوجوب بالإفراك. وأجيب بجوابين: الأول أن الحصر منصب على الشرط. الثاني أن الشعير والفول والحمص لا تخريص فيها لأنه وإن كان يقدر جفافه ويحسب ما أكل منه تحرياً إلا أن هذا الأمر موكول لربه. والتخريص: أن يعين الإمام عارفاً لأرباب الحوائط يخرص عليهم إلى آخر ما قال الشارح.
قوله: [من التمر]:
стр. 216
لا يفيد المراد ولا يفهم منه العلة (شجرة شجرة) هذا أعم من قوله ﵀: "نخلة" لأنه لا يشمل العنب إلا بتجوز أو حذف للعاطف والمعطوف، أي يخرص كل شجرة من النخل أو العنب على حدتها لأنه للصواب أقرب من الضم.
(وكفى) مخرص (واحد) إن كان عدلاً عارفاً.
(وإن) تعدد المخرصون و (اختلفوا فالأعرف) منهم يعتبر قوله.
(وإن أصابته) بعد التخريص (جائحة) من أكل طير أو جيش أو برد أو نحو ذلك، (اعتبرت) في السقوط فيزكي ما بقي إن وجبت فيه زكاة وإلا فلا.
(فإن زادت) الثمرة (على قول عارف) بالتخريص (وجب الإخراج عنه): أي عن ذلك الزائد وهو مراد الإمام بالأحب عند الأكثر، وحمله الأقل على ظاهره، وأما غير العارف فلا يعتبر قوله فيخرج عن الزائد وجوباً اتفاقاً.
(وأخذ) الواجب (عن أصنافهما): أي التمر والعنب (من) الصنف (الوسط) لا من الأعلى ولا من الأدنى. ولا من كل نوع للمشقة؛ إلا أن يتطوع المزكي بدفع الأعلى. فإن أخرج من كل منابه أجزأ لا إن أخرج من الأدنى عن الأعلى فإن لم يكن إلا صنف أو صنفان تعين الإخراج منه أو منهما. وهذا (بخلاف غيرهما): أي التمر والعنب من سائر الحبوب، (فمن كل) من أصنافها يؤخذ (بحسبه) أي بقدره قل أو كثر. ولا يجزئ الأخذ من الوسط، فإن أخرج الأعلى أو المساوي أجزأ وإلا فلا.
ولما أنهى الكلام على زكاة الماشية والحرث شرع في الكلام على زكاة العين فقال:
(وفي مائتي درهم): شرعي فأكثر -وهي بدراهم مصر لكبرها- مائة وخمسة وثمانون ونصف وثمن درهم.
(أو عشرين ديناراً شرعية فأكثر) إذ لا وقص في العين كالحرث.
(أو مجتمع منهما) أي من الدراهم والدنانير كمائة درهم وعشرة دنانير حال كون ما ذكر منهما.
(غير حلي جائز)
ــ
فيه مجاز الأول لأنه حين التخريص لم يكن تمراً.
قوله: [لا يفيد المراد] إلخ: أجيب عنه: بأنه أطلق الملزوم -وهو الاختلاف- وأراد لازمه، وهو الاحتياج. لأنه يلزم من اختلاف الحاجة وجود أصل الاحتياج. وفي الحقيقة هذه العلة شرط ثان لا بد منه، ولذلك ساقها في المجموع مساق الشرط.
قوله: [إلا بتجوز]: أي من إطلاق الخاص وإرادة العام.
قوله: [أو حذف]: أي أو عنبة ففيه اكتفاء.
وقوله: [شجرة] إلخ: منصوب على الحال بتأويله ب مفصلاً مثل باباً باباً.
قوله: [لأنه للصواب أقرب من الضم]: فإن جمع أكثر من نخلة. فإن اتحدت في الجفاف جاز ولو اختلفت الأصناف وإلا فلا. ففي المفهوم تفصيل.
قوله: [وكفى مخرص واحد]: أي لأنه حاكم فيجوز أن يكون واحداً. «وكان ﵊ يبعث عبد الله بن رواحة وحده خارصاً إلى خيبر».
قوله: [فالأعرف منهم يعتبر قوله]: أي سواء كان رأي الأقل أو الأكثر. والموضوع أنه وقع التخريص منهم في زمن واحد. وأما إذا وقع التخريص في أزمان فيؤخذ بقول الأول، فقوله: "الأعرف" مفهومه: لو استووا في المعرفة لا يكون الحكم كذلك، بل يؤخذ من كل واحد جزء على حسب عددهم، فإن كانوا ثلاثة أخذ من قول كل الثلث وأربعة الربع وهكذا.
قوله: [وهو مراد الإمام] إلخ: قال فيها: ومن خرص عليه أربعة أوسق فوجد خمسة فأحب إلي أن يزكي لقلة إصابة الخراص اليوم، فقول الإمام: "أحب إلي أن يزكي". حمله بعض الأشياخ على الوجوب كالحاكم يحكم ثم يظهر أنه خطأ صراح، وهذا حمل الأكثر. وحمله بعض على الاستحباب كابن رشد وعياض لتعليله بقلة إصابة الخراص. فلو كان على الوجوب لم يلتفت إلى إصابة الخراص ولا إلى خطئهم. وهذا الموضع أحد مواضع من المدونة حمل فيها أحب على الوجوب. ومنها: ولا يتوضأ بشيء من أبوال الإبل وألبانها. ولا بالعسل الممزوج، ولا بالنبيذ، والتيمم أحب إلي من ذلك، ومنها قولها في العبد يظاهر: أحب إلي أن يصوم، ومنها قولها في السلم الثاني إذا باع الوكيل بغير العين: أحب إلي أن يضمن، وفي السلم الثلث في النصراني يبيع الطعام قبل قبضه وقد اشتراه من مثله: أحب إلي ألا يشتريه مسلم حتى يقبضه من النصراني، ومنها قولها في استبراء الأمة الرائعة يغيب عليها غاصب: أحب إلي أن يستبرئها. وفي الحج الثالث: أحب إلي أن يصوم مكان كسر المد يوماً، وفي الصلاة وإن صلى بقرقرة ونحوها أو بشيء مما يشغل: أحب له الإعادة أبداً، وفي الحجر - ولا يتولى الحجر إلا القاضي - قيل: فصاحب الشرطة؟ قال: القاضي أحب إلي، وفي السرقة: أحب إلي أن لا تقطع الآباء والأجداد لأنهم آباء، ولأن الدية تغلظ عليهم. اهـ. خرشي.
قوله: [من الصنف الوسط]: أي لقول المدونة: وإذا كان في الحائط أجناس من التمر أخذ من وسطها. اهـ. وقيس على التمر العنب.
قوله: [فإن لم يكن إلا صنف] إلخ: أي فالصنف والصنفان بمنزلة أصناف الحب. يؤخذ من كل صنف قسطه، أو يخرج الأعلى أو المساوي عن غيره.
قوله: [درهم شرعي]: قد تقدم أن قدره خمسون وخمسا حبة من الشعير الوسط.
قول: [أو عشرين ديناراً]: قدر الدينار اثنتان وسبعون حبة من وسط الشعير.
قوله: [إذ لا وقص في العين]: أي خلافا لأبي حنيفة حيث قال: لا شيء في الزائد على النصاب حتى يبلغ أربعة دنانير في الذهب أو أربعين درهماً في الفضة.
قول [كالحرث]: أي بخلاف الماشية والفرق أن الماشية - لما كانت تحتاج إلى كثرة - كلفة خفف عن صاحبها بخلاف الحرث فكلفته يسيرة.
стр. 217
إذ لا زكاة في الحلي الجائز كما يأتي؛ فشمل كلامه المسكوك وغيره؛ كالسبائك والتبر والأواني والحلي الحرام كالحياصة للذكور وعدد الخيل وغير ذلك.
(ربع العشر) إذا حال حولها على الحر المسلم ولو صغيراً أو مجنوناً كما تقدم أول الباب. ففي العشرين ديناراً، نصف دينار، وفي المائتي درهم: خمسة دراهم فلا زكاة في النحاس والرصاص وغيرهما من المعادن؛ ولو سكت كالفلوس الجدد.
والوجوب في الدنانير والدراهم ظاهر في الخالصة ولو ردية المعدن. وفي الكاملة الوزن بل (ولو) كانت (مغشوشة) أي مخلوطة بنحو نحاس (أو) كانت (ناقصة) في الوزن نقصاً لا يحطها عن الرواج كالكاملة، كنقص حبة أو حبتين ولذا قال:
(إن راجت) المغشوشة أو الناقصة (ككاملة): أي رواجاً كرواج الكاملة.
(وإلا) ترج كالكاملة بأن لم ترج أصلاً أو تروج رواجاً لا كالكاملة؛ بأن انحطت عن الكاملة في المعاملات (حسب الخالص) على تقدير التصفية في المغشوشة، واعتبر الكمال في الناقصة بزيادة دينار أو أكثر. فمتى كملت زكيت وإلا فلا، فإذا كانت العشرون لنقصها إنما تروج رواج تسعة عشر لم تجب الزكاة إلا بزيادة واحد عليها وهكذا.
(وتزكى) العين (المغصوبة) من ربها قبل مرور الحول عليها أو بعده.
وقبل التمكن من إخراج زكاتها. (والضائعة): بأن سقطت من ربها أو دفنها في محل ثم ضل عنها قبل مرور الحول أو بعده قبل التمكن (بعد قبضها) من الغاصب أو وجودها بعد الضياع (لعام) مضى ولو مكثت عند الغاصب، أو ضائعة أعواماً كثيرة فلا تزكى ما دامت عند الغاصب، أو ضائعة فإذا قبضت زكيت لعام واحد.
(بخلاف المودعة): إذا مكثت أعواماً عند المودع (فـ) تزكى بعد قبضها
ــ
فائدة: لا زكاة على الأنبياء، لأن ما بأيديهم ودائع لله، وهذا على مذهبنا كما قال بعضهم وهو خلاف مذهب الشافعي كما قاله بعض شراح الرسالة. كذا في الحاشية.
قوله: [إذ لا زكاة في الحلي الجائز] إلخ: أي إلا ما يستثنيه المصنف.
قوله: [ولو صغيراً أو مجنوناً]: أي لأن الخطاب بها خطاب وضع كما تقدم، والعبرة بمذهب الوصي في الوجوب وعدمه، لا بمذهب الطفل ولا بمذهب أبيه، فإن كان مذهبه يرى سقوطها عن الطفل سقطت كالحنفي، وإلا وجب عليه إخراجها من غير رفع لحاكم إن لم يكن في البلد حنفي لا يخفى عليه أمر الصبي، وإلا رفع الوصي الأمر للمالكي لأجل رفع الخلاف كما تقدم، وانظر إذا كان مذهب الوصي الوجوب ولم يخرجها حتى بلغ الصبي، ومذهبه سقوطها، وانفك الحجر عنه، فهل تؤخذ عن الأعوام الماضية من المال أو تؤخذ من الوصي أو تسقط؟ وانظر عكسه: وهو ما إذا كان مذهب الوصي عدم وجوبها وبلغ الصبي، وقلد من يقول بوجوبها، هل تؤخذ من المال أو تسقط؟ كذا قال الأجهوري، قال (بن): وكل من النظرين قصور، والنقل: اعتبار مذهب الصبي بعد: بلوغه حيث لم يخرجها وصيه قبله، فإن قلد من قال بسقوطها فلا زكاة عليه ولا على الوصي، وإن قلد من قال بوجوبها وجبت الزكاة عليه في الأعوام الماضية. اهـ. من حاشية الأصل.
تنبيه: يقبل قول الوصي في إخراجها حيث وجبت عليه بلا يمين إن لم يتهم، وإلا فبيمين. كذا في الحاشية.
قوله [فلا زكاة في النحاس] إلخ: أي ما لم تكن معدة للتجارة وإلا فتزكى زكاة العروض كما يأتي.
قوله [كنقص حبة أو حبتين]: أي من كل دينار من النصاب، سواء كان التعامل بها عدداً أو وزناً بشرط رواجها رواج الكاملة، بأن كانت السلعة التي تشترى بدينار كامل تشترى بذلك الدينار الناقص لاتحاد مصرفهما. ففي الحقيقة: المدار على الرواج كالكاملة قل نقص الوزن أو كثر. كذا قال ابن الحاجب وارتضاه، ولكن شارحنا قيد بالحبة والحبتين تبعاً لبهرام والتتائي، وظاهره أنه لو كثر النقص اعتبر ولو راجت كالكاملة. قال في حاشية الأصل: وهو الصواب، إذ هو قول مالك وابن القاسم وسحنون. اهـ.
قوله: [إلا بزيادة واحد]: مراده به كمال النصاب، فلو فرض أن كل دينار ينقص ثلاث حبات من وزن الدينار الشرعي الذي هو اثنتان وسبعون حبة، يكون النصاب أحداً وعشرين ديناراً إلا تسع حبات، وكون العشرين تسعة عشر لا يكون المكمل واحداً كاملاً، فلذلك قلنا: المراد بالواحد ما به كمال النصاب.
قوله [وتزكى العين المغصوبة من ربها]: أي وأما الغاصب فلا زكاة عليه قيده الحطاب بما إذا لم يكن عنده وفاء بما يعوضه به. وإلا زكاه وعلى هذا يحمل قول الشيخ أحمد الزرقاني.
فائدة: قال بعضهم: يؤخذ من شرط تمام الملك عدم زكاة حلي الكعبة والمساجد من قناديل وعلائق وصفائح أبواب. وصدر به عبد الحق قائلاً: وهو الصواب عندي، وقال ابن شعبان: يزكيه الإمام كالعين الموقوفة للقرض، كذا في الحاشية. لكن قال في حاشية الأصل: سيأتي في النذر أن نذر ذلك لا يلزم، والوصية به تكون باطلة، وحينئذ فهي على ملك ربها، فهو الذي يزكيها لا خزنة الكعبة ولا نظار المساجد، ولا الإمام. تأمل انتهى.
قوله [والضائعة]: أي بموضع لا يحاط به أو يحاط به، خلافاً لمحمد بن المواز من أنها إن دفنت بصحراء - أي في موضع لا يحاط به - تزكى لعام واحد وإن دفنت
стр. 218
(لكل عام) مضى مدة إقامتها عند الأمين، وهذا معنى قوله: "وتعددت بتعدده في مودعة لا مغصوبة ومدفونة وضائعة".
(ولا زكاة في حلي جائز وإن) كان (لرجل) كقبضة سيف للجهاد. وسن وأنف وخاتم فضة بشرطه (إلا إذا تهشم) بحيث لا يمكن إصلاحه إلا بسبكه ثانياً ففيه الزكاة. وإن لامرأة فتجب لأنه صار ملحقاً بالنقار [١]، سواء نوى إصلاحه أم لا، (كأن انكسر) ولم ينو إصلاحه بأن نوى عدم إصلاحه أو لم ينو شيئاً فتجب زكاته في هاتين الصورتين كما تجب في المهشم مطلقاً فإن نوى إصلاحه لم تجب لأنه بمنزلة الصحيح حينئذ.
(أو أعد) معطوف على ما في حيز الاستثناء: أي لا زكاة في حلي مباح إلا إذا تهشم، وإلا إذا أعد (للعاقبة أو) أعد (لمن سيوجد): له من زوجة أو سرية أو بنت. فتجب فيه الزكاة ودخل في ذلك حلي امرأة اتخذته بعد كبرها وعدم التزين به لعاقبة الدهر أو لمن سيوجد لها من بنت صغيرة حتى تكبر، أو أخت أو أمة حتى تتزوج؛ فتجب فيه الزكاة ما دام معداً لما ذكر من يوم اتخاذه له حتى يتولاه من أعد له.
(أو) أعد (لصداق) لمن يريد زواجها لنفسه أو لولده أو لشراء جارية به.
(أو نوى به): عطف على "تهشم" كالذي قبله، أي: وإلا إذا نوى به (التجارة): أي التكسب والربح بالبيع والشراء فتجب فيه الزكاة،
وأفهم قوله "حلي جائز" أن المحرم: كالأواني والمرود والمكحلة -وإن لامرأة- يجب فيه الزكاة. وإن رصع بالجواهر أو طرز بسلوك الذهب أو الفضة ثياب أو عمائم فإنها تزكى زنتها إن علمت وأمكن نزعها بلا فساد وإلا تحري ما فيه من العين وزكي.
ثم شرع يتكلم على حكم ما حصل من العين بعد أن لم يكن؛ وهو ثلاثة
أقسام: ربح، وغلة مكترى -وهي من الربح عند ابن القاسم- وفائدة وبدأ بالأول وهو ما زاد على ثمن مشترى
ــ
في البيت والموضع الذي يحاط به زكاه لكل عام، وعكس هذا ابن حبيب. كذا في الحاشية. وزاد في الشامل قولاً رابعاً: وهو زكاتها لكل عام مطلقاً، دفنت بصحراء أو ببيت، والمعول عليه الأول الذي مشى عليه المصنف.
قوله: [لكل عام مضى]: أي مبتدئاً بالعام الأول فما بعده إلا أن ينقص الأخذ النصاب، وما ذكره من تعدد زكاة المودعة بتعدد الأعوام هو المشهور، ومقابله ما روي عن مالك من زكاتها لعام واحد بعد قبضها لعدم التنمية، وما رواه ابن نافع أنه يستقبل بها حولاً بعد قبضها، وقوله: بعد قبضها؛ ظاهره أنه قبل القبض لا يزكيها وإنما تزكى بعد القبض، واستظهر ابن عاشر أن المالك يزكيها كل عام وقت الوجوب من عنده كذا في (بن) نقله محشي الأصل، فتكون الأقوال فيه أربعة؛ مشهورها ما مشى عليه المصنف.
تنبيه: لا زكاة في عين موصى بتفرقتها على معينين أو غيرهم، وقد مر عليها حول بيد الوصي قبل التفرقة. ومات الموصي قبل الحول؛ لأنها خرجت عن ملكه بموته، فإن فرقت بعد الحول وهو حي زكاها على ملكه إن كانت نصاباً، ولو مع ما بيده ولا يزكيها من صارت له إلا بعد حول من قبضها، لأنها فائدة. وأما الماشية إن أوصى بها ومات قبل الحول فلا زكاة فيها إن كانت لغير معينين، وإلا زكيت إن صار لكل نصاب لماضي الأعوام كإرثها، وأما الحرث ففيه تفصيل كذا في الأصل.
قوله: [كقبضة سيف]: قال الناصر: وانظر لو كان السيف محلى واتخذته المرأة لزوجها، هل لا زكاة فيه عليها كما لو اتخذ الرجل الحلي لنسائه؟ قال شيخ المشايخ العدوي: والظاهر وجوب الزكاة فيه لأن الشأن اتخاذ الرجل الحلي لنسائه لا العكس. كذا في حاشية الأصل.
قوله: [إلا إذا تهشم]: حاصل الفقه في هذه المسألة على ما قال المصنف: أن الحلي إذا تكسر فلا يخلوا: إما أن يتهشم أو لا، فإن تهشم وجبت زكاته سواء نوى إصلاحه أو عدمها أو لا نية له. وإن لم يتهشم - بأن كان يمكنه إصلاحه وعوده على ما كان عليه من غير سبك - فلا يخلو: إما أن ينوي عدم إصلاحه أو لا، فإن نوى عدم إصلاحه أو لا نية له فالزكاة. وإن نوى إصلاحه فلا زكاة فيه. فالصور ستة يزكيه في خمسة.
قوله: [وإلا إذا نوى به التجارة] إلخ: أي البيع والشراء كما قال الشارح، أما إذا اتخذه للكراء فإنه لا زكاة فيه سواء كان المتخذ له رجلاً أو امرأة، وسواء كان يباح استعماله لمالكه أم لا. ويكون قولهم: محرم الاستعمال على مالكه فيه الزكاة في غير المعد للكراء، وهذا ما ارتضاه في الحاشية تبعاً للرماصي، والذي اعتمده (بن): أن محل كون المعد للكراء لا زكاة فيه إذا كان يباح لمالكه استعماله كأساور أو خلاخل لامرأة أما لو كان ذلك لرجل لوجبت فيه الزكاة كذا في حاشية الأصل.
قوله: [تجب فيه الزكاة]: سواء كان معداً للاستعمال أو للعاقبة.
قوله: [بلا فساد]: أي أو غرم. وحكم ما رصع عليه حكم العروض.
قوله: [وهو ما زاد على ثمن مشترى] إلخ: هذا تعريف من الشارح للربح وهو معنى تعريف ابن عرفة المشهور الذي قال فيه: زائد: ثمن مبيع تجر على ثمنه الأول ذهباً أو فضة، فقول الشارح: "وهو": أي الربح، واحترز بقوله: "ما زاد على ثمن مشترى" إلخ عن زيادة غير ثمن المشتري كنمو المشتري [٢] فلا يسمى ربحا بل هو غلة يستقبل بها. وقوله: [للتجارة]: يحترز به عمن اشترى سلعة للقنية بعشرة ثم باعها بعشرين فلا يقال
стр. 219
للتجارة ببيعه فقال:
(وحول الربح حول أصله): فمن ملك دون نصاب ولو درهماً أو ديناراً في المحرم فتاجر فيه حتى ربح تمام نصاب، فحوله المحرم. فإن تم بعد الحول بكثير أو قليل زكاه حينئذ. وإن تم في أثنائه صبر لتمام حوله وزكاه، إلا أنه إذا زكاه بعد الحول بمدة فانتقل حوله ليوم التزكية، كمن ملك دون نصاب في المحرم فمر عليه المحرم ناقصاً، وتم النصاب في رجب: زكاه حينئذ وصار حوله في المستقبل رجباً. وذكر الثاني مشبهاً له بالأول فقال: (كغلة ما): أي شيء - من حيوان أو غيره - (اكترى) بعين (للتجارة): أي لأجلها فحولها حول أصلها وهي العين التي اكترى بها ذلك الشيء، فمن ملك نصاباً أو دونه في المحرم فاكترى به داراً أو بعيراً أو غير ذلك - للتجارة لا للسكنى ولا للركوب - ثم أكراها لغيره في رجب مثلاً بأربعين ديناراً، فإنها تزكى في المحرم لأن حولها يوم ملك أصلها أو زكاه احترز بما اكترى للتجارة عن غلة مشترى للتجارة أو مكترى للقنية - كالسكنى أو الركوب - فأكراه لأمر حدث؛ فإنه يستقبل بها حولاً بعد قبضها لأنها من الفوائد. وبالغ على أن حول الربح حول أصله بقوله: (ولو) كان الربح (ربح دين) في ذمته (لا عوض له): أي لذلك الدين (عنده) فإن حوله حول أصله وهو الدين. مثاله: من تسلف عشرين ديناراً مثلاً فاشترى بها سلعة للتجارة أو اشترى سلعة بعشرين في ذمته في المحرم، ثم باعها بعد مدة قليلة أو كثيرة بخمسين، فالربح ثلاثون تزكى لحول أصلها وهو المحرم. وأما العشرون التي هي الأصل فلا تزكى لأنها في نظير الدين إلا أن يكون عنده عوض يقابلها على ما سيأتي بيانه، ومثل ربح الدين غلة مكترى. بدين للتجارة كمن اكترى داراً سنة مثلاً بدين في ذمته لأجل معلوم كعشرة، ثم أكراها بثلاثين، فالغلة عشرون يزكيها لحول أصلها أي من يوم اكترى. ولا يزكي العشرة لأنها في نظير الدين إلا إذا كان عنده عوضها، والمتن يشمل ذلك بجعل الربح شاملاً للغلة إذ هي ربح في الحقيقة.
وذكر الثالث بقوله: (واستقبل) حولاً
ــ
له ربح، بل يستقبل بذلك. وقوله [١]: [ببيعه]: يحترز به عما لو اشترى السلعة للتجارة، ثم اغتلها بالكراء، فإنه يستقبل بذلك.
قوله: [وحول الربح حول أصله]: لم يبين المصنف أول الحول الذي يضم له وفيه تفصيل. وهو: إما أن يكون عيناً تسلفها، أو عرضاً تسلفه للتجر، أو اشتراه للقنية، ويبدو له التجر؛ فالحول في الأولى من يوم القرض. وفي الثانية من يوم التجر، وفي الثالثة من يوم الشراء، وفي الرابعة من يوم البيع، وقد نظم ذلك العلامة الأجهوري بقوله:
وحول القرض من يوم اقتراض ... إذا عيناً يكون بلا خفاء
ويوم التجر أول حول عرض ... تسلفه لتجر للغناء
ومن يكن اشترى عرضاً لتجر ... فإن الحول من يوم الشراء
وإن عرضاً لقنية اشتراه ... ويبدو التجر فيه للنماء
فأول حوله من يوم بيع ... له فاحفظ وقيت من الرداء
والمعتمد في الرابع أنه من يوم قبض ثمن العرض كما في البناني.
قوله: [فحوله المحرم]: أي فيضم لحول أصله على المشهور لا من يوم الشراء ولا من يوم الربح، ولا يستقبل به خلافاً لمن يقول بذلك كله.
قوله: [عن غلة مشترى للتجارة]: أي اشترى للتجارة في ذات المبيع فاغتله فالغلة فائدة كما قال الشارح وسيأتي.
قوله: [وبالغ على أن حول الربح] إلخ: قال في الحاشية حاصل ما في ذلك: أن المشهور كما عند ابن رشد أن الربح يضم لأصله سواء نقد الثمن أو بعضه، أو لم ينقد شيئاً وكان عنده ما يجعله في مقابلة الدين وعلى المشهور اختلف إذا لم يكن عنده شيء انتهى [٢] وفي المبالغة رد على أشهب القائل باستقباله بالربح حينئذ.
قوله: [على ما سيأتي بيانه]: أي في قوله: "إلا أن يكون له من العرض ما يفي به، إن حال حوله عنده" إلى آخر ما يأتي.
قوله: [والمتن يشمل ذلك]: أي قوله "ولو ربح دين". والحاصل أن الذي يضم لأصله أربعة أقسام: ثمن ما اشترى للتجارة، وبيع لها، وغلة ما اكترى للتجارة، واكترى [٣] بالفعل لها. وفي كل: كان الثمن من عنده، أو في ذمته، لكن إذا كان من عنده زكى الجميع لحول أصله وإن كان في ذمته زكى الربح فقط، ولا يزكي رأس المال إلا إذا كان عنده ما يجعل فيه.
مسألة: من كان بيده أقل من نصاب من العين قد حال عليها الحول عنده ثم اشترى ببعضه سلعة للتجارة وأنفق البعض الباقي بعد الشراء: فإنه إذا باع السلعة بما يتم به النصاب إذا ضم لما أنفقه، تجب عليه الزكاة. مثاله: من كان عنده عشرة دنانير حال عليه الحول فاشترى بخمسة منها سلعة للتجارة، ثم أنفق الخمسة الباقية، ثم باع السلعة بخمسة عشر، فإنه يزكي عن عشرين؛ منها الخمسة المنفقة لحولان الحول عليها مع الخمسة التي هي أصل الربح، فلو أنفق الخمسة قبل شراء السلعة فلا زكاة إلا إذا باعها بنصاب. وهذه المسألة هي معنى قول خليل: "ولمنفق بعد حلوله مع أصله وقت الشراء".
стр. 220
(بفائدة، وهي) قسمان: الأولى: (ما تجددت عن غير مال؛ كعطية) من هبة وصدقة واستحقاق وقف أو وظيفة (وإرث وأرش) لجناية (ودية) لنفس أو طرف (وصداق) قبضته من زوجها (ومنتزع من رقيق).
والثانية: أشار لها بقوله (أو) تجددت (عن) مال (غير مزكى كثمن) شيء (مقتنى) عنده من (عرض)، كثياب وحيوان وأسلحة وحديد ونحاس، (وعقار): وهو الأرض وما اتصل بها من بناء أو شجر، (وفاكهة) كخوخ ورمان وتين، (وماشية) مقتناة كما هو الموضوع، وسواء (ملك) ما ذكر (بشراء أو غيره) كهبة وإرث، فيستقبل بثمن ما ذكر حولاً بعد قبضه. (ولو أخره) أي أخر قبضه من مشتريه (فراراً) من الزكاة خلافاً لمن قال: إن أخره فراراً زكاه لكل عام مضى.
(وتضم) فائدة (ناقصة) عن النصاب (لما): أي لفائدة ملكت (بعدها)، ولو تعدد حتى يتم النصاب فيتقرر الحول. فمن استفاد عشرة من المحرم ومثلها في رجب. فمبدأ الحول رجب فيزكي العشرين في رجب المستقبل. ولو استفاد خمسة في المحرم، ومثلها في ربيع، ومثلها في رجب، ومثلها في رمضان، فمبدأ الحول رمضان فيستقبل بها حولاً منه، وعلى هذا القياس.
(إلا أن تنقص) الأولى عن النصاب (بعد حولها) أي بعد مرور الحول عليها (كاملة) ووجوب الزكاة فيها؛ فلا تضم لما بعدها لتقرر حولها. كما لا يضم ما بعدها لها. بل يزكي كلاًّ في حوله ما دام في المجموع نصاب. مثاله: استفاد عشرين في المحرم. وحال حولها ووجبت زكاتها ثم نقصت، واستفاد في رجب ما يكمل النصاب فأكثر، فكل منهما على حولها. فإذا جاء المحرم زكى المحرمية، فإذا جاء رجب زكى الرجبية.
(و) استقبل (بالمتجدد) من العين (عن سلع التجارة) وأولى سلع القنية (بلا بيع) لها، وإلا كان ربحاً حوله حول أصله كما مر، ومثل له بقوله: (كغلة عبد) أو بعير أو دار اشتري للتجارة فأكراه وقبض من الكراء ما فيه نصاب، فإنه يستقبل به حولاً من يوم قبضه (و) مثل (نجوم كتابة) كعبد اشتراه للتجارة، ثم كاتبه (وثمن ثمرة) شجرة (مشترى) للتجارة (ولو) كانت الأشجار (مؤبرة) يوم الشراء، خلافاً للمصنف فإنه يستقبل به (إلا الصوف التام) المستحق للجز وقت شراء الغنم للتجارة فلا يستقبل بثمنه،
ــ
قوله: [بفائدة]: مراده بها ما ليس بربح تجر وغلة تجر.
قوله: [وتضم فائدة ناقصة]: اعلم أن أقسام الفوائد أربع: إما كاملتان، أو ناقصتان، أو الأولى كاملة والثانية ناقصة، أو عكسه. فالكامل لا يضم والناقص الذي بعده كامل يضم إليه، والناقص بعد الكامل لا يضم لسبقه بالكامل، والناقص يضم للناقص بعده كما يضم للكامل بعده. وهذا التفصيل مخصوص بفائدة العين كما هو معلوم؛ وأما الماشية، فقد تقدم أن ما حصل من فائدتها بعد النصاب الأول يضم له.
قوله: [وجوب الزكاة فيها]: أي استحقاقها للتزكية سواء زكيت بالفعل أم لا.
قوله: [بل يزكي كلاً في حوله] إلخ: استشكله في التوضيح بما حاصله أنه إذا زكينا الأولى عند حولها. فإما أن ننظر في زكاتها للثانية أولاً، فإن نظرنا للثانية -كما قال الشارح- ورد عليه أن الثانية لم تجتمع مع الأولى في كل الحول، فحينئذ يلزم عليه وجوب الزكاة في النصاب قبل حوله، لأن الثانية لم يحل حولها. وإن لم ننظر للثانية لزم زكاة ما دون النصاب. ولأجل هذا الإشكال استظهر قول ابن مسلمة من ضم الأولى للثانية في الحول كما لو نقصت الأولى قبل أن يحول عليها الحول وهي كاملة. وأجيب عن ذلك باختيار الشق الأول، ونقول: إن هذا فرع مشهور مبني على ضعيف، وهو قول أشهب: إنه يكفي في إيجاب الزكاة في المالين القاصر كل منهما عن النصاب وفي المجموع نصاب اجتماعهما في بعض الحول.
قوله: [ما دام في المجموع نصاب]: مفهومه لو نقصتا معاً عن النصاب كصيرورة المحرمية خمسة، والرجبية مثلها، ففيها تفصيل: حاصله: أنه إن حال عليهما الحول الثاني ناقصتين بطل حولهما ورجعتا كمال واحد لا زكاة فيه. وإن أتجر قبل مرور الحول الثاني، فربح فيهما أو في إحداهما تمام نصاب، فلا يخلو وقت التمام من خمسة أوجه: إن حصل عند حول الأولى، أو قبله فعلى حوليهما وفض ربحهما عليهما، وإن حصل الربح بعد حول الأولى وقبل الثانية انتقل إليه حول الأولى وتبقى الثانية على حولها، وإن حصل عند حول الثانية أو شك فيه فحولهما منه، وإن حصل بعد حصول الثانية بشهر مثلا كشعبان فحولهما منه. كذا أفاده الأصل.
مسألة: من كان عنده عشرون في المحرم وعشرة في رجب فجاء الحول على المحرمية فأنفقها بعد زكاتها أو ضاعت، سقطت عنه زكاة الرجبية حيث نقصت عن النصاب.
قوله: [وأولى سلع القنية]: ومثلها المكتراة للقنية، وأما المكتراة للتجارة فتقدم أن غلتها كالربح يضم لأصلها.
قوله: [ومثل نجوم كتابة]: أي لأن الكتابة ليست بيعاً حقيقياً وإلا لرجع العبد بما دفع إن عجز.
قوله: [ولو كانت الأشجار مؤبرة]: أي وسواء باع الثمرة مفردة أو باعها مع الأصل، لكن إن باعها مع الأصل فإن كان بعد طيبها فض الثمن على قيمة الأصل والثمرة فما ناب الأصل زكاه لحول الأصل وما ناب الثمرة
стр. 221
بل حوله حول أصله لأنه حينئذ كسلعة قائمة بنفسها.
(و) إلا (ثمراً بدا صلاحه) في الأصول المشتراة لا للتجارة، فلا يستقبل بثمنه كالصوف التام. واعلم أن قوله: "وبالمتجدد" إلخ: يوهم أنه ليس من الفائدة مع أنه من القسم الثاني منها في التحقيق، فكان الأولى تقديمه على قوله: "وتضم" إلخ ودرجه في أمثلته.
(واستقبل من عتق أو أسلم من يومئذ) أي من يوم العتق أو الإسلام.
ثم شرع يتكلم على زكاة الدين الذي له على الغريم فقال:
(ويزكى الدين) بعد قبضه -كما يأتي- (لسنة) فقط، وإن أقام عند المدين أعواماً وتعتبر السنة (من يوم ملك أصله) بهبة ونحوها أو قبضه إن كان عما لا زكاة فيه (أو) من يوم (زكاه) إن استمر عنده عاماً. ومحل تزكيته لسنة فقط إذا لم يؤخره فراراً من الزكاة، وإلا زكاه لكل عام مضى عند ابن القاسم.
ولزكاته لسنة شروط أربعة: أولها: أن يكون أصله عيناً بيده فيسلفها، أو عروض تجارة يبيعها بثمن معلوم لأجل، وإليه أشار بقوله: (إن كان) الدين الذي هو على المدين (عيناً) كائنة (من قرض أو) ثمن (عروض تجارة) لمحتكر، أي سببه أحد هذين الأمرين، لا إن كان الدين عارضاً [١] فلا يزكي إلا على ما سيأتي في المدير.
الشرط الثاني: أن يقبض من المدين وإليه أشار بقوله: (وقبض) لا إن لم يقبض فلا يزكي اللهم إلا أن يكون أصله ثمن عرض تجارة لمدير فلا يزكي بتمام شروطه الآتية في المدير.
الشرط الثالث: أن يقبض (عيناً) ذهباً أو فضة لا إن قبضه عرضاً فلا زكاة حتى يبيعه على ما سيأتي من احتكار أو إدارة، إذا كان القابض له رب الدين بل (ولو) كان القابض له (موهوباً له) من رب الدين (أو أحال) ربه به من له عليه دين على المدين، فإن ربه المحيل يزكيه من غيره بمجرد قبول الحوالة. ولا يتوقف على قبضه من المحال عليه. ولذا عبرنا بالفعل المعطوف على كان المحذوفة بعد لو. والمعنى: وقبضه عيناً ولو أحال به؛ فإن الحوالة تعد قبضاً بخلاف ما لو وهبه فلا بد من زكاته على ربه الواهب من قبض الموهوب له بالفعل، خلافاً لما يوهمه قول الشيخ: "ولو بهبة أو إحالة"، فقولنا: "ولو أحال" في قوة "ولو إحالة" أي ولو كان القبض إحالة فيزكيه المحيل.
ــ
فإنه يستقبل به حولاً من يوم يقبضه، فيصير حول الأصل على حدة، والثمرة على حدة، وإن باعها مع الأصل قبل طيبها زكى ثمنها لأنه تبع لحول الأصل.
قوله: [بل حوله حول أصله]: أي كما قال ابن القاسم خلافاً لأشهب.
قوله: [فكان الأولى تقديمه] إلخ: وأجاب المؤلف في تقريره بقوله سهل ذلك كونه ناشئاً عن سلع التجارة، فكأنه ليس بفائدة انتهى.
قوله: [واستقبل من عتق] إلخ: أي في جميع ما يملكه لا في خصوص الفوائد، ونص عليه هنا دفعاً لتوهم أنه يفصل في ماله بين الفوائد والغلة والربح.
مسألة: من اكترى أرضاً للتجارة وزرع فيها للتجارة، زكى ثمن ما حصل فيها من غلتها من حول زكاة حرثها إن بلغ نصاباً، وإلا فمن حصول رأس مال التجارة. وهو [٢] يشترط لزكاة الثمن كون البذر للتجارة فلو كان لقوته استقبل بثمن ما حصل من زرعها، لأنه، كفائدة، أو لا يشترط بل يزكي ثمن الغلة مطلقاً. قولان.
قوله: [على زكاة الدين]: أي دين غير المدير [٣] القرض، بدليل قول المصنف الآتي: "لسنة من يوم ملك أصله أو زكاه"، وسيأتي في الشارح بيانه.
قوله: [أو قبضه إن كان عما لا زكاة فيه]: أي كعقار. ظاهره أن ما قبله يكفي فيه الملك ولو من غير قبض، وليس كذلك. بل الهبة ونحوها كالميراث لا يعتبر فيه السنة إلا من يوم قبضة من الواهب والمورث.
قوله: [فيسلفها]: أي سواء كان مدبراً أو محتكراً أو لا، ولا لأن الفرض خارج عن نوعي التجارة.
قوله: [أو عروض تجارة]: أي ملكها بشراء وكان محتكراً وباعها بدين.
قوله: [لا إن كان الدين عرضاً]: محترز قول المصنف: "عيناً" وقول الشارح: ثمن.
قوله: [اللهم إلا أن يكون] إلخ: الاستدراك بهذا بعيد، لأن الموضوع يحرزه لكونه في غير المدير.
قوله: [فلا زكاة حتى يبيعه]: أي فإذا باعه زكاه لسنة من يوم قبضه. والحاصل أن غير المدير إنما يزكي الدين لسنة من أصله إذا قبضه عيناً. وأما إذا قبضه عرضاً فلا يزكيه حتى يبيعه، وحوله الذي يزكيه عنده من يوم قبض العرض لا من حول أصله كالعين. فإذا باع ذلك العرض زكاه لسنة من يوم قبضه هذا إذا كان غير مدير كما هو الموضوع، وأما إن كان مديراً قومه كل عام، وإن لم يقبضه حيث نض له ولو درهماً كما يأتي.
قوله: [على ما سيأتي] إلخ: الأولى الاقتصار على ما قبله لأن ما يأتي موضوع آخر.
قوله: [ولو كان القابض له موهوباً] إلخ: أشار بلو لرد قول أشهب: لا زكاة في الموهوب لغير من عليه الدين.
قوله: [أو أحال ربه]: حاصله: أن كلاً من الهبة والحوالة قبض حكمي للدين إلا أنه لا بد في زكاة الدين الموهوب لغير المدين من قبض الموهوب له، بخلاف الحوالة فإن الزكاة تجب على المحيل بمجرد حصولها وإن لم يقبضه المحال على المذهب، خلافاً لابن لبابة. والفرق بين الحوالة والهبة أن الهبة -وإن كانت تلزم بالقبول- قد يطرأ عليها ما يبطلها من فلس أو موت فلا تتم إلا بالقبض، بخلاف الحوالة. ومفهوم قولنا: لغير المدين؛ أن هبة الدين للمدين تسقط الزكاة على الواهب لعدم القبض الحسي والحكمي، وفي الحقيقة هو إبراء. ومحل كون الواهب يزكي الدين الموهوب لغير المدين إن لم يشترط زكاته على الموهوب له أو يدعي أنه
стр. 222
وأما المحال فيزكيه أيضاً منه لكن بعد قبضه. وأما المحال عليه فيزكيه أيضاً من غيره بشرط أن يكون عنده، ولو من العروض ما يفي بدينه.
الشرط الرابع: أن يقبض نصاباً كاملاً ولو في مرات، كأن يقبض منه عشرة، ثم عشرة، فيزكيه عند قبض ما به التمام. أو يقبض بعض نصاب وعنده ما يكمل النصاب. وإليه أشار بقوله: (وكمل) المقبوض (نصاباً) بنفسه ولو على مرات بل (وإن) كمل (بفائدة) عنده (تم حولها) كما لو قبض عشرة وعنده عشرة حال عليها الحول فيزكي العشرين (أو كمل) المقبوض نصاباً (بمعدن) لأن المعدن لا يشترط فيه الحول على ما سيأتي.
(و) لو اقتضى من دينه دون نصاب، ثم اقتضى ما يتم به النصاب في مرة أو مرات كان (حول المتم) بفتح التاء اسم مفعول: وهو ما قبض أولاً (من) وقت (التمام)، فإذا قبض خمسة فخمسة فعشرة، فحول الجميع وقت قبض العشرة، فيزكي العشرين حينئذ (ثم زكى المقبوض) بعد ذلك (ولو قل) كدرهم حال قبضه ويكون كل اقتضاء بعد التمام على حوله لا يضم لما قبله، ولا بعده ولو نقص النصاب بعد تمامه لاستقرار حوله بالتمام.
ثم انتقل يتكلم على زكاة العروض، ومرادهم زكاة العين التي هي عوض العروض، إذ العروض لا تزكى: أي لا تتعلق بها زكاة من حيث ذاتها. فقال:
(وإنما يزكى عرض تجارة): لا قنية فلا زكاة فيه، إلا إذا باعه بعين أو ماشية فيستقبل بثمنه حولاً من قبضه كما تقدم في الفائدة.
وقوله: "عرض": أي عوض، فيشمل قيمة عروض المدير وثمن عروض المحتكر حيث باعها بشروط خمسة: أشار لأولها بقوله: (إن كان لا زكاة في عينه) كالثياب والرقيق، وأما ما في عينه زكاة كنصاب ماشية أو حلي أو حرث فلا يقوم على مدير، ولا يزكي ثمنه محتكر بل يستقبل بثمنه من يوم قبضه إلا إذا قرب الحول وباعه فراراً من الزكاة
ــ
أراد الزكاة منه وإلا فلا زكاة عليه.
قوله: [وأما المحال فيزكيه] إلخ: أي لسنة من أصله.
قوله: [وأما المحال عليه] إلخ: تحصل من هذا أن هذا الدين يزكيه ثلاثة: المحيل بمجرد الحوالة، والمحال بعد قبضه، والمحال عليه. لكن الأول والثالث يزكيانه من غيره والثاني يزكيه منه.
قوله: [عند قبض ما به التمام]: ولو لم يستمر المقبوض الأول، بل تلف قبل التمام، وهو معنى قول خليل: "ولو تلف المتم" كما إذا قبض من دينه عشرة فتلفت منه بإنفاق أو ضياع، ثم قبض منه عشرة فإنه يزكي عن العشرين، ولا يضر تلف العشرة الأولى لأنه جمعهما ملك وحول، خلافاً لابن المواز حيث قال: إذا تلف المتم من غير سببه سقطت زكاته وسقطت زكاة باقي الدين إن لم يكن فيه نصاب. وأما إذا تلفت بسببه فالزكاة اتفاقاً: قوله: [حال عليها الحول]: يفيد أنه لو مر للفائدة عنده ثمانية أشهر، واقتضى من دينه ما يصيرها نصاباً فإنه لا يزكي ما اقتضاه، إلا إذا بقيت وما اقتضاه لتمام الحول لها. فلو قبض عشرة فأنفقها بعد حولها وقبل حول الفائدة، أو استفاد وأنفق بعد حولها، ثم اقتضى من دينه قبل حوله ما يكمل النصاب فلا زكاة. كذا في الحاشية. واعلم أنه لا يشترط تقدم ملك الفائدة على الاقتضاء، بل لا فرق بين أن تكون الفائدة متقدمة أو متأخرة. لكن إن تأخرت يشترط بقاء الاقتضاء لتمام حولها، وإن تقدمت فالشرط مضي حول عليها سواء بقيت للاقتضاء الذي حال حوله أو تلفت قبله.
قوله: [أو كمل المقبوض نصابا بمعدن]: أي على ما للمازري، وهو قول القاضي عياض. واختار الصقلي عدم ضم المعدن للمقبوض. تنبيه: من اقتضى من دينه الذي حال حوله ديناراً في المحرم مثلاً فأخر في رجب مثلاً، فاشترى بكل سلعة باعها بعشرين، ففيه تسع صور؛ لأن الشراء إما أن يكون بهما معاً، أو الدينار الأول قبل الثاني، أو الثاني قبل الأول، وفي كل: إما أن يبيع السلعتين معاً، أو إحداهما قبل الأخرى؛ وجب عليه زكاة الأربعين إن اشتراهما معاً سواء باعهما معاً أو إحداهما قبل الأخرى، لكن إذا باعهما معاً زكى الأربعين دفعة واحدة، وإن باع واحدة زكاها الآن، وأصل الثانية فيزكى الآن إحدى وعشرين. فإذا باع الأخرى زكى تسعة عشر. وما بقي من الصور يزكي إحدى وعشرين لا غير - كما اعتمده في الأصل تبعاً للرماصي.
تتمة: إذا تعددت أوقات الاقتضاءات وعلم المتقدم منها والمتأخر، ونسي المتوسط فإن يضم للمتقدم ويجعل حوله منه عكس الفوائد التي علم أولها وآخرها، فإن المجهول الوسط يضم للمتأخر؛ وذلك أن الاقتضاءات تزكى لما مضى، فهي بالتقديم أنسب. والفوائد بالاستقبال أنسب.
قوله: [على زكاة العروض]: أعقبها بالكلام على زكاة الدين لمشاركتها له في الحكم، لأن أحد قسميها - وهو المحتكر - يقاس به.
قوله: [بل يستقبل بثمنه من يوم قبضه]: كلامه يوهم أنه كالفوائد، وليس كذلك. بل مقتضى
стр. 223
فيؤخذ بزكاة المبدل كما تقدم. ولثانيها بقوله: (وملك) العرض (بشراء) لا إن ورثه، أو وهب له، أو أخذه في خلع أو أخذته صداقاً ونحو ذلك من الفوائد. وقولنا: "بشراء" أحسن من قوله: "بمعاوضة" لأنه يشمل الصداق والخلع، فيحتاج إلى تقييده بقولنا: مالية، لإخراجهما. وشمل هذا الشرط والذي قبله الحب المشترى للتجارة، فإنه لا زكاة في عينه. وعلم بذلك أن المراد بالعرض ما يشمل المثليات. ولثالثها بقوله: (بنية تجر) أي إن ملك بشراء مع نية تجر مجردة حال الشراء (أو مع نية غلته): بأن ينوي عند شرائه للتجارة أن يكريه إلى أن يجد ربحاً (أو مع) نية (قنية): بأن ينوي عند الشراء ركوبه أو سكناه أو حملاً عليه إلى أن يجد فيه ربحاً فيبيعه، (لا) إن ملكه (بلا نية) أصلاً (أو نية قنية) فقط، (أو) نية (غلة) فقط (أو هما): أي بنية القنية والغلة معاً، فلا زكاة. ولرابعها بقوله: (وكان ثمنه) الذي اشترى به ذلك العرض (عيناً أو عرضاً كذلك): أي ملك بشراء سواء كان عرض تجارة أو قنية كمن عنده عرض مقتنى اشتراه بعين، ثم باعه بعرض نوى به التجارة، فيزكي ثمنه إذا باعه لحوله من وقت اشترائه. بخلاف ما لو كان عنده عرض ملك بلا عوض -كهبة وميراث- فيستقبل بالثمن. ولخامسها بقوله: (وبيع منه) أي من العرض، وأولى بيعه كله (بعين) نصاباً فأكثر في المحتكر أو أقل، (ولو درهماً في المدير) فإن توفرت هذه الشروط زكي (كالدين): أي كزكاة الدين المتقدمة؛ أي لسنة من أصله إن قبض ثمنه عيناً نصاباً فأكثر كمل بنفسه ولو قبضه في مرات أو مع فائدة تم حولها، أو معدن.
وهذا (إن رصد) ربه (به) أي بالعرض المذكور (الأسواق) أي ارتفاع الأثمان، وهو المسمى بالمحتكر، فقوله: "كالدين" خاص بالمحتكر والشروط الخمسة المتقدمة عامة فيه وفي المدير، فكأنه قال: إن توفرت الشروط زكاه كزكاة الدين إن كان محتكراً شأنه يرصد الأسواق.
(وإلا) يرصد الأسواق بأن كان مديراً: وهو الذي يبيع بالسعر الواقع كيف كان ويخلف ما باعه بغيره؛ كأرباب الحوانيت والطوافين بالسلع،
ــ
الفقه أنه يزكى الثمن من حول تزكية الأعيان كما في (عب) نقلاً عن ابن الحاجب.
قوله: [فيؤخذ بزكاة المبدل كما تقدم]: أي في قوله: " ومن أبدل أو ذبح ماشية فراراً أخذت منه ".
قوله: [فإنه لا زكاة في عينه]: أي لأن الحرث لا تجب زكاته إلا على من كان وقت الوجوب في ملكه، والحب المشترى لا يكون إلا بعد الوجوب.
وقوله: [وعلم بذلك]: أي بشموله للحب.
قوله: [مجردة حال الشراء]: سيأتي محترزه في قوله: "لا بلا نية أو نية قنية".
قوله: [أو مع نية غلته]: وإنما وجبت الزكاة حينئذ لأن مصاحبة نية الغلة لنية التجارة أخف من مصاحبة القنية للتجارة، فإذا لم تؤثر مصاحبة الأقوى فأولى مصاحبة الأضعف.
قوله: [أو مع نية قنية]: أي على المختار عند اللخمي. والمرجح عند ابن يونس وفاقاً لأشهب. وروايته خلافاً لابن القاسم وابن المواز. والاختيار والترجيح يرجعان للتجر مع القنية كما في التوضيح. قال ابن غازي: وأما التجر مع الغلة فهذا الحكم فيه أبين.
قوله: [أو غلة فقط]: أي فلا زكاة على ما رجع إليه مالك، خلافاً لاختيار اللخمي أن فيه الزكاة قائلاً: لا فرق بين التماس الربح من رقاب أو منافع.
قوله: [أو هما]: أصله أو نيتهما. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانفصل الضمير، وحينئذ فهو في محل جر بطريق النيابة لا الأصالة، لأن "هما" ليست من ضمائر الجر، لأن ضمير الجر لا يكون إلا متصلاً.
قوله: [أي ملك بشراء]: طريقة لابن حارث، وطريق اللخمي الإطلاق كما في حاشية الأصل.
قوله: [أو قنية]: هذا هو الصواب الذي ارتضاه المؤلف في تقريره كما ارتضاه (ح) و (ر) خلافاً لمن يقول: إن الذي أصله عرض قنية يستقبل به.
قوله: [بخلاف ما لو كان] إلخ: الحاصل أن الصور أربع: ما أصله عين أو عرض تجر يزكي اتفاقاً، وما أصله عرض قنية ملك بمعاوضة: المشهور زكاة عوضه لحول من أصله، وما أصله عرض ملك بغير معاوضة مالية -بأن ملك بغير معاوضة أصلاً أو بمعاوضة غير مالية- ففيه طريقتان: الأولى للخمي تحكي قولين مشهورهما الاستقبال، والثانية لابن حارث: استقبل [١] اتفاقاً.
قوله: [أو أقل]: أي فهذه الشروط عامة في المحتكر والمدير، وإنما يختلفان من جهة أن المحتكر لا بد أن تكون العين التي باع بها نصاباً سواء بقي ما باع به أم لا، بخلاف المدير؛ فإن الشرط بيعه بشيء من العين ولو قل. فلو لم يبع المحتكر نصاباً فلا زكاة عليه ما لم يتقصد البيع بالعروض فراراً من الزكاة، فإنه يؤخذ بها كما نقله الحطاب عن الرجراجي لأنه من التحيل.
قوله: [ولو درهماً]: فهم الأجهوري من ذكرهم الدرهم في المدونة وغيرها: أنه تحديد لأقل ما يكفي في التقويم، والذي قاله أبو الحسن شارح المدونة: أن ذكر الدرهم مثال للقليل لا تحديد، وأنه مهماً نض له شيء وإن قل لزمته الزكاة، وهو الصواب. اهـ بن نقله في حاشية الأصل.
قوله: [بالسعر الواقع]: أي ولو كان فيه خسر.
قوله: [كأرباب الحوانيت] إلخ ابن عاشر: الظاهر أن أرباب الصنائع كالحاكة والدباغين مديرون وقد نص في المدونة
стр. 224
(زكى عينه) التي عنده (ودينه) أي عدده (النقد) الذي أصله عرض (الحال): أي الذي
حل أجله أو كان حالاً أصالة (المرجو) خلاصه ولو لم يقضه بالفعل. وما تقدم في زكاة الدين - من أنه إنما يزكى بعد قبضه مع بقية الشروط - ففي غير المدير أو في المدير إذا كان أصله قرضاً كما تقدمت الإشارة إليه، وكما سيأتي قريباً إن شاء الله. (وإلا) يكن نقداً حالاً -بأن كان عرضاً أو مؤجلاً- مرجواً فيهما؛ فالنفي راجع لقوله: "النقد الحال" فقط بدليل ما بعده. ومرادنا بالعرض: ما يشمل طعام السلم (قوَّمه) على نفسه قيمة عدل (كل عام) وزكى القيمة، لأن الموضوع أنه مرجو فهو في المدير في قوة المقبوض (كسلعه) أي المدير أي كما يقوم كل عام سلعه التي للتجارة (ولو بارت) سنين إذ بوارها بضم الباء أي كسادها لا ينقلها لاحتكار ولا قنية، وأما البوار بفتح الباء، فمعناه: الهلاك.
(لا إن لم يرجه) بأن كان على معدم أو ظالم لا تأخذه الأحكام فلا يقومه. فإن قبضه زكاه لعام واحد كالعين الضائعة والمغصوبة (أو كان): أي ولا إن كان دينه الذي على المدين (قرضاً): أي كان أصله سلفاً -ولو مرجواً- فلا يقومه على نفسه ليزكيه لعدم النماء فيه فهو خارج عن حكم التجارة. (فإن قبضه زكاه لعام) واحد، وإن أقام عند المدين سنين إلا أن يؤخره فراراً من الزكاة فلكل عام مضى.
(وحوله) أي والمدير الذي يقوم فيه سلعه لزكاتها مع عينه ودينه الحال المرجو (حول أصله) أي المال الذي اشترى به السلع فيكون ابتداء الحول من يوم ملك الأصل أو زكاه، ولو تأخرت الإدارة عنه كما لو ملك نصاباً أو زكاه في المحرم، ثم أداره في رجب؛ أي شرع في التجارة على وجه الإدارة في رجب فحوله المحرم، وقيل حوله وسط بين حول الأصل ووقت الإدارة كربيع الثاني.
(ولا تقوم الأواني) التي توضع فيها سلع التجارة كالزلع (والآلات) كالمنوال والمنشار والقدوم والمحراث، (وبهيمة العمل) من حمل وحرث وغيرهما لبقاء عينها فأشبهت القنية.
(وإن اجتمع) لشخص (احتكار) في عرض (وإدارة) في آخر (وتساويا، أو احتكر الأكثر) وأدار في الأقل (فكل) من العرضين (على حكمه) في الزكاة. (وإلا) بأن أدار [١] أكثر سلعه واحتكر الأقل (فالجميع للإدارة)، وبطل حكم الاحتكار.
(والقراض) الذي عند العامل (الحاضر) ببلد رب المال
ــ
على أن أصحاب الأسفار الذين يجهزون الأمتعة إلى البلدان مديرون.
قوله: [زكى عينه]: إنما نص على زكاة العين - مع أنه لا خصوصية للمدير بزكاتها - لأجل أن يستوفي الكلام على أموال المدير.
قوله: [ودينه]: أي: الكائن من التجارة المعد للنماء. واحترز بذلك عن دين القرض فإنه لا يزكيه كل عام بل لسنة بعد قبضه كما يأتي.
قوله: [ما يشمل طعام السلم]: كذا قال أبو بكر بن عبد الرحمن، وصوبه ابن يونس.
قوله: [وزكى القيمة]: أي لأنها هي التي تحسب عليه لو قام غرماء ذلك المدين.
قوله: [كسلعه]: اعلم أن الذي يقومه المدير من السلع هو ما دفع ثمنه وما حال عليه الحول عنده وإن لم يدفع ثمنه. وحكمه في الثاني حكم من عليه دين وبيده مال. وأما إن لم يدفع ثمنه ولم يحل عليه الحول عنده فلا زكاة عليه فيه. ولا يسقط عنه من زكاة ما حال حوله عنده شيء بسبب دين ثمن هذا العرض الذي لم يحل حوله إن لم يكن عنده ما يجعل في مقابلته، نص عليه ابن رشد في المقدمات. انتهى (بن) كذا في حاشية الأصل.
قوله: [لا ينقلها]: هذا هو المشهور وهو قول ابن القاسم. ومقابله ما لابن نافع وسحنون لا يقوم ما بار منها وينتقل للاحتكار.
قوله: [فمعناه الهلاك]: كذا في المصباح والذي في الصحاح والقاموس أنه بالفتح بمعنى الكساد والهلاك معاً، كذا في حاشية الأصل.
قوله: [فحوله المحرم]: هو للباجي ورجحه جماعة من الشيوخ وهو قول مالك، واستحسنه ابن يونس. وقوله: وقيل حوله وسط هو للخمي وهو خلاف المعول عليه. وقد علمت أن محل الخلاف عند اختلاف وقت الملك والإدارة، أما إذا لم يختلفا فحوله الذي يقوم فيه ويزكي الشهر الذي ملك فيه الأصل اتفاقاً.
قوله: [وبهيمة العمل]: كالإبل التي تحمل مال التجارة. وبقر الحرث ما لم تجب الزكاة في عين تلك المواشي. واختلف في الكافر المدير إذا أسلم ونض له بعد إسلامه ولو درهماً؛ فقيل: يقوم لحول من إسلامه، وقيل يستقبل بالثمن إن بلغ نصاباً حولاً من قبضه؛ وأما المحتكر إذا أسلم فيستقبل بالثمن حولاً من قبضه اتفاقاً. كذا في الأصل.
تنبيه: ينتقل المدير للاحتكار وللقنية بمجرد النية. وكذلك المحتكر ينتقل للقنية. لا بالعكس؛ وهو انتقال المحتكر والمقتني للإدارة فلا تكفي فيهما النية بل لا بد من التعاطي؛ لأن النية سبب ضعيف تنقل للأصل ولا تنقل عنه، والأصل في العروض القنية والاحتكار قريب منها.
قوله: [فكل على حكمه]: وإنما لم يغلب الاحتكار فيما الأكثر مراعاة لحق الفقراء إذا غلبت الإدارة غلبت.
قوله: [الحاضر ببلد رب المال]: أي ولو حكماً، بأن علم في غيبته، كذا في الأصل.
стр. 225
(يزكيه ربه) -لا العامل- زكاة إدارة (كل عام) بما فيه (من غيره): لا من مال القراض لئلا ينقص على العامل والربح يجبره -وهو ضرر على العامل- لا أن يرضى بذلك (إن أدار العامل) سواء كان ربه مديراً أو محتكراً أو لا.
وذكر مفهوم الحاضر بقوله: (وصبر) ربه بلا زكاة (إن غاب) المال عن بلد ربه غيبة لا يعلم فيها حاله ولو سنين. ولا يزكيه العامل أيضاً إلا أن يأمر ربه بها فتجزيه. ويحسبها العامل على ربه من رأس المال حتى يحضر المال (فيزكي عن سنة الحضور ما) وجد (فيها) سواء زاد عما قبلها أو نقص أو ساوى.
فإن كان المال في سنة الحضور مساوياً لما مضى فأمره ظاهر، (و) إن كان فيما قبلها أزيد (سقط ما زاد قبلها) فلا زكاة فيه، لأنه لم يصل له ولم ينتفع به، وصار حكمه حكم ما لو كان في كل سنة مساوياً لسنة الحضور، فيبتدئ في الإخراج بسنة لحضور، ثم بما قبلها وهكذا. ويراعى تنقيص الأخذ النصاب.
(وإن نقص) ما قبلها عنها (فلكل) من السنين الماضية (ما فيها) كما إذا كان في الأولى مائة. وفي الثانية مائة وخمسون وفي الثالثة مائتان (وإن زاد) المال فيما قبلها تارة (ونقص) تارة أخرى، كما لو كان فيها مائتان، وفيما قبلها ثلاثمائة (قضى بالنقص على ما قبله) فيزكي في سنة الحضور عن مائتين، وعن كل ما قبلها مائة، لأن الزائد لم يصل لربه ولم ينتفع به، ولا يقضي بالنقص على ما بعده. وذكر مفهوم "إن أدار" العامل بقوله: (وإن احتكر العامل) سواء احتكر ربه أم لا
ــ
قوله: [يزكيه ربه كل عام] إلخ: هو أحد أقوال ثلاثة، وهي طريقة لابن يونس. قال في التوضيح: وهو ظاهر المذهب. والثاني - وهو المعتمد: أنه لا يزكي إلا بعد المفاصلة، ويزكي حينئذ للسنين الماضية على حكم ما يأتي في الغائب. وهذا القول هو الذي اقتصر عليه ابن رشد وعزاه لقراض المدونة والواضحة، ولرواية ابن أبي زيد ولابن القاسم وسحنون. والثالث: أنه لا يزكي إلا بعد المفاصلة ولكن لسنة واحدة كالدين، حكاه ابن بشير وابن شاس انظر التوضيح انتهى (بن) كذا في حاشية الأصل، وذكر في المجموع ما يفيد اعتماد القول الوسط أيضاً. وعلى كل حال يخرج رب المال زكاته من غيره أو منه ويحسبه على نفسه. ولم يجعلوا ذلك وزيادة في مال القراض بتوفيره، وهو ممنوع كالنقص إما اليسارة جزء الزكاة فتسامح به النفوس أو لأنه لازم شرعاً فكأنه مدخول عليه. انظر الخرشي وغيره كذا في المجموع.
قوله: [إن أدار العامل] إلخ: تقدم أن المدير لا بد في وجوب الزكاة عليه أن ينض له ولو درهماً. فهل إذا كان كل من العامل ورب المال مديراً يكفي النضوض لأحدهما؟ وإذا أدار العامل فقط فلا بد أن ينض له شيء - وهو ظاهر ما لابن عبد السلام - أم لا؟ قاله الشيخ أحمد الزرقاني، وقال اللقاني: يشترط النضوض فيمن له الحكم في الحاشية.
قوله: [ولا يزكيه العامل] إلخ: أي لاحتمال دين ربه أو موته، فإن وقع وزكاه ربه قبل علمه بحاله، فالظاهر الإجزاء. ثم إن تبين زيادة المال على ما أخرج أخرج عنها. وإن تبين نقصه عما أخرج رجع بها على الفقير إن كانت باقية بيده وبين له أنها زكاة، وإلا فلا رجوع له خلافاً لاستظهار (عب) من عدم رجوعه مطلقاً ولو كان باقياً بيده لأنه مفرط بإخراجه قبل علم قدره.
قوله: [سقط ما زاد قبلها]: ولو زكاه العامل عن ربه لم يرجع بزكاة تلك الزيادة.
قوله: [فيبتدئ في الإخراج بسنة الحضور]: اعترضه الرماصي بأن الذي قاله ابن رشد وغيره: أنه يبدأ بالأولى فالأولى، فإذا كان المال في أول سنة أربعمائة دينار. وفي الثانية ثلاثمائة، وفي الثالثة وهي سنة الحضور مائتين وخمسين. فإنه يزكي عن الأولى في المثال المذكور عن مائتين وخمسين، ويسقط عنه في السنة الثانية والثالثة ما نقصته الزكاة فيما قبلها. قلت: الظاهر كما قال بعض الشراح: إن المال واحد سواء بدأ بالأولى أو سنة الحضور. ومثل هذا يقال في بقية الصور انتهى بن. كذا في حاشية الأصل.
قوله: [ويراعي] أي في غير سنة الحضور. وكما يراعي تنقيص الأخذ النصاب يراعي أيضاً تنقيصه لجزء الزكاة. فالأول: كمن عنده أحد وعشرون ديناراً فغاب بها العامل خمس سنين، ووجدت بعد الحضور كما هي فيبدأ بالعام الأول فما بعده ويراعي تنقيص الأخذ النصاب. وحينئذ فلا يزكي عن الثالثة الباقية. والثاني: أن يكون المال في العام الأول أربعمائة، وفي الثاني ثلاثمائة، وفي عام الحضور مائتين وخمسين؛ فإذا زكى عنها لعام الحضور أخرج ستة دنانير وربعاً، وزكى عن العام الذي قبله عن مائتين وخمسين إلا ستة وربعاً التي أخرجها زكاة، وعن العام الأول عن مائتين وثمانية وثلاثين إلا ربعاً ونحو العشر، قال (بن): ولا يقال إن اعتبار تنقيص الأخذ النصاب أو لجزء الزكاة مقيد بما إذا لم يكن له ما يجعل في مقابلة دين الزكاة - وإلا فيزكي عن الجميع كل عام كما هو المعهود - لأنا نقول: لا يجري ذلك هنا، لأن هذا لم يقع فيه تفريط فلم يتعلق بالذمة بل بالمال، فيعتبر نقصه مطلقاً. نقله محشي الأصل.
قوله: [قضى بالنقص على ما قبله]: هذا ظاهر فما إذا تقدم الأزيد على الأنقص كما في مثال الشارح. وأما إن تقدم الأنقص على الأزيد؛ كما لو كان في سنة الحضور أربعمائة، وفي التي قبلها خمسمائة؛ وفي التي قبلها مائتين، فإنه يزكي أربعمائة
стр. 226
(فكالدين) يزكيه لعام واحد بعد قبضه بانفصاله من العامل، ولو أقام عند العامل أعواماً وهذا كله في العروض المشتراة بمال. وأما الماشية فحكمها ما أفاده بقوله: (وعجلت زكاة ماشيته): أي القراض إذا بلغت نصاباً حال حوله (مطلقاً) حضرت أو غابت احتكرها العامل، أو أدار ومثل الماشية الحرث وأخذت منها إن غابت (وحسبت على ربه) من رأس المال فلا تجبر بالربح كالخسارة، فإن حضرت فهل كذلك أو تؤخذ من ربها (كزكاة فطر رقيقه): أي القراض فإنها على ربه قولاً واحداً قال فيها: "وزكاة الفطر عن عبيد القراض على رب المال خاصة". وفي كلام الشيخ نظر.
ثم شرع يتكلم على زكاة ربح العامل من مال القراض فقال:
(ويزكي العامل ربحه) بعد النضوض والانفصال (وإن أقل [١]) عن النصاب ولو لم يكن عنده ما يضمه إليه (لعام) واحد بشروط خمسة ذكرها بقوله:
(إن أقام) القراض (بيده حولاً فأكثر) من يوم التجر لا أقل من حول.
(وكانا) معاً (حرين مسلمين بلا دين) عليهما.
(وحصة ربه بربحه نصاب) فأكثر، والواو للحال: لا أقل وإن نابه هو نصاب بل يستقبل حينئذ به (أو) حصة ربه بربحه (أقل) من نصاب، (و) لكن (عنده) أي ربه (ما يكمله) فيزكي العامل وإن أقل لأن زكاته تابعة لزكاة ربه.
(ولا يسقط الدين) ولو عيناً (زكاة حرث وماشية ومعدن) لتعلق الزكاة بعينها.
(بخلاف العين) الذهب والفضة (فيسقطها) الدين (ولو) كان الدين (مؤجلاً
ــ
لسنة الفصل ولما قبلها ويزكي عن مائتين للعام الأول.
قوله: [فكالدين]: أفاد بهذا التشبيه فائدتين؛ الأولى: أنه لا يزكيه قبل رجوعه لربه ولو نض بيد العامل، والثانية: أنه إنما يزكيه بعد قبضه لسنة واحدة ولو أقام أعواماً كما أفاده الشارح؛ وهذا إذا لم يكن رب المال مديراً وكان ما بيده أكثر مما بيد العامل؛ وإلا كان تابعاً للأكثر يبطل حكم الاحتكار، وحينئذ فيقوم رب المال ما بيد العامل كل سنة ويزكيه إن علم به، كما يؤخذ من الأصل وحاشيته.
قوله: [وعجلت زكاة ماشيته]: أي فتخرج من عينها ولا ينتظر بها المفاصلة ولا علم ربها بحالها لتعلق الزكاة بعينها.
قوله: [وحسبت على ربه] إلخ: فلو كان رأس المال أربعين ديناراً اشترى بها العامل أربعين شاة، أخذ الساعي منها بعد مرور الحول شاة؛ فلو كانت الشاة تساوي ديناراً ثم باع الباقي بستين ديناراً فالربح على المشهور أحد وعشرون ديناراً ورأس المال تسعة وثلاثون لحساب الشاه على رب المال. وعلى مقابلة [٢]: الربح عشرون ويجبر رأس المال ويبقى المال على حاله الأول.
قوله: [فلا تجبر بالربح] إلخ: أي على المشهور كما تقدم، بخلاف الخسارة فإنها تجبر به.
قوله: [وفي كلام الشيخ نظر]: أي لحكايته التأويلين مع تصريح المدونة بكونها على رب المال خاصة كما قال الشارح. وأما نفقته فمن مال القراض ويجبر بالربح [٣] كما يؤخذ من المدونة أيضاً.
قوله: [ويزكي العامل]: أي لا رب المال خلافاً لبهرام حيث: قال ما خص العامل من الربح يزكيه رب المال.
قوله: [لعام واحد]: أي سواء كان العامل ورب المال مديرين أو محتكرين أو مختلفين، فلا يزكيه إلا لعام واحد بعد قبض حصته ولو أقام مال القراض بيده أعواماً. وقيل: إن كان العامل مديراً زكاه لكل عام بعد المفاصلة. واقتصر عليه ابن عرفة ورجحه بعضهم وقال: إنه مذهب المدونة، كما في حاشية الأصل.
قوله: [إن أقام القراض بيده حولاً]: هذا الشرط مبني على أنه شريك لرب المال لا أجير وإلا لاكتفى بحول صاحب المال قوله: [حرين مسلمين بلا دين]: اشتراط هذه الشروط الثلاثة في رب المال بناء على أن العامل أجير. أما لو نظر لكونه شريكاً فلا يشترط ما ذكر في رب المال بالنسبة لتزكية العامل؛ لان المنظور له ذات المال. واشتراطها في العامل بناء على أنه شريك؛ إذ لو قلنا إنه أجير لاكتفى بحصولها في رب المال. قال في المجموع: وبالجملة فقد اضطربوا في النظر لذلك، والفقه: مسلم.
قوله: [وحصة ربه]: المراد بالحصة: رأس المال.
قوله: [لا أقل وإن نابه هو نصاب]: بناء على أن العامل أجير، فإن كان رأس المال عشرة دنانير ودفعها ربها للعامل على أن يكون لربها جزء من مائة جزء من الربح فربح المال مائة، فإن ربه لا يزكي لأن مجموع رأس المال وحصته من الربح أحد عشر، وكذلك العامل لا يزكي بل يستقبل بما خصه وهو تسعة وتسعون حولاً من وقت قبضه.
قوله: [ولكن عنده]: هكذا في نقل ابن يونس ونصه قال ابن المواز، قال أشهب فيمن عنده أحد عشر ديناراً فربح فيها خمسة وله مال حال حوله: إن ضمه إلى هذا صار فيه الزكاة، يريد وقد حال على أصل هذا المال حول فليزك العامل حصته، لأن المال وجبت فيه الزكاة. انتهى كذا في حاشية الأصل نقلاً عن البناني.
تنبيه: قال خليل: وفي كونه شريكاً أو أجيراً خلاف. قال شراحه: تظهر ثمرة الخلاف في المبني على القولين فبعضهم شهر ما ابتنى على كونه شريكاً، وبعضهم شهر على كونه أجيراً، وكل مسلم كما علمت مما تقدم.
قوله: [ومعدن]: مثله الركاز؛ إذا وجبت فيه الزكاة فلا يسقطها الدين ولا ما معه من فقد وأسر، بل وكذلك إذا وجب فيه الخمس.
قوله: [بخلاف العين]: أي فتسقط بسبب دين على أربابها؛ سواء كان الدين عيناً اقترضها أو اشتراها في الذمة، أو كان عرضاً أو طعاماً كدين السلم.
стр. 227
أو) كان (مهراً) عليه لامرأته أو مؤخراً (أو) مقدماً كان (نفقة كزوجة) أو أب أو ابن (تجمدت) عليه (أو) كان (دين زكاة) انكسرت عليه، (لا) دين (كفارة) ليمين أو غيره كظهار وصوم، (و) لا دين (هدي) وجب عليه في حج أو عمرة فلا يسقطان زكاة العين (إلا أن يكون له) أي لرب العين المدين (من العروض ما) أي شيء (يفي به) أي بدينه؛ فإنه يجعله في نظير الدين الذي عليه ويزكي ما عنده من العين.
ولا تسقط عنه الزكاة بشرطين:
أشار لأولهما بقوله: (إن حال حوله): أي العرض (عنده).
وللثاني بقوله: (وبيع) ذلك العرض: أي وكان مما يباع (على المفلس): كثياب، ونحاس وماشية ولو دابة ركوب أو ثياب جمعة أو كتب فقه، لا ثوب جسده أو دار سكناه إلا أن يكون فيها فضل عن ضرورته. فإن كان عنده من العرض ما يفي ببعض ما عليه نظر للباقي: فإن كان فيه الزكاة زكاه، كما لو كان عنده أربعون ديناراً وعليه مثلها وعنده عرض يفي بعشرين زكى العشرين.
(والقيمة) لذلك العرض تعتبر (وقت الوجوب): أي وجوب الزكاة آخر الحول (أو) يكون (له دين مرجو ولو مؤجلاً) فإنه يجعله فيما عليه ويزكي ما عنده من العين. (لا غير مرجو): كما لو كان على معسر أو ظالم لا تناله الأحكام، (ولا) إن كان له (آبق): فلا يجعل في نظير الدين الذي عليه (ولو رجي) تحصيله لعدم جواز بيعه بحال.
(فلو وهب الدين له): أي لمن هو عليه -بأن أبرأه ربه منه ولم يحل حوله من يوم الهبة- فلا زكاة في العين التي عنده لأن الهبة إنشاء لملك النصاب الذي بيده فلا تجب الزكاة فيه إلا إذا استقبل حولاً من يوم الهبة (أو) وهب له (ما): أي شيء من العروض أو غيره؛ أي وهب له إنسان ما؛ أي شيئاً (يجعل فيه): أي في نظير الدين، (ولو لم يحل حوله) أي حول الشيء الموهوب عند
ــ
ويدخل في العين قيمة عروض التجارة فتسقط زكاتها بالدين والفقد والأسر.
قوله: [أو كان مهراً عليه]: هذا قول مالك وابن القاسم وهو المشهور، وقال ابن حبيب: تسقط الزكاة بكل دين إلا مهور النساء؛ إذ ليس شأنهن القيام به إلا في موت أو فراق، فلم يكن في القوة كغيره. كذا في الحاشية.
قوله: [أو كان نفقة كزوجة]: أي فإنها مسقطة للزكاة مطلقاً -حكم بها حاكم أم لا- لقوتها بكونها في مقابلة الاستمتاع.
قوله: [أو ابن]: أي إن حكم بها -أي قضى بما تجمد منها في الماضي- حاكم غير مالكي يرى ذلك. وصورتها أنه تجمد عليه فيما مضى شيء من النفقة فطلب الولد أباه به، فامتنع فرفع لحاكم يرى ذلك فحكم بها. فإن تجمدت عليه ولم يحكم بها حاكم، فقال ابن القاسم: لا تسقط، وقال أشهب: تسقط، وإطلاق شارحنا يؤيد قول أشهب. وأما إن تجمدت نفقة الوالد -أباً وأماً- على الابن فلا تسقط زكاته إلا بشرطين: حكم الحاكم بها، وتسلفه، فإن لم يحكم بها حاكم أو حكم بها ولم يتسلف الوالد بل تحيل في الإنفاق بسؤال أو غيره، لم تسقط عن الابن كذا في الأصل. وإنما شدد في نفقة الوالد حيث جعلت مسقطة لزكاة العين بمجرد الحكم بها أو بمجرد تجمدها -على قول أشهب- دون نفقة الأبوين، لأن مسامحة الوالدين للولد أكثر من مسامحة الولد لهما لأن حب الوالد لولده موروث من آدم، ولم يكن يعرف حب الولد لوالده.
قوله: [لا دين كفارة] إلخ: والفرق بينهما وبين دين الزكاة أن دين الزكاة تتوجه المطالبة به من الإمام العدو ويأخذها كرهاً بخلاف الكفارة والهدي، فإنه لا يتوجه فيهما ذلك وتعقب هذا الفرق أبو عبد الله بن عتاب من أصحاب ابن عرفة قائلاً: لا فرق بين دين الزكاة والهدي والكفارة في مطالبة الإمام بها، ونقل ذلك عن اللخمي والمازري فتحصل أن في دين الكفارة والهدي طريقتين: طريقة ابن عتاب تقول كالزكاة، وطريقة المصنف وخليل وشراحه أنهما ليسا كالزكاة.
قوله: [إن حال حوله]: أي مضى له حول. والمراد بالحول: السنة كما هو المأخوذ من كلامهم. وإنما يشترط هذا الشرط إذا مر على الدين حول وهو عند المدين، وإلا فالشرط مساواة الدين لما يجعل فيه زماناً. واشتراط مرور الحول على ما يجعل في الدين من العرض قول ابن القاسم. وقال أشهب بعدم اشتراطه بل يجعل قيمته في مقابلة الدين، وإن لم يمر عليه حول عنده. قال (ر): وبنوا هذا الخلاف على أن ملك العرض في آخر الحول هو منشئ لملك العين التي بيده من الآن وحينئذ فلا زكاة عليه فيها لفقد الحول - وهو قول ابن القاسم - أو كاشف أنه كان مالكاً لها، وحينئذ فيزكي، وهو قول أشهب. وأنت خبير بأن هذا البناء يوجب عموم شرط الحول عند ابن القاسم في كل ما يجعل في مقابلة الدين من معشر ومعدن وغيرهما، مع أنهم لم يشترطوا مرور الحول إلا في العرض، ولم يشترطوه في المعشر والمعدن وغيرهما كما في المواق. انظر (بن) كذا في حاشية الأصل.
قوله: [دين مرجو ولو مؤجلاً]: لكن إن كان حالاً بحسب عدده وإن كان مؤجلاً بحسب قيمته.
قوله: [ولا إن كان له آبق]: ومثله البعير الشارد.
قوله: [بأن أبرأه ربه منه]: تصوير لهبة الدين لمن هو عليه إشارة إلى أنه يسمى إبراء، لأن الهبة الحقيقية تكون لغير من عليه الدين.
قوله: [إنشاء لملك النصاب]: أي من الآن.
قوله: [أو وهب له] إلخ: ومن ذلك قول خليل: أو مر لكمؤجر نفسه بستين ديناراً ثلاث سنين حول
стр. 228
رب العين (فلا زكاة) في العين التي عنده حتى يحول الحول، لما تقدم في الذي قبله. وهذا التصريح بمفهوم قوله: "إن حال حوله".
ثم شرع في الكلام على زكاة المعدن فقال:
(ويزكى معدن العين): الذهب والفضة (فقط) لا معدن نحاس أو رصاص أو زئبق أو غيرها.
(وحكمه) أي المعدن (مطلقاً) سواء كان معدن عين أو غيره (للإمام) أي السلطان أو نائبه يقطعه لمن شاء من المسلمين، أو يجعله في بيت المال لمنافعهم لا لنفسه (ولو) وجد (بأرض) شخص (معين) ولا يختص به رب الأرض (إلا أرض الصلح)، إذا وجد بها معدن (فلهم). ولا نتعرض لهم فيه ما داموا كفاراً فإن أسلموا رجع الأمر للإمام.
(ويضم) في الزكاة (بقية العرق) المتصل لما خرج أولاً، فإن بلغ الجميع نصاباً فأكثر زكاه إن اتصل العمل بل: (وإن تراخى العمل) والزكاة بإخراجه أو بتصفيته: قولان. وعلى الثاني: لو أنفق شيئاً قبل تصفيته أو ضاع شيء أو تلف لم يحسب. وعلى الأول يحسب.
ــ
فلا زكاة، قال شارحه: لأن عشرين السنة الأولى لم يتحقق ملكه لها إلا الآن، فلم يملكها حولاً كاملاً، فإذا مر الحول الثاني زكى عشرين. وإذا مر الثالث زكى أربعين إلا ما نقصته الزكاة. وإذا مر الرابع زكى الجميع. فموضوع المسألة أنه أجر نفسه ثلاث سنين بستين ديناراً وقبضها، وحكم زكاتها ما علمت.
فائدتان:
الأولى من كان له مائة محرمية ومائة رجبية وعليه مائة دينار وجب عليه زكاة المحرمية عند حولها، وتسقط عنه زكاة الرجبية لأن عليه مثلها.
الثانية من وقف عيناً للسلف يأخذها المحتاج ويرد مثلها يجب على الواقف زكاتها لأنها على ملكه فتزكى كل عام ولو بانضمامها لماله، وإلا أن تسلف فتزكى لعام واحد بعد قبضها من المدين كزكاة الدين، ولو مكثت عنده أعواماً. وكذلك من وقف حباً ليزرع كل عام في أرض مملوكة أو مستأجرة، أو حوائط ليفرق ثمرها فيزيد الحب والثمر إن كان فيه نصاب، ولو بالضم لحب الواقف وثمرة. وكذلك وقف الأنعام لتفرقة لبنها أو صوفها أو الحمل عليها أو لتفرقة نسلها، فإن الجميع تزكى على مالك الواقف إن كان فيها نصاب ولو بالانضمام لمال ولا فرق بين كون الموقوف عليهم معينين أو غيرهم، ويقوم مقام الواقف ناظر الوقف في جميع ما تقدم إلا أنه يزكيها على حدتها إن بلغت نصاباً، ولا يتأتى الضم لماله لأنه ليس مالكاً.
قوله [ويزكى معدن العين]: يشترط فيه ما يشترط في الزكاة من حرية المالك له وإسلامه، ولا مرور الحول. وهذا هو الذي قدمه أول الباب تبعاً لخليل وابن الحاجب. وقيل: لا يشترط فيه حرية ولا إسلام وأن الشركاء فيه كالواحد، قال الجزولي وهذا هو المشهور. نقله الحطاب في حاشية الأصل.
قوله [أو غيرها]: أي كالقصدير والعقيق والياقوت والزمرد والزرنيخ والمغرة والكبريت فلا زكاة في شيء من هذه المعادن، إلا إن صارت عروض تجارة فتزكى زكاتها.
قوله [يقطعه لمن شاء من المسلمين]: أي يعطيه لمن يعمل فيه بنفسه مدة من الزمان أو مدة حياة المقطع - بفتح الطاء - وسواء كان في نظير شيء يأخذه الإمام من المقطع أو مجاناً. وإذا أقطعه لشخص في مقابلة شيء كان ذلك الشيء لبيت المال، فلا يأخذ الإمام عنه إلا بقدر حاجته، قال الباجي: وإذا أقطعه لأحد فإنما يقطعه انتفاعاً لا تمليكاً ولا يجوز لمن أقطعه له الإمام أن يبيعه - ابن القاسم. ولا يورث عمن أقطعه له لأن ما لا يملك لا يورث اهـ. (بن) كذا في حاشية الأصل، فقد علمت حكم ما إذا أقطعه لشخص معين، ويجب على ذلك المعين زكاته إن خرج منه نصاب حيث كان عيناً وأما إذا أمر بقطعه لبيت مال المسلمين فلا زكاة فيه لأنه ليس مملوكاً لمعين حتى يزكي.
قوله: [بأرض شخص معين]: أي هذا إذا كان بأرض غير مملوكة كالفيافي أو ما انجلى عنه أهله ولو مسلمين، أو مملوكة لغير معين كأرض العنوة، بل ولو بأرض معين، مسلماً أو كافراً. ويغتفر إقطاعه في الأراضي الأربع إلى حيازة على المشهور، فإن مات الإمام قبلها بطلت العطية كذا في الأصل، ورد المصنف بلو على من قال: إن المعدن الذي يوجد في المملوكة لمعين يكون لمالكها مطلقاً، وعلى من قال: إن كان المعدن عيناً فللإمام وإن كان غير عين، فلمالك الأرض المعين، والمعتمد أنها للإمام، لأن المعادن قد يجدها شرار الناس فلو لم يكن حكمه للإمام لأدى إلى الفتن والهرج.
قوله: [رجع الأمر للإمام]: أي على مذهب المدونة وهو الراجح خلافاً لسحنون القائل إنها تبقى لهم ولا ترجع للإمام.
قوله: [بقية العرق]: يعني أن العرق الواحد من المعدن - ذهباً كان أو فضة. أو كان بعضه ذهباً وبعضه فضة - يضم بعضه لبعض إذا كان متصلاً، فإذا أخرج نصاباً زكى ما يخرج بعد ذلك ولو كان الخارج شيئاً قليلاً ولو تلف الخارج أولاً.
قوله: [بل وإن تراخى العمل]: أي فالمدار على اتصال العرق ولو حصل في العمل انقطاع.
قوله: [قولان]: الأول للباجي واستظهره بعضهم كما قال في الحاشية.
قوله: [وعلى الثاني لو أنفق] إلخ:
стр. 229
(لا) يضم (عرق لآخر) بل إن أخرج ما فيه الزكاة من كل على انفراده زكاه وإلا فلا. وأولى في عدم الضم معدن لآخر.
(وتخمس ندرة العين) بفتح النون وسكون الدال المهملة: القطعة من الذهب أو الفضة الخالصة أي التي لا تحتاج لتخليص، أي يخرج منها الخمس ولو دون نصاب.
(كالركاز) يخمس: أي يخرج منه الخمس (مطلقاً) عيناً أو غيره قل أو كثر. (ولو كرخام) وأعمدة ومسك وعروض. (أو وجده عبد أو كافر)، والإطلاق راجع لكل من ندرة العين والركاز والبالغة [١] بقوله: ولو كرخام، خاصة بالركاز، وقوله: "أو وجده" إلخ عام فيهما. واستثنى منهما معاً قوله: (إلا لكبير نفقة أو) كبير (عمل) بنفسه أو عبيده (في تحصيله): أي ما ذكر من الندرة والركاز ولو بمشقة سفر على الأرجح (فالزكاة) حينئذ ربع العشر دون التخميس.
(وهو): أي الركاز (دفن) بكسر المهملة: أي مدفون (جاهلي): أي غير مسلم وذمي.
ــ
شروع في بيان ثمرة الخلاف.
قوله: [لا يضم عرق لآخر]: أي ولو اتصل العمل، ظاهره عدم ضم أحد العرقين للآخر ولو من معدن واحد، ولو وجد الثاني قبل فراغ الأول. وفي الحطاب ما يفيد أنه يضم حيث بدأ العرق الثاني قبل انقطاع الأول، وسواء ترك العمل فيه حتى تمم الأول، أو انتقل للثاني قبل تمام الأول، وهذا هو المعتمد حيث كان المعدن واحداً كما قرره شيخ المشايخ العدوي.
تنبيه: إن وجد عنده فائدة حال حولها وحصل عنده من المعدن ما يكمل به النصاب، فهل يضمه لها وتجب الزكاة وهو للقاضي عبد الوهاب؟ أو لا يضم قياساً على عدم ضم المعدنين وهو لسحنون؟ والمعتمد الأول.
مسألة: يجوز دفع معدن العين لمن يعمل فيه بأجرة معلومة غير نقد يأخذها من العامل في نظير أخذ العامل ما يخرج من المعدن، بشرط كون العمل مضبوطاً بزمن أو عمل خاص كحفر قامة أو قامتين. ولا يجوز أن تكون نقداً لأنه يؤدي إلى التفاضل في النقدين، أو إلى الصرف المؤخر. ووجه الجواز -إذا كانت غير نقد- أنه هبة للثواب، وهي تجوز مع الجهالة، وأما معدن غير النقد فيجوز دفعه
بأجرة ولو نقداً، ويكون في نظير إسقاطه حقه لا في مقابلة ما يخرج منه. وأما لو استأجره على أن ما يخرج لربه والأجرة يدفعها ربه للعامل، فيجوز ولو بأجرة نقد.
مسألة أخرى: لو تعدد المشتركون في المعدن فإنه يعتبر ملك كل على حدة. فمن بلغت حصته نصاباً زكى وإلا فلا. واختلف: هل يجوز دفع المعدن لمن يعمل فيه بجزء قل أو كثر؟ لأن المعادن لما لم يجز بيعها جازت المعاملة عليها بجزء كالمساقاة والقراض - وهذا قول مالك - أو لا يجوز لأنه غرر؟ ولأنه كراء الأرض بما يخرج منها، وهذا قول أصبغ. رجح كلاً منهما.
قوله: [وتخمس ندرة العين]: أي عند ابن القاسم. وعند ابن نافع فيها الزكاة ربع العشر لأن الخمس مختص بالزكاة، وهي عنده ليست منه بل من المعدن؛ لأن الركاز عنده مختص بدفن الجاهلي، وأما عند ابن القاسم فالركاز ما وجد من ذهب أو فضة في باطن الأرض مخلصاً، سواء دفن فيها أو كان مخلقاً.
قوله: [القطعة من الذهب]: كذا فسرها عياض وغيره. وفسرها أبو عمران بالتراب الكثير الذهب السهل التصفية، وهذا ليس مخالفاً لما قبله؛ لأن ما نيل من المعدن مما لا يحتاج لكبير عمل فهو الندرة وفيه الخمس، وعلى هذا يدل كلامه كما قاله (ر).
قوله: [الخالصة]: أي التي توجد في الأرض من أصل خلقتها لا بوضع واضع لها.
قوله: [الركاز]: اعلم أن مصرف الخمس في الندرة. والركاز غير مصرف الزكاة، أما خمس الركاز فقد قال اللخمي: ليس كمصرف الزكاة، وإنما هو كخمس الغنائم. فمصرفه مصالح المسلمين، ويحل للأغنياء وغيرهم نقله المواق.
ثم قال: وأما مصرف خمس الندرة من المعدن فلم أجده، ومقتضى رواية ابن القاسم أنه كالمغنم والركاز -أي فمصرفه- مصالح المسلمين، ولا يختص بالأصناف الثمانية اهـ. بناني كذا في حاشية الأصل.
قوله: [ولو كرخام]: أي خلافاً لما روي عن مالك من أنه لا يخمس في العروض.
قوله: [والإطلاق راجع] إلخ: أي في قوله مطلقاً عيناً أو غيره قل أو كثر ظاهره. ولكن هذا ينافيه تفسيره - هو وغيره من شراح خليل - الندرة بأنها القطعة من الذهب أو الفضة الخالصة، فالصواب رجوع الإطلاق للركاز فقط، وأجاب المؤلف في تقريره: بأن الإطلاق في الندرة بالنسبة للقلة والكثرة فقط.
قوله: [عام فيهما]: أي فكان الأولى: أو وجدهما.
قوله: [فالزكاة]: أي على تأويل اللخمي تأويل ابن يونس الخمس مطلقاً كما في البناني، ونقل عن ابن عاشر أن المراد بالزكاة ربع العشر من غير اشتراط نصاب ولا غيره من شروط الركاز.
قوله: [أي غير مسلم وذمي]: أي فالمراد دفن غير معصوم. ومفهوم دفن مفهوم موافقة، لأن في المدونة: ما وجد على وجه الأرض من مال جاهلي، أو بساحل البحر من
стр. 230
(وكره حفر قبره): أي الجاهلي لأنه مما يخل بالمروءة (والطلب فيه) علة لما قبله، فإنهم كانوا يدفنون الأموال مع أمواتهم.
(و) إن وقع (خمس) لأنه ركاز (وباقيه): أي الركاز (للمالك الأرض) بإحياء أو بإرث منه لا لواجده ولا لمالكها بشراء أو هبة، بل للبائع الأصلي أو الواهب. فإن علم، وإلا فلقطة، وقيل: لمالكها في الحال مطلقاً، وأما باقي الندرة فكالمعدن لمخرجه بإذن الإمام.
(وإلا) تكن الأرض مملوكة (فلواجده ودفن مسلم أو ذمي لقطة) كالموجود من مالهما على ظهر الأرض يعرف سنة إذا لم يعلم ربه أو وارثه. فإن قامت القرائن على توالي الأعصار عليه بحيث يعلم أن ربه لا يمكن معرفته ولا معرفة وارثه في هذا الأوان. فهل ينوي تملكه؟ أو يكون محله بيت مال المسلمين؟ لقولهم: كل مال جهلت أربابه فمحله بيت المال؟ وهو الظاهر بل المتعين.
(وما لفظه) بالفاء والظاء المعجمة: أي طرحه (البحر) مما لم يتقدم ملك أحد عليه (كعنبر) ولؤلؤ ومرجان وسمك (فلواجده) الذي وضع يده عليه أولاً (بلا تخميس)، لأن أصله الإباحة. فلو رآه جماعة فتدافعوا عليه فجاء آخر فوضع يده عليه فهو له دون المتدافعين.
(فإن تقدم عليه) أي على ما لفظه البحر (ملك) لأحد (فإن كان) من تقدم له ملك (حربياً فكذلك): أي فهو لواجده لكنه يخمس لأنه من الركاز، فالتشبيه ليس بتام بدليل ما بعده، ومراده بالحربي المتحقق حرابته وإلا فما بعده يغني عنه أي قوله؛ (و) إن كان من تقدم ملكه (جاهلياً) أي غير مسلم وذمي (ولو بشك) في جاهليته وغيرها (فركاز) يخمس والباقي لواجده.
(وإلا) بأن علم أنه لمسلم أو ذمي (فلقطة) يعرف. ولا يجوز تملكه ابتداء خلافاً لبعضهم.
فصل: في بيان مصرفها [١]
وهو من شروط صحتها، كالإسلام
(ومصرفها): أي محل صرفها أي من تصرف. أي من تعطى له. (فقير لا يملك قوت عامه، ولو ملك نصاباً): فيجوز الإعطاء له وإن وجبت عليه.
(ومسكين لا يملك شيئاً) فهو أحوج من الفقير.
ــ
تصاوير الذهب والفضة فلواجده مخمساً، واقتصر على [٢] الدفن لأنه الغالب.
هذا إذا تحقق أنه مال جاهلي، بل وإن شك في ذلك: بأن لا يكون عليه علامة أصلاً أو علامة وطمست. لأن الغالب أن المدفون من فعلهم، وأما ما عليه علامة الإسلام أو الذمي فلقطة كما سيأتي.
قوله: [وكره حفر قبره]: إنما كره لأن ترابهم نجس وخيف أن يصادف قبر صالح، وأما نبش قبر المسلم لغير ضرورة مما تقدم فحرام. وحكم ما يوجد حكم اللقطة.
قوله: [لقطة]: أي على حكمها وفي (بن) عن المدونة أن مال الذمي ينظر فيه الإمام وليس لقطة.
قوله: [بالفاء]: أي المفتوحة.
قوله: [ولا يجوز تملكه ابتداء]: أي ما لم تقم القرائن على توالي الأعصار عليه وإلا فهو عين ما نظر فيه.
تتمة: في الحطاب وكبير التتائي الخلاف فيمن ترك شيأه فأخذه غيره: هل هو لربه؟ حتى لو رماه الآخذ في كالجب ثانياً ضمنه، وليس له إلا أجرة تخليصه أو نفقته على الدابة، أو لآخذه مطلقاً؟ أو إن تركه ربه معرضاً عنه بالمرأة [٣] أو الدابة في محل مجدب؟ فانظره كذا في المجموع.
[فصل في بيان مصرفها [٤]]
قوله: [ومصرفها]: المصرف اسم مكان لا مصدر؛ لأن الأصناف اسم محل الزكاة فلذلك قال: "أي محل صرفها". وفي كلامه لطيفة: وهي الإشارة إلى أن اللام الواقعة في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة: ٦٠] إلخ، لبيان المصرف عند المالكية لا للاستحقاق والملك، وإلا لكان يشترط تعميم الأصناف.
قوله: [لا يملك قوت عامه]: الأولى أن يقول هو من يملك شيئاً لا يكفيه عامه، وإلا فكلامه يقتضي أن الفقير أعم من المسكين وليس كذلك بل بينهما تباين حيث ذكرا مع بعضهما. وهو معنى قول بعضهم إذا اجتمعا افترقا، بخلاف ما لو اقتصر على أحدهما كما في قوله تعالى: ﴿فإطعام ستين مسكينا﴾ [المجادلة: ٤]، فالمراد به ما يشمل الفقير وهو معنى قول بعضهم وإذا افترقا اجتمعا تأمل.
قوله: [فهو أحوج] إلخ: أفهم كلامه أن الفقير والمسكين صنفان متغايران كما علمت، خلافاً لمن قال إنهما صنف واحد. وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا أوصى بشيء للفقراء دون المساكين أو العكس: فهي صحيحة على الأول دون الثاني. وإذا ادعى شخص الفقر أو المسكنة ليأخذ من الزكاة فإنه يصدق بلا يمين إلا لريبة بأن يكون ظاهره يخالف ما يدعيه، فإنه لا يصدق إلا ببينة وهل يكفي الشاهد واليمين أو لا بد من الشاهدين؟ كما ذكروه في دعوى المدين العدم ودعوى الولد العدم، لأجل نفقة والديه. وعلى أنه لا بد من شاهدين فهل يحلف معهما؟ كما في المسألتين المذكورتين أو لا يحلف؟ كما في مسألة دعوى الوالد العدم لأجل أن ينفق عليه ولده. كذا في الحاشية.
تنبيه: من لزمت نفقته ملياً أو كان له مرتب في بيت المال يكفيه، لا يعطي منها. وظاهر كلامهم: ولو كان ذلك المليء لم يجر النفقة بالفعل، وهو كذلك؛ لأنه قادر على أخذها منه بالحكم.
стр. 231
(وعامل عليها): أي على الزكاة؛ (كساع وجاب): وهو الذي يجبي الزكاة (ومفرق) وهو القاسم، وكاتب وحاشر: وهو الذي يحشر -أي يجمع- أرباب المواشي للأخذ منهم.
(ولو) كان العامل (غنياً): لأنه يأخذ منها بوصف العمل لا بوصف الفقر (إن كان كل) من الفقير وما بعده (حراً مسلماً غير هاشمي): فلا يجزئ لعبد أو كافر أو هاشمي: أي من بني هاشم بن عبد مناف، لأن آل البيت تحرم عليهم الزكاة لأنها أوساخ الناس، ولهم في بيت المال ما يكفيهم. وأما بنو المطلب أخو هاشم فليسوا عندنا من آل البيت فيعطون منها، قال بعضهم: إذا حرموا حقهم من بيت المال وصاروا فقراء جاز أخذهم وإعطاؤهم منها كما هو الآن. ويشترط في العامل ما ذكر وأن يكون عدلاً عالماً بأحكامها؛ فلا يستعمل عليها عبد ولا كافر ولا هاشمي ولا فاسق ولا جاهل بأحكامها
(ومؤلف) قلبه قال تعالى: ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ [التوبة: ٦٠]: وهو (كافر) يعطى منها (ليسلم) أي لأجل أن يسلم، وقيل: وهو مسلم قريب عهد بإسلام يعطى منها ليتمكن من الإسلام.
ــ
وأما من له منفق ينفق عليه تطوعاً فله أخذها كما ذكره (ح)، لأن للمنفق المذكور قطع النفقة، ولا فرق بين كون ذلك المنفق المتطوع قريباً أو أجنبياً. والحاصل [١]: من كانت نفقته لازمة لمليء لا يعطى اتفاقاً، وإن تطوع بها مليء ففيها أربعة أقوال: قيل يجوز له أخذها وتجزئ ربها مطلقاً، وهو الذي في (ح) وهو المعتمد، وقيل لا تجزئ مطلقاً وهو لابن حبيب، وقيل: لا تجزئ إن كان المنفق قريباً وتجزئ إن كان أجنبياً وهو ما نقله الباجي، وقيل: إنها تجزئ مطلقاً لكن مع الحرمة وهو ما نقله ابن أبي زيد.
فائدة: نقل (ح) عن البرزلي عن بعض شيوخه أن من كان عنده يتيمة، يجوز له أن يشورها من الزكاة بقدر ما يصلحها من ضروريات النكاح، والأمر الذي يراه القاضي حسناً في حق المحجور. (اهـ. بن نقله محشي الأصل).
قوله: [وحاشر]: اعترض بأن السعاة عليهم أن يأتوا أرباب الماشية وهم على المياه ولا يقعدون في قرية ولا يبعثون لأربابها إذ لا يلزمهم السير لقرية أخرى؛ وحينئذ فلا حاجة للحاشر؟ وأجيب: بأن مراد الشارح -كما قاله غيره- أنه هو الذي يجمع أرباب الأموال من مواضعهم في قريتهم إلى الساعي بعد إتيانه إليها، فتحصل أن العامل عليها يصدق بالساعي والجابي والمفرق والكاتب والحاشر، لا راع وحارس، لأن الشأن عدم احتياج الزكاة لهما لكونها تفرق غالباً عند أخذها، بخلاف من ذكر فإن شأن الزكاة احتياجها إليهم، فإن دعت الضرورة لراع أو الحارس للمواشي المجموعة فأجرتهم من بيت المال مثل حارس الفطرة.
قوله: [لأنه يأخذ منها بوصف العمل]: ولذلك إذا كان فقيراً يأخذ بوصف الفقر أيضاً كما قال خليل، وأخذ الفقير بوصفيه وكذا يقال في كل من جمع بين وصفين فأكثر.
قوله: [إن كان كل من الفقير وما بعده] إلخ: أي ما عدا المؤلفة قلوبهم. كما هو معلوم. واعلم أن الحرية والإسلام وعدم كونه هاشمياً شرط في صحة أخذ الزكاة. وأما اشتراط كون العامل عدلاً عالماً بأحكامها الآتيين في الشرح فيهما [٢] شرط لصحة كونه عاملاً؛ فلو كان هاشمياً أو عبداً، وكان عدلاً عالماً بأحكامها نفذت توليته ولكن لا يعطى منها بل يعطى أجرة مثله من بيت المال.
قوله: [فليسوا عندنا من آل البيت]: أي على الراجح.
قوله: [قال بعضهم إذا حرموا حقهم] إلخ: قال في الحاشية تنبيه محل عدم إعطاء بني هاشم إذا أعطوا ما يستحقونه من بيت المال، فإن لم يعطوه وأضر بهم الفقر أعطوا منها، وإعطاؤهم أفضل من إعطاء غيرهم، قال في الخصائص وظاهره: وإن لم يصلوا إلى إباحة أكل الميتة. وقيد الباجي إعطاءهم بوصولهم لها ولعله الظاهر أو المتعين، كذا في (عب). أقول قد ضعف اليقين في هذه الأعصار المتأخرة؛ فإعطاء الزكاة لهم أسهل من تعاطيهم خدمة الذمي والفاجر والكافر اهـ. وأما صدقة التطوع فهي للآل جائزة على المعتمد. فائدة: الهاشمي من لهاشم عليه ولادة: كأولاد العباس وحمزة وأبي طالب وأبي لهب وأولاد فاطمة فتحرم على الجميع الزكاة، ويجوز لهم لبس الشرف. ومن كانت أمه منهم فقط ليس بآل فتجوز له الزكاة ويجوز له لبس الشرف على ما اعتمده الأجهوري في شرحه، لأن له نسبة بهم على كل حال، ففي الحديث: «ابن أخت القوم منهم» وورد أيضاً: «الخال أب»، وورد أيضاً: «تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس»، فلذلك جاز له لبس الشرف ليحترم، ثم إن لبس الشرف هذا حادث في زمن السلطان الأشرف وكان قبل ذلك لا يعرف الشريف من غيره، فأحدث لهم ذلك السلطان ليتميزوا عن غيرهم فصار شعارهم فلبسه من غير نسبة حرام.
قوله: [ليسلم]: هذا القول لابن حبيب ومقابله لابن عرفة، قال خليل وحكمه باق أي لم ينسخ، لأن المقصود من دفعها إليه ترغيبه في الإسلام لأجل إنقاذ مهجته من النار لا لإعانته لنا حتى يسقط بفشو الإسلام. وقيل إنه منسوخ بناء على أن العلة إعانتهم لنا
стр. 232
(ورقيق مؤمن) لا كافر (يعتق منها) بأن يشترى منها رقيق فيعتق، أو يكون عنده عبد أو أمة يقومه قيمة عدل ويعتقه عن زكاته، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ [التوبة: ٦٠]. ويشترط في الرقيق أن يكون خالصاً (لا عقد حرية فيه): كمكاتب ومدبر ومعتق لأجل وأم ولد، وإلا فلا يجزئ (وولاؤه) إذا عتق منها (للمسلمين) لا للمزكي، فإذا مات ولا وارث له وترك مالاً فهو في بيت المال. (وغارم): أي مدين ليس عنده ما يوفي به دينه (كذلك): أي حر مسلم غير هاشمي يعطى منها لوفاء دينه. (ولو مات): فيوفي دينه منها إذا (تداين لا في فساد) كشرب خمر وقمار، (ولا لأخذها): أي لأجل أن يأخذ منها، ومعناه: أن من عنده كفايته وتداين للتوسع في الإنفاق على أن يأخذ منها فلا يعطى، وأما فقير تداين للإنفاق على نفسه وعائلته بقصد أن يعطى منها فلا ضرر في ذلك. (إلا أن يتوب) من تداين لفساد أو لأخذ منها، بأن تظهر توبته ويبقى عليه ما تداينه في فساده فيعطى منها، لا بمجرد دعواه التوبة. (ومجاهد كذلك): أي حر مسلم غير هاشمي. (وآلته) بأن يشترى منها سلاح أو خيل ليغازي عليها، والنفقة عليها من بيت المال، ويعطى المجاهد منها ويدخل فيه الجاسوس والمرابط (ولو) كان (غنياً): لا إن أخذه بوصف الجهاد وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ [التوبة: ٦٠] (وابن سبيل): وهو الغريب (كذلك): أي حر مسلم غير هاشمي وهو (محتاج لما يوصله) لوطنه إذا سافر من بلده (في غير معصية)، وإلا لم يعط. (إلا أن يجد) الغريب (مسلفاً) لما يوصله (وهو): أي الحال أنه (غني ببلده) فلا يعطى حينئذ فالإعطاء في ثلاث صور: للفقير مطلقاً، والغني الذي لم يجد مسلفاً، وعدمه في صورة. ومفهوم محتاج: أن غيره لا يعطى وهو ظاهر. وأما الهاشمي فيه وفي الذي قبله فعلى الإمام أو نائبه أن يعطيه من بيت المال ما يوصله، فإن عدم بيت المال -كما هو الآن-
ــ
وقد استغنينا عنهم بعزة الإسلام، والخلاف مفرع على القول الذي مشي عليه المصنف من أن المؤلف كافر يعطى ترغيباً له في الإسلام أما على القول المقابل له الذي ذكره الشارح فحكمه باق اتفاقاً.
قوله: [ورقيق]: أي ذكر أو أنثى.
وقوله [مؤمن]: قال (عب): ولو هاشمياً وارتضاه شيخ المشايخ العدوي، لأن تخليص الهاشمي من الرق أولى ولأنه لم يصل له من تلك الأوساخ شيء، ويتصور ذلك فيما إذا تزوج هاشمي أمة مملوكة لشخص لعدم وجود طول للحرائر، وخشي على نفسه العنت فأولاده أرقاء لسيد الأمة، وأشراف، ويؤلف منها الهاشمي أيضاً؛ لأن تخليصه من الكفر أهم، ولأن الكفر قد حط قدره فلا يضر أخذه الأوساخ. فعلى هذا يكون كل من المؤلف والرقيق مستثنى من قول المصنف: "غير هاشمي". ولا يشترط في عتق الرقيق منها سلامته من العيوب خلافاً لأصبغ.
قوله: [بأن يشترى منها رقيق فيعتق] إلخ: بشرط أن لا يعتق بنفس الملك على رب المال كالأبوين والأولاد والحواشي القريبة الإخوة والأخوات. فإن اشترى من زكاته من يعتق عليه فلا يجزئه إلا أن يدفعها للإمام، فيشتري بها والد رب المال وولده ويعتقه فيجزئ حيث لا تواطؤ.
قوله: [وولاؤه إذا عتق منها للمسلمين]: وسواء صرح المعتق بذلك أو سكت، بل ولو شرطه لنفسه، وأما لو قال: أنت حر عني وولاؤك للمسلمين، فلا تجزئه عن الزكاة والعتق لازم والولاء له لأن الولاء لمن أعتق.
قوله: [وغارم]: اشترط فيه الشارح أيضاً أن يكون غير هاشمي لأنها أوساخ الناس. ولا يقال: الدين يضع القدر أكثر من أخذ الزكاة، لأنا نقول: قد تداين رسول الله ﷺ ومات وعليه الدين فمذلتها أعظم من مذلة الدين، وفي هذا التعليل شيء ولذلك سيأتي في الشارح أنه يعطي إذا لم يكن بيت مال يوفي منه دينه.
قوله: [ليس عنده ما يوفي] إلخ: أي مما يباع على المفلس.
قوله: [ولو مات]: رد بلو على من قال: لا يقضى دين الميت من الزكاة لوجوب وفائه من بيت المال. ويشترط في هذا الدين أن يكون شأنه أن يحبس فيه؛ فيدخل دين الولد على والده، والدين على المعسر. ويخرج دين الكفارات والزكاة، لأن الدين الذي يحبس فيه ما كان لآدمي، وأما الكفارات والزكوات فهي لله.
قوله: [إلا أن يتوب]: رجعه الشارح للأمرين معاً وهو الذي قاله في الحاشية خلافاً لبهرام حيث رجعه لخصوص الفساد محتجاً بأن التداين لأخذها ليس محرماً فلا يحتاج لتوبة، ورد عليه بأن من تداين وعنده كفايته كان سفيهاً، والسفه حرام يحتاج لتوبة.
قوله: [ومجاهد كذلك]: أي متلبس به أو بالرباط.
قوله: [أي حر مسلم] إلخ: فإن تخلف وصف من هذه الأوصاف فلا يعطى ذلك المجاهد منها شيئاً.
قوله: [ويدخل فيه الجاسوس]: أي ولو كان كافراً لكن إن كان مسلماً فلا بد من كونه حراً غير هاشمي؛ وأما إن كان كافراً فلا بد من كونه حراً، ولا يشترط فيه كونه غير هاشمي لخسة الكفر.
قوله: [ولو كان غنياً]: رد بلو على ما نقل عن عيسى بن دينار من أن المجاهد الغني لا يأخذ منها. فإنه ضعيف.
قوله: [في غير معصية]: أي بأن كان غير عاص أصلاً أو كان عاصياً في السفر فيعطى في هاتين الحالتين. بخلاف ما لو كان عاصياً بالسفر فلا يعطى ولو خشي عليه الموت، لأن نجاته في يد نفسه بالتوبة، ونقل أبو علي المسناوي عن التبصرة: لا يعطى
стр. 233
فالجاري على ما تقدم في الفقير أن يعطى المدين أو الغريب الهاشمي منها لوفاء الدين أو لما يوصله لبلده، فهذه الأصناف الثمانية هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة: ٦٠] إلخ فلا تجزئ لغيرهم كسور وسفن لغير جهاد في سبيل الله وشراء كتب علم ودار لتسكن أو ضيعة لتوقف على الفقراء.
(وندب إيثار المضطر) أي المحتاج على غيره بأن يخص بالإعطاء أو يزاد له فيه على غيره على حسب ما يقتضيه الحال، إذ المقصود سد الخلة (لا تعميم الأصناف) فلا يندب بل متى أعطى لأي شخص موصوف بكونه من أحد الأصناف الثمانية كفى.
(و) ندب (الاستنابة) فيها: لأنها أبعد من الرياء وحب المحمدة.
(وجاز دفعها): أي الزكاة (لقادر على الكسب) إذا كان فقيراً ولو ترك التكسب اختياراً.
(و) جاز (كفاية سنة) أي إعطاء فقير أو مسكين ما يكفيه سنة (ولو) كان (أكثر منه): أي من نصاب لا أكثر من كفاية سنة ولا أقل منه.
(و) جاز (ورق) أي إعطاؤه (عن ذهب وعكسه) بلا أولوية لأحدهما عن الآخر، وقيل بأولوية الورق عن الذهب لأنه أيسر في الإنفاق، وأما إخراج الفلوس عن أحد النقدين فالمشهور الإجزاء مع الكراهة، معتبراً إخراج أحدهما عن الآخر.
(بصرف الوقت) أي وقت الإخراج لا وقت الوجوب؛ المسكوك بصرفه، وغيره بصرفه. ولا تعتبر قيمة الصياغة؛ فمن عنده حلي أخرج صرف زنته لا قيمة صياغته.
ــ
ابن السبيل منها إن خرج في معصية، وإن خشي عليه الموت نظر في تلك المعصية؛ فإن كان يريد قتل نفس أو هتك حرمة لم يعط إلا إن تاب. ولا يعطى منها ما يستعين به على الرجوع إلا أن يكون قد تاب أو يخاف عليه الموت في بقائه: فقد فصلت بين سيره للقتل وهتك الحريم - فلا يعطى إلا إن تاب - وبين رجوعه لبلده فيعطى إن تاب أو خيف عليه الموت وهو ظاهر.
قوله: [فالجاري على ما تقدم]: تحصل أن اشتراط عدم كونه هاشمياً في تلك الأصناف إنما هو لشرفه، فإن أدى منعه منها إلى الضرر به قدم ويلغى الشرط ارتكاباً لأخف الضررين.
قوله: [لغير جهاد في سبيل الله]: أي وأما له فيجوز. كما قال ابن عبد الحكم: ينشئ منها المركب للغزو ويعطى منها كراء النواتية ويبنى منها حصن على المسلمين. ولم ينقل اللخمي غيره، واستظهره في التوضيح. وقال ابن عبد السلام هو الصحيح - كذا في البناني نقله في حاشية الأصل. قال الخرشي: ومثل السور والمركب؛ الفقيه والقاضي والإمام، لكن قال في الحاشية: محل كون الفقيه الذي يدرس العلم أو يفتي لا يأخذ منها إذا كان يعطى من بيت المال، وإلا فيعطى منها ولو كثرت كتبه حيث كان فيه قابلية، فإن لم تكن فيه قابلية لم يعط إلا أن تكون كتبه على قدر فهمه، ولكن قال اللخمي وابن رشد: إذا منعوا حقهم من بيت المال جاز لهم أخذ الزكاة مطلقاً، سواء كانوا فقراء أو أغنياء بالأولى من الأصناف المذكورة في الآية. اهـ.
قوله: [لا تعميم الأصناف فلا يندب]: أي لأن اللام في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة: ٦٠] الآية لبيان المصرف لا للملك. وأوجب الشافعي تعميم الأصناف إذا وجدوا، ولا يجب تعميم أفرادهم إجماعاً لعدم الإمكان، واستحب أصبغ مذهب الشافعي قال: لئلا يندرس العلم باستحقاقهم ولما فيه من الجمع بين المصالح، ولما فيه من سد الخلة والغزو ووفاء الدين وغير ذلك، ولما يوجبه من دعاء الجميع ومصادفة ولي فيهم. كذا في الخرشي.
قوله: [كفى]: أي ولو كان الآخذ لها العامل إذا كانت قدر عمله وأخذ الزائد بوصف الفقر.
قوله: [وندب الاستنابة]: أي وقد تجب على من تحقق وقوع الرياء منه، ومثله الجاهل بأحكامها ومصرفها. ومن آدابها دفعها باليمين، ودعاء الجابي والإمام لدافعها، وأوجبه داود.
قوله: [فالمشهور الإجزاء]: خلافاً لمن يقول بعدمه لأنه من باب إخراج القيمة عرضاً.
وقوله: [مع الكراهة]: هكذا في التوضيح والحطاب عن النوادر.
قوله: [بصرف الوقت]: الباء للملابسة متعلقة بإعطاء، أي: متلبساً ذلك الإعطاء بصرف الوقت.
قوله: [المسكوك بصرفه] إلخ: أي فمن وجب عليه دينار من أربعين مسكوكة وأراد أن يخرج عنه مسكوكاً من غير نوعه أو من نوعه فالأمر ظاهر، وإن أراد أن يخرج عنه فضة غير مسكوكة وجب عليه مراعاة سكة الدينار زيادة على صرفه غير مسكوك، لأن الأربعين المسكوكة يجب فيها واحد مسكوك. وكذا إن أراد يخرج عنها ديناراً غير مسكوك من التبر مثلاً وجب عليه مراعاة السكة فيزيدها على وزن الدينار. وسواء ساوى الصرف الشرعي - وهو كل دينار بعشرة دراهم - أو نقص أو زاد. وما ذكر من إخراج قيمة السكة إذا أخرج من نوعه غير مسكوك هو ما لابن الحاجب وابن بشير وابن عبد السلام؛ لأن الفقراء شركاء وإن لم تعتبر السكة في النصاب كما سبق. وفي (ر) و (بن): اعتراضه بأنه ربا لم يقل القابسي القائل باعتبار السكة.
قوله: [لا قيمة صياغته]: فمن كان عنده ذهب مصوغ وزنه أربعون ديناراً ولصياغته يساوي خمسين، فإنه يخرج عن الأربعين ويلغي الزائد وهذا إذا أخرج عنه من نوعه كذهب عن ذهب. وأما لو أخرج ورقاً عن ذهب مصوغ، فهل هو
стр. 234
(ووجب نيتها): عند الدفع، ويكفي عند عزلها، ولا يجب إعلام الفقير بل يكره كما قال اللقاني لما فيه من كسر قلب الفقير.
(و) وجب (تفرقتها فوراً بموضع الوجوب) وهو في الحرث والماشية الموضع الذي جبيت منه، وفي النقد -ومنه قيمة عرض التجارة- موضع المالك حيث كان ما لم يسافر، ويوكل من يخرج عنه ببلد المال، فموضع المال. (أو قربه) أي قرب موضع الوجوب وهو ما دون مسافة القصر؛ لأنه في حكم موضع الوجوب فيجوز دفعها لمن بقربه ولو وجد مستحق في موضعه أعدم. ولا يجوز نقلها لمن على مسافة القصر.
(إلا لأعدم) ممن بموضع الوجوب أو قربه، (فأكثرها) تنقل (له) أي للأعدم وجوباً وأقلها في موضعه، فإن أداها لمن بموضعه فقط أجزأت.
(وأجزأ) نقلها (لمثلهم) في العدم، وأثم. إذ الواجب تفرقتها كلها بموضع الوجوب عند المماثلة في العدم. (لا) إن نقلها كلاً أو بعضاً (لدونهم) أي لمن هو دون أهل الموضع (في العدم) فلا تجزئ (كأن قدم معشراً) أي زكاة ما فيه العشر أو نصفه قبل وجوبه بإفراك الحب وطيب الثمر لم يجزه عليه وزكاته [١] إذا وجبت؛ إذ هو كمن صلى قبل دخول الوقت.
(و) زكى [٢] (ديناً) حال حوله (أو عرضاً محتكراً) ولو باعه (قبل القبض) أي قبض الدين ممن هو عليه. وقبض [٣] ثمن عرض الاحتكار لم يجزه. والمراد بالدين: الدين الذي لا يزكى كل عام وهو دين المحتكر مطلقاً ودين المدير من قرض أو على معسر؛ وأما دين المدير من بيع وهو حال مرجو فيزكى كما تقدم كل عام.
(أو دفعت) الزكاة (لغير مستحق) لها كعبد، أو كافر هاشمي، أو غني، فلا تجزئ. (أو) دفعت (لمن تلزمه نفقته أو دفع عرضاً) عنها بقيمته لم يجزئه.
(أو) دفع (جنساً) مما فيه الزكاة (عن غيره): مما فيه زكاة؛ لم تجزئه كأن دفع ماشية عن حرث أو عكسه. ومراده بالجنس: ما يشمل الصنف؛ فلا يجزئ تمر عن زبيب ولا عكسه. ولا شيء من القطاني عن آخر، ولا زيت ذي زيت عن آخر، ولا شعير عن قمح أو سلت أو ذرة أو أرز.
(إلا العين) ذهباً أو فضة يخرجها (عن حرث وماشية) بالقيمة (فتجزئ بكره) أي مع كراهة. وهذا شامل لزكاة الفطر (كتقدمها) [٤] أي الزكاة قبل وجوبها (بكشهر) فقط لا أكثر. والكاف في قوله: بكشهر زائدة الأولى حذفها (في عين) ومنها عرض تجارة المدير، (وماشية) لا ساعي لها فتجزئ مع الكراهة، بخلاف ما لها ساع وبخلاف الحرث فلا تجزئ كما تقدم. (وإن تلف) بعد الوجوب (جزء نصاب) وأولى كله (ولم يمكن الأداء) إما لعدم تمام طيب الحرث أو لعدم مستحق، أو لغيبة المال (سقطت) الزكاة فإن أمكن الأداء ولم يؤد ضمن، وأما ما تلف قبل الوجوب فيعتبر الباقي وشبه في السقوط قوله: (كعزلها بعد الوجوب) ليدفعها لمستحقها (فضاعت بلا تفريط) منه،
ــ
كالنوع الواحد تلغى الصياغة؟ وهو الراجح، وقيل: لا تلغى وهو ضعيف، فلذلك المصنف أطلق في إلغاء الصياغة.
قوله: [ووجب نيتها]: فإن لم ينو ولو جهلاً أو نسياناً لم تجز والنية الواجبة إما عن نفسه أو عن محجوره بأن ينوي أداء ما وجب في ماله أو مال محجوره، قال سند: والنية الحكمية كافية فإذا عد دراهمه وأخرج ما يجب فيها ولم يلاحظ أن هذا المخرج زكاة - لكن لو سئل لأجاب - أجزأه.
قوله: [ويكفي عند عزلها]: كما لسند، فإذا نواها عند العزل وسرقها من يستحقها: أجزأت.
قوله: [موضع المالك]: وقيل موضع المال.
قوله: [فأكثرها تنقل له]: أي بأجرة من الفيء، فإن لم يوجد بيعت واشترى مثلها أو فرق الثمن بحسب المصلحة. وهذا إذا كان النقل على مسافة القصر، وأما لدون مسافة القصر فبأجرة منها كما قرره شيخ المشايخ العدوي.
قوله: [وجوباً]: تبع الشارح (عب)، وأورد عليه أنه سبق أن إيثار المضطر مندوب فقط.
قوله: [أجزأت]: وكذلك لو نقلها كلها فإنها تجزئ مع الحرمة.
قوله: [فلا تجزئ]: في (بن): اعترضه المواق أن المذهب الإجزاء نقله ابن رشد والكافي. انظره كذا في المجموع.
قوله: [فيزكي كما تقدم]: أي إن نض له ولو درهماً، وأما إن زكى قبل النضوض فلا يجزئ على مقتضى كلامهم.
قوله: [أو غني فلا تجزئ] أي إلا الإمام يدفعها باجتهاده فتبين أن الآخذ غير مستحق فتجزئ حيث تعذر ردها، والوصي ومقدم القاضي كذلك. فتحصل: أن ربها إذا دفعها لغير مستحقها لا تجزئه مطلقاً، والإمام ومقدم القاضي والوصي تجزئه إن تعذر ردها هذا هو المعول عليه.
قوله: [أو دفع عرضاً]: أي حيث أطاع بذلك، وإلا -فإن أكره- أجزأت اتفاقاً. وحاصل ما في المتن والشارح كما في الأصل: أنه إذا أخرج العين عن الحرث والماشية يجزئ مع الكراهة. وأما إخراج العرض عنهما أو عن العين فلا يجزئ؛ كإخراج الحرث أو الماشية عن العين. أو الحرث عن الماشية أو عكسه. فهذه تسع المجزئ منها اثنتان. قال أبو علي المسناوي: هذا التفصيل للأجهوري ولم أره لأحد. قال في حاشية الأصل - بل الموجود في المذهب - طريقتان: عدم إجزاء القيمة مطلقاً وإجزاؤها مطلقاً، فعدم الإجزاء لابن الحاجب وابن بشير، وقد اعترضه في التوضيح بأنه خلاف ما في المدونة، ومثله لابن عبد السلام والباجي من أن المشهور فيه الإجزاء مع الكراهة، هذا زبدة ما في حاشية الأصل. وفي تقرير المؤلف ما يوافقه؛ فما تقدم أول باب الزكاة من عدم إجزاء القيمة بدل الشيء الواجب في المواشي وغيرها مبني على إحدى الطريقتين هنا فليحفظ هذا المقام.
قوله: [ولا شيء من القطاني عن آخر]: أي من غيرها أو منها وكان المخرج أدون.
قوله: [لا أكثر]: أي على المعتمد وهو رواية عيسى عن ابن القاسم. وقيل: يغتفر الشهران ونحوهما، وقيل يوم أو يومان، وقيل: ثلاثة أيام،
стр. 235
(لا إن ضاع أصلها) بعد الوجوب وبقيت هي فلا تسقط، ووجب عليه إخراجها فرط أم لا، ولا إن عزلها قبل الوجوب فضاعت أو تلفت فيضمن أو يعتبر الباقي. ولا إن عزلها بعده وفرط بأن أمكن الأداء فلم يؤد، أو وضعها في غير حرزها فيضمن.
(وزكى مسافر) في البلد التي هو بها [١] (ما معه) من المال وإن دون نصاب، (وما غاب) عنه (إن لم يكن) هناك (مخرج) عنه بتوكيل؛ لأن العبرة بالمالك. فإن كان هناك مخرج زكى ما معه فقط (ولا ضرورة) عليه من نحو إنفاق فيما يخرجه عن الغائب، وإلا أخر حتى يصل لبلده، فالمراد بالضرورة: الحاجة.
(وأخذت) الزكاة ممن تجب عليه حيث امتنع من أدائها (كرها) بضم الكاف وفتحها (وإن بقتال)، وتجزئ نية الإمام أو من يقوم مقامه عن نيته، بخلاف ما لو سرق مستحق بقدرها فلا تكفي لعدم النية.
فصل: في زكاة الفطر
ــ
وقيل: خمسة، وقيل: عشرة. وهذا التقديم المجزئ مع الكراهة سواء كان لأربابها أو لوكيل يوصلها له.
قوله: [لا إن ضاع أصلها]: أي دونها؛ وذلك بأن عزل الزكاة من ماله بعد الحول، ثم ضاع المال الذي هو أصلها وبقيت هي كما قال الشارح.
قوله: [فرط]: حاصله: أنه إذا حل الحول وأخر تفرقتها عن الحول - مع تمكنه من التفرقة - فتلفت، سواء تلف أصلها أم لا، فإنه يضمن الزكاة لتفريطه.
قوله: [أو وضعها في غير حرزها]: أي إذا لم يجد فقراء يأخذونها فوضعها في غير حرزها، فيضمن إن ضاعت وأما لو وجد مستحقيها وأخرها عنهم فإنه يضمن إن ضاعت ولو في حرزها. ومن ذلك الذين يكنزون الأموال السنين العديدة ثم تأتيها جائحة فإن زكاة السنين الماضية متعلقة بذممهم لا يخلصون منها إلا بأدائها.
قوله: [وزكى مسافر]: مفهومه أن الحاضر يزكي ما حضر وما غاب من غير تأخير مطلقاً، ولو دعت الضرورة لصرف ما حضر بخلاف المسافر، فإنه لا يزكيهما إلا بالشرطين.
قوله: [وما غاب عنه]: هذا شامل للماشية إذا لم يكن لها ساع، وأما إن كان لها ساع فإنها تزكى في محلها فلا يشملها كلامه، وما ذكره المصنف من أن المسافر يزكي ما غاب عنه بالشرطين ولا يؤخر زكاته حتى يرجع له، أحد قولي مالك. وقال أيضاً: إنه يؤخر زكاته اعتباراً بموضع المال. ويتفرع على الخلاف في اعتبار موضع المال أو المالك: ما لو مات شخص ولا وارث له إلا بيت المال ببلد سلطان وماله ببلد سلطان آخر. والذي في أجوبة ابن رشد: أن ماله لمن مات ببلده.
قوله: [ولا ضرورة عليه]: وينفي الضرورة وجود مسلف يمهله لبلده.
قوله: [وإلا أخر]: أي وإلا فإن اضطر أخر الإخراج عن الحاضر معه والغائب حتى: يرجع لبلده.
قوله: [وأخذت الزكاة]: أي إن كان له مال ظاهر، فإن كان ليس له مال ظاهر - وكان معروفاً بالمال - فإنه يحبس حتى يظهر ماله. فإن ظهر بعض المال واتهم في إخفاء غيره فقال مالك: يصدق ولا يحلف إنه ما أخفى وإن اتهم، وأخطأ من يحلف الناس.
قوله: [وإن بقتال]: أي ولا يقصد قتله، فإن اتفق أنه قتل أحداً قتل به وإن قتله أحد كان هدراً. ويؤدب الممتنع من أدائها بعد أخذها منه كرهاً إن لم يقاتل حالة الأخذ وإلا كفى في الأدب.
قوله: [وتجزئ نية الإمام]: أي ويجب دفعها له إن كان عدلاً في صرفها. وأخذها. وإن كان جائراً في غيرها - إن كانت ماشية أو حرثاً، بل وإن كانت عيناً. فإن طلبها العدل وادعى إخراجها لم يصدق. وتقدم أنها لا تدفع للجائر في صرفها، بل الواجب جحدها والهروب بها، فإن أخذها كرهاً أجزأت.
قوله: [بخلاف ما لو سرق مستحق] إلخ: يؤخذ منه أن الفقراء ليس لهم المقاتلة عليها إلا بإذن السلطان أو نائبه لتوقف الزكاة على نيته أو نية المالك، ولو جاز لهم المقاتلة عليها بغير إذن السلطان أو نائبه لأدى إلى الفساد في الأرض.
تتمة: إن غر عبد بحرية فدفعت له الزكاة فظهر رقه فجناية في رقبته إن لم توجد معه على الأرجح؛ فيخير سيده بين فدائه وإسلامه فيباع فيها. واختلف في جواز دفعها لمدين عديم ثم أخذها منه في دينه حيث لم يتواطأ عن ذلك؟ قولان على حد سواء. وإن دفعت لغريب محتاج لما يوصله أو لغاز، ثم ترك كل السفر لما دفعت الزكاة لأجله نزعت منهما إلا بوصف الفقر كالغريم إذا استغنى، بأن ظهر لنا قدرته على وفاء الدين من غيرها فيجب نزعها على ما اختاره اللخمي.
[فصل في زكاة الفطر [٢]]
لما أنهى الكلام على زكاة الأموال أتبعه بالكلام على زكاة الأبدان وهي زكاة الفطر. واختلف في وجه إضافتها للفطر، فقيل: من الفطرة وهي الخلقة لتعلقها بالأبدان، وقيل لوجوبها بالفطر. وحكمة مشروعيتها الرفق بالفقراء في إغنائهم عن السؤال ذلك اليوم. وأركانها أربعة: المخرج بكسر الراء،
стр. 236
(زكاة الفطر واجبة بغروب آخر رمضان) على قول (أو بفجر) أول (شوال) على قول آخر.
(على الحر المسلم القادر) عليها وقته.
(وإن بتسلف لراجي القضاء) لأنه قادر حكماً، بخلاف من لم يرجه. (عن نفسه وعن كل مسلم يمونه) أي تلزمه مؤنته.
(بقرابة): كوالديه الفقيرين؛ وأولاده الذكور للبلوغ قادرين على الكسب، والإناث للدخول بالزوج أو الدعاء إليه.
(أو زوجية): أي كونها زوجة له أو لأبيه الفقير. وكذا تلزم لخادم القريب المذكور أو الزوجة إن كان رقيقاً لا بأجرة، ويمكن إدخاله في قولنا:
(أو رق): أي أو بسبب رق؛ كعبيده وعبيد أبيه أو أمه أو ولده حيث كان خادماً وهم أهل للإخدام (ولو) كان الرقيق (مكاتباً و) الرقيق (المشترك) بين اثنين. أو أكثر يجب على كل (بقدر الملك) فيه من نصف أو ثلث أو سدس أو غير ذلك (كالمبعض) يجب الإخراج على مالك بعضه بقدر
ما يملك فيه.
ــ
والمخرج بالفتح، والوقت المخرج فيه، والمدفوعة إليه، وإنما قدم المؤلف زكاة الأموال عليها. وإن كان متعلقها أشرف - لأن زكاة الأموال دعامة من دعائم الإسلام، ولوقوع الخلاف في وجوبها وسنيتها. والمشهور الوجوب ولذلك لا يقاتلون عليها. قال الخرشي في كبيره: وانظر الفرق بينها وبين بعض السنن التي يقاتل على تركها، وانظر هل يكفر جاحدها أو لا؟ وينبغي التفصيل بين أن يجحد مشروعيتها: فيكفر، وبين أن يجحد وجوبها: فلا يكفر، لأنه قيل بالسنية اهـ. قال في الحاشية: وكذا لا يقاتلون على صلاة العيد بخلاف الأذان والجماعة فيقاتلون على تركهما، لأنه يتكرر ويتوقف الإعلام بدخول الوقت عليه اهـ.
قوله: [واجبة]: أي وجوباً ثابتاً بالسنة ففي الموطإ عن ابن عمر: «فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر في رمضان على المسلمين» وحمل الفرض على التقدير بعيد، خلافاً لمن زعم ذلك وقال إنها سنة، لا سيما وقد خرج الترمذي: «بعث رسول الله ﷺ منادياً ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم» إلى آخر الحديث. ولا يقال: إن فرضها في السنة الثانية من الهجرة ومكة حينئذ دار حرب، فكيف يتأتى فيها النداء بما ذكر؟ لأنه يقال: "بعث المنادي": يحتمل أنه سنة فتحها وهي سنة ثمان من الهجرة، ويحتمل أنه سنة حج أبو بكر بالناس وهي سنة تسع، ويحتمل أنه سنة حجة الوداع وهي سنة عشر، وليس بلازم أن يكون بعث المنادي عقب الفرض، ورواية: "فجاج مكة" هي الصواب. خلافاً لما مشى عليه في الأصل من إبدال مكة بالمدينة. وإنما قلنا بالسنة، لأن آيات الزكاة العامة سابقة عليها، فعلم أنها غير مرادة بها أو غير صريحة في وجوبها.
قوله: [بغروب آخر رمضان على قول] إلخ: الأول لابن القاسم في المدونة وشهره ابن الحاجب وغيره. والثاني لرواية ابن القاسم والأخوين عن مالك وشهره الأبهري وصححه ابن رشد وابن العربي. قال بعضهم؛ الأول: مبني على أن الفطر الذي أضيفت إليه في خبر: «فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان»: الفطر الجائز وهو ما يدخل وقته بغروب شمس آخر رمضان، والثاني مبني على أن المراد الفطر الواجب الذي يدخل وقته بطلوع الفجر. واعترضه شيخ مشايخه العدوي بأن عدم نية الصوم واجب فيهما. وتناول المفطر جائز فيهما، وحينئذ فلا وجه لذلك. وبقي ثلاثة أقوال أخر: الأول: أن وقته بطلوع الشمس ولا يمتد على هذا القول أيضاً كاللذين قبله. الثاني: أن وقته من غروب ليلة العيد ممتداً إلى غروب يومها. الثالث: من غروب ليلة العيد ممتداً إلى زوال يومها. ذكره في التوضيح (اهـ. بن - كذا في حاشية الأصل).
قوله: [وإن بتسلف]: وقيل لا تجب بالتسلف بل يستحب وعليه اقتصر ابن رشد. فعلم أنها لا تسقط بالدين.
قوله: [أو الدعاء إليه]: أي حيث كانت الزوجة مطيقة ولم يكن بها مانع يوجب الخيار.
قوله: [حيث كان خادماً]: يحترز به عما إذا قصد به الربح أو اشترى للفخر.
قوله: [وهم أهل للإخدام]: فلو كان أهلاً للإخدام بأكثر من واحد إلى أربع أو خمس، فقيل: يلزمه زكاة فطر الجميع؛ وقيل: لا يلزمه إلا زكاة فطر واحد فقط. ونص ابن عرفة في وجوبها عن أكثر من خادم إلى أربع أو خمس إن اقتضاه شرفها. ثالثها: عن خادمين فقط.
قوله: [يجب على كل بقدر الملك]: هذا هو الراجح. ومقابله: أنها على عدد رؤوس المالكين. ولهذه المسألة نظائر في هذا الخلاف، وضابطها: كل ما يجب بحقوق مشتركة؛ هل الواجب بقدر الحقوق أو على عدد الرؤوس؟ قولان. لكن الراجح منهما مختلف، فالراجح الثاني، وهو اعتبار عدد الرؤوس: في أجرة القسام، وكنس المراحيض، والسواقي، وحارس أعدال المتاع، وبيوت الطعام، والجرين، والبساتين. وكاتب الوثيقة وكذا صيد الكلاب لا ينظر فيه لكثر الكلاب وإنما ينظر في اشتراك الصيد لرؤوس الصائدين. والراجح
стр. 237
(ولا شيء على المبعض) في بعضه الحر. ثم من ولد له ولد، أو تزوج أو اشترى عبداً قبل الغروب من آخر يوم من رمضان، ثم مات قبل الفجر وجبت على الأب أو الزوج أو سيد العبد على القول الأول دون الثاني. ولو حصل شيء مما ذكر بعد الغروب وطلع عليه الفجر وجبت على من ذكر على القول الثاني دون الأول. ولو مات قبل الفجر لم يجب على كل من القولين. وقس على ذلك من طلقت أو عتق أو باع. ومن لم يقدر عليها إلا بعد فجر شوال لم تجب عليه، لأنه كان عاجزاً عنها وقت الوجوب، وإن ندبت إن زال فقره أو عتق يومها كما يأتي.
(وهي): أي زكاة الفطر (صاع) أربعة أمداد عبرة المد حفنة ملء اليدين المتوسطتين.
(فضل عن قوته وقوت عياله يومه) أي يوم عيد الفطر، وقد ملكه وقت الوجوب.
(من أغلب قوت أهل المحل من) أصناف تسعة: (قمح أو شعير أو سلت أو ذرة أو دخن أو أرز أو تمر أو زبيب أو أقط): وهو يابس اللبن المخرج زبده. وقوله: (فقط): إشارة لرد قول ابن حبيب بزيادة العلس على التسعة المذكورة، فعلى قوله تكون الأصناف عشرة. فيتعين الإخراج مما غلب الاقتيات منه من هذه الأصناف التسعة، فلا يجزئ الإخراج من غيرها، ولا منها إن اقتات غيره منها إلا أن يخرج الأحسن؛ كما لو غلب اقتيات الشعير فأخرج قمحاً.
(إلا أن يقتات غيرها) أي غير هذه الأصناف كعلس ولحم وفول وعدس وحمص ونحوها (فمنه) يخرج، فإن غلب شيء تعين الإخراج منه وإن ساوى غيره خير.
(وندب إخراجها بعد الفجر وقبل الصلاة) أي صلاة العيد.
(و) ندب إخراجها (من قوته الأحسن) من قوت أهل البلد.
(و) ندب إخراجها (لمن زال فقره أو) زال (رقه) بأن عتق (يومها و) ندب (عدم زيادة على الصاع). بل تكره الزيادة لأن الشارع إذا حدد شيئاً كان ما زاد عليه بدعة؛ فتارة تقتضي الفساد كما في الصلاة، وتارة تكون مكروهة كما هنا وكما في زيادة التسبيح على ثلاث وثلاثين. ومحل الكراهة إن تحققت الزيادة وإلا فيتعين أن يزيد ما يزيل به الشك.
(وجاز دفع صاع) واحد (لمساكين) يقتسمونه.
ــ
القول الأول وهو اعتبار الملك في مسألتنا هذه، والشفعة، ونفقة الوالدين؛ أي فإنها توزع على الأولاد بقدر اليسار لا على الرؤوس ولا بقدر الميراث، وكذا زكاة فطرهما. (اهـ. من حاشية الأصل).
تنبيه: العبد المخدم إن كان مرجعه بعد الخدمة لسيده فزكاته عليه، وإن كان مرجعه لحرية فزكاته على المخدم بالفتح، وإن كان مرجعه لشخص آخر فزكاته على ذلك الشخص الذي مرجعه له.
قوله: [ولا شيء على العبد في بعضه الحر]: وكذلك عبيد العبيد لا يلزم السيد الأعلى ولا سيدهم زكاة فطرهم، وفي (بن): أن العبد لا يخرج عن زوجته خلافاً ل (عب)، وأما الموقوف فعلى ملك الواقف.
قوله: [ثم من ولد له ولد]: شروع منه في بيان ثمرة الخلاف المتقدم، لكن الوجوب لا يمتد على كل من القولين.
قوله: [ولو مات قبل الفجر لم يجب على كل] إلخ: أي والموضوع أن هذا الشيء حصل بعد الغروب.
قوله: [ملء اليدين المتوسطتين]: أي لا مقبوضتين ولا متوسطتين وذلك قدح وثلث، فعلى هذا: الربع المصري يجزئ عن ثلاثة.
قوله: [من أغلب قوت أهل المحل]: أي البلد من غير نظر لقوت المخرج. والمنظور له غالب قوتهم في رمضان على ما يظهر من الحطاب ترجيحه، لا في العام كله، ولا في يوم الوجوب. كذا في البناني واستظهر في المجموع اعتبار الغلبة عند الإخراج.
قوله: [من أصناف تسعة]: وجمعها بعضهم ما عدا الأقط بقوله:
قمح شعير وزبيب سلت *** تمر مع الأرز ودخن ذرة
قوله: [فلا يجزئ الإخراج من غيرها]: أي إذا لم يكن ذلك الغير عيناً، وإلا فالأظهر الإجزاء لأنه يسهل بالعين سد خلته في ذلك اليوم (اهـ. تقرير مؤلفه [١]).
قوله: [إلا أن يقتات غيرها]: أي في زمن الرخاء والشدة لا في زمن الشدة فقط، كما قال أبو الحسن وابن رشد. والذي يظهر من عبارات أهل المذهب: أن غير التسعة -إذا كان غالباً- لا يخرج منه؛ وإنما يخرج منه إذا كان عيشهم من غير التسعة كما في المدونة، فمعنى قول المصنف "إلا أن يقتات غيره": أي إلا أن ينفرد بالاقتيات فيخرج منه.
قوله: [فمنه يخرج]: أي ولو وجد شيء من التسعة، وكان غير مقتات لهم فلا عبرة به كما قاله الرماصي. قال في الأصل: والصواب أنه يخرج صاعاً بالكيل من العلس والقطاني، وبالوزن من نحو اللحم. قال محشيه: ورد بقوله.
والصواب على من قال إنه يخرج من اللحم واللبن مقدار شبع الصاع، فإذا كان الصاع من الحنطة يغدي إنساناً ويعشيه أعطي من اللحم أو من اللبن مقدار الغداء والعشاء، وفي المجموع: هل يقدر نحو اللحم بجرم المد أو شبعه؟ وصوب كما في الحطاب أو بوزنه خلاف اهـ.
قوله: [أي صلاة العيد]: أي فالمندوب إخراجها قبل الغدو للمصلى، لكن إن أداها قبل الصلاة وبعد الغدو للمصلى فقد كفى في المستحب، وكذا يندب غربلة القمح وغيره، إلا الغلث فيجب غربلته إن زاد غلثه على الثلث، وقيل بل يندب ولو كان الثلث أو ما قاربه يسيراً وهو الأظهر
стр. 238
(و) جاز دفع (آصع) متعددة (لواحد) من الفقراء.
(و) جاز (إخراجها قبل [العيد] [١] بيومين) لا أكثر.
(ولا تسقط) زكاة الفطر عن غني بها وقت الوجوب (يمضي [٢] زمنها) بغروب شمس يوم العيد بل هي باقية في ذمته أبداً حتى يخرجها.
(وإنما تدفع لحر) فلا تجزئ لعبد (مسلم) فلا تجزئ لكافر.
(فقير) لا يملك قوت عامه.
(غير هاشمي) لشرفه وتنزهه عن أوساخ الناس.
(فإن لم يقدر) الحر المسلم (إلا على البعض): أي بعض الصاع، أو بعض ما وجب عليه إن وجب عليه أكثر (أخرجه) وجوباً. فإن وجب عليه آصع ولم يجد إلا البعض بدأ بنفسه ثم بزوجته، والأظهر تقديم الوالد على الولد.
(وأثم) من تجب عليه (إن أخر للغروب) لتفويته وقت الأداء وهو اليوم كله.
ولما أنهى الكلام على الزكاة انتقل يتكلم على الصوم وأحكامه فقال:
(باب [٣]
يجب صوم رمضان على المكلف): أي البالغ، العاقل، ذكراً أو أنثى، حراً أو عبداً.
(القادر): على صومه لا على عاجز عن صومه حقيقة أو حكماً كمرضع لها قدرة عليه، ولكن خافت على الرضيع هلاكاً أو شدة ضرر.
(الحاضر) لا على مسافر سفر قصر.
(الخالي من حيض ونفاس) لا على حائض ونفساء. فشروط وجوبه خمسة: البلوغ، والعقل، والقدرة، والحضور، والخلو من الحيض، والنفاس. ويصح مما عدا المجنون والحائض والنفساء؛ فيكون العقل والخلو منهما شرطي صحة أيضاً كما سيأتي. وأما الإسلام فشرط صحة فقط.
ــ
كذا في الأصل.
قوله: [وجاز دفع أصوع متعددة] إلخ: قال أبو الحسن. ويجوز أن يدفعها الرجل عنه وعن عياله لمسكين واحد. هذا مذهب ابن القاسم. وقال أبو مصعب: لا يجزئ أن يعطي مسكيناً واحداً أكثر من صاع، ورأها كالكفارة، وروى مطرف: يستحب لمن ولي تفرقة فطرته أن يعطي لكل مسكين ما أخرج عن كل إنسان من أهله من غير إيجاب (اهـ. بن).
قوله: [وجاز إخراجها قبل] إلخ: فلو أخرجها في تلك الحالة وضاعت فقال اللخمي: لا تجزئ. واعترضه التونسي واختار الإجزاء.
قوله: [لا أكثر]: أي خلافاً للجلاب حيث جوز إخراجها قبل بثلاثة أيام. وعند الشافعي: يجزئ إخراجها من أول رمضان، وحيث أخرجها قبل باليوم واليومين فتجزئ باتفاق إن بقيت بيد الفقير إلى ليلة العيد، وعلى المعتمد: إن لم تبق، سواء تولى تفرقتها بنفسه أو وكل من يتولى تفرقتها.
قوله: [بل هي باقية في ذمته أبداً]: أي ولو مضى لها سنين.
وقوله: [حتى يخرجها]: أي عنه وعمن تلزمه زكاة فطره، وأما لو مضى زمنها وهو معسر فإنه يسقط ندب الإخراج بمضي يومها.
قوله: [فقير]: المراد فقير الزكاة الأعم منه ومن المسكين، وقيل إنما تدفع لعادم قوت يومه. والمعتمد الأول.
قوله: [أخرجه وجوباً]: أي لقوله في الحديث الشريف: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم».
قوله: [والأظهر تقديم الوالد على الولد]: في هذا الاستظهار نظر لأنها تابعة للنفقة، ولذلك قال الأصيلي في شرحه على خليل: فرع إذا تعدد من تلزمه نفقته ولم يجد إلا صاعاً أو بعضه؛ فهل يخرجه عن الجميع أو يقدم بعضاً على بعض؟ كما في النفقة فنفقة الزوجة مقدمة على الأبوين. واختلف في الابن والوالدين في تقديم نفقة الابن على الأبوين أو هما سواء، قولان. والظاهر أنها تابعة للنفقة قاله الحطاب.
تتمة: يندب للمسافر أن يخرج عن نفسه إذا كان عادة أهله يخرجون عنه وإلا وجب عليه الإخراج، وحيث اكتفى بإخراج أهله عنه أجزأه إن كان عادتهم ذلك أو أوصاهم، وتكون العادة والوصية بمنزلة النية، وإلا لم تجزه لفقدها. وكذا يجوز إخراجه عنهم والعبرة في القسمين بقوت المخرج عنه، فإن لم يعلم احتيط لإخراج الأعلى، فإذا لم يوجد عندهم القوت الأعلى تعين عليه أن يخرج عن نفسه، ويجوز أيضاً أن يخرج من قوته الأدون من قوت أهل البلد عن نفسه وعمن يعوله إذا اقتاته لفقر، لا لشح ولا هضم نفس أو لعادة؛ فلا يكفي. والله أعلم.
[باب يجب صوم رمضان عن المكلف [ ٤]]
الصوم لغة: الإمساك والكف عن الشيء ومنه قوله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوما﴾ [مريم: ٢٦]: أي صمتاً وإمساكاً عن الكلام، وشرعاً: الإمساك عن شهوتي البطن والفرج وما يقوم مقامهما مخالفة للهوى في طاعة المولى في جميع أجزاء النهار بنية قبل الفجر أو معه إن أمكن فيما عدا زمن الحيض والنفاس وأيام الأعياد، قاله في الذخيرة. (اهـ. خرشي) وسمي رمضان: لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها ويذهبها، وهو من خصائص هذه الأمة، والتشبيه في الآية في أصل الصوم كما هو مقرر.
قوله: [كمرضع]: وأدخلت الكاف: الحامل.
قوله: [لا على مسافر]: أي سفراً مباحاً.
قوله: [لا على حائض ونفساء]: أي لا يصح ولا يجب كما يأتي، بل الصوم في حقهما حرام.
قوله: [البلوغ]: فالصبي لا يجب عليه بل يكره له، وليس كالصلاة يؤمر به عند سبع ويضرب عليه عند عشر.
قوله: [ويصح مما عدا المجنون] إلخ: والصحة لا تنافي الكراهة كما في صوم الصبي أو الحرمة كما في صوم المريض إن أضر به.
قوله: [وأما الإسلام فشرط صحة]:
стр. 239
وسيأتي أن النية ركن. ودخل المكره في العاجز (بكمال شعبان): أي يجب ويتحقق بكماله ثلاثين يوماً.
(أو برؤية عدلين): وأولى أكثر؛ فيجب على كل من أخبراه بها الصوم، وإن لم يرفعا لحاكم، ويجب عليهما الرفع إذا لم يره غيرهما كما يأتي.
(فإن) ثبت برؤيتهما و (لم يُر) الهلال: أي هلال شوال (بعد ثلاثين) يوماً لغيرهما - حال كون السماء (صحواً) لا غيم بها ليلة الإحدى والثلاثين (كذبا) في شهادتهما برؤية رمضان، فيجب تبييت الصوم. وقولنا: "لغيرهما": احتراز مما إذا شهدا برؤية شوال فإنه لا يقبل منهما لاتهامهما على ترويج شهادتهما الأولى.
(أو) برؤية (جماعة مستفيضة) وإن لم يكونوا عدولاً وهي التي يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب؛ أي كل واحد يدعيها، لا أنه يدعي السماع من غيره كما يقع لكثير من العوام، ولا يشترط فيهم العدالة ولا الذكورة والحرية.
(أو) برؤية (عدل) بالنسبة (لمن لا اعتناء لهم به): أي بالهلال كانوا أهله أم لا.
(ولا يحكم به): أي برؤية العدل؛ أي لا يجوز للحاكم أن يحكم بثبوت الهلال برؤية عدل فقط عندنا، ولا يلزم الصوم إن حكم به إلا لمن لا اعتناء لهم بشأن الهلال (فإن حكم به مخالف) لنا يرى ذلك (لزم) الصوم، وعم (على الأظهر) من أحد الترددين.
(وعم) الصوم سائر البلاد والأقطار ولو بعدت (إن نقل عن المستفيضة أو) عن (العدلين بهما) أي بالمستفيضة أو العدلين.
ــ
أي ومثله الزمان القابل للصوم.
قوله: [وسيأتي أن النية ركن]: ومثلها الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، ولكن جعلها الأجهوري في نظمه من شروط الصحة حيث قال:
شرائط لأداء الصوم نيته ... إسلامنا وزمان للأدا قبلا
كالكف عن مفطر شرط الوجوب له ... إطاقة وبلوغ هكذا نقلا
أما النقاء وعقل فهو شرطهما ... دخول شهر صيام مثل ذا جعلا
قوله: [ويتحقق]: أي في الخارج سواء حكم بثبوته حاكم أم لا. ومثل كماله؛ كمال ما قبله وهو رجب وكذا [١] ما قبل رجب وهذا إن غم بأن كانت السماء ليلة ثلاثين مغيمة، وأما إذا كانت مصحية فلا يتوقف ثبوته على الإكمال ثلاثين، بل تارة يثبت بذلك إن لم ير الهلال وتارة يثبت برؤية الهلال.
قوله: [أو برؤية عدلين]: هذا إذا انفردا بالرؤية في غيم ولو بصحو في بلد صغير أو كبير هو قول مالك وأصحابه، بل ولو ادعيا الرؤية في الجهة التي وقع الطلب فيها من غيرهما.
قوله: [كما يأتي]: أي من وجوب الرفع على العدل والمرجو.
قوله: [لا غيم بها]: حاصله أن تكذيبهما مشروط بأمرين: عدم رؤيته لغيرهما ليلة إحدى وثلاثين، وكون السماء صحواً في تلك الليلة. فلو رآه غيرهما ليلة إحدى وثلاثين أو لم يره أحد وكانت السماء غيماً لم يكذبا. ومثل العدلين في كونهما يكذبان بالشرطين المذكورين، ما زاد عليهما ولم يبلغ المستفيضة. وأما المستفيضة فلا يتأتى فيهم ذلك لإفادة خبرهم القطع، قال أشياخنا والظاهر أنه إن فرض عدم الرؤية بعد الثلاثين من إخبارهم دل على أن الاستفاضة لم تتحقق فيهم، وحينئذ فيكذبون، وحيث كذب العدلان ومن في حكمهما فالنية الحاصلة في أول الشهر صحيحة للعذر ولخلاف الأئمة، لأن الشافعي لا يقول بتكذيب العدلين ويعتمد في الفطر على رؤيتهما أولاً. وظاهر كلام المصنف: أنهما يكذبان ولو حكم بشهادتهما حاكم حيث كان مالكياً، أما لو كان الحاكم بها شافعياً لا يرى تكذيبهما فإنه يجب عليه الفطر اعتماداً على رؤيتهما الأولى بناء على قول ابن راشد الآتي.
قوله: [مستفيضة]: أي منتشرة.
قوله: [وهي التي يستحيل] إلخ: اعلم أن المستفيضة وقع فيها خلاف؛ فالذي ذكره ابن عبد السلام والتوضيح: أنه المحصل خبره العلم أو الظن، وأن لم [٢] يبلغوا عدد التواتر. والذي لابن عبد الحكم: أن الخبر المستفيض هو المحصل للعلم لصدوره ممن لا يمكن تواطؤهم على باطل لبلوغهم عدد التواتر، واقتصر على هذا ابن عرفة والأبي والمواق وكذا شارحنا، فقول الشارح: يستحيل عادة تواطؤهم: أي لبلوغهم عدد التواطؤ [٣]، وهذا هو الحق؛ وإلا فخبر العدلين يفيد الظن.
قوله: [كانوا أهله أم لا]: هذا هو المعتمد.
والحاصل أن رؤية الواحد كافية في محل لا اعتناء فيه بأمر الهلال ولو امرأة أو عبداً، لكن يشترط أن يكون ممن تثق النفس بخبره وتسكن به لعدالة المرأة وحسن سيرة العبد كذا في الحاشية.
قوله: [على الأظهر] إلخ: حاصله أن المخالف إذا حكم بثبوت شهر رمضان بشهادة شاهد فهل يلزم المالكي الصوم بهذا الحكم؟ لأنه حكم وقع في حكم يجوز فيه الاجتهاد وهو العبادات - وهذا قول ابن راشد القفصي. أو لا يلزم المالكي صومه؟ لأنه إفتاء لا حكم، لأن حكم الحاكم لا يدخل العبادات، وحكمه فيها يعد إفتاء فليس للحاكم أن يحاكم بصحة صلاة أو بطلانها وإنما يدخل حكمه حقوق العباد من معاملات وغيرها، وهذا قول القرافي وهو الراجح عند الأصوليين، وللناصر اللقاني قول ثالث: وهو أن حكم الحاكم يدخل العبادات تبعاً لا استقلالاً؛ فعلى هذا إذا حكم الحاكم
стр. 240
فالصور أربع: نقل استفاضة عن مثلها أو عن عدلين، ونقل عدلين عن مثلهما أو عن استفاضة ولو لم يقع النقل عن الحكم من حاكم كما هو ظاهر كلام بعضهم، وهو الذي تقتضيه القواعد الشرعية، إذ كل من بلغه حكم عن عدلين أو عن ناقل عنهما بشرطه وجب العمل به، وقيل: لا بد من العموم في النقل عن الحكم بهما. وأما نقل العدل الواحد فلا يكفي، قيل: مطلقاً. والراجح أنه إن نقل عن حكم الحاكم بثبوته بالعدلين أو بالمستفيضة كفى وعم وإليه أشار بقوله:
(أو) نقل (بعدل) واحد أي عن حكم الحاكم لا عن العدلين ولا المستفيضة (على الأرجح و) يجب (على العدل) وأولى العدلين إذا رأى الهلال، وعلى (المرجو) القبول (الرفع للحاكم): أي بتبليغه أنه رآه، ولو علم المرجو جرحه نفسه؛ لعله أن ينضم إليه من يثبت به عنده فيحكم بالثبوت، وقد يكون الحاكم ممن يرى الثبوت بعدل.
(فإن أفطر): أي العدل أو المرجو الذي رآه وكذا كل من رآه فأفطر (فالقضاء والكفارة)، ولو تأول على الأرجح.
(لا) يثبت الهلال (بقول منجم) أي مؤقت يعرف سير القمر لا في حق نفسه ولا غيره؛ لأن الشارع أناط الصوم والفطر والحج برؤية الهلال لا بوجوده إن فرض صحة قوله. وقد علم من قولنا: "فإن أفطره" إلخ، أنه يجب على من انفرد برؤية رمضان الصوم وإظهاره.
(ولا يجوز فطر) أي إظهار فطر شخص (منفرد بشوال) أي برؤيته؛ لئلا يتهم بأنه ادعى ذلك كذباً ليفطر. وأما نية الفطر فتجب عليه (إلا بمبيح) للفطر في الظاهر كسفر وحيض لأن له أن يعتذر بأنه إنما أفطر لذلك.
(وإن غيمت) السماء ليلة الثلاثين بفتح الغين المعجمة والياء المشددة مبني للفاعل (ولم ير) الهلال (فصبيحته) أي الغيم (يوم شك)، وأما لو كانت السماء مصحية لم يكن يوم شك؛ لأنه إذا لم تثبت رؤيته كان من شعبان جزماً. واعترض بقوله ﷺ : «فإن غم عليكم فاقدروا له» أي كملوا عدة ما قبله ثلاثين يوماً، فإنه يدل على أن صبيحة الغيم من شعبان، فالوجه أن تكون صبيحة يوم الشك ما تكلم فيه برؤية الهلال من لا تقبل شهادته.
(وكره صيامه للاحتياط) أي على أنه إن كان من رمضان اكتفى به
ــ
بثبوت الشهر لزم المالكي الصوم إلا إن حكم بوجوب الصوم، قاله شيخ مشايخنا العدوي. واعلم أنه إذا قيل بلزوم الصوم للمالكي وصام الناس ثلاثين يوماً ولم ير الهلال، وحكم الشافعي بالفطر، فالذي يظهر أنه لا يجوز للمالكي لأن الخروج من العبادات أصعب من الدخول فيها كما قاله الشيخ سالم السنهوري كذا في حاشية الأصل. ولا يناقض ما تقدم في قولنا، أما لو كان الحاكم بها شافعياً لا يرى تكذيبهما فإنه يجب عليه الفطر لقوة المخالفة هنا.
قوله: [فالصور أربع]: أي التي يثبت بها الصوم اتفاقاً وسيأتي التفصيل في نقل العدل الواحد.
قوله: [بشرطه]: أي وهو أن ينقل عن كل عدل عدلان.
قوله: [والراجح أنه إن نقل] إلخ: الحاصل أن الأقسام ثلاثة: نقل عن حاكم، أو عن المستفيضة، أو عن العدلين؛ فالتعدد شرط في الأخيرين دون الأول، والمراد بالنقل عن الحاكم: ما يشمل النقل لحكمه أو لمجرد الثبوت عنده.
قوله: [ويجب على العدل] إلخ: أي وأما الفاسق فيستحب له الرفع ليفتح باب الشهادة لغيره.
قوله: [فالقضاء والكفارة ولو تأول] إلخ: أي بناء على أنه تأويل بعيد. وأما لو أفطر من لا اعتناء لهم بأمر الهلال مع ثبوت رؤية المنفرد له فعليهم الكفارة اتفاقاً ولو تأولوا، لأن العدل في حقهم كالعدلين.
قوله: [يعرف سير القمر]: أي يحسب قوس الهلال هل يظهر في تلك الليلة أم لا؟ وظاهره أنه لا يثبت بقول المنجم ولو وقع في القلب صدقه وهو كذلك.
خلافاً للشافعية، وذلك لأننا مأمورون بتكذيبه لأنه ليس من الطرق الشرعية.
تنبيهان:
الأول: لا يلفق شاهد شهد بالرؤية أول الشهر ولم يثبت به الصوم لآخر شهد برؤية شوال أخره على الراجح، فشهادة كل لاغية.
الثاني: من لا تمكنه رؤية الهلال ولا غيرها كأسير ومسجون كمل الشهور التي قبل رمضان وصام رمضان أيضاً كاملاً، وهذا إذا لم تلتبس عليه الشهور.
وأما إن التبست عليه فلم يعرف رمضان من غيرها، فإن ظن شهراً أنه رمضان صامه وإن تفاوت عنده الاحتمالات تخير شهراً وصامه، فإن فعل ما طلب منه فله أحوال أربعة: الأول: مصادفته فيجزئه على المعتمد من التردد في خليل. الثاني: تبين أن ما صامه بعده فيجزئه أيضاً فإن كان شوالاً قضى يوماً بدلاً عن العيد حيث كانا كاملين أو ناقصين، وإن كان الكامل رمضان قضى يومه، وإن كان شوالاً لا قضاء، وإن تبين أن ما صامه ذو الحجة فإنه لا يعتد بالعيد وأيام التشريق.
الثالث: تبين أن ما صامه قبله كشعبان فلا يجزئه قولاً واحداً. الرابع: بقاؤه على شكه فلا يجزئه على ما قال خليل. وقال ابن الماجشون وأشهب وسحنون: يجزئه لأن فرضه الاجتهاد، وقد فعل ما يجب عليه فهو على الجواز حتى ينكشف خلافه، ورجحه ابن يونس فتدبر قوله: [كالوجه]: حاصله: أن يوم الشك صبيحة الثلاثين إذا كانت السماء صحواً أو غيماً وتحدث فيها بالرؤية من لا يثبت به كعبد وامرأة، ولذلك قال في المجموع: وإن غيمت ليلة ثلاثين ولم تر
стр. 241
(ولا يجزئه) صومه عن رمضان إن ثبت أنه منه وقيل يحرم صومه لذلك.
(وصيم) أي جاز صومه (عادة) أي لأجل العادة التي اعتادها بأن كان عادته سرد الصوم تطوعاً أو كان عادته صوم يوم كخميس فصادف يوم الشك (وتطوعاً) بلا اعتياد (وقضاء) عن رمضان قبله (وكفارة) عن يمين أو غيره
(ولنذر صادف) كما لو نذر يوماً معيناً أو يوم قدوم زيد فصادف يوم الشك.
(فإن تبين) بعد صومه لما ذكر (أنه من رمضان لم يجزه) عن رمضان الحاضر ولا غيره من القضاء وما بعده. (وقضاهما): أي رمضان الحاضر والقضاء أو الكفارة (إلا الأخير) أي النذر المصادف. (فرمضان) يقضيه (فقط) دون النذر لتعين وقته وقد فات. (وندب إمساكه): أي يوم الشك أي الكف فيه عن المفطر (ليتحقق) الحال.
(فإن ثبت) رمضان (وجب) الإمساك لحرمة الشهر ولو لم يكن أمسك أولاً (وكفر): أي يجب عليه الكفارة مع القضاء (إن انتهك) حرمته بأن أفطر عالماً بالحرمة. ووجوب الإمساك ومفهوم "انتهك" أنه إذا تناول المفطر [١] متأولاً فلا كفارة عليه.
(و) ندب (إمساك بقية اليوم لمن أسلم) فيه.
(و) ندب له (قضاؤه) ولم يكن [٢] ترغيباً له في الإسلام.
(بخلاف من زال عذره المبيح): أي الذي يبيح (له الفطر مع العلم برمضان؛ كصبي بلغ) بعد الفجر (ومريض صح ومسافر قدم) نهاراً وحائض أو نفساء طهرتا نهاراً، ومجنون أفاق ومضطر لفطر عن عطش أو جوع؛ فلا يندب له الإمساك بقية اليوم وحينئذ (فيطأ) الواحد منهم (امرأة) له من زوجة أو أمة (كذلك): أي زال عذرها المبيح لها الفطر مع العلم برمضان بأن قدمت معه من السفر أو طهرت من حيض أو نفاس أو بلغت نهاراً أو أفاقت من جنون. واحترز بقوله: "مع العلم برمضان" عن الناسي، ومن أفطر يوم الشك؛ فإنه يجب عليهما الإمساك بعد زوال العذر، لكن يرد المكره؛ فإنه يعلم برمضان، ويجب عليه الإمساك بعد زوال الإكراه؟ ويجاب بأن المراد بالمبيح اختياراً ولا اختيار للمكره. ويرد على مفهومه المجنون؛ فإنه لا علم عنده كالناسي، ولا يندب له الإمساك إذا أفاق.
(و) ندب لمن عليه شيء من رمضان (تعجيل القضاء و) ندب (تتابعه) أي القضاء (ككل صوم لا يجب تتابعه): ككفارة اليمين والتمتع وصيام جزاء الصيد، فيندب تتابعه
(و) ندب للصائم (كف لسان وجوارح) عطف عام على خاص (عن فضول) من الأقوال والأفعال التي لا إثم فيها.
(و) ندب (تعجيل فطر) قبل الصلاة بعد تحقق [٣] الغروب، وندب كونه على رطبات
ــ
فصبيحته يوم الشك لاحتمال وجود الهلال وأن الشهر تسعة وعشرون، وإن كنا مأمورين بإكمال العدد. وقال الشافعي: الشك أن يشيع على ألسنة من لا تقبل شهادته رؤية الهلال ولم يثبت، ورد بأن كلامهم لغو وإن استقر به ابن عبد السلام والإنصاف أن في كل منهما شكاً اهـ.
قوله: [ولا يجزئه صومه عن رمضان]: أي لعدم جزم النية.
قوله: [وقيل يحرم صومه لذلك]: أي أخذاً من ظاهر الحديث: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم»، وأجيب بأن المقصود الزجر لا التحريم.
قوله: [وتطوعاً]: أي على المشهور خلافاً لابن مسلمة القائل بكراهة صومه تطوعاً. ويؤخذ من قوله "تطوعاً" جواز التطوع بالصوم في النصف الثاني من شعبان خلافاً للشافعية القائلين بالكراهة، واستدلوا بحديث: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه» أي فيستمر فيه على ما كان. وأجاب القاضي عياض بأن النهي في الحديث محمول على التقديم بقصد تعظيم الشهر.
قوله: [ولنذر صادف]: أي وأما لو نذر صومه تعييناً بأن نذر صوم يوم الشك من حيث هو يوم شك فإنه لا يصومه لأنه نذر معصية - انظر (ح). وقال شيخ المشايخ العدوي: الحق أنه يلزمه صومه ألا ترى أنه يجوز صومه تطوعاً وإن لم يكن عادة له؟
قوله: [ليتحقق الحال]: أي لا لتزكية شاهدين كما لو شهد اثنان برؤية الهلال واحتاج الأمر إلى تزكيتهما، فإنه لا يستحب الإمساك لأجل التزكية إذا كان في الانتظار طول، وأما إن كان ذلك قريباً فاستحباب الإمساك متعين بل هو آكد من الإمساك في الشك.
قوله: [فلا كفارة عليه]: أي لأنه من التأويل القريب.
قوله: [ويرد على مفهومه المجنون]: وأجيب بجواب آخر عن كل من المكره والمجنون: بأن فعلهما قبل زوال العذر لا يتصف بإباحة ولا غيرها، فلا يدخلان في منطوق ولا مفهوم.
قوله: [كف لسان وجوارح]: أي يتأكد أكثر من المفطر، ومما ينسب لابن عطية كما في المجموع:
لا تجعلن رمضان شهر فكاهة ... كيما تقضي بالقبيح فنونه
واعلم بأنك لن تفوز بأجره ... وتصومه حتى تكون تصونه
قوله: [وندب تعجيل فطر]: أي ويندب أن يقول: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت»، وفي حديث: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله»، وفي رواية يقول قبل وضع اللقمة في الفم: «يا عظيم ثلاثاً أنت إلهي لا إله غيرك اغفر لي الذنب العظيم فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا العظيم».
قوله: [قبل الصلاة]: أي المغرب كما قال مالك لأن تعلق القلب به
стр. 242
فتمرات وتراً وإلا حسا حسوات من ماء.
(و) ندب للصائم (السحور) للتقوي به على الصوم.
(و) ندب (تأخيره) لآخر الليل.
(و) ندب (صوم بسفر) قال تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤] ولا يجب (وإن علم الدخول) لوطنه (بعد الفجر) وتقدم أنه لا يندب الإمساك بعد دخوله أي إن بيت الفطر.
(و) ندب (صوم) يوم (عرفة لغير حاج)، وكره لحاج؛ أي لأن الفطر يقويه على الوقوف بها.
(و) ندب صوم (الثمانية) الأيام (قبله) أي عرفة (و) صوم (عاشوراء وتاسوعاء والثمانية قبله) أي تاسوعاء (وبقية المحرم و) صوم (رجب وشعبان، و) ندب صوم (الاثنين والخميس و) ندب صوم يوم (النصف من شعبان) لمن أراد الاقتصار والنص على الأيام المذكورة -مع دخولها في شهرها- لبيان عظم شأنها وأنها أفضل من البقية؛ فيوم عرفة أفضل مما قبله، وعاشوراء أفضل من تاسوعاء، وهما أفضل مما قبلهما، وهي أفضل من البقية.
(و) ندب صوم (ثلاثة) من الأيام (من كل شهر وكره تعيين) الثلاثة (البيض) الثالث عشر وتالياه فراراً من التحديد (كستة من شوال إن وصلها) بالعيد (مظهراً) لها لا إن فرقها أو أخرها أو صامها في نفسه خفية فلا يكره لانتفاء علة اعتقاد الوجوب.
(و) كره للصائم (ذوق) شيء له طعم (كملح) وعسل وخل لينظر حاله ولو لصانعه مخافة أن يسبق لحلقه شيء منه (ومضغ علك) أي ما يعلك أي يمضغ كلبان وتمرة لطفل، فإن سبقه منه شيء لحلقه فالقضاء.
(و) كره (نذر) صوم (يوم مكرر) ككل خميس وأولى نذر صوم الدهر لأن النفس إذا لزمها شيء متكرر أو دائم أتت به على ثقل وتندم، فيكون لغير الطاعة أقرب.
ــ
يشغل عن الصلاة لحديث: «إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء»، ويحمل هذا على الأكل الخفيف الذي لا يخرج الصلاة عن وقتها.
قوله: [فتمرات وتراً]: أي وما في معناه من حلويات، فالسكر وما في معناه يقدم على الماء القراح.
وقوله: [حسوات] جمع حسوة كمدية ومديات. والفتح في الجمع لغة، والحسوة ملء الفم من الماء.
قوله: [السحور]: هو بالضم الفعل، وبالفتح ما يؤكل آخر الليل. والمراد هنا الأول لقرنه بالفطر، ولأنه الموصوف بالتأخير ويدخل وقته بالنصف الأخير، وكلما تأخر كان أفضل، فقد ورد: «أن النبي ﷺ كان يؤخره حتى يبقى على الفجر قدر ما يقرأ القارئ خمسين آية»
قوله: [وندب صوم بسفر]: أي يندب للمسافر أن يصوم في سفره المبيح له للفطر وستأتي شروطه، ويكره له الفطر للآية الكريمة، وأما قصر الصلاة فهو أفضل من إتمامها وذلك لبراءة الذمة بالقصر وعدم براءتها بالفطر. فإن قلت ما ذكره المصنف من ندب الصوم في السفر وظاهر الآية يعارضه قوله ﵊: «ليس من البر الصيام في السفر». أجيب بحمل الحديث على صوم النفل أو الفرض إذا شق، ويروى الحديث بأل وأم على لغة حمير.
قوله: [وندب صوم يوم عرفة]: لما ورد أنه يكفر سنتين والمراد بندب الصوم تأكده وإلا فالصوم مطلقاً مندوب.
قوله: [وندب صوم الثمانية الأيام قبله]: واختلف في صيام كل يوم منها، فقيل يعدل شهراً أو شهرين أو سنة.
قوله: [عاشوراء]: هو عاشر المحرم وتاسوعاء تاسعه وهما بالمد، وقدم عاشوراء مع أن تاسوعاء مقدم عليه في الوجود لأنه أفضل من تاسوعاء. ويندب في عاشوراء التوسعة على الأهل والأقارب، بل يندب فيه اثنتا عشرة خصلة جمعها بعضهم ما عدا عيادة المريض في قوله:
صم صل صل زر عالماً ثم اغتسل ... رأس اليتيم امسح تصدق واكتحل
وسع على العيال قلم ظفرا ... وسورة الإخلاص قل ألفاً تصل
قوله: [وصوم رجب]: أي فيتأكد صومه أيضاً وإن كانت أحاديثه ضعيفة لأنه يعمل بها في فضائل الأعمال.
قوله: [وندب صوم ثلاثة من الأيام من كل شهر]: والحكمة في ذلك أن الحسنة بعشرة أمثالها فلذلك كان مالك يصوم أول يوم منه وحادي عشره وحادي عشريه.
قوله: [الثلاثة البيض]: سميت بذلك لبياض الليالي بالقمر.
قوله: [كستة من شوال]: قال في المجموع: إذا أظهرها مقتدى به لئلا يعتقد وجوبها أو اعتقد سنيتها لرمضان، كالنفل البعدي للصلاة، وإنما سر حديثها أن رمضان بعشرة أشهر والستة بشهرين فكأنه صام العام. وتخصيص شوال قيل ترخيص للتمرن على الصوم حتى إنها بعده أفضل لأنها أشق، ولا شك أنها في عشر ذي الحجة أفضل فليتأمل (اهـ.)
قوله: [لا إن فرقها] إلخ: اعلم أن الكراهة مقيدة بخمسة أمور تؤخذ من عبارة الشارح والمجموع، في إن [١] انتفى قيد منها فلا كراهة وعلى هذا يحمل الحديث وهي أن يوصلها في نفسها وبالعيد مظهراً لها مقتدى به معتقداً سنيتها لرمضان كالرواتب البعدية.
قوله: [ومضغ علك]: اسم يعم كل ما يعلك أي يمضغ. جمعه علوك، وبائعه علاك، وقد علك يعلك -بضم اللام- علكاً بفتح العين؛ أي مضغه ولاكه.
قوله: [وكره نذر صوم يوم مكرر]: أي ومثله الأسبوع كقوله: لله علي صوم أسبوع من أول كل شهر.
стр. 243
(و) كره له (مقدمة جماع ولو فكراً أو نظراً) لأنه ربما أداه للفطر بالمذي أو المني وهذا (إن علمت السلامة) من ذلك وإلا حرم.
(و) كره له (تطوع) بصوم (قبل) صوم (واجب غير معين) كقضاء رمضان وكفارة، فإن كان معيناً بيوم كنذر معين حرم التطوع فيه
(و) كره (تطيب نهاراً و) كره (شمه) أي الطيب ولو مذكراً نهاراً.
(وركنه) أي الصوم أمران:
أولهما: (النية): اعلم أنهم عرفوا الصوم بأنه الكف عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر لغروب الشمس بنية؛ فالنية ركن والإمساك عما ذكر ركن ثان والشيخ ﵀ تسمح فجعل كلاً منهما شرط صحة، والشرط ما كان خارج الماهية، والركن ما كان جزءاً منها، فإذا كانا شرطين كانا خارجين عن الماهية مع أنهما نفسها، فالنية ركن.
(وشرطها): أي شرط صحتها (الليل): أي إيقاعها فيه من الغروب إلى آخر جزء منه، (أو) إيقاعها (مع) طلوع (الفجر) ولا يضر ما حدث بعدها من أكل أو شرب أو جماع أو نوم؛ بخلاف رفعها في ليل أو نهار، وبخلاف الإغماء والجنون إن استمر للفجر، فإن رفعها ثم عاودها قبل الفجر أو أفاق قبله لم تبطل على ما سيأتي ومفهوم الليل أنه لو نوى نهاراً قبل الغروب لليوم المستقبل أو قبل الزوال لليوم الذي هو فيه
ــ
تنبيه: من جملة المكروه - كما قال بعضهم - صوم يوم المولد المحمدي إلحاقاً له بالأعياد، وكذا صوم الضيف بغير إذن رب المنزل، ومن جملة المكروه أيضاً مداواة الإنسان نهاراً ولا شيء عليه إن لم يبتلع منه شيئاً، فإن ابتلع منه شيئاً غلبة قضى، وإن تعمد كفر أيضاً، إلا لخوف ضرر في تأخير الدواء لليل لحدوث مرضه أو زيادته أو شدة تألم فلا يكره، بل يجب إن خاف هلاكاً أو شديد أذى. ومن المكروه غزل الكتان للنساء ما لم تضطر المرأة لذلك، وإلا فلا كراهة، وهذا إذا كان له طعم يتحلل كالذي يعطن في المبلات، وأما ما يعطن في البحر فيجوز مطلقاً كما في (ح) وغيره، ومن ذلك حصاد الزرع إذا كان يؤدي للفطر ما لم يضطر الحصاد لذلك، وأما رب الزرع فله الاشتغال به ولو أدى إلى الفطر، لأن رب المال مضطر لحفظه كما في المواق عن البرزلي (اهـ بن من حاشية الأصل).
قوله: [وكره له مقدمة جماع]: أي لأي شخص؛ شاب أو شيخ، رجل أو امرأة.
قوله: [وهذا إن علمت السلامة]: ظاهره كراهة الفكر والنظر إذا علمت السلامة، ولو كانا غير مستدامين. لكن قال أبو علي المسناوي: إذا علمت السلامة لا كراهة إلا إذا استدام فيهما، ثم إن محل كراهة ما ذكر إذا كان لقصد لذة لا إن كان بدون قصد كقبلة وداع أو رحمة، وإلا فلا كراهة. ثم إن ظاهر المصنف كراهة المقدمات المذكورة وأنه لا شيء عليه ولو حصل إنعاظ، وهو رواية أشهب عن مالك في المدونة وهو المعتمد. ومثل علم السلامة: ظنها.
قوله: [وإلا حرم]: أي بأن علم عدمها أو ظن أو شك. فإن أمذى بالمقدمات في حالة الكراهة أو الحرمة فالقضاء اتفاقاً. وإن أمنى، ففي حالة الحرمة تلزمه الكفارة اتفاقاً وفي حالة الكراهة ثلاثة أقوال: الأول: قول أشهب إنه لا كفارة عليه إلا إن تابع حتى أنزل. والثاني: قول مالك في المدونة عليه القضاء والكفارة مطلقاً، والثالث: الفرق بين اللمس والقبلة والمباشرة وبين النظر والفكر؛ فالإنزال بالثلاثة الأول: موجب للكفارة مطلقاً. وبالأخيرين: لا كفارة فيه إلا أن يتابع، وهذا قول ابن القاسم وهو المعتمد، فإن شك في الخارج منه في حالة العمد أمذى أم أمنى فالظاهر أنه لا يجري على الغسل؛ لأن الكفارة من قبيل الحدود فتدرأ بالشك، خصوصاً والشافعي لا يراها في غير مغيب الحشفة كما هو أصل نصها - كذا. في حاشية الأصل.
قوله: [وكره تطوع بصوم]: حاصله: أنه يكره التطوع بالصوم لمن عليه صوم واجب - كالمنذور والقضاء والكفارة - وذلك لما يلزم من تأخير الواجب وعدم فوريته. وهذا بخلاف الصلاة، فإنه يحرم كما تقدم. وظاهر المصنف الكراهة مطلقاً سواء كان صوم التطوع مؤكداً - كعاشوراء وتاسوعاء - أو لا، وهو كذلك.
ولذلك اختلف في صوم يوم عرفة لمن عليه قضاء؛ فقيل إن صومه قضاء أفضل وصومه تطوعاً مكروه، وقيل بالعكس، وقيل: هما سواء. ولكن الأول هو الأرجح كما هو ظاهر المصنف، وتقدم أنه لو نوى الفرض والتطوع حصل ثوابهما كغسل الجمعة والجنابة وكصلاة الفرض والتحية.
قوله: [حرم التطوع فيه]: أي لتعيين الزمان المنذور، فإن فعل لزمه قضاؤه.
قال الشيخ سالم: وانظر هل تطوعه صحيح أم لا؟ لتعين الزمن لغيره، قال في الحاشية: والظاهر الأول؛ لصلاحية الزمن في ذاته للعبادة بخلاف التطوع في رمضان لأن ما عينه الشارع أقوى مما عينه الشخص.
قوله: [وكره تطيب] إلخ: إنما كره شم الطيب واستعماله نهاراً لأنه من جملة شهوة الأنف الذي يقوم مقام الفم، وأيضاً الطيب محرك لشهوة الفرج.
قوله: [مع أنهما نفسها]: ولكن أجيب عن الشيخ خليل: بأنه التفت إلى معناها وهو القصد إلى الشيء، ومعلوم أن القصد إلى الشيء خارج عن ماهية ذلك الشيء، ولكن هذا الجواب مخلص بالنسبة للنية، وأما الكف فلا وجه لعده شرطاً فالأحسن أن يراد بالشرط ما تتوقف صحة العبادة عليه.
قوله: [مع طلوع الفجر]: المراد وقوعها في الجزء الأخير من الليل الذي يعقبه طلوع الفجر، وإنما كفت
стр. 244
لم تنعقد ولو بنفل لم يتناول فيه قبلها مفطراً وهو كذلك.
(وكفت نية) واحدة (لما): أي لكل صوم (يجب تتابعه) كرمضان وكفارته وكفارة قتل أو ظهار، وكالنذر المتتابع؛ كمن نذر صوم شهر بعينه أو عشرة أيام متتابعة (إذا لم ينقطع) تتابع الصوم (بكسفر) ومرض مما يقطع وجوب التتابع دون صحة الصوم. فإن انقطع به لم تكف النية الواحدة بل لا بد من تبييتها [١] كلما أراده، (ولو تمادى على الصوم) في سفره أو مرضه.
(أو كحيض) ونفاس وجنون مما يوجب عدم صحته فلا تكفي النية، بل لا بد من إعادتها ولو حصل المانع بعد الغروب وزال قبل الفجر.
(وندبت كل ليلة) فيما تكفي فيه النية الواحدة.
(و) الركن الثاني: (كف من طلوع الفجر للغروب عن جماع مطيق) من إضافة المصدر لمفعوله؛ أي الكف عن إدخال حشفته أو قدرها من مقطوعها في فرج شخص مطيق للجماع، (وإن) كان المطيق له (ميتاً أو بهيمة)، واحترز بذلك عما لو أدخل ذكره بين الأليتين أوالفخذين أو في فرج صغير لا يطيق فلا يبطل الصوم إذا لم يخرج منه مني أو مذي.
(و) كف (عن إخراج مني أو مذي): بمقدمات جماع ولو نظراً أو تفكراً واحترز "بإخراج" عن خروج أحدهما بنفسه أو لذة غير معتادة فلا يبطله.
(أو) عن إخراج (قيء) فلا يضر خروجه بنفسه إذا لم يزدرد منه شيئاً، وإلا فالقضاء.
(و) كف (عن وصول مائع) من شراب أو دهن أو نحوهما (لحلق) وإن لم يصل للمعدة ولو وصل سهواً أو غلبة فإنه مفسد للصوم، ولذا عبر "بوصول" لا بإيصال. واحترز بالمائع عن غيره كحصاة ودرهم فوصوله للحلق لا يفسد بل للمعدة.
(وإن) كان وصول المائع للحلق (من غير فم كعين) وأنف وأذن.
فمن اكتحل نهاراً أو استنشق بشيء فوصل أثره للحلق أفسد وعليه القضاء، فإن لم يصل شيء من ذلك للحلق فلا شيء عليه كما لو اكتحل ليلاً أو وضع شيئاً في أذنه أو أنفه،
ــ
النية المصاحبة لطلوع الفجر لأن الأصل في النية المقارنة للمنوي، ولكن في الصوم جوزوا تقدمها عليه حيث قالوا: يدخل وقتها بالغروب لمشقة المقارنة، بخلاف سائر العبادات كالصلاة والطهارة فلا بد من المقارنة أو التقدم اليسير على ما مر. وما ذكره المصنف من كفاية المقارنة للفجر هو قول عبد الوهاب، وصوبه اللخمي وابن رشد، فإذا علمت ذلك فتقديمها على الفجر أولى للاحتياط والضبط.
قوله: [لم تنعقد]: أي كما ذكره ابن عرفة، وأصله لابن بشير. ونصه: لا خلاف عندنا أن الصوم لا يجزئ إلا إذا تقدمت النية على سائر أجزائه. فإن طلع الفجر ولم ينوه لم يجزه في سائر أنواع الصيام، إلا يوم عاشوراء ففيه قولان: المشهور من المذهب أنه كالأول والشاذ: اختصاص يوم عاشوراء بصحة الصوم، كذا في (بن) نقله محشي الأصل، وعن الشافعي: تصح نية النافلة قبل الزوال، وعن أحمد: تصح نية النافلة في النهار مطلقاً لحديث: «إني إذا صائم بعد قوله ﵊: هل عندكم من غداء»، وللشافعي: الغداء ما يؤكل قبل الزوال. وأجاب ابن عبد البر بأنه مضطرب ولنا عموم حديث أصحاب السنن الأربع: «من لم يبيت الصيام فلا صيام له» والأصل تساوي الفرض والنفل في النية كالصلاة.
قوله: [لم يتناول [٢] فيه قبلها]: فيه رد على الشافعي وأحمد كما تقدم.
قوله: [يجب تتابعه]: خرج بذلك ما يجوز تفريقه؛ كقضاء رمضان وصيامه في السفر وكفارة اليمين وفدية [٣] الأذى ونقص الحج فلا تكفي فيه النية الواحدة، بل من التبييت في كل ليلة كما يعلم من المصنف. وما مشي عليه المصنف من كفاية النية الواحدة في واجب التتابع هو مشهور المذهب، وقال ابن عبد الحكم: لا بد من نية لكل يوم نظراً إلى أنه كالعبادات المتعددة من حيث عدم فساد بعض الأيام بفساد بعضها، والقول المشهور نظر إلى أنه كالعبادة الواحدة من حيث ارتباط بعضها ببعض وعدم جواز التفريق.
قوله: [ولو تمادى على الصوم]: هذا هو المعتمد كما في العتبية خلافاً لما في المبسوط: من أن المريض أو المسافر إذا استمر صائماً فإنه لا يحتاج لتجديد نية.
ومن أفسد صومه عامداً فاستظهر (ح) تجديد النية أيضاً؛ كمن بيت الفطر ولو نسياناً لا إن أفطر ناسياً وهو مبيت للصوم فلا ينقطع تتابعه، ومثله من أفطر مكرهاً عند اللخمي وعند ابن يونس حكم من أفطر لمرض - كذا في الحاشية.
قوله: [لا بد من إعادتها]: أي وتكفي النية الواحدة في جميع ما بقي.
قوله: [وندبت كل ليلة]: أي مراعاة للقول بوجوب التبييت ومن الورع مراعاة الخلاف.
قوله: [عن جماع مطيق]: أي سواء كان الفرج قبلاً أو دبراً، وسواء كان المغيب فيه مستيقظاً أو نائماً.
قوله: [فلا يبطله]: ومثله لو حصلت لذة معتادة من غير خروج شيء.
قوله: [وإلا فالقضاء]: أي ولا كفارة إن كان ازدرده غلبة أو نسياناً هذا في الفرض، وأما في النفل فلا شيء عليه مع الغلبة والنسيان.
قوله: [عن وصول مائع]: فإن وصل المائع للمعدة من منفذ عال أو سافل فسد الصوم ووجب القضاء. وهذا في غير ما بين الأسنان من أثر طعام الليل، وأما هو فلا يضر. ولو ابتلعه عمداً وإن لم يصل للمعدة فلا شيء فيه ما لم يصل للحلق من العالي كما يؤخذ من الشارح.
قوله: [ولذا عبر بوصول]: أي لأن لفظة وصول لا تستلزم القصد بخلاف إيصال.
قوله: [كعين وأنف وأذن]: أي ومسام رأس
стр. 245
أو دهن رأسه ليلاً فهبط شيء من ذلك لحلقه نهاراً فلا شيء عليه. (أو) وصول مائع (لمعدة) وهي الكرشة التي فوق السرة للصدر بمنزلة الحوصلة للطير؛ إذا وصل المائع لها بحقنة (من) منفذ متسع (كدبر) أو قبل -لا إحليل: أي ثقب ذكر- (كلها) أي المعدة أي كوصول شيء لها (بغيره) أي من غير المائع (من فم)، فإنه مفطر بخلاف وصوله للحلق فقط أو من منفذ أسفل للمعدة فلا يضر ولو فتائل عليها دهن.
وحاصل المسألة: أن وصول الماء للحلق من منفذ أعلى ولو غير الفم مفطر كوصوله للمعدة من منفذ أسفل إن اتسع كالدبر وقبل المرأة، لا إن لم يصل لها ولا من إحليل. وأما غير المائع فلا يفطر إلا إذا وصل للمعدة من الفم. ولكن نقل الحطاب وغيره عن التلقين: أن ما وصل للحلق مفطر مطلقاً من مائع أو غيره، وهو ظاهر كلام الشيخ. ومن حكم المائع البخور ونحوه فإن وصوله للحلق مفطر وإليه أشار بقوله:
(أو) كف عن وصول (بخور) تتكيف به النفس كبخور عود أو مصطكى أو جاوي أو نحوها، (أو بخار قدر) لطعام فمتى وصل للحلق أفسد الصوم ووجب القضاء، ومن ذلك الدخان الذي يشرب أي يمص بنحو قصبة بخلاف دخان الحطب ونحوه وغبار الطريق.
(أو) عن وصول (قيء) أو قلس (أمكن طرحه) بخروجه من الحلق إلى الفم، فإن لم يمكن طرحه -بأن لم يجاوز الحلق- فلا شيء فيه. وأما البلغم الممكن طرحه فالمعتمد أن ابتلاعه لا يضر ولو وصل لطرف اللسان وأولى البصاق، خلافاً لما مشى عليه الشيخ. ومتى وصل شيء مما ذكرنا لحلق أو معدة على ما تقدم أفطر (ولو) وصل (غلبة أو سهواً في الجميع) المائع وما بعده (أو) عن وصول (غالب من مضمضة) لوضوء أو غيره (أو سواك) فأولى غير الغالب.
واعلم أن في قولنا "وكف عن وصول" إلخ مسامحة لأن الكف عن الشيء يقتضي القصد. والوصول -ولو غلبة أو سهواً- قد يقتضي عدمه ارتكبناه مجاراة لقولهم: حقيقة الصوم الإمساك من طلوع الفجر إلخ عن شهوتي البطن والفرج، والإمساك هو الكف عما ذكر، ثم بينوه بما ذكرنا والمراد عدم الوصول ويرد عليه: أنه لا تكليف إلا بفعل والعدم ليس بفعل.
(وصحته): أي وشرط صحة الصوم فرضاً أو نفلاً مصورة بثلاثة أشياء:
(بنقاء من حيض ونفاس ووجب) صوم رمضان عليها أو غيره ككفارة أو صوم اعتكاف أو نذر في أيام معينة. (إن طهرت) بقصة أو جفوف (قبل الفجر وإن بلصقه): أي الفجر والباء للملابسة وهذا أبلغ من قوله: " وإن بلحظة ".
(و) يجب الصوم (مع القضاء) أيضاً (إن شكت): هل طهرها قبل الفجر أو بعده؟ فتنوي الصوم لاحتمال كونه قبله، وتقضي لاحتمال كونه بعده.
(وبغير عيد) أي وصحته بوقوعه في غير عيد
ــ
كما يؤخذ من عبارته، وأشعر كلامه أن ما يصل من غير هذه المنافذ لا شيء فيه.
قوله: [أو دهن رأسه ليلاً]: أي وأما من دهن رأسه نهاراً ووجد طعمه في حلقه، أو وضع حناء في رأسه نهاراً فاستطعمها في حلقه، فالمعروف من المذهب وجوب القضاء. بخلاف من حك رجله بحنظل فوجد طعمه في حلقه أو قبض بيده على ثلج فوجد البرودة في جوفه فلا شيء عليه، وقالت الشافعية: الواصل من العين لا يفطر فيجوز الكحل عندهم نهاراً. ومثلها الرأس، فيجوز الادهان نهاراً.
قوله: [أو قبل]: أي فرج امرأة وفيه نظر بل هو كالإحليل كما سيأتي.
قوله: [ولو غير الفم]: أي كالأذن والعين والأنف والرأس.
قوله: [ولا من إحليل]: ومثل الإحليل الثقبة الضيقة في المعدة.
قوله: [ولكن نقل الحطاب] إلخ: والطريقة الأولى للبساطي وكثير من الشراح وهي الأظهر.
قوله: [أو بخار قدر]: أي فمتى وصل دخان البخور وبخار القدر للحلق وجب القضاء لأن كلاً منهما جسم يتكيف به. ومحل وجوب القضاء في ذلك إذا وصل باستنشاق سواء كان المستنشق صانعه أو غيره، وأما لو وصل بغير اختياره فلا قضاء صانعاً أو غيره على المعتمد.
قوله: [الذي يشرب]: ومثله النشوق فهو مفطر.
قوله: [بخلاف دخان الحطب]: فلا قضاء في وصوله للحلق، ولو تعمد استنشاقه، وإما رائحة كالمسك والعنبر والزبد فلا تفطر ولو استنشقها لأنها لا جسم لها، إنما يكره فقط كما تقدم.
قوله: [ولو وصل لطرف اللسان]: قال (عب): ولا شيء على الصائم في ابتلاع ريقه إلا بعد اجتماعه فعليه القضاء. وهذا قول سحنون. وقال ابن حبيب: يسقط مطلقاً وهو الراجح كذا في الحاشية.
قوله: [غالب من مضمضة]: هذا في الفرض وأما وصول أثر المضمضة أو السواك للحلق في صوم النفل غلبة فلا يفسده.
قوله: [ويرد عليه]: أي على تفسير الكف بما ذكر. وهذا البحث يقوي مذهب الشافعي من أن من أكل أو شرب ناسياً لا شيء عليه، والجواب أن حصر التكليف في الفعل من حيث الإثم؛ وأما الصحة أو الفساد فهي من خطاب الوضع فيتعلق بالساهي والنائم والمكره قوله: [فتنوي الصوم] إلخ: قال في المجموع: والظاهر أنه لا كفارة عليها إن لم تمسك، وهذا بخلاف الصلاة فإنها لا تؤمر بفعل ما شكت في وقته هل كان الطهر فيه أم لا، وإن شكت بعد الفجر هل طهرت قبله أو بعده فلا تجب عليها العشاء، واستشكل ذلك بأن الحيض مانع من وجوب الأداء في كل من الصلاة والصوم والشك فيه موجود في كل منهما، فلم وجب الأداء في الصوم دون الصلاة؟
стр. 246
فلا يصح فيه.
(وبعقل) فلا يصح من مجنون ولا من مغمى عليه (فإن جن أو أغمي عليه مع الفجر فالقضاء) لعدم صحة صومه لزوال عقله وقت النية، بخلاف ما لو كان مجنوناً أو مغمى عليه قبله وأفاق وقت الفجر فلا قضاء لسلامته وقتها، (كبعده) أي كما يلزمه القضاء لو جن أو أغمي عليه بعد الفجر، (جل يوم) وأولى كله (لا) إن أغمي عليه بعد الفجر (نصفه) فأقل فلا قضاء عليه.
ولما فرغ من بيان الصوم وشروطه ذكر ما يترتب على الإفطار وهي خمسة: القضاء، والإمساك، والكفارة، والإطعام، وقطع التتابع؛ فقال:
إذا علمت حقيقة الصوم (فإن حصل) للصائم (عذر) اقتضى فطره بالفعل؛ كمرض، أو اقتضى عدم صحته؛ كحيض (أو اختل ركن) من ركنيه عمداً أو سهواً أو غلبة (كرفع النية) نهاراً أو ليلاً بأن نوى عدم صوم الغد، واستمر رافعاً لها حتى طلع الفجر (أو) اختل (بصب) شيء (مائع في حلق) صائم (نائم أو) اختل (بجماعه) أي النائم -من إضافة المصدر لمفعوله- (أو بكأكله) من إضافته لفاعله أي أو اختل بتناوله مفطراً من أكل أو غيره حال كونه (شاكاً في) طلوع (الفجر أو) في (الغروب أو بطروه) بتشديد الواو المكسورة، أي الشك -بأن أكل أو شرب معتقداً بقاء الليل أو غروب الشمس- ثم طرأ له الشك هل حصل ذلك بعد الفجر أو قبله أو بعد الغروب أو قبله؛ فطروّ الشك مخل بركن الإمساك كالذي قبله. فالصوم لا يخلو إما أن يكون فرضاً أو نفلاً. فإن كان فرضاً (فالقضاء) لازم بحصول العذر أو اختلال الركن (في الفرض مطلقاً): أفطر عمداً، أو سهواً، أو غلبة، جوازاً كمسافر، أو حراماً كمنتهك، أو وجوباً كمن خاف على نفسه الهلاك؛ كان الفرض رمضان أو غيره كالكفارات وصوم تمتع وغير ذلك.
(إلا النذر المعين) كما لو نذر صوم يوم معين أو أيام معينة أو شهر معين، وأفطر فيه (لمرض) لم يقدر معه على صومه لخوفه منه على نفسه هلاكاً أو شدة ضرر أو زيادته أو تأخر برء، (أو) أفطر فيه لعذر مانع من صحته (كحيض) ونفاس وإغماء وجنون، فلا يقضي لفوات وقته. فإن زال عذره وبقي منه شيء وجب صومه. (بخلاف) فطر (النسيان والإكراه وخطأ الوقت): كصوم الأربعاء يظنه الخميس المنذور؛
ــ
والمراد بشكها في الفجر: مطلق التردد.
قوله: [فلا يصح فيه]: أي لما تقدم أن من شروط صحة الصوم قبول الزمن للعبادة، والعيد لا يصح صومه ومثله ثاني النحر وثالثه؛ لأن فيه إعراضاً عن ضيافة الله وسيأتي أنهما يستثنيان لمن عليه نقص في حج.
قوله: [فالقضاء]: هذا إذا جن يوماً واحداً بل ولو سنين كثيرة، سواء كان الجنون طارئاً بعد البلوغ أو قبله على المشهور. وهذا قول مالك وابن القاسم في المدونة، خلافاً لابن حبيب والمدنيين، قالوا: إن كثرت كالعشرة فلا قضاء. ومذهب أبي حنيفة والشافعي: لا قضاء على المجنون. لنا أن الجنون مرض وقد قال تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥].
قوله: [نصفه فأقل فلا قضاء عليه]: حاصله أنه متى أغمي عليه كل اليوم من الفجر للغروب، أو أغمي عليه جله، سواء سلم أوله أم لا، أو أغمي عليه نصفه أو أقله ولم يسلم أوله فيهما؛ فالقضاء في هذه الخمس. فإذا أغمي عليه قبل الفجر ولو بلحظة، واستمر بعدها ولو بلحظة، وجب عليه قضاء ذلك اليوم، فإن أغمي عليه نصف اليوم أو أقله، وسلم أوله فلا قضاء فيهما؛ فالصور سبع يجب القضاء في خمس، وعدمه في اثنتين. وما قيل في الإغماء يقال في الجنون، ومثلهما السكر كان بحلال أو حرام كما استظهره العلامة النفراوي في شرح الرسالة، وتبعه (بن) خلافاً للخرشي و (عب) حيث تبعا الأجهوري في التفرقة بين الحلال والحرام، فجعلا الحرام كالإغماء، والحلال كالنوم - كذا في حاشية الأصل.
قوله: [ولما فرغ من بيان الصوم]: أي من جهة حقيقته وما يثبت به.
قوله: [ما يترتب على الإفطار]: أي في مجموعة صوره فإن هذه الخمسة لا تحصل دفعة واحدة كما سيأتي بيانه.
قوله: [وهي خمسة]: بل ستة والسادس التأديب.
قوله: [القضاء والإمساك]: أي وكل إما واجب أو مستحب انظر (المج).
قوله: [والكفارة]: أي الكبرى ولا تكون إلا واجبة.
قوله: [والإطعام]: وهو الكفارة الصغرى، ويكون مندوباً وواجباً.
قوله: [اقتضى فطره]: أي جواز فطره وإن كان الصوم صحيحاً بدليل ما بعده.
قوله: [أو اقتضى عدم صحته]: أي ويكون الصوم حراماً.
قوله: [أو اختل ركن]: أي بحصول مفسد كان عليه فيه إثم أم لا، فإن السهو والغلبة والصب في حلق النائم، وطرو الشك بعد الأكل لا إثم فيه، وهو مفسد للصوم وموجب للقضاء بأمر جديد، فلم يتعلق بالناسي ومن ذكر معه تكليف حالة الفساد، وهذا مما يؤيد جوابنا المتقدم عن إشكال الشارح فتأمل.
قوله: [أو غلبة]: أي أو إكراهاً أوجب الكفارة أم لا.
قوله: [أو حراماً كمنتهك]: أي بأن يكون لغير مقتض.
قوله: [بخلاف فطر النسيان والإكراه]: أما النسيان فلأن عنده نوعاً من التفريط، وأما المكره فهو على ما قاله في الطراز، وقال (ح) إنه المشهور. وفي الخرشي لا قضاء في الإكراه، ومال شيخ مشايخنا العدوي قائلاً إن المكره أولى من المريض.
стр. 247
فإنه يوجب القضاء مع إمساك بقية اليوم. واحترز "بالنذر المعين" من المضمون إذا أفطر فيه لمرض ونحوه؛ فلا بد من قضائه لعدم تعيين وقته فهو داخل في الإطلاق المتقدم. (و) إن كان الصوم نفلاً (قضى في النفل بالعمد) أي بالفطر العمد (الحرام وإن) حلف عليه إنسان (بطلاق بت) فلا يجوز له الفطر، وإن أفطر قضى وأولى إذا كان رجعياً أو لم يحلف عليه أحد.
(لا غيره): أي غير العمد الحرام بأن أفطر فيه ناسياً أو غلبة أو مكرهاً أو عمداً لكنه ليس بحرام (كأمر والد) أب أو أم له بالفطر شفقة، (و) أمر (شيخ) صالح أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه، ومثله شيخ العلم الشرعي (و) أمر (سيد) لعبده [١] بالفطر؛ فإذا أفطر امتثالاً لهم لم يجب عليه قضاء النفل.
ولما فرغ من بيان ما يقضى وما لا يقضى من الصوم، شرع في بيان ما يجب فيه الإمساك إذا أفطر وما لا يجب فقال:
(ووجب) على المفطر في صومه (إمساك غير معذور) بقية يومه عن المفطرات (بلا إكراه) وغير المعذور: وهو من أفطر عمداً أو غلبة أو نسياناً، والمعذور من أفطر لعذر من مرض أو سفر أو حيض أو نفاس أو جنون، ثم زال عذره. ولما دخل في المعذور المكره -مع أنه إذا زال عذره وجب عليه الإمساك- أخرجه بقوله: "بلا إكراه" أي معذور بغير إكراه.
فقوله: "بلا إكراه" نعت معذور. إن أفطر (بفرض معين) وقته (كرمضان، والنذر) المعين، والكاف استقصائية (مطلقاً): أفطر عمداً أم لا. (أو) لم يتعين وقته، ولكن (وجب تتابعه) ككفارة رمضان والقتل والظهار، (ولم يتعمد) الفطر. فإن أفطر غلبة أو ناسياً فيجب الإمساك بقية يومه بناء على الصحيح من أن غير العمد لا يفسد صومه فإن تعمد الفطر لم يجب عليه الإمساك لفساد جميع صومه الذي فعله ولو آخر يوم منه، فلا فائدة في إمساكه حينئذ. وكذا لو أفطر غير متعمد في أول يوم لم يجب عليه إمساك لعدم الفائدة؛ إذ هو يجب قضاؤه، ولا يؤدي إفطاره لفساد شيء. نعم يندب فيه الإمساك وهذا معنى قولنا: (في غير أول يوم) إذ معناه: يجب الإمساك في المتتابع إذا أفطر ناسياً أو غلبة في غير اليوم الأول، ومفهومه: أنه لو أفطر ناسياً فيه لم يجب الإمساك.
(كتطوع): تشبيه في وجوب الإمساك إذا أفطر فيه بلا تعمد. فإن تعمد لم يجب الإمساك على التحقيق لعدم الفائدة فيه مع وجوب القضاء. وفهم منه: أن الفرض إذا لم يتعين، ولم يجب تتابعه ككفارة اليمين، والنذر المضمون، وقضاء رمضان وجزاء الصيد، وفدية الأذى لا يجب فيه الإمساك مطلقاً أفطر عمداً أو نسياناً أو غلبة فهو مخير في الإمساك وعدمه. ومسألة الإمساك مما زدناه على المصنف.
ثم شرع في بيان الكفارة وأنها خاصة برمضان فقال:
(والكفارة) واجبة (برمضان) أي بالفطر في رمضان (فقط) دون غيره (إن أفطر) فيه.
(منتهكاً لحرمته) أي غير مبال بها بأن تعمدها اختياراً بلا تأويل قريب،
ــ
قوله: [فإنه يوجب القضاء]: أي حيث أصبح مفطراً في الخميس. ولم يذكر إلا في أثنائه فيجب عليه إمساكه وقضاؤه.
قوله: [وإن حلف عليه إنسان] إلخ: رد بالمبالغة على من قال: إذا حلف عليه بالطلاق الثلاث جاز له الفطر، ولا قضاء، ومثل الثلاث: إذا كانت معه على طلقة وحلف بها. ومحل عدم جواز الفطر إلا لوجه؛ كتعلق قلب الحالف بمن. حلف بطلاقها، بحيث يخشى أن لا يتركها إن حنث فيجوز، ولا قضاء. وهو حينئذ داخل في قوله بعد لا غيره.
قوله: [أب أو أم]: أي لا جد أو جدة. والمراد الأبوان المسلمان، لا إن كانا كافرين فلا يطيعهما إلحاقاً للصوم بالجهاد، بجامع أن كلاً من الدينيات، هذا هو الظاهر كذا في حاشية الأصل.
قوله: [أخذ على نفسه العهد] إلخ: اعترض بأن العهد إنما يكون من الطاعات وإفساد الصوم حرام. وأجيب بأنه لما اختلف العلماء في إفساد صوم النفل قدم فيه نظر الشيخ، ألا ترى الشافعية يقولون بجواز إفساده واستدلوا بحديث: "الصائم المتطوع [٢] أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر".
قوله: [ومثله شيخ العلم الشرعي]: أي وكذا آلاته.
قوله: [ما يجب فيه الإمساك] إلخ: حاصل ما ذكره في الإمساك بعد الفطر: أن الإمساك في الفرض المعين سواء كان رمضان أو نذراً واجب، سواء أفطر عمداً أو نسياناً أو غلبة بغير إكراه، أو إكراه. وفي المضمون في الذمة - وهو كل صوم لا يجب تتابعه؛ كالنذر الغير المعين وصيام الجزاء والتمتع وكفارة اليمين وقضاء رمضان - جائز لا واجب، فيخير بين الإمساك وعدمه سواء كان الفطر عمداً أو نسياناً أو غلبة أو إكراهاً، وفي النفل واجب في النسيان وغير واجب في العمد الحرام على المعتمد. وأما ما وجب فيه التابع من الصوم وكان فرضاً غير معين؛ ككفارة الظهار والقتل، فإن كان الفطر عمداً فلا إمساك لفساده وإن كان غلبة أو سهواً وجب الإمساك. وكمل على المعتمد إذا كان ذلك في غير اليوم الأول، فإن كان فيه استحب الإمساك فقط.
قوله: [والمعذور من أفطر]: مراده بيان أن المعذور: هو الذي يباح له الفطر مع العلم برمضان، وغير المعذور ضده. ولا يرد علينا المجنون والمكره، فإن فعلهما لا يوصف بإباحة ولا عدمها كما تقدم قوله: [أفطر عمداً أم لا]: صادق بالفطر نسياناً أو غلبة أو إكراهاً.
قوله: [بلا تأويل قريب]: أي بأن لم يكن تأويل أصلاً أو تأويل بعيد كما يأتي، ثم إن الانتهاك إنما يعتبر حيث لم يتبين خلافه، فمن تعمد الفطر يوم الثلاثين منتهكاً للحرمة، ثم تبين أنه يوم العيد فلا كفارة ولا قضاء عليه
стр. 248
احترازاً من الناسي والجاهل والمتأول فلا كفارة عليهم كما يأتي.
(بجماع) أي إدخال حشفته في فرج مطيق ولو بهيمة، وإن لم ينزل وتجب على المرأة إن بلغت. (وإخراج مني) بمباشرة أو غيرها، (وإن بإدامة فكر أو نظر) إن كان عادته الإنزال من استدامتهما ولو في بعض الأحيان (إلا أن) يكون عادته عدم الإنزال من استدامتهما و (يخالف عادته) فينزل بعد استدامتهما فلا كفارة على ما اختاره ابن عبد السلام، وقيل: عليه الكفارة مطلقاً. ومفهوم " إدامة " أنه لو أمنى بمجرد فكر أو نظر فيه فلا كفارة عليه، وهو كذلك.
(أو) أفطر بسبب (رفع نية) صومه [١] نهاراً أو ليلاً، ويستمر ناوياً عدمه حتى طلع الفجر، فالكفارة؛ لأن نية إبطال الصوم والصلاة في الأثناء معتبرة بخلاف رفضهما بعد الفراغ منهما، وبخلاف رفض الحج العمرة مطلقاً.
(أو) أفطر بسبب (إيصال مفطر) من مائع أو غيره (لمعدة من فم فقط): راجع للجميع، أو مفطر -لا غيره- كبلغم لمعدة فقط لا لحلق، وإن وجب القضاء في المائع. وقيل بوجوب الكفارة أيضاً من (فم فقط) لا من غيره كأنف أو دبر لأنها معللة بالانتهاك الذي هو أخص من العمد.
ثم ذكر محترز الانتهاك بقوله: (لا) إن أفطر (بنسيان) لكونه صائماً.
أو (جهل) لرمضان بأن ظن أنه شعبان، أو منه كيوم الشك، أو جهل حرمة الفطر برمضان لقرب عهد بالإسلام، وأما جهل وجوب الكفارة مع علمه بحرمة الفطر فلا ينفعه.
(أو غلبة) بأن سبقه الماء مثلاً أو أكره على تناول المفطر فلا كفارة لعدم الانتهاك. واستثنى من الغلبة مسألتين بقوله: (إلا إذا تعمد قيئاً): أي إخراجه فابتلعه أو شيئاً منه،
ــ
وإن كان آثماً عليه من حيث الجراءة، ومثله من تعمد الأكل قبل غروب الشمس، فتبين أن أكله بعده، وكذلك الحائض تفطر متعمدة ثم يظهر حيضها قبل فطرها وهكذا.
قوله: [والجاهل]: حاصله أن أقسام الجاهل ثلاثة: جاهل حرمة الوطء مثلاً، وجاهل رمضان، وجاهل وجوب الكفارة مع علمه بحرمة الفعل. فالأولان لا كفارة عليهما، والأخير تلزمه الكفارة، فتحصل أن شروط الكفارة للمكلف خمسة كما في الأصل: أولها: العمد فلا كفارة على ناس. الثاني: الاختيار فلا كفارة على مكره أو من أفطر غلبة. الثالث: الانتهاك فلا كفارة على متأول تأويلاً قريباً. الرابع: أن يكون عالماً بالحرمة، فجاهلها - كحديث عهد بإسلام - ظن أن الصوم لا يحرم معه الجماع، فلا كفارة عليه. خامسها: أن يكون في رمضان فقط لا في قضائه ولا في كفارة أو غيرها اهـ. ويزاد في الأكل والشرب: أن يكون بالفم فقط، وأن يصل للمعدة. ولا كفارة على ناذر الدهر إن أفطر في غير رمضان على المعتمد، وقيل: إن ناذر الدهر يكفر عن فطره عمداً، وعليه فقيل: كفارة صغرى، وقيل: كبرى. وعليه فالظاهر تعين غير الصوم، فإن ترتب على ناذر الدهر كفارة لرمضان. وعجز عن غير الصوم. رفع لها نية النذر كالقضاء؛ لأنهما من توابع رمضان. قال في المجموع: والظاهر أن ناذر الخميس والاثنين مثلاً إذا أفطر عامداً يقضي بعد ذلك فقط. ولا كفارة عليه، وإن أجرى فيه (ح) الخلاف السابق.
قوله: [وقيل عليه الكفارة مطلقاً]: اعلم أن في مقدمات الجماع المكروهة إذا أنزل ثلاثة أقوال حكاها في التوضيح وابن عرفة عن البيان. الأول: لمالك في المدونة وهو القضاء والكفارة مطلقاً. والثاني: لأشهب القضاء فقط إلا أن يتابع. والثالث: لابن القاسم في المدونة القضاء والكفارة إلا أن ينزل عن نظر أو فكر غير مستدامين، وقد تقدمت تلك العبارة. فإذا علمت ذلك فشارحنا غير موافق لطريقة من الثلاث وإنما هي طريقة اللخمي.
قوله: [وهو كذلك]: أي على المعتمد.
قوله: [رفع نية لصومه نهاراً]: بأن قال في النهار وهو صائم: رفعت نية صومي أو رفعت نيتي، أما من عزم على الأكل أو الشرب ثم ترك ما عزم عليه فلا شيء عليه، لأن هذا ليس رفعاً للنية، وقد سئل ابن عبدوس عن مسافر صام في رمضان فعطش فقربت له سفرته ليفطر وأهوى بيده ليشرب فقيل له لا ماء معك فكف، فقال: أحب له القضاء، وصوب اللخمي سقوطه، وقال: إنه غالب الرواية عن مالك، وكذلك في المجموع، ومعنى رفع النية: الفطر بالنية لا نية الفطر، فلا يضر إذا لم يفطر بالفعل كما في (ر)، وهو معنى ما في غيره: إنما يضر الرفض المطلق، أما المقيد بأكل شيء فلم يوجد فلا. ومنه من نوى الحدث في أثناء الوضوء فلم يحدث؛ ليس رافضاً. وانظر: لو نوى أن يأكل في الصلاة مثلاً فلم يفعل. وأما قول من ظن الغروب خطأ: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، فظاهر أنه لا يراد به الرفض، وإنما المعنى على رزقك أفطر على حد: ﴿أتى أمر الله﴾ فإن الرزق لا ينتفع به بعد.
قوله: [بخلاف رفضهما بعد الفراغ منهما]: أي فلا يضر على المعتمد من قولين مرجحين.
قوله: [وبخلاف رفض الحج والعمرة]: أي فلا يضر لأنهما عمل مالي وبدني فرفضهما حرج في الدين وقال تعالى: ﴿ما [٢] جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨].
قوله: [الذي هو أخص من العمد]: أي لأن العمد موجود في الواصل من الأنف والأذن والعين وليس هناك انتهاك؛ واعترض
стр. 249
ولو غلبة فيلزمه الكفارة (أو) إلا إذا تعمد (استياكاً بجوزاء نهاراً) وابتلعها ولو غلبة؛ فالكفارة بخلاف ما لو ابتلعها نسياناً فالقضاء فقط، والجوزاء قشر يتخذ من أصول شجر الجوز يستعمله بعض نساء أهل المغرب.
(ولا) إن أفطر (بتأويل قريب) فلا كفارة، والتأويل: حمل اللفظ على خلاف ظاهره لموجب، وقريبه ما ظهر موجبه، وبعيده ما خفي موجبه أي دليله، والمراد به هنا الظن، أي ظن إباحة الفطر، وقريبه ما استند إلى أمر محقق موجود، وبعيده: ما استند إلى أمر موهوم غير محقق.
ومثل للقريب بقوله: (كمن أفطر ناسياً أو مكرهاً): فظن أنه لا يجب عليه الإمساك لفساد صومه فأفطر، وقوله: (على الأظهر) راجع للمكره؛ فلا كفارة. لأن ظنه استند إلى فطره أولاً، ناسياً أو مكرهاً. (أو) كمن (قدم) من سفره (قبل الفجر) فظن إباحة فطره صبيحة تلك الليلة فأفطر.
(أو سافر دون) مسافة (القصر) فظن إباحة الفطر فأفطر.
(أو رأى شوالاً نهاراً) يوم الثلاثين من رمضان فظن أنه يوم عيد فأفطر.
(أو) أصابته جنابة ليلاً فأصبح جنباً (لم يغتسل إلا بعد الفجر) فظن إباحة الفطر فأفطر.
(أو احتجم) نهاراً فظن إباحة الفطر فأفطر.
(أو ثبت رمضان) يوم الشك (نهاراً) فظن عدم وجوب الإمساك فأفطر فلا كفارة.
فقوله: (فظنوا الإباحة): أي إباحة الفطر (فأفطروا) راجع للجميع، فإن علموا الحرمة أو شكوا فيها فالكفارة.
(بخلاف) التأويل (البعيد) ففيه الكفارة (كراء) لهلال رمضان، (لم يقبل) عند الحاكم فرد شهادته، فظن إباحة الفطر فأفطر.
(أو) أفطر (لحمى أو لحيض) ظن أنها تقع له في ذلك اليوم فعجل الفطر قبل الحصول فالكفارة (ولو حصلا أو) أفطر (لغيبة) بكسر الغين صدرت منه في حق غيره فظن الفطر.
(أو) أفطر (لعزم على سفر) في ذلك اليوم (ولم يسافر) فيه فالكفارة (وإلا) بأن سافر فيه (فقريب) فلا كفارة، وسيأتي تفصيل مسألة السفر إن شاء الله تعالى.
(وهي): أي الكفارة ثلاثة أنواع على التخيير:
ــ
بأن الانتهاك عدم المبالاة بالحرمة وهو متأت من الأنف والأذن والعين، ولذا علل بعضهم بقوله لأن هذا لا تتشوف إليه النفوس، وأصل الكفارة إنما شرعت لزجر النفس عما تتشوف إليه.
قوله: [ولو غلبة فيلزمه الكفارة]: ما قبل المبالغة العمد، فالتكفير في صورتين: العمد والغلبة، لا إن ابتلعه ناسياً.
قوله: [استياكاً بجوزاء]: أي وصل للجوف شيء من ذلك بعد تعمد الاستياك بها.
وحاصل الفقه: أنه إن تعمد الاستياك بها نهاراً كفر في صورتين وهما: إذ ابتلعها عمداً أو غلبة لا نسياناً وإن استاك بها نهاراً نسياناً ووصل شيء منها للجوف فلا يكفر إلا إذا ابتلعها عمداً - لا غلبة أو نسياناً - فالقضاء فقط، ومثله إذا تعمد الاستياك بها ليلاً، وهذا حاصل كلامه في الأصل تبعا ل (عب) قال (بن): وفيه نظر لأن الكفارة لم يذكرها التوضيح إلا عن ابن لبابة وهو قيدها بالاستعمال نهاراً لا ليلاً، وإلا فالقضاء فقط، وكذا نقله ابن غازي والمواق عن ابن الحاجب - كذا في حاشية الأصل، ولذلك شارحنا قيد بالنهار وقد استظهر في المجموع ما يوافق الأصل فتأمل.
قوله: [لأن ظنه استند إلى فطره أولاً ناسياً أو مكرهاً]: أي فالنسيان أو الإكراه شبهة لما في الحديث الشريف: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، فقد استند لأمر محقق وقد صرف اللفظ عن ظاهره، لأن أصل معنى اللفظ رفع إثم الجراءة، وجواز الأكل والشرب خلاف ظاهره.
قوله: [أو كمن قدم من سفره]: أي فقد استند إلى أمر موجود وهو قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله ﷺ : «ليس من البر الصيام في السفر» وهذا هو مستند من سافر دون القصر أيضاً، ومعلوم أن كلاً صرف اللفظ عن ظاهره.
قوله: [أو رأى شوالاً نهاراً]: وشبهته قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».
قوله: [فأصبح جنباً]: وشبهته ما ورد من النهي عن ذلك، ومذهب ابن عباس وأبي هريرة فساد الصوم بذلك.
قوله: [أو احتجم نهاراً] إلخ: مستنداً لحديث: "أفطر الحاجم والمحتجم".
قوله: [فظن عدم وجوب الإمساك]: وشبهته عدم العلم بالرؤية ليلاً، وفوات محل النية فهو أقوى شبهة ممن أفطر نسياناً.
قوله: [فظنوا الإباحة]: أي هؤلاء الثمانية والعدد ليس بحاصر، بل يقاس عليه كل ذي شبهة قوية، ومن ذلك فطر من لم يكذب العدلين بعد ثلاثين، فإن الشافعي يقول به، ومن تسحر بلصق الفجر فظن بطلان الصوم فأفطر.
قوله: [أو شكوا فيها]: إنما كانت الكفارة مع الشك لضعف الشبهة.
قوله: [كراء]: إنما كان تأويله بعيداً لمخالفته نص الآية والحديث، وهما قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» ولزوم الكفارة له مذهب ابن القاسم، وهو المشهور.
قوله: [فالكفارة ولو حصلا]: هذا هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: لا كفارة فيهما، ورآه من التأويل القريب.
قوله: [أو أفطر لغيبة]: وإنما لم تكن الآية والحديث الوارد في ذلك من الشبهة القوية فيكون تأويلاً قريباً لبعد حمل الأكل في الآية، والفطر في الحديث على المعنى الحقيقي.
قوله: [فقريب]: أي لاستناده [١].
стр. 250
إما (إطعام ستين مسكيناً) المراد به ما يشمل الفقير، (لكل مد) بمده ﷺ لا أكثر ولا أقل، وتقدم أن المد ملء اليدين المتوسطتين وهو الأفضل.
(أو صيام شهرين متتابعين) بالهلال إن ابتدأها أول شهر، فإن ابتدأها أثناء شهر صام الذي بعده بالهلال كاملاً أو ناقصاً، وكمل الأول من الثالث ثلاثين يوماً فإن أفطر في يوم عمداً بطل جميع ما صامه واستأنفه.
(أو عتق رقبة) ذكراً أو أنثى فيها شائبة حرية (مؤمنة) فلا تجزئ كافرة، (سالمة من العيب) كالظهار فلا تجزئ عوراء ولا بكماء ولا شلاء ولا نحو ذلك.
والتخيير [١] بين في الحر الرشيد، وأما العبد فإنما يكفر بالصوم إلا أن يأذن له سيده بالإطعام، وأما السفيه فيأمره وليه بالصوم، فإن لم يقدر كفر عنه وليه بأدنى النوعين.
(وكفر) السيد (عن أمته إن وطئها) ولو أطاعته.
(و) كفر الرجل (عن غيرها) أي غير أمته كزوجة أو امرأة زنى بها (إن أكرهها لنفسه)، لا إن أطاعته ولا إن أكرهها لغيره، فعليها إن طاوعت لا إن أكرهت
(نيابة) عنهما فيكون التكفير عنهما (بلا صوم)، إذ الصوم عمل بدني لا يقبل النيابة، (وبلا عتق في الأمة) الموطوءة إذ لا يصح منها العتق حتى ينوب عنها فيه، فيتعين الإطعام فيها، وجاز العتق عن الحرة كالإطعام.
ثم شرع في بيان ما لا قضاء فيه مما قد يتوهم فيه القضاء، فقال:
(ولا قضاء بخروج قيء غلبة) إذا لم يزدرد منه شيئاً ولو كثر، بخلاف خروجه باختياره فيقضي كما تقدم.
(أو غالب ذباب): عطف على خروج، (أو) غالب (غبار طريق، أو) غالب (كدقيق) نحو جبس لصانعه، (أو) غبار (كيل لصانعه) من طحان وناخل ومغربل وحامل - بخلاف غير الصانع فعليه القضاء - ومن الصانع من يتولى أمور نفسه من هذه الأشياء، أو من حفر أرض لحاجة كقبر أو نقل تراب لغرض.
ــ
لظاهر الآية والحديث كما تقدم.
قوله: [إما إطعام ستين مسكيناً]: مراده التمليك سواء أكله أو باعه.
قوله: [المراد به ما يشمل الفقير]: أي لما تقدم لنا من أنهما إذا افترقا اجتمعا.
قوله: [لكل مد]: أي ولا يجزئ غداء وعشاء خلافاً لأشهب، وتعددت بتعدد الأيام لا في اليوم الواحد، ولو حصل الموجب الثاني بعد الإخراج، أو كان الموجب الثاني من غير جنس الأول.
قوله: [وهو الأفضل]: أي ولو للخليفة خلافاً لما أفتى به يحيى بن يحيى أمير الأندلس عبد الرحمن من تكفيره بالصوم بحضرة العلماء، فقيل له في ذلك؟ فقال: لئلا يتساهل فيعود ثانياً، وإنما كان الإطعام أفضل لأنه أكثر نفعاً لتعديه لأفراد كثيرة، والظاهر أن العتق أفضل من الصوم لأن نفعه متعد للغير.
قوله: [فإن أفطر في يوم عمداً]: أي لا غلبة أو نسياناً فلا يبطل ما صامه بل يبني.
قوله: [كالظهار]: أحال عليه وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في المذهب.
قوله: [والتخيير بين]: أي في الأنواع الثلاثة فأو في كلام المصنف للتخيير، وقد جمع بعضهم أنواع الكفارات بقوله:
ظهاراً وقتلاً رتبوا وتمتعا ... كما خيروا في الصوم والصيد والأذى
وفي حلف بالله خير ورتبن ... فدونك سبعاً إن حفظت فحبذا
قوله: [إلا أن يأذن له سيده بالإطعام]: أي فيجزئه بخلاف العتق فلا يجزئه ولو أذن له سيده.
قوله: [بأدنى النوعين]: المراد كفر عنه بأقلهما قيمة، فإذا كانت قيمة الرقيق أقل كفر عنه بالعتق، وإن كانت قيمة الطعام أقل كفر عنه بالإطعام، وقال عبد الحق يحتمل بقاؤهما في ذمته إن أبى الصوم، قال في التوضيح: وهذا أبين وهو يفيد أنه لا يجبره على الصوم.
قوله: [ولو أطاعته]: أي لأن طوعها إكراه وهذا ما لم تطلبه ولو حكماً بأن تتزين له فتلزمها وتصوم ما لم يؤذن لها في الإطعام.
قوله: [إن أكرهها لنفسه]: والإكراه يكون بخوف مؤلم كضرب فأعلى كإكراه الطلاق فقد ذكر (ر) أن الإكراه في العبادات يكون بما ذكر، كذا في حاشية الأصل نقلاً عن (بن)، ومحل تكفيره عنها إن كانت بالغة مسلمة عاقلة وإلا فلا.
قوله: [فعليها إن طاوعت لا إن أكرهت]: لعل صوابه فعليه إن طاوع لا إن أكره أي فكفارة المرأة على الشخص الذي أكرهت له إن طاوع هو بالجماع، لا إن أكره أيضاً، فكفارة المرأة على المكره لها ولا كفارة على من أكره الرجل نظراً لانتشاره، ولا على المكره بالفتح نظراً للإكراه، وفي (بن) عن ابن عرفة: لا كفارة على مكره على أكل أو شرب أو امرأة على وطء. فانظره كذا في المجموع.
قوله: [إذ لا يصح منها العتق]: أي لأن الرقيق لا يحرر غيره.
تنبيه: إن أكره العبد زوجته فجناية وليس لها حينئذ أن تكفر بالصوم، وتأخذه وأيضاً إنما تكفر نيابة عن العبد في الكفارة وهو لا يكفر عنها بالصوم، فإن أكره الرجل زوجته على مقدمات الجماع حتى أنزلت ففي تكفيره عنها قولان.
قوله: [بخروج قيء]: وأولى القلس.
قوله: [فيقضي كما تقدم]: أي ولا كفارة عليه ما لم يزدرد منه شيئاً عمداً أو غلبة.
قوله: [لصانعه]: راجع لما بعد الكاف، واغتفر للصانع للضرورة وهو المعتمد، وقال بعضهم: لا يغتفر. وأما غير الصانع فلا يغتفر اتفاقاً إن تعرض له.