ولتنزيل الإشهاد منزلة الحيازة (أو اشتراه) الأب (لها ووضعه عند) غيره (كأمها)، أو عندها هي فإنها تختص به، إن سماه لها وأقرت الورثة بالتسمية لها، أو شهدت البينة بالتسمية وإن لم يشهد على أنه لها.
(وإن وهبت له) أي للزوج (الصداق) مفعول مقدم (قبل قبضه) من الزوج (رشيدة) فاعل مؤخر وقبل البناء، (أو) وهبت له (ما) أي مالاً (يصدقها به) قبل العقد أو بعده قبل البناء (جبر) في المسألتين (على دفع أقله) ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته ذلك لئلا يخلو النكاح من صداق، أما في الأولى فظاهر، وأما في الثانية فيدفع لها ما وهبته له ويزيد عليه ربع دينار، وقوله: "قبل قبضه"، وكذا بعده؛ فلا مفهوم له، ولو قال: بدله قبل البناء، كان أتم وأظن أنه سبقني القلم فيه؛ أردت كتابة: البناء فسبقني إلى كتابة: قبضه، وما منعني من إصلاحها إلا كثرة النسخ فلو وهبت بعضه نظر للباقي، فإن كان ربع دينار فأكثر صح، وإن كان أقل جبر على إتمامه، فلو طلق قبل البناء فلا شيء عليه في المسألتين وأخذت جميع ما وهبته في الثانية إذا لم يدفع لها أقل الصداق وإلا تشطر.
(وجاز بعد البناء) أن تهبه جميع الصداق الذي تقرر به النكاح لأنها ملكته وتقرر بالوطء، سواء قبضته منه أم لم تقبضه قال تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ [النساء: ٤].
(وإن وهبته) أي الصداق بعد البناء أو ما عدا أقله قبله، (أو أعطته) الرشيدة (مالاً) من عندها (لدوام العشرة) أي استمرارها معه، (أو حسنها) أي لأجل حسن عشرته معها، (ففسخ) النكاح لفساده، (أو طلق عن قرب رجعت) عليه بما وهبته من الصداق وبما أعطته من مالها لعدم تمام غرضها، وقوله: "عن قرب مفهومه" أنه لو تباعد الطلاق لم ترجع ذكر هذا التفصيل اللخمي وابن رشد وهو فيما إذا أسقطته من مهرها، أو أعطته مالاً على أن يمسكها أو لا يتزوج أو لا يتسرى عليها أو نحو ذلك، ففارق أو طلق، وأما لو تسرّى أو تزوج عليها فلها الرجوع، سواء كان ذلك بالقرب أو بالبعد.
(ورجعت) الزوجة على زوجها (بما أنفقت على) حيوان جعل صداقاً لها (كعبد، أو) أنفقت على (ثمرة) أصدقها لها (إن فسخ) النكاح (قبله) أي البناء، (و) رجعت (بنصفه) أي نصف ما أنفقت (إن طلق قبله) في النكاح الصحيح.
(وإن أعطته سفيهة ما ينكحها به) فتزوجها به (ثبت النكاح) فلا سبيل إلى فسخه، (وأعطاها) من خالص ماله جبراً عليه (مثله): أي مثل ما أعطته، إن كان مثل مهرها فأكثر، فإن كان أقل من مهر مثلها أعطاها من ماله قدر مهر مثلها.
ثم شرع في بيان من يتولى قبض المهر وما يترتب على ذلك فقال: (وقبضه) أي المهر (مجبر) أب أو وصيه أو سيد (أو ولي سفيهة) إن كان أو حاكم أو مقدمه من عاصب أو غيره.
ــ
على مهرها ملك لها.
قوله: [ولتنزيل الإشهاد] إلخ: عطف علة على معلول.
قوله: [وإن لم يشهد على أنه لها]: أي لأن حيازة كالأم لها تغني عن الإشهاد.
قوله: [فلا مفهوم له]: أي خلافاً لمن زعم اعتبار المفهوم، وجعل القبض قبل البناء مثل القبض بعده في كونه لا يجبر على دفع أقله.
قوله: [جبر على إتمامه]: أي إن أراد الدخول بدليل ما بعده.
قوله: [وأخذت جميع ما وهبته في الثانية]: أي لأنها عطية معلقة على كونها صداقاً ولم يتم فلها الرجوع فيها ككل عطية معلقة على شيء لم يتم.
قوله: [وإلا تشطر]: أي الذي دفعه من عنده.
قوله: [أو طلق عن قرب]: أي بأن كانت المفارقة قبل تمام سنتين، وأما لو كانت بعد سنتين فأكثر فلا رجوع.
قوله: [فلها الرجوع] إلخ: أي وقد صرح بذلك اللخمي أيضاً وهو ظاهر كلام المتيطي وابن فتحون.
قوله: [ورجعت بنصفه]: أي إن كان الإنفاق منها، وأما لو كان الإنفاق من الزوج فيرجع بنصف ما أنفق عليها حيث طلق قبل الدخول.
تنبيه: إن وهبت الرشيدة صداقها لأجنبي وقبضه منها أو من الزوج، ثم طلق الزوج قبل البناء اتبعها بنصفه ولم ترجع الزوجة على الموهوب له بما غرمته للزوج، إذا لم تبين أن الموهوب صداق أو يعلم هو بذلك، وإلا رجعت عليه بما غرمته للزوج، وأما النصف الذي ملكته بالطلاق فلا ترجع به وهذا إذا كان الثلث يحمل جميع ما وهبته وإلا بطل جميعه، إلا أن يجيزه الزوج وإن لم يقبضه الموهوب له وطلقت قبل البناء أجبرت على إمضاء الهبة للموهوب له كانت يوم الهبة أو الطلاق معسرة أو موسرة، ويرجع الزوج عليها بنصف الصداق في مالها انظر الأصل
قوله: [أو حاكم]: أي إن لم يكن للسفيهة ولي ولا مجبر فلا يقبض صداقها إلا الحاكم، فإن شاء قبضه واشترى لها به جهازاً وإن شاء عين لها من يقبضه ويصرفه فيما يأمره به مما يجب لها، فإن لم يكن حاكم أو لم يمكن الرفع إليه أو خيف على الصداق منه حضر الزوج والولي والشهود فيشترون لها بصداقها جهازاً، ويدخلونه في بيت البناء كما ذكره المتيطي وابن الحاج في نوازله عازياً ذلك لمالك نقله محشي الأصل عن (بن).
стр. 422
(وَصُدِّقَا في ضياعه) بلا تفريط (بيمين) ومصيبته على الزوجة، فلا رجوع لها على ولي ولا زوج، فإن طلقها قبل البناء وهو مما يغلب [١] عليه ولم تقم على هلاكه بينة رجع عليها إن أيسرت يوم الدفع لوليها، وإلا فلا رجوع له ولو أيسرت بعد.
(وإنما يبريهما): أي المجبر وولي السفيهة من مقبوض الصداق أحد أمور ثلاثة: (شراء جهاز) يصلح لها (تشهد بينة بدفعه لها)، أي: للزوجة، ومعاينة قبضها له، (أو إحضاره بيت البناء) وتشهد البينة بحضوره فيه، (أو توجهه إليه): أي إلى بيت البناء وإن لم تشهد بوصوله إليه فلا تسمع حينئذ دعوى الزوج أنه لم يصل، فعلم أنه لا يبرئ من له قبضه دفعه عيناً للزوجة ولا مجرد دعوى أنه دفع لها الجهاز، أو أنه وصل لبيت البناء.
(وإلا) يكن مجبر ولا ولي سفيهة من حاكم أو مقدم عليها منه، (فالمرأة) الرشيدة هي التي تقبضه لا من يتولى عقدها إلا بتوكيل منها في قبضه، فإن ادعت ضياعه بلا تفريط صدقت بيمين ولا يلزمها تجهيز.
(فإن قبضه غيرهم) أي غير المجبر وولي السفيهة والمرأة الرشيدة (بلا توكيل) ممن له القبض، فضاع ولو ببينة من غير تفريط كان ضامناً له لتعديه بقبضه، و (اتبعته) الزوجة (أو) اتبعت (الزوج) لتعديه بدفعه لغير من له قبضه، فإن دفعه لها القابض فلا شيء على الزوج وإن دفعه لها الزوج رجع به على القابض فقرار الغرم عليه.
(وأجرة الحمل) أي حمل الجهاز من بيت الزوجة إلى بيت الزوج (عليها) أي على الزوجة، (إلا لشرط أو عرف) فيعمل به.
(ولو قال من له القبض) من مجبر أو امرأة (بعد الإقرار به) أي بالقبض في مجلس العقد أو غيره (لم أقبضه)، وإنما قلت ذلك لتوثقي بالزوج وظني فيه الخير، (لم يفده) لأن المكلف يؤخذ بإقراره، (وله تحليف الزوج) على أنه قد أقبضه للمجبر أو من معه إن كان الأمر قريباً، (في كعشرة أيام) من يوم الإقرار بالقبض، وأدخلت الكاف الخمسة الأيام، فإن زاد الزمن على نصف شهر فليس له تحليفه.
(وجاز عفو المجبر) دون غيره من الأولياء (عن نصف الصداق) الذي ترتب لمجبرته في ذمة الزوج، (بعد الطلاق قبل البناء، لا) يجوز العفو (قبله): أي قبل الطلاق، قاله الإمام وقال ابن القاسم: (إلا لمصلحة) تقتضي العفو قبله فيجوز.
فصل في خيار أحد الزوجين إذا وجد عيباً بصاحبه؛
ــ
قوله: [وصدقا في ضياعه بلا تفريط]: أي كما هو قول مالك وابن القاسم
قوله: [وإنما يبريهما]: أي بالنسبة لدفع الصداق لها فلا ينافي ما تقدم من أنهما إذا ادعيا تلفه أو ضياعه صدقا بيمين، ولذلك قال ابن عرفة نقلاً عن ابن حبيب: للزوج سؤال الولي فيما صرف نقده فيه من الجهاز وعلى الولي تفسير ذلك وحلفه إن اتهمه.
قوله: [بدفعه لها]: أي في بيت البناء أو غيره.
قوله: [ومعاينة قبضه]: عطف تفسير.
قوله: [ولا يلزمها تجهيز]: أي بغيره فتصديقها بالنظر لعدم لزوم التجهيز ببدله، وأما بالنظر لرجوع الزوج عليها بنصفه إذا طلق قبل البناء فلا تصدق فيما يغلب عليه إن لم تقم على هلاكه بينة وإلا كان الضمان منهما.
قوله: [وله تحليف الزوج] إلخ: فإن نكل الزوج ردت اليمين على الولي إن كانت دعوى تحقيق، فإن نكل الولي أيضاً فلا رجوع له، وإن حلف أخذه من الزوج، وإن كانت دعوى اتهام غرم الزوج بمجرد النكول على القاعدة.
قوله: [وجاز عفو المجبر]: أي سواء كانت المجبرة بكراً أو ثيباً صغرت، كما يشير لذلك تعميم المصنف فهو أشمل من قول خليل: "عفو أبي البكر"، وظاهر المصنف شمول الوصي المجبر وليس كذلك، بل المراد منه خصوص الأب دون غيره وكان وصياً مجبراً، وخص الأب بذلك لشدة شفقته فلا تهمة، ولو قال المصنف: وجاز عفو أب مجبر لكان جامعاً مانعاً.
قوله: [عن نصف الصداق]: أي وأولى عن أقل منه.
قوله: [قبل البناء]: أي لا بعده فلا يجوز للولي أن يعفو عن شيء من الصداق إن رشدت، بل وإن كانت سفيهة أو صغيرة خلافاً للخرشي و (عب)، حيث قالا له العفو إن كانت سفيهة أو صغيرة إذا الحق أنه لا عفو بعد الدخول سواء كانت رشيدة أو لا، ففي سماع محمد بن خالد أن الصغيرة إذا دخل بها الزوج وافتضها، ثم طلقها قبل البلوغ أنه لا يجوز العفو عن شيء من الصداق، لا من الأب ولا منها، قال ابن رشد وهو كما قال لأنه إذا دخل بها الزوج وافتضها، فقد وجب لها جميع صداقها بالمسيس، وليس للأب أن يضع حقاً قد وجب لها إلا في الموضع الذي أذن له فيه، وهو قبل المسيس لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٧]، الآية اهـ من حاشية الأصل، وقد يقال كلام الخرشي و (عب)، يحمل على ما إذا كانت المصلحة في الفوات ارتكاباً لأخف الضررين، وسيأتي بيان ذلك في باب الخلع إن شاء الله تعالى.
فصل في خيار أحد الزوجين
لما استوفى الكلام على الأركان والشروط، وكان حصول الخيار لأحد الزوجين في صاحبه عيباً يثبت بعد استيفاء الأركان والشروط ذكره هنا بعد تمام الكلام عليها، وهذا حسن صنيع منه ﵁.
стр. 423
وبيان العيوب التي توجب الخيار في الرد
(الخيار) مبتدأ (للزوجين) أي: لأحدهما متعلق به، وخبره قوله: "ببرص" إلخ: أي يثبت بسبب وجود عيب بصاحبه.
(إذا لم يسبق علم) بالعيب قبل العقد، فإن علم بالعيب قبل العقد فلا خيار له، (ولم يرض) بالعيب حال اطلاعه عليه، فإن رضي به صريحاً أو ضمناً بأن تلذذ بصاحبه بعد اطلاعه على العيب فلا خيار له.
(و) لو ادعى عليه العلم قبل العقد أو الرضا به بعده (حلف على نفيه)، فإن حلف أنه لم يعلم أو لم يرض صدق بيمينه وثبت له الخيار، وإن نكل حلف المدعي على طبق دعواه وانتفى الخيار.
واعلم أن من وجد بصاحبه عيباً لم يعلم به ولم يرض فله الخيار، ولو كان هو معيباً، لكن إن كان معيباً بغير ما قام به فظاهر وإن كان معيباً بمثله -كجذام وجذام- فقال اللخمي: إن كانا من جنس واحد، فإن له القيام دونها لأنه بذل صداقاً لسالمة فوجد ما يكون صداقها دون ذلك. اهـ. وهو دقيق (ببرص) أي: ثابت بسبب وجود برص وما عطف عليه.
وحاصله أن العيوب ثلاثة عشر عيباً، يشتركان في أربعة: الجنون، والجذام، والبرص، والعذيطة، ويختص الرجل بأربعة: الخصاء، والجب، والعنة، والاعتراض، وتختص المرأة بخمسة: الرتق، والقرن، والفعل [١]، والإفضاء، والبخر، فما كان مشتركاً بينهما أطلقه بعد قوله: "للزوجين"، وما كان مختصاً به أضافه لضميره بعد قوله: "ولها"، وما كان مختصاً بها أضافه لضميرها بعد قوله: "وله".
فقال: الخيار للزوجين ببرص لا فرق بين أبيضه وأسوده؛ الأردأ من الأبيض، لأنه مقدمة الجذام، وعلامة الأسود التقشير والتفليس، أي يكون له قشر مدور يشبه الفلوس ويشبه قشر بعض السمك، ولا فرق بين قليله وكثيره اتفاقاً في المرأة، وعلى أحد القولين في يسير الرجل.
(وعذيطة): بفتح العين أو كسرها، وسكون الذال المعجمة، وفتح المثناة التحتية، فطاء مهملة: خروج الغائط عند الجماع، ويقال للمرأة عذيوطة وهي التي تحدث عند الجماع والرجل عذيوط، ومثل الغائط البول عند الجماع؛ لا في الفرش ولا في الريح.
(وجذام) محقق ولو قل لا مشكوك فيه.
(وجنون) بطبع أو صرع أو وسواس، (وإن) وقع (مرة في الشهر) لنفور النفس منه.
(ولها) أي للزوجة الخيار (بخصائه): قطع الذكر دون الأنثيين، وأما قطع الأنثيين دون الذكر
ــ
قوله: [وبيان العيوب التي توجب الخيار]: أي: بغير شرط أو به.
قوله: [صريحاً]: أي بأن كان الرضا بالقول كرضيت، وقوله: [بأن تلذذ بصاحبه) تصوير للضمني.
قوله: [حلف على نفيه] إلخ: صورتها أنه إذا أراد أحد الزوجين أن يرد صاحبه بالعيب الذي وجده به، فقال المعيب للسليم: أنت علمت بالعيب قبل العقد ودخلت عليه، أو علمت به في العقد ورضيت به، والحال أنه لا بينة لذلك المدعي بما ادعاه، وأنكر المدعى عليه الرضا، أو العلم وأراد المدعى عليه أن يحلفه على نفي العلم، أو الرضا فإنه يلزمه أن يحلف ويثبت له الخيار، ومحل كلام المصنف إذا لم يكن العيب ظاهراً أو يدعي علمه به بعد البناء، أو يطل الأمر كشهر، وإلا فالقول قول المعيب بيمينه.
قوله: [وإن نكل حلف المدعي] إلخ: هذا إذا كانت دعواه عليه دعوى تحقيق، أما إذا كانت دعوى اتهام فإنه يسقط خياره بمجرد النكول على القاعدة.
قوله: [فقال اللخمي]: ونصه وإن اطلع كل واحد من الزوجين على عيب في صاحبه مخالف لعيبه، بأن تبين أن بها جنوناً، وبه هو جذام أو برص، كان لكل واحد منهما القيام، وأما إن كانا من جنس واحد كجذام أو برص، أو جنون صرع، فإن له القيام دونها لأنه بذل الصداق لسالمة فوجدها ممن يكون صداقها أقل اهـ. ولكن المأخوذ من الحاشية استظهار أن لكل القيام مطلقاً كان من جنس الآخر أم لا كما صرح به الرجراجي و (ح) وظاهر إطلاق ابن عرفة لأن المدرك الضرر واجتماع المرض على المرض يورث زيادة.
قوله: [وحاصله أن العيوب] إلخ: أي التي يرد فيها بغير شرط، وأما التي يرد فيها بالشرط فهي كثيرة وسيأتي بعضها.
قوله: [وعلى أحد القولين في يسير الرجل]: هذا كله في برص قديم قبل العقد، وأما الحادث بعده فلا رد باليسير اتفاقاً، وفي الكثير خلاف وهذا فيما حدث بالرجل، وأما بالمرأة فمصيبة نزلت به كما قال البدر القرافي وسيأتي.
قوله: [بفتح العين]: أي على أنه مصدر، وقوله: [أو كسرها] أي على أنه اسم لذي العيب والمناسب لعده من العيوب الفتح ولذلك قدمه.
قوله: [عذيوطة]: بكسر العين وكذا عذيوط.
قوله: [لا مشكوك]: أي بأن كان غير بين.
قوله: [وإن وقع مرة]: أي هذا إذا استغرق كل الأوقات أو غالبها، بل وإن حصل في كل شهر مرة ويفيق فيما سواها وظاهره إذا كان يأتي بعد كل شهرين فلا رد به. وليس كذلك، والظاهر أن هذا كناية عن القلة ومحل الرد بما ذكر إذا كان يحصل منه إضرار من ضرب أو إفساد شيء أما الذي يطرح بالأرض ويفيق من غير إضرار فلا رد به كذا قال بعضهم، ولكن ظاهر شارحنا الإطلاق.
стр. 424
فلا رد به إلا إذا كان لا يمني، ومثل قطع الذكر قطع الحشفة على الأرجح. (وجبه) قطع الثلاثة وهو أولى بالحكم مما قبله، والقصد النص على أعيان المسائل الواردة.
(وعنته) بضم العين المهملة: صغر الذكر جداً. (واعتراضه): عدم الانتشار (وله) أي للزوج الخيار (بقرنها) بفتح الراء المهملة مصدر بمعنى البروز، وأما بسكونها: فهو شيء يبرز في فرج المرأة يشبه قرن الشاة يكون لحماً غالباً فيمكن علاجه، وتارة يكون عظماً فلا يمكن علاجه (ورتقها) بفتح الراء المهملة والتاء الفوقية وهو انسداد مسلك الذكر بحيث لا يمكن الجماع معه إلا أنه إن انسد بلحم أمكن علاجه لا بعظم (وبخر فرجها) أي نتونته لأنه منفر جداً، بخلاف نتن الفم فلا رد به (وعفلها) بفتح المهملة والفاء: لحم يبرز في قبلها يشبه الأدرة ولا يخلو عن رشح، وقيل رغوة تحدث في الفرج عند الجماع (وإفضائها) وهو اختلاط مسلك البول والذكر.
ومحل الرد بهذه العيوب (إن كانت) أي وجدت: أي كانت موجودة (حال العقد)، ولم يعلم بها كما تقدم، وأما ما حدث منها بعد العقد، فإن كان بالزوجة فلا رد للزوج به وهو مصيبة نزلت به، وإن كان بالزوج فلها رده ببرص وجذام وجنون لشدة الإيذاء بها، وعدم الصبر عليها وإلى ذلك أشار بقوله: (ولها) أي للزوجة (فقط) دون الزوج (رد) لزوجها (بجذام بين) أي محقق ولو يسيراً لا مشكوك، (وبرص مضر) أي فاحش لا يسير (وجنون حدثت) هذه الأدواء الثلاثة بعد العقد، بل (وإن) حدثت بالزوج (بعد الدخول) لعدم صبرها عليها، وليست العصمة بيدها بخلاف الزوج ليس له رد بها إن حدثت بها بعد العقد، وهي مصيبة نزلت به، فإما أن يرضى، وإما أن يطلق، إذ العصمة بيده وقبل [١]: حدوث الجنون بالزوجة بعد العقد، كحدوثه بالزوج فله الخيار، ونقل عن أبي الحسن وذهب اللخمي والمتيطي إلى إلغاء ما حدث بعد الدخول، وذهب أشهب إلى إلغاء الحادث مطلقاً، والراجح ما ذكرناه، قال ابن عرفة: ما حدث بالمرأة بعد العقد نازلة بالزوج (لا) رد لزوجة (بكجبه) واعتراضه وخصائه إن حصل له بعد وطئها ولو مرة، وهي مصيبة نزلت بها، فإن لم يحصل وطء فلها القيام بحقها وفسخ النكاح.
ثم بين أنه لا يستعجل بالفسخ لمن أراد الرد منهما في الأدواء التي يرجى برؤها فقال: (وأجلا) أي: الزوجان؛ أي من قام به الداء منهما (فيها) أي في هذه الأدواء الثلاثة: الجنون والجذام والبرص (سنة) كاملة (للحر ونصفها للرق) للتداوي (إن رجي برؤها) وإلا فلا فائدة في التأجيل (ولها) أي للزوجة (فيه) أي في الأجل (النفقة) على زوجها دون أجرة الطبيب والدواء، أي إن دخل بها لا إن لم يدخل، قال ابن رشد: إذا لم يدخل المجنون فلا نفقة لزوجته في الأجل، ومثله الأبرص والمجذوم (ولا خيار بغيرها): أي بغير العيوب المتقدمة من سواد وقرع وعمى وعور وعرج وشلل، وقطع عضو، وكثرة أكل، ونحوها مما يعد في العرف عيباً، (إلا بشرط) فيعمل به وله الرد (ولو بوصف الولي) لها (عند الخطبة) بكسر الخاء كأن يقول هي سليمة العينين طويلة الشعر لا عيب بها، فتوجد بخلافه فله الرد لأن وصفه لها منزل منزلة الشرط، وكذا وصف غير كأمها بحضوره وهو ساكت (لا بخلف الظن) كالقرع من قوم ذوي شعور،
ــ
قوله: [فلا رد به]: أي ولا يضر عدم النسل كالعقم قوله: [صغر الذكر جداً] إلخ: مثل الصغر في كونه موجباً للرد الغلظ المانع من الإيلاج، وأما الطول فيلوى شيء على ما يستطيع إيلاجه من جهة عانته، ولا يرد الزوج بوجوده خنثى متضح الذكورة، كما في البدر القرافي و (ح)، وانظر السيد البليدي في وجود الزوجة خنثى متضحة الأنوثة.
قوله: [يشبه الأدرة] إلخ: اسم لنفخ الخصية. إن قلت إن عيوب الفرج إنما تدرك بالوطء وهو يدل على الرضا فينتفي الخيار. أجيب بأن الدال على الرضا هو الوطء الحاصل بعد العلم بموجب الخيار لا الحاصل قبله أو به قوله: [وهو اختلاط مسلك البول]: أي أولى مسلك البول مع الغائط
قوله: [بل وإن حدثت بالزوج بعد الدخول]: أي كما قاله أبو القاسم الجزيري في مسائله، فالحادث عنده بعد البناء كالحادث قبله بعد العقد في التفصيل المذكور، وهو أن الجذام إذا كان محققاً رد به قل أو كثر، والبرص يرد به بشرط أن يكون فاحشاً لا يسيراً.
قوله: [وليست العصمة بيدها]: هذا روح الفرق بينها وبينه.
قوله: [والراجح ما ذكرناه]: أي الذي هو كلام أبي القاسم الجزيري والقرافي.
قوله: [وأجلا] إلخ: اعلم أن الأدواء المشتركة والمختصة بالرجل إذا رجي برؤها فإنه يؤجل فيها الحر سنة والعبد نصفها وأما الأدواء المختصة بالمرأة فالتأجيل فيها إن رجي البرء بالاجتهاد.
قوله: [أي في هذه الأدواء الثلاثة]: قد علمت أنه لا مفهوم لها بل باقي المشتركة كذلك حيث رجي برء الداء.
فائدة: قال المؤلف في تقريره نقلاً عن بعضهم: إذا نقعت الحناء في ماء سبعة أيام وسقي رائق مائها للمجذوم، فإن لم يبرأ فلا دواء له قوله: [ونصفها للرق]: أي على مشهور المذهب، وسيأتي
стр. 425
(والثيوبة) مع ظنها بكراً، (والسواد من بيض) فلا رد به (ونتن فم) لا رد به لأن المراد بالبخر نتن الفرج كما تقدم (إلا أن يجده الحر) منهما أي يجد صاحبه (رقيقاً)، بأن يتزوج الحر امرأة يظنها حرة فيجدهاً رقيقا أو تتزوج الحرة رجلاً فتجده عبداً فللحر الخيار في رد صاحبه، لأن الرقيق ليس بكفء للحر.
(وأجل المعترض) بفتح الراء من اتصف بالاعتراض أي عدم انتشار الذكر (الحر سنة) إذا كان لها خيار بأن لم يسبق له فيها وطء ولو مرة، وإلا فلا خيار لها.
(و) أجل (العبد) المعترض (نصفها) أي نصف سنة على النصف من الحر وهو قول مالك وبه الحكم، ونقل عنه أيضاً أنه يؤجل سنة كالحر وهو قول جمهور الفقهاء، قال اللخمي: وهو أبين لأن السنة جعلت ليختبر في الفصول الأربعة فقد ينفع الدواء في فصل دون فصل وهذا يستوي فيه الحر والعبد. اهـ. ومثله يجرى في الأبرص والأجذم والمجنون (من يوم الحكم) لا من يوم الرفع لأنه قد يتقدم على يوم الحكم (بعد الصحة) من المرض (إن كان مريضاً) بمرض غير الاعتراض.
(ولها النفقة) على زوجها في السنة أو نصفها خلافاً لاستظهار الشيخ.
(وصدق) الزوج (إن ادعى الوطء فيه): أي في الأجل (بيمين، فإن نكل) عن اليمين (حلفت) الزوجة أنه لم يطأ، وفرق بينهما قبل تمام السنة إن [١] شاءت (وإلا) تحلف بأن نكلت كما نكل، (بقيت) إلى تمام الأجل.
(وإن لم يدعه): أي الوطء بعد الأجل (طلقها) زوجها (إن طلبته): أي الطلاق، أي أمره الحاكم بطلاقها، فإن طلق فواضح.
(وإلا) يطلقها، وامتنع (فهل يطلق الحاكم؟ ) بأن يقول: طلقتها عليك، أو هي طالق منك أو نحو ذلك -وهو المشهور، فالأولى الاقتصار عليه (أو يأمرها) الحاكم (به) أي بإيقاع الطلاق؛ بأن تقول: طلقت نفسي منه أو نحوه، (ثم يحكم) به الحاكم؟ ونقل عن ابن القاسم (قولان): قال بعضهم: أي يشهد به، قال ابن عات: وليس المراد ما يتبادر منه من الحكم، بل المراد أن يقول لها الحاكم بعد تمام نظره مما يجب: طلقي نفسك إن شئت وإن شئت التربص عليه، فإن طلقت نفسها أشهد على ذلك. اهـ. ذكره المحشي (ولها) أي لزوجة المعترض (الفراق بعد الرضا بمدة): أي بإقامتها معه مدة عينتها، كقولها: رضيت بالمقام معه سنة أيضاً أو سنتين، قال بعضهم: والظاهر أن هذا ليس بشرط وإن كان ظاهر كلام ابن القاسم، بل لو قالت: رضيت بالمقام معه، ثم أرادت الفراق فلها ذلك، (بلا ضرب أجل) ثان لأنه قد ضرب أولاً، وهذا كالمستثنى من قولهم أول الفصل ولم يرض (ولها الصداق) كاملاً (بعده): أي بعد الأجل لأنها مكنت من نفسها وطال مقامها معه
ــ
مقابله للخمي أنه كالحر.
قوله: [والثيوبة]: حاصله أن من تزوج امرأة يظنها بكراً فوجدها ثيباً، فإن لم يكن شرط فلا رد مطلقاً علم الولي بثيوبتها أم لا، وإن شرط العذارة فله الرد مطلقاً أو البكارة وكان زوالها بنكاح، وإن شرط البكارة وكان زوالها بوثبة أو زنا، فإن علم الولي وكتم على الزوج كان له الرد، وإن لم يعلم الولي ففيه تردد قوله: [لأن الرقيق ليس بكفء للحر]: أي على المعول عليه كما تقدم، بخلاف العبد مع الأمة يظن أحدهما حرية الآخر، والمسلم مع النصرانية يظنها مسلمة فتبين خلاف ظنه فلا خيار لاستوائهما رقاً وحرية، إلا أن يغر
بأن يقول الرقيق: أنا حر، والنصرانية، أنا مسلمة، وعكسه، ولا يكون بذلك مرتداً فالخيار في الأربع صور.
قوله: [بفتح الراء]: أي على أنه اسم مفعول، ومعنى اتصافه بالاعتراض قيام مانع الوطء به، وإنما يكون لعارض كسحر أو خوف أو مرض.
قوله: [بأن لم يسبق له فيها وطء]: أي سواء كان اعتراضه قديماً أو حادثاً.
قوله: [وإلا فلا خيار لها]: أي ما لم يدخله على نفسه كمن فعل بنفسه فعلاً منع به الانتشار كذا قاله بعض الأشياخ.
قوله: [قال اللخمي وهو أبين]: لكن أيد في المجموع الأول بقوله: هكذا الفقه، وإن كانت حكمة الفصول تقتضي المساواة.
قوله: [بعد الصحة]: أي كما قال ابن رشد حيث كان المرض شديداً، وأما إن مرض بعد الحكم جميع السنة أو بعضها كأن يقدر، في مرضه هذا على علاج أو لا فلا يزاد عليها، بل يطلق عليه.
قوله: [ولها النفقة على زوجها]: أي لأنها في نظير الاستمتاع وهي ممكنة له في ذلك فتدبر.
قوله: [وفرق بينهما قبل تمام السنة]: هذا مذهب المدونة وهو المعتمد، خلافاً لما في الموازية من أنه إذا نكل يبقى لتمام السنة، ثم يطلب بالحلف ولا يكون نكوله أولاً مانعاً من حلفه عند تمام السنة، فإن نكل فرق بينهما.
قوله: [وإن لم يدعه]: أي بأن وافقها على عدمه أو سكت ولم يدع وطئا ولا عدمه.
قوله: [أي لزوجة المعترض الفراق]: حاصله أنها إذا رضيت بعد مضي السنة التي ضربت لها بالإقامة مدة لتتروى وتنظر في أمرها، أو رضيت رضاً مطلقاً من غير تحديد بمدة، ثم رجعت عن ذلك الرضا فلها ذلك، ولا تحتاج إلى ضرب أجل ثان، لأن الأجل قد ضرب أولاً، بخلاف ما لو رضيت ابتداء بالإقامة معه لتتروى في أمرها بلا ضرب أجل، ثم قامت فلا بد من ضرب الأجل وهذا كله في زوجة المعترض كما علمت، وأما زوجة المجذوم إذا طلبت فراقه فأجل لرجاء برئه وبعد انقضاء الأجل رضيت بالمقام معه، ثم أرادت الرجوع فإن قيدت رضاها بالمقام معه أجلاً لتتروى كان لها الفراق من غير ضرب أجل ثان، وإن لم تقيد بل رضيت بالمقام معه أبداً ثم أرادت الفراق
стр. 426
وتلذذ بها، فإن طلق قبل السنة فلها نصفه، قال الحطاب: إذا لم يطل مقامها معه فإن طال فلها الصداق، وإذا كان لها النصف تعاض المتلذذ بها.
(كطلاق المجبوب والعنين اختياراً بعد الدخول): فيه الصداق كاملاً، فلو طلق عليهما لعيبهما فسيأتي.
(وأجلت الرتقاء للدواء) حيث رجي زواله بالدواء (بالاجتهاد) بلا تحديد بل بما يقوله أهل المعرفة بالطب، (ولا تجبر) الزوجة (عليه) أي على التداوي (إن كان) الرتق (خلقة) أي من أصل الخلقة، لا إن كان بعمل كما يقع لبعض السودان حين الخفاض من التحام الشفرين فتجبر (وجس على ثوب منكر الجب ونحوه) كخصاء وعنة (بظاهر اليد) لأنه أخف من باطنها، ولا يجوز النظر إليه.
(وصدقا): أي الزوجان (في نفي داء الفرج): كالاعتراض والبرص والجذام القائم به إن ادعاه الآخر (بيمين)، ولا يجوز نظر النساء لها، كما لا يجوز نظر الرجال له.
(وصدقت في بكارتها و) صدقت في (حدوثه) أي العيب (بعد العقد) إذا ادعته وادعى هو أنه قديم، وتحلف إن كانت رشيدة (وحلف أبوها إن كانت سفيهة أو صغيرة)، قال ابن رشد: والأخ كالأب بخلاف غيرهما من الأولياء فلا يمين عليهم، بل اليمين عليها أي السفيهة ويصبر لبلوغ الصغيرة.
(ولا ينظرها النساء) إذا كان العيب بالفرج كالبكارة خلافاً لسحنون.
(وإن شهدت له امرأتان قبلتا)، ولا يكون نظرهما لفرجها جرحة نظراً لقول سحنون.
ولما فرغ من الكلام على بيان العيوب وما يوجب الرد وما لا يوجبه شرع في الكلام على ما يترتب على الرد قبل البناء وبعده من الصداق فقال: (ولا صداق في الرد قبل البناء) ولو وقع بلفظ الطلاق، لأن العيب إذا كان به فقد اختارت فراقه قبل استيفاء سلعتها، وإن كان بها فغارة مدلسة.
(وإن ردته) الزوجة (بعده) أي البناء لعيبه (فلها المسمى) لتدليسه.
(وإن ردها) الزوج بعده لعيبها (رجع به) الزوج
ــ
فقال ابن القاسم: ليس لها ذلك إلا أن يزيد الجذام، وقال أشهب: لها ذلك وإن لم يزد، وحكى في البيان قولاً ثالثاً ليس لها ذلك، وإن زاد قال (بن): وقول ابن القاسم هو الموافق لتقييد الخيار فيما سبق بعدم الرضا.
قوله: [وتلذذ بها]: أي بالمقدمات.
قوله: [فإن طلق قبل السنة] إلخ: أي بغير اختياره، وأما إن طلق باختياره فعليه الصداق كاملاً بمجرد الدخول أولى من المجبوب والعنين والخصي.
قوله: [تعاض المتلذذ بها]: أي زيادة على النصف بما يراه الحاكم أو جماعة المسلمين إن لم يكن حاكم.
قوله: [فلو طلق عليهما لعيبهما فسيأتي]: لم يأت له ذلك في هذا الشرح، وإنما ذكره في الأصل.
وحاصل فقه المسألة أن المرأة إذا ردت زوجها بعد الدخول بسبب عيبه يجب لها المسمى إذا كان يتصور وطؤه كمجنون ومجذوم وأبرص، فإن كان لا يتصور وطؤه كالمجبوب والعنين والخصي مقطوع الذكر، فإنه لا مهر لها على من ذكر كما قال ابن عرفة، فقد علمت أن العنين والمجبوب والخصي مقطوع الذكر إذا طلقوا بعد الدخول باختيارهم عليهم الصداق كاملاً، وإن ردوا بعيبهم لا شيء عليهم.
قوله: [وأجلت الرتقاء] إلخ: لا مفهوم له، بل جميع الأدواء المختصة بالمرأة إن رجي برؤها كذلك.
قوله: [بلا تحديد]: هذا هو المشهور، وقيل يضرب لها شهران.
قوله: [إن كان الرتق خلقة]: أي سواء كان يحصل بعده عيب في الإصابة أم لا، وهذا إن طلبه الزوج وامتنعت، وأما إن طلبته هي وأبى الزوج، والفرض أنه خلقة فإنها تجاب لذلك، ولا كلام للزوج إذا كان لا يحصل بعده عيب وإلا فلا بد من رضاه.
قوله: [وجس على ثوب منكر الجب] إلخ: أي، وأما منكر الاعتراض بأن ادعت على زوجها أنه معترض وأكذبها، فإنه لا يعلم الجس، وحينئذ فيصدق في نفيه بيمين لأن إنعاظه ويجس عليه لا يحصل من ذوي المروءات فلا يلزم به لفحشه.
قوله: [وحلف أبوها إن كانت سفيهة] إلخ: إن قلت كيف يحلف الأب ليستحق الغير مع أن الشأن أن الإنسان إنما يحلف ليستحق هو؟ أجيب بأن المراد بالحلف لكونه مقصراً بعدم الإشهاد على أن وليته سالمة حين العقد، فالغرم متعلق به، والحلف لرد الغرم عن نفسه لا لاستحقاق غيره.
قوله: [ولا ينظرها النساء]: أي كما هو قول ابن القاسم، وابن حبيب، ونقله بعضهم عن مالك وكل أصحابه غير سحنون.
قوله: [وإن شهدت له امرأتان]: أي أو امرأة واحدة وهذا كالمستثنى من تصديق المرأة في داء فرجها، كأنه قيل محل تصديق المرأة ما لم يأت الرجل بامرأتين يشهدان له، فإنه يعمل بشهادتهما، ولا تصدق المرأة، وظاهره ولو حصلت الشهادة بعد حلفها على ما ادعت كذا في الحاشية.
قوله: [ولو وقع بلفظ الطلاق]: هذا ظاهر في ردها له بعيبه، وأما في رده لها بعيبها فمحل كونه لا صداق لها إن ردها بغير طلاق، فإن ردها به فعليه نصف الصداق كذا في الحاشية نقلاً عن الأجهوري، وكلام المصنف شامل لما إذا كان الرد بعيب يوجب الرد بغير شرط أو بعيب لا يوجبه إلا بشرط وحصل ذلك الشرط.
قوله: [فلها المسمى] إلخ: أي إذا كان يتصور وطؤه كمجنون ومجذم ومبرص، فإن كان لا يتصور وطؤه كالمجبوب والعنين والخصي مقطوع الذكر، فإنه لا مهر عليه كما قاله ابن عرفة وتقدم ذلك.
قوله: [رجع به]: أي بالمسمى إن كان الرد بعيب يرد فيه بغير شرط، فإن كان يرد فيه بالشرط رجع بما زاده المسمى عن
стр. 427
(على ولي لم يخف عليه حالها كأب وأخ) وابن لتدليسه بالكتمان، (ولا شيء عليها) من الصداق الذي أخذته فلا رجوع للولي ولا للزوج عليها إذا كانت غائبة عن مجلس العقد.
(و) رجع الزوج (عليه) أي على الولي المذكور، (أو عليها) فهو بالخيار (إن حضرت مجلس العقد) لتدليسهما بالكتمان، (ثم) يرجع (الولي عليها إن أخذه) الزوج (منه) أي من الولي فقرار الغرم عليها، وهذا في العيب الظاهر كالجذام والبرص، وأما ما لا يظهر إلا بعد البناء أو بالوطء كالرتق فالولي القريب فيه كالبعيد كما يأتي.
(و) رجع (عليها فقط في) ولي (بعيد) شأنه أن يخفى عليها حالها (كابن عم) وحاكم (إلا ربع دينار) لئلا يخلو البضع عن مهر فيشبه وطؤها الزنا، (أو) ولي (قريب فيما) أي في عيب (لا يعلم قبل البناء كفعل [١]) ورتق وبخر.
(فإن علم) الولي (البعيد) بالعيب وكتمه (فكالقريب) فيرجع عليه بجميعه إن كانت غائبة عن مجلس العقد وعليه أو عليها إن زوجها بحضورها كاتمين.
(وحلفه الزوج) أي: حلف الزوج الولي البعيد (إن ادعى) عليه (علمه) بالعيب، (فإن نكل) الولي (حلف) الزوج (أنه غره، ورجع عليه وإلا) يحلف (فلا شيء له)، فلو حلف الولي بأنه لا علم عندي، رجع الزوج عليها هذا ما قاله اللخمي، وبه تعلم ما في كلام الشيخ من النظر، ونص اللخمي في التبصرة: واختلف أيضاً إذا كان الولي عماً أو ابن عم أو من العشيرة أو السلطان، فادعى الزوج أنه علم وغره وأنكر الولي، فقال محمد: يحلف، فإن نكل حلف الزوج أنه علم وغره، فإن نكل الزوج فلا شيء على الولي ولا على الزوجة، وقد سقطت تباعته على الزوجة بدعواه على الولي، وقال ابن حبيب: إن حلف الولي رجع على المرأة وهو أصوب. اهـ.
(و) رجع الزوج (على غار) له بأنها سليمة من العيوب (غير ولي) خاص (إن تولى) ذلك الغار (العقد) بالولاية العامة أو بتوكيل من الخاص (ولم يخبر بأنه غير ولي) ولم يعلم الزوج بذلك بجميع الصداق فإن أخبره الغار بأنه غير ولي لم يكن له عليه رجوع ولا على الزوجة أيضاً، وكذا إن علم الزوج بأنه غير ولي لتفريطه.
ولو غره غير الولي بأنها حرة فتزوجها، فإذا هي أمة فردها لذلك غرم للسيد المسمى وقيمة ولده منها، لأنه حر لعدم علمه برقها حين الوطء، ورجع على الغار بالمسمى الذي غرمه لسيدها (لا بقيمة الولد) لأن الغرور سبب في إتلاف الصداق فقط وهو وإن كان سبباً للوطء إلا أن الوطء قد لا ينشأ عنه ولد، فإن أخبر الغار بأنه غير ولي أو لم يتول العقد فلا رجوع للزوج بشيء.
(وولد) الزوج (المغرور بحريتها الحر فقط) لا غير المغرور، ولا مغرور عبد (حر) بإجماع الصحابة فهو كالمستثنى من قاعدة "كل ولد فهو تابع لأمه في الرق والحرية".
(وعليه): أي على المغرور (إن ردها) بالغرور منها أو من سيدها (الأقل من المسمى وصداق المثل)
ــ
صداق مثلها متصفة بذلك العيب كما ذكره في الأصل.
قوله: [على ولي]: أي تولى العقد وقوله: لم يخف عليه حالها أي لكونه مخالطاً، وإنما رجع الزوج عليه بجميع الصداق، لأنه لما كان مخالطاً لها وعالماً بعيوبها وأخفاها على الزوج صار غاراً له ومدلساً عليه، فلذلك كانت الغرامة عليه وحده إن كانت الزوجة غائبة عن مجلس العقد.
قوله: [فقرار الغرم عليها]: أي في هذه الحالة.
قوله: [فالولي القريب فيه كالبعيد]: أي في عدم الرجوع عليه.
قوله: [شأنه أن يخفى عليه حالها]: أي لكونه لم يكن مخالطاً لها.
قوله: [كابن عم وحاكم]: أي وكذا شديد القرابة إن كان غير مخالط لها؛ ففي الحقيقة المدار على المخالطة وعدمها وينظر في ذلك للقرائن كما يأتي.
قوله: [إلا ربع دينار]: أي أو ما يقوم مقامه ويترك لها أيضاً ربع دينار في الغرور بالعدة حيث قالت: أنا خرجت من العدة وعقد عليها ودخل بها معتمداً على ذلك، ثم ظهر كذبها، وأما لو كان الغرور من الولي فإنه يرجع عليه بكل الصداق كذا في الحاشية.
قوله: [وبه تعلم ما في كلام الشيخ] إلخ: أي حيث قال، فإن نكل حلف أنه غره ورجع عليه، فإن نكل رجع على الزوجة على المختار اهـ.
قوله: [وهو أصوب]: أي فهذا مصب اختيار اللخمي وبعد هذا كله فهو ضعيف، والمذهب أن الولي البعيد إذ حلف أنه لم يغر الزوج لم يرجع الزوج على الزوجة لإقراره أن الولي غره، ولا على الولي لحلفه، قال في الحاشية، فالحاصل أنه متى حلف الولي أو نكل الزوج، وإنما يكون ذلك في دعوى التحقيق لا غرم على أحد لا على الولي ولا على الزوجة، وإنما الرجوع في صورتين على الولي إحداهما أن ينكل، والدعوى دعوى اتهام يغرم فيها بمجرد النكول، والثانية أن يحلف الزوج بعد نكول الولي في دعوى التحقيق فيغرم الولي أيضاً اهـ.
قوله: [إن تولى ذلك الغار العقد]: أي وأما إن لم يتول العقد فلا يلزمه شيء لأنه غرور قولي.
قوله: [بجميع الصداق]: متعلق بقوله رجع.
قوله: [بتفريطه]: علة لعدم رجوعه في المسألتين.
قوله: [ورجع على الغار بالمسمى]: أي بشرطين وهما إن تولى العقد ولم يخبر بأنه غير ولي كما سيأتي في الشارح.
قوله: [فلا رجوع للزوج بشيء]: أي لتفريطه.
قوله: [الأقل من المسمى] إلخ: أي لأن من حجة الزوج أن يقول إذا كان المسمى أقل قد رضيت به على أنها حرة فرضاها به على أنها رق أولى، وإن كان صداق المثل أقل فمن حجته أن يقول لم أدفع المسمى إلا على أنها حرة؛ والفرق بين الحرة الغارة والأمة
стр. 428
فإن لم يردها بل تمسك بها فصداق المثل.
(و) عليه أيضاً (قيمة الولد مطلقاً) ردها أو أمسكها كان الغرور منها أو من سيدها أو من أجنبي لأنه حر كما تقدم، بخلاف العبد المغرور فولده رق (دون ماله) أي الولد فلا يكون لسيد أمه وتعتبر قيمته (يوم الحكم) لا يوم الولادة، (إلا أن يعتق) الولد (على سيد أمه) بأن يكون سيد أمه جداً أو أباً أو أماً للمغرور فلا يغرم قيمته لعتقه على سيد الأم، ولا ولاء له عليه لتخلقه على الحرية.
(ولعدمه) بفتح العين: أي وعند عدم الأب بعسر أو موت أو فقد (تؤخذ) القيمة (من) نفس (الولد) إن أيسر، ولا يرجع بها على أبيه كما لا يرجع أبوه بها عليه إن غرمها، فإن أعسر أخذت من أولهما يساراً ولا يرجع على الآخر.
(و) لو عدم الأب وقلنا تؤخذ من الولد وكان الولد متعدداً (لا يؤخذ) من كل (ولد إلا قسطه): أي قيمته فقط، ولا يؤخذ مليء عن معدم، ولا حاضر عن غائب.
(وقبل قول الزوج إنه غر بيمين) إذا ادعى عليه العلم فله الرد قبل البناء، ولا شيء عليه، وبعده ويغرم قيمة الولد على ما مر.
(ولو طلقها أو ماتا) معاً أو أحدهما (فاطلع) بالبناء للمفعول (على موجب خيار) من جذام أو برص أو غير ذلك في أحدهما، (فكالعدم) فلها الصداق كاملاً في الموت مطلقاً وفي الطلاق إن دخل ونصفه إن لم يدخل والإرث ثابت بينهما.
(وللولي كتم العمى ونحوه) من كل عيب لا يوجب الخيار إلا بشرط، أي إذا لم يشترط الزوج السلامة منه؛ لأن النكاح مبني على المكارمة بخلاف البيع يجب على البائع بيان كل ما يكرهه المشتري، وأما ما يوجب الخيار فعليه بيانه.
(و) يجب (عليه كتم الخنى) بفتح الخاء المعجمة أي الفواحش التي توجب العار كالزنا والسرقة.
(ومنع أجذم وأبرص من وطء إمائه) لأنه ضرر، فالزوجة أولى، لأن تصرفه في الرقيق أقوى من تصرفه في الزوجة.
ــ
الغارة، أن الأمة الغارة قد حدث فيها عيب يعود ضرره على السيد فلزم الأقل من المسمى وصداق المثل، بخلاف الحرة الغارة فلذا لم يكن لها شيء إلا ربع دينار.
قوله: [فصداق المثل]: أي إذا أراد إبقاءها في عصمته لزمه صداق المثل كذا قال الشارح، والذي في (عب) والمجموع أنه إذا أراد إبقاءها في عصمته لزمه المسمى كاستحقاق ما ليس وجه الصفقة كما أفاده القرافي.
قوله: [إلا أن يعتق الولد على سيد أمه]: أي فإذا غرته أمة كأبيه بالحرية فتزوجها وأولدها ثم علم برقها، فإن الولد يعتق على سيد أمه ولا قيمة فيه، ويلزم الزوج للأمة الأقل من المسمى وصداق المثل إلى آخر ما تقدم.
قوله: [لتخلقه على الحرية]: أي فليس لسيد أمه فيه إنشاء عتق حتى يكون له الولاء.
قوله: [إلا قسطه]: اعترض بأن التعبير بقيمته أولى لأنه أظهر. وأجيب بأنه إنما عبر بقسطه لأجل أن يشمل ما إذا دفع الأب بعضاً من قيمتهم وأعسر بالباقي فلا إشكال أن الباقي يقسط على كل بقدر قيمته.
تنبيه: إذا كانت الغارة أم ولد يلزم الزوج قيمة ولدها على الغرر، فيقوم يوم الحكم على غرره لاحتمال موته قبل موت سيد أمه، فيكون رقيقاً أو بعد موته فيكون حراً، وكذلك ولد المدبرة يقوم على غرره لاحتمال موته قبل موت السيد فيكون رقيقاً أو بعده فيحمله الثلث فحر، أو يحمل بعضه أو لا يحمل منه شيئاً فيرق ما لا يحمله، فاحتمال الرق في ولد المدبرة أكثر منه في ولد أم الولد، ولو قتل ولد الأمة الغارة قبل الحكم بتقويمه وأخذ الأب ديته لزم الأقل من قيمته وديته لسيد أمه. فإن اقتص أو هرب القاتل فلا شيء على الأب كموته قبل الحكم من غير منفعة تعود على أبيه، وكذا لو ضرب شخص بطن الأمة وهي حامل فألقته ميتاً، وأخذ الأب عشر دية حرة فيلزمه لسيد الأم الأقل من عشر دية الحرة، ومن قيمة الأم يوم الضرب، وكذا لو جرح الولد شخص قبل الحكم عليه بالقيمة فيلزم أباه لسيد أمه الأقل مما نقصته قيمته مجروحاً عن قيمته سالماً يوم الجرح، ومما أخذه من الجاني في نظير الجرح، ثم يوم الحكم يدفع له قيمته ناقصاً كذا يؤخذ من الأصل فتدبر.
قوله: [ولا شيء عليه]: أي حيث حلف.
قوله: [ولو طلقها] إلخ: ظاهره ولو كان الطلاق على مال أخذه منها وهو كذلك عند ابن القاسم، وأكثر الروايات على أن كل نكاح لأحد الزوجين إمضاؤه وفسخه إذا خالعها الزوج على مال أخذه منها، فالطلاق يلزمه ويحل له ما أخذه منها ولا عبرة بما ظهر به من العيب بعد الطلاق، وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين ظهور العيب بالزوجة أو بالزوج، فالخلع ماض على كلتا الحالتين، وقال عبد الملك إذا ظهر العيب بالزوج رد ما أخذه لأنها كانت مالكة لفراقه، وقد اقتصر خليل على هذا القول في باب الخلع واعتمده الأجهوري، وصوب بعضهم كما قال في الحاشية قول ابن القاسم، وهو ظاهر كلام المصنف هنا.
قوله: [ونحوه]: أي كالقرع والسواد والشلل وغير ذلك من كل عيب تكرهه النفوس غير الثلاثة عشر عيباً قوله: [وأما ما يوجب الخيار]: أي بغير شرط.
قوله: [ومنع أجذم] إلخ: المراد بالمنع الحيلولة بينه وبينهن من الوطء والاستمتاع بهن لأنه لا ضرر ولا ضرار.
стр. 429
فصل في خيار من تعتق وهي في عصمة عبد
(لمن كمل عتقها) من الإماء وهي (تحت عبد) ولو بشائبة (فراقه) فيحال بينها وبينه حتى تختار (بطلقة)، وقوله: (فقط) راجع للثلاثة أي كمل عتقها لا إن لم يكمل تحت عبد لا حر بطلقة لا أكثر، سواء بينت أو أبهمت؛ كأن قالت: طلقت نفسي أو اخترت نفسي، (بائنة) خبر لمبتدأ محذوف أي وهي بائنة، وبالجر على النعت، والمعنى صفتها البينونة ولا إيهام فيه، فإن أوقعت طلقتين فله رد الثانية على قول الأكثر.
(ولا شيء لها) من الصداق إن اختارت نفسها (قبل البناء ولها بعده) أي البناء (المسمى)، لأنه تقرر لها بالوطء (إلا أن تعتق قبله) أي البناء، ولم تعلم بعتقها (فيطؤها غير عالمة، فالأكثر منه) أي من المسمى (ومن صداق) المثل.
(وليس للسيد انتزاعه) أي الصداق (إلا أن يشترطه) السيد لنفسه بعد أن قبضته من زوجها، (أو يأخذه) السيد من الزوج (قبل العتق) فيكون للسيد في الصورتين.
واستثني من قوله "لمن كمل عتقها" إلخ، قوله: (إلا أن تسقطه) أي إلا أن تسقط خيارها بقولها: اخترت زوجي ونحوه، أو تقول: أسقطت خياري فلا خيار لها بعد ذلك.
(أو تمكنه) من نفسها (طائعة) وإن لم يطأها بالفعل (بعد العلم) منها بعتقها، فلا خيار لها، (ولو جهلت الحكم) بأن لها الخيار أو بأن تمكينها طائعة مسقط لخيارها.
(أو يبينها): أي: يطلقها طلاقاً بائناً فلا خيار لها لفواته بفوات محل الطلاق.
(أو يعتق) زوجها (قبل اختيارها) فلا خيار لها لأنها صارت حرة تحت حر، (إلا) أن يحصل عتقه قبل اختيارها (لتأخير) للاختيار منها (لحيض)، فلا يسقط اختيارها لجبرها شرعاً على التأخير إذ لا يجوز طلاق في زمن الحيض، فإن أوقعت الطلاق زمنه لزم.
(ولها) أو لمن كمل عتقها (إن أوقفها) زوجها عند حاكم بحضرة عتقها، وقال لها: إما أن تختاري الفراق أو تختاري البقاء معي،
ــ
فصل في خيار من تعتق ... إلخ
قوله: [لمن كمل عتقها]: أي في مرة أو مرات بأن أعتق السيد جميعها إن كانت كاملة الرق أو باقيها إن كانت مبعضة، أو عتقت بأداء كتابتها، أو كانت مدبرة وعتقت من ثلث ماله، أو أم ولد عتقت من رأس ماله.
قوله: [وهي تحت عبد]: قال ابن رشد علة تخييرها نقص زوجها لا جبرها على النكاح، ولذا قلنا لا خيار لها إذا كمل عتقها وهي تحت الحر، وعلى قول أهل العراق من أن علته جبرها على النكاح لها الخيار إذا كمل عتقها تحت الحر أيضاً.
قوله: [لا إن لم يكمل]: أي كما إذا حصل لها شائبة حرية كتدبير أو عتق لأجل أو عتق بعض أو إيلاد من سيد، كما لو غاب الزوج فاستبرأها السيد من ماء الزوج، وارتكب المحظور ووطئها فولدت فلا يحصل لها الخيار بمجرد ذلك.
قوله: [خبر لمبتدأ محذوف] إلخ: قال (بن) فيه نظر إذ قطع النعت هنا عن التبعية لا يجوز لقولهم إن نعت النكرة لا يقطع إلا إذا وصفت بنعت آخر، وذلك مفقود هنا وزعمهم أن في الجر إيهاما غير صحيح تأمل اهـ. فإذا علمت ذلك فالمناسب للشارح أن يقتصر على الثاني.
قوله: [فله رد الثانية على قول الأكثر]: أي لقول مالك لا تختار إلا واحدة بائنة، وقاله أكثر الرواة ومقابله قول المدونة وللأمة إذا عتقت أن تختار نفسها بالبتات وبتاتها اثنتان إذ هما بتات العبد.
قوله: [فالأكثر منه] إلخ: أي لأنه إن كان المسمى أكثر فقد رضي به على أنها أمة فرضاه به على أنها حرة أولى، وإن كان صداق مثلها أكثر دفعه له وجوباً لأنه قيمة بضعها، ومحل لزومه الأكثر منهما إذا كان نكاحه صحيحاً أو فاسداً لعقده، فإن كان فاسداً لصداقه وجب لها بالدخول مهر المثل اتفاقاً قاله (ح).
قوله: [إلا أن تسقطه]: أي ولو صغيرة أو سفيهة إذا كان الإسقاط حسن نظر لها، وإلا لم يلزمها عند ابن القاسم، ونظر لها السلطان، خلافاً لقول أشهب يلزمها الإسقاط مطلقاً ولو لم يكن حسن نظر.
قوله: [أو تمكنه من نفسها]: يدخل في ذلك ما إذا تلذذت بالزوج لأن تلذذه بها مع محاولته لها يكون مسقطاً فأحرى إذا تلذذت به دون محاولة منه.
قوله: [بعد العلم منها بعتقها]: فلو ادعى عليها العلم وخالفته كان القول قولها بلا يمين.
قوله: [ولو جهلت الحكم] إلخ: هذا الإطلاق الذي مشى عليه المصنف شهره ابن شاس وابن الحاجب والقرافي، وقال ابن القطان: إنما أسقط مالك خيارها حيث اشتهر الحكم ولم يمكن جهل الأمة به، وأما إذا أمكن جهلها فلا.
قوله: [فلا خيار لها]: أي ولو كان تأخيرها الاختيار لحيض، فقوله الآتي: "إلا لتأخير لحيض" محله حيث لم يبنها قبل ذلك، واعلم أنه إذا أبانها قبل اختيارها نفسها وكان ذلك قبل الدخول فلها نصف الصداق، ولا يدخل هذا تحت قوله: "ولا شيء لها قبل البناء" لأن ذاك فيما إذا اختارت فراقه قبل طلاقها.
قوله: [بفوات محل الطلاق]: أي وهو العصمة، فإذا أبانها واختارت الطلاق بعده كان ذلك الطلاق لا محل له لزوال محله بالبينونة.
قوله: [فلا يسقط اختيارها]: محل ذلك ما لم تمض مدة يمكنها أن تختار فيها فلم تختر حتى جاء الحيض وإلا فلا خيار لها.
قوله: [إن أوقفها زوجها] إلخ
стр. 430
(تأخير) إن طلبته تتروى فيه (بالنظر) من الحاكم أي بالاجتهاد منه (تنظر) أي تتروى (فيه وإلا) توقف بأن غفل عنها أو غاب زوجها أو لم يعلم الحكم (صدقت أنها ما رضيت به) أي بزوجها أي بالمقام معه إذا لم تمكنه طائعة (وإن بعد سنة) والله أعلم.
فصل في بيان أحكام تنازع الزوجين
(إن تنازعا في الزوجية) بأن ادعاها أحدهما وأنكرها الآخر (ثبتت ولو ببينة سماع) تشهد بأنا لم نزل نسمع من الثقات وغيرهم أن فلاناً زوج لفلانة أو تزوج بفلانة، ولا يثبت بإقرارهما بعد التنازع.
(وإلا) بأن لم يثبت ببينة قطع أو سماع (فلا يمين على المنكر) للزوجية منهما، لأن كل دعوى لا تثبت إلا بعدلين فلا يمين بمجردها على المنكر المدعى عليه، بل (ولو أقام المدعي شاهداً) يشهد له؛ إذ لا فائدة في توجهها على المنكر لأنه لو نكل لم يقض بالشاهد والنكول، (لكن يحلف معه) أي مع شاهده إذا مات المنكر.
(ويرث): لأن الدعوى آلت إلى مال.
(ولا صداق) لها، لأنه من أحكام الحياة.
(وأمرت) المرأة المنكرة (بانتظاره): أي الزوج المدعي (لبينة ادعى قربها) لا ضرر عليها في انتظارها، فلا تتزوج، فإن أتى بها قضي له بها، (ثم) إذا أمرت بالانتظار ولم يأت بها، أو كانت البينة بعيدة (لم تسمع له بينة) بعد ذلك (إن عجزه) أي حكم بعجزه (الحاكم)، لا إن لم يحكم بذلك فتسمع.
(وليس إنكاره) للزوجية (طلاقاً)، فإذا أقامت عليه البينة وحكم الحاكم بها فيلزمه النفقة ويحل له وطؤها (إلا أن ينويه) أي الطلاق (به) أي بالإنكار فيكون طلاقاً (ولو حكم عليه بها): أي بالزوجية حين أقامت المرأة عليه البينة (جدد عقداً) لتحل له (إن علم) من نفسه (أنها غير زوجة) في الواقع، وأن البينة زور.
(ولو ادعاها) أي المرأة (رجلان) فقال كل منهما: هي زوجتي (أقام كل) منهما (بينة) تشهد له، وسواء صدقتهما
ــ
فلو عتق في زمن الإيقاف بطل خيارها ورجعت زوجة وليس ذلك مثل عتقه في زمن تأخيرها لأجل حيض.
قوله: [إن طلبته]: أي بأن قالت أمهلوني أنظر وأستشير في ذلك، واعلم أنه لا نفقة لها في مدة التأخير لأن المنع جاء منها.
تتمة: إن اختارت الفراق من عتق زوجها بعد عتقها ولم تعلم بعتقه حتى تزوجت بثان، فأتت بدخول ذلك الثاني إذا لم يعلم بعتق الأول، سواء دخل بها ذلك الأول أم لا كذا في الأصل.
فصل في بيان أحكام تنازع الزوجين
ذكر في هذا الفصل حكم تنازع الزوجين في أصل النكاح أو الصداق قدراً أو جنساً أو صفة أو اقتضاء أو متاع البيت وما يتعلق بذلك.
قوله: [ولو ببينة سماع]: اعلم أن بينة السماع لا بد أن تكون مفصلة كبينة القطع بأن تقول: سمى لها كذا النقد منه كذا والمؤجل كذا، وعقد لها وليها فلان كما في عبارة المتيطي فلا يكفي الإجمال في واحدة من ذلك، ورد المصنف بـ "لو" على ما قاله أبو عمران، إنما تجوز شهادة السماع إذا اتفقا على الزوجية.
والحاصل أنهما إذ تنازعا في أصل النكاح فإنه يثبت بالبينة المعاينة للعقد إذا فصلت اتفاقاً، وهل يثبت ببينة السماع أو لا؟ فقال أبو عمران لا يثبت، وقال المتيطي يثبت ببينة السماع بالدف والدخان، وعلى هذا مشى المصنف كخليل، ورد بـ "لو" على أبي عمران.
قوله: [ولا يثبت بإقرارهما بعد التنازع]: أي ولو كانا طارئين على الراجح.
قوله: [فلا يمين على المنكر للزوجية] إلخ: أي ولو كانا طارئين على الراجح، وقيل يلزمه وهو قول سحنون، ونص ابن رشد لو لم تكن المرأة تحت زوج، وادعى رجل نكاحها وهما طارئان، وعجز عن إثبات ذلك لزمها اليمين، لأنها لو أقرت له بما ادعاه من النكاح كانا زوجين، وقيل لا يمين عليها، لأنها لو نكلت عن اليمين لم يلزمها النكاح اهـ. وعزا الثاني ابن عرفة لمعروف المذهب والأول لسحنون كذا في (بن)، وما قاله سحنون مبني على أن الطارئين يثبت نكاحهما بإقرارهما بالزوجية مطلقاً والمشهور تقييد ذلك بما إذا لم يتقدم نزاع في أصل الزوجية.
قوله: [بل ولو أقام المدعي شاهداً]: أي خلافاً لقول ابن القاسم يحلف المنكر لرد شهادة ذلك الشاهد.
قوله: [ويرث]: أي على ما قال ابن القاسم لأن دعوى الزوجية بعد الموت ليس المقصود منها إلا المال، وكل دعوى مال يثبت بالشاهد واليمين، وقال أشهب لا ميراث لأن الميراث فرع الزوجية وهي لا تثبت بالشاهد واليمين.
قوله: [لأنه من أحكام الحياة]: أي لأنه في مقابلة التمتع في حالة الحياة ولم تثبت الزوجية حال الحياة.
قوله: [لم تسمع له بينة] إلخ: حاصله أنه إذا أنظره الحاكم ليأتي بالبينة التي ادعى قربها ثم لم يأت بها تارة ويعترف بالعجز، وتارة يقول لي بينة وسآتي بها، فإن عجزه القاضي ثم أتى بها لم تقبل، وهذا هو المشار إليه بقوله: [ثم لم تسمع له بينة] إلخ، أي في حال كونه مدعياً حجة وإن لم يعجزه في هذه الحالة وأتى بها قبلت، والمعترف بالعجز إذا عجزه وأتى بها فقولان بقبولها وعدمه والراجح عدم القبول.
قوله: [وليس إنكاره للزوجة طلاقاً]: وذلك لأن إنكاره لاعتقاده أنها ليست زوجة، فحيث أثبتتها لزمه البناء والنفقة، ولا يلزمه طلاق.
قوله: [إلا أن ينويه أي الطلاق] إلخ: أي والحال أنها قد أثبتت الزوجية، وأما إن لم تثبت الزوجية
стр. 431
أو كذبتهما أو صدقت أحدهما (فسخا): أي نكاحهما بطلقة بائنة، لاحتمال صدقهما مع عدم علم السابق منهما (كذات الوليين) إذا جهل زمن العقدين، ولا ينظر لدخول أحدهما بها، ولا ينظر لأعدلية إحداهما ولا لغيرها من المرجحات إلا التاريخ، فإنه يعمل بالسابقة في التاريخ، ولو أرخت إحداهما فقط بطلت كعدم التأريخ بالمرة على الأرجح.
(وإن أقر بها) أي بالزوجية (طارئان) على محله (توارثاً لثبوت النكاح) بإقرارهما وهما طارئان، (كأبوي صبيين) أقرا بنكاح ولديهما، فإنه يثبت به التوارث، (وإلا) يكونا طارئين ولا أبوي صبيين، بأن كانا بلديين أو أحدهما، وأقرا بالزوجية أو أحدهما من غير ثبوت، وسواء كان الإقرار في الصحة أو في المرض (فخلاف) في التوارث إذا مات أحدهما.
(و) إن تنازعا (في قدر المهر) كأن يقول الزوج: عشرة وتقول هي: بل خمسة عشر، (أو) في (صفته) بأن قالت: بدنانير محمدية، وقال: بل يزيدية وكان اختلافهما (قبل البناء، فالقول لمدعي الأشبه بيمينه)، فإن نكل حلف الآخر وثبت النكاح ولا فسخ.
(وإلا) يشبه واحد منهما أو أشبها معاً (حلفا) إن كانا رشيدين، وإلا فولي غير الرشيد كل على طبق دعواه، ونفي دعوى الآخر، وفسخ النكاح بينهما ونكولهما كحلفهما، (وبدأت) الزوجة بالحلف لأنها كالبائع، (وقضي للحالف على الناكل وفسخ) إن اختلفا (في الجنس) قبل البناء، كذهب وثوب وكعبد وفرس أو بعير (مطلقاً) أشبها معاً أو أحدهما أو لم يشبها، (إن لم يرض أحدهما بقول الآخر)، وإلا فلا فسخ.
(و) إن اختلفا (بعد البناء فالقول له) أي: للزوج (بيمين)، فإن نكل حلفت وكان القول لها (في القدر أو الصفة، وإن لم يشبه) كما لو أشبه بالأولى (كالطلاق) أي: كما أن القول للزوج بيمين إن اختلفا في القدر أو الصفة قبل البناء بعد الطلاق، (والموت) أشبه أو لم يشبه؛ فلا يراعى الشبه وعدمه إلا قبل البناء من غير طلاق وموت.
(فإن نكل) الزوج في هذه المسائل (حلفت) الزوجة وكان القول لها فيما إذا تنازعا بعد البناء أو بعد الطلاق، (أو) تحلف (ورثتها) فيما إذا ماتت لأن الطلاق والموت والبناء بمنزلة فوات السلعة في البيع، فالقول فيه بعد الفوات للمشتري إن أشبه، وهنا القول للزوج مطلقاً أشبه أم لا وأما قبل البناء فيراعى قول من أشبه لأنه بمنزلة قيام السلعة في البيع يراعى فيه قول من أشبه ويبدأ البائع باليمين، والمرأة هنا كالبائع هذا في الاختلاف في القدر والصفة.
وأما في الجنس فأشار له بقوله: (ورد) الزوج (لصداق المثل) إن تنازعا بعد البناء (في الجنس) والمراد به: ما يشمل النوع كعبد وفرس أو بعير، إذ المراد الجنس اللغوي وتقدم أنه إن كان التنازع قبل البناء ولم يرض أحدهما بما ادعاه الآخر فلا بد من فسخه، أي بعد حلفهما أو نكولهما معاً، ولا شيء فيه للمرأة.
فإن كان بعده فإنه يرد لصداق المثل (ما لم يزد على ما ادعته) المرأة،
ــ
فلا يكون طلاقاً، ولو قصده، لأنه طلاق في أجنبية.
والحاصل أن إنكاره إنما يكون طلاقاً إذا نوى ذلك وأثبتت الزوجية عليه، فإذا وجد الأمران لزمته طلقة إلا أن ينوي أكثر.
قوله: [ولا ينظر لدخول أحدهما بها]: أي وحينئذ فلا يكون الداخل أولى، ولا بد من الفسخ كذا قال عبد الحق، خلافاً لابن لبابة وابن غالب حيث قالا إن دخل بها أحدهما كانت له كذات الوليين إذا اختلف زمن عقدهما وعلم السابق.
قوله: [فإنه يعمل بالسابقة]: أي لأنه أسبق بالعقد عليها.
قوله: [كعدم التأريخ بالمرة]: وكذا إن لم يعلم السابق أو أرختا معاً في وقت واحد.
قوله: [وإلا يكونا طارئين] إلخ: حاصله أن الرجل والمرأة إذا كانا بلديين، أو أحدهما بلدياً والآخر طارئاً وأقرا بأنهما زوجان، ثم مات أحدهما فهل يرثه الآخر أو لا يرثه؟ في ذلك خلاف، فقال ابن المواز يتوارثان لمؤاخذة المكلف الرشيد بإقراره بالمال، وقال غيره لا يتوارثان لعدم ثبوت الزوجية لأن الزوجية لا تثبت بتقارر غير الطارئين وظاهره ولو طال زمن الإقرار ومحل الخلاف إذا لم يكن هناك وارث ثابت النسب حائز لجميع المال، وإلا لم يثبت التوارث اتفاقاً.
قوله: [وسواء كان الإقرار في الصحة أو في المرض]: أي لا فرق بين الإقرار في الصحة أو في المرض، فقد قال في الجواهر ومن احتضر فقال لي امرأة بمكة سماها ثم مات، فطلبت ميراثها منه فذلك لها، ولو قالت زوجي فلان بمكة فأتى بعد موتها ورثها بإقرارها بذلك، ونقله في التوضيح وخالف في ذلك الأجهوري، قال ومحل الخلاف إذا وقع الإقرار في الصحة وإلا فلا إرث اتفاقاً، لأن الإقرار في المرض كإنشائه فيه، وإنشاؤه فيه ولو بين الطارئين مانع من الميراث اهـ ورده بالنقل المتقدم عن الجواهر.
قوله: [وكان اختلافهما قبل البناء] أي بعد اتفاقهما على ثبوت الزوجية، والحال أنه لم يحصل موت ولا طلاق بدليل ما يأتي. قوله: [وفسخ النكاح بينهما]: أي ويتوقف الفسخ على الحكم ويقع الفسخ ظاهراً وباطناً كما يأتي
قوله: [مطلقاً]: أي كما هو عند اللخمي وابن رشد والمتيطي وغيرهم كما سيأتي
قوله: [إن لم يرض أحدهما] إلخ: حاصل فقه المسألة أنهما إذا تنازعا في جنس الصداق قبل البناء فسخ مطلقاً حلفا أو أحدهما أو نكلا أشبها أو لم يشبها، أو أشبه أحدهما، فإن تنازعا فيه بعد البناء رد الزوج لصداق المثل ما لم يزد على دعواها أو ينقص عن دعواه
стр. 432
فإن زاد فليس لها إلا ما ادعته إذ لا يعطى مدع أكثر مما ادعى (أو ينقص عن دعواه)، فإن نقص صداق المثل عن دعواه؛ كما لو قال: أصدقتها بقرة، وكان صداق مثلها شاة فإنها تعطى البقرة، إذ من أقر بشاة لا يقضى عليه بأقل مما أقر به، ومتى قلنا هنا بالفسخ احتاج لحكم وكان بطلاق. وقوله: (وثبت النكاح ولا فسخ) راجع لقوله: "وبعد البناء" إلخ، ولقوله: "فالقول لمدعي" إلخ، ولقوله: "وقضي للحالف" ولمفهوم قوله: "إن لم يرض"، فتحصل أنه إن كان تنازع قبل البناء ولم يحصل طلاق ولا موت فالقول لمدعي الأشبه بيمينه، ولا فسخ في القدر والصفة فإن أشبها معاً أو لم يشبها تحالفا وفسخ إن لم يرض أحدهما بقول الآخر، وإن كان التنازع قبله في الجنس حلفا وفسخ مطلقاً ولا ينظر لشبه ولا عدمه ما لم يرض أحدهما بقول الآخر وإن حصل التنازع بعد البناء أو قبله بعد طلاق أو موت فالقول للزوج بيمينه ولا فسخ في القدر والصفة، وأما في الجنس فيرد لصداق المثل بعد حلفهما أو نكولهما معاً ولا سبيل للفسخ ولا يراعى شبه لهما ولا لأحدهما، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضي له بما ادعى، ولا فسخ أيضاً وقد علمت أنه متى حصل بناء فلا فسخ مطلقاً كان التنازع في القدر أو الصفة أو الجنس أشبها أو لم يشبها، أو أشبهه أحدهما دون الآخر إلا أنه في القدر والصفة القول قول الزوج إن حلف، وإلا حلفت وكان القول لها، وفي الجنس يرد لصداق المثل إن حلفا أو نكلا، فإن حلف أحدهما فالقول له وأنه إن لم يحصل بناء فتارة يفسخ، وذلك فيما إذا تحالفا أو تناكلا معاً في اختلافهما في الجنس مطلقاً أو في الصفة والقدر، إذا لم ينفرد أحدهما بالشبه وصور المسألة أربعة وعشرون؛ لأن التنازع إما في القدر أو الصفة أو الجنس، وفي كل: إما أن يشبها معاً أو لم يحصل شبه أو يشبه الزوج فقط أو هي فقط، وفي كل: إما أن يبني بها أو لا وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق بين الاختلاف في الجنس وغيره وهو خلاف ما قرره في توضيحه، ونقله عن اللخمي وابن رشد والمتيطي وغيرهم (ولو ادعى) الزوج أنه تزوجها (تفويضاً عند معتاديه): أي التفويض، وادعت هي تسمية (فكذلك): أي فالقول له بيمين، ولو بعد الفوات بدخول أو موت أو طلاق فيلزمه أن يفرض لها صداق المثل بعد البناء، ولا شيء عليه في الطلاق أو الموت قبل البناء، فإن اعتادوا التسمية خاصة فالقول لها بيمين وثبت النكاح.
(ولا كلام لمحجور): لسفه أو صبا من زوج أو زوجة في التنازع المتقدم ذكره، بل الكلام لوليه واليمين عليه (وإن قال الزوج) لها: (أصدقتك أباك): أو غيره ممن يعتق عليها (فقالت) بل أصدقتني (أمي) وغيرها ممن يعتق عليها أيضاً، وكان التنازع قبل الدخول بدليل التفصيل الآتي فصورها أربع: إما أن يحلفا أو ينكلا، أو يحلف الزوج دونها أو عكسه أشار لها بقوله: (حلفت) أي ابتدأت باليمين بأنه أصدقها أمها لا أباها، ثم قيل له احلف لرد دعواها، (فإن حلف) كما حلفت بأنه ما أصدقها إلا أباها لا أمها (فسخ) النكاح بطلاق وهذا دليل على أن النزاع قبل البناء إذ بعده لا يتأتى فسخ كما تقدم، وهذا من الاختلاف في الصفة (وعتق الأب) لإقراره بحريته وولاؤه لها كما يأتي، (كأن نكلا) معاً فإنه يفسخ ويعتق الأب فقط، (وإن نكل) بعد حلفها (عتقا معاً): الأب لإقراره بحريته والأم لحلفها ونكوله، (وثبت) النكاح (بها) أي بالأم، فلو طلقها قبل البناء رجع عليها بنصف قيمتها (وولاؤهما لها، وإن حلف فقط) دونها (ثبت) النكاح (به) أي بالأب والأم رقيقة ففي الصور الأربع يعتق الأب، وفي صورة واحدة تعتق الأم معه، وهي صورة نكوله وحلفها وهي التي يثبت النكاح بها وترق في الثلاثة والولاء لها في الأربع صور
اجتماعاً وانفراداً، فلو كان النزاع بعد البناء لثبت النكاح في الصور الأربع، والقول للزوج بيمين، فإن نكل حلفت وعتقا معاً، فإن نكلت أيضاً عتق الأب لأنه ثبت به النكاح ولا رجوع لأحدهما على الآخر بشيء.
ــ
وإن تنازعا في قدره أو في صفته، فإن كان قبل البناء صدق بيمين من انفراد بالشبه وإن أشبها أو لم يشبها، فإن حلفا أو نكلا فسخ النكاح ما لم يرض أحدهما بقول الآخر، وإن كان التنازع فيهما بعد البناء صدق الزوج بيمين، وقد فصل الشارح ذلك وأوضحه غاية الإيضاح.
قوله: [عند معتاديه]: أي إذا كانت من قوم يتناكحون على التفويض فقط، أو هو الغالب عندهم أو عليه وعلى التسمية سوية لصدق الاعتياد بذلك.
قوله: [فإن اعتادوا التسمية خاصة]: أي أو لا عادة لهم بشيء، أو كانت هي الغالبة فيقبل قول كل في ثلاث حالات.
تنبيه: لو ادعت امرأة على رجل أنه تزوجها مرتين بصداقين، وأكذبها الرجل وأقامت بكل بينة لزمه نصفهما وقدر طلاق بينهما، للجمع بين البينتين ولا فرق بين أن ينكر الرجل النكاح رأساً أو ينكر أحدهما، وكلفت بينة أن الطلاق بعد البناء ليتكمل الصداق الأول، وأما الثاني فينظر فيه لحالته الحاصلة، فإن كان قد دخل لزمه جميعه وإلا فنصفه إن طلق.
قوله: [ممن يعتق عليها]: أي وهم الأصول والفصول والحواشي القريبة قوله: [وهذا من الاختلاف في الصفة]: أي وإنما أفرده لينبه على أنه تارة يعتق الأب وتارة يعتقان معاً.
قوله: [وولاؤه لها]: أي لأنه أقر بأنه صداقها فيكمل العتق خصوصاً، وقد قيل إنها تملك بالعقد الكل ولا يرجع الزوج عليها بشيء من قيمته.
стр. 433
(و) إن تنازعا (في قبض ما حل) من الصداق فقال الزوج: دفعته لك، وقالت: لم تدفعه بل هو باق عندك، (فقبل البناء) القول (قولها، و) إن كان التنازع (بعده) فالقول (قوله بيمين فيهما) أي في المسألتين، لكن بأربعة شروط في الثانية، أفاد الأول بقوله: (إن لم يكن العرف تأخيره): أي تأخير ما حل من الصداق، بأن كان عرفهم تقديمه أو لا عرف لهم، فإن كان العرف تأخيره فلا يكون القول قوله بل قولها، والثاني بقوله: (ولم يكن معها رهن) وإلا فالقول لها لا له، والثالث بقوله: (ولم يكن) الصداق مكتوباً (بكتاب) أي وثيقة، وإلا فالقول لها، والرابع بقوله: (وادعى) بعد البناء (دفعه) لها (قبل البناء) فإن ادعى دفعه بعده فقولها وعليه البيان وأما التنازع في مؤجل الصداق فالقول لها كسائر الديون من أن من ادعى الدفع فلا يبرئه إلا البينة أو اعتراف من رب الدين.
(و) إن تنازعا (في متاع البيت): أي ما فيه (فللمرأة المعتاد للنساء فقط) كالحلي والأخمرة وما يناسب النساء من الملابس إن لم يكن في حوزه الخاص به، وإلا فالقول له بيمين ولم تكن المرأة معروفة بالفقر، وإلا فالقول له إلا ما يناسب جهازها.
(وإلا) يكن ما في البيت معتاداً للنساء فقط بل للرجال فقط كالسيف ونحوه والفرس ونحوها، والمصحف وكتب العلم وسلع التجارة، أو معتاداً لهما كالأواني (فله) القول (بيمين) لأن الشأن أن ما في البيوت للرجال (ولها الغزل) إذا تنازعا فيه (إلا أن يثبت) الزوج (أن الكتان له فشريكان) هو بقيمة كتانه وهي بقيمة غزلها.
(وإن نسجت) المرأة شقة وادعاها الزوج (كلفت) هي (بيان أن الغزل لها) واختصت به، قاله مالك، (وإلا) تبين أن لها الغزل (لزمه) لها (الأجرة) واختص بها، وقال ابن القاسم: النسج للمرأة وعلى الزوج بيان أن الكتان والغزل له، فإن أقام البينة كانت شريكة له فيها بقدر قيمة نسجها وهو بقيمة كتانه وغزله، قال بعضهم: وقول ابن القاسم هو المتبادر من مسألة كون الغزل لها.
(وإن اشترى) الزوج (ما هو): أي شيئاً شأنه أن يكون (لها) كالحلي (فادعته المرأة)، وأنه اشتراه لها من مالها، وادعى هو أنه اشتراه لنفسه من ماله (حلف وقضي له به)، فإن نكل [١] حلفت وقضي لها به (كالعكس)، وهو أنها اشترت شيئاً يشبه أن يكون للرجال كالسيف وادعت أنها اشترته من مالها، وقال هو: بل من مالي اشترته لي حلفت وقضي لها به، فإن نكلت حلف وأخذه وقيل: لا يمين عليها أي يقضى لها به من غير يمين.
ــ
قوله: [اجتماعاً وانفراداً]: فالاجتماع عتقهما معاً وهو صورة واحدة، والانفراد عتق الأب فقط وهو في ثلاث.
قوله: [في الصور الأربع]: المناسب أن يقول في الصور الثلاث لأنه بعد البناء لا يتأتى إلا ثلاث صور: حلفه. حلفها بعد نكوله. نكولهما معاً ولا يتأتى حلفهما معاً لقول الشارح، والقول للزوج بيمين فتكون الصور سبعاً أربعاً قبل الدخول وثلاثاً بعده.
واعلم أن الأب إذا مات بعد عتقه لإقرار الزوج وترك مالاً فإن الزوج يأخذ منه قيمته نظراً لإقرار الزوجة لأنه ملكه، والباقي للزوجة نصفه بالإرث ونصفه بالولاء، لا كله بالولاء كما قيل انظر (عب).
قوله: [القول قولها]: أي أنها لم تقبض إن كانت رشيدة وإلا فوليها هو الذي يحلف، فإن نكل وليها غرم لها لإضاعته بنكوله ما حل من الصداق.
قوله: [أو لا عرف لهم]: أي كما إذا استوى الحال.
قوله: [بل قولها]: أي بيمين أيضاً وهذا هو المعتمد. وقال سحنون: القول قوله.
قوله: [وأما التنازع في مؤجل الصداق] إلخ: أي سواء كان التنازع قبل البناء أو بعده كما في (بن).
قوله: [وإن تنازعا في متاع البيت] إلخ: اعلم أن مثل الزوجين القريبان كرجل ساكن مع محرمه أو مع امرأة أجنبية، وتنازع معها في متاع البيت ولا بينة لهما فحكمهما حكم الزوجين كذا في الحاشية.
قوله: [فله القول بيمين]: أي إلا أن يكون في حوزها الخاص بها، أو يكون فقيراً لا يشبهه لفقره فلا يقبل قوله، ويكون القول للمرأة.
قوله: [ولها الغزل]: أي بيمينها إذا تنازعا فيه قبل الطلاق أو بعده ولا بينة لأحدهما، وإنما قضي لها به لأنه من فعل النساء غالباً وهذا ما لم يكن يشبهه أيضاً ككونه من الحاكة، وإلا كان له خاصة بيمينه لأنه من المشترك، وتقدم أنه فيه يغلب جانب الرجل وكل هذا ما لم يكن في حوز أحدهما الخاص به.
قوله: [كلفت هي بيان أن الغزل لها]: اعترض على المصنف بأن قوله: "كلفت هي بيان" إلخ مخالف لقوله قبل: "ولها الغزل" لأنه فيما مر ادعت أن الغزل الذي في البيت لها فقبل قولها، وهنا ادعت ذلك فلم يقبل قولها. وأجاب بعضهم بحمل الأول على من صنعتها الغزل وهنا على من صنعتها النسج فقط. وأجيب أيضاً بأن ما مر قول ابن القاسم وما هنا قول مالك.
قوله: [حلف] إلخ: محل حلفه إذا كان اشتراه من غيرها كما هو الموضوع لا منها، وإلا فلا يمين وكذلك لو شهدت له البينة أنه اشتراه لنفسه فلا يمين أيضاً، وما قيل فيما اشتراه الرجل يقال فيما اشترته المرأة.
стр. 434
فصل في الوليمة وأحكامها
(الوليمة وهي طعام العرس) بضم العين المهملة (مندوبة) للقادر عليها ولو قبل البناء سفراً وحضراً فلا يقضى بها، وقيل: واجبة فيقضى بها (ككونها) أي كما يندب كونها (بعد البناء) فهو مندوب ثان على المعتمد، وقيل إنما تكون بعد البناء، فإن قدمها لم يكن آتياً بالمندوب.
(تجب إجابة من عين لها) بالشخص صريحاً أو ضمناً ولو بكتاب أو رسول ثقة، يقول له ربها: ادع فلاناً وفلاناً وكذا ادع محلة كذا أو العلماء أو المدرسين وهم محصورون، لا إن لم يحصروا، ولا إن قال له: ادع من لقيته؛ فلا تجب كما لا تجب دعوة لطعام ختان، أو قدوم من سفر، أو لبناء دار، أو لصرفة صبي، أو لختم كتاب ونحو ذلك.
(وإن) كان المدعو (صائماً) فيجب (لا الأكل) وإن لمفطر فلا يجب (إن لم يكن) في المجلس (من يتأذى منه) لأمر ديني، كمن شأنه الخوض في أعراض الناس أو من يؤذيه (أو منكر كفرش حرير) يجلس عليه، هو أو غيره بحضرته (وآنية نقد) من ذهب أو فضة لأكل أو شرب أو تبخير أو نحو ذلك، ولو كان المستعمل غيره بحضرته، (وسماع غانية) ورقص نساء (وآلة لهو) غير دف وزمارة وبوق، (وصور حيوان) كاملة (لها ظل) لا منقوشة بحائط أو فرش، إذا كانت تدوم كخشب وطين، بل (وإن لم تدم) كما لو كانت من نحو قشر بطيخ.
والحاصل أن تصاوير الحيوانات تحرم إجماعاً إن كانت كاملة لها ظل مما يطول استمراره، بخلاف ناقص عضو لا يعيش به لو كان حيواناً، وبخلاف ما لا ظل له كنقش في ورق أو جدار. وفيما لا يطول استمراره خلاف، والصحيح حرمته والنظر إلى الحرام حرام، وأما تصوير غير الحيوان كالسفن والأشجار فلا حرمة فيه، وليس من المنكر ستر الجدران بحرير إذا لم يستند إليه.
ــ
فصل في الوليمة وأحكامها
الوليمة مشتقة من الولم: وهو الاجتماع لاجتماع الزوجين والناس فيها، ومنها أولم الغلام إذا اجتمع عقله وخلقه.
قوله: [وهي طعام العرس]: أي خاصة ولا تقع على غيره إلا بقيد، بأن تقول وليمة الختان مثلاً.
واعلم أن طعام الختان يقال له إعذار، وطعام القادم من سفر يقال له نقيعة، وطعام النفاس يقال له خرس بضم الخاء وسكون الراء، والطعام الذي يعمله الجيران والأصحاب لأجل المودة يقال له مأدبة بضم الدال وفتحها، وطعام بناء الدور يقال له وكيرة، والطعام الذي يصنع في سابع الولادة يقال له عقيقة، والطعام الذي يصنع عند حفظ القرآن يقال له حذاقة، ووجوب إجابة الدعوة والحضور إنما هو لوليمة العرس، وأما ما عداها فحضوره مكروه إلا العقيقة فمندوب كذا في الشامل، والذي لابن رشد في المقدمات: أن حضور الكل مباح إلا وليمة العرس فواجب، وإلا العقيقة فمندوب، والمأدبة إذا فعلت لإيناس الجار ومودته فمندوبة أيضاً، وأما إذا فعلت للفخار والمحمدة فحضورها مكروه.
قوله: [وقيل إنما تكون بعد البناء]: أي وقيل قبل البناء أفضل، وكلام مالك يحتمل أن يكون قاله لمن فاتته قبل البناء لأن الوليمة لإشهار النكاح، وإشهاره قبل البناء أفضل كذا في (بن)، قال البدر: الذي يظهر من كلام ابن عرفة أن غايتها للسابع بعد البناء، فمن أخرها للسابع كانت الإجابة مندوبة لا واجبة.
قوله: [ولو بكتاب]: أي هذا إذا كانت الدعوة مباشرة بأن خاطبه صاحب العرس بنفسه، بل وإن أرسل له كتاباً.
قوله: [ونحو ذلك]: أي من باقي السبعة التي قدمناها لك.
قوله: [وإن كان المدعو صائماً]: محل وجوب إجابة الصائم ما لم يبين له وقت الدعوة أنه صائم، وكان وقت الاجتماع والانصراف قبل الغروب وإلا فلا تجب إجابته.
قوله: [وإن لمفطر فلا يجب]: أي على الراجح لرواية محمد أنه يجيب، وإن لم يأكل، ولقول الرسالة وأنت في الأكل بالخيار وفي الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعي فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك»، وقال ابن رشد الأكل مستحب لقوله ﵇: «فإن كان مفطراً فليأكل وإن كان صائماً فليصل»، أي يدع، فحمل مالك الأمر على الندب للحديث المتقدم، لأن إعمال الحديثين أولى من طرح أحدهما.
قوله: [وسماع غانية]: بمعنى مغنية إذا كان غناؤها يثير شهوة، أو كان بكلام قبيح، أو كان بآلة من ذوات الأوتار، لأن سماع الغناء إنما يحرم إذا وجد واحد من هذه الثلاثة، وإلا كان مكروها إن كان من النساء لا من الرجال فلا كراهة ما لم يكونوا متشبهين بالنساء، وإلا كان حراماً.
قوله: [وصور حيوان]: في (عب) نقلا عن (ح) أنه يستثنى من المحرم تصوير لعبة على هيئة بنت صغيرة تلعب بها البنات الصغار، فإنه جائز ويجوز بيعها وشراؤها لتدريب البنات على تربية الأولاد، وظاهر هذا أنه يجوز تصويرها واللعب بها للبنات، وبيعها وشراؤها وإن كانت كاملة الخلقة فانظره، مع قول الشارح تحرم إجماعاً إن كانت كاملة.
قوله: [بخلاف ناقص عضو]: مثله ما إذا كان مخروق البطن، وإنما حرمت الصور لما ثبت أن المصورين يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم أحيوا ما كنتم تصورون.
قوله: [والنظر إلى الحرام حرام]: أي كمشي على حبل وكالنط من الطارة واللعب بالسيف للخطر والغرر في السلامة، وفي (بن) عن ابن رشد أن المشهور أن عمل ذلك وحضوره جائز للرجال والنساء
стр. 435
(أو كثرة زحام) فإنها مسقطة لوجوب الدعوة (أو إغلاق باب دونه) إذا قدم، (وإن لمشاورة أو) لم يكن (عذر يبيح الجمعة) أي التخلف عنها من كثرة مطر أو وحل أو خوف على مال أو مرض أو تمريض قريب ونحو ذلك.
(وحرم ذهاب غير مدعو و) حرم (أكله) إن ذهب ويسمى الطفيلي (إلا بإذن) من رب الطعام فيجوز أكله.
(وكره نثر اللوز والسكر) ونحوهما في المجلس (للنهبة)، لأنه ليس من فعل الناس وأما وضع ذلك للأكل على العادة فجائز.
(و) كره (الزمارة والبوق) المسمى عندنا بالنفير إذا لم يكثر جداً حتى يلهي كل اللهو، وإلا حرم كآلات الملاهي ذوات الأوتار، والغناء المشتمل على فحش القول أو الهذيان (لا الغربال)، قال ابن عمر: هو المسمى عندنا بالبندير، ويسمى في عرف مصر بالطار، أي فلا يكره إذا لم يكن فيه صراصير، وإلا حرم (والكبر) فلا يكره: وهو الطبل الكبير المدور المُغَشَّى من الجهتين.
فصل في القسم بين الزوجات وما يلحق به
(إنما يجب القسم) على الزوج البالغ العاقل ولو مجبوباً أو مريضاً مرضاً يقدر معه عليه، (للزوجات) لا للإماء، ولا لزوجة مع أمة (في المبيت) لا في غيره
ــ
وهو قول مالك وابن القاسم، غاية الأمر أنه يكره لذي الهيئة أن يحضر اللعب اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [أو كثرة زحام]: مثله ما إذا كان الداعي امرأة غير محرم، أو كانت الوليمة لغير مسلم، ولو كان الداعي مسلماً وكذا إن كان في البيت كلب عقور، أو كان في الطعام شبهة كطعام المكاس، أو خص بالدعوة الأغنياء، أو كانت الطريق فيها نساء واقفات يتعرضن للداخل.
قوله: [ونحو ذلك]: أي من باقي أعذار الجمعة المشهورة.
قوله: [إلا بإذن من رب الطعام]: أي في الدخول، والأكل وجواز الأكل حينئذ لا ينافي حرمة الذهاب ابتداء، ومحل حرمة مجيئه بغير إذن ما لم يكن تابعاً لذي قدر معروف بعدم مجيئه وحده، فالظاهر الجواز كما في الحاشية.
قوله: [للنهبة]: أي لأجل الانتهاب، فإن صار أحدهم يأخذ ما بيد صاحبه فحرام.
قوله: [ذوات الأوتار]: أي الخيوط كالربابة والعود والقانون.
قوله: [أي فلا يكره]: أي لقوله ﵊: «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف» اهـ. وأما غير النكاح كالختان والولادة فالمشهور عدم جواز ضربه، ومقابل المشهور جوازه في كل فرح للمسلمين.
قوله: [وهو الطبل الكبير]: وقيل طبل صغير طويل العنق مجلد من جهة واحدة وهو المعروف بالدربكة، وفي تقرير لشيخ مشايخنا العدوي أن الطبل بجميع أنواعه يجوز في النكاح، فإن كان فيه صراصير ففيه خلاف.
تتمة: قال الإمام عز الدين بن عبد السلام: من كان عنده هوى من مباح كعشق زوجته وأمته فسماعه لا بأس به، ومن قال: لا أجد في نفسي شيئاً فالسماع في حقه ليس بمحرم، وقال السهروردي: المنكر للسماع إما جاهل بالسنن والآثار، وإما مغتر بما حرمه من أحوال الأخيار، وإما جامد الطبع لا ذوق له فيصر على الإنكار. قال بعض العارفين: السماع لما سمع له؛ كماء زمزم لما شرب له.
واعلم أن العلماء اختلفوا في العود وما جرى مجراه من الآلات المعروفة ذوات الأوتار؛ فالمشهور من المذاهب الأربعة أن الضرب به وسماعه حرام، وذهبت طائفة إلى جوازه ونقل سماعه عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص وغيرهم وعن جملة من التابعين ومن الأئمة المجتهدين، ثم اختلف الذين ذهبوا إلى تحريمه، فقيل: كبيرة وقيل: صغيرة، والأصح الثاني، وحكى المازري عن ابن عبد الحكم أنه قال: إذا كان في عرس أو صنيع فلا ترد به شهادة.
وأما الرقص فاختلف فيه الفقهاء، فذهبت طائفة إلى الكراهة، وطائفة إلى الإباحة، وطائفة إلى التفريق بين أرباب الأحوال وغيرهم فيجوز لأرباب الأحوال، ويكره لغيرهم، وهذا القول هو المرتضى، وعليه أكثر الفقهاء المسوغين لسماع الغناء، وهو مذهب السادة الصوفية، قال الإمام عز الدين بن عبد السلام: من ارتكب أمراً فيه خلاف لا يعزر عليه لقوله ﵊: «ادرءوا الحدود بالشبهات»، وقال ﷺ : «بعثت بالحنيفية السمحة»، وقال الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] أي ضيق، وفي هذا القدر كفاية، فإن أردت الزيادة من ذلك فانظر حاشية شيخنا الأمير على (عب) في هذا الموضع، فإن فيها العجب العجاب.
فصل في القسم بين الزوجات
قوله: [وما يلحق به]: أي وهي أحكام النشوز.
قوله: [للزوجات]: هذا هو المحصور فيه، فالمعنى لا يجب القسم لأحد في شيء إلا للزوجات في المبيت على حد لا محبة لي في شيء إلا في الله.
قوله: [لا للإماء] إلخ: أي كما قال ابن شاس لا يجب القسم بين المستولدات وبين الإماء، ولا بينهن وبين المنكوحات. اهـ.
стр. 436
كالوطء والكسوة والنفقة، (وإن) كانت الزوجات (إماء) كلهن أو بعضهن، أو كتابيات كذلك.
(أو) وإن (امتنع الوطء شرعاً أو عادة أو طبعاً؛ كمحرمة) بحج أو عمرة، (أو مظاهر منها) مثالان للممتنع شرعاً، والامتناع في الأول من جهتها، والثاني من جهته، (ورتقاء) مثال للممتنع عادة، (وجذماء) مثال للممتنع طبعاً.
(لا) يجب القسم (في الوطء إلا لضرر)، أي إلا أن يقصد بتركه ضرراً فيمنع، ويجب عليه ترك الضرر (ككفه) عن وطء واحدة مع قدرته عليه، (لتتوفر لذته للأخرى)، والاستثناء منقطع.
(وفات) القسم (بفوات زمنه)، سواء فاته لعذر أم لا فلا يقضى، فليس للتي فاتت ليلتها ليلة بدلها.
(وإن ظلم) فلا محاسبة للمظلومة بما مكنه عند ضرتها لفوات زمنه، (كخدمة) عبد (معتق بعضه) يأبق زمن نوبة سيد بعضه، (أو) عبد (مشترك) بين اثنين مثلاً، (يأبق) فإذا رجع بعد شهر مثلاً فإنه يفوت على مالك بعضه، أو على أحد الشريكين ما أبق في زمنه، ولا يحاسب العبد بما أبق زمنه، ولا أحد الشريكين صاحبه إلا أن يستخدمه شخص أيام إباقه، فلسيد بعضه ولأحد الشريكين الرجوع على من استخدمه بمنابه (يوماً وليلة) معمول لقوله: "يجب القسم": أي إذا لم يرضين بشيء أقل أو أكثر كما سيأتي.
(وندب الابتداء بالليل) لأنه وقت الإيواء، (كالبيات عند) الزوجة (الواحدة) التي لا ضرة لها، فإنه يندب لما فيه من حسن العشرة ما لم تقتض الحاجة خلافه فإن شكت الوحدة ضمت لمن يؤانسها أو أتى لها بمن يؤانسها.
(وجاز برضاهن الزيادة على يوم وليلة، والنقص) لأن الحق في ذلك لهن.
(و) جاز (استدعاؤهن لمحله) بأن يكون له محل بخصوصه يدعو كل من كانت نوبتها أن تأتي إليه فيه، والأولى أن يذهب إليها بمحلها لفعله ﵊.
(كجمعهما بمنزلين بدار) واحدة فيجوز، (ولو) جبراً (بغير رضاهما)، واعترض سيدي أحمد بابا على الشيخ بأن ما ذكره من التقييد فيها بالرضا فلا نص في كلامهم يوافقه، بل نصوص أهل المذهب تدل على أن له جبرهن على ذلك.
(و) جاز (الأثرة) بفتحات كدرجة، وبضم الهمزة وسكون المثلثة كجحفة أي: أن يؤثر ضرتها (عليها برضاها بشيء) أي في نظير شيء تأخذه منه، أو من غيره (وبغيره) أي بغير شيء بل مجاناً
ــ
قوله: [كالوطء] إلخ: أدخلت الكاف الميل القلبي، بل سيأتي أن الوطء يوكل فيه لطبيعته ما لم يمتنع لتوفير لذته لأخرى فيحرم، ونفقة كل وكسوتها على قدر حالها، وله أن يوسع على من شاء منهن زيادة على ما يليق بمثلها، قال ابن عرفة: ابن رشد مذهب مالك وأصحابه، أنه إن قام لكل بما يجب لها بقدر حالها فلا حرج عليه أن يوسع على من شاء منهن بما شاء.
قوله: [والامتناع في الأول] إلخ: أي فلذلك عدد المثال.
قوله: [والاستثناء منقطع]: راجع إلى قوله: "إلا لضرر"، وضابط الاستثناء المنقطع صحة حلول لكن محله، فكأنه قال، لكن محل عدم وجوب القسم في الوطء إن لم يكن ضرر، وإلا فيجب وما قيل في الوطء يقال في الكسوة والنفقة.
قوله: [وإن ظلم]: أي بأن بات عند إحدى الضرتين ليلتين ليلتها وليلة ضرتها، وكذا إذا بات عند إحدى الضرتين ليلتها وبات ليلة الأخرى في المسجد لغير عذر.
قوله: [فلا محاسبة للمظلومة]: أي لأن القصد من القسم دفع الضرر الحاصل في الحال، وذلك يفوت بفوات زمنه، ولو قلنا بالقضاء لظلم صاحبة الليلة المستقبلة فتدبر.
قوله: [كخدمة عبد معتق بعضه] إلخ: أي وكانت خدمته مقسومة بالجمعة مثلاً.
قوله: [وندب الابتداء بالليل]: أي ما لم يقدم من سفر، فإنه يخير في النزول عند أيتهما شاء في وقت قدومه ولا يتعين النزول عند من كان ذلك اليوم يومها على المعتمد، وإنما يستحب فقط لأجل أن يكمل لها يومها.
قوله: [فإن شكت الوحدة]: أي في الليل أو النهار، قال ابن عرفة الأظهر وجوب البيات عند الواحدة، أو يأتي لها بامرأة ترضى ببياتها عندها لأن تركها وحدها ضرر، وربما تعين زمن خوف المحارب، قال بعضهم والأظهر التفصيل بين أن يكون عندها ثبات بحيث لا يخشى عليها في بياتها وحدها فلا يجب البيات ولا الأنيسة، وإلا فيجب أحد الأمرين وهذا هو الأظهر.
قوله: [وجاز برضاهن الزيادة] إلخ: أي فإن لم يرضيا وجب القسم بيوم وليلة، ومحل هذا إذا كانتا ببلد واحدة أو في بلدين في حكم الواحدة، وأما إذا كانتا ببلدين متباعدتين فلا بأس بالقسم بالجمعة أو الشهر مما لا ضرر عليه فيه.
قوله: [بل نصوص أهل المذهب] إلخ: أي حيث كان كل منزل مستقلاً بمنافعه، والجواز بالرضا إنما هو حيث لم يكن كل منزل مستقلاً بأن كان المنزلان بمرحاض واحد ومطبخ واحد، بقي شيء آخر وهو ما إذا أراد سكناهما بمنزل واحد وقد ذكر في التوضيح أنه لا يجوز، وإن رضيتا واعترضه الشيخ أحمد بابا، أيضاً بأن النصوص تدل على جواز سكناهما بمنزل واحد إن رضيتا، ولا يقال جمعهما في منزل يستلزم وطء إحداهما بحضرة الأخرى، لأنه يمكن أن يطأها في غيبة الأخرى قاله (بن).
تنبيه: ذكر شيخ مشايخنا العدوي أنها لا تجاب بعد رضاها بسكناها مع ضرتها أو مع أهله
стр. 437
وفيه نوع تكرار مع قوله: "وجاز برضاهن الزيادة" إلخ، وليس المراد بالأثرة التفضيل في النفقة والكسوة إذ لا يجب قسم في ذلك (كعطية) منها أو من غيرها لزوجها كانت ضرة أو لا (على إمساكها) في عصمته وعدم طلاقها فيجوز، وليس من أكل أموال الناس بالباطل.
(و) جاز (شراء يومها منها) بمال أو منفعة، وهذا من باب إسقاط حق وجب في نظير شيء لا بيع حقيقي (و) جاز (وطء ضرتها) في يومها (بإذنها) لا بغيره.
(و) جاز له (سلامه عليها)، وسؤاله عن حالها (بالباب) من غير دخول عليها وإلا منع.
(وجاز له البيات عند ضرتها إن أغلقت الباب دونه) حال دخوله لها أو قبله ولم تفتح له (إن لم يقدر على البيات بحجرتها) لخوف من لص أو غيره، فإن قدر لم يجز له البيات عند ضرتها.
(وإن وهبت) امرأة (نوبتها من ضرة): أي وهبتها لضرتها هند (فالكلام له) أي للزوج (لا لها) أي هند الموهوبة، فله أن يرضى وأن لا يرضى إذ قد يكون له غرض في الواهبة دون هند الموهوبة، (فإن رضي اختصت الموهوبة) وهي هند بتلك الليلة، (بخلاف هبتها) ليلتها (له) أي للزوج (فتقدر الواهبة عدماً): أي كأنها معدومة فيستحق تلك الليلة من يليها في القسم، وليس له أن يجعلها لمن يشاء (لا إن اشترى) الزوج ليلة من ضرة، (فيخص) بها (من يشاء ولها): أي للواهبة لزوجها أو لضرتها ليلتها (الرجوع) فيما وهبت لما يلحقها من الغيرة فلا قدرة لها على الوفاء.
(ومنع) أي حرم عليه (دخوله) أي الزوج (على ضرتها في يومها) بلا إذنها (إلا لحاجة)، فيجوز الدخول بقدر زمن قضاء الحاجة (بلا مكث) بعد تمامها.
(و) منع دخوله (حماماً بهما) معاً ولو برضاهما لأنه مظنة كشف العورة، وكذا جمع الإماء فيه بخلاف دخوله بواحدة فيجوز.
(و) منع (جمعهما معه في فراش) واحد (وإن بلا وطء، كأمتين) يحرم جمعهما في فراش واحد وإن بلا وطء، لكن على أحد القولين إذا لم يكن وطء.
(و) لو تزوج رجل بضرة (قضي) عليه (للبكر بسبع) من الليالي متواليات تختص بها عنهن، (وللثيب بثلاث)، ثم يقسم بعد ذلك، وهو مخير بعد ذلك في البداءة بما شاء (ولا تجاب) البكر أو الثيب (لأكثر) مما جعله لها الشرع إن طلبته (وإن لم يقدر مريض) على القسم لشدة مرضه، (فعند من شاء) منهن بلا تعيين.
(وإن سافر) زوج ضرائر أي أراد سفراً (اختار) منهن للسفر معه من شاء
ــ
في دار لسكناها وحدها. اهـ.
والظاهر أن محل ذلك ما لم يحدث مقتض.
قوله: [وفيه نوع تكرار]: أي لعموم قوله: "الزيادة"، فإنها صادقة ولو لبعضهن، ولكن المتبادر مما تقدم الزيادة عن اليوم والليلة مع التسوية للكل، أو النقص مع التسوية لكل فلا تكرار فتأمل.
قوله: [لزوجها]: أي ويجوز العكس بأن يعطي الزوج زوجته شيئاً على أن تحسن عشرته.
قوله: [وجاز شراء يومها منها]: أي لقول ابن عبد السلام: اختلف في بيعها اليوم واليومين، والأقرب الجواز إذ لا مانع منه، ونقل عن ابن رشد الكراهة قوله: [لا بيع حقيقي]: أي لأنه ليس متمولاً.
قوله: [وجاز له البيات عند ضرتها] إلخ: وهل يجوز وطء من بات عندها حينئذ؟ وهو ما اعتمده الأجهوري أو لا يجوز اقتصاراً على قدر الضرورة وهو ما لغيره.
قوله: [فإن قدر لم يجز له البيات] إلخ: ظاهره كانت ظالمة أو مظلومة وهو كذلك على المعتمد.
قوله: [فله أن يرضى وأن لا يرضى]: قال (عب): انظر مفهوم الهبة كالشراء، هل هو كذلك له المنع أو لا لضرورة العوضية؟ قال (بن) والظاهر أن له المنع في الشراء كالهبة لوجود العلة المذكورة.
قوله: [فيخص بها من يشاء]: أي كما صرح به ابن عرفة.
قوله: [الرجوع فيما وهبت]: أي سواء قيدت بوقت أو لا، وكذلك لو باعت نوبتها للعلة المذكورة.
قوله: [لأن مظنة كشف العورة]: لا يقال هذا يقتضي منع دخول النساء الحمام مؤتزرات بعضهن مع بعض، لأنه يقال المرأة يحصل منها التساهل في كشف عورتها إذا كان زوجها حاضراً، بخلاف ما إذا لم يكن حاضراً فلا يحصل عندها التساهل كذا في حاشية الأصل، قال في الحاشية: ثم إن مقتضى العلة جواز الدخول بالزوجات وكذا الإماء إذا اتصف كل بالعمى اهـ.
قوله: [لكن على أحد القولين]: أي والقول الآخر لابن الماجشون يكره في الزوجات، ويباح في الإماء وهو ضعيف.
قوله: [قضي عليه للبكر بسبع] إلخ: هذا هو المشهور، ومقابله أن البكر يقضى لها بسبع وللثيب بثلاث مطلقاً تزوجها على غيرها أم لا، وإنما قضي للبكر بسبع إزالة للوحشة فتحتاج لإمهال وتأن، والثيب قد جربت الرجال إلا أنها استحدثت الصحبة فأكرمت بزيادة الوصلة وهي الثلاثة، فلو زفت له امرأتان في ليلة فقال اللخمي: يقرع بينهما، وقيل الحق للزوج فهو مخير دون قرعة، قال ابن عرفة الأظهر أنه إن سبقت إحداهما بالدعاء للبناء قدمت وإلا فسابقة العقد، وإن عقدتا معاً فالقرعة، وإذا أوجبت القرعة تقديم إحداهما فإنها تقدم بما يقضى لها به من سبع إن كانت بكراً، أو ثلاث إن كانت ثيباً، ثم يقضى للأخرى.
قوله: [بما شاء]: أوقع ما على من يعقل اقتداء بقوله تعالى ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ [النساء: ٣]، ولما فيهن من نقص العقل.
قوله: [ولا تجاب البكر أو الثيب لأكثر]: ظاهره ولو شرطت ذلك عند العقد لأنه شرط مخالف للسنة.
стр. 438
(إلا) إذا أراد السفر (في قربة) أي لعبادة كحج وغزو (فيقرع) بينهما أو بينهن، فمن خرج سهمها أخذها معه لأن الرغبات تعظم في العبادات.
ولما فرغ من الكلام على أحكام القسم، أخذ يتكلم على أحكام النشوز فقال: (ووعظ) الزوج (من نشزت): أي خرجت عن طاعته بمنعها التمتع بها أو خروجها بلا إذن لمكان لا يجب خروجها له، أو تركت حقوق الله كالطهارة والصلاة، أو أغلقت الباب دونه أو خانته في نفسها أو ماله. والوعظ ذكر ما يقتضي رجوعها عما ارتكبته من الأمر والنهي برفق واختلف في وجوب نفقة الناشز والذي ذكره المتيطي ووقع به الحكم وهو الصحيح أن الزوج إذا كان قادراً على ردها ولو بالحكم من الحاكم، ولم يفعل فلها النفقة، وإن غلبت عليه لحمية قومها، وكانت ممن لا تنفذ فيهم الأحكام فلا نفقة لها.
(ثم) إن لم يفد فيها الوعظ (هجرها) في المضاجع فلا ينام معها في فرش، ولا يباشرها لعلها ترجع عن نشوزها.
(ثم) إن لم يفد الهجر (ضربها) ضرباً غير مبرح ولا يجوز الضرب المبرح وهو الذي يكسر عظماً أو يشين لحماً، ولو علم أنها لا ترجع عما هي فيه إلا به، فإن وقع فهو جان فلها التطليق والقصاص ومحل جواز الضرب (إن ظن إفادته) وإلا فلا يضرب، فهذا قيد في الضرب دون ما قبله لشدته (وبتعديه) أي الزوج على الزوجة بضرب لغير موجب شرعي، أو سب كلعن ونحوه، وثبت ببينة أو إقرار (زجره الحاكم بوعظ فتهديد) إن لم ينزجر بالوعظ، (فضرب إن أفاد) الضرب أي ظن إفادته وإلا فلا، وهذا إن اختارت البقاء معه (ولها التطليق) بالتعدي إذا ثبت (وإن لم يتكرر) التعدي منه عليها، وليس من الضرر منعها من الحمام والنزاهة وضربها ضرباً غير مبرح على ترك الصلاة ونحوها، بخلاف المبرح كما تقدم، (وإن) كانت (صغيرة وسفيهة) ولا كلام لوليها في ذلك.
(وإن أشكل) الأمر فلم يعلم هل الضرر منها أو منه بأن ادعت الضرر وتكررت شكواها، ولم تثبت ذلك أو ادعى كل منهما الضرر، وتكررت منه الشكوى ولم يكن له بينة (أسكنها) الحاكم: أي أمر بسكناها (بين) قوم (صالحين إن لم تكن بينهم) ليظهر لهم الحال، فيخبروا الحاكم بذي الضرر.
(ثم) إن استمر الإشكال والنزاع (بعث) الحاكم (حكمين من أهلهما) أي حكماً من أهله وحكماً من أهلها (إن أمكن)، فإن لم يمكن فأجنبيين.
(وندب كونهما جارين) لأن الجار أدرى بحال الجار (وصحتهما) أي الحكمين أي: شرط صحتهما (بالعدالة) فلا يصح حكم غير العدل، سواء حكم بطلاق أو إبقاء أو بمال، وغير العدل صبي أو مجنون أو فاسق، (والذكورة) فلا يصح حكم النساء (والرشد) فلا يصح حكم سفيه،
ــ
قوله: [إلا إذا أراد السفر في قربة]: أي وهذا هو اختيار ابن القاسم من أقوال أربعة، وهي الاختيار مطلقاً، القرعة مطلقاً، القرعة في الحج والغزو فقط، القرعة في الغزو فقط.
قوله: [ووعظ الزوج من نشزت]: أي إذا لم يبلغ نشوزها الإمام أو بلغه ورجي صلاحها على يد زوجها وإلا وعظها الإمام.
قوله: [ذكر ما يقتضي رجوعها]: أي بما يلين القلب من الوعد بالثواب والتخويف بالعقاب، المترتبين على طاعة الزوج ومخالفته.
قوله: [هجرها في المضاجع]: وغاية الهجر المستحسن شهر ولا يبلغ به أربعة أشهر.
قوله: [غير مبرح) بكسر الراء المشددة. اسم فاعل من برح به الضرب تبريحاً: شق عليه، فالمبرح هو الشاق، وإن ضربه فادعت العداء وادعى الأدب، فإنها تصدق ما لم يكن معروفاً بالصلاح وإلا قبل قوله.
قوله: [دون ما قبله]: أي وهو الوعظ والهجر، فإنه يفعله ولو لم يظن الإفادة، ولا يقال هما من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيشترط فيهما ظن الإفادة، لأنه يقال بل هما من باب رفع الشخص الضرر عن نفسه، بدليل أن في الآية تقدير مضاف وهو: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾ [النساء: ٣٤]، أي ضرر نشوزهن، والخوف يصدق ولو بالشك.
قوله: [فضرب إن أفاد]: أي على طبق ما تقدم في وعظ الزوج لها. والحاصل أنه يعظه أولاً إذا جزم بالإفادة أو ظنها، أو شك فيها، فإن لم يفد ذلك هدده بالضرب، فإن لم يفد ذلك ضربه إن جزم بالإفادة أو ظنها.
قوله: [ولا كلام لوليها]: قال المؤلف في تقريره: هذا ظاهر في السفيهة فهو راجع لها دون الصغيرة فالكلام لوليها اهـ.
قوله: [حكمين من أهلهما]: أي لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطيب للإصلاح، ونفوس الزوجين أسكن إليهما، فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض، وإرادة الفرقة أو الصحبة.
قوله: [فإن لم يمكن فأجنبيين]: فإن بعث أجنبيين مع الإمكان ففي نقض حكمهما تردد، والظاهر نقضه لأن ظاهر الآية أن كونهما من أهلهما واجب شرط كما في التوضيح.
قوله: [سواء حكم بطلاق]: أي بغير مال، وقوله: [أو بمال] أي في خلع.
قوله: [فلا يصح حكم النساء]: لأن الحكم حاكم وإمام مقتدى به، ولا يصح الحكم من النساء ولا الاقتداء بهن لنقصهن في العقل والدين.
قوله: [فلا يصح حكم سفيه]: اعلم أن السفيه إذا كان مولى عليه كان غير عدل، وإن كان أصلح أهل زمانه لأن شرط العدل أن لا يكون مولى عليه، وإن كان مهملاً فإن اتصف بما اعتبر في العدل فعدل وإلا فلا؛ فقول الشارح فلا يصح حكم
стр. 439
(والفقه بذلك) فلا يصح حكم جاهل بما ولي فيه.
(و) يجب (عليهما الإصلاح) ما استطاعا ﴿إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما﴾ [النساء: ٣٥]، (فإن تعذر) الإصلاح (طلقا) أي حكما بالطلاق، (ونفذ) حكمهما ظاهراً وباطناً، (وإن لم يرضيا): أي الزوجان بحكمهما، (أو) لم يرض (الحاكم به).
(ولو كانا) أي الحكمان مقامين (من جهتهما) أي الزوجين فهو نافذ، ولو لم يرض به الزوجان أو الحاكم فأولى إذا أقامهما الحاكم، (بواحدة) متعلق بطلقا (ولا يلزم) الزوج (ما زاد) على الواحدة (إن أوقعا أكثر) من واحدة (وطلقا) بما فيه المصلحة فيطلقان (بلا خلع)، أي بلا مال يأخذانه منها للزوج (إن أساء) الزوج، أي إن كانت الإساءة منه، (وبه) أي بالخلع (إن أساءت) أي كانت الإساءة منها، (أو يأتمناه عليها) بلا طلاق، بأن يأمراه بالصبر عليها وعدم معاملتها بالضرر الواقع منها إن اقتضى النظر والمصلحة ذلك (وإن أساءا معاً) أي كان كل منهما يضر بصاحبه (تعين) الطلاق (بلا خلع عند الأكثر) إذا لم ترض بالمقام معه (وجاز) الطلاق (به) أي بالخلع (بالنظر عند غيرهم) أي الأكثر وهم الأقل هكذا نقله بعضهم واعترض على كلام الشيخ الذي مقتضاه عكس ذلك انظر شرح الشبرخيتي (وأتيا الحاكم) بعد حكمهما بما اقتضاه النظر (فأخبراه ونفذه) أي نفذ حكمهما وجوباً، ولا يجوز له تعقبه ولا نقضه كما تقدم، وإن خالف مذهبه، وفائدته جمع الكلمة وعدم الاختلاف.
(وللزوجين إقامة) حكم (واحد) يرضيانه من غير رفع للحاكم (على الصفة) المتقدمة من كونه عدلاً رشيداً ذكراً عالماً بذلك، وينفذ حكمه ولو لم يرضيا به فأولى أن لهما إقامة حكمين، بخلاف الحاكم إذا رفعا إليه فلا بد من بعث حكمين إذا كان لكل من الزوجين قريب من أهله، والآية الكريمة تفيد ذلك لأن قوله تعالى: ﴿فابعثوا﴾ إلخ يفيد أن ذلك عند الرفع، وأنهما إذا رضيا بإقامة واحد بلا رفع كفى (كالحاكم) له إقامة الواحد (والوليين) أي ولي الزوج وولي الزوجة حيث كان الزوجان محجورين لهما إقامة الواحد بلا رفع على أحد القولين، (إن كان) المقام (أجنبياً) من الزوجين، ومثله فيما يظهر إذا كان قريباً لهماً معاً قرابة مستوية، كابن عم لهما أو عم، والقول الثاني لا يجوز للحاكم ولا للوليين إقامة الواحد مطلقاً.
(ولهما) أي للزوجين (الإقلاع عنهما) أي عن الحكمين، وعدم الرضا بحكمهما، إن أقاما حكمين، أو الإقلاع عن الواحد إن أقاما واحداً ومحل جواز الإقلاع (إن أقاماهما) من أنفسهما بلا رفع للحاكم (ما لم) أي مدة كون الحكمين المقامين منهما لم (يستوعبا الكشف) عن حالهما، (ويعزما على الحكم) وإلا فليس لهما الإقلاع، وظاهره ولو رضيا بعد العزم على الحكم بالطلاق بالبقاء والصلح، وقال ابن يونس: ينبغي إذا رضيا معاً بالبقاء أن لا يفرق بينهما، ومفهوم إن أقاماهما أنهما لو كانا موجهين من الحاكم فليس لهما الإقلاع، ولو لم يستوعبا الكشف وهو ظاهر لعدم اختيارهما في إقامتهما (وإن) حكما بالطلاق و (اختلفا) أي الحكمان (في المال) أي العوض فقال أحدهما: بعوض، وقال الآخر: مجاناً (فإن التزمته) المرأة فظاهر (وإلا) تلتزمه (فلا طلاق) يلزم الزوج ويرجع الحال لما كان؛ لأن الزوج يدعي أن الطلاق معلق على شيء لم يتم لأن مجموع الحكمين بمنزلة حاكم واحد، ولا وجود للمجموع عند انتفاء بعضه فقوله واختلفا في المال أي في أصله،
وأما لو اختلفا في قدره أو صفته أو نوعه فينبغي الرجوع إلى خلع المثل، وقد تم الخلع ما لم يزد خلع المثل على دعواهما جميعاً أو ينقص عن دعوى أقلهما ذكره الأجهوري.
ــ
سفيه أي حيث كان مولى عليه أو مهملاً غير عدل.
قوله: [والفقه بذلك]: أي فغير الفقيه لا يصح حكمه ما لم يشاور العلماء بما يحكم به، فإن حكم بما أشاروا عليه به كان حكمه نافذاً.
قوله: [ولو لم يرض به الزوجان أو الحاكم]: أي أو كان الحكم الذي أوقعاه مخالفاً لمذهبه، إذ لا يشترط موافقتهما له في المذهب.
قوله: [ولا يلزم الزوج ما زاد]: حاصله أنه لا يجوز لهما ابتداء إيقاع أكثر من واحدة، فإذا أوقعاه فلا ينعقد منه إلا واحدة، لأن الزائد خارج عن معنى الإصلاح.
قوله: [وطلقا بما فيه المصلحة]: إن قلت إن كلام المصنف يفيد أنه يجوز للحكمين الطلاق ابتداء وهو يعارض ما يأتي له في باب القضاء من أن المحكم لا يجوز له أن يحكم في الطلاق ابتداء، فإن حكم مضى حكمه. والجواب أن ما هنا الطلاق ليس مقصوداً بالذات من التحكيم، بل أمر جر إليه الحال، وإنما المقصود بالذات الإصلاح، فلذا جاز لهما ابتداء الطلاق، وما يأتي المقصود بالذات من التحكيم الطلاق، فلذا لم يجز لغير القاضي الحكم فيه ابتداء.
قوله: [انظر شرح الشبرخيتي]: أي فإنه قال عند قول خليل: "وإن أساء فهل يتعين الطلاق بلا خلع أو لهما أن يخالعا بالنظر وعليه الأكثر؟ تأويلان" لم نر في كلامهم رجوعاً، قوله: "وعليه الأكثر" للثاني فعلى المصنف تقديمه لأول التأويلين.
قوله: [أي نفذ حكمهما) بأن يقول حكمت بما حكمتما به، وأما إن قال نفذت ما حكمتما به، فلا يرفع الخلاف.
قوله: [إقامة حكم واحد]: أي إن كان قريباً منهما مستوي القرابة أو أجنبياً منهما كما يأتي.
قوله: [على أحد القولين]: ظاهره أن الخلاف إنما هو في إقامة الوليين والحاكم، وأما إقامة الزوجين محكماً فلا خلاف في جوازه، وليس كذلك بل فيه الخلاف أيضاً كما في البدر القرافي، ولكن عدم الجواز بالنسبة للزوجين ضعيف رأى المصنف ضعفه فلم يلتفت له.
قوله: [وقال ابن يونس] إلخ: قال في الحاشية ومفاد بعض
стр. 440
ولما فرغ من الكلام على النكاح شرع يتكلم على الطلاق، وبدأ بالخلع لتقدم ذكره في النشوز ولأن له أحكاماً تخصه وهي قليلة بالنسبة لأحكام غيره من الطلاق، فقدمها ليتفرغ منها لذكر أحكام غيره فقال:
فصل في الكلام على الخلع وما يتعلق به
ومعناه لغة الإزالة والإبانة [١] من خلع الرجل ثوبه أزاله وأبانه، والزوجان كل منهما لباس لصاحبه قال تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ [البقرة: ١٨٧] فإذا فارقها كأنه نزعها منه، ولما كان في نظير عوض ناسبه أن يسمى بهذا الاسم أكثر من غيره.
وحكمه الأصلي الجواز كما أفاده بقوله: (يجوز الخلع وهو الطلاق بعوض): أي في نظير عوض قل أو كثر، ولو زاد على الصداق بأضعاف إن كان العوض منها، بل (وإن) كان (من غيرها) من ولي أو غيره.
(أو بلفظه) أي الخلع، و"أو" للتنويع: أي أنه نوعان: الأول وهو الغالب ما كان في نظير عوض.
والثاني: ما وقع بلفظ الخلع ولو لم يكن في نظير شيء، كأن يقول لها: خالعتك، أو أنت مخالعة.
(وهو): أي الخلع بنوعيه طلاق (بائن لا رجعة فيه)، بل لا تحل له إلا بعقد جديد بشروطه المتقدمة، (وإن قال) الزوج حين دفع العوض أو حين تلفظ بالخلع طلقتك طلقة (رجعية) فلا يفيده ويقع بائناً، ومن لوازم البينونة سقوط النفقة والإرث.
(وشرط باذله): أي العوض من زوجة أو غيرها (الرشد) فلا يصح من سفيه أو صغير أو رق.
(وإلا) بأن بذله غير رشيد (رد) الزوج (المال) المبذول، (وبانت) منه (ما لم يعلق بكأن تم لي) هذا المال فأنت طالق، (أو) إن (صحت براءتك فطالق)، فإذا رد الولي أو الحاكم المال من الزوج لم يقع طلاق بخلاف ما إذا قاله لرشيدة أو رشيد
ــ
الشراح اعتماده.
قوله: [وأما لو اختلفا في قدره] إلخ: أي بأن قال أحدهما: طلقت بعشرة، وقال الآخر: بثمانية، وقوله: [أو صفته)، أي بأن قال أحدهما: بمقطع هندي، وقال الآخر: ببلدي، وقوله: [أو نوعه] أي بأن قال أحدهما: بفرس والآخر: ببعير فالحكم كما قال الشارح.
فصل في الكلام على الخلع
وأركانه خمسة: القابل، والموجب، والعوض، والمعوض، والصيغة؛ فالقابل: الملتزم للعوض. والموجب: الزوج أو وليه، والعوض: الشيء المخالع به، والمعوض: بضع الزوجة، والصيغة: كاختلعت كذا في الحاشية، فالمراد من الخلع حقيقته المتضمنة لتلك الأركان.
قوله: [وما يتعلق به]: أي وهي فروعه الآتية.
قوله: [قال تعالى: ﴿هن لباس لكم﴾ [البقرة: ١٨٧]]: تسمية كل لباساً لصاحبه فيه استعارة مصرحة، بأن شبه الساتر المعنوي بالساتر الحسي، واستعير اسم المشبه به وهو اللباس، للمشبه وهو أحد الزوجين على طريق الاستعارة المصرحة، والجامع بينهما أن كلاً مانع للقبح أو مجاز مرسل من إطلاق الملزوم وهو اللباس، وإرادة اللازم وهو الستر.
قوله: [يجوز الخلع]: أي جوازاً مستوي الطرفين على المشهور، وقيل يكره وهو قول ابن القصار، والخلاف فيه من حيث المعاوضة على العصمة، وأما من حيث كونه طلاقاً فهو مكروه بالنظر لأصله، أو خلاف الأولى لقوله ﵊: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، كما يأتي.
قوله: [وهو الطلاق بعوض]: يفهم من قوله: "بعوض" أنه معاوضة فلا يحتاج لحوز كالعطايا فلو أحال عليها الزوج فماتت أو فلست أخذ من تركتها وأتبعت به.
قوله: [بل وإن كان من غيرها]: ظاهره جوازه بعوض من غيرها ولو قصد ذلك الغير إسقاط نفقتها عن الزوج في العدة وهو المشهور، ومذهب المدونة وحينئذ فلا يرد العوض ويقع الطلاق بائناً، وتسقط نفقة العدة، وقيل يعامل بنقيض مقصوده فيرد العوض ويقع الطلاق رجعياً ولا تسقط نفقتها.
تنبيه: قال في المدونة: من قال لرجل: طلق امرأتك ولك ألف درهم ففعل لزم الألف ذلك الرجل.
قوله: [بشروطه المتقدمة]: أي وأركانه والمراد شروط النكاح وأركانه المتقدمة في أول الباب.
قوله: [وشرط باذله]: أي شرط صحته بدليل التفريع.
قوله: [فلا يصح من سفيه] إلخ: المناسب فلا يلزم، لأن الولي ينظر في فعل محجوره فإن وجد فيه المصلحة أمضاه فمقتضى نظره فيه أنه صحيح غير لازم، كما يؤخذ من المجموع ومن حاشية الأصل والخرشي، قال في المجموع وإن خالع محجوراً عليها سفيهة أو غيرها نظر الولي اهـ. واختلف في لزوم العوض للسفيهة المهملة والمعتمد أنه لا يلزمها، ولو أقامت أعواماً عند زوجها. والحاصل أن الصغيرة والسفيهة وذات الرق إن أذن لهن الولي والسيد لزم العوض ولا يرده الزوج إذا قبضه، وأما إن فعلن ذلك بدون إذن فللولي والسيد رده، ولا تتبع إن عتقت وبانت من زوجها، وهذا في ذات الرق التي ينتزع مالها أما غيرها كالمدبرة وأم الولد في مرض السيد إذا خالعا وقف المال، فإن مات السيد مضى الخلع، وإن صح فله إبطاله ورد المال. وتبين من زوجها وأما المكاتبة إذا خالعت بالكثير فيرد إن اطلع عليه قبل أدائها، ولا يجوز له الإذن في ذلك لأنه يؤدي
стр. 441
أو قاله بعد صدور الطلاق فلا ينفعه.
(وجاز) الخلع (من المجبر) أياً كان، أو سيداً أو وصياً عن مجبرته بغير إذنها ولو بجميع مهرها، وذلك ظاهر قبل الدخول وكذا بعده في السيد مطلقاً وفي الأب والوصي إذا كانت بحيث لو تأيمت بطلاق أو موت كانت مجبرة لصغر أو جنون وجعلنا المجبر شاملاً للوصي تبعاً لبعضهم، لكن نص المدونة أنه لا يجوز خلع الوصي إلا برضاها لقوله فيها: يجوز خلع الوصي عن البكر برضاها، وعليه فقول الشيخ: "بخلاف الوصي" أي فإنه لا يجوز خلعه عنها بغير رضاها صحيح، واعتراض الشراح عليه لا يسلم فتأمل. (لا) يجوز الخلع (من غيره) أي المجبر من سائر الأولياء (إلا بإذن) منها له فيه (وفي كون السفيهة) ذات الأب الثيب البالغ (كالمجبرة) يجوز للأب أن يخالع عنها من مالها بدون إذنها، أو ليست كالمجبرة فليس له ذلك (خلاف)، وظاهر كلامه في التوضيح: أن الأرجح أنه لا يجوز إلا برضاها.
(و) جاز الخلع (بالغرر كجنين) ببطن أمتها أو بقرتها أو نحو ذلك، فإن انفش الحمل فلا شيء له وبانت، كما لو كان الجنين في ملك غيرها، (وآبق) فإن لم يظفر به فلا شيء له، وبانت (غير [١] موصوف) من حيوان أو عرض وثمرة لم يبد صلاحها، (وله الوسط منه): أي من غير الموصوف لا الجيد، ولا الدنيء من جنس ما خالعته به، فإذا وقع على عبد أو بعير فله الوسط من ذلك.
(و) جاز الخلع (بنفقة حمل) أي بنفقتها على نفسها مدة حملها (إن كان) حمل: أي على تقدير وجوده، وأولى الحمل الظاهر (وبالإنفاق على ولدها) منه (أو ما تلده) من الحمل (مدة الرضاع) عامين (أو أكثر [٢] ولا تسقط به) أي بخلعها على نفقة ما تلده من الحمل (نفقة الحمل على الأصح) وهو قول ابن القاسم، قال: لها نفقة الحمل لأنهما حقان أسقطت أحدهما عنه في نظير الخلع فيبقى الآخر، وقال الإمام: إذا خالعها بنفقة ما تلده استلزم ذلك سقوط نفقة الحمل، وهو الذي مشى عليه الشيخ بقوله فلا نفقة للحمل، ورجح الأول.
(كالعكس) أي إذا خالعها على إسقاط نفقة الحمل فلا يسقط به نفقة الرضاع، (أو) بالإنفاق (على الزوج) المخالع لها (أو) على (غيره) قريب أو غيره منفردة عن نفقة رضاع بل (وإن) كانت (مع) نفقة (الإرضاع) لولدها منه مدة الرضاع أو أكثر (فإن ماتت) المرأة (أو انقطع لبنها أو ولدت أكثر من ولد) في بطن (فعليها) النفقة، وتؤخذ من تركتها في موتها.
(وإن أعسرت) المرأة (أنفق الأب) على ولده المدة المشترطة، (ورجع) عليها إذا أيسرت (وإن مات الولد أو غيره) من زوج أو غيره (رجع الوارث عليها) أي على المرأة (ببقية) نفقة (المدة) المشترطة (إلا لعرف) أو شرط فيعمل به (و) جاز الخلع (بإسقاط حضانتها) لولده وينتقل الحق [٣] له
ــ
لعجزها، وأما باليسير فيوقف ما خالعت به، فإن عجزت فله إبطاله ورد المال وبانت، وإن أدت صح ولزم، وأما المعتقة لأجل فخلعها صحيح لازم إن قرب الأجل لا إن بعد فينظر فيه السيد، وأما المبعضة فإن كان بمالها الذي ملكته ببعضها الحر فصحيح لازم فتأمل.
قوله: [أو قاله بعد صدور الطلاق]: أي لصغيرة أو سفيهة أو ذات رق فلا ينفعه ذلك على المعتمد خلافاً للبرزلي.
قوله: [فلا ينفعه]: هذا ظاهر بالنسبة لصدوره بعد الطلاق، وأما لو قاله لرشيدة فقد ينفع كما إذا كان مضارراً لها، فافتدت منه ليطلقها وأضمرت أنها تثبت الضرر وتعود عليه، فلو علق في تلك الحالة فلا يلزمه طلاق حينئذ، وأما طلاق الحاكم عليه للضرر فحكم آخر.
قوله: [وظاهر كلامه في التوضيح] إلخ: نص التوضيح في خلع الأب عن السفيهة قولان الأول لابن العطار وابن الهندي وغيرهما من الموثقين لا يجوز له ذلك إلا بإذنها، وقال ابن أبي زمنين وابن لبابة جرت الفتوى من الشيوخ بجواز ذلك، ورأوها بمنزلة البكر ما دامت في ولاية الأب على المشهور، اللخمي وهو الجاري على قول مالك في المدونة ابن راشد والأول هو المعمول به، ابن عبد السلام وهو أصل المذهب اهـ. وفي التوضيح أيضاً اختلف في خلع الوصي عنها برضاها في ذلك روايتان لابن القاسم والقياس المنع في الجميع اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [كجنين]: فإذا أعتق الزوج الجنين المخالع به شرعاً صار حراً ببطن أمه.
قوله: [كما لو كان الجنين] إلخ: تشبيه في لزوم الطلاق ولا شيء له وظاهره كان عالماً أنه ملك للغير أو لا ولكنه يجري على ما يأتي.
قوله: [وغير موصوف]: ويدخل فيه اللؤلؤ.
قوله: [أي بنفقتها على نفسها]: فيه إشارة إلى أن المراد بقولهم نفقة الحمل أي نفقة أم الحمل.
قوله: [وتؤخذ من تركتها في موتها]: أي يؤخذ ما يفي برضاعه في بقية الحولين ولو استغرق جميع التركة، فإن الدين يقدم على جميع الورثة.
قوله: [إلا لعرف أو شرط]: أي يقدم الشرط على العرف عند تعارضهما.
قوله: [وينتقل الحق له]: هذا مقيد بأن لا يخشى على المحضون ضرر. إما لعلوق قلبه بأمه، أو لكون مكان الأب غير حصين وإلا فلا تسقط الحضانة اتفاقاً ويقع الطلاق، وإذا خالعته على إسقاط الحضانة ومات الأب، فهل تعود الحضانة للأم؟ وهو الظاهر أو تنتقل لمن بعدها لإسقاط حقها؟ وانظر إذا ماتت الأم أو تلبست بمانع، هل تعود الحضانة لمن بعدها قياساً على من أسقط حقه في وقف لأجنبي، ثم مات فيعود لمن بعده
стр. 442
ولو كان هناك من يستحقها غيره قبله، وهذا هو المشهور، ولكن الذي جرى به العمل وبه الفتوى انتقالها لمن يليها في الرتبة.
(و) جاز الخلع (مع البيع) كأن تدفع له عبداً على أن يخالعها ويدفع لها عشرة.
(و) لو خالعته بمال لأجل مجهول (عجل المؤجل بمجهول) فيأخذه منها حالاً، والخلع صحيح. (وله) أي للزوج (رد) شيء (رديء) وجده في المال الذي خالعته به ليأخذ بدله منها، سواء كان دراهم أو غيرها (إلا لشرط) بأن شرطت عليه عدم رد الرديء فليس له رده عملاً بالشرط (وإن استحق) من يد الزوج (مقوم معين) خالعته به كثوب معين أو عبد معين (فقيمته) يرجع بها عليها (وإلا) بأن خالعته بمثلي أو مقوم موصوف كثوب صفته كذا فاستحق من يده، (فمثله) يرجع به عليها (إلا أن يعلم) الزوج حين الخلع بأنها لا تملك ما خالعته به وخالعها عليه، (فلا شيء له) وبانت (كالحرام) فإنه يرد أنه إذا خالعها بشيء حرام (من كخمر) وخنزير ومغصوب ومسروق علم به فلا شيء له عليها وبانت، (وأريق) الخمر وقتل الخنزير ويرد المغصوب أو المسروق لربه.
(وكتأخيرها ديناً عليه) في نظير خلعها، وقد حل أجله، فإنه لا شيء له عليها لأن تأخير الحال سلف وقد جر لها نفعاً وهو خلاص عصمتها منه، وتأخذ منه الدين حالاً.
(أو تعجيل ما) أي دين لها عليه لأجل (لم يجب) عليها (قبوله) قبل أجله، بأن كان طعاماً أو عرضاً من بيع فيرد التعجيل، ويبقى إلى أجله وبانت لما فيه من حط الضمان عنه على أن زادها حل العصمة (أو) خالعها على (خروجها من المسكن) الذي طلقها فيه فيرد برجوعها له، لأنه حق لله لا يجوز إسقاطه.
(وبانت) راجع لجميع ما تقدم ولا شيء له عليها (كإعطائه) أي الزوج وهو من إضافة المصدر لمفعوله أي أعطته هي أو غيرها (مالاً في عدة) الطلاق (الرجعي على نفيها): أي الرجعة، (فقبل) الزوج ذلك المال على ذلك فيقع عليه طلقة أخرى بائنة اتفاقاً إن كان على أن لا رجعة له عليها وعلى المشهور إن كان على أن لا يرتجعها، وقال أشهب: له رجعتها ورد المال ذكره ابن رشد
ــ
ممن رتبه الواقف، أو تستمر للأب؟ وهو ظاهر كلام جمع نظراً إلى أنها ثبتت له بوجه جائز كذا في الحاشية.
قوله: [ولكن الذي جرى به العمل] إلخ: هذا الاستدراك أصله للـ (بن)، وهذا الخلاف مبني على خلاف آخر؛ حاصله أن من ترك حقه في الحضانة إلى من هو في ثالث درجة مثلاً، هل للثاني قيام أو لا قيام له؟ لأن المسقط له قائم مقام المسقط، وشمل قول المصنف؛ وبإسقاط حضانتها لولده الولد الحاصل، ومن سيحصل فيلزمها خلعها على إسقاط حضانتها لحمل بها كما قاله (ح)، وليس هذا من باب إسقاط الشيء قبل وجوبه لجريان سببه وهو الحمل.
قوله: [على أن يخالعها ويدفع لها عشرة]: أي فالعبد نصفه في مقابلة العشرة وهو بيع، ونصفه في مقابلة العصمة وهو خلع، سواء كانت قيمة العبد تزيد على ما دفعه الزوج من الدراهم أو تساوي أو تنقص على الراجح من وقوع الطلاق بائناً لأنه طلاق قارنه عوض في الجملة واستحسنه اللخمي، وبه القضاء كما قال المتيطي لا رجعياً كمن طلق وأعطى خلافاً لبعضهم.
قوله: [ولو خالعته بمال] إلخ: أي فالمال معلوم قدره والأجل مجهول كما إذا خالعته على عشرة دفعها له يوم قدوم زيد، وكان يوم قدومه مجهولاً، فالخلع لازم ويلزمها أن تعجل له العشرة حالاً، وتؤولت المدونة أيضاً على تعجيل قيمة ذلك المجهول، وما مشى عليه الشارح هو المعتمد إذ هو ظاهر المدونة، لأن المال في نفسه حلال، وكونه لأجل مجهول حرام، فيبطل الحرام ويعجل ووجه القول الثاني أنه كقيمة السلعة في البيع الفاسد.
قوله: [إلا أن يعلم الزوج] إلخ: حاصل المسألة أن الصور ثمان وهو ما إذا علما معاً أنه ملك للغير، أو جهلا معاً، أو علمت هي دونه، أو علم هو دونها، وفي كل إما أن يكون ما استحق معيناً أو موصوفاً، ويلحق به المثلي، فإن علما معاً أو علم دونها فلا شيء له وبانت كان المستحق معيناً أو موصوفاً، وإن جهلا معاً رجع بالقيمة في المقوم وبالمثل في الموصوف والمثلي، وإن علمت دونه فإن كان معيناً فلا خلع، وإن كان موصوفاً رجع بمثله كذا يؤخذ من (بن)، وبهذا تعلم ما في كلام المصنف من الإجمال.
قوله: [وأريق الخمر]: ولا تكسر أوانيه لأنها تطهر بالجفاف.
قوله: [وقتل الخنزير]: أي على ما في سماع ابن القاسم وهو المعتمد، وقيل إنه يسرح.
قوله: [ويرد المغصوب أو المسروق لربه]: أي ولا يلزم الزوجة شيء بدل ذلك كله إذا كان الزوج عالماً بالحرمة علمت هي أم لا، أما لو علمت هي بالحرمة دونه فلا يلزمه الخلع كما مر، وإن جهلا معاً الحرمة ففي الخمر والخنزير لا يلزمها شيء وتبين منه، وأما المغصوب والمسروق فكالمستحق يرجع عليها بقيمته إن كان معيناً وبمثله إن كان موصوفاً أو مثلياً.
قوله: [وكتأخيرها ديناً عليه]: ومثله تعجيلها ديناً عليها له لم يجب عليه قبول.
قوله: [لأن تأخير الحال سلف]: أي لأن من أخر ما عجل يعد مسلفاً.
قوله: [من بيع]: يحترز عما إذا كان الطعام أو العرض من قرض، فإنه يجب عليها قبولها قبل الأجل كالعين مطلقاً لأن الأجل فيها من حق من هي عليه كما سيأتي في الربويات إن شاء الله تعالى.
стр. 443
وقيل الخلاف في كل من الصورتين وبالجملة اتفق مالك وابن القاسم على وقوع طلقة أخرى بائنة.
(وكبيعها أو تزويجها) فيلزمه الطلاق بائناً أي: إن من باع زوجته أو زوجها لغيره في زمن مجاعة أو غيره، فإنه يقع عليه الطلاق بائناً إذا كان جداً لا هزلاً قاله المتيطي، قال ابن القاسم: من باع امرأته أو زوجها هازلاً فلا شيء عليه، ومثله في العتبية فقول بعض الشراح: "ولو هازلاً" ضعيف (و) يقع الطلاق بائناً (بكل طلاق حكم به) أي حكم به حاكم، (إلا) إذا حكم به (لإيلاء أو عسر بنفقة) فرجعي، فإن أيسر في العدة فله رجعتها كما أن المولى له رجعتها ووطؤها في العدة (لا إن طلق) زوجته (وأعطى) لها مالاً من عنده فليس بخلع، بل هو رجعي على المعتمد، قال في التوضيح: لأنه بمنزلة من طلق وأعطى لزوجته المتعة، (أو شرط) بالبناء للمفعول فيشمل الشرط منه أو منها أو من غيرهما، أي أن من طلق زوجته رجعياً وشرط عليه (نفي الرجعة) من غير إعطاء مال فإنه يستمر على أنه رجعي، ولا تبين بذلك.
(وموجبه) بكسر الجيم: أي موقعه ومثبته (زوج) لا غيره إلا أن يكون وكيلاً عنه (مكلف)، لا صبي ومجنون، (ولو) كان الزوج (سفيهاً) أو عبداً لأن العصمة بيده، وله أن يطلق بغير عوض فيه.
(أو ولي غيره): أي غير المكلف من صبي أو مجنون، سواء كان الولي أباً للزوجة، أو سيداً أو وصياً أو حاكماً أو مقاماً من جهته، إذا كان الخلع منه (لنظر) أي مصلحة، ولا يجوز عند مالك وابن القاسم أن يطلق الولي عليهما بلا عوض، ونقل ابن عرفة عن اللخمي أنه يجوز لمصلحة إذ قد يكون في بقاء العصمة فساد لأمر ظهر أو حدث (لا أب سفيه) فلا يخالع عنه بغير إذنه، (و) لا (سيد) عبد (بالغ) لأن الطلاق بيد الزوج المكلف ولو سفيهاً أو عبداً، لا بيد الأب والسيد فأولى غيرهما من الأولياء كالوصي والحاكم.
(ونفذ خلع المريض) مرضاً مخوفاً وهو ما الشأن فيه أن يكون سبباً في الموت، لا نحو رمد أو خفيف صداع، وأشار بقوله: "ونفذ" إلى أنه لا يجوز ابتداء لما فيه من إخراج وارث (وترثه) زوجته المخالعة في مرضه إن مات منه، ولو خرجت من العدة وتزوجت بغيره (دونها) أي فلا يرثها هو إن ماتت في مرضه قبله، ولو كانت مريضة حال الخلع أيضاً لأنه هو الذي أسقط ما كان يستحقه، (ككل مطلقة بمرض موت) أي مخوف فإنها ترثه إن مات من ذلك المرض دون أن يرثها، ولو كانت مريضة أيضاً، (ولو أحنثته [١] فيه): أي في المرض تعمداً منها كما لو قال لها: إن دخلت دار فلان فأنت طالق، فدخلتها قاصدة حنثه فترثه دونها.
ــ
قوله: [وقيل الخلاف في كل من الصورتين]: هذا هو المعتمد لما علمت من العبارة الأولى.
قوله: [وبالجملة اتفق مالك وابن القاسم]: وذلك لأن عدم الارتجاع الذي قيل [٢] المال لأجله ملزوم للطلاق البائن، فالطلاق الذي أنشأه الآن بقبول المال غير الطلاق الذي حصل منه أولاً، إذ الحاصل أولاً رجعي وهذا الذي أنشأه بقبول المال بائن، وعن ابن وهب أنها تبين بالأولى فتنقلب الأولى بائناً، وقال أشهب لا يلزمه بقبول المال شيء وله الرجعة ويرد لها مالها، وكلا القولين ضعيف والمعتمد قول مالك وابن القاسم. إن قلت هو ظاهر إن وقع القبول باللفظ، بأن قال قبلت هذا المال على عدم الرجعة، وأما القبول بغير اللفظ بأن أخذ المال وسكت فهو مشكل إذ كيف يقع الطلاق بغير اللفظ، وقد يجاب بأن ما يقوم مقام اللفظ في الدلالة على القبول كالسكوت منزل منزلة اللفظ، وسيأتي أنها تكفي المعطاة إن قصد بها ذلك.
قوله: [إذا كان جداً]: أي لو كان جاهلاً بالحكم ولا يعذر بجهله، ومثل بيعه لها وتزويجه ما لو باعها إنسان أو زوجها بحضرة الزوج وهو ساكت، فإنها تبين أيضاً، وأما إن أنكر فلا تبين كذا في الحاشية.
قوله: [ضعيف]: أي لقول بعض المحققين إذا كان هازلاً فلا شيء عليه اتفاقاً، والخلاف فيما إذا باعها أو زوجها غير هازل وحيث قلتم ببينونتها في البيع والتزويج فينكل فاعل ذلك نكالاً شديداً، ولا يمكن من تزوجها ولا من تزوج غيرها حتى تعرف توبته مخافة أن يعود ثانياً.
قوله: [وموجبه] إلخ: أي طلاق الخلع وليس الضمير راجعاً للعوض، لأن الزوج لا يوجب العوض وإنما الذي يوجبه ملتزمه زوجة أو غيرها.
قوله: [ولو كان الزوج سفيهاً]: رد بـ "لو"ٍ على ما حكاه ابن الحاجب وابن شاس من عدم صحة طلاق الخلع من السفيه.
قوله: [إذا كان الخلع منه]: الضمير عائد على الولي فهو قيد فيه.
قوله: [ونقل ابن عرفة] إلخ: هذا هو المعول عليه.
قوله: [بالغ]: حذفه من الأول لدلالة الثاني عليه بدليل تعليل الشارح.
قوله: [وترثه زوجته]: أي على المشهور ومقابله ما روي عن مالك من عدم إرثها لانتفاء التهمة لكونها طالبة للفراق.
قوله: [أي فلا يرثها هو]: أي ولو ماتت يوم الخلع لأن الطلاق بائن.
قوله: [دون أن يرثها]: أي في الطلاق البائن أو الرجعي إذا انقضت عدتها منه.
قوله: [ولو أحنثته فيه]: أي فلا يرثها في الطلاق البائن أو الرجعي إن ماتت بعد انقضاء
стр. 444
(أو) ولو (أسلمت) زوجته الكتابية في مرض موته، (أو عتقت) زوجته الأمة (فيه) أي في مرض موته، فإنها ترثه دونها، (أو) ولو خرجت من العدة و (تزوجت غيره) ولو أزواجاً (وورثت أزواجاً) كثيرة كل منهم طلقها بمرض موته. (والإقرار به) أي بالطلاق (فيه): أي في مرض الموت بأن أخبر في مرضه أنه كان طلقها سابقاً (كإنشائه) في مرضه فترثه ولا يرثها إن كان طلقها بائناً على دعواه، أو رجعياً وخرجت من العدة على دعواه، وإلا ورثها أيضاً، ولا عبرة بإسناده الطلاق لزمن صحته.
(والعدة) تبتدأ (من) وقت (الإقرار) بالطلاق لا من اليوم الذي أسند إليه الطلاق، وهذا إذا لم تشهد بينة بمقتضى إقراره، وإلا عمل بها، والعدة من يوم أرخته البينة ولا إرث إذا انقضت العدة على مقتضى تاريخها أو كان بائناً (وإنما ينقطع إرثها منه بصحة) من ذلك المرض (ببينة) أي ظاهرة (ولا يجوز خلع) الزوجة (المريضة) مرضاً مخوفاً أي يحرم عليها أن تخالع زوجها، وكذا يحرم عليه لإعانته لها على الحرام، وينفذ الطلاق ولا توارث بينهما إن كان الزوج صحيحاً، ولو ماتت في عدتها، ومحل المنع (إن زاد) الخلع (على إرثه منها) لو ماتت بأن كان إرثه منها عشرة وخالعته بخمسة عشر، وأولى لو خالعته بجميع مالها، فإن خالعته بقدر إرثه فأقل جاز ولا يتوارثان، قاله ابن القاسم وقال مالك: إن اختلعت منه في مرضها وهو صحيح بجميع مالها لم يحز [١] ولا يرثها، وظاهر أن قول ابن القاسم لا يخالفه كما قاله أكثر الأشياخ.
(ورد الزائد) على إرثه منها (واعتبر) الزائد على إرثه (يوم موتها) لا يوم الخلع، وحينئذ فيوقف جميع المال المخالع به إلى يوم الموت، فإن كان قدر إرثه فأقل استقل به الزوج، وإن كان أكثر رد ما زاد على إرثه، فإن صحت من مرضها تم الخلع وأخذ جميع ما خالعته به، ولو أتى على جميع مالها (ولا توارث) بينهما على كل حال (وإن) وكل الزوج وكيلاً على خلعها و (نقص وكيله عما سماه) له بأن قال له: وكلتك على أن تخالعها بعشرة فخالعها بخمسة، (أو) نقص (عن خلع المثل إن أطلق) الزوج (له) أي للوكيل بأن لم يسم له شيئاً (أو) أطلق (لها) أي للزوجة بأن قال لها: إن أتيتيني بمال أو بما أخالعك به فأنت طالق (لم يلزمه) الخلع في الصور الثلاث (إلا أن يتم) بالبناء للمفعول أي إلا أن يتم الوكيل في الأولى ما سماه له، وفي الثانية خلع المثل، وتتمم الزوجة في الثالثة خلع المثل ولو زاد الوكيل على ما سماه له أو على خلع المثل فيما إذا أطلق له فاللزوم ظاهر بالأولى (وإن) وكلت الزوجة وكيلاً ليخالعها وسمت له شيئاً أو أطلقت و (زاد وكيلها) على ما سمت أو على خلع المثل إن أطلقت (فعليه الزيادة) على ما سمت، أو على خلع المثل إن أطلقت، ولا يلزمها إلا دفع ما سمت أو خلع المثل، ولزم الطلاق على كل حال (ولها) أي الزوجة حيث خالعت زوجها بمال وادعت أنها إنما خالعته لضرر منه يجوز التطليق به (رد المال) الذي أخذه الزوج منها أي أخذه منه (إن شهدت) أي أقامت بينة تشهد لها (على الضرر ولو بسماع)، بأن تقول: لم نزل نسمع أنه يضاررها (أو بيمين مع شاهد أو) مع (امرأتين) شهدتا برؤية الضرر منه ولو مرة هذا إذا لم تسقط قيامها بينة الضرر بل، (وإن أسقطت القيام بها) بأن قال لها: أنا أخالعك بشرط أن تسقطي حقك من القيام ببينة الضرر، فوافقته، فلها أن تقيمها بعد الطلاق وتأخذ منه المال الذي دفعته له على الأصح كما قال الشيخ، لأن الضرر يحملها على ذلك قهراً فلا يعمل بالتزامها لذلك [٢]،
ــ
العدة ولو كان تعليقه الطلاق في الصحة.
قوله: [أو ولو أسلمت زوجته الكتابية] إلخ: أي المطلقة كل منهما في المرض أو المحنثة له فيه، ولو كان التعليق في الصحة.
قوله: [أو ولو خرجت من العدة]: مبالغة في إرثها.
قوله: [وورثت أزواجاً كثيرة]: من ذلك اللغز المشهور، امرأة ورثت ثلاثة أزواج في يوم واحد، وطئها اثنان منهم في ذلك اليوم، وتصور بمرأة كانت في عصمة مريض فطلقها في المرض، فوفت العدة قبل موته، ثم تزوجت بآخر فحملت منه، ففي يوم وضع حملها وطئها ثم مات قبل الوضع، فوضعت ذلك اليوم وعقد عليها شخص فيه ووطئها ومات في ذلك اليوم هو والمريض الأول.
قوله: [وهذا ما لم تشهد بينة]: أي كما لو أقر أنه طلقها منذ سنة أو شهر وأقام على ذلك بينة فيعمل على ما أرخت، وأما لو شهدت البينة على المريض بأنه طلق في زمان سابق على مرضه بحيث تنقضي العدة كلها أو بعضها وهو ينكر ذلك، فكإنشاء الطلاق في المرض لا يعتبر تاريخ البينة فترثه إن مات من ذلك المرض، ولو طال وتزوجت أزواجاً، وابتداء العدة من يوم الشهادة، وقيل من تاريخ البينة وهو المعتمد.
قوله: [بصحة من ذلك المرض] إلخ: أي مات بعد انقضاء العدة، أو كان الطلاق بائناً وإن لم تنقض العدة.
قوله: [وظاهر أن قول ابن القاسم لا يخالفه]: أي لأن كلام مالك صريح في أنه خالعها بأكثر من إرثه منها وهذا بعينه تقييد ابن القاسم.
قوله: [يوم موتها]: أي على الراجح.
قوله: [رد ما زاد على إرثه]: أي كما قاله اللخمي خلافاً لابن رشد القائل بأنه لا شيء له أصلاً حيث كان زائداً.
قوله: [ولا توارث بينهما على كل حال]: أي ماتت قبل الصحة أو بعدها انقضت العدة أم لا، لأن الطلاق بائن.
قوله: [رد المال] إلخ: صورتها ادعت امرأة بعد المخالعة بدفع المال لزوجها أنها ما خالعته إلا عن ضرر، وأقامت بينة على الضرر، فإن الزوج يرد لها ما خالعها به وبانت منه، هذا إذا كانت البينة شهدت بمعاينة الضرر، بل وإن قالت لم نزل نسمع أنه يضاررها.
قوله: [أو بيمين مع شاهد] إلخ
стр. 445
وبانت منه (و) رد المال الذي خالعها به أيضاً (بكونها بائناً): أي بثبوت كونها وقت الخلع كانت مطلقة طلاقاً بائناً إذ الخلع لم يصادف محلاً حالة البينونة منه (لا) إن خالعها في حال كونها مطلقة طلاقاً (رجعياً) لم تنقض عدته فلا يرد المال، وصح الخلع ولزمه طلقة أخرى بائنة لأن الرجعية زوجة ما دامت في عدتها، (كأن قال) لها (إن خالعتك فأنت طالق ثلاثاً) ثم خالعها فيقع الطلاق عليه ثلاثاً ورد لها ما أخذه منها، لأن الخلع لم يصادف محلاً لوقوع الثلاث عليه هذا قول ابن القاسم، وهو المشهور، ووجهه: أن المعلق والمعلق عليه يقعان في آن واحد، وقد يقال إن المعلق لا يقع إلا بعد حصول المعلق عليه وهو الخلع وإذا حصل الخلع كانت غير زوجة فلم يقع المعلق عليه ولا يلزمه إلا طلقة واحدة بائنة، فلا ترد منه المال، وهذا هو قول أشهب وهو دقيق، وإن كانت الفتوى بقول ابن القاسم. فإن لم يقل: ثلاثاً، بل قال: إن خالعتك فأنت طالق، وأطلق لزمه طلقتان ولم يرد المال، فإن قيد باثنتين لم يرد المال ولزمه الثلاث وكل هذا على مذهب ابن القاسم (وكفت المعاطاة) في الخلع عن النطق بالطلاق، (إن جرى بها) أي بالمعاطاة (عرف) كأن يجري عرفهم بأنها متى دفعت له أسورتها أو عقدها فأخذه وانصرفت، كان ذلك خلعاً ومثله قيام القرينة، قال ابن القاسم: إن قصد الصلح على أن يأخذ متاعه وسلم لها متاعها فهو خلع لازم ولو لم يقل أنت طالق. اهـ. (وإن علق) الخلع (بالإقباض أو الأداء) نحو: إن أقبضتني أو أديتني عشرة فأنت طالق أو فقد خالعتك، (لم يختص) الإقباض (بالمجلس) الذي علق به، بل متى أعطته ما طلبه لزمه الخلع ما لم يطل الزمن، بحيث يقضي العرف أن الزوج لم يقصد التمليك إليه (إلا لقرينة) تقتضي أنه أراد الإقباض بالمجلس، فيعمل بها (ولزم في) الخلع على (ألف) عين نوعها كألف دينار أو درهم أو شاة، وفي البلد محمدية ويزيدية، أو ضأن ومعز (الغالب) في البلد؛ فإن لم يكن غالب أخذ من كل المتساويين نصفه، ومن الثلاثة المتساوية ثلث كل (و) لزم (البينونة) أي الطلاق البائن إذا قال: أنت طالق (بهذا) الثوب (الهروي) بفتح الراء نسبة إلى [١] هراة، بلدة من خراسان، وأشار لثوب حاضر فدفعته له (فإذا هو) ثوب (مروي) بسكون الراء نسبة لمرو بلدة من خراسان أيضاً، فتبين منه ويلزم الثوب المشار إليه لأنه لما عينه بالإشارة كان المقصود ذاته، سواء كان الثاني أدنى أو أجود، (أو) قال أنت طالق (بما في يدك، فإذا هو غير متمول) كتراب، (أو) كانت يدها (فارغة) فيلزمه الطلاق بائناً عند ابن عبد السلام، واختاره الشيخ بقوله: "على الأحسن"؛ لأنه أبانها مجوزاً لذلك كالجنين فينفش الحمل، وقال اللخمي: لا يلزمه طلاق.
(لا إن خالعته بمعين لا شبهة لها فيه) لعلمها بأنه ملك غيرها (ولم يعلم) الزوج بذلك لأنه خالعها بشيء لم يتم له، وغير المعين يلزمه به الخلع ويلزمها مثله، وبمعين لها فيه شبهة بأن اعتقدت أنه ملكها فاستحق منه لزم الطلاق ولزمها مثل المثلي وقيمة غيره، فلو علم لزم الطلاق ولا شيء كما تقدم (أو) خالعته (بدون خلع المثل في) قوله لها: إن دفعت لي (ما أخالعك به فأنت طالق) لم يقع عليه طلاق، لأن ما أخالعك به منصرف لخلع المثل، فإن دفعت خلع المثل بانت وإلا فلا (وإن) اتفقا على الطلاق و (تنازعا في المال) فقال الزوج: طلقتك على مال، وقالت: بل بلا عوض (أو) اتفقا عليه وتنازعا في (قدره) فقال: بعشرة، قالت: بل بخمسة، (أو) في (جنسه) فقال: بعبد، وقالت: بثوب (حلفت) على طبق دعواها ونفي دعوى الزوج وكان القول لها بيمين في المسائل الثلاث،
ــ
محل كفاية اليمين مع الشاهد أو مع المرأتين إن كانت الشهادة بمعاينة الضرر كما قال الشارح لا بالسماع، فلا بد من رجلين على المعتمد.
قوله: [فلا يعمل بالتزامها لذلك]: أي ولو أشهد عليها بينة.
قوله: [وبانت منه]: أي ما لم يعلق طلاقها على تمام المال أو صحة البراءة كما تقدم.
قوله: [أي بثبوت كونها قبل الخلع مطلقة] إلخ: أي كما لو وقع عليه طلاق بائن، واستمر معاشراً لها من غير تجديد عقد.
قوله: [وهو دقيق]: أي لقول ابن رشد في نقله من أشهب إذا خالعها لا يرد على الزوجة شيئاً مما أخذه قال وهو الصحيح في النظر، لأنه جعل الخلع شرطاً في وقوع الطلاق الثلاث، والمشروط إنما يكون تابعاً للشرط، وحيث كان تابعاً له فيبطل لوقوعه بعد الخلع في غير زوجة، وحينئذ فلا يرد ما أخذه تأمل.
قوله: [وكل هذا على مذهب ابن القاسم]: أي وأما على ما ذهب إليه أشهب فلا يلزمه إلا طلاق الخلع، ويقضى له بالمال في سائر الأحوال.
قوله: [إن قصد الصلح]: أي قطع النزاع بالمفارقة، وقوله، فهو خلع، أي حيث دفعت له شيئاً من عندها.
قوله: [لم يختص الإقباض] إلخ: أي ولا يشترط قبول الزوجة للتعليق عقب حصوله من الزوج. والحاصل أنه إن وقع منها الأداء بعد المجلس وقبل الطول لزم الخلع مطلقاً عند ابن عرفة، وقيده ابن عبد السلام بتقدم القبول منها في المجلس وإلا لم يلزم.
قوله: [لا إن خالعته بمعين] إلخ: تقدم في هذا المقام صور ثمانية عند قول المصنف: "وإن استحق مقوم معين" إلخ فلا حاجة للإعادة.
قوله: [المسائل الثلاث]: أي وهي التنازع في أصل المال أو القدر أو الجنس.
стр. 446
(وبانت) على مقتضى دعواه في الأولى (فإن نكلت حلف) الزوج وكان القول له (وإلا) يحلف بأن نكل كما نكلت، (فقولها): أي فالقول قولها (و) إن تنازعا (في عدد الطلاق) فقال: طلقتها واحدة، وقالت: بل ثلاثاً ولا بينة، (فقوله بيمين) فله تزوجها قبل زوج، ولو تزوجها بعد زوج كانت معه بطلقتين عملاً بقوله، هذا هو الذي تقتضيه القواعد من العمل بالأصل؛ إذ الأصل عدم الطلاق، وقد ادعت عليه خلاف الأصل فعليها البيان (كدعواه) أي الزوج (موت) عبد مثلاً (غائب) خالعته به قبل الخلع وادعت موته بعده، (أو) ادعى حين ظهر به عيب أن (عيبه قبله) أي قبل الخلع، وادعت أنه بعده فالقول له في المسألتين والضمان منها، لأن الأصل عدم انتقال الضمان إليه فعليها البيان (فإن ثبت أنه) أي الموت أو العيب (بعده) أي بعد الخلع (فضمانه منه) أي من الزوج.
فصل في بيان أحكام الطلاق وأركانه وما يتعلق بذلك
وافتتحه بقوله ﷺ : («أبغض الحلال إلى الله الطلاق») وهو يفيد أن الطلاق وإن كان حلالاً إلا أن الأولى عدم ارتكابه لما فيه من قطع الألفة إلا لعارض كما أفاده بقوله: (وقد يندب) لعارض كما لو كانت بذيَّة اللسان يخاف منها الوقوع في الحرام لو استمرت عنده، كأن يضربها ضرباً مبرحاً، أو يسبها ويسب والديها، أو كانت قليلة الحياء تتبرج إلى الرجال، وأكثرهن يسب أم الزوج إذا كانت عند ابنها وغير ذلك.
(أو) قد (يجب) لعارض كما لو علم أن بقاءها يوقعه في محرم من نفقة أو غيرها.
ــ
قوله: [وبانت على مقتضى دعواه في الأولى]: أي فيؤاخذ بإقراره من جهة البينونة احتياطا في الفروج، ولا يرثها إن ماتت، وإن لم تنقض العدة وعلي النفقة على مقتضى دعواها، وترثه إن لم تنقض العدة.
قوله [فإن نكلت حلف الزوج]: أي لأنها دعوى تحقيق ترد فيها اليمين.
قوله: [فقوله بيمين]: وقيل بغير يمين ووجهه أن ما زاد على ما قاله الزوج هي مدعية له، وكل دعوى لا تثبت إلا بعدلين فلا يمين بمجردها، وعلى الأول لو نكل حبس حتى يحلف، فإن طال دين، ولا يقال تحلف ويثبت ما تدعيه، لأن الطلاق لا يثبت بالنكول مع الحلف، وتبين منه على كل حال، إذا اتفقا على الخلع أو ادعاه الزوج. وفائدة كون القول قوله أنه إذا تزوجها تكون على تطليقتين اعتماداً على قوله طلقت واحدة إلا أنه عند بينونتها لا يحل لها أن تمكنه بتزوجها قبل زوج كما في سماع عيسى، وأقره ابن رشد، فإن تزوجته قبل زوج فرق بينهما، وقال ابن رشد: لو ادعت ذلك وهي في عصمته ثم أبانها فأرادت أن تتزوجه قبل زوج، وقالت: كنت كاذبة وأردت الراحة منه صدقت. في ذلك، ولم تمنع من ذلك ما لم تذكر ذلك بعد أن بانت منه اهـ كذا يؤخذ من حاشية الأصل نقلاً عن (بن).
فصل في بيان أحكام الطلاق
أي أحكام القدوم عليه، فتارة يكون واجباً، وتارة يكون حراماً، وتارة يكون مندوباً، وتارة يكون مكروهاً؛ فكما أن تلك الأحكام تعرض على النكاح تعرض على الطلاق إلا أن الأصل في النكاح الندب، وفي الطلاق - خلاف الأولى - أو الكراهة وسيفصل ذلك.
قوله: [وأركانه]: أي الأربعة الآتية في قوله: "وركنه أهل وقصد ومحل ولفظ ".
قوله: [وما يتعلق بذلك]: أي من شروط وغيرها.
قوله: [وهو يفيد أن الطلاق] إلخ: اعلم أنه استشكل هذا الحديث بأن المباح ما استوى طرفاه، وليس منه مبغوض ولا أشد مبغوضية، والحديث يقتضي ذلك لأن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه. وأجيب بأن المعنى أقرب الحلال للبغض الطلاق، فالمباح لا يبغض بالفعل، لكن قد يقرب له إذا خالف الأولى، والطلاق من أشد أفراد خلاف الأولى، وهذا ما أشار له الشارح بقوله: "وإن كان حلالا، إلا أن الأولى عدم ارتكابه". وأجيب بجواب آخر بأنه ليس المراد بالحلال ما استوى طرفاه، بل ما ليس بحرام فيصدق بالمكروه، وخلاف الأولى، فخلاف الأولى مبغوض والمكروه أشد مبغوضية، وليس المراد بالبغض ما يقتضي التحريم، بل المراد كونه ليس مرغوباً فيه لأن فيه اللوم، ويكون سر التعبير بالأبغضية قصد التنفير، وأنت خبير بأن الجواب الثاني مبني على أن حكم الطلاق الأصلي الكراهة، لا على أنه خلاف الأولى الذي مشي عليه الشارح، فالأظهر الجواب الأول، وأما حمله على سبب الطلاق من سوء العشرة ففيه أن هذا ليس من الحلال، وأفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه.
قوله: [يخاف منها الوقوع في الحرام]: أي يخاف على نفسه الوقوع في ذلك، أو يخاف عليها بدليل تمثيل الشارح، فإن ضربه فيها الضرب المبرح وسبها وسب والديها حرام عليه، وتبرجها للرجال وسبها أم الزوج حرام عليها، والمراد بالخوف الشك الظن لا العلم، وإلا لوجب الطلاق كما في القسم الذي يليه.
قوله: [من نفقة أو غيرها]: أي كما إذا كان ينفق عليها من حرام، وغير النفقة كالضرب المبرح أو السب المتحقق وقوعه بالفعل، ومحل
стр. 447
وقد يحرم كما لو علم أنه إن طلقها وقع في الحرام كالزنا ولا قدرة له على زواج غيرها.
والطلاق من حيث هو قسمان: سني وبدعي (والسني): ما استوفى شروطاً خمسة أشار لها بقوله: (واحدة) لا أكثر (كاملة) لا بعض طلقة كنصف طلقة (بطهر) لا في حيض أو نفاس (لم يمس) أي لم يطأها (فيه) أي في الطهر الذي طلق فيه (بلا عدة) أي من غير أن يوقعه عليها في عدتها من رجعي قبل هذا وبقي شرط سادس: وهو أن يوقعه على جملة المرأة لا على بعضها كيدها.
(وإلا) بأن انتفت هذه الشروط أو بعضها بأن أوقع أكثر من واحدة، أو بعض طلقة أو في حيض، أو نفاس أو في طهر مسها فيه، أو أردف أخرى في عدة رجعي (فبدعي) كما لو أوقعها على بعض المرأة.
والبدعي إما مكروه وإما حرام كما قال: (وكره) البدعي (إن كان) وقوعه (بغير حيض ونفاس)، وظاهره ولو أوقع ثلاثاً، وقال اللخمي: إيقاع اثنتين مكروه، وثلاثة ممنوع ونحوه في المقدمات، وعبر في المدونة بالكراهة، لكن قال الرجراجي: مراده بالكراهة التحريم.
والإجماع على لزوم الثلاث إذا أوقعها في لفظ واحد نقله ابن عبد البر وغيره، ونقل بعضهم عن بعض المبتدعة: أنه يلزمه طلقة واحدة، واشتهر ذلك عن ابن تيمية، قال بعض أئمة الشافعية: ابن تيمية ضال مضل، أي لأنه خرق الإجماع وسلك مسالك الابتداع، وبعض الفسقة نسبه إلى الإمام أشهب، فيضل به الناس، وقد كذب وافترى على هذا الإمام، لما علمت من أن ابن عبد البر وهو الإمام المحيط نقل الإجماع على لزوم الثلاث، وأن بعضهم نقل لزوم الواحدة عن بعض المبتدعة.
(وإلا) بأن طلق في الحيض أو النفاس (منع ووقع، وإن طلبته) المرأة من زوجها في حيضها أو نفاسها، (أو خالعت) زوجها فيه (وأجبر) الزوج (على الرجعة) إذا كان رجعياً ويستمر الجبر (لآخر العدة) فإن خرجت من العدة بانت، وقال أشهب: يجبر ما لم تطهر من الحيضة الثانية لأنه ﵊ أباح في هذه الحالة طلاقها فلا معنى لإجباره في هذه الحالة، والأمر بارتجاعها حق لله فيجبره الحاكم، (وإن لم تقم) المرأة (بحقها) في الرجعة (فإن أبى) من الرجعة (هدد بالسجن، ثم) إن أبى (سجن) بالفعل، (ثم) إن أبى هدد (بالضرب، ثم) إن أبى (ضرب) بالفعل يفعل ذلك كله (بمجلس) واحد، (فإن أبى) من [١] الارتجاع (ارتجع الحاكم) بأن يقول: ارتجعتها لك (وجاز به): أي بارتجاع الحاكم (الوطء والتوارث) وإن لم ينوها الزوج لأن نية الحاكم قائمة مقام نيته.
(والأحب) لمن راجع المطلقة في الحيض طوعاً أو كرهاً وأراد مفارقتها (إمساكها حتى تطهر) فيطأها (فتحيض فتطهر) بعده (ثم إن شاء طلق) قبل أن يمسها ليكون سنياً، وإنما طلب منه عدم طلاقها في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلق فيه، لأن الارتجاع جعل للصلح، وهو إنما يتم بالوطء بعد الحيض، فقد مسها في ذلك الطهر، فإذا حاضت منع الطلاق، فإذا طهرت فله الطلاق قبل الوطء ومنع طلاق الحائض قيل: تعبدي، أي غير معلل بعلة، والأصح أنه معلل بتطويل العدة لأن أولها يبتدئ من الطهر بعد الحيض، فأيام الحيض الذي طلق فيه لغو لم تحسب من العدة، فليست هي فيها زوجة ولا معتدة، وينبني على ذلك قوله: (وجاز طلاق الحامل) في الحيض؛ لأن عدتها وضع حملها فلا تطويل فيها.
(و) جاز طلاق (غير المدخول بها فيه): أي في الحيض لعدم العدة من أصلها.
ــ
وجوب طلاقها عند الإنفاق عليها من حرام ما لم يخش بفراقها الزنا، وإلا فلا يجب عليه طلاق ويقتصد مهما أمكن.
قوله: [كما لو علم أنه إن طلقها] إلخ: ظاهره ولو لزم عليه الإنفاق عليها من حرام كما علمت، بقي أنه لم يذكر حكم الكراهة وهو إذا طلقها قطع عن عبادة مندوبة ككونها معينة له على طلب العلم المندوب.
قوله: [سني]: أي أذنت السنة في فعله، سواء كان راجحاً أو خلاف الأولى أو حراماً لا راجح الفعل فقط، كما قد يتوهم من إضافته للسنة، فلذلك كانت تعتريه الأحكام، وإن كان سنياً.
قوله: [فإن انتفت هذه الشروط]: لا يتأتى ذلك دفعة لأن البدعي يكون في الحيض، وفي طهر مسها فيه، ومحل اجتماعهما، فالمناسب أن يقتصر على قوله أو بعضها.
قوله: [وظاهره ولو أوقع ثلاثاً]: ظاهره أيضاً ولو أوقعها على جزء المرأة وليس كذلك، بل هو حرام كالواقع في الحيض بدليل تأديبه عليه كما يأتي.
قوله: [منع]: أي إذا كان بعد الدخول وهي غير حامل بدليل ما يأتي.
قوله: [إذا كان رجعياً]: أي لا بائناً ولو طلقة واحدة كما إذا كانت في خلع.
قوله: [أباح في هذه الحالة طلاقها]: أي طلاق المرأة التي طلقها زوجها في الحيض.
قوله: [ضرب بالفعل]: ينبغي أن يقيد الضرب بظن الإفادة كما تقدم في ضربها عند النشوز.
قوله: [فإن أبى الارتجاع ارتجع الحاكم]: فإن ارتجع الحاكم قبل فعل شيء من هذه الأمور صح إن علم أنه لا يرتجع من فعلها، وإلا لم يصح والظاهر وجوب الترتيب، وأنه إن فعلها كلها من غير ترتيب ثم ارتجع مع إباء المطلق صحت الرجعة قطعاً.
قوله: [والأحب لمن راجع المطلقة]: الاستحباب منصب على المجموع فلا ينافي وجوب الإمساك في حالة الحيض.
قوله: [وإنما طلب منه عدم طلاقها] إلخ: أي فطلاقها في ذلك الطهر مكروه ولا يجبر على الرجعة، سواء مسها قبل الطلاق أو لا.
قوله: [قيل تعبدي]: أي لمنع الخلع وعدم الجواز، وإن رضيت وجبره على الرجعة وإن لم تقم كما قال خليل.
стр. 448
(وصدقت) المرأة (إن ادعته): أي الطلاق في الحيض ليجبر على رجعتها ولا ينظرها النساء (إلا أن يترافعا) للحاكم حال كونها (طاهراً)، فالقول له فلا يجبر على الرجعة.
(وعجل فسخ الفاسد في) زمن (الحيض)، ولا يؤخر حتى تطهر منه إذ التأخير على الفساد أقبح من الفسخ في الحيض.
(و) عجل (الطلاق على المُولي) في الحيض إذا حل الأجل بكتاب الله، (ثم أجبر على الرجعة) بعده لسنة رسول الله ﷺ .
(بخلاف المعسر بالنفقة) إذا حل أجل التلوم فلا يطلق عليه في الحيض، بل حتى تطهر (أو العيب) كجذام أو برص أو جنون يجده أحد الزوجين في الآخر فلا يعجل الفسخ في الحيض، بل حتى تطهر، (أو ما): أي نكاح (للولي) أي أب أو سيد أو غيرهما (فسخه)، وعدم فسخه كأن يتزوج عبد بغير إذن سيده أو صغير أو سفيه بغير إذن وليه فلا يعجل فسخه في الحيض، واللعان لا يعجل في الحيض إذا أراد ملاعنتها فيه، بل حتى تطهر.
ثم شرع يتكلم على أركانه وشروطه وما يتعلق بها فقال: (وركنه): أي الطلاق من حيث هو سنياً أو بدعياً بعوض أم لا، وهو مفرد مضاف فيعم جميع الأركان، فكأنه قال: وأركانه أربعة: (أهل) والمراد به: موقعه من زوج أو نائبه أو وليه إن كان صغيراً، ولا يرد الفضولي لأن موقعه في الحقيقة هو الزوج بدليل أن العدة من يوم الإجازة لا الإيقاع.
(وقصد): أي قصد النطق باللفظ الصريح أو الكناية الظاهرة، ولو لم يقصد حل العصمة وقصد حلها في الكناية الخفية، واحترز به عن سبق اللسان في الأولين وعدم قصد حلها في الثالث.
(ومحل) أي عصمة مملوكة تحقيقاً أو تقديراً كما يأتي.
(ولفظ): صريح أو كناية ظاهرة أو خفية، أي أو ما يقوم مقامه كالإشارة والكتابة، لا بمجرد نية ولا بفعل إلا لعرف والمراد بالركن: ما تحقق به الماهية ولو لم يكن جزءاً منها حقيقة.
وأشار لشروط صحته وهي ثلاثة: الإسلام والبلوغ والعقل بقوله: (وإنما يصح من مسلم) لا من كافر (مكلف) ولو سفيهاً، لا من صبي أو مجنون أو مغمى عليه (ولو سكر) المكلف
ــ
قوله: [وصدقت المرأة] إلخ: حاصله أن المرأة إذا طلقها زوجها، فقالت طلقني في حال حيضي، وقال الزوج: طلقتها في حال طهرها وترافعا، فإنها تصدق بيمين ولا ينظرها النساء لأنها مؤتمنة على فرجها خلافاً لما في طرر ابن عات من أن النساء ينظرن لمحل الدم، من فرجها ولا تكلف أيضاً بإدخال خرقة في فرجها، وينظر إليها النساء خلافاً لابن يونس، وكل هذا ما لم يترافعا وهي طاهرة، وإلا فالقول قوله كما قال المصنف، وانظر هل بيمين أم لا.
قوله: [وعجل الطلاق على المولي] إلخ: حاصله أن المولي إذا حل أجل الإيلاء في زمن حيض امرأته ولم يفئ بأن لم يرجع عن يمينه ويكفر عنه، فالمشهور كما قال ابن القاسم أنه يطلق عليه ويجبر على الرجعة، لأنه صدق عليه أنه طلق في الحيض والطلاق رجعي. واستشكل تعجيل الطلاق على المولي في الحيض بأن الطلاق إنما يكون عند طلبها الفيئة وطلبها حال الحيض ممتنع، فإن وقع لا يعتبر كما يدل عليه ما يأتي. وأجيب بحمل هذا على ما إذا وقع منها طلب الفيئة قبل الحيض وتأخر الحكم بالطلاق حتى حاضت.
قوله: [بكتاب الله]: أي لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ [البقرة: ٢٢٦] إلى ﴿سميع عليم﴾ [البقرة: ٢٢٧] وقوله: [لسنة رسول الله)، أي «لقضية عبد الله بن عمر حين طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسكها بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله تعالى بها النساء» قال ابن عمر حسبت علي تطليقة.
قوله: [فلا يعجل الفسخ في الحيض] إلخ: فإن عجل فيه وقع بائناً إن أوقعه الحاكم ولا رجعة له كذا قاله ابن رشد وهو المعتمد، وقال اللخمي يقع رجعياً ويجبر على الرجعة إلا في العنين، فإنه بائن، فإن أوقعه الزوج من غير حاكم فرجعي اتفاقاً ويجبر على الرجعة إلا في العنين، فإنه بائن لأنه طلاق قبل الدخول.
قوله: [للولي أي أب أو سيد أو غيرهما فسخه]: أي فليس لهم فسخه في الحيض إذا كان ذلك بعد الدخول لا قبله فلهم الفسخ لأن الطلاق في الحيض حينئذ جائز.
قوله: [فلا يعجل فسخه في الحيض]: هذا ظاهر في غير الصغير فتأمل.
قوله: [وركنه]: الواو للاستئناف.
قوله: [أو نائبه]: المراد به الحاكم والوكيل، ومنه الزوجة إذا جعله بيدها.
قوله: [إن كان صغيراً]: أي ومثله المجنون إذا كان لا يفيق.
قوله: [أي قصد النطق]: أي ولذلك كان يلزم بالهزل على المشهور.
تنبيه: يلزم طلاق الغضبان ولو اشتد غضبه خلافاً لبعضهم ودعوى أنه من قبيل الإكراه باطل، وكل هذا ما لم يغب عقله بحيث لا يشعر بما صدر منه فإنه كالمجنون.
قوله: [أو تقديراً كما يأتي]: أي في قوله: "ومحله ما ملك من عصمة وإن تعليقاً".
قوله: [ولفظ صريح]: أي كما يأتي في قوله: "ولفظه الصريح الطلاق".
قوله: [لا بمجرد نية]: أي عزم ليس معه لفظ ولا كلام نفسي.
قوله: [ولا يفعل [١]]: أي كنقل متاعها مثلاً.
قوله: [والمراد بالركن] إلخ: بهذا يندفع ما يقال إن الفاعل والمفعول ليس واحد منهما ركناً من الفعل، فكيف يجعل الأهل والمحل من أركان الطلاق الذي هو رفع حلية تمتع الزوج بزوجته.
قوله: [لا من كافر]: أي سواء كانت زوجته التي طلقها كافرة أو مسلمة، فإذا طلق زوجته الكافرة
стр. 449
سكراً (حراماً) كما لو شرب خمراً عمداً مختاراً فيلزمه الطلاق ميز أو لم يميز، لأنه أدخله على نفسه، وقيل: إن ميز، وإلا فهو كالمجنون.
(كعتقه) فإنه يلزمه ميز أو لا، (وجناياته) على نفس أو مال (بخلاف عقوده) من بيع أو شراء أو إجارة أو نكاح، فلا تلزم ولا تصح، (وإقراره) بشيء في ذمته أو أنه فعل كذا فلا [١] يلزمه.
(وطلاق الفضولي) وهو من أوقع الطلاق عن غيره بغير إذنه (كبيعه) متوقف على الإجازة، فإن أجازه الزوج لزم.
(والعدة من) يوم (الإجازة) لا من يوم إيقاع الفضولي.
(ولزم) الطلاق (ولو) وقع منه (هازلاً؛ كالعتق والنكاح والرجعة)، فإنها تلزم بالهزل والمزاح إن لم يقصد إيقاعها.
(لا إن سبق لسانه) بأن قصد النطق بغير لفظ الطلاق فزل لسانه فنطق به فلا يلزمه (في الفتوى)، ويلزمه في القضاء (أو لقن أعجمي) لفظ الطلاق (بلا فهم) منه لمعناه، فلا يلزمه شيء مطلقاً (أو هذى) بذال معجمة مفتوحة كرمى (لمرض) قام به، فطلق من غير شعور حيث شهد العدول بأنه يهذي، وأما لو شهدوا بصحة عقله لزمه الطلاق ولا يقبل قوله: (أو أكره عليه): أي على الطلاق فلا يلزمه في فتوى ولا قضاء، لقوله ﵊: «لا طلاق في إغلاق» أي إكراه، (ولو ترك التورية) مع معرفتها لم يلزمه شيء، بل لو قيل طلقها فقال: هي طالق بالثلاث لم يلزمه شيء لأن المكره لا يملك نفسه حال الإكراه كالمجنون.
(أو) أكره (على فعل ما علق عليه) الطلاق فلا يحنث كحلفه بطلاق: لأدخل [٢] الدار، فأكره على دخولها، أو حمل كرهاً فأدخلها وذلك في صيغة البر.
وأما صيغة الحنث نحو: إن لم يدخل الدار فطالق، فأكره على عدم الدخول، فإنه يحنث كما يأتي.
(إلا أن يعلم) حال الحلف (أنه سيكره) فأكره فإنه يحنث أو يكون الإكراه (شرعياً) فإنه يحنث به لأن الإكراه الشرعي كالطوع.
(كتقويم جزء العبد في) حلفه بالطلاق أو غيره (لا باعه) أي هذا العبد: أي لا باع نصيبه من ذلك العبد، فأعتق شريكه فيه نصيبه منه فقوم عليه نصيب الحالف على عدم البيع وكمل به عتق الشريك، فإنه يحنث لأن المكره له الشارع (أو) في حلفه (لا اشتراه) فأعتق الحالف نصيبه من العبد فقوم عليه نصيب شريكه [٣] لتكميل عتقه لزمه الطلاق،
ــ
ثم أسلمت وأسلم في عدتها كان أحق بها ما لم يبنها من حوزه كما تقدم، وإذا أسلمت الكافرة وزوجها كافر ثم طلقها في العدة ولو ثلاثاً ثم أسلم فيها لم يعد طلاقه طلاقاً، وكان على نكاحها وإن انقضت عدتها ما لم يكن أخرجها من حوزه كما تقدم فتحل بعقد جديد.
قوله: [سكراً حراماً]: أي بأن استعمل عمداً ما يغيب عقله، سواء كان جازماً حين الاستعمال بتغييب عقله بهذا الشيء، أو شك في ذلك كان مما يسكر جنسه أو من غيره كلبن حامض، ولو كان ذلك المغيب مرقداً أو مخدراً فمراده بالمسكر كل مغيب، ورد المصنف بـ "لو" على من قال إن السكران بحرام لا يقع عليه طلاق، سواء ميز أم لا ومفهوم قوله: "حراماً" أن السكران بحلال كالمغمى عليه والمجنون.
قوله: [وقيل إن ميز]: هذا قول ثالث.
قوله: [كبيعه]: التشبيه في توقف كل على إجازة المالك لا في أصل القدوم، فإنه اتفق على عدم جواز قدوم الفضولي على الطلاق، بخلاف البيع فقيل بالحرمة، وقيل بالجواز، وقيل بالاستحباب، والمعتمد الحرمة والفرق بينه وبين الطلاق أن الناس شأنهم يطلبون الأرباح في سلعهم بالبيع بخلاف النساء.
قوله: [فإنها تلزم بالهزل] إلخ: أي لما ورد في الخبر: «ثلاثة هزلهن جد: النكاح والطلاق والعتق» وفي رواية «والرجعة» بدل العتق.
قوله: [ويلزمه في القضاء]: أي إن لم يثبت سبق لسانه بالبينة وإلا فلا يلزمه في فتوى ولا في قضاء.
قوله: [مطلقاً]: أي لا في الفتوى ولا في القضاء لعدم قصد النطق باللفظ الدال على حل العصمة الذي هو ركن في الطلاق.
قوله: [أو هذي]: من الهذيان وهو الكلام الذي لا معنى له.
قوله: [من غير شعور]: أي من غير شعور أصلاً، وأما لو قال وقع مني شيء ولم أعقله لزمه الطلاق، لأن شعوره بوقوع شيء منه دليل على أنه عقله، قاله ابن ناجي وسلموه له، قال في الأصل وفيه نظر إذ كثيراً ما يتخيل للمريض خيالات يتكلم على مقتضاها بكلام خارج عن قانون العقلاء، فإذا أفاق استشعر أصله وأخبر عن الخيالات الوهمية كالنائم اهـ.
تنبيه: لا يلزمه شيء لا في الفتوى ولا في القضاء، لو قال لمن اسمها طالق يا طالق، وقيل منه في طارق التفات لسانه في الفتوى دون القضاء، أو قال يا حفصة فأجابته عمرة فقال لها أنت طالق يظنها حفصة، فتطلق حفصة في الفتيا والقضاء، وأما المجيبة فتطلق في القضاء دون الفتيا.
قوله: [فلا يلزمه في فتوى] إلخ: محل ذلك ما لم يكن قاصداً بالطلاق حل العصمة باطناً وإلا وقع عليه.
قوله: [ولو ترك التورية]: المراد بها هنا الإتيان بلفظ فيه إيهام على السامع كأن يقول هي طالق، ويريد من وثاق أو رجعة بالطلق.
قوله: [وذلك في صيغة البر]: أي فلا يلزمه الطلاق على المعتمد بشروط ذكر المصنف منها ثلاثة وهي قوله: إلا أن يعلم أنه سيكره، أو يكون الإكراه شرعياً أو يفعل بعد زواله، وزيد عليها أن لا يأمر الحالف غيره بالإكراه، وأن لا يعمم في يمينه بأن قال: لا أفعل طائعاً ولا مكرهاً فتكون الشروط خمسة والصيغة صيغة بر.
قوله: [لزمه الطلاق]: أي على المذهب خلافاً للمغيرة حيث قال بعدم لزوم الطلاق.
стр. 450
وكمن حلف بالطلاق: لا خرجت زوجته فأخرجها قاض لتحلف يميناً وجبت عليها.
(أو يفعل) الشيء المحلوف عليه (بعد زواله) أي الإكراه (فيلزم) الطلاق (كالحنث) أي كما يلزمه اليمين في صيغة الحنث مطلقاً، كما لو حلف: إن لم يدخل الدار فهي طالق، فهمّ بالدخول فمنع منه كرهاً، فإنه يحنث كما لو عزم على عدم الدخول.
والحاصل أن صيغة البر لا حنث فيها بالإكراه بالقيود المتقدمة وأما صيغة الحنث فلا ينفع فيها الإكراه لانعقادها على حنث ثم إن الإكراه الذي لا حنث به في صيغة البر يكون (بخوف قتل) إن لم يطلق، (أو ضرب مؤلم، أو سجن أو قيد، كصفع) بكف في قفا (لذي مروءة بملأ) أي جمع من الناس، فإنه وإن لم يؤلم فهو عند أهل المروءات فظيع، فإن كان بخلوة، أو كان الزوج من غير أهل المروءات لم يكن إكراهاً ما لم يكثر وإلا فإكراه مطلقاً (أو) خوف (أخذ مال) له وظاهره قل أو كثر، وينبغي ما لم يكن تافهاً وهو لمالك، وقال ابن الماجشون: إن كثر (أو) خوف (قتل ولد) إن لم يطلق، وكذا بعقوبته إن كان باراً والولد يشمل الذكر والأنثى وإن نزل.
(أو) خوف قتل (والد) من أب أو أم (لا غيرهما) من أخ أو عم أو خال أو غيرهم.
(وندب الحلف) بالطلاق أو غيره (ليسلم) الغير من القتل بحلفه، وإن حنث هو وذلك فيما إذا قال ظالم: إن لم تطلق زوجتك أو إن لم تحلف بالطلاق قتلت فلاناً، قال ابن رشد: إن لم يحلف لم يكن عليه حرج. اهـ أي لا إثم عليه ولا ضمان، ويرد عليه: أن ارتكاب أخف الضررين واجب فتأمله.
(ومثله): أي مثل الطلاق في الإكراه المتقدم ذكره (العتق والنكاح والإقرار واليمين) فمن أكره غيره على أن يعتق عبده، أو يزوجه بنته مثلاً، أو على أن يقر له بشيء في ذمته، أو سرقة أو جناية أو غير ذلك، أو على أن يحلف يميناً بالله، أو بعتق عبده أو بالمشي إلى مكة، أو بصوم العام أو نحو ذلك؛ وكذا لو أكره على نذر شيء مما ذكر لم يلزم المكره شيء، (والبيع ونحوه) من سائر العقود لم يلزمه شيء.
وحاصله: أن من أكره غيره على عقد أو حل أو إقرار أو يمين لم يلزم المكره شيء، والإكراه فيما ذكر يكون بخوف قتل [١] أو ضرب مؤلم إلى آخر ما تقدم.
(بخلاف) الإكراه على (الكفر
ــ
قوله: [وكمن حلف بالطلاق]: أدخلت الكاف كل ما كان الإكراه فيه شرعياً، كما إذا حلف لا ينفق على زوجته، أو لا يطيع أبويه، أو لا يقضي دين فلان الذي عليه، فإذا أكرهه القاضي، على شيء من ذلك لزمه الطلاق على المذهب.
قوله: [بالقيود المتقدمة]: أي الثلاثة التي ذكرها المصنف مع القيدين اللذين زدناهما فيما تقدم.
قوله: [بخوف قتل]: المراد بالخوف ما يشمل الظن
قوله: [أو سجن أو قيد]: أي ولو لم يطل كل منهما وهذا إذا كان المكره من ذوي القدر، وأما إن كان من رعاع الناس فلا يعد الخوف إكراهاً إلا إذا هدد بطول الإقامة في السجن أو القيد كذا في الحاشية، فعلى هذا يعتبر الإيلام في السجن والقيد أيضاً وإلا فلا يكونان إكراهاً إلا لذوي المروءات.
قوله: [أي جمع من الناس]: أي سواء كانوا أشرافاً أو غيرهم كما يدل عليه قوله: "فإن كان بخلوة" إلخ.
قوله: [وإلا فإكراه مطلقاً]: أي سواء كان في الملا أو في الخلا لذي مروءة أو غيره.
قوله: [وينبغي ما لم يكن تافهاً]: اعلم أنه جرى في التخويف بأخذ المال ثلاثة أقوال: قيل إكراه، وقيل ليس بإكراه، وقيل إن كثر فإكراه وإلا فلا، الأول لمالك، والثاني لأصبغ، والثالث لابن الماجشون، ثم إن المتأخرين اختلفوا فمنهم من جعل الثالث تفسيراً للأولين وذلك كابن بشير ومن تبعه وعليه فالمذهب على قول واحد، ومنهم كابن الحاجب من جعل الأقوال ثلاثة متقابلة إبقاء لها على ظاهرها، فإذا علمت ذلك فقول الشارح: "وينبغي ما لم يكن تافهاً" تقييد لكلام مالك وليس من كلامه.
قوله: [من أخ أو عم]: أي فإذا قال له ظالم: إن لم تطلق زوجتك وإلا قتلت أخاك أو عمك فطلق خوفاً عليهما، فإنه يقع عليه الطلاق، ومن باب أولى الأجنبي فليس الخوف على من ذكر إكراهاً شرعياً وإن أمر بالحلف كما يأتي.
قوله: [وندب الحلف] إلخ: وقيل بالوجوب وعلى كل فهو غموس إن كانت بالله، وتكفر إن لم تتعلق بماض، ويثاب عليها ويلغز بذلك وإن كان بالطلاق أو العتق لزم.
قوله: [أي لا إثم عليه ولا ضمان]: محل ذلك إذا كان منه مجرد نكول فقط، وأما لو دل الظالم على المظلوم فيضمن قطعاً، ولا يعذر بالإكراه.
قوله: [ويرد عليه] إلخ: هذا البحث يؤيد القول بوجوب الحلف المتقدم، ولكن عدم الضمان مراعاة للقول الآخر، ويؤيد هذا البحث ما مر من وجوب تخليص المستهلك من نفس أو مال، ويجاب عنه بأن محل الوجوب ما لم يتوقف التخليص على الحلف كاذباً وإلا فلا يجب، فيكون مخصصاً لما تقدم.
قوله: [وكذا لو أكرهه على نذر شيء] إلخ: مثل ما إذا أكره على الحلف بالتزام طاعة كما إذا حلف بالله أو بالطلاق أو بالمشي لمكة ليصلين الظهر أول وقتها، أو لا يشربن الخمر، فهل إذا خالف يلزمه اليمين ولا يعد مكرها أو لا يلزمه يمين نظراً للإكراه؟ قولان قال في المجموع والأحسن عدم لزوم اليمين على الطاعة اهـ.
قوله: [بخلاف الإكراه على الكفر] إلخ: حاصله أن الأمور المتقدمة
стр. 451
كالسب) لله تعالى، أو لنبي أو ملك، وكإلقاء مصحف بقذر.
(و) بخلاف (قذف المسلم) بالزنا، (و) بخلاف (الزنا بطائعة خلية) من زوج أو سيد (فلا يجوز) الإقدام على شيء من ذلك (إلا) إذا أكره (بالقتل) لا بغيره من قطع ونحوه، وإلا ارتد.
(والصبر) على القتل وعدم ارتكاب شيء مما ذكر (أجمل) عند الله تعالى وأحب إليه.
(لا قتل المسلم أو قطعه) يداً أو رجلاً أو أصبعاً، (أو الزنا بمكرهة) لو خلية من زوج كذات زوج أو سيد ولو طائعة، فلا يجوز الإقدام على شيء من ذلك، ولو أكره بالقتل، وأما لو أكره على فعل معصية لا حق فيها لمخلوق كشرب خمر وأكل ميتة، فيكون بغير القتل أيضاً، وألحق به بعضهم الزنا بطائعة لا زوج لها ولا سيد، لأنها معصية لا حق لمخلوق فيها، وقد يفرق بأن الزنا أشد لما فيه من اختلاط الأنساب، ولذا كان الحد فيه أعظم والقذف به لا يجوز إلا بالقتل، (وإن أجاز) المكره على شيء مما أكره عليه (غير النكاح طائعاً) بعد زوال الإكراه (لزم) على الأحسن، وأما لو أكره على النكاح ثم زال الإكراه فلا بد من فسخه ولا تصح إجازته.
ولما كان الركن الثالث والرابع يتعلق بهما أحكام كثيرة خصهما بالذكر بقوله: (ومحله): أي الطلاق (ما ملك من عصمة) بيان لما [١]، فما واقعة على عصمة أي عصمة مملوكة حقيقة أي حاصلة بالفعل، بل (وإن تعليقاً): أي وإن كان ملكها ذا تعليق أي مقدراً حصوله بالتعليق.
وذلك التعليق: إما أن يكون صريحاً كقوله لأجنبية أي غير زوجة: إن تزوجتك أو تزوجتها فهي طالق، فمتى تزوجها وقع عليه الطلاق، وإما غير صريح وهو قسمان: إما (بنية أو بساط) الأول (كقوله لأجنبية: إن فعلت) كذا كإن دخلت الدار فأنت طالق، (ونوى) إن فعلته (بعد نكاحها) فتزوجها ففعلته لزمه الطلاق لنية التعليق.
والثاني ما أشار له بقوله: (أو قال عند خطبتها) وشدد الولي عليه في الشروط مثلاً: (هي طالق) ولم يستحضر نية إن تزوجها لزمه الطلاق؛ لأن بساط اليمين –أي: قرينة الحال- تدل على أن المراد إن تزوجها (وتطلق) بفتح التاء وضم اللام أي يقع عليه الطلاق (عقبه) أي عقب الفعل في الثاني، وعقب العقد في الثالث كالأول، (وعليه النصف): أي نصف الصداق لكن في الثاني إن فعلت قبل الدخول،
ــ
من طلاق وأيمان لغيره، ونكاح وعتق وإقرار وبيع وإجارة وسائر العقود، يتحقق فيها الإكراه بالخوف من القتل، وما معه، وأما هذه الأمور وهي الكفر وما معه فلا يتحقق فيها الإكراه إلا بخوف من القتل فقط.
قوله: [أو لنبي أو ملك]: أي مجمع على نبوته أو ملكيته ومثلهما الحور العين، أما من لم يجمع على نبوته كالخضر ولقمان وذي القرنين، أو على ملكيته كهاروت وماروت، فالإكراه فيهما يكون ولو بغير القتل كذا في (عب)، وبحث فيه في الحاشية فقال وفيه أن سب الصحابة لا يجوز إلا بالقتل فهم أولى، فالذي ينبغي أنه لا يجوز إلا بمعاينة القتل ولذلك أطلق الشارح.
قوله: [وإلا ارتد]: أي وإلا يخف من القتل بل فعله لخوف الضرب أو قتل الولد أو نهب المال، فإنه يعد مرتداً ويحد في قذف المسلم وفي الزنا.
قوله: [أجمل عند الله]: أي لأنه أفضل وأكثر ثواباً كالمرأة لا تجد ما يسد رمقها إلا ممن يزني بها، فيجوز لها الزنا ولكن صبرها أجمل.
قوله: [لا قتل المسلم] إلخ: أي لو قال لك ظالم إن لم تقتل فلاناً أو تقطعه قتلتك فلا يجوز ذلك، ويجب عليه أن يرضى بقتل نفسه، وإن قتل غيره أو قطعه من أجل الخوف على نفسه اقتص منه.
قوله: [أو الزنا بمكرهة] إلخ: حاصله أنه إذا قال لك ظالم: إن لم تزن بفلانة قتلتك فلا يجوز الزنا بها، ويجب عليه الرضا بقتل نفسه إذا كانت تلك المرأة مكرهة أو طائعة ذات زوج أو سيد، أما لو كانت طائعة ولا زوج لها ولا سيد، فيجوز بخوف القتل كما تقدم في الشارح.
قوله: [وألحق به بعضهم]: المراد به سحنون.
قوله: [ولا تصح إجازته] إلخ: أي لأنه غير منعقد ولو انعقد لبطل لأنه نكاح فيه خيار.
قوله: [الركن الثالث والرابع]: أي وهما المحل والصيغة.
قوله: [خصهما بالذكر]: أي على سبيل الصراحة.
قوله: [وإن تعليقاً]: هذا قول مالك المرجوع إليه وفاقاً لأبي حنيفة، وخلافاً للشافعي، ولقول مالك المرجوع عنه.
قوله: [ذا تعليق]: يشير إلى أنه يقال فيه ما قيل في زيد عدل بأن يقال فيه سماها تعليقاً مبالغة أو على حذف مضاف كما قال الشارح، أو يؤول المصدر باسم المفعول.
قوله [لنية التعليق]: من إضافة الصفة للموصوف والنية بمعنى المنوي، والمعنى للتعليق المنوي أي المقيد بالنية بكونه بعد نكاحها فتأمل.
قوله: [أي قرينة الحال]: تفسير للبساط.
قوله: [عقبه] إلخ: هذا معلوم من صحة التعليق، وإنما ذكره لدفع توهم أنه يحتاج لحكم الحاكم بلزوم التعليق.
قوله: [أي عقب الفعل في الثاني] إلخ: المراد بالثاني: النية، وبالثالث: البساط، وبالأول: الصريح، وانظر قوله عقبه: " مع أن المعلق والمعلق عليه يقعان في وقت واحد "، إلا أن يقال المراد بالعقب المقارنة في الزمن الواحد، ويرد بأن الطلاق لا يكون إلا بعد تحقيق الزوجية، فالأحسن أن يقال قولهم المعلق والمعلق عليه يقعان في زمن واحد، أي قد يقعان فليس كلياً كذا في الحاشية. واستشكل أيضاً قوله: "ومحله ما ملك" بأنهم عرفوا الملك باستحقاق التصرف في شيء بكل وجه جائز، وهو يكون بالبيع والهبة ونحوهما، والزوج لا يتصرف في الزوجة. والجواب أن هذا تصرف خاص
стр. 452
وإلا فعليه جميع الصداق. (وتكرر) وقوع الطلاق ولزوم نصف الصداق (إن) أتى [١] بصيغة تقتضي التكرار كأن (قال: كلما تزوجتك) فأنت طالق (إلا بعد ثلاث) من المرات وهي الرابعة (قبل زوج)، فإذا تزوجها ثلاث مرات لزمه النصف في كل مرة، فإن عقد عليها بعد ذلك قبل أن تنكح زوجاً غيره لم يلزمه شيء لأن عقده حينئذ لم يصادف محلاً، فإن تزوجت غيره وعاد الحنث ولزوم النصف إلى أن تنتهي العصمة، وهكذا لأن العصمة لما لم تكن مملوكة بالفعل وإنما حلف [٢] على عصمة مستقبلة وهي عامة لزمه النصف في كل عصمة، بخلاف ما لو كان متزوجاً بها وحلف بأداة تكرار فيختص بالعصمة المملوكة فقط كما يأتي، وقوله: "وعليه النصف": أي في نكاح التسمية وإلا فلا شيء عليه (ولو دخل) بهذه المرأة التي علق طلاقها على تزويجها (فالمسمى) يلزمه (فقط) إن كان وإلا فصداق المثل، ورد بقوله: فقط، على من قال يلزمه صداق ونصف صداق، أما النصف فللزومه بالطلاق، وأما الصداق كاملاً فللوطء، ورد بأن هذا الوطء من ثمرات العقد قبله وهذا إذا لم تكن عالمة بوقوع الطلاق عليها، وإلا كانت زانية.
واستثني من قوله: "وإن تعليقاً"، قوله: (إلا إذا عم النساء) في تعليقه، كأن قال: كل امرأة أتزوجها، أو إن دخلت الدار فكل امرأة أتزوجها فهي طالق، ثم دخل فلا يلزمه شيء للحرج والمشقة بالتضييق، والأمر إذا ضاق اتسع، (أو أبقى قليلاً) من النساء (ككل امرأة أتزوجها) فهي طالق، أو إن فعلت كذا فكل امرأة أتزوجها طالق (إلا من قرية كذا وهي) أي القرية (صغيرة)، قال أبو الحسن: والصغيرة هي التي لا يجد فيها ما يتزوج بها أي ما شأنها ذلك لصغرها بخلاف الكبيرة كالقاهرة.
(وإلا تفويضاً)، ألأن [٣] نكاح التفويض قليل جداً بالنسبة لنكاح التسمية (كأن ذكر زمناً لا يغلبه [٤] عمره غالباً) فلا يلزمه طلاق، كما لو قال: كل امرأة أتزوجها مدة أربعين سنة فهي طالق، وكان ما مضى من عمره أربعين أو خمسين سنة إذ الغالب أنه لا يعيش الثمانين بناء على أن التعمير بخمس وسبعين، فهو كمن عم النساء ومفهوم كلامه: أنه لو أبقى كثيراً من النساء ولو كان بالنسبة لغيره قليلاً لزمه الطلاق كما [٥] لو قال: كل امرأة أتزوجها من مصر، أو من العرب، أو من العجم، أو من تميم، فهي طالق، فتزوج من ذلك، وكذا إذا قال: كل امرأة أتزوجها تفويضاً فهي طالق، أو كل امرأة أتزوجها مدة أربعين سنة فهي طالق، وكان الماضي من عمره عشرين أو ثلاثين فإنه يلزمه الطلاق في كل من تزوجها في مدة الأربعين لأن السبعين يبلغها الشخص في الغالب وكذا إن أبقى لنفسه قرية كبيرة كالقاهرة فيلزمه الطلاق فيما عداها.
(وله نكاح الإماء في) قوله: (كل حرة) أتزوجها طالق، لأنه صار بسبب يمينه كعادم الطول ولو ملياً (ولزم) اليمين (في المصرية) مثلاً كما لو قال: كل مصرية أو شامية أو مغربية أتزوجها طالق.
ــ
مثل الطلاق والظهار فهو تصرف في الجملة.
قوله: [وتكرر وقوع الطلاق] إلخ: اعترض بأن مقتضى العقل أن الصيغة إذا كانت تقتضي التكرار كان النكاح فاسداً، لأن الوسيلة إذا لم يترتب عليها مقصدها لم تشرع، والمقصود من النكاح الوطء وهو غير حاصل، لأنه كلما تزوجها طلقت عليه، وإذا كان النكاح فاسداً فلا يترتب عليه صداق، لأن كل نكاح فسخ قبل الدخول لا شيء فيه، وطلاق الفاسد مثل فسخه. وأجيب بأن قولهم طلاق الفاسد مثل فسخه إذا كان فاسداً لصداقه كما في (بن)، وأما الفاسد لعقده كما هنا، ففي الطلاق قبل البناء نصف المسمى.
قوله: [فالمسمى يلزمه فقط]: أي ولو تعدد الوطء وهذا مقيد بعدم علمه حين الوطء بأنها هي المعلق طلاقها على نكاحها، وإلا تعدد الصداق بتعدد الوطء إن لم تكن عالمة، وإلا فهي زانية فلا يتعدد لها مهر ولا يتكمل لها صداق بالوطء الأول كما يؤخذ من الشارح.
قوله: [على من قال] إلخ: أي وهو أبو حنيفة وابن وهب.
قوله: [وإلا كانت زانية]: أي فليس لها إلا نصف الصداق بالعقد ولو كان الواطئ ذا شبهة.
قوله: [أنه لو أبقى كثيراً] إلخ: أي بتعليق أو بدونه.
قوله: [ولو كان بالنسبة لغيره]: أي لغير من منع نفسه منه.
قوله: [فتزوج من ذلك]: أي من الجنس الذي حلف عليه.
قوله: [يبلغها الشخص في الغالب]: قد يقال إنهم شرطوا أن يبقى من العمر الغالب ما يحصل له النفع بالتزوج، ومن بلغ سبعين سنة انتهى في العمر الغالب، ولذلك قال في الأصل: "ولا بد من بقاء مدة بعد ما يبلغه عمره ظاهراً يتزوج فيها، ويحصل له فيها النفع بالتزوج"، أما لو كان ابن عشرين وحلف على ترك التزوج مدة خمسين سنة فلا يحنث إذا تزوج لأن السبعين مدة العمر المعتاد، إلا أن يقال التفت شارحنا إلى القول بأن مدة التعمير ثمانون تأمل.
تنبيه: إذا حلف لا يتزوج من الجنس الفلاني أو البلد الفلانية وله زوجة من ذلك الجنس أو البلد في عصمته قبل الحلف فلا تدخل في اليمين، لأن الدوام ليس كالابتداء.
قوله: [وله نكاح الإماء]: اعلم أن محل إباحة نكاح الإماء له إذا خشي الزنا ما لم يقدر على التسري، وإلا وجب كما في الخرشي، وفي حاشية شيخنا الأمير على (عب) أن له نكاح الإماء، ولو قدر على التسري فإن عتقت الأمة التي تزوج بها
стр. 453
(فيمن أبوها كذلك): أي مصري مثلاً، ولو كانت أمها غير مصرية، والأم تبع للأب.
(و) لزم (في الطارئة) إلى مصر وكانت شامية مثلاً (إن تخلقت بخلقهن) أي المصريات، بأن أقامت مدة بمصر حتى تطبعت بطباع المصريات، لا إن لم تتخلق بخلقهن ولو طالت إقامتها بها (لا) يلزمه طلاق (في) قوله: كل من أتزوجها طالق (إلا أن أنظرها)، أو حتى أنظرها أي ببصري (فعمي) لأن بساط يمينه ما دمت بصيراً، فله بعد العمى تزوج من شاء.
(ولا) يلزمه طلاق (في الأبكار) إذا قال: كل بكر أتزوجها طالق (بعد) قوله: (كل ثيب) أتزوجها طالق (كالعكس)، أي لا يلزمه في الثيبات إذا قال: كل ثيب أتزوجها طالق بعد قوله: كل بكر أتزوجها طالق على المشهور فيهما، لدوران الحرج مع اليمين الثانية، ويلزمه في الثيبات في المسألة الأولى، وفي الأبكار في الثانية.
(ولا) يلزمه طلاق (إن خشي) على نفسه (العنت في مؤجل) بأجل (يبلغه) الحالف غالباً، كقوله: كل امرأة أتزوجها في السنة المستقبلة، أو مدة عشرة أعوام وهو ابن ثلاثين مثلاً، (وتعذر) عليه (التسري)، فإن لم يخش العنت أو أمكنه التسري حنث كما مر، فهذا كالمستثنى من مفهوم قوله: "كأن ذكر زمناً لا يبلغه"، أي فإن كان الزمن يبلغه الحالف عادة حنث إلا إذا خشي إلخ.
(أو قال: آخر امرأة) أتزوجها طالق لم يلزمه فيمن يتزوجها شيء على الراجح، (ولا يوقف) عن وطء الأولى حتى يتزوج بثانية، فإن تزوج بثانية حل وطء الأولى ووقف عن الثانية حتى يتزوج ثالثة، فإن تزوج وقف عن الثالثة حتى يتزوج برابعة، وهكذا ويضرب له أجل الإيلاء من يوم الرفع فيمن وقف عنها، فإن مضى الأجل ولم يتزوج طلق عليه كما هو قول سحنون، واختاره اللخمي إلا في الزوجة الأولى فلا يوقف عنها، لأنه لما قال آخر امرأة علمنا أنه جعل لنفسه أولى لم يردها بيمينه.
(واعتبر في ولايته): أي الزوج (عليه): أي على المحل الذي هو العصمة والولاية عليه ملكه (حال النفوذ) نائب فاعل اعتبر، وحال النفوذ هو وقت وقوع المعلق عليه كدخول الدار؛ أي والمعتبر شرعاً في ملك العصمة هو وقت وقوع الفعل الذي علق الطلاق عليه لا حال التعليق، وفرع على هذا قوله: (فلو فعلت) الزوجة التي حلف بطلاقها إن دخلت الدار (المحلوف عليه) بأن دخلت الدار (حال بينونتها) ولو بواحدة كخلع، أو بانقضاء عدة رجعي (لم يلزم) الطلاق،
ــ
فمقتضى قولهم إن الدوام ليس كالابتداء في المرأة التي في عصمته أن لا تطلق عليه، وهذا هو المعتمد.
قوله: [فيمن أبوها كذلك]: أي ولو لم تقم بمصر قوله: [ولزم في الطارئة] إلخ: أي والموضوع أنه حلف لا يتزوج مصرية.
قوله: [فله بعد العمى تزوج من شاء]: ومثله لو قال حتى ينظرها فلان، فعمي فلان أو مات فله أن يتزوج ما شاء، ولو لم يخش العنت، وقال ابن المواز: لا يتزوج حتى يخشى الزنا ولم يجد ما يتسرى به، وكل هذا إذا قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق حتى أنظرها أو ينظرها فلان، وأما لو قال كل امرأة أتزوجها من بلد كذا أو من قبيلة كذا فهي طالق حتى أنظرها أو ينظرها فلان، فعمي، فإن اليمين لازمة، ومتى تزوج من تلك البلد أو من تلك القبيلة بعد العمى طلقت عليه كما في البدر اهـ، وعبارة الشارح تفيد ذلك.
قوله: [ولا يلزمه طلاق في الأبكار]: ما ذكره المصنف هو المشهور
وهو قول ابن القاسم وسحنون، ابن عبد السلام: هو أظهر الأقوال، وقليل يلزمه اليمين فيهما نظراً للتخصيص فيهما، وقيل لا يلزمه فيهما وهذا القول حكاه جماعة واختاره اللخمي.
قوله: [حنث إلا إذا خشي] إلخ: أي فحينئذ له التزوج بحرة ولا شيء عليه، وليس له التزوج بالأمة حيث أبيحت له الحرة إلا إذا عدم الطول للحرائر.
قوله: [على الراجح]: أي وهو قول ابن القاسم وذلك لأن الآخر لا يتحقق إلا بالموت، ولا يطلق على ميت، ولأنه ما من واحدة إلا ويحتمل أنها الأخيرة فكان كمن عم النساء.
قوله: [حل وطء الأولى]: أي ويرثها إذا ماتت، وأما إذا ماتت الموقوف عنها فإنه يوقف ميراثه منها، فإن تزوج ثانية أخذه، وإن مات قبل أن يتزوج رد لورثتها، وإذا مات الزوج عمن وقف عنها فلا ترثه ولها نصف الصداق لتبين أنها المطلقة، لأنها آخر امرأة له ولا عدة عليها، ويلغز بها في مسألة موت الزوج فيقال: شخص مات عن زوجة حرة مسلمة، نكحها بصداق مسمى وأخذت نصفه ولا ميراث لها ولا عدة، ويلغز بها أيضاً إذا ماتت هي من وجهين فيقال: ماتت امرأة ووقف إرثها، وليس في ورثتها حمل، والوجه الثاني ماتت امرأة في عصمة رجل ولا يرثها إلا إذا تزوج عليها.
قوله: [واختاره اللخمي]: أي وأما لو قال أول امرأة أتزوجها طالق، وآخر امرأة أتزوجها طالق، فإنه يلزمه الطلاق في أول من يتزوجها اتفاقاً ويجري في آخر امرأة قول ابن القاسم، وقول سحنون ولا يجري فيها اختيار اللخمي فتأمل.
قوله: [أي والمعتبر شرعاً] إلخ: هذا إذا كانت اليمين منعقدة، فلو كانت غير منعقدة حال التعليق كما إذا علق صبي طلاق زوجته على دخول الدار فبلغ ودخلت
стр. 454
إذ لا ولاية له على محل العصمة حال النفوذ أي حال وقوع المحلوف عليه من الدخول المعلق عليه الطلاق؛ إذ المحل معدوم حال النفوذ وإن كان له عليه الولاية أي الملك حال التعليق، وكذا من حلف على فعل غيرها كدخول زيد أو دخوله هو فدخل حال بينونتها لم يلزم.
قال ابن القاسم: من حلف لغريمه بالطلاق الثلاث ليقضينه حقه وقت كذا، فقبل مجيء الوقت طلقها طلاق الخلع لخوفه من مجيء الوقت وهو معدوم، أو قصد عدم القضاء في الوقت لا يلزمه الثلاث، ثم بعد ذلك يعقد عليها برضاها بربع دينار، (فلو نكحها) بعد البينونة وكانت يمينه مطلقة أي غير مقيدة بزمن، أو مقيدة بزمن ولم ينقض (ففعلته) بعد نكاحها (حنث) سواء فعلته حال البينونة أيضاً أم لا (إن بقي لها من العصمة المعلق فيها شيء) بأن كان طلاقها دون الغاية، وقوله: "فلو نكحها" أي مطلقاً قبل زوج أو بعده؛ لأن نكاح الأجنبي لا يهدم العصمة السابقة، واحترز بقوله: "إن بقي" إلخ، عما لو أبانها بالثلاث ثم تزوجها بعد زوج ففعلت المحلوف عليه لم يحنث، لأن العصمة المعلق فيها قد زالت بالكلية، ولو كانت يمينه بأداة تكرار.
(كمحلوف لها) بطلاق غيرها إن تزوجها عليها أو آثرها عليها، (ككل امرأة أتزوجها عليك) طالق؛ فإن اليمين تختص بالعصمة المعلق فيها دون غيرها كالمحلوف بها أي بطلاقها المتقدم ذكرها، فإذا طلق المحلوف لها دون الغاية ثم تزوجها ثم تزوج عليها طلقت من تزوجها عليها، ولو طلقها ثلاثاً ثم تزوجها بعد زوج وتزوج عليها لم يحنث، خلافاً لقول الشيخ: ففيها وغيرها.
(فلو بانت) المحلوف لها (بدون الغاية فتزوج) بأجنبية، (ثم تزوجها) أي المحلوف لها المطلقة بما دون الغاية (طلقت الأجنبية) بمجرد العقد عليها، (ولا حجة له في أنه لم يتزوج عليها) أي على المحلوف لها، وإنما تزوجها على الأجنبية، (وإن ادعى نية) ولا يعمل بنيته في فتوى ولا قضاء لأن اليمين على نية المحلوف لها ونيتها أن لا يجمع معها غيرها، وقيل: هذا إن رفعته، ولو جاء مستفتياً لقبلت نيته، وقد أشار لذلك بقوله: "تأويلان".
(ولو علق عبد) الطلاق (الثلاث على فعل) منه أو من غيره كدخول دار، (فعتق فحصل) الفعل المعلق عليه كالدخول (لزمت) الثلاث [١]، لأن المعتبر حال النفوذ لا حال التعليق، وإلا لزمه اثنتان لأن العبد ليس له إلا اثنتان، فإن دخلت قبل العتق لزمه اثنتان ولا تحل له إلا بعد زوج، ولو عتق بعد (و) لو علق العبد (اثنتين) على الدخول مثلاً فعتق ثم دخلت لزمه الاثنتان،
ــ
لم يلزمه طلاق.
قوله: [إذ لا ولاية له] إلخ: أي لا ملك للزوج في العصمة حال النفوذ لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً.
واعلم أن اشتراطهم لملك العصمة حال النفوذ إنما هو بالنظر للحنث، وأما البر فلا يشترط فيه ذلك، وذلك أن الحنث لما كان موجباً للطلاق اشترط فيه ملك العصمة، وأما البر لما كان مسقطاً لليمين فلا معنى لاشتراط ملك العصمة فيه، بل في أي وقت وقع الفعل الذي حلف ليفعلنه بر، فإذا حلف ليفعلن الشيء الفلاني فأبانها، وفعله حال بينونتها ثم تزوجها فإن يبر بفعله حال البينونة خلافاً لما ذكره (عب) من عدم البراءة كذا يؤخذ من حاشية الأصل.
قوله: [إن بقي له من العصمة المعلق فيها شيء]: هذا خلاف مذهب الشافعي، فإن مذهبه إذا قال الرجل لزوجته: إن فعلت أنا أو أنت كذا فأنت طالق ثلاثاً، ثم خالعها انحلت يمينه، فإذا فعل المحلوف عليه بعد ذلك فلا يلزمه شيء بقي من العصمة فيها شيء أم لا، وهي فسحة عظيمة يجوز التقليد فيها.
قوله: [لم يحنث]: أي باتفاق عندنا وعند الشافعي.
قوله: [خلافاً لقول الشيخ] إلخ: حاصل ما لهم هنا أن المحلوف عليها متفق على تعلق الحنث بها في العصمة الأولى وغيرها كما يأتي في الإيلاء، وأما المحلوف بها أي بطلاقها فاتفق على تعلق اليمين بالعصمة الأولى فقط، وأما المحلوف لها فهي محل النزاع، فالذي في كتاب الأيمان من المدونة أنها كالمحلوف بها في تعلق اليمين بها في العصمة الأولى، وعليه ابن الحاجب، واعترضه ابن عبد السلام قائلاً: أنكر ذلك ابن المواز وابن حبيب وغير واحد من المحققين، وهذا الحكم إنما يكون في المحلوف بطلاقها لا في المحلوف لها بالطلاق، وقد عول شارحنا على ما قاله ابن الحاجب.
قوله: [ولا يعمل بنيته في فتوى ولا قضاء]: ظاهره على هذا التأويل كانت اليمين حقاً لها بأن اشترطت عليه في العقد أن لا يتزوج عليها، أو تطوع لها بتلك اليمين لأنه صار حقاً لها، وقيل لا يلزمه في التطوع وتقبل نيته. واستشكل هذا الفرع بأن محل عدم قبول النية عند القاضي إن كانت مخالفة لظاهر اللفظ، وهي هنا موافقة لا مخالفة، فكان ينبغي أن يقبل قوله ولو مع الرفع للقاضي. وأجيب بأن يمينه محمولة شرعاً على عدم الجمع، وحينئذ فالنية مخالفة لمدلول اللفظ شرعاً.
مسألة: لو علق حر طلاق زوجته المملوكة لأبيه الحر المسلم على موته، بأن قال: أنت طالق يوم موت أبي أو عند موته لم ينفذ هذا التعليق؛ لانتقال تركة أبيه كلها أو بعضها إليه بموته، ولو كان عليه دين، ومن جملتها الأمة فينفسخ نكاحه فلم يجد الطلاق عند موت الأب محلاً يقع عليه، وجاز له
стр. 455
و (بقيت) عليه (واحدة كما لو طلق) حال رقه (واحدة فعتق) بقيت عليه واحدة، لأنه كحر طلق نصف طلاقه.
ثم شرع في بيان الركن الرابع وهو اللفظ بقوله: (ولفظه الصريح) الذي تنحل به العصمة ولو لم ينو حلها متى قصد اللفظ (الطلاق) كما لو قال: الطلاق يلزمني، أو علي الطلاق أو أنت الطلاق، ونحو ذلك، (وطلاق) بالتنكير أي: يلزمني، أو عليك، أو أنت طلاق، أو علي طلاق، وسواء نطق بالمبتدأ كأنت أو بالخبر كعلي أم لا؛ لأنه مقدر والمقدر كالثابت، (وطلقت) بالفعل الماضي والتاء مضمومة، (وتطلقت) بتشديد اللام المفتوحة وكسر التاء أي مني أو أنت تطلقت، (وطالق) اسم فاعل، (ومطلقة) بفتح الطاء واللام مشددة اسم مفعول نحو أنت مطلقة (لا مطلوقة ومنطلقة وانطلقي) أي ليست هي من صريحه ولا من كناياته الظاهرة لاستعمالها في العرف في غير الطلاق، بل من الكنايات الخفية، إن قصد بها الطلاق لزمه، وإلا فلا.
(ولزم) في صريحه طلقة (واحدة إلا لنية أكثر) فيلزمه ما نواه (كاعتدي) أي كما لو قال لها: اعتدي؛ فإنه يلزمه طلقة واحدة إلا أن ينوي أكثر، فإنه يلزمه ما نواه واعتدي من الكناية الظاهرة ويلزم بها ما ذكر (وصدق في) دعوى (نفيه) أي نفي الطلاق من أصله في قوله: اعتدي (إن دل بساط عليه) أي على نفيه، كما لو كان الخطاب في مقام ذكر الاعتداد بشيء أو العد، فقال: اعتدي، وقال: نويته الاعتداد بكذا أو العد فيصدق في ذلك.
(وكنايته الظاهرة: بتة، وحبلك على غاربك ولزم بهما): أي بإحدى هاتين الصيغتين (الثلاث مطلقاً) دخل بها أم لا، لأن البت القطع وقطع العصمة شامل للثلاث، ولو لم يدخل، والحبل عبارة عن العصمة وهو إذا رمى العصمة على كتفها لم يبق له فيها شيء مطلقاً (كأن اشترت) زوجته (العصمة منه) أي من زوجها بأن قالت له: بعني عصمتك بمائة، فباعها لها بها فإنها تطلق ثلاثاً دخل أو لم يدخل (وواحدة بائنة) بالرفع عطف على "بتة"، أي: ومن الكناية الظاهرة قوله لها: أنت طالق طلقة واحدة بائنة نظراً لقوله: "بائنة" والبينونة بعد الدخول بغير عوض إنما تكون ثلاثاً؛ فألزم بها الثلاث كما يأتي، ولم ينظروا للفظ واحدة، إما لكون "واحدة" صفة لمرة محذوفاً أي: مرة واحدة، بدليل قوله بعد: "بائنة"، وأما لأنه يحتاط في الفروج ما لا يحتاج في غيرها، فاعتبر لفظ بائنة وألغي لفظ واحدة.
(أو نواها): أي الواحدة البائنة (بكادخلي واذهبي) وانطلقي من سائر الكنايات الخفية، فإنه يلزمه الثلاث في المدخول بها وواحدة فقط في غيرها ما لم ينو أكثر، وأولى إذا نوى الواحدة البائنة بلفظ صريح الطلاق، كأن يقول لها: أنت طالق، ونوى الواحدة البائنة؛ فإنه يلزمه الثلاث في المدخول بها دون غيرها ما لم ينو أكثر؛ لأن نية البينونة كغيرها، والبينونة بعد الدخول بغير عوض ولا لفظ خلع ثلاث، وقبل الدخول واحدة إلا لنية أكثر ولذا قال: (وهي): أي واحدة بائنة لفظاً، أو نية بلفظ صريحه أو كنايته الخفية (ثلاث في المدخول بها) ويلزمه واحدة في غيرها ما لم ينو أكثر وأما نية الواحدة البائنة بلفظ الكناية الظاهرة كخليت سبيلك فلا أثر له، لأن العبرة حينئذ باللفظ ومدلوله الثلاث على تفصيلها المعلوم فيها، فقول الشيخ: بخليت سبيلك، فيه نظر.
ثم شبه بالواحدة البائنة في لزوم الثلاث في المدخول بها قوله: (كالميتة والدم) يعني أن من قال لزوجته: أنت علي كالميتة أو الدم،
ــ
وطؤها بالملك، ولو كان الطلاق المعلق ثلاثاً وكذا نكاحها بعد عتقها قبل زوج كذا في الأصل.
قوله: [وبقيت عليه واحدة]: على بمعنى اللام.
قوله: [ولفظه الصريح] إلخ: أي فهو منحصر في تلك الألفاظ الستة دون غيرها من الألفاظ، خلافاً لمن قال: إن الصريح ما كان فيه الحروف الثلاثة الطاء واللام والقاف لشموله نحو منطلقاً ومطلقة ومطلوقة وانطلقي، فإن هذه الألفاظ من الكتابة الخفية كما يأتي.
قوله: [اسم مفعول]: أي للفعل المضعف، وأما بغيره فتقدم أنه من الكناية الخفية.
قوله: [طلقة واحدة]: وفي حلفه على أنه لم يرد أكثر من واحدة وعدم حلفه قولان: الأول نقله اللخمي عن ابن القاسم، والثاني رواية المدنيين عن مالك، ومحل الخلاف إذا رفع للقاضي، وأما في الفتوى فلا يمين اتفاقاً.
قوله: [وصدق في دعوى نفيه]: أي بيمين في القضاء، وأما في الفتوى فلا يحتاج ليمين.
قوله: [وكنايته الظاهرة]: ليس المراد بالكناية اللفظ المستعمل في لازم معناه، بل المراد بها: لفظ استعمل في غير ما وضع له.
قوله: [والحبل) عبارة عن العصمة أي والغارب عبارة عن الكتف وهو في الأصل كتف الدابة أو ما انحدر عن أسفل سنم البعير.
قوله: [وواحدة بائنة]: محل ما قاله المتن والشارح إن كان عرف التحالف أن البائنة معناها المنفصلة، فإن كان عرفهم أن معناها الظاهرة التي لا خفاء فيها، وقصد ذلك المعنى فالظاهر لا يلزمه إلا طلقة واحدة، وتكون بعد الدخول رجعية.
قوله: [بغير عوض]: أي وبغير لفظ الخلع.
قوله: [فإنه يلزمه الثلاث في المدخول بها]: أي كما هو الظاهر، خلافاً لـ (عب) حيث عمم في المدخول بها وغيرها في لزوم الثلاث.
قوله: [ويلزمه واحدة في غيرها]: الفرق بين المدخول بها وغيرها أن غير المدخول بها تبين بالواحدة، فإن كان طلاقه خلعاً استوت المدخول بها وغيرها في قبول نية الواحدة.
قوله: [لأن العبرة حينئذ باللفظ]: أي ونية صرفه مباينة لوضعه.
стр. 456
(ولحم الخنزير) الواو بمعنى "أو" (ووهبتك لأهلك أو رددتك أو لا عصمة لي عليك، وأنت حرام أو خلية) [١] أي من الزوج (أو برية، أو خالصة): أي مني لا عصمة لي عليك، (أو بائنة، أو أنا) بائن منك، أو خلي أو بري أو خالص، فإنه يلزمه الثلاث في المدخول بها (كغيرها) أي غير المدخول بها (إن لم ينو أقل)، فإن نوى الأقل لزمه ما نواه وحلف إن أراد نكاحها أنه ما أراد إلا الأقل لا إن لم يرده، فقوله: "كغيرها" راجع لما بعد الكاف أي الميتة، وما بعدها (ولزم الثلاث مطلقاً) دخل أم لا (ما لم ينو أقل) من الثلاث (في) قوله لها (خليت سبيلك)، فإن نوى الأقل لزمه ما نواه.
(و) لزمه الثلاث (في المدخول بها) فقط (في) قوله: (وجهي من وجهك) حرام، (أو) وجهي (على وجهك حرام) فلا فرق بين "من" و "على"، وشبه في ذلك قوله: (كلا نكاح بيني وبينك، أو لا ملك لي) عليك، (أو لا سبيل لي عليك) فيلزمه الثلاث في المدخول بها فقط (إلا لعتاب) راجع لما بعد الكاف (وإلا) بأن كان لعتاب (فلا شيء عليه) كما لو كانت تفعل أموراً لا توافق غرضه بلا إذن منه فقال لها ذلك، فالعتاب قرينة وبساط دال على عدم إرادته الطلاق كما يأتي (كقوله يا حرام) ولم ينو به الطلاق، (أو) قال: (الحلال حرام) بدون علي، (أو) قال: الحلال (حرام علي) أو علي حرام، (أو جميع ما أملك حرام، ولم يرد إدخالها): أي الزوجة في لفظ من هذه الألفاظ، فلا شيء عليه، فإن قصد إدخالها فثلاث في المدخول بها وفي غيرها إلا لنية أقل.
(و) لزمه (واحدة مطلقاً) دخل أم لا (في) قوله: (فارقتك) إلا لنية أكثر وهي رجعية في المدخول بها.
(وحلف على نفيه) أي الطلاق حيث ادعى عدم قصده (في) قوله: (أنت سائبة، أو ليس بيني وبينك حلال ولا حرام؛ فإن نكل) لزمه الطلاق و (نوي في عدده)، وقبل قوله فيما دون الثلاث بيمينه، واستشكل تنويته في العدد مع كونه قد أنكر قصد الطلاق، وهو إذا أنكر قصد الطلاق فلا تقبل نيته، قال بعضهم: هذا الفرع وإن ذكره في المدونة إلا أنه ذكره عن ابن شهاب، وليس هو لمالك بل هو مخالف لأصل مذهبه، ولذا لم يذكره ابن الحاجب ولا ابن شاس ولا ابن عرفة، فعلى المصنف الدرك في ذكره. اهـ أي فالجاري على أصل مذهب مالك أنه يلزمه الثلاث في المدخول بها كغيرها إلا إذا نوى أقل وقد علمت أن الكناية الظاهرة أقسام.
الأول: ما يلزم فيه طلقة واحدة إلا لنية أكثر في المدخول بها وهو: اعتدي، وأما غير المدخول بها فلا عدة عليها، فإن قال لها: اعتدي، فهو من الكناية الخفية في حقها.
الثاني: ما يلزم فيه الثلاث مطلقاً وهو: بتة، وحبلك على غاربك.
الثالث: ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها وواحدة في غيرها لم ينو أكثر
ــ
والحاصل أن صريح الطلاق والكناية الظاهرة لا يصرفهما عن ظاهرهما إلى الأخف إلا البساط لا النية.
قوله: [أو خالصة]: ومثله لست لي على ذمة، وأما عليه السخام فيلزمه فيه واحدة إلا أن ينوي أكثر، وأما نحو عليه الطلاق من ذراعه أو فرسه فلا شيء فيه، لأن القصد من الحلف بذلك التباعد عن الحلف بالزوجة. واعلم أن لست لي على ذمة أو أنت خالصة لا نص فيهما، وقد اختلف استظهار الأشياخ في اللازم بهما، فاستظهر شيخ مشايخنا العدوي لزوم طلقة بائنة، واستظهر شيخنا المؤلف لزوم الثلاث، واستظهر بعض المحققين أن خالصة يمين سفه ولست لي على ذمة في عرف مصر بمنزلة فارقتك يلزم فيه طلقة واحدة إلا لنية أكثر في المدخول بها وغيرها، وأنها رجعية في المدخول بها كذا يؤخذ من حاشية الأصل.
قوله: [إن لم ينو أقل]: أي بأن نوى الثلاث أو لا نية له. إن قلت إن صريح الطلاق عند الإطلاق فيه طلقة واحدة فما وجه كون ذلك فيه الثلاث؟ فالجواب أن عدوله عن الصريح أوجب ريبة عنده في ذلك فشدد عليه.
قوله: [فلا فرق بين من وعلى]: أي في لزوم الثلاث وفي تنويته في العدد في غير المدخول بها.
قوله: [فإن قصد إدخالها]: هذا التفصيل في الصيغ التي قالها المصنف، وأما لو قال علي الحرام وحنث فإنه يلزمه الثلاث في المدخول بها ولا ينوى فيها ويلزمه في غيرها أيضاً، ولكنه ينوى في العدد، والفرق بين علي حرام وما معها، وبين علي الحرام، أن علي الحرام استعمل في العرف في حل العصمة، بخلاف علي حرام وما معه، فمن قاس علي الحرام على باقي الصيغ فقد أخطأ لوجود الفارق، وخالف المنصوص في كلامهم أفاده الأجهوري: قال (بن): وقد جرى العمل بفاس ونواحيها بلزوم طلقة بائنة في علي الحرام بالتعريف، لا فرق بين مدخول بها وغيرها.
قال في حاشية الأصل: والحاصل أن كلاً من هذين القولين يعني القول بلزوم الثلاث، والقول بلزوم طلقة بائنة معتمد، وحكى البدر القرافي أقوالاً أخر أنه لغو لا يلزم به شيء وقيل إنه طلقة رجعية، وقيل ينوى فيه أو نوى به الطلاق لزمه، وإن لم ينوه لا يلزمه شيء وهو المفتى به عند الشافعية.
قوله: [فهو من الكناية الخفية في حقها]: أي فلا يلزم فيها شيء إلا بالنية كاسقني الماء.
قوله: [وهو بتة] إلخ: لزوم الثلاث في بتة، وحبلك على غاربك، لكونه من الكناية الظاهرة على حسب العرف القديم، وأما عرفنا الآن فهما من الكناية الخفية، لأن ألفاظ الأيمان مبنية على العرف، وكذلك باقي الألفاظ ينظر فيها على حسب العرف، ولذلك قال في الحاشية: فائدة قال القرافي في فروقه
стр. 457
كواحدة بائنة؛ نظراً لبائنة كما تقدم لفظاً أو نية بلفظ.
الرابع: ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها كغيرها إن لم ينو أقل وهي ميتة وما عطف عليها.
الخامس: ما يلزم فيه الثلاث مطلقاً ما لم ينو أقل وهو: خليت سبيلك.
السادس: ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها وينوى في غيرها، وهو: وجهي من وجهك حرام إلى آخره.
السابع: ما يلزم فيه واحدة إلا لنية أكثر وهو: فارقتك، وكل ذلك ما لم يدل البساط والقرائن على عدم إرادة الطلاق، وأن المخاطبة بلفظ مما ذكر ليست في معرض الطلاق بحال، وإلى ذلك أشار بقوله: (وصدق في نفيه) أي الطلاق (إن دل بساط عليه) أي على النفي (في الجميع) أي جميع الكنايات الظاهرة (كالصريح): فإنه يصدق في نفيه عند قيام القرائن، كما لو أخذها الطلق عند ولادتها، فقال: أنت طالق إعلاماً أو استعلاماً، أو كانت مربوطة فقالت له هي أو غيرها: أطلقني، فقال: أنت طالق، ونحو ذلك مما يقتضيه الحال.
وحاصل القول في الكناية أنها قسمان: ظاهرة وهي ما شأنها أن تستعمل في الطلاق وحل العصمة، وخفية وهي ما شأنها أن تستعمل في غيره والضابط في الظاهرة على ما يؤخذ من كلامهم في غير واحدة بائنة أن اللفظ إن دل على قطع العصمة بالمرة لزم فيه الطلاق الثلاث في المدخول بها وغيرها، ولا ينوى، وذلك كبتة، وحبلك على غاربك، ومثلهما: قطعت العصمة بيني وبينك، وعصمتك على كتفك أو على رأس جبل ونحو ذلك، وإن لم يدل على ذلك بل دل على البينونة. والبينونة لغير خلع ثلاث في المدخول بها، وصادقة بواحدة في غيرها فإن كان ظاهراً فيها ظهوراً راجحا فثلاث في المدخول بها جزماً كغيرها ما لم ينو الأقل، كحرام، وميتة، وخلية، وبرية، ووهبتك لأهلك وما ذكر معها، وإن كان اللفظ ظاهراً في البينونة ظهوراً مساوياً فثلاث مطلقاً إلا لنية أقل، كخليت سبيلك وإن كان مرجوحاً لزمه الواحدة ما لم ينو أكثر كفارقتك وأما سائبة، أو ليس بيني وبينك حرام ولا حلال، فهذا من قبيل: وجهي من وجهك حرام، وما أنقلب إليه من أهل حرام وهو ثلاث في المدخول بها، وينوي في غيرها، فإن لم يكن له نية فهل يحمل على الثلاث لأنه الأصل في البينونة؟ فيكون من قبيل كالميتة وأنت حرام وبائن فلا يحمل في غير المدخول بها على الأقل إلا إذا نواه وهو ظاهر ما لأصبغ، أو يحمل على الواحدة إلا لنية أكثر؟ والأول أظهر والله أعلم هذا كله في الكناية الظاهرة.
وأما الكناية الخفية فأشار لها بقوله: (و) نوي (فيه): أي في أصل الطلاق، (وفي عدده في) كل كناية خفية توهم قصد الطلاق نحو: (اذهبي وانصرفي) وانطلقي (أو) أنا (لم أتزوج، أو قيل له: ألك امرأة؟ فقال لا، أو) قال لها: (أنت حرة أو معتقة أو ألحقي بأهلك)، فإن ادعى عدم الطلاق صدق، وإن ادعى عدداً واحدة أو أكثر صدق، فإن ادعى أنه نوى الطلاق ولم ينو عدداً لزمه الثلاث في المدخول بها وغيرها (وعوقب) الآتي بهذه الألفاظ الموجبة للتلبيس على نفسه وعلى الناس (وإن قصده بكلمة) كاسقني (أو صوت) ساذج (لزم) وهذا من الكناية الخفية عند الفقهاء، وإن لم يستعمل في لازم معناه (لا) يلزم (إن قصد التلفظ به) أي بالطلاق، (فعدل لغيره غلطاً) كما لو أراد أن يقول: أنت طالق، فالتفت لسانه بقوله: أنت قائمة، قال مالك: من أراد أن يقول: أنت طالق، فقال: كلي أو اشربي فلا يلزمه شيء أي لعدم وجود ركنه وهو اللفظ الدال عليه أو غيره مع نيته، بل أراد إيقاعه بلفظه،
ــ
ما معناه: إن نحو هذه الألفاظ من برية وخلية وحبلك على غاربك ورددتك، إنما كان لعرف سابق، وأما الآن فلا يحل للمفتي أن يفتي بها إلا لمن عرف معناها وإلا كانت من الكنايات الخفية، فلا نجد أحداً اليوم يطلق امرأته بخلية ولا برية. والحاصل أنه لا يحل للمفتي أن يفتي بالطلاق حتى يعلم العرف في ذلك البلد. اهـ.
قوله: [وهي ميتة وما عطف عليها]: أي من قوله والدم ولحم الخنزير، وعرفنا الآن أن هذه الألفاظ الثلاثة من الكناية الخفية.
قوله: [وينوي في غيرها]: أي فإن نوى ثلاثاً لزمته، أو أقل لزمه ما نواه، فإن لم تكن له نية فقيل يحمل على الثلاث وقيل على الواحدة، وعلى الأول يكون القسم السادس متحداً مع القسم الرابع فتأمل، وسيأتي يوضح الشارح ذلك في آخر عبارته.
قوله: [ما يلزم فيه واحدة إلا لنية أكثر]: أي لا فرق بين المدخول بها وغيرها فغاير القسم الأول وهو اعتدى، فإنه في غير المدخول بها كناية خفية لا يلزمه شيء إلا بالنية.
قوله: [والقرائن]: وأعظم القرائن العرف.
قوله: [كما لو أخذها الطلق]: مثال للبساط في الصريح.
قوله: [إعلاماً]: أي لغيره، وقوله: [أو استعلاماً] أي طالباً العلم لنفسه.
قوله: [وهي ما شأنها أن تستعمل]: أي عرفاً.
قوله: [وذلك كبتة] إلخ: أي على حسب العرف الماضي.
قوله: [وأما الكناية الخفية]: أي وهي ما شأنها أن تستعمل في غيره كما تقدم.
قوله: [عند الفقهاء]: أي كما قال ابن عرفة، وقال ابن الحاجب وابن شاس إنه ليس بكناية ولا صريح ومقتضى كلامهما عدم لزوم الطلاق بهذه الألفاظ، ولو نوى به الطلاق، والمعول عليه الأول، فيلزم إذا نواه بالصوت الساذج أو المزمار، وأما الصوت الضرب باليد فمن الفعل الذي يحتاج
стр. 458
فوقع في غيره.
(أو أراد أن ينطق بالثلاث فقال أنت طالق، وسكت) عن التلفظ بالثلاث، فلا يلزمه ما زاد على الواحدة، لأنه لم يقصد الثلاث: بقوله: أنت طالق، وإنما أراد أن ينطق بالثلاث فبدا له عدم الثلاث فسكت عن النطق به.
ولما قدم أن من أركانه اللفظ، أفاد هنا أنه ليس المراد خصوص اللفظ لا غير، بل المراد اللفظ أو ما يقوم مقامه من إشارة أو كتابة أو فعل جرت به عادة أو كلام نفسي على قول بقوله: (ولزم) الطلاق (بالإشارة المفهمة) بيد أو رأس ولو من غير الأخرس، لا بغير المفهمة ولو فهمتها الزوجة لأنها من الأفعال التي لا طلاق بها والمفهمة: هي التي يقطع من رآها بقصد الطلاق، ولو كانت المرأة لبلادتها لم تفهم منها طلاقاً.
(و) لزم الطلاق (بمجرد إرساله): أي الطلاق مع رسول، أي المجرد عن الوصول إليها، فمتى قال للرسول: أخبرها بأني طلقتها، لزمه الطلاق.
(أو) بمجرد (كتابته) الطلاق (عازماً) بطلاقها لا متردداً فيه حتى يبدو له فيلزمه بمجرد كتابة طالق، وإلا يكن عازماً بالطلاق حال الكتابة، بل كان متردداً أو مستشيراً (فبإخراجه): أي فيلزمه حينئذ إن أخرجه (عازماً) وأعطاه لمن يوصله ولو لم يصل، (أو وصوله) لها أو لوليها إن أخرجه غير عازم، فإن أخرجه غير عازم ولم يصل فقولان: أقواهما عدم اللزوم، قال ابن رشد وتحصيل القول في هذه المسألة أن الرجل إذا كتب طلاق امرأته لا يخلو من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون كتبه مجمعاً على الطلاق.
الثاني: أن يكون كتبه على أن يستخير فيه، فإن رأى أن ينفذه نفذه، وإن رأى أن لا ينفذه لم ينفذه.
والثالث: أن لا يكون له نية، فأما إذا كتبه مجمعاً على الطلاق، أو لم يكن له نية، فقد وجب عليه الطلاق، وأما إذا كتبه على أن يستخير فيه ويرى رأيه في إنفاذه فذلك له ما لم يخرج الكتاب من يده فإن أخرجه من يده على أن يرده إن بدا له فقيل: إن خروج الكتاب من يده كالإشهاد وليس له أن يرده، وهو رواية أشهب، وقيل: له أن يرده وهو قوله في المدونة فإن كتب إليها: إن وصلك كتابي هذا فأنت طالق، فلا اختلاف في أنه لا يقع عليه الطلاق إلا بوصول الكتاب إليها؛ فإن وصل إليها طلقت مكانها وأجبر [١] على رجعتها إن كانت حائضاً. اهـ. فتحصل أن اللزوم إما في الكتابة عازماً أو بإخراجه من يده عازماً على الطلاق، وإما بالوصول إليها، وفي قوله الثالث: أن لا يكون له نية نظر، لأن المراد بالنية العزم [٢]. والإنسان إما عازم على الشيء، وإما لا عازم ولا واسطة بينهما إلا أن يحمل على العبث أو السهو، وعلم من قوله: فإن كتب إليها: "إن وصلك"، إلى آخر ما في بعض الشروح من المخالفة.
(لا) يلزم طلاق (بكلام نفسي) على أرجح القولين، قال في التوضيح: الخلاف إنما هو إذا أنشأ الطلاق بقلبه بكلامه النفسي.
ــ
للعرف أو القرائن كما في الحاشية.
قوله: [أو أراد ينطق بالثلاث] إلخ: أي وأما لو أراد أن ينجز واحدة، فقال: أنت طالق ثلاثاً، فقيل يلزمه الثلاث في الفتوى والقضاء وهو قول مالك وسحنون، وأما لو أراد أن يعلق الثلاث، فقال: أنت طالق ثلاثاً، وسكت ولم يأت بالشرط فلا شيء عليه كما في المواق عن المتيطي.
قوله: [لزمه الطلاق]: أي ولو لم يصل الخبر إليها.
قوله: [فيلزمه بمجرد كتابة طالق]: أي في صور ست، وهي ما إذا أخرجه عازماً أو مستشيراً أو لا نية له، وفي كل وصل أم لا والمتردد والمستشير شيء واحد في الحكم فلا تتعدد من أجلهما الصور.
قوله: [إن أخرجه عازماً]: مثل العزم في الإخراج عدم النية على المعتمد.
قوله: [إن أخرجه غير عازم]: أي بأن كان مستشيراً أو متردداً.
قوله: [أقواهما عدم اللزوم]: أي حيث كان كتبه مستشيراً أو متردداً وأخرجه كذلك.
قوله: [وتحصيل القول في هذه المسألة] إلخ: فحاصله أن الصور فيها ثمانية عشر، لأنه إما أن يكتبه عازماً أو مستشيراً أو لا نية له، وفي كل إما أن يخرجه عازماً أو مستشيراً أو لا نية له، فهذه ثلاثة تضرب في مثلها بتسع، وفي كل إما أن يصل أم لا هذه ثمانية عشر، فإذا كتبه عازماً الذي هو معنى قول الشارح مجمعاً حنث بصوره الست، وهي إما أن يخرجه عازماً أو مستشيراً أو لا نية له، وفي كل إما أن يصل أم لا، وأما لو كتبه مستشيراً أو لا نية له أخرجه عازماً أو مستشيراً أو لا نية له فهذه ست يحنث فيها إن وصل اتفاقاً، وكذا إن لم يصل على المعتمد إلا في صورة وهي ما إذا كتبه مستشيراً وأخرجه كذلك كذا في الحاشية.
قوله: [على أن يستخير]: هو معنى الاستشارة والتردد.
قوله: [فقد وجب عليه الطلاق]: أما إن كان مجمعاً على الطلاق فظاهر، وأما، عند عدم النية فيأتي البحث فيه.
قوله: [على أن يرده]: هو معنى إخراجه مستشيراً أو متردداً، وتقدم أن المعتمد في هذه لا حنث إن لم يصل الذي هو قول المدونة.
قوله: [فلا اختلاف في أنه لا يقع] إلخ: أي ولو كان عازماً وقت الكتابة.
قوله: [انتهى]: أي كلام ابن رشد.
قوله: [أو بإخراجه من يده عازماً]: مثله عدم النية على المعتمد حال الكتابة أو حال الإخراج.
قوله: [إلا أن يحمل على العبث]: هذا هو الذي يظهر من كلامهم، ولذلك شدد عليه وجعل عدم النية كالعزم على الطلاق فتدبر.
قوله: [وعلم من قوله فإن كتب] إلخ: أي كالخرشي حيث عمم بقوله: سواء كان في الكتابة إذا جاءك كتابي فأنت طالق، أو أنت طالق، وسواء أخرجه ووصل إليها أو لم
стр. 459
والقول بعدم اللزوم لمالك في الموازية وهو اختيار عبد الحكم وهو الذي ينصره أهل المذهب القرافي وهو المشهور.
(أو فعل) كضرب وفتق ثوب أو تمزيقه، أو قطع حبل لا يلزمه به طلاق ولو قصده به (إلا أن يكون) ذلك الفعل (عادتهم) في وقوعه فيلزم به.
(وسفه) زوج (قائل) لزوجته: (يا أمي أو يا أختي ونحوه) كخالتي وعمتي من المحارم، أي نسب للسفه ولغو الحديث.
(وإن كرره): أي الطلاق (بعطف): بواو أو فاء أو ثم (أو بغيره) نحو: أنت طالق طالق طالق بلا ذكر مبتدأ في الأخيرين أو بذكره، (لزم) ما كرر مرتين أو ثلاثاً (في المدخول بها) نسقه أو فصل بسكوت أو كلام إذا لم يكن خلعاً، لأن الرجعية زوجة [١] يلحقها الطلاق ما دامت في العدة (كغيرها)، أي غير المدخول؛ فإنه يلزمه بقدر التكرار مرتين أو ثلاثاً، لكن (إن نسقه) ولو حكماً كفصل بعطاس أو سعال، لا إن فصله لإبانتها بالأول فلا يلحقه الثاني بعد الفصل كالتكرار بعد الخلع، (إلا لنية تأكيد في غير العطف) فيصدق في المدخول بها وغيرها، بخلاف العطف فلا تنفعه نية التأكيد مطلقاً، لأن العطف ينافي التأكيد.
(ولزم) طلقة (واحدة في) تعبيره بجزء قل أو كثر منطق أو لا نحو (ربع) أو ثمن (طلقة أو ثلثي) أو ثلث أو سدس (طلقة)، أو جزء من أحد عشر جزءاً من طلقة، (أو نصفي طلقة) لأن النصفين طلقة واحدة، (أو ثلث وربع طلقة) لأن الثلث والربع نصف طلقة وسدس نصف طلقة فتكمل، (أو ربع ونصف طلقة) لأن الربع والنصف طلقة إلا ربعاً.
(و) لزم (اثنتان في ثلث طلقة وربع [٢]، أو ربع طلقة ونصف طلقة) ونحو ذلك من كل ما أضيف فيه الجزء المذكور صريحاً إلى طلقة، بأن يكون كل كسر موافق أو مخالف مضافاً لطلقة صريحاً، لأن كل كسر أضيف لطلقة أخذ مميزه فاستقل بنفسه بخلاف نصف وثلث طلقة كما تقدم.
(و) لزم اثنتان في (الطلاق كله إلا نصفه) لأنه استثني من الثلاث طلقة ونصف طلقة يبقى طلقة ونصف، وكمل عليه النصف، (و) لزم اثنتان في (واحدة) أي في قوله: أنت [٣] طالق واحدة (في اثنتين) لأن الواحد في اثنين باثنين، وهذا (إن قصد الحساب) بأن كان ممن يعرف ذلك، (وإلا) يقصد الحساب (فثلاث) لأن شأن من لم يعرف الحساب أن يقصد واحدة مع اثنتين، (كأنت طالق الطلاق إلا نصف طلقة) فيلزمه الثلاث لأنه لما استثنى نصف طلقة،
ــ
يخرجه فقد علمت أن هذا التعميم خلاف ما قاله ابن رشد، ولذلك قال: وإن كتب لها إن وصلك كتابي فأنت طالق توقف الطلاق على الوصول، وإن كتب إذا وصل لك كتابي إلخ ففي توقفه على الوصول خلاف وقوي القول بتوقفه على الوصول لتضمن إذا معنى الشرط.
قوله: [لمالك في الموازية]: أي وأما القول باللزوم فهو لمالك العتبية قال في البيان والمقدمات وهو الصحيح وقال ابن راشد هو الأشهر، ابن عبد السلام: والأول أظهر لأنه إنما يكتفى بالنية في التكاليف المتعلقة بالقلب، لا فيما بين الآدميين اهـ. (بن)، ومفهوم قوله إذا أنشأ الطلاق بقلبه أن العزم على الطلاق لا شيء فيه، وكذا من اعتقد أنها طلقت منه ثم تبين له عدمه فلا يلزمه شيء.
قوله: [إلا أن يكون ذلك الفعل عادتهم]: تقدم له في الخلع أن قيام القرينة مثل العادة، وانظر هل هو مخصوص بالخلع أو يجري هنا.
قوله: [من المحارم]: لا مفهوم له، بل قال لها يا ستي أو يا حبيبتي، فإنه سفه أيضاً كما قرره شيخ مشايخنا العدوي، لكن قال في المجموع هو خفيف، لأن السيدة تصدق بعد عتقه، والنكاح إذ ذاك جائز على أن العرف شاع بها في الود والتعظيم، وأما قول نساء مصر للزوج سيدي فلا بأس به لجواز الوطء بالملك اهـ. وإنما نسب القائل ذلك للسفه للنهي الوارد عنه ﷺ في قوله لمن قال لزوجته يا أختي: " أأختك هي "، فكره ذلك وأنكره، وفي كراهته وحرمته قولان.
قوله: [إن نسقه]: المراد به النسق اللغوي وهو المتابعة لا الاصطلاحي، وهو توسط أحد حروف العطف التسعة بين التابع والمتبوع.
قوله: [كالتكرار بعد الخلع]: تشبيه في غير المدخول بها.
قوله: [فيصدق في المدخول بها] إلخ: أي بيمين في القضاء وبغيرها في الفتوى، وتقبل نية التأكيد في المدخول بها، ولو طال ما بين الطلاق الأول والثاني، بخلاف غير المدخول بها فإنه إنما ينفعه فيها التأكيد حيث لم يطل، وإلا لم يلزمه الثاني ولو نوى به الإنشاء قاله الأجهوري.
قوله: [لأن العطف ينافي التوكيد]: أو لقولهم إن العطف يقتضي المغايرة.
قوله: [منطق أو لا]: المنطق ما لم يعبر فيه بلفظ الجزئية كربع وخمس، وغير المنطق ما عبر فيه بلفظ الجزئية كجزء من أحد عشر.
قوله: [لأن الثلث والربع نصف طلقة وسدس نصف طلقة]: أي لأنك تأخذ سدساً من الربع يوضع على الثلث يكمل النصف يبقى نصف سدس وهو سدس النصف، لأن الربع سدس ونصفه والثلث سدسان.
قوله: [أخذ مميزه]: أي الذي هو لفظ طلقة.
وقوله: [فاستقل بنفسه] أي حكم بكمال الطلقة فيه، فالجزء الآخر المعطوف بعد طلقة أخرى.
قوله: [كما تقدم]: أي من أنهما يحسبان طلقة واحدة لعدم أخذ مميز الأول معه، ومحل ذلك ما لم يزد مجموع الجزأين على طلقة، فإن زاد كما إذا قال نصف وثلثي طلقة بتثنية ثلث لزمه طلقتان، لأن الأجزاء المذكورة تزيد على طلقة، وفي الجواهر لو قال ثلاثة أنصاف طلقة أو أربعة أثلاث
стр. 460
علمنا أنه أراد بالطلاق كل الطلاق، (أو) قال: (كلما حضت) فأنت طالق يلزمه الثلاث، وينجز [١] عليه من الآن ولا ينتظر لوقوعه لأنه من المحتمل الغالب وقوعه، وقصده التكثير وهذا فيمن تحيض أو يتوقع منها الحيض، وأما الآيسة فلا يلزمه شيء (أو قال: كلما) طلقتك (أو: متى ما طلقتك، أو) كلما أو متى ما (وقع عليك طلاقي فأنت طالق، وطلق واحدة) فيلزمه الثلاث في الفروع الأربعة، لأنه بإيقاع الواحدة وقع المعلق فتقع الثانية، وبوقوعها تقع الثالثة، لأن فاعل السبب فاعل المسبب، (أو) قال: (إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً أو اثنين، وطلق): لزمه الثلاث في الفرعين، ويلغي قوله قبله لأنه بمنزلة من قال: أنت طالق من الأمس، فإن لم يطلق فلا شيء عليه.
(وأدب المجزئ) للطلاق (كمطلق جزء، كيد) ورجل وأصبع وأنملة من زوجته، ولزمه الطلاق.
(ولزم) الطلاق (بنحو شعرك) مما يعد من محاسن المرأة كشعرك أو كلامك أو ريقك طالق. (لا) يلزم بما لا يعد من المحاسن نحو (بصاق ودمع) وسعال.
(وصح) في الطلاق (الاستثناء بإلا وأخواتها ولو) لفظ به (سراً) فإنه ينفعه ويصدق فيه نحو: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، أو غير واحدة أو سوى واحدة، فيلزمه اثنتان كما يأتي لكن صحته بشروط ثلاثة أشار لها بقوله: (إن اتصل) بالمستثنى منه ولو حكماً فلا يضر فصل بعطاس أو سعال، فإن انفصل اختياراً لم يصح.
(و) إن (قصد) الاستثناء: أي الإخراج لا إن جرى على لسانه بلا قصد فلا يفيد.
(ولم يستغرق) المستثنى منه، وإلا لم يصح نحو: طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً ويلزمه الثلاث ومثال غير المستغرق (نحو) أنت طالق (ثلاثاً إلا اثنتين) فيلزمه واحدة، وإذا علمت أن المستغرق غير صحيح وأن غيره صحيح.
ــ
طلقة وقعت اثنتان لزيادة الأجزاء على واحدة نقله (ر).
قوله: [علمنا أنه أراد بالطلاق] إلخ: أي أراد به الطلاق الثلاث لا الطلاق الشرعي، وإلا كأن يقول إلا نصفه، ولو قال ذلك لزمه طلقة واحدة.
قوله: [وهذا فيمن تحيض]: هذا نحو ما لابن عرفة عن النوادر معترضاً على ابن عبد السلام، حيث قال هذا في غير اليائسة والصغيرة، وأما اليائسة والصغيرة يقول لإحداهما إذا حضت فلا خلاف أنها لا تطلق عليه حتى ترى دم الحيض.
قوله: [أو قال كلما طلقتك] إلخ: أما لو قال لها: أنت طالق كلما حليتي حرمتي، نظر لقصده، فإن كان مراده: كلما حليتي لي بعد زوج حرمتي تأبد تحريمها، وإن أراد كلما: حليتي لي بالرجعة في هذه العصمة بعد الطلاق الرجعي حرمتي حلت له بعد زوج، فإنه لم يكن له قصد نظر لعرفهم، فإن لم يكن نظر للبساط، فإن لم يكن له نية ولا بساط حمل على المعنى المقتضي للتأبيد احتياطاً، ومثل ذلك إذا قال لها أنت طالق كلما حللك شيخ حرمك شيخ، وأما لو قال أنت طالق ثلاثاً كلما حليتي حرمتي، فإن أراد الزوج الثاني بعد هذه العصمة لا يحللها، فإنها تحل له بعد زوج لأن إرادته ذلك باطلة شرعاً لأن الله أحلها بعده، وإن أراد أنها إن حلت له بعد زوج وتزوجها فهي حرام عليه تأبد تحريمها.
قوله: [لأن فاعل السبب]: أي الذي هو الطلقة الأولى، والمراد بالمسبب الطلقة الثانية، وإذا كان فاعل السبب فاعل المسبب آل الأمر إلى أن الطلقة الثانية فعله، فتجعل سبباً للثالثة بمقتضى أداة التكرار.
قوله: [ويلغى قوله قبله]: هذا هو مشهور مذهبنا، وقال ابن سريج من أئمة الشافعية إذا قال إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً لا يلزمه شيء أصلاً، ولا يلحقه فيها للدور الحكمي، فإنه متى طلقها وقع الطلاق قبله ثلاثاً ومتى وقع قبله الطلاق ثلاثاً كان طلاقها الصادر منه لم يصادف محلاً، لكن قال العز بن عبد السلام تقليد ابن سريج في هذه المسألة ضلال مبين.
قوله: [وأدب المجزئ]: قال في الأصل وهو يقتضي تحريمه.
قوله: [مما يعد من محاسن المرأة]: أي هو كل ما يلتذ به أو يلتذ بالمرأة بسببه، فالأول كالريق والثاني كالعقل، لأن بالعقل يصدر منها ما يوجب للرجل الإقبال عليها والالتذاذ بها، بخلاف العلم.
قوله: [نحو بصاق]: الفرق بين الريق والبصاق أن الريق هو ماء الفم ما دام فيه، فإن انفصل عنه فهو بصاق والأول يلتذ به بخلاف الثاني.
تنبيه: خالف ابن عبد الحكم، فقال لا يلزم في: " كلامك " شيء لأن الله حرم رؤية أمهات المؤمنين ولم يحرم كلامهن على أحد، ورد بأن الطلاق ليس مرتبطاً بحل ولا حرمة، فإن وجه الأجنبية ليس بحرام، وتطلق به وفي الحاشية عن بعض المشايخ، إن قال: اسمك طالق، يلزم لأنه من المنفصل، قال في المجموع وضعفه ظاهر، لأن كل حكم ورد على لفظ فهو وارد على مسماه، وقد قيل الاسم عين المسمى فتأمل.
قوله: [وأخواتها]: وهي سوى وخلا وعدا وحاشا وغير.
قوله: [ولو لفظ به سراً]: محل الاكتفاء بالسر ما لم يكن الحلف في وثيقة حق وإلا فلا ينفعه إلا الجهر، لأن اليمين على نية المحلف كما مر في اليمين.
قوله: [إن اتصل بالمستثنى منه]: المراد بالمستثنى منه المحلوف به، فلو فصل بينهما بالمحلوف عليه ضر كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً إن دخلت الدار إلا اثنتين، وقال بعضهم: المراد إن اتصل بالمحلوف به أو المحلوف عليه نحو: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين إن دخلت الدار، وأنت طالق ثلاثاً إن دخلت الدار إلا اثنتين وهما قولان.