باب في حقيقة اللعان وأحكامه
(اللعان): في العرف (حلف زوج) لا غيره كسيد وأجنبي (مسلم) لا كافر (مكلف) لا صبي أو مجنون على أحد أمرين أشار للأول بقوله: (على) رؤية (زنا زوجته) فلا بد من ثبوت الزوجية، ولو فسد نكاحه كما يأتي، وللثاني بقوله: (أو) على (نفي حملها منه، وحلفها): أي الزوجة ولو كتابية (على تكذيبه أربعاً) من كل منهما (بصيغة: أشهد بالله) لرأيتها تزني، أو لزنت، أو ما هذا الحمل مني، فتقول: أشهد بالله ما زنيت كما يأتي. (بحكم حاكم) يشهد القضية، وبحكم بالتفريق، أو يحد من نكل وهذا إن صح النكاح بينهما، بل (وإن فسد نكاحه) لثبوت النسب به (فيلاعن) الزوج حراً كان أو عبداً (إن قذفها) أي زوجته ولو أمة (بزنا ولو بدبر في) زمن (نكاحه، أو) زمن (عدته)، والجار والمجرور متعلق بكل من "قذفها"، و"بزنا" (وإلا) بأن قذفها قبل نكاحها أو بعده بزنا قبله أي النكاح، أو بعد خروجها من عدته ولو برؤية زنا قبله (حد) ولا لعان (إن تيقنه) أي الزنا ولو أعمى فلا يعتمد على ظن، بل لا بد من الرؤية إن كان بصيراً كالمرود في المكحلة، ويعتمد الأعمى على حس بكسر المهملة أو جس بفتح الجيم، أو بإخبار يفيده ذلك ولو من غير مقبول الشهادة شرعاً كالعبد والمرأة.
(وانتفى به) أي بلعان التيقن برؤية البصير أو بغيرها من غير (ما ولد كاملاً لستة أشهر) فأكثر، من يوم الرؤية، وتعتبر الأشهر ناقصة ولو كانت كاملة في الواقع (وإلا) بأن ولدته كاملاً لدون ستة أشهر من الرؤية كالشهر والشهرين، (لحق به) للجزم بوجوده في رحمها وقت الرؤية واللعان، إنما كان للرؤية لا لنفي الحمل (إلا لاستبراء قبلها) أي قبل رؤيته الزنا فإن استبرأها بحيضة ولم يقربها بعده
ــ
من ثلاثة خمسين، وللميتة ثلاثين سقط حظها فلا ينقله لغيرها، وكمل لكل من الثلاثة عشرة دون من ماتت، ولو أعتق ثلاثاً من الرقاب عن ثلاث من أربع ظاهر منهن ولم يعين من أعتق عنها منهن لم يطأ واحدة من الأربع حتى يخرج الكفارة الرابعة، ولو ماتت واحدة منهن أو أكثر أو طلقت قبل إخراج الرابعة لعدم تعيين من أعتق عنها، فلو عين من أعتق عنها جاز وطؤها اهـ. من الأصل.
باب في حقيقة اللعان وأحكامه
لما كان ينشأ عن اللعان تحريم الملاعنة مؤبداً كما ينشأ عن الظهار معلقاً ناسب وصله به. قوله: [في العرف]: أي وأما لغة فهو الإبعاد، يقال لعنه الله أي أبعده، وكانت العرب تطرد الشرير المتمرد لئلا تؤخذ بجرائره وتسميه لعيناً، واشتق من اللعنة في خامسة الرجل، ولم يسم غضباً بخامسة المرأة تغليباً للذكر، ولسبق لعانه وكونه سبباً في لعانها، ومن جانبه أقوى من جانبها لأنه قادر على الائتلاف دونها.
قوله: [حلف زوج]: سواء كان حراً أو عبداً دخل بالزوجة أم لا.
قوله: [لا غيره]: أي فلا يمكن من الحلف عند الرمي بالزنا غير الزوج، وإنما يلزمه حد القذف إن قذف عفيفة ولم يثبت، وستأتي شروط حد القذف في بابه، ويرد على قوله "لا غيره" ما وقع لأبي عمران أن اللعان يكون في شبهة النكاح وإن لم تثبت الزوجية، إلا أن يقال لما كان الولد لاحقاً به ودرئ الحد عنه، كان في حكم الزوج كذا في الخرشي
قوله: [لا كافر]: أي فلا نتعرض له في قذفه لزوجته ما لم يترافعا إلينا.
قوله: [لا صبي أو مجنون]: أي فلا يعتد برميهما لزوجتيهما.
قوله: [على رؤية زنا زوجته]: أي رؤية الفعل الدال على ذلك، لأن الزنا معنى من المعاني وهو لا يرى، واللعان في الرؤية يتأتى ولو من المجبوب، بخلاف نفي الحمل فلا يكون من المجبوب كما يأتي، لأنه منفي بغير لعان ومثله. الخصي مقطوع الأنثيين وسيأتي ما فيه.
قوله: [فلا بد من ثبوت الزوجية]: أي حقيقة أو حكماً ليشمل مسألة أبي عمران.
قوله: [بل وإن فسد نكاحه]: أي ولو كان مجمعاً على فساده، ولكن درأ الحد كما إذا عقد على أخته غير عالم بأنها أخته.
قوله: [متعلق بكل]: أي تنازعه كل منهما فأعمل الأخير، وأضمر في الأول وحذف لكونه فضلة.
قوله: [حد]: أي ولا يمنعه كونها زوجة حال إقامة الحد، ومحل ذلك ما لم يقم بينة.
قوله: [بل لا بد من الرؤية] إلخ: أي وإن لم يصفها كالبينة هذا هو المشهور، وقيل لا يلاعن إلا إذا وصف الرؤية، بأن يقول كالمرود في المكحلة، وقد ذكر ابن عرفة الطريقتين وصدر بعدم الاشتراط، وعبر عنه الأبي بالمشهور فما قاله شارحنا مرور على الطريقة الأولى، ومقتضى اشتراط الرؤية في البصير إن تحققه بجس أو حس من غير رؤية لا يكفي وهو المعول عليه، وما في الخرشي و (عب) من نسبة الكفاية للمدونة لا يسلم كذا في (بن).
قوله: [وتعتبر الأشهر ناقصة]: أي فيعتبر ستة أشهر إلا خمسة أيام، وإن كاملة في الواقع، لأنه لا يتوالى النقص في الستة.
قوله: [كالشهر والشهرين]: أي والأربعة والخمسة والستة إلا ستة أيام، وإنما جعل نقص الستة أيام ملحقاً بما دون أمد الحمل لأنه لا يتوالى أربعة أشهر على النقص، فغاية ما يتوالى ثلاثة ناقصة ويحسب شهران ناقصان بعد الرابع، فيكون أقل أمد الحمل ستة أشهر إلا خمسة أيام لعدم تأتي النقص
стр. 492
لم يلحق به ثم أشار للسبب الثاني بقوله: (أو) قذفها (بنفي حمل، أو) بنفي (ولد) فله أن يلاعن، (وإن مات) الحمل أو الولد (أو ماتت) الزوجة، وفائدته سقوط الحد عنه بالرمي.
وأشار إلى شرط اللعان لنفي الحمل أو الولد بقوله: (إن لم يطأها) أصلاً بعد العقد، (أو) وطئها و (أتت به) بعد الوطء (لمدة لا يلتحق) الولد (فيها به) أي بالزوج (لقلة) كما لو دخل عليها وأتت بولد كامل بعد شهر أو شهرين أو خمسة من يوم الوطء، فيعتمد على ذلك ويعلم أنه ليس منه ويلاعن، (أو كثرة كخمس سنين) بعد الوطء فلا يلحق به ويعتمد على ذلك، ويلاعن لنفيه (أو) وطئها و (استبرأها بحيضة) بعد الوطء، (أو وضع) لحمل (وأتت به بعد ستة أشهر من) يوم (الاستبراء) بالحيضة أو بالوضع، فيعتمد على ذلك ويلاعن لنفيه إذ هو ليس منه قطعاً.
(ولا ينتفي) الحمل أو الولد (بغيره) أي بغير اللعان (ولو تصادقا) أي الزوجان (على نفيه) أي على نفي الوطء أو على نفي الولد عن الزوج ويلحق به، ولا حد عليه لأنه رمى غير عفيفة، وتحد هي (إلا أن تأتي به لدون ستة أشهر من العقد) كشهر أو شهرين، فينتفي عنه حينئذ بغير لعان لقيام المانع الشرعي من لحوقه به، (أو) تأتي به (وهو) أي الزوج (صبي أو مجبوب) فينتفي عنه بغير لعان، (أو مقطوع) البيضة (اليسرى) لأنه لا يولد له كالمجبوب، (أو تدّعيه) أي الحمل أو الولد (من) أي امرأة (لا يمكن اجتماعه) أي الزوج (عليها) أي الزوجة (عادة كمشرقية ومغربي)، بأن يكون بينهما من المسافة ما إن قدم بعد العقد كان الباقي لا يمكن فيه الولد أو الحمل على الوجه الذي هو به.
(ولا يعتمد فيه) أي في اللعان (على ظن) بل لا بد من اليقين كما تقدم (كرؤيتهما متجردين في لحاف) واحد؛ إذ يمكن عدم وطئهما [١] أو وطؤها بين فخذيها (ولا) يعتمد فيه (على عزل منه) بأن يمني خارج الفرج لأن الماء قد يسبقه قهراً.
(ولا) يعتمد فيه على (مشابهة) في الولد (لغيره ولا) على (وطء بين الفخذين) دون الفرج (إن أنزل) بين الفخذين (ولا) يعتمد فيه (على عدم إنزال) منه حال وطئها (إن) كان (أنزل قبله) أي قبل وطئها، (ولم يبل) بعده قبل وطئها لاحتمال أن يكون في أصل ذكره بقية مني، فانصب في رحمها حال جماعها، بخلاف ما لو بال قبل وطئها ولم ينزل فله ملاعنتها؛ لأن البول يخرج بقايا المني.
(وحد) الزوج الملاعن
ــ
في الستة متوالية.
قوله: [لم يلحق به]: أي وينتفي بذلك اللعان، وهذا قول أشهب، وقال عبد الملك وأصبغ: إنما ينتفي بلعان ثان، قال في المقدمات وفي المدونة ما يدل للقولين، والموضوع أن بين الاستبراء والولادة ستة أشهر إلا خمسة أيام فأكثر، وإلا لحق به فتأمل.
قوله: [إن لم يطأها] إلخ: أشار بهذا إلى أن محل كون الرجل يلاعن لنفي الولد أو الحمل إذا اعتمد في لعانه على واحد من هذه الأمور الخمسة فإن لاعن لنفيه من غير اعتماد على واحد منها كان اللعان باطلاً ولم ينتف نسب ذلك الملاعن منه، وأما إذا كان اللعان لرؤية الزنا فلا يعتمد على شيء غير تيقنه للزنا إن كان أعمى، ورؤيته له إن كان بصيراً كما تقدم.
قوله: [من يوم الوطء]: ظرف لقوله أتت بولد كامل، والموضوع أن العقد متقدم لستة أشهر فأكثر وإلا انتفى بلا لعان كما يأتي.
قوله: [فيعتمد على ذلك ويلاعن]: أي وإن لم يدع رؤية الزنا على المشهور كما قال عياض، لأن المقصود نفي الحمل ولا حاجة للرؤية.
قوله: [ولو تصادقا]: أي الزوجان على نفيه، وسواء قبل البناء أو بعده. وحاصله: أنها إذا ولدت ولداً قبل البناء أو بعده وتصادقا على نفي ذلك الولد وعدم لحوقه بالزوج، فإنه لا ينتفي لحوقه بالزوج إلا بلعان منه هذا هو المشهور. ومقابله إن تصادقا على نفيه وكانت ولدته قبل البناء فإنه ينتفي بلا لعان بخلاف ما ولدته بعد البناء.
قوله: [كشهر أو شهرين]: أي أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة إلا ستة أيام.
قوله: [وهو أي الزوج صبي أو مجبوب]: أي لاستحالة حملها منهما عادة لا عقلاً.
قوله: [أو مقطوع البيضة اليسرى]: هذا هو الصحيح قال في الشامل: إنه متى وجدت البيضة اليسرى ولو كان مقطوع الذكر وأنزل فلا بد من اللعان مطلقاً وإن فقدت، ولو كان قائم الذكر فلا لعان ولو أنزل، وينتفي الولد بغيره، وطريقة القرافي أن المجبوب والخصي إن لم ينزلا فلا لعان لعدم لحوق الولد بهما وإن أنزلا لاعنا.
قوله: [كمشرقية ومغربي]: أي ويفرض أنه تولى العقد بينهما في ذلك وليهما وهما في مكانهما أي المغرب والمشرق وعلم بقاء كل من الزوجين في محله إلى أن ظهر الحمل، فإنه ينتفي عنه بغير لعان لقيام المانع العادي على نفيه عنه، وإن لم يعلم بقاء كل من الزوجين في محله انتفى عنه بالوجه الذي قاله الشارح.
قوله: [على ظن] إلخ: الحاصل أنه ذكر مسائل خمسة لا يجوز للرجل أن يعتمد في واحدة منها ويلاعن، فلو لاعن لا يعتبر لعانه ولكن لا حد عليه لعذره.
قوله: [إن كان أنزل قبله]: أي كما إذا لاعن زوجته أو أمته فأنزل ثم وطئ الزوجة ولم ينزل فيها، والحال أنه لم يحصل منه بول بين الإنزال والوطء الذي لم ينزل فيه فحملت تلك المرأة، فليس له نفيه والملاعنة فيه معتمداً على عدم إنزاله فيها لاحتمال بقاء شيء من مائه في قصبة ذكره فيخرج مع الوطء.
قوله: [لأن البول يخرج بقايا المني]: تعليلهم هذا يفيد أن مجرى المني والبول
стр. 493
(إن استلحق الولد) الذي لاعن فيه لتبين قذفه إياها، (إلا أن يثبت) ببينة أو إقرارها (زناها، ولو) زنت (بعد اللعان) لأنه قد تبين أنه قذف غير عفيفة فلا حد عليه، (أو سمى الزاني بها).
فإنه يحد لقذفه إلا أن يثبت زناه ولو بغيرها فلا يحد لأنه قذف غير عفيف (وشرطه) أي اللعان (التعجيل) أي تعجيله بعد علمه (في الحمل أو الولد و) شرطه (عدم الوطء) لها (مطلقاً) في الحمل والولد والرؤية، (فإن وطئ) المرأة الملاعنة (بعد علمه بحمل) من غيره (أو وضع أو رؤية) لها تزني، (أو أخر) لعانها ولو يوماً (بلا عذر بعد علمه بالأولين) أي الحمل أو الوضع، (امتنع) لعانه لها ولا يمكن منه، فالمانع في الرؤية الوطء فقط لا التأخير.
(و) شرطه (أشهد، في الأربع) مرات منه أو منها (واللعن منه) في الخامسة (والغضب منها في الخامسة و) شرطه (بدؤه) بالحلف (عليها) فإن بدأت به أعادت بعده كما يأتي، ولا يكفي ما وقع منها ابتداء على المشهور خلافاً لما نقل عن ابن القاسم، وقول الشيخ وفي إعادتها إن بدأت خلاف معترض، بأن قول ابن القاسم لم يرجحه أحد.
ثم بين كيفية ذلك بقوله: (فيقول) الزوج: (أشهد) بفتح الهمزة (بالله) ولا يشترط زيادة "الذي لا إله إلا هو" (لزنت) في الرؤية ونفي الحمل (أربعاً) من المرات. هذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وقال ابن المواز: يقول في رؤيتها الزنا: لرأيتها تزني، وفي نفي الحمل: ما هذا الحمل مني، وهو أوجه، ولذا مشى عليه الشيخ (وخمس بلعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) عليها (أو إن كنت كذبتها) أي كذبت عليها (فتقول) بعده: (أشهد بالله ما زنيت،
ــ
واحد، خلافاً لمن يتوهم اختلاف المجريين.
قوله: [إن استلحق الولد الذي لاعن فيه]: وسواء لاعن لنفيه فقط، أو لنفيه مع الرؤية، وأما إذا لاعن للرؤية فقط، ثم استلحق ما ولدته لستة أشهر من يوم الرؤية فلا حد عليه، وقال ابن المواز يحد وهو ظاهر المدونة وعليه اقتصر المواق كذا في (بن) نقله محشي الأصل، فلو تعدد الولد المنفي باللعان واستلحق واحداً بعد واحد فإنه يحد للجميع حداً واحداً إلا أن يستلحق الثاني بعدما حد للأول، فيتعدد فيما يظهر كذا في الحاشية.
قوله: [أو سمى الزاني بها]: عورض هذا بحديث البخاري وغيره عن ابن عباس: «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله ﷺ بشريك بن سحماء» فسمى الزاني بها، ولم ينقل أن هلالاً حد من أجله؛ وأجاب الداودي بأن مالكاً لم يبلغه هذا الحديث، وأجاب بعض المالكية بأن المقذوف لم يطلب حقه، وذكر عياض أن بعض الأصحاب اعتذر عنه بأن شريكاً كان يهودياً، قال ابن حجر اهـ (بن). نقله محشي الأصل.
قوله: [فإنه يحد لقذفه]: أي بعد إعلام المقذوف بأن فلاناً قذفه بامرأته لأنه قد يعترف أو يعفو لإرادة الستر ولو بلغ الإمام.
تنبيهان:
الأول: إن كرر بعد اللعان قذفها بما رماها به أولاً، فلا يحد بخلاف ما إذا قذفها بأمر آخر أو بما هو أعلم فإنه يحد.
الثاني: حيث استلحق الأب الولد بعد الموت فإن المستلحق يرثه إن كان لذلك ولد حر مسلم ولو بنتاً، أو لم يكن وقل المال الذي يحوزه المستلحق، قال خليل في توضيحه: والذي ينبغي أن تتبع التهمة فقد يكون السدس كثيراً فينبغي أن لا يرث، ولو كان للميت ولد، وقد يكون المال كله يسيراً فينبغي أن يرث وإن لم يكن له ولد، ومفهوم قولنا: " بعد الموت " أنه لو استلحقه حياً ثم مات ذلك الولد، فإن الأب يرثه من غير شرط وهذا التفصيل إنما هو في الميراث، وأما النسب فثابت باعترافه مطلقاً وسيأتي ذلك في باب الاستلحاق
قوله: [بعد علمه في الحمل أو الولد]: أي فيجعل اللعان لنفي الحمل والولد ولا يتقيد بزمان ولا فرق بين كون المرأة في العصمة أو مطلقة كان الطلاق بائناً أو رجعياً خرجت من العدة أم لا، كانت حية أو ميتة، بخلاف اللعان للرؤية فإن شرطه أن تكون في العصمة أو في العدة، فمتى رماها وهي في العصمة أو في العدة لاعن، ولو انقضت العدة فإن ادعى بعد العدة أنه رأى فيها أو قبلها أو بعدها فلا لعان.
قوله: [امتنع لعانه لها]: أي ولحق به الولد وبقيت زوجة، سواء كانت مسلمة أو كتابية، ويحد للمسلمة وليس من العذر تأخيره لاحتمال كونه ريحاً فينفش خلافاً لابن القصار.
قوله: [وشرطه أشهد في الأربع]: أي بأن يقول في كل مرة أشهد بالله لرأيتها تزني إلخ.
قوله: [بأن قول ابن القاسم] إلخ: تصوير للاعتراض أي مع أن الشيخ خليلاً قال: وحيث قلت خلاف فذلك للاختلاف في التشهير.
قوله: [ولا يشترط زيادة الذي لا إله إلا هو]: أي على الراجح خلافاً لابن المواز القائل بأنه يزيدها، وعلى الأول يستثنى اللعان مما يأتي في الشهادات من أن اليمين في كل حق بالله الذي لا إله إلا هو، ولا يشترط أيضاً زيادة البصير في لعانه للرؤية أن يقول كالمرود في المكحلة خلافاً لمن قال بزيادة ذلك، وفي لزوم زيادة وإني لمن الصادقين وعدم لزومها قولان، والصواب اللزوم لوروده في القرآن.
قوله: [يقول في رؤيتها الزنا لرأيتها تزني]: أي إذا كان بصيراً، وأما الأعمى فيقول لعلمتها أو تيقنتها.
قوله: [وهو أوجه]: وجه ذلك أنه لا يلزم من نفي الحمل كونها زنت، لأن الحمل قد يأتي من وطء شبهة إلا أن يتسمح، ويراد بالزنا إصابة
стр. 494
أو ما رآني) أزني، (وتخمس بغضب الله عليها) أي تقول في الخامسة: غضب الله أو أن غضب الله عليها (إن كان من الصادقين) فيما رماني به، (وأعادت) الزوجة يمينها (بعده) أي بعد حلف زوجها (إن ابتدأت) باليمين قبله، قاله أشهب، وهو الراجح، وقال ابن القاسم يكفي والمعتمد الأول (وأشار الأخرس) منهما باليمين وتكفيه الإشارة (أو كتب) إن كان يعرف الكتابة (و) شرطه (حضور جماعة) للعان (أقلها أربعة) من العدول.
(وندب) إيقاعه (إثر صلاة) لما فيه من الردع والرهبة.
(و) ندب (بعد) صلاة (العصر): لأنها الصلاة الوسطى على ما رجح.
(و) ندب (تخويفهما) بالوعظ بأن يقال لهما: إن الإقدام على الحلف بالله كاذباً فيه الوبال الأخروي والدنيوي، والاعتراف بالحق فيه النجاة وإن لزمه الحد، لأنه يكون كفارة له ونحو ذلك، (وخصوصاً) يندب التخويف (عند الخامسة و) ندب (القول) لهما عندها (بأنها الموجبة للعذاب) بنزول اللعنة أو الغضب على الكاذب.
(والمسلم) يلاعن وجوباً (بالمسجد) لأنه أشرف الأماكن فيغلظ فيه به، (والذمية) تلاعن زوجها المسلم (بالكنيسة) أراد بها ما يشمل بيعة اليهود، (فإن نكلت أدبت) ولم تحد، (وردت) بعد تأديبها (لأهل دينها) ليفعلوا بها ما يرونه عندهم، وشبه في التأديب قوله: (كقوله) أي الزوج (وجدتها) أي الزوجة (مع رجل في لحاف) أو متجردين، فإنه يؤدب ولو قاله لأجنبية لحد.
(وإن رماها) أي رمى الزوج زوجته (بغصب) بأن قال لها: غصبت على الزنا، (أو شبهة) بأن قال: وطئها فلان أو رجل ظنته إياي، وأنكرت أو صدقته (فإن ثبت) ببينة (أو ظهر) للناس (التعن) الزوج فقط دونها، ولا يفرق بينهما، وفائدة لعانه نفي الولد عنه (كصغيرة توطأ): أي يمكن وطؤها إذا رماها زوجها برؤية الزنا بها فإنه يلتعن فقط، (ولا تفريق) بينهما لأن التفريق إنما هو بلعانهما معاً (فإن أبى) في المسائل الثلاث من اللعان (لم يحد) للقذف لفقد التكليف في الأخيرة وحقيقة الزنا في الأولين.
(وإلا) بأن لم يثبت ما رماها به من الغصب أو الشبهة، ولم يظهر ذلك للناس التعنا معاً وفرق بينهما
ــ
الغير لها.
قوله: [أو ما رآني] إلخ: التفت لطريقة ابن المواز.
قوله: [أي تقول في الخامسة غضب الله عليها]: يصح قراءته بالفعل الماضي أو بصيغة المصدر، وإنما تعين اللعن في خامسة الرجل والغضب في خامسة المرأة، لأن الرجل مبعد لأهله وهي الزوجة ولولده الذي نفاه باللعان فناسبه التعبير باللعنة، لأن اللعن معناه البعد، والمرأة مغضبة لزوجها ولأهلها ولربها فناسبها التعبير بالغضب.
قوله: [وأشار الأخرس]: أي وكرر الإشارة أربعاً ويخمس باللعنة.
قوله: [باليمين]: أي الحلف فالباء بمعنى اللام.
قوله: [أو كتب]: أي ويكرر الكتابة أربعاً ويخمس باللعنة.
قوله: [وشرطه حضور جماعة]: أي لأن اللعان شعيرة من شعائر الإسلام وخصلة من خصاله ومن خصوصياته، فكان أقل ما تظهر به تلك الشعيرة أربعة عدول، إلا أن حضور الجماعة المذكورة لاحتمال نكوله أو إقرارها، لأن النكول والإقرار يثبت بشهادة اثنين على ما رجحه اللقاني، خلافاً لمن قال إنهما لا يثبتان إلا بأربعة كذا في الحاشية
قوله: [لأنها الصلاة الوسطى]: فإن قلت: هذا الترجيح موجود في صلاة الصبح، بل المعتمد عند مالك أنها الصبح. أجيب بأن صلاة الصبح وقت نوم وليس وقت تصرف ولا اجتماع وإن كان فضلها عظيماً.
قوله: [وندب تخويفهما]: أي قبل الشروع في اللعان عند الأولى وعند الشروع في الثانية والثالثة والرابعة، وخصوصاً عند الخامسة، كما قال ابن الحاجب وتبعه خليل والمصنف، وقال ابن عرفة لا أعرف كونه عند الخامسة وعزاه عياض للشافعي كذا في الحاشية
قوله: [بنزول اللعنة أو الغضب على الكاذب]: أي فتكون خامسة الرجل موجبة للعذاب عليه إن كان كاذباً، وعليها إن كانت كاذبة، وخامسة المرأة كذلك، والمراد بالعذاب كما قال الخرشي: الرجم أو الجلد على المرأة إن لم تحلف، وعلى الرجل إن لم يحلف اهـ. ولكن الأولى أن يراد بالعذاب عذاب الآخرة لا عذاب الدنيا أو ما هو أعم.
قوله: [بالمسجد]: أي الجامع ولا يعتبر رضاهما أو أحدهما بدونه وهو واجب شرطاً.
قوله: [لأنه أشرف الأماكن]: وأصل اللعان أن يكون في أشرف الأماكن ولو بحسب زعم الحالف فلذلك تلاعن الذمية في كنيستها
قوله: [والذمية تلاعن زوجها المسلم] إلخ: وهل تجبر على الكنيسة كما يجبر المسلم على المسجد أو لا تجبر؟ خلاف.
قوله: [أدبت ولم تحد]: أي لأن الحدود شروطها إسلام المحدود.
قوله: [كقوله أي الزوج] إلخ: أي فيؤدب لذلك ولا حد عليه ولا يلاعن.
قوله: [ولو قاله لأجنبية] إلخ: قال ابن المنير: الفرق بين الزوج والأجنبي، أن الأجنبي يقصد الإذاية المحضة، والزوج قد يعذر به بالنسبة إلى صيانة النسب. وعلى ما ذكر من حد الأجنبي دون الزوج يلغز ويقال: قذف الأجنبية لا يحد فيه الزوج ولا لعان عليه، مع أن القاعدة أن كل قذف لأجنبية لو قذف به الزوج زوجته فيه الحد إن لم يلاعن؟ وجوابه أن القاعدة غير مطردة
قوله: [كصغيرة توطأ]: احترز بقوله "توطأ" عما إذا كانت لا توطأ، فإن زوجها لا حد عليه ولا لعان لعدم لحوق المعرة.
قوله: [لفقد التكليف في الأخيرة]: أي والزنا الموجب للحدود لا يكون إلا من مكلف والموضوع أنها صبية هذا مقتضى كلامه، والذي قاله الخرشي: أن الصغيرة التي توطأ يلاعن فيها لنفي الحد عن نفسه فمقتضاه أنه إذا
стр. 495
(وتقول في لعانها): ما زنيت (ولقد غلبت) هذا (إن صدقته) وتقول: ما زنيت (وما غلبت إن أنكرت، وحُدَّ الناكل [١] منهما) في هذه الحالة.
(وحكمه) أي اللعان أي ثمرته المترتبة عليه (رفع الحد) عن الزوج إن كانت الزوجة حرة مسلمة، (أو) رفع (الأدب) عنه (في) الزوجة (الأمة والذمية، وإيجابه) أي الحد (عليها إن نكلت، وقطع النسب) بولدها عنه (وبلعانها) أي بتمامه (يجب تأييد [٢] حرمتها عليه وإن ملكت) له بعد ذلك بشراء أو إرث أو غيرهما إذا كانت أمة، (أو انفشّ حملها) الذي لاعن لأجله.
(وإن استلحق) الزوج الملاعن (أحد التوأمين لحقا) معاً وحد لأنهما كالشيء الواحد، (وإن كان بينهما) أي الولدين (ستة) من الأشهر فأكثر (فبطنان)، أي ليسا بتوأمين فاستلحاق الأول لا يستلزم استلحاق الثاني، والثاني من زِنى قطعاً فلا يصح استلحاقه ولا يحتاج في ذلك لسؤال النساء.
ثم انتقل يتكلم على العدة وأحكامها فقال:
باب في العدة وأحكامها
(العدة) للمطلقة أو من توفي عنها زوجها (مدة) من الزمن (معينة شرعاً) أي عينها الشارع، (لمنع المطلقة المدخول بها) دون غيرها، (و) لمنع (المتوفى عنها) أي من مات زوجها (من النكاح): متعلق بمنع، أي لأجل منعها من نكاح غيره؛ فسببها طلاق أو موت.
وأنواعها ثلاثة: وضع حمل، وأقراء، وأشهر بينها في قوله: (وهي) أي العدة (للحامل مطلقاً) مطلقة أو متوفى عنها (وضع حملها كله) فإن كان متعدداً فبانفصال الأخير عنها، وإن كان واحداً فبانفصاله ولزوجها مراجعتها بعد بروزه، وقبل انفصاله عنها فإذا وضعته حلت للأزواج ولو بعد لحظة بعد الموت، أو الطلاق، بخلاف ما إذا وضعت قبلهما ولو بلحظة،
ــ
نكل عن اللعان حد فلا ينتفي الحد عنه بنكوله إلا إذا كانت لا توطأ، فقول شارحنا في المسائل الثلاث لا يظهر في الأخيرة.
قوله: [وتقول في لعانها ما زنيت] إلخ: حاصله أنه إذا لم يثبت بالبينة ولم يظهر للناس فتلاعن الزوجة ولو صدقته على الغصب أو وطء الشبهة، وتقول في لعانها: ما زنيت ولقد غلبت وإني لمن الصادقين، وتقول في خامستها: غضب الله عليها إن كانت من الكاذبين، هذا إن صدقته، وتقول إن كذبته: ما زنيت وما غلبت وإنه لمن الكاذبين، وتقوله في خامستها: غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ويقول الزوج: لقد غصبت أو وطئت وطء شبهة. وثمرة لعانه نفي الولد عنه، وثمرة لعانها نفي الحد عنها لأنها إن نكلت حدت، سواء صدقته أو كذبته لأنها حينئذ اعترفت بالوطء غصباً أو شبهة، ومن اعترف بالزنا على وجه الغصب أو الشبهة حد كذا في الحاشية.
قوله: [وحد الناكل منهما في هذه الحالة]: حد الرجل لا يظهر إلا إذا كانت مكذبة له في دعوى الغصب أو الشبهة.
قوله: [أي ثمرته المترتبة عليه]: وهي ستة: ثلاثة مرتبة على لعان الزوج. الأول: رفع الحد عنه إن كانت الزوجة حرة مسلمة، أو رفع الأدب عنه في الأمة والذمية. والثاني: إيجاب الحد أو الأدب على المرأة إن نكلت بعد لعانه. والثالث: قطع نسبه من حمل ظاهر أو سيظهر، وثلاثة مرتبة على لعانها: الأول تأبيد حرمتها عليه وفسخ النكاح ورفع الحد عنها.
قوله: [إن كانت الزوجة مسلمة]: أي مطيقة للوطء وإن لم تكن بالغة، قوله "وإن ملكت" إلخ مبالغة في تأبيد حرمتها أي فبمجرد تمام لعانها بعد لعانه تتأبد حرمتها، وإن ملكت له بعد ذلك بشراء أو إرث أو انفش حملها الذي لاعن لأجله فلا تحل أبداً.
قوله: [لأنهما كالشيء الواحد]: أي حيث كان بين وضعيهما أقل من ستة أشهر إلا خمسة أيام، وإلا لم يكونا توأمين.
قوله: [ستة من الأشهر]: أي أو ستة إلا خمسة أيام.
قوله: [فاستلحاق الأول لا يستلزم استلحاق الثاني]: أي والفروض أنه أقر بالأول ونفى الثاني.
قوله: [ولا يحتاج في ذلك لسؤال النساء]: رد بذلك على خليل ومن تبعه من أنه يسأل فيه النساء، ووجه عدم سؤال النساء أن الستة حيث كانت قاطعة شرعاً للثاني عن الأول، فلا معنى للرجوع للنساء. وأجيب بأن الستة قاطعة وموجبة للحد ما لم تسأل النساء وقلن: يتأخر، فإن وقع ذلك درئ الحد؛ لأن سؤالهن شبهة فمفاد هذا الجواب أن النساء لا يطلب سؤالهن ابتداء، بل لو وقع ونزل وسئل النساء وقلن يتأخر درئ الحد.
باب في العدة وأحكامها
لما أنهى الكلام على النكاح وعلى محللاته من طلاق وفسخ، شرع في الكلام على توابعه من عدة واستبراء ونفقة وسكنى وغيرها، وبدأ بالكلام على العدة المأخوذة من العدد بفتح العين، لأنها آكد توابع النكاح.
قوله: [المدخول بها]: أي حيث كانت مطيقة والزوج بالغ كما يأتي.
قوله: [ولمنع المتوفى عنها]: أي وإن لم يكن مدخولاً بها، بل وإن كان الزوج صبياً.
قوله: [وأنواعها ثلاثة]: أي وأما أصحابها فمعتادة وآيسة وصغيرة ومرتابة لغير سبب. أو به من رضاع أو مرض أو استحاضة.
قوله: [وضع حملها كله]: أي لا بعضه ولو كان ذلك البعض ثلثيه، خلافاً لابن وهب القائل:
стр. 496
وهذا إذا كان الولد لاحقاً بالزوج، فإن تحقق أنه من زنا فأقصى الأجلين الأشهر أو الأقراء أو وضع الحمل، وتحتسب بالأشهر من يوم الوفاة وبالأقراء من يوم الطلاق، فلو حاضت حال حملها فلا تعتد به.
(ولو) وضعت (علقة) وهو دم اجتمع، وعلامة أنه علقة أنه لو صب عليه ماء حار لا يذوب.
(وإلا) تكن حاملا فلا يخلو، إما أن تكون مطلقة أو متوفى عنها من ذوات الحيض أو لا، حرة أو أمة.
وقد أشار لبيان ذلك بقوله: (فللمطلقة الآيسة) من الحيض كبنت سبعين سنة (أو التي لم تر الحيض) أصلاً لصغرها، أو لكون عادتها عدم الحيض، وتسمى في عرف بعض النساء بالبغلة (ثلاثة أشهر، ولو) كانت (رقيقاً وتمم الكسر من) الشهر (الرابع، وألغي يوم الطلاق) فلا يحسب من العدة؛ فإن طلقها بعد الفجر لم يحسب بخلاف ما لو طلقها قبله، فإن كان مبدأ العدة أول شهر فالثلاثة الأشهر، سواء كانت كاملة أو ناقصة، أو بعضها وإن كان مبدؤها ليس أول الشهر، فالشهران بعده على ما هما عليه من نقص أو كمال، والذي طلقت فيه إن جاء كاملاً فظاهر، وإن جاء ناقصاً زادت يوماً من الرابع.
(ولذات الحيض) المطلقة (ثلاثة قروء أطهار) أقله خمسة عشر يوماً، وهو بيان للقروء، والقرء -بفتح القاف وقد تضم- يطلق على الحيض وعلى الطهر، (إن كانت) المطلقة (حرة، وإلا) تكن حرة بأن كانت أمة ولو بشائبة (فقرآن) بفتح القاف وجاز ضمها.
ثم شرع في بيان شروط عدة المطلقة بالأشهر أو الأقراء بقوله: (إن اختلى بها) زوج (بالغ) لا صبي إذ خلوته كالعدم، ولو وطئها، وسواء خلوة الاهتداء أو خلوة الزيارة، ولو حال حيضها أو صومها أو صومه أو نحو ذلك من الموانع الشرعية، (غير مجبوب) فخلوة المجبوب كالعدم.
(وهي) أي والحال أن الزوجة (مطيقة) للوطء لا إن لم تكن
ــ
إنها تحل بوضع ثلثي الحمل بناء على تبعية الأقل للأكثر، وخولفت قاعدة تبعية الأقل للأكثر على مشهور المذهب للاحتياط وتظهر فائدة الخلاف فيما لو مات الولد بعد خروج بعضه وقطع ذلك البعض الخارج، فعلى المعتمد عدتها باقية ما دام فيها عضو منه، وعند ابن وهب تحل إذا كان الباقي أقل من الخارج.
قوله: [وهذا إذا كان الولد لاحقاً بالزوج]: أي لاحقاً بالفعل أو يصح استلحاقه كالمنفي بلعان، فتحل بوضعه وإن لم يستلحقه.
قوله: [فإن تحقق أنه من زنا] إلخ: أي كما لو استبرأها زوجها من وطئه بحيضة ثم زنت وظهر بها حمل ومات زوجها أو طلقها، ووضعت، ذلك الحمل لستة أشهر من وطء الزنا.
قوله: [الأشهر]: أي في المطلقة الآيسة أو المتوفى عنها، وقوله: "أو الأقراء"، أي في المطلقة فقط، وقوله: "أو وضع الحمل"، أي في المطلقة والمتوفى عنها.
قوله: [من يوم الطلاق]: الذي قاله في الأصل أنها تعتبر الأقراء من يوم الوضع، ويؤيده تفريعه هنا بقوله: "فلو حاضت" إلخ، وتحسب الوضع قرءاً أول كما قال في المجموع، وكل هذا إذا كان الحمل من زنا أو غصب، وأما من شبهة فيهدم أثر نفسه وأثر الطلاق كما يأتي في آخر باب تداخل العدد.
قوله: [كبنت سبعين سنة]: أي وسئل النساء فيما بين الخمسين والسبعين في الدم النازل، فإن قلن ليس بحيض اعتدت بالأشهر، وأما من انقطع حيضها بعد الخمسين فلا عدة لها إلا بالأشهر اتفاقاً.
قوله: [لصغرها]: أي والموضوع أنها مطيقة لأن غير المطيقة لا عدة عليها إلا في الوفاة.
قوله: [وتسمى في عرف بعض النساء بالبغلة]: يكنون بذلك عن عدم ولادتها، لأن الغالب على من لا تحيض عدم الولادة فلها شبه بالبغلة من حيث عدم الولادة غالباً.
قوله: [ثلاثة قروء]: أي سواء كان النكاح الذي اعتدت من طلاقه صحيحاً أو فاسداً، مختلفاً في فساده أو مجمعاً على فساده، وكان يدرأ الحد كما لو تزوج أخته غير عالم بذلك وفسخ نكاحها، وإلا كان الواجب فيه يسمى استبراء لا عدة.
قوله: [أطهار]: اعلم أن كون الأقراء هي الأطهار مذهب الأئمة الثلاثة، خلافاً لأبي حنيفة وموافقيه في أن الأقراء هي الحيض، واستدل الثلاثة أن وجود التاء في قوله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [١] [البقرة: ٢٢٨] يدل على أن المعدود مذكر وهو الطهر. وأخذ أبي حنيفة بأن الذي به براءة رحمها حقيقة إنما هو الحيض لا الطهر، والأطهار بدل أو بيان من قروء، وليس نعتاً لعدم انطباق تعريف النعت عليه لكونه غير مشتق ولا مؤولاً به، وأيضاً الأصل في النعت التخصيص فيوهم أن لنا أقراء أطهار، أو أقراء غير أطهار وليس كذلك، وكونه صفة كاشفة خلاف الأصل، ولا يصح قراءته بالإضافة لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه وهي ممنوعة عند البصريين، وإن أجازها الكوفيون عند اختلاف المتضايفين لفظاً والقرء بمعنى الطهر يجمع على قروء كثيراً وعلى أقراء قليلاً.
قوله: [عدة المطلقة]: أي وأما عدة المتوفى عنها فتقدم أنه لا يشترط فيها بلوغ زوج ولا دخول ولا إطاقة منها.
قوله: [فخلوة المجبوب كالعدم]: قال القرافي: إذا أنزل الخصي أو المجبوب اعتدت زوجتهما حيث حصلت خلوة، والذي قاله الأشياخ: أن المقطوع ذكره يسأل فيه أهل الطب إن كان ينزل، فإن قالوا: تحمل زوجته، اعتدت. والمقطوع أنثياه تعتد من غير سؤال أحد.
قوله: [مطيقة للوطء]: أي وإن لم يتوقع حملها كبنت سبع
стр. 497
مطيقة (خلوة يمكن فيها الوطء) عادة (وإن تصادقا على نفيه) أي الوطء، لأنها حق لله تعالى فلا [١] يسقطها ما ذكر، (وأخذا بإقرارهما) أي أن كل واحد منهما إن أقر بنفيه أخذ بإقراره فيما هو حق له، فلا رجعة له عليها ولا نفقة لها ولا يتكمل لها الصداق.
(وإلا) بأن اختل شرط مما ذكر (فلا عدة) عليها.
(إلا أن تقر) الزوجة (به) أي بالوطء فتعتد، بخلاف إقراره وحده مع تكذيبها له ولم تعلم خلوة فلا عدة عليها ويؤخذ بإقراره فيتكمل عليه الصداق وتلزمه النفقة والكسوة.
(أو يظهر بها حمل ولم ينفه) بلعان فتعتد بوضعه، فإن نفاه به فلا عدة وإن كانت لا تحل للأزواج إلا بوضعه.
(وإن استحاضت) مطلقة (ولم تميز) الحيض من غيره، (أو تأخر حيضها) أي المطلقة (لغير) عذر أو لعذر غير (رضاع، تربصت): أي مكثت (سنة) كاملة، (ولو) كانت (رقيقاً وحلت) للأزواج فعدة المستحاضة غير المميزة ومن تأخر عنها الحيض لا لعلة أو لعلة غير رضاع سنة كاملة وفي الحقيقة تمكث تسعة أشهر لزوال الريبة لأنها مدة الحمل غالباً تعتد بثلاثة أشهر، وعبارة الشيخ: "تربصت تسعة ثم اعتدت بثلاثة".
(فإن رأته) أي رأت من تتأخر حيضها لغير رضاع الحيض (فيها) أي في أثناء السنة (انتظرت) الحيضة (الثانية والثالثة أو تمام سنة) بعد الثانية، فتحل بأقرب الأجلين الحيض أو تمام السنة، وهذا فيمن تأخر حيضها لغير رضاع كما هو الموضوع، وأما من عادتها الحيض في كل سنة أو سنتين أو ثلاثة مرة واحدة فتعتد بالأقراء قطعاً.
(ثم إن احتاجت) من تأخر حيضها لغير رضاع ومكثت سنة وتزوجت (لعدة) من طلاق، (فثلاثة أشهر) عدتها (إن لم تحض فيها) أي في الثلاثة الأشهر، (وإلا) بأن حاضت فيها (انتظرت) الحيضة (الثانية والثالثة أو تمام السنة) أي سنة بيضاء لا دم فيها.
ثم صرح بمفهوم قوله: "وإن استحاضت إلخ" زيادة في الإيضاح بقوله: (وإن ميزت مستحاضة أو تأخر حيض لرضاع فالأقراء وللزوج) المطلق (انتزاع ولدها) الرضيع منها ليتعجل حيضها (لغرض) من الأغراض، كالفرار من إرثها له إن مات، وكتزويج أختها أو رابعة،
ــ
أو ثمان.
قوله: [يمكن فيها الوطء عادة]: احتراز عما إذا كان معها نساء شأنهن العفة والعدالة، وعن خلوة تقصر عن زمن الوطء كلحظة فلا عدة عليها، وأما لو كان معها في الخلوة شرار النساء لوجبت عليها العدة لأنها قد تمكن من نفسها بحضرتهن كما قال في حاشية الأصل.
قوله: [فلا رجعة له عليها]: مفرع على إقراره، وقوله "ولا نفقة لها ولا يتكمل لها الصداق" مفرع على إقرارها.
قوله: [إلا أن تقر الزوجة به]: أي بوطء البالغ من غير أن يعلم بينهما خلوة، وسواء كذبها أو صدقها وليس هذا مكرراً مع قوله: "وأخذا بإقرارهما" لأن هذا في غير الخلوة وذاك فيها، والمقر به سابقاً النفي والمقر به هنا الوطء.
قوله: [وتلزمه النفقة والكسوة]: أي والسكنى مدة العدة على فرض لزومها لها، والحق أن مؤاخذته بتكميل الصداق إنما تكون إن كانت سفيهة أو رشيدة على أحد القولين، وأما النفقة والكسوة والسكنى فلا يؤاخذ بها مطلقاً إلا إذا صدقته كذا في (بن) نقله محشي الأصل.
قوله: [فتعتد بوضعه]: أي ولها النفقة والسكنى في العدة.
قوله: [فإن نفاه به فلا عدة]: أي لا يترتب عليه أحكام العدة من توارث ورجعة ونفقة وسكنى، وقوله: " وإن كانت لا تحل للأزواج إلا بوضعه " فلا بد من وضعه على كل حال لكنه يسمى استبراء ولا يترتب عليه أحكام العدة.
قوله: [ولو كانت رقيقاً]: رد بـ " لو " على من يقول إن الأمة المستحاضة التي لم تميز بين الدمين والتي تأخر حيضها بلا سبب أو بسبب مرض عدتها شهران، وعلى من يقول شهر ونصف. ووجه المشهور أن الحمل لما كان لا يظهر في أقل من ثلاث قلنا باشتراك الحرة والأمة في السنة، وعدم اختلافهما فيها كالأقراء كذا في التوضيح.
قوله: [وفي الحقيقة تمكث تسعة أشهر]: الصواب أن الخلاف لفظي كما تفيده عبارة الأئمة، إذ يبعد كل البعد أن يقال بعدم التأبيد إذا تزوجت في التسعة، والتأبيد إذا تزوجت بعدها كما يبعد أن يقال بمنع النفقة والكسوة والرجعة في التسعة، ولزوم ذلك بعدها تأمل كذا في (بن).
قوله: [والثالثة]: هذا في الحرة. وأما الأمة فلا تنتظرها لأن عدتها قرءان.
قوله: [فتعتد بالأقراء قطعاً]: مثلها من عادتها خمس سنين، وأما من عادتها أن يأتيها الحيض فوق الخمس فالذي لأبي الحسن عن المدونة وغيره: أنها هل تعتد بسنة بيضاء قياساً على من يأتيها في عمرها مرة أو بثلاثة أشهر؟ لأن التي تعتد بسنة محصورة في مسائل تقدمت ليست هذه منها، وقيل: تعتد بالأقراء كمن عادتها الخمس فدون، ثم إن جاء وقت حيضها ولم تحض حلت وإلا انتظرت الثانية، فإن لم تحض وقت مجيئها حلت وانتظرت الثالثة، فإن جاء وقت حيضها حلت على كل حال هكذا نصوا اهـ. من الأصل.
وقوله: "ثم إن جاء وقت حيضها " إلخ: مرتبط بقوله "كمن عادتها الخمس فدون" فتأمل.
قوله: [انتزاع ولدها] إلخ: هذا إن تأخر حيضها عن زمنه المعتاد لأجل الرضاع، أما إن علم أن حيضها يأتيها في زمنه المعتاد ولم يتأخر من أجل الرضاع فليس له حينئذ انتزاعه لتبين أنه أراد ضرره.
وحاصل فقه المسألة: أن من طلق زوجته المرضع طلاقاً رجعياً ومكثت سنة لم تحض لأجل الرضاع، فإنه يجوز أن ينتزع منها ولده خوفاً من أن
стр. 498
(إن لم يضر) النزع (بالولد) بأن وجد غيرها وقبلها الولد، (و) له (منعها من إرضاع غير ولدها) بأجرة أو مجاناً.
(و) له (فسخ الإجارة إن أجرت نفسها) للرضاع.
(ووجب) على الحرة المطيقة ويتعلق الوجوب بولي غير البالغ (قدرها) أي قدر العدة فذات الأقراء ثلاثة قروء، وذات الأشهر ثلاثة، والمرتابة سنة (استبراء) لرحمها (إن وطئت بزنا أو شبهة أو غاب عليها غاصب أو ساب أو مشتر) اشتراها جهلاً أو تعمداً للضلال.
(ولا يطؤها زوج) لها أي يحرم عليه وطؤها ما لم تكن ظاهرة الحمل، (ولا يعقد) عليها زوج إن كانت خلية، فإن عقد وجب فسخه فإن انضم للعقد تلذذ بها تأبد تحريمها عليه كما تقدم (ولا تصدق) المرأة (في نفيه): أي الوطء حيث غاب عليها من ذكر.
(واعتدت) المطلقة (بطهر الطلاق وإن لحظة)، بل وإن اتصل كما لو قال: أنت طالق، فنزل الدم بعد نطقه بالقاف، (فتحل بأول) نزول (الثالثة و) أما (إن طلقت بحيض) أي في حال حيضها (فبالرابعة) تحل.
(وينبغي أن لا تعجل) العقد على أحد (برؤيته) أي بمجرد رؤية الدم، بل تصبر يوماً أو جل يوم لئلا ينقطع قبل ذلك فلا يعتد به، ورجع في (قدرها) أي الحيضة (هنا) أي في العدة والاستبراء؛ (هل هو) أي الحيض أي هل أقله (يوم أو بعضه): أي بعض يوم له بال؟
ــ
يموت فترثه إن لم يضر ذلك بالولد، وإلا فلا يجوز، وإذا كان له انتزاعه رعياً لحق غيره من الورثة فأحرى لحق نفسه بأن ينتزعه ليتعجل حيضها لسقوط نفقتها، أو ليتزوج من لا يحل جمعه معها كأختها أو رابعة بدلها كما قال الشارح قوله: [إن لم يضر النزع بالولد]: لا يقال إن الحق في الرضاع للأم إذا طلبته فمقتضاه أنه ليس له انتزاعه منها لأنا نقول هذا عذر يسقط حقها في إرضاعه، وأما حضانته فباقية وعلى الأب أن يأتي له بمن ترضعه عندها كذا في (بن) اهـ. من حاشية الأصل.
قوله: [على الحرة]: أي وأما الأمة فسيأتي حكم استبرائها.
قوله: [اشتراها جهلاً]: أي بحريتها وقوله "أو تعمداً للضلال" أي علم أنها حرة واشتراها فإنه ضلال.
قوله: [ما لم تكن ظاهرة الحمل]: أي من قبل وطئها بالزنا أو الشبهة وإلا فلا يحرم. بل قيل بكراهة الوطء وقيل بجوازه ذكره ابن يونس، لكن في البيان أن المذهب حرمته، نقله أبو علي المسناوي، ومثله في فتاوى البرزلي نقلاً عن نوازل ابن الحاجب، وعللوه بأنه ربما ينفش الحمل فيكون قد خلط ماء غيره بمائه وهو ظاهر اهـ (بن) وهذا الخلاف في الظاهرة الحمل من زوجها، وأما لو حملت من الزنا أو من الغصب لحرم على زوجها وطؤها قبل الوضع اتفاقاً.
قوله: [تأبد تحريمها عليه]: وسواء كان التلذذ في زمن الاستبراء أو بعده إن كان بالوطء أو بالمقدمات، وكان في زمنه لا بعده كما مر.
قوله: [حيث غاب عليها من ذكر]: أي الغيبة التي يمكن فيها الوطء منه وإلا فتصدق ولا شيء عليها.
تنبيه: اختلف في الاستبراء على من تزوجت بغير إذن وليها الغير المجبر وهي شريفة ودخل بها الزوج، ثم اطلع الولي على ذلك فأمضاه، وكذا سفيه تزوج بغير إذن وليه، أو عبد بغير إذن سيده ودخل كل فأمضاه الولي أو السيد بعد العلم، فقيل يجب الاستبراء نظراً لفساد الماء، وقيل: لا يجب لأن الماء ماؤه وقيل في فسخه وإرادة الزوج تزوجها بعده بإذنه، وفي الإمضاء لا يجب والراجح عدم الإيجاب مطلقاً.
قوله: [بطهر الطلاق]: أي بالطهر الذي طلق فيه وإن كان قد وطئها فيه.
قوله: [وإن لحظة]: إن قلت يلزم على ذلك أن العدة قرءان، وبعض ثالث وقد قال المولى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] أجيب بأن إطلاق الجمع على مثل ذلك شائع قال تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧] مع أنه شهران وبعض ثالث فهو نظير ما هنا.
قوله: [وينبغي أن لا تعجل العقد] إلخ: حاصل المسألة: أنه ذكر في المدونة قول ابن القاسم: تحل بمجرد رؤية الدم، وقول ابن وهب: إنها لا تحل برؤية أول الدم، وقال أشهب: ينبغي أن لا تعجل النكاح بأول الدم، فاختلف هل هو وفاق لابن القاسم بناء على حمل "ينبغي" على الاستحباب؟ وهو تأويل أكثر الشيوخ واختاره ابن الحاجب، لأن ندب عدم التعجيل لا ينافي الحلية بأول رؤية الدم، أو خلاف بحمل "ينبغي" على الوجوب؟ وهو تأويل غير واحد، وإليه ذهب سحنون بقوله: وهو خير من رواية ابن القاسم، فإذا علمت ذلك فكلام شارحنا ما زال محتملاً للوفاق والخلاف، ولكن قوله فتحل بأول الثالثة قرينة تعين حمل "ينبغي" على الندب، فيكون مختاراً للتوفيق.
قوله: [ورجع في قدرها] إلخ: إن قلت هذا الرجوع يعارض قوله فيما تقدم "فتحل بأول الثالثة"، فإن مقتضى حلها بأول الثالثة أنه لا يرجع للنساء في قدره. أجيب بأنه لا معارضة لأن معنى قوله: "فتحل بأول الثالثة" نظراً إلى أن الأصل الاستمرار، فإن انقطع رجع فيه للنساء فإن قلن إن كان أول الدم يعد حيضاً كان متزوجاً لها بعد العدة، وإن لم يعد حيضاً كان متزوجاً لها فيها ولذلك تأول بعضهم كلام ابن القاسم بحمله على أن الحيض عنده في باب العدة كباب العبادة، فالمصنف
стр. 499
بأن زاد على ساعة (للنساء) العارفات، (ولا تعد الدفعة [١] ونحوها) هنا (حيضاً) حتى تحل للأزواج، بخلاف العبادة: فإن الدفعة تعد حيضاً توجب الغسل وتبطل الصوم.
والحاصل: أن دم الحيض إذا لازمها يوماً فأكثر فإنها تحل للأزواج به على ما تقدم، وإن أتاها بعض يوم وانقطع فهل يعد هنا حيضاً تحل به؟ يرجع في ذلك للنساء وعادتهن في بلادهن، فإن قلن: يعد حيضاً لأنا شاهدنا بعض النساء أن حيضهن كذلك، عمل بقولهن. وإن قلن: إن شأن الحيض لا يكون كذلك، عمل بقولهن، ولا يعد حيضاً.
(و) أما (الطهر) فهو (كالعبادة): أقله خمسة عشر يوماً.
(وإن أتت) المطلقة (بعدها): أي العدة.
(بولد دون أقصى أمد الحمل) كما لو ولدته بعد انقضاء العدة بسنة أو سنتين أو ثلاثة (لحق به): أي الزوج المطلق، لأن الحامل قد تحيض (ما لم ينفه) الزوج عن نفسه (بلعان وإن ارتابت معتدة): أي شكت في حملها (تربصت): أي مكثت (إليه): أي إلى منتهى أمد الحمل، ثم حلت للأزواج.
(وفي كونه): أي أقصى أمد الحمل (أربعة أعوام أو خمساً خلاف).
ثم شرع في بيان عدة الوفاة بقوله:
(ولمن توفي زوجها وإن رجعية): أي مطلقة طلاقاً رجعياً لا بائناً (أو) كانت (غير مدخول بها أربعة أشهر وعشر) إذا كانت حرة، كان الزوج صغيراً أو كبيراً، حراً أو عبداً، كانت هي صغيرة أو كبيرة.
ــ
مشى أولاً على قول ابن القاسم ومشى في الرجوع للنساء على القول المشهور
قوله: [بأن زاد على ساعة]: أي فلكية فإن كان ساعة فأقل فلا تعتد به قطعاً ولا يسأل عنه، لكن يوجب الغسل ويبطل الصوم، ويسقط الصلاة كما سيأتي في الشرح، وعدتها حينئذ من الطلاق بثلاثة أشهر، حيث كان هذا القدر عادة ويلغز بها فيقال: امرأة طلقت وهي تحيض كل شهر مرة وعدتها بثلاثة أشهر.
قوله: [يرجع في ذلك للنساء]: الجمع في كلامه غير مقصود فتكفي واحدة بشرط سلامتها من جرحة الكذب، لأن طريقها الإخبار لا الشهادة.
قوله: [أقله خمسة عشر يوماً]: فإذا عاودها الدم قبل تمامه لم تحتسب بذلك الطهر وضمته إلى ما قبله من الدم.
قوله: [وإن أتت المطلقة]: لا مفهوم للمطلقة بل المدار على كونها معتدة من طلاق أو وفاة.
قوله: [بعدها]: مفهومه لو أتت بولد قبل كمالها ففيه تفصيل أشار له ابن يونس بقوله: قال مالك وإن نكحت امرأة وهي في العدة قبل حيضة ثم ظهر بها حمل فهو للأول فتحرم على الثاني، وإن نكحت بعد حيضة فهو للثاني إن وضعته لستة أشهر، فأكثر من يوم دخل بها الثاني، وإن وضعته لأقل فهو للأول، وقال ابن شاس: إذا نكحت ثم أتت بولد لزمن يحتمل كونه من الزوجين لحق بالثاني إن وضعته بعد حيضة من العدة، إلا أن ينفيه بلعان فيلحق الأول، ولا يلزمها لعان لأنه نفاه إلى فراش، فإن نفاه الأول، ولاعن أيضاً لاعنت، وانتفى عنهما جميعاً وإن كانت وضعته قبل حيضة فهو للأول إلا أن ينفيه بلعان فيلحق بالثاني، وتلاعن هي وإن نفاه الثاني أيضاً ولاعن ولاعنت انتفى عنهما جميعاً.
قوله: [دون أقصى أمد الحمل]: فإن أتت به بعد العدة لأزيد من أقصى أمد الحمل، فإن كانت ولدته قبل ستة أشهر من دخول الثاني لم يلحق بواحد.
قوله: [لأن الحامل قد تحيض]: أي ودلالة الأقراء على البراءة أكثرية.
قوله: [وإن ارتابت معتدة]: أي من طلاق أو وفاة.
قوله: [أي شكت في حملها]: أي بسبب حس في بطنها.
قوله: [خلاف]: ابن عرفة في كون أقصاه أربع سنوات أو خمساً ثالث روايات القاضي سبعاً وروى أبو عمر ستاً واختار ابن القصار الأولى وجعلها القاضي المشهور، وعزا الباجي الثانية لابن القاسم وسحنون المتيطي في الخمس القضاء.
تنبيه: إن مضت المدة المذكورة وزادت الريبة مكثت حتى ترتفع، ومثل ذلك لو تحققت حركة الحمل في بطنها بخلاف ما لو بقيت على شكها فإنها تحل للأزواج بمضي أقصى أمد الحمل، وفي المدونة لو تزوجت قبل الخمس بأربعة أشهر فولدت لخمسة أشهر من وطء الثاني لم يلحق الولد بواحد منهما، أما عدم لحوقه بالأول فلزيادته على الخمس سنين بشهر، وأما الثاني فلولادتها لأقل من ستة وحدت المرأة للجزم بأنه من زنا، واستشكل بعض الشيوخ عدم لحوقه بالأولى وحدها، حيث زادت على الخمس بشهر إذ التقدير بالخمس ليس بفرض من الله ورسوله، حتى إن الزيادة عليها بشهر تقتضي عدم اللحوق اهـ. من الأصل.
قوله: [وإن رجعية]: أي، وتنتقل من عدة الطلاق بالأقراء لعدة الوفاة بالأشهر، ولو حصلت الوفاة قبل تمام الطهر الثالث بيوم.
قوله: [وعشر]: أي عشرة أيام، وإنما حذف التاء لحذف المعدود ولا يقدر المعدود ليالي لئلا يلزم محذور شرعي وهو جواز العقد عليها في اليوم العاشر، وليس كذلك إذ قد يقال إنما يلزم لو كان المعدود المقدر الليالي وحدها، وليس كذلك إذ قولهم - أهل التاريخ - تراعى الليالي مرادهم به أنهم يغلبون حكمها على الأيام لسبقها عليها، وهذا
стр. 500
(إلا) الكبيرة (المدخول بها إن ارتفعت حيضتها) بأن لم تأتها على عادتها، ولم ترها (فيها): أي في الأربعة أشهر وعشر، (أو ارتابت): أي حصل لها ريبة في حملها (فتنتظرها) أي الحيضة، فإذا رأتها حلت (أو) تنتظر (تسعة أشهر) من يوم الوفاة لأنها مدة الحمل غالباً.
(فإن زالت) الريبة حلت: (وإلا) تزل الريبة (فأقصى أمد الحمل. وتنصفت بالرق) ولو بشائبة فهي شهران وخمس ليال إذا كانت لا تحيض لصغر أو يأس أو غيرهما، أو كانت غير مدخول بها أو مدخولاً بها ورأت الحيض فيها.
(فإن) دخل بها وهي من ذوات الحيض و (لم تر الحيض) فيها (فثلاثة أشهر إلا أن ترتاب فكما مر) من أنها تنتظرها، أو تسعة أشهر. إلخ. (ولا ينقلها العتق) بعد وفاة زوجها (لعدة حرة)، بل تستمر على عدة الرقيق.
(وإن أقر صحيح بطلاق متقدم) زمنه؛ كأن كان يقر في شهر رجب أنه طلقها في المحرم (استأنفت العدة من) يوم (الإقرار، و) إذا ماتت (لا يرثها إذا انقضت) العدة (على) مقتضى (دعواه و) لو مات هو (ورثته) إن مات (فيها): أي في العدة المستأنفة إذا كان الطلاق رجعياً (إلا أن تشهد له بينة) بأنه طلق في الوقت الذي استند إليه طلاقه فلا ترثه، كما أنها لا تستأنف عدة، والمريض كالصحيح عند قيام البينة، فإذا لم تكن للمريض بينة ورثته أبداً إن مات من ذلك المرض.
(ولا يرجع مطلق) لزوجته طلاقاً بائناً أو رجعياً، وانقضت عدتها ولم تعلم بطلاقها، (بما أنفقته) على [١] نفسها (قبل علمها) بطلاقها (وغرم) لها (ما تسلفت) إن كانت تسلفت شيئاً لنفقتها على نفسها، (و) غرم لها ما أنفقته من مالها على نفسها.
(بخلاف المتوفى عنها، و) بخلاف (الوارث) ينفق على نفسه من مال الميت قبل علمه بموته؛ فإن بقية الورثة لهم الرجوع لانتقال المال لهم بمجرد الموت ولو لم يعلم بموته.
ثم انتقل يتكلم على حكم الإحداد على المتوفى عنها فقال: (ووجب على) المرأة (المتوفى عنها) دون المطلقة (الإحداد في) مدة (عدتها؛ وهو): أي الإحداد: (ترك ما يتزين به
ــ
لا ينافي أن المعدود مجموع الليالي وأيامها.
قوله: [إلا الكبيرة المدخول بها]: حاصله أن المعتدة الحرة المتقدمة وهي غير حامل المتوفى عنها تعتد بأربعة أشهر وعشرة أيام بشرطين، حيث كانت مدخولاً بها: الأول أن تتم تلك المدة قبل زمان حيضتها، أو حاضت بالفعل في تلك المدة. الثاني أن تقول النساء لا ريبة بها، وأما غير المدخول بها فتعتد بهذه المدة من غير شرط.
قوله: [إن ارتفعت حيضتها]: أي لغير رضاع، وأما ذات الرضاع فهي كالتي حاضت بالفعل تحل بانقضاء الأربعة الأشهر والعشرة الأيام. قوله: [أو تنتظر تسعة أشهر]: أي فتنتظر أول الأجلين، فإن حاضت أولاً لا تنتظر تمام التسعة، وإن تمت التسعة المذكورة أولاً حلت.
قوله: [فإن زالت الريبة حلت]: المناسب أن يقول فإن لم تزل الريبة لأجل أن يكون ماشياً على المعتمد من أن بقاءها على حالها مثل زوالها كما أفاده محشي الأصل والمجموع.
قوله: [وتنصفت بالرق]: أي عدة الوفاة إذا كان المتوفى عنها غير حامل، وإلا فهي وضع حملها كله كما تقدم، والتنصف المذكور سواء كان زوجها حراً أو عبداً وهذا محض تعبد.
قوله: [إذا كانت لا تحيض لصغر] إلخ: ظاهره سواء كان لا يمكن حيضها كبنت ست أو سبع، أو كان يمكن حيضها ولم تحض كبنت تسع، أما الأولى فعدتها شهران وخمس ليال اتفاقاً، وأما الثانية فقيل كذلك مطلقاً، وقيل ثلاثة أشهر إن كان مدخولاً بها وهو المعتمد.
قوله: [ولا ينقلها العتق]: حاصله أن الأمة إذا طلقها زوجها طلاقاً رجعياً أو بائناً أو مات عنها، ثم إنها عتقت في أثناء عدتها فإنها لا تنتقل من عدة الطلاق التي هي قرءان، ولا عن عدة الوفاة التي هي شهران وخمس ليال، إلى عدة الحرة التي هي ثلاثة أقراء في الطلاق، وأربعة أشهر وعشر في الوفاة، فإذا علمت ذلك فلا مفهوم لقول الشارح: " بعد وفاة زوجها ".
قوله: [وإن أقر صحيح] إلخ: حاصل ما في هذه المسألة أن الشخص إذا أقر بطلاق مقدم، إما أن يقر به في حال الصحة أو في حال المرض، وفي كل إما أن تكون له بينة تشهد له بما أقر به أو لا، فهذه أربعة أحوال، وإما أن ينكر وقوع الطلاق منه وهو صحيح أو مريض مع شهادة البينة عليه بذلك، وهاتان حالتان فجملة الأحوال ست؛ فمتى شهدت البينة له أو عليه بأن الطلاق وقع في الصحة كان وقت أداء الشهادة صحيحاً أو مريضا، فالعدة من يوم أرخت البينة، وترثه في تلك العدة إن كان الطلاق رجعياً وإلا فلا ميراث لها، لأنه وإن كان إقراره في المرض وإنكاره فيه لكن البينة أسندت الطلاق للصحة، فالعدة من يوم أرخت على الراجح خلافاً لابن محرز، وأما إن أقر ولا بينة له فإن كان مريضاً فالعدة من يوم الإقرار وترثه في العدة وبعدها، ولو كان الطلاق بائناً، وإن كان صحيحاً ورثته في العدة المستأنفة إن كان الطلاق رجعياً، ولا يرثها إذا انقضت على دعواه، وكل هذا ما لم تصدقه على دعواه وإلا فلا توارث بينهما حيث انقضت العدة على دعواه.
قوله: [وغرم لها ما تسلفت]: لكنه لا يلزم بالغبن اتفاقاً مثل أن تشتري ما قيمته دينار بأكثر من دينار لأجل فتبيعه بدينار في نفقتها، فلا يلزمه ما زادته في الشراء على الدينار الذي باعت به باتفاق كما نقله (ح) عن سماع أشهب اهـ (بن).
قوله: [وغرم لها ما أنفقته] إلخ: أي على قول الجمهور خلافاً لابن وهب القائل بأنه لا يغرم لها إلا ما تسلفته.
стр. 501
من الحلي والطيب، وعمله): أي الطيب أي لأن بعمله يتعلق بها (والتجر فيه، و) ترك (الثوب المصبوغ) مطلقاً لما فيه من التزين، (إلا الأسود) ما لم يكن زينة قوم كأهل مصر القاهرة وبولاق، فإنهن يتزين في خروجهن بالحرير الأسود، (و) ترك (الامتشاط بالحناء والكتم) - بفتحتين: صبغ معلوم يذهب بياض الشعر ولا يسوده، (بخلاف نحو الزيت) من كل ما لا طيب فيه (السدر والاستحداد) أي حلق العانة. ومثله نتف الإبط فلا يطلب ترك ذلك.
ولا (تدخل حماماً ولا تطلي جسدها): بنورة، (ولا تكتحل إلا لضرورة) فتكتحل (وإن بطيب): أي بكحل فيه طيب، (وتمسحه نهاراً) وجوباً.
واعلم أن المعتدة من وفاة أو طلاق بائن لا نفقة لها على زوجها، لأن النفقة في نظير الاستمتاع وقد عدم، إلا إذا كانت حاملاً فلها النفقة من أجل الحمل، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى، وأما السكنى فهي واجبة لها اتفاقاً مطلقاً في المطلقة، وعلى تفصيل في المتوفى عنها.
ثم شرع في بيان ذلك بقوله:
(وللمعتدة من طلاق) بائن أو رجعي وجوباً على الزوج. (أو المحبوسة) أي الممنوعة من النكاح (بسببه): أي بسبب الرجل بغير طلاق - كالمزني بها غير عالمة، أو اشتبه بها، والمعتقة، ومن فسخ نكاحها لفساد أو لعان - (السكنى) في المحل الذي كانت فيه، قال تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾ [الطلاق: ١] إلخ أي لا يجوز لها الخروج إلا لضرورة تقتضيه كما يأتي.
(وللمتوفى عنها) السكنى في عدتها. بشرطين أشار لهما بقوله: (إن دخل بها أو) لم يدخل بها و (أسكنها معه) في بيته (ولو لكفالة) ككونها صغيرة، وله عليها الكفالة لتنزيل إسكانها معه منزلة الدخول، وقولنا: "ولو" إلخ فيه رد على المصنف ﵀ حيث قال إلا لكفالة [١].
(والمسكن له) الواو للحال، وهو إشارة للشرط الثاني: أي إن دخل بها إلخ وكان المسكن الذي مات فيه ملكاً له، (أو) بأجرة و (نقد كراءه) في المستقبل؛ فلو نقد البعض فلها السكنى بقدره فقط،
ــ
تتمة: إن اشتريت أمة معتدة طلاق وهي من تحيض، ولم يحصل لها ريبة حلت إن مضى قرءان للطلاق وقرء للشراء، فإن اشتريت قبل أن تحيض شيئاً من عدة الطلاق حلت للمشتري بقرأين عدة الطلاق، أو بعد مضي قرء منها حلت منهما بالقرء الباقي، أو بعد مضي القرأين حلت للمشتري بقرء ثالث، وأما للتزويج فلا تحتاج له كما سيأتي في الاستبراء، هذا إذا لم ترتفع حيضتها، أما إن ارتفعت حيضتها بأن تأخرت لغير رضاع، حلت؛ إن مضت لها سنة للطلاق، وثلاثة أشهر من يوم الشراء. فحاصله أنها تحل بأقصى الأجلين فإن اشتريت بعد تسعة أشهر من طلاقها حلت بمضي سنة من يوم الطلاق، وبعد عشرة أشهر فبمضي سنة وشهر، وبعد أحد عشر شهراً فبمضي سنة وشهرين، وبعد سنة فبمضي ثلاثة أشهر من يوم الشراء، وأما من تأخر حيضها لرضاع فلا تحل إلا بقرأين كمعتادة الحيض التي لم ترتب. والمستحاضة التي ميزت، وإن اشتريت أمة معتدة من وفاة فأقصى الأجلين وهما شهران وخمس ليال عدة الوفاة، وحيضة الاستبراء إن لم تسترب، أو ثلاثة أشهر إن تأخرت حيضتها، فإن ارتابت تربصت تسعة أشهر من يوم الشراء اهـ من الأصل.
قوله: [من الحلي والطيب]: فإن تطيبت قبل وفاة زوجها قال ابن رشد بوجوب نزعه وغسله كما إذا أحرمت، وقال الباجي وعبد الحق عن بعض شيوخه: لا يلزمها نزعه، وفرق عبد الحق بينها وبين من أحرمت، بأن المحرمة أدخلت الإحرام على نفسها بخلاف الموت
قوله: [فإنهن يتزين في خروجهن بالحرير الأسود]: وفي الحقيقة لا مفهوم للحرير والمدار على كون الأسود زينة على حسب العادة.
قوله: [ولا تدخل حماماً]: قال ابن ناجي: اختلف في دخولها الحمام فقيل لا تدخل أصلاً ظاهره ولو من ضرورة، وقال أشهب: لا تدخله إلا من ضرورة ونحوه في التوضيح، وهذا هو الراجح فقول المصنف الآتي: " إلا لضرورة " يرجع له أيضاً.
قوله: [إلا إذا كانت حاملاً فلها النفقة]: راجع للمطلقة طلاقاً بائناً فقط.
قوله: [مطلقاً في المطلقة]: أي كان الطلاق بائناً أو رجعياً كان المسكن له أو لا نقد كراء أو لا.
قوله: [كالمزني بها غير عالمة]: أي فإن لها الصداق والسكنى. وأما لو كانت عالمة فلا صداق لها ولا سكنى.
قوله: [إن دخل بها]: أي وهي مطيقة للوطء، وأما غير المطيقة فلا سكنى لها إلا إذا أسكنها قبل الموت فلها السكنى، دخل بها أم لا. ويدل لذلك قول المدونة: ومن دخل بصغيرة لا يجامع مثلها فلا عدة عليها ولا سكنى لها في الطلاق، وعليها عدة الوفاة، ولها السكنى إن كان ضمها إليه وإن لم يكن نقلها اعتدت عند أهلها.
قوله: [فيه رد على المصنف]: أي وخليل تبع ابن يونس حيث قال نقلاً عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وإن كان إنما أخذها
стр. 502
(وإلا) ينقد (فلا) سكنى لها، (ولو كان) الكراء (وجيبة) على الراجح، (وسكنت) المعتدة مطلقة أو متوفى عنها (على ما كانت عليه) قبل الطلاق أو الموت، ولا تنتقل لغيره. (ورجعت له) وجوباً (إن نقلها) لغيره ثم طلقها، أو مات من مرضه (واتهم) على أنه إنما نقلها ليسقط سكناها في المكان الأول، (أو كانت) حال الطلاق أو الموت مقيمة (بغيره) لغرض من الأغراض، فإنها ترجع لمحلها الأصلي،
(ولو) كانت إقامتها بغيره واجبة (لشرط) اشترطه عليها أهل رضيع (في إجارة رضاع): أي اشترطوا عليها أن لا ترضعه إلا عندهم في دارهم لأن عدتها في بيتها حق لله، وهو مقدم على حق الآدمي.
(وانفسخت) الإجارة إذا لم يرضوا برضاعها بمنزلها.
(أو خرجت لضرورة): أي وكذا ترجع لمسكنها لتعتد فيه إذا خرجت مع زوجها أو غيره لحجة الفريضة فطلقها، أو مات زوجها (في كالثلاثة الأيام) أدخلت الكاف رابعاً لا أزيد: فلا ترجع كما لو تلبست بالإحرام، (و) رجعت إن خرجت (لتطوع) من الحج (أو غيره كرباط، ولو وصلت) ذلك المحل (أو أقامت) به ولو (عاماً) على ما رجحه بعضهم، ومحل رجوعها فيما تقدم إنما هو (مع ثقة) من الناس لا مجردة، (وأمن طريق) لا إن كانت مخوفة (إن أدركت شيئاً من العدة) في منزلها. ولو قل (لا) ترجع إن خرجت (لانتقال) ورفض لسكنى بلدها (فحيث شاءت) إما أن ترجع لبلدها أو في المكان الذي طرأت فيه العدة. أو للمنتقلة إليه أو غيره.
(ولا سكنى لأمة) طلقت أو مات عنها (لم تبوأ): أي لم يكن لها مع زوجها بيت تسكن فيه مع زوجها، بأن كانت عند سيدها يأتيها زوجها عنده، فإن أخذها زوجها عنده وهيأ لها منزلاً تقوم معه فيه فلها السكنى، وإذا لم يكن لها سكنى (فلها الانتقال مع ساداتها) إذا انتقلوا (كغيرها) أي غير الأمة التي لم تبوأ، وهي الحرة والأمة المبوأة لها الانتقال من محل عدتها (لعذر لا يمكن المقام معه) فيه (كسقوطه): أي انهدامه، (أو خوف لص أو جار سوء، و) إذا انتقلت (لزمت ما انتقلت له) إلا لعذر (و) للمعتدة (الخروج في حوائجها) الضرورية كتحصيل قوت أو ماء أو نحوهما، لا لزيارة ولا تجارة ولا تهنئة ولا تعزية.
(وسقطت) السكنى (إن سكنت غيره بلا عذر) فلا يلزمه أجرة ما انتقلت إليه، وقد استوفى المصنف المسألة فراجعه إن شئت، وشبه في السقوط قوله: (كنفقة ولد) له (هربت به) المطلقة أماً أو غيرها، ومثل الأب الوصي (ولم يعلم موضعها) مدة هروبها،
ــ
ليكفلها ثم مات لم يكن لها سكنى.
قوله: [وإلا ينقد] إلخ: الحاصل أنه إن نقد الكراء كان لها السكنى كانت وجيبة أو مشاهرة اتفاقاً وإن لم ينقد ففي المشاهرة لا سكنى لها اتفاقاً، وفي الوجيبة على الراجح من التأويلين.
قوله: [ولو وصلت]: أي ما لم تتلبس بالإحرام.
قوله: [إن أدركت شيئاً من العدة في منزلها]: إن قلت هذا الشرط لا يتوهم بالنسبة لمن خرجت للحج ضرورة فمات زوجها أو طلقها، فإن الشرط أن ترجع من أربعة أيام فأقل، ومعلوم أن العدة باقية فلا معنى لذلك الشرط.
أجيب بأنه يمكن إقامتها في محل الطلاق أو الموت لمرض اعتراها، أو انتظار رفقة حتى ضاق الوقت، أو في حامل أشرفت على الوضع فتأمل.
قوله: [فحيث شاءت]: أي هي مخيرة تعتد بأقربهما أو أبعدهما أو بمكانها الذي هي فيه وقت الموت أو الطلاق وما قرر به شارحنا من التخيير تبع فيه غيره من الشراح، وظاهر كلام ابن عرفة أنها أقوال وحيث وجب عليها الرجوع لوطنها لزم المطلق لها أجرة الرجوع، لأنه أدخله على نفسه، وأما في موته فالكراء عليها لانتقال ماله للورثة، كما لا كراء عليه إذا رجعت لمكان تخير فيه.
قوله: [ولا سكنى لأمة]: حاصل فقه المسألة: أن الأمة التي لم يسكنها زوجها في بيت لا سكنى لها على الزوج، لا في عدة طلاق ولا وفاة، بل تعتد عند سادتها ولها الانتقال معهم إذا انتقلوا كما كان لها ذلك، وهي في عصمته حيث لم تبوأ كما تقدم أول باب النكاح، وأما التي بوئت مع زوجها فلها السكنى في طلاق أو موت، وليس لساداتها نقلها معهم عند أبي عمران خلافاً لابن يونس وابن عرفة حيث لم يتعذر لحوقها بهم بعد وفاء العدة، وإلا فيتفق على انتقالها معهم.
قوله: [لها الانتقال من محل عدتها لعذر]: أي وتنتقل لما أحبت من الأمكنة، ولو أراد الزوج خلافه إلا لغرض شرعي قوله: [وللمعتدة الخروج في حوائجها]: أي طرفي النهار أو وسطه فلا مفهوم لقول خليل "طرفي النهار"، بل المدار على أي وقت فيه الأمن.
قوله: [ولا تهنئة]: هكذا قال الشارح كما هو ظاهر خليل، ولكن ظاهر النقل جواز خروجها في غير حوائجها، فإنه قال في المدونة، وإذا خرجت لحوائجها أو لعرس فلا تبيت بغير مسكنها
قوله: [فراجعه إن شئت]: حاصل ما في ذلك المقام أنه ليس من العذر شكوى المرأة في الحضر ضرر الجوار، بل إن شكت رفع أمرها للحاكم ليكفهم عنها، فإن ظهر ظلمها زجرها أو ظلمهم زجرهم، فإن زال الضرر فظاهر وإلا أخرج الظالم، وأقرع بينهم لمن يخرج إن أشكل الأمر على الحاكم، واختلف: هل لا سكنى في العدة لمن سكنت زوجها قبل الطلاق استصحاباً للأصل، أو يلزمه أجرة المسكن لها مدة
стр. 503
فإنها تسقط عنه فإن علم وقدر على ردها لم تسقط.
(ولأم ولد في الموت): أي موت سيدها، (و) في تنجيز (العتق) لها من سيدها وهو حي (السكنى) مدة استبرائها بحيضة أو وضع (وزيد) لها (في العتق نفقة الحمل) إن كانت حاملاً، بخلاف الموت لأن الولد وارث.
(كالمرتدة)، وهي متزوجة لها السكنى مدة استبرائها قبل قتلها بحيضة أو وضع، ويزاد لها في الحمل نفقته، (والمشتبهة): أي الموطوءة وطء شبهة إما غلطاً يظنها زوجته وهي غير ذات زوج، أو لم يدخل بها زوجها ولم تعلم حال وطئها لنحو نوم وإلا كانت زانية لا نفقة لها ولا سكنى، وإما لنكاح فاسد إجماعاً يدرأ الحد؛ كمن تزوج أخته من نسب أو رضاع بلا علم منهما فلها السكنى ونفقة الحمل مدة الاستبراء.
(ونفقة ذات الزوج) الغير المدخول بها الموطوءة بشبهة (إذا لم تحمل) تكون (عليها) نفسها دون الواطئ لها.
فصل في بيان عدة من فُقد زوجها ولم يعلم أهو حي أو ميت
وهو إما مفقود في بلاد الإسلام في زمن الوباء أو غيره، أو بين مقاتلة بين أهل الإسلام أو بين المسلمين والكفار
ــ
العدة، لأن المكارمة قد زالت؟ قولان، أظهرهما الثاني ويجوز للغرماء بيع الدار في عدة المتوفى عنها بشرط استثناء مدة عدتها أو أربعة أشهر وعشراً، أو يبين البائع الذي هو الغريم للمشتري أن الدار فيها معتدة، ويرضى المشتري لأن البيان يقوم مقام الاستثناء؛ فإن لم يبين ولم يستثن لم يجز البيع ابتداء ولكنه صحيح ويثبت للمشتري الخيار، فإن باع بالشرط المذكور وارتابت المرأة بحس بطن أو تأخر حيض فهي أحق بالسكنى فيها من المشتري، إذ لا دخل لها في التطويل وله الفسخ عن نفسه إن شاء، وكذلك يجوز للزوج بيع الدار في عدة المطلقة ذات الأشهر، كالصغيرة واليائسة بشرط استثناء مدة العدة، أو بيان ذلك للمشتري إن لم يكن الحيض متوقعاً منها كبنت ثلاث عشرة سنة أو خمسين وإلا فقولان: بالمنع والجواز، بخلاف ذات الأقراء والحمل فإنه لا يجوز للزوج أن يبيعها لجهل المدة، ولو باع الغريم في المتوفى عنها والزوج في الأشهر في متوقعة الحيض المرتابة بالفعل أو بالقوة، ودخل مع المشتري على أنه إن زالت الريبة فالبيع لازم وإلا فمردود فسد البيع للجهل بزوالها وللتردد بين السلفية والثمنية وامرأة الأمير ونحوه، كالقاضي إذا مات وهي في بيت الإمارة وتولى غيره بعده لا يخرجها القادم حتى تتم عدتها به، وإن ارتابت بحس بطن أو تأخر حيض إلى خمس سنين كالمحبسة على رجل مدة حياته فيطلق أو يموت، لا يخرجها المستحق بعده حتى تتم عدتها وإن ارتابت، بخلاف دار محبسة على إمام مسجد يموت فإن لمن جاء بعده إخراج زوجة الأول، والفرق أن دار الإمارة من بيت المال والمرأة لها فيه حق، بخلاف دار الإمامة اهـ من الأصل.
قوله: [فإنها تسقط عنه]: إنما سقطت لأنها لما تركت ما كان واجباً لها من غير عذر فلا يلزمه بعدولها عنه عوض.
قوله: [ولأم ولد] إلخ: حاصله أنه إذا مات عن أم ولده فلها السكنى مدة استبرائها ولا نفقة لها، ولو كانت حاملاً، ما لم يعتقها وهو حي وإلا كان لها السكنى والنفقة إذا كانت حاملاً.
قوله: [كالمرتدة]: استشكل ثبوت السكنى للمرتدة بأنها تسجن حتى تتوب أو تقتل، وأجاب في الحاشية بأنه يفرض فيما إذا غفل عن سجنها أو كان السجن في بيتها أو كان لموضع السجن أجرة.
قوله: [والمشتبهة] إلخ: حاصل ما في هذه المسألة أن المرأة التي غلط بها تارة يكون لها زوج أو لا، فإن كان لها زوج فإما مدخولاً بها أو لا، فإن لم يكن لها زوج فإن حملت فالنفقة والسكنى على الغالط، وإن لم تحمل فالسكنى عليه والنفقة عليها، وإن كانت ذات زوج ولم يدخل بها فإن حملت من الغالط فسكناها ونفقتها عليه، وإن لم تحمل فالسكنى على الغالط والنفقة عليها كالخلية على الراجح، خلافاً لمن يقول على الزوج، وأما لو دخل بها زوجها فنفقتها وسكناها عليه حملت أم لا، إلا أن ينفي حملها بلعان فلا نفقة لها عليه، ولها السكنى والنفقة عليها إلا أن يلحق بالثاني، فإن عليه نفقتها وسكناها ما لم ينفه الثاني أيضاً بلعان، فإن نفاه فلا نفقة عليه أيضاً ولها السكنى عليه فيما يظهر، وأما إذا كان لا يلحق بالثاني لقصر المدة مثلاً فإن سكناها على الأول قطعاً ولا نفقة لها على واحد منهما - أفاده في الحاشية.
فصل في بيان عدة من فقد زوجها
لما أنهى الكلام على العدة - وكان سببها أمرين: طلاقاً ووفاة - شرع في بيان ما يحتملهما وهي عدة امرأة المفقود في بعض صوره.
والمفقود: من انقطع خبره مع إمكان الكشف عنه، فيخرج الأسير لأنه لم ينقطع خبره، والمحبوس الذي لا يستطاع الكشف عنه. قوله: [وهو إما مفقود في بلاد الإسلام] إلخ: أي فأقسام المفقود خمسة: مفقود في بلاد الإسلام في غير زمن الوباء أو فيه، ومفقود في مقاتلة بين أهل الإسلام، ومفقود في أرض الشرك، ومفقود في مقاتلة بين المسلمين والكفار.
أما الأول فهو الذي قال فيه: " وتعتد زوجة المفقود في أرض الإسلام " إلخ، وأما الثاني فهو الآتي في قوله: " وفي المفقود
стр. 504
أشار لذلك بقوله:
(وتعتد زوجة المفقود) حرة أو أمة صغيرة أو كبيرة (في أرض الإسلام)، متعلق بالمفقود (عدة وفاة) على ما تقدم، ابتداؤها بعد الأجل الآتي بيانه (إن رفعت أمرها للحاكم) إن كان ثم حاكم شرعي، (أو لجماعة المسلمين عند عدمه) ولو حكماً كما في زمننا بمصر؛ إذ لا حاكم فيها شرعي ويكفي الواحد من جماعة المسلمين إن كان عدلاً عارفاً شأنه أن يرجع إليه في مهمات الأمور بين الناس، لا مطلق واحد وهو محمل كلام العلامة الأجهوري وهو ظاهر لا خفاء به، والاعتراض عليه تعسف.
(ودامت نفقتها): من ماله بأن ترك لها ما تنفق على نفسها منه، وإلا فلها التطليق عليه لعدم النفقة بشرطه المعلوم في محله.
وفائدة الرفع للحاكم الكشف عن حال زوجها بالسؤال والإرسال للبلاد التي يظن بها ذهابه إليها للتفتيش عنه إن أمكن الإرسال، والأجرة عليها.
(فيؤجل الحر أربعة أعوام، والعبد نصفها) عامين لعله أن يظهر خبره (بعد العجز عن خبره): بالبحث عنه في الأماكن التي يظن ذهابه إليها.
فإذا تم الأجل دخلت في عدة وفاة ولا تحتاج إلى نية دخول فيها، ولها الرجوع إلى التمسك بزوجها قبل الشروع فيها لفرض حياته عندها.
(وليس لها بعد الشروع فيها) أي العدة (الرجوع) إلى عصمة زوجها، والبقاء عليها لفرض موته عندها بالشروع فيها، وهو قول أبي عمران ورجح، وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: لها ما لم تخرج من العدة، فلو خرجت منها فليس لها الرجوع اتفاقاً.
(ولا نفقة) لها في عدتها، بل تسقط عن زوجها لفرضها موته بشروعها فيها، (وقدر به): أي بالشروع في العدة (طلاق) من المفقود عليها يفيتها عليه، (يتحقق) وقوعه (بدخول) الزوج (الثاني) عليها وعليه (فتحل للأول) إن جاء (بعصمة جديدة بعد الثاني) بأن طلقها أو مات عنها (إن كان) الأول - أي المفقود - (طلقها اثنتين) قبل دخول الثاني بها: أي وإن وطئها الثاني وطئاً يحل المبتوتة فـ (إن جاء) المفقود بعد عقد الثاني عليها (أو تبين حياته أو موته؛
ــ
زمن الطاعون بعد ذهابه "، وأما الثالث: فهو الآتي في قوله: " واعتدت في مفقود المعترك بين المسلمين من يوم التقاء الصفين "، وأما الرابع: فهو الآتي في قوله: " ومفقود أرض الشرك فإنها تمكث لمدة التعمير " إلخ، وأما الخامس: فهو الآتي في قوله: " وفي الفقد بين المسلمين والكفار بعد سنة بعد النظر ".
قوله: [أشار لذلك]: أي شرع يفصل تلك الأقسام الخمسة وإن لم يصرح بمفقود أرض الشرك في الدخول، لكنه فصل الجميع بأوضح عبارة.
قوله: [وتعتد زوجة المفقود] إلخ: أي إن كان فقده في غير زمن الوباء.
قوله: [صغيرة أو كبيرة]: أي مسلمة أو كتابية.
قوله: [إن كان ثم حاكم شرعي]: أي حاكم سياسة سواء كان والياً أو غيره.
قوله: [أو لجماعة المسلمين]: هكذا عبارة الأئمة، وعبر عنه بعضهم بقوله فلصالحي جيرانها.
قوله: [والاعتراض عليها تعسف]: أي اعترض [١] الشيخ أبو علي المسناوي قائلاً لم أر من ذكره ولا أظنه يصح.
قوله: [ودامت نفقتها]: أي ولم تخش العنت وإلا فتطلق عليه للضرر فهي أولى من معدومة النفقة كذا قال الأشياخ.
قوله: [فيؤجل الحر أربعة أعوام]: أي سواء كانت الزوجة مدخولاً بها أم لا، دعته قبل غيبته للدخول أم لا. والحق أن تأجيل الحر بأربعة أعوام والعبد نصفها تعبدي أجمع الصحابة عليه. وحيث ضرب الأجل المذكور لواحدة من نساء المفقود قامت دون غيرها سرى الضرب لبقيتهن وإن امتنعت الباقيات من كون الضرب لمن قامت ضرباً لهن وطلبن ضرب أجل آخر فلا يجبن لذلك، بل يكفي أجل الأولى ما لم يخترن المقام معه، فإن اخترنه فلهن ذلك وتستمر لهن النفقة.
قوله: [بعد العجز عن خبره بالبحث عنه]: من هنا نقل المشذالي عن السيوري أن المفقود اليوم ينتظر مدة التعمير لعدم من يبحث عنه الآن، وأقره تلميذه عبد الحميد كما في البدر القرافي. ولكن محل هذا كله عند دوام النفقة وعدم خوف العنت كما علمت، ودين الله يسر ولا ضرر ولا ضرار.
قوله: [دخلت في عدة وفاة]: أي وعليها الإحداد عن ابن القاسم خلافاً لعبد الملك.
واعلم أنه بمجرد انقضاء العدة المذكورة تحل للأزواج، ولا يأتي هنا قوله سابقا "إن تمت قبل زمن حيضتها، وقال النساء لا ريبة بها ولا انتظرتها أو تمام تسعة أشهر"، وذلك لانقضاء أمد الحمل من حين التأجيل كذا في (عب).
قوله: [وقدر به] إلخ: أي فيقدر وفاته فتعتد عدة وفاة، وتأخذ جميع المهر وإن لم يكن قد دخل بها وهذا قول مالك وبه القضاء، وروى عيسى عن ابن القاسم: أنه لا يكمل لها المهر بل لها نصفه إلا إذا مضت مدة التعمير أو ثبت موته، وعلى الأول إذا كان الصداق مؤجلاً فهل يعجل جميعه، وهو قول سحنون، أو يبقى على تأجيله وهو قول مالك، وهو الراجح. وإنما لم يكن الأول أرجح مع حلول ما أجل بالموت لأن هذا تمويت لا موت حقيقة، وثمرة تقدير طلاقه أشار له المصنف بقوله "فتحل للأول" إلخ.
فالحاصل أنه يقدر وفاته لأجل أن تعتد عدة وفاة، ويكمل لها الصداق ولا نفقة لها في العدة، ويقدر طلاق لأجل أن تفوت على الأول بدخول الثاني، ولحليتها للأول إذا كان طلقها طلقتين
стр. 505
فكذات الوليين): فتفوت عليه إن تلذذ بها الثاني غير عالم بمجيئه أو حياته، أو بكونها في عدة وفاة الأول، فإن تلذذ بها عالماً بواحد من هذه الأمور فهي للمفقود. وفائدة كونها للمفقود في الثالث فسخ نكاحها من الثاني، وتأبيد حرمتها على الثاني وإرثها للأول.
(بخلاف المنعي لها): وهي من أخبرت بموت زوجها الغائب، فاعتدت وتزوجت ثم قدم زوجها أو تبين حياته فلا تفوت بدخول الثاني غير عالم، ولو ولدت الأولاد أو حكم بموته حاكم.
(و) بخلاف (المطلقة) لعدم النفقة بشروطه ثم ظهر سقوطها عن الزوج بأن أثبت أنه ترك عندها ما يكفيها، أو أنه وكل وكيلاً موسراً يدفعها عنه، أو أنها أسقطتها عنه في المستقبل فلا تفوت بدخول الثاني.
(و) بخلاف (ذات المفقود) المتقدم ذكره (تزوجت في عدتها) المفروضة لها، (ففسخ) النكاح لذلك فاستبرأت وتزوجت بثالث فثبت أن المفقود كان قد مات وانقضت عدتها منه في الواقع قبل عقد الثاني، فلا تفوت على الثاني بدخول الثالث.
(أو) تزوجت امرأة (بدعواها الموت) لزوجها أي بمجرد دعواها، (أو بشهادة غير عدلين) على موت زوجها (ففسخ) نكاحها لعدم شهادة العدلين بموته، فثبت بالعدول أنه مات فتزوجت بثالث. (ثم ظهر أنه): أي نكاح الثاني في المسألتين كان (على الصحة) فلا تفوت على الثاني بدخول الثالث.
فقوله: (فلا تفوت بدخول): راجع للمنعي لها وما بعدها.
(و) إذا اعتدت امرأة المفقود وحلت للأزواج (بقيت أم ولده) على ما هي عليه، (و) بقي (ماله) فلا: يورث (للتعمير): أي لانتهاء مدته فيورث ماله، وتخرج أم ولده حرة.
(كزوجة الأسير ومفقود أرض الشرك) فإنها تمكث لمدة التعمير إن دامت نفقتها وإلا فلها التطليق لعدمها.
ــ
قبل فقده بعصمة جديدة فتأمل.
قوله: [فكذات الوليين]: أي في الصور الثلاث؛ وهي: مجيئه أو تبين حياته أو موته.
قوله: [في الثالث]: أي وهو تبين موته ولو لم تنقض عدتها منه في الواقع، ونفس الأمر لكونه مات منذ شهر مثلاً وهو معنى قولهم ذات الوليين، ولم تكن في عدة وفاة من الأول.
قوله: [وهي من أخبرت بموت زوجها الغائب]: أي سواء كان المخبر لها بالموت عدولاً أو غير عدول.
قوله: [أو حكم بموته حاكم]: أي حيث كان المخبر بالموت عدولاً إذ لا يتصور حكم الحاكم بغير العدلين والفرق بين ذات المفقود والتي حكم بموت زوجها حاكم أن الحكم في المفقود استند إلى اجتهاد الحاكم بثبوت فقده، ولم يتبين خطؤه فلم يبال بمجيئه بعد الدخول لكونه مجوزاً لذلك عند ضرب الأجل، والتي حكم فيها الحاكم بموته فقد استند إلى شهادة ظهر خطؤها، أما إذا لم يحكم بذلك حاكم فواضح، وما ذكره المصنف من أن المنعي لها زوجها والمحكوم بموته لا تفوت بدخول الثاني هو المشهور من المذهب، وقيل تفوت على الأول بدخول الثاني مطلقاً حكم بالموت حاكم أم لا، وقيل تفوت إن حكم به، وعلى المفتي به إن رجعت للأول اعتدت من الثاني إن دخل بها كعدة النكاح الصحيح، فإن مات القادم اعتدت منه عدة وفاة ولا حد عليها لأن النعي شبهة.
قوله: [فلا تفوت بدخول الثاني]: أي ولو ولدت أولاداً من ذلك الثاني، وكذا يقال فيما بعد.
قوله: [فلا تفوت بدخول] إلخ: فجملة المسائل التي لا تفوت فيها على الزوج بالدخول سبعة، ذكر المصنف خمسة.
وبقي مسألتان: الأولى منهما: ما إذا قال الزوج: عمرة طالق مدعياً زوجة غائبة اسمها كذلك قصد طلاقها به، وله زوجة حاضرة شريكتها في الاسم ولم يعلم بها فطلقت عليه الحاضرة، لعدم معرفة الغائبة، فاعتدت وتزوجت، ثم أثبت أن له زوجة غائبة تسمى عمرة فترد إليه الحاضرة ولا يفيتها دخول الثاني.
الثانية: ذو ثلاث زوجات وكل وكيلين على أن يزوجاه فزوجه كل منهما واحدة وسبق عقد أحدهما الآخر، ففسخ نكاح الأولى منهما ظناً أنها الثانية لكونها خامسة فاعتدت وتزوجت، ودخل بها الثاني ثم تبين أنها الرابعة لكونها ذات العقد الأول فلا تفوت على الأول، وأما الثانية فيتعين فسخ نكاحها لكونها خامسة، ولو دخل بها وليس كلامنا فيها.
قوله: [أي لانتهاء مدته]: أي أو ثبوت موته وظاهره أن انتهاء مدة التعمير يورث بها ماله وتعتق أم ولده ولو لم يحكم بمضيها حاكم وليس كذلك، بل المراد انتهاء مدة التعمير مع الحكم بموته والمعتبر في ورثته الموجود يوم الحكم بموته لا وارثه يوم الفقد ولا يوم بلوغه مدة التعمير بدون حكم كما نقله (ح) عن ابن عرفة، ونصه وأقوال المذهب واضحة بأن مستحق إرثه وارثه يوم الحكم بموته لا يوم بلوغه سن تمويته ا. هـ من حاشية الأصل؛ فإذا علمت ذلك فلا ميراث لزوجاته اللاتي ضرب لهن الأجل، لأن حالة موته لم يكن في عصمته وإن كن أحياء، بل بمجرد شروعهن في العدة انقطع ميراثهن منه إن لم يثبت موته قبل شروعهن في العدة فتأمل.
قوله: [كزوجة الأسير] إلخ: أي ولا بد من الحكم بموت الأسير ومفقود أرض الشرك أيضاً بعد تلك المدة، واعتدت زوجة كل عدة وفاة وقسم ماله على ورثته فإن جاء
стр. 506
(وهو سبعون سنة) من ولادته فيورث ماله وتعتد زوجته عدة وفاة وتخرج أم ولد حرة، قال المصنف: وإن اختلفت الشهود في سنه فالأقل أي لأنه الأحوط.
(واعتدت) الزوجة عدة وفاة (في مفقود المعترك بين المسلمين من يوم التقاء الصفين) على قول مالك وابن القاسم، وقال المصنف: بعد انفصال الصفين والأرجح الأول، إلا أن الأظهر في النظر هو الثاني فيجب التعويل عليه، وهذا إذا شهدت البينة أنه حضر صف القتال وإلا فكالمفقود في بلاد الإسلام المتقدم ذكره.
(وورث ماله حينئذ): أي حين شروع زوجته في العدة.
واعتدت عدة وفاة (في الفقد بين) صفي (المسلمين والكفار بعد سنة بعد النظر) في شأنه بالسؤال والتفتيش حتى يغلب على الظن عدم حياته، ويورث ماله حينئذ (و) تعتد (في المفقود زمن الطاعون بعد ذهابه وورث ماله) لغلبة الظن بموته: والله أعلم.
فصل [١]
(يجب استبراء الأمة) بحيضة إن كانت من ذوات الحيض أو بثلاثة أشهر إن كانت من غيرهن كما سيأتي بيانه (بالملك): أي بحصول ملكها بشراء أو غيره ولو بانتزاعها من عبده لا بالزواج،
ــ
بعد القسم لتركته لم يمض القسم ويرجع له متاعه.
قوله: [وهو سبعون سنة]: أي وهو مشهور المذهب، واختار الشيخان ثمانين وحكم بخمس وسبعين، بقي لو فقد الرجل وقد بلغ مدة التعمير أو جاوزها كمن فقد وهو ابن سبعين أو ثمانين، ابن عرفة: إذا فقد وهو ابن سبعين زيد له عشرة أعوام، أبو عمران: وكذا ابن الثمانين إذا فقد ابن خمس وسبعين زيد له خمس سنين، وإن فقد ابن مائة اجتهد فما يزاد له. اهـ (بن).
قوله: [وإن اختلفت الشهود] إلخ: وتجوز شهادتهم على التخمين للضرورة وحلف الوارث حيث كانت الشهادة على التخمين بأن ما شهدوا به حق، ويحلف على البت معتمداً على شهادتهم، وإنما يحلف من يظن به العلم. فإن أرخت البينة الولادة فلا يمين.
قوله: [إلا أن الأظهر في النظر هو الثاني]: أي لأنه الأحوط، على أن ما قاله مالك، وابن القاسم يمكن تأويله بأن المراد من يوم التقاء الصفين آخر يوم التقائهما وهو يوم الانفصال.
قوله: [بعد سنة بعد النظر] اعترضه (ر) بأن الذي في عبارة المتيطي وابن رشد وابن شاس وغيرهم بأن السنة من يوم الرفع للسلطان، لا من بعد النظر والتفتيش عليه. وأجيب بأن ما قاله المصنف تابعاً فيه لخليل التابع لابن الحاجب التابع للمتيطية عن بعض الموثقين، ووقع القضاء به في الأندلس.
قوله: [زمن الطاعون] أي وما في حكمه مما يكثر الموت به كسعال ونحوه، ولو عبر بالوباء لشمل ذلك كله، والطاعون: بثرة من مادة سمية مع لهب واسوداد حولها، يحدث معها ورم في الغالب وقيء وخفقان في القلب يحصل غالباً في المواضع الرخوة والمغابن، كتحت الإبط وخلف الأذن. والوباء: كل مرض عام، بقي شيء آخر: وهو أن الطاعون بإرادة الله تعالى لا بإذنه، وحاصله أنه إذا أراد الله هذا الأمر لكثرة الزنا يحرك الجن بحصول ذلك المعنى، كما يتحرك العدو لإهلاك عدوه في بعض الأزمان دون بعض بإرادة الله تعالى، إلا أن الله لا يمكنهم من ذلك في بعض الناس، وتمكينهم في ذلك من بعض الناس لبعد الملك عنه كذا في الحاشية.
فصل في استبراء الأمة
لما أنهى الكلام على العدة من طلاق ووفاة وتوابعها أتبعها بالكلام على الاستبراء المشتق من التبري وهو التخليص؛ وهو لغة الاستقصاء والبحث والكشف عن الأمر الغامض، وشرعاً قال في توضيحه: الكشف عن حال الأرحام عند انتقال الأملاك مراعاة لحفظ الأنساب، وقال ابن عرفة: مدة دليل براءة الرحم لا لرفع عصمة أو طلاق؛ لتخرج العدة ويدخل استبراء الحرة وهو اللعان، والموروثة لأنه للملك لا لذات الموت. اهـ. خرشي. قال في الحاشية. ثم هذا صريح في أن المراد بالاستبراء نفس الحيض، والظاهر أنه نفس الحيض، فكما أن العدة نفس الطهر يكون الاستبراء نفس الحيض. ثم إن الاستبراء إذا كان بالأشهر يكون نفس الأشهر. فيكون إضافة مدة لما بعده للبيان، وإذا كان للحيض فالإضافة حقيقية ا. هـ. وحيث علق المصنف الوجوب بالاستبراء علم أن المراد به الكشف عن حال الرحم لأنه هو الواجب لا المدة.
قوله: [أي بحصول ملكها] أي بسبب الملك الحاصل أي المتجدد. واعلم أن الجارية لا تصدق في دعواها الاستبراء بحيض أو وضع حمل حتى ينظرها النساء كذا في الحاشية.
قوله: [لا بالزواج] إنما لم يجب استبراؤها بالزواج؛ لأن شرط عقد النكاح أن يكون على امرأة خالية من جميع الموانع حرة كانت أو أمة، فمعلوم أنه لا يصح العقد عليها إلا
стр. 507
إن أراد وطأها بشروط أربعة أشار لأولها بقوله:
(إن لم تعلم براءتها) فإن علم براءتها من الحمل؛ كمودعة عنده أو مرهونة أو مبيعة بالخيار تحت يده، وحاضت زمن ذلك - ولم تخرج ولم يلج عليها سيدها، ثم اشتراها فلا استبراء عليه، وأشار للشرط الثاني بقوله: (ولم تكن مباحة الوطء) حال حصول الملك - كزوجته يشتريها مثلاً - فلا استبراء عليه.
وللثالث بقوله: (ولم يحرم في المستقبل): وطؤها، كعمته وخالته من نسب أو رضاع، وكأم زوجته فلا استبراء لعدم حل وطئها،
وللرابع بقوله: (أو طاقت الوطء) احترازاً من صغيرة كبنت خمس سنين لعدم إمكانه عادة.
ويجب الاستبراء لكل ما استوفت الشروط (ولو وخشاً) كالعلية أو بكراً (أو متزوجة طلقت قبل البناء) وإن كان لا استبراء على زوجها لو دخل بها (أو أساء الظن) بها، (كمن): أي كأمة (عنده) بإيداع أو رهن (تخرج) لقضاء الحوائج، فإذا اشتراها من سيدها مثلاً وجب عليه استبراؤها، بخلاف مملوكة تخرج فلا يجب للمشقة، (أو كانت) مملوكة (بغائب [١] أو مجبوب ونحوه) كمقطوع الأنثيين أو البيضة اليسرى، (أو مكاتبة عجزت) عن أداء النجوم فرجعت رقيقاً لسيدها، (أو أبضع فيها) بأن أعطى إنساناً ثمن أمة ليشتريها من بلد سافر إليه (فأرسلها) البضع معه (مع غير مأذون) له في الإرسال معه، فإنه يجب عليه استبراؤها، بخلاف ما لو جاء بها أو أرسلها مع مأذون.
(و) يجب الاستبراء (على المالك) لأمة (إن باع) موطوءته، (أو زوج موطوءته): أي من وطئها بالفعل، وإلا فله بيعها وتزويجها بلا استبراء للأمن من حملها منه، ما لم يظن بها الزنا في التزويج فيجب استبراؤها عليه، (أو وطئت) أمته (بشبهة) أو زنا، (أو رجعت له من غصب) يمكن وطؤها فيه.
(وبالعتق) عطف على بالملك: أي ويجب الاستبراء على الجارية بعتقها
ــ
بعد العلم ببراءة رحمها، بخلاف انتقال الملك فلا يشترط العلم ببراءة الرحم، ولا يتوقف على ذلك فيه.
قوله: [إن أراد وطأها] أي فإذا اشترى جارية أو وهبت له أو تصدق بها عليه فلا يجب عليه استبراؤها بالشروط المذكورة إلا إذ أراد وطأها، ففي الجلاب: من اشترى أمة يوطأ مثلها فلا يطؤها حتى يستبرئها بحيضة، وفي المقدمات: استبراء الإماء في البيع واجب لحفظ النسب، ثم قال: فوجب على من انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو بأي وجه من وجوه الملك ولم يعلم براءة رحمها أن لا يطأها حتى يستبرئها رفيعة كانت أو وضيعة اهـ.
قوله: [فإن علم براءتها من الحمل]: أي من الوطء فلا مفهوم لقوله الحمل.
قوله: [ولم يلج عليها سيدها]: أي لم يكن متردداً عليها في الدخول والخروج، ومن ذلك أيضاً ما إذا اشتراها بائعها قبل غيبة المشتري عليها وقبل أن يختلي بها، قوله: [ولم تكن مباحة الوطء] أي في نفس الأمر، والظاهر كما مثل الشارح احترازاً مما لو كشف الغيب أن وطأها حرام كأن يطأ أمة ثم تستحق فيشتريها من مستحقها فلا يطؤها حتى يستبرئها، لأن الوطء الأول وإن كان مباحاً في الظاهر إلا أنه فاسد في نفس الأمر.
قوله: [مثلاً] راجع لقوله يشتريها فقط، والكاف في قوله: "كزوجته" استقصائية.
قوله: [ولم يحرم في المستقبل]: أي بعد الشراء والدخول في الملك، وأما قبل الشراء والدخول في الملك فالحرمة عامة لعدم الملك لا للمحرمية وعدمها.
قوله: [وأطاقت الوطء]: أي وإن لم يمكن حملها عادة كبنت ثمان.
والحق أن إطاقة الوطء لا تنضبط بسن، بل تختلف باختلاف الأشخاص. فإن قلت: إن التي لا يمكن حملها عادة قد تيقن براءة رحمها، وشرط وجوب الاستبراء أن لا تتيقن البراءة؟ أجيب: بأن شرط الاستبراء عدم تيقن البراءة من الوطء لا من الحمل، فمتى لم تتيقن براءتها من الوطء وجب الاستبراء، تيقن براءة رحمها من الحمل أم لا، فعلى هذا الجواب اشتراط البراءة من الوطء في غير ممكنة الحمل تعبدي.
قوله: [أو بكراً]: أي لاحتمال إصابتها خارج الفرج وحملها مع بقاء البكارة.
قوله: [كمن أي كأمة عنده] إلخ: هذه الأمثلة من هنا إلى قوله: أو أبضع فيها كلها من أمثلة سوء الظن.
قوله: [أو كانت مملوكة]: معطوف على ما في حيز المبالغة.
قوله: [أو البيضة اليسرى]: إنما بالغ عليه لأنه يبعد حملها منه، لأن البيضة اليسرى هي التي تطبخ المني، فإذا قطعت كان الشأن عدم الحمل، ولكن قد علمت أن أحكام الاستبراء يراعى فيها التعبد.
قوله: [فإنه يجب عليه استبراؤها]: أي ولو حاضت مع ذلك الرسول فلا يكتفي بذلك الحيض؛ لأن الرسول ليس بأمينه، بخلاف لو قدم بها المبضع معه فحاضت مع ذلك المبضع، أو أرسلها بإذن وحاضت مع الرسول.
قوله: [ما لم يظن بها الزنا] إنما وجب عليه الاستبراء في التزويج؛ لأن شرط العقد الخلو من الموانع
стр. 508
إن أرادت الزواج بغير معتقها، وهذا إن وطئت قبل عتقها ولم تر الحيض بعده، وإلا فلا استبراء عليها إن كانت غير أم الولد.
(واستأنفت) الاستبراء (أم الولد فقط) دون غيرها إذا مات سيدها أو أعتقها، (إن استبرأت أو اعتدت) من طلاق أو موت زوج قبل عتقها، (أو غاب سيدها غيبة علم أنه لم يقدم منها) فأرسل بعتقها، أو مات فلا بد من استئنافها الاستبراء. ولا يكفي الاستبراء أو العدة السابقة على عتقها لأنها فراش للسيد، فالحيضة في حقها كالعدة في الحرة. فكما أن الحرة تستأنف العدة لموت أو طلاق باستبراء أو عدة شبهة سبقت، فكذا أم الولد.
فتحصل أن عتق أم الولد موجب لاستبرائها مطلقاً في جميع الصور كغيرها إن وطئت قبله ولم تستبرأ، وتخرج من عدة (بحيضة) متعلق بقوله: "يجب الاستبراء" أي يجب الاستبراء "بالملك [١] "، و "على المالك" إلخ، و"بالعتق" بحيضة فقط إن كانت من ذوات الحيض.
(وكفت) الحيضة (إن حصل الموجب) أي موجب الاستبراء من ملك أو بيع أو عتق، (قبل مضي أكثرها): أي الحيضة (اندفاعاً)، فإذا ملكها إنسان بهبة أو غيره وهي حائض في أول نزول الحيض كفت. وإن ملكها بعد نزول الأكثر اندفاعاً ولو أقل أياماً؛ كاليومين الأولين من خمسة لم تكف ولا بد من حيضة أخرى، كما أشار له بقوله: (وإلا) بأن حصل الموجب بعد مضي الأكثر (فلا) يكفي. (و) كفى (اتفاق البائع) لموطوءته (والمشتري على) حيضة (واحدة) بأن توضع بعد الشراء تحت يد أمين كما سيأتي. (فإن تأخرت) الحيضة عن عادتها (ولو لرضاع أو مرض أو استحيضت ولم تميز) الحيض من غيره (فثلاثة أشهر) استبراؤها.
(كالصغيرة) المطيقة (واليائسة)، استبراء كل منهما ثلاثة أشهر، وكذا من عادتها الحيض بعد التسعة. وإن كان عادتها الحيض بعد ثلاثة أشهر، فهل تكتفي بثلاثة أشهر، أو لا بد من الحيضة؟ اختلف قول ابن القاسم في ذلك ولعل الأظهر الثاني، (إلا أن تقول النساء: بها ريبة) الأخصر: إلا أن ترتاب من تأخر حيضها أو استحيضت ولم تميز (فتسعة أشهر) استبراؤها.
(وبالوضع) عطف على بحيضة: أي وبوضعها إن كانت حاملاً (كالعدة) أي بتمام وضعها كله.
(وحرم) على المالك (الاستمتاع) بوطء أو مقدماته (في زمنه): أي الاستبراء.
ثم ذكر بعض مفاهيم القيود المتقدمة زيادة في الإيضاح بقوله:
(ولا استبراء على من هي تحت يده بكوديعة): أدخلت الكاف: المرهونة وأمة زوجته، (أو مبيعة بخيار إن حصلت) الحيضة عند من هي تحت يده أيام الإيداع، ونحوه وأيام الخيار عند المشتري (ولم تخرج) [٢] الأمة لحاجة أو غيرها، (ولم يلج عليها سيدها) وإلا وجب لإساءة الظن كما تقدم. (و) لا استبراء (على من أعتق) أمته الموطوءة له، (وتزوج) بها بعد العتق،
ــ
كما تقدم.
قوله: [إن أرادت الزواج بغير معتقها]: أي وأما المعتق فله تزوجها بغير استبراء إذا كانت خالية من عدة، وهذا إذا كان يطؤها قبل العتق، وأما إذا اشتراها وأعتقها عقب الشراء وأراد العقد عليها فلا بد من استبرائها، ولا يكفي في إسقاط الاستبراء عتقه.
قوله: [فتحصل] إلخ: اعلم أنه إذا مات السيد فلا بد من الاستبراء كانت أم ولد أو غيرها، ولو استبرأت قبل الموت أو انقضت عدتها قبله، كان سيدها غائباً عنها قبله غيبة لا يمكنه فيها الوصول إليه، وأما إن أعتقها فأم الولد لا بد من استبرائها، ولو كانت قد استبرئت قبله أو انقضت عدتها قبله، أو كان سيدها غائباً ثم أرسله لها، وأما غير أم الولد فتستبرأ ما لم تكن استبرئت قبله أو انقضت عدتها قبله، أو كان غائباً قبله وإلا اكتفت بذلك، ولا تحتاج لاستئناف استبراء.
قوله: [متعلق بقوله يجب الاستبراء]: أي فهو راجع لجميع ما تقدم من أول الباب، وعلم من قوله بحيضة أن القرء هنا ليس هو الطهر كالعدة بل الدم، فبمجرد رؤيته تحصل البراءة، فللمشتري التمتع بغير ما بين السرة والركبة والباء في قوله بحيضة للتعدية. وفي قوله: بملك للسببية، فلم يلزم عليه تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد.
قوله: [إن كانت من ذوات الحيض]: أي وكانت عادتها يأتيها في أقل من تسعة أشهر. وإلا فتستبرأ بالأشهر كما يأتي.
قوله: [بأن توضع بعد الشراء تحت يد أمين]: قال (بن) الذي يتبادر من النقل أن المراد استبراؤها قبل عقد الشراء فقط، وبذلك ينتفي تكراره مع المواضعة الآتية، فقول الشارح بأن توضع بعد الشراء المناسب قبل عقد الشراء.
وقوله: [كما سيأتي] لا يظهر، بل هو في المواضعة وهي مسألة أخرى.
قوله: [فتسعة أشهر استبراؤها] أي فإن لم تزد الريبة حلت، وإن زادت مكثت أقصى أمد الحمل.
والحاصل: أنه إن زالت الريبة قبل التسعة أشهر، أو بعد تمامها حلت بمجرد زوالها، وإن استمرت، الريبة بعد التسعة أشهر فإن لم تزد حلت بمجرد تمام التسعة، وإن زادت مكثت أقصى أمد الحمل، كما أفاد ذلك نقل (بن) عن ابن رشد.
قوله: [وبالوضع]: أي ولو علقه فاستبراء الحامل بالوضع حكم العدة.
قوله: [وحرم على المالك الاستمتاع] إلخ: أي إلا أن تكون في ملك سيدها وهي بينة الحمل منه واستبرأها من زنا أو غصب أو اشتباه، فلا يحرم وطؤها ولا الاستمتاع بها، بل هو مكروه
стр. 509
لأن وطأه الأول صحيح، (أو اشترى زوجته وإن قبل البناء) بها، وهذا مفهوم قوله: "ولم تكن مباحة الوطء". (ولو اشتراها): أي زوجته (بعد البناء) بها (فباعها) لرجل، (أو أعتقها. أو مات) عنها، (أو عجز المكاتب) عن أداء الكتابة بعد أن اشترى زوجته التي بنى بها، ورجعت لسيده بأن انتزعها منه (قبل وطء الملك) الحاصل بالشراء. هذا ظرف تنازعته الأفعال الأربعة قبله: أي باع وأعتق ومات وعجز (لم تحل لسيد) اشتراها من الزوج أو انتزعها من مكاتبه أو ورثها إذا مات، (ولا زوج) يريد تزويجها بعد العتق أو الموت أو البيع أو عجز المكاتب، فقوله: "لسيد" راجع لما عدا العتق.
وقوله: "ولا زوج" راجع للجميع (إلا بقرءين) أي طهرين (عدة فسخ النكاح) الحاصل من شراء الزوج لزوجته بعد البناء؛ لأن عدة فسخ نكاح الأمة قرءان كعدة طلاقها. وقوله: "عدة" إما بالجر بدل أو بيان لقرءين. أو بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هما عدة فسخ.
(وإلا) يحصل البيع أو العتق أو الموت أو عجز المكاتب قبل وطء المالك. بل بعده (فحيضة) فقط لمن اشتراها أو ورثها أو أراد تزويجها أو انتزاعها من مكاتبه. لأن وطء الملك هدم عدة النكاح.
(كحصوله): أي حصول شيء مما ذكر من البيع أو العتق أو الموت للزوج المشتري بعد البناء، (بعد حيضة) حصلت بعد الشراء وقبل وطئها بالملك. فإنها تكتفي بحيضة أخرى تكمل بها عدة فسخ النكاح، (أو) حصوله بعد. (حيضتين): فعليها حيضة فقط للاستبراء وهذا في غير العتق؛ لأن الأمة إذا عتقت ولم تكن أم ولد بعد الحيض فلا استبراء عليها، بخلاف أم الولد فإنها تستأنف حيضة كما تقدم.
(ولا) استبراء (على أب وطئ جارية ابنه بعد استبرائها) من غير وطء ابنه لها، لأنه قد ملكها بمجرد جلوسه بين فخذيها بالقيمة، وحرمت على ابنه فوطؤه صار في مملوكته بعد استبرائها، وهذا هو الراجح، قال: وتؤولت أيضاً على وجوبه، وعليه الأقل. فلو لم يستبرئها لوجب استبراؤها اتفاقاً.
(ولا) استبراء (على بائع إن غاب عليها مشتر بخيار له) أي للمشتري، (وردها) على بائعها وأولى إذا كان الخيار للبائع أو لأجنبي لظهور أمانته كالوديع، (وندب) الاستبراء حيث كان الخيار للمشتري،
ــ
أو خلاف الأولى، وقيل: جائز، واختار (بن) الحرمة تبعاً لابن رشد لاحتمال انفشاش الحمل، وهذا الخلاف بعينه تقدم في العدة وسيأتي في المصنف ندب الاستبراء.
قوله: [لأن وطأه الأول صحيح]: أي وهو المشهور. وقيل بوجوبه ليفرق بين ولده بوطء الملك وولده من وطء النكاح، فإن الأول لو أراد نفيه لانتفى من غير لعان، والثاني لا ينتفي إلا بلعان وقد استظهر صاحب التوضيح هذا القول.
قوله: [أو اشترى زوجته]: هذه عكس ما قبلها لأن التي قبلها كان يطؤها أولا بالملك، فصار يطؤها بالنكاح، وهذه كان يطؤها بالنكاح، فصار يطؤها بالملك.
قوله: [وإن قبل البناء بها] بالغ على ذلك لدفع توهم أنه إذا اشتراها قبل البناء يلزمه استبراؤها، وأما بعد بنائه بها فلا يتوهم وجوب استبرائه، لأن الماء ماؤه ووطؤه الأول صحيح، والاستبراء إنما يكون من الوطء الفاسد، ومحل كونه إذا اشتراها قبل البناء لا يجب عليه استبراؤها ما لم يقصد بتزوجه لها إسقاط الاستبراء الذي يوجبه الشراء، وإلا عمل بنقيض مقصوده.
قوله: [لم تحل لسيد] أي وطؤها، وقوله ولا زوج أي العقد عليها.
قوله: [عدة فسخ النكاح] أي لأنه بمجرد الشراء انفسخ النكاح.
قوله: [بعد حيضة] إلخ: حاصله أنه إذا اشترى زوجته بعد أن بنى بها فحاضت بعد الشراء حيضة فأعتقها أو باعها أو مات عنها قبل أن يطأها بالملك، فإنه يكتفي في حلها للمشتري ولمن يزوجها له المشتري، ولمن يتزوجها بعد العتق، وللوارث ولمن يزوجها له الوارث بحيضة أخرى بعد الموت أو العتق أو البيع.
قوله: [بعد حيضتين]: أي حصلتا بعد الشراء وقبل وطء الملك.
قوله: [وهذا في غير العتق] مثل العتق التزوج فإنه يجوز العقد عليها بعد الحيضتين ولا يتوقف على حيضة استبراء.
قوله: [كما تقدم]: أي تقدم أن العتق لا يوجب الاستبراء إلا إذا لم يتقدم قبله استبراء
قوله: [جارية ابنه]: المراد به فرعه من النسب ذكراً أو أنثى وإن نزل، لا ابنه من الرضاع فلا يملك الأب من الرضاع جارية ابنه منه بالوطء، بل يعد وطؤه زنا وانظر النص في ذلك.
قوله: [على وجوبه]: أي بناء على أن الأب لا يضمن قيمتها بتلذذه ولو بالوطء، بل يكون للابن التماسك بها في عسر الأب ويسره، ولكن المعتمد ما عليه الأكثر. ومحل ملك الأب لها بالوطء المذكور ما لم يكن الابن وطئها قبله، وإلا فلا يملكها بالوطء لحرمتها عليه كذا قيل، ولكن المعتمد أنها تقوم على الأب متى وطئها لأنه أتلفها على الابن وحرمها عليه، وإن كانت تحرم على الأب في هذه الصورة أيضاً، لأن القاعدة أنه إذا وطئها الأب بعد الابن تحرم عليهما، وإن لم يكن وطئها قبل وطء أبيه حرمت على الابن دون أبيه.
قوله: [ولا استبراء على بائع] إلخ: حاصله أن رب الأمة إذا باعها بخيار للمشتري ثم بعد أن غاب المشتري عليها ردها للبائع فلا يجب على البائع استبراء، وإن جاز للمشتري الوطء في مدة الخيار إذا كان الخيار
стр. 510
وقيل مطلقاً، وقيل يجب.
وشبه في ندبه قوله (كسيد وطئت أمته بشبهة أو زنا) حال كونها (حاملاً منه) أي من السيد.
ثم شرع يتكلم على المواضعة: وهي نوع من الاستبراء، إلا أنها تختص بمزيد أحكام، ولذا أفردها بالذكر، فقال بالعطف على استبراء أمة: (ومواضعة العلية): أي ويجب مواضعة العلية: أي الرائعة الجيدة التي شأنها أن تراد للفراش لحسنها، وسواء أقر البائع بوطئها أم لا، (أو من أقر البائع بوطئها) وهي وخش شأنها أن تراد للخدمة، فإن لم يقر بوطئها فلا تتواضع بل يستبرئها المشتري، وفسر المواضعة بقوله: (بجعلها مدة استبرائها) المتقدم (عند من يؤمن من النساء، أو رجل له أهل) من زوجة أو محرم كأم أمينة والعمدة على المرأة المأمونة كان لها رجل أو لا، (وكره) وضعها (عند أحدهما): أي أحد المتبايعين (وإن رضيا) معاً (بغيرهما) في وضعها عنده (فليس لأحدهما الانتقال) عنه، نعم إذا رضيا معاً بنقلها من عنده كان لهما ذلك، (وكفى الواحدة) أي وضعها عند امرأة واحدة، فلا يشترط التعدد.
(وشرط النقد): أي نقد ثمن المواضعة (يفسد العقد): أي عقد بيعها لتردد بين السلفية والثمنية.
(ولا مواضعة في) أمة (متزوجة، و) لا في أمة (حامل، و) لا في أمة (معتدة) من طلاق أو وفاة، إذ العدة تغني عن المواضعة والاستبراء، (و) لا في (زانية) لأن الولد فيه لا يلحق بالبائع ولا بغيره.
(بخلاف راجعة) لبائعها (بعيب أو فساد بيع، أو إقالة إن غاب عليها المشتري ودخلت في ضمانه): أي المشتري برؤية الدم، أو قبضها في البيع الفاسد، (أو ظن وطأها) فعليه الاستبراء في الوخش والمواضعة في العلية، لا إن لم يغب عليها.
ولما فرغ من الكلام على العدة منفردة والاستبراء كذلك، شرع في الكلام عليهما إذا اجتمعتا
ــ
له؛ لأنه يعد بذلك مختاراً فلا يتأتى له ردها، فهي مأمونة من وطئه؛ فلذا كان استبراء البائع لها غير واجب، بل يندب كما سيقول المصنف، وأما لو كان الخيار لأجنبي أو للبائع ورد من له الخيار البيع بعد أن غاب المشتري عليها فلا يطالب البائع باستبراء؛ لأنه إذا كان الخيار لغير المشتري كان هناك مانع شرعي من وطئه، وهم إذا لم يراعوا المانع الشرعي لزم استبراؤها إذا كانت تحت يد أمين كالمودع والمرتهن ثم ردت لربها وهم لا يقولون بذلك وهذا ما لم يكن المشتري منهما، ويسيء البائع الظن به وإلا فيجب الاستبراء.
قوله: [وقيل مطلقاً]: الحاصل أنه قيل بالوجوب مطلقاً وقيل بالاستحباب مطلقاً، وقيل مقيد بما إذا كان الخيار للمشتري خاصة وهو الذي ارتضاه شارحنا.
قوله: [كسيد] إلخ: تقدم أن هذا قول من جملة الأقوال.
قوله: [وهي نوع من الاستبراء] أي ويراد بالاستبراء المعنى الأعم وهو مطلق الكشف عن حال الرحم الشامل للمواضعة.
قوله: [إلا أنها تختص بمزيد أحكام]: وذلك كالنفقة والضمان، وشرط النقد فإن النفقة في زمن المواضعة على البائع وضمانها منه، وشرط النقد مفسد لبيعها، بخلاف الاستبراء فإن نفقتها مدته على المشتري وضمانها منه، والنقد فيه ولو بشرط لا يضر.
قوله: [ومواضعة العلية] إلخ: اعلم أن المواضعة لا يشترط فيها إرادة المشتري الوطء، فليست كالاستبراء؛ وذلك لأن العلية ينقص الحمل من ثمنها، والوخش إذا أقر البائع بوطئها يخشى أن تكون حملت منه، والظاهر أنه يعتبر كونها عليه أو وخشاً بالنظر لحالها عند الناس لا بالنظر لحالها عند مالكها، قاله في الحاشية.
قوله: [أو من أقر البائع بوطئها] أي ولم يستبرئها.
قوله: [فإن لم يقر بوطئها] أي أو أقر واستبرأها.
قوله: [بل يستبرئها المشتري] أي إذا أراد أن يطأها وإلا فلا يجب استبراء.
قوله: [مدة استبرائها المتقدم] أي سواء كان الاستبراء بحيضة أو بثلاثة أشهر أو تسعة على ما مر؛ لأن المواضعة كما تكون فيمن تحيض تكون في غيرها.
قوله: [من النساء] أي وهو الأفضل.
قوله: [أو رجل له أهل] أي وأما من لا أهل له ولا محرم فلا يكفي على المعتمد.
قوله: [فليس لأحدهما الانتقال] أي بخلاف ما إذا تنازعا ابتداء فيمن توضع عنده، فالقول للبائع فيمن توضع عنده، وبخلاف ما إذا رضيا بأحدهما وارتكب المكروه فلكل منهما الانتقال ولو من غير وجه.
قوله: [فلا يشترط التعدد] أي على الراجح، بخلاف الترجمان فلا يكفي فيه الواحد على الأرجح.
قوله: [يفسد العقد] أي وإن لم ينقد بالفعل، وإنما فسد العقد بشرط النقد إذا اشترطت المواضعة أو جرى بها العرف، فإن لم تشترط ولم يجر بها العرف كما في مصر لم يفسد البيع بشرط النقد، ويحكم بالمواضعة ويجبر البائع على رد الثمن للمشتري ولو لم يطلبه كذا في الخرشي.
قوله: [لتردده بين السلفية والثمنية] أي لأنه يحتمل أن ترى الدم فيمضي البيع ويكون ثمناً، وأن لا تراه فيرد البيع فيكون ما نقده سلفاً.
قوله: [ولا مواضعة في أمة متزوجة]: أي اشتراها غير زوجها وذلك لعدم الفائدة في مواضعتها لدخول المشتري على أن الزوج مسترسل عليها، وأولى في عدم المواضعة لو اشتراها زوجها المسترسل عليها.
قوله: [ولا في أمة حامل] أي من غير سيدها، سواء كانت حاملاً من زنا أو من زوج، نعم تستبرأ بوضع حملها، وفائدة كون وضع الحمل استبراء لا مواضعة لزوم النفقة والضمان من المشتري لا من البائع.
قوله: [إذ العدة تغني] إلخ: راجع لقوله ولا معتدة.
قوله: [ولا في زانية]: حاصله أنه إذا زنت الأمة
стр. 511
من نوع أو نوعين، ويسمى ذلك بباب تداخل العدد،
وحاصله: أنه تسع صور باعتبار القسمة العقلية، وسبع في الواقع، إذ موت لا يطرأ على موت ولا طلاق على موت، فالموت يطرأ عليه الاستبراء فقط، وكل من الاستبراء وعدة الطلاق يطرأ عليه أحد الثلاثة؛ فهذه سبعة فالطارئ يهدم السابق، إلا إذا كان الطارئ أو المطروء عليه عدة وفاة فأقصى الأجلين فقال:
(فصل: [١]
إن طرأ موجب عدة مطلقاً) موتاً أو طلاقاً، (أو) طرأ (استبراء قبل تمام عدة) مطلقاً (أو) قبل تمام (استبراء، انهدم الأول) الذي كان فيه من عدة أو استبراء، (واستأنفت) ما طرأ. فهذه سبع صور: طرو عدة وفاة أو طلاق أو استبراء على عدة طلاق أو استبراء، وطرو استبراء على عدة وفاة. (إلا إذا كان الطارئ أو المطرو عليه عدة [وفاة] [٢] فأقصى الأجلين) تمكثه. وذلك في ثلاث صور: طرو عدة وفاة على استبراء، أو عدة طلاق، وطرو استبراء على عدة وفاة.
ثم شرع في أمثلة القاعدة التي ذكرها بقوله: (كمتزوج بائنته) بأن طلقها بعد الدخول بائناً دون الثلاث، (ثم) بعد أن تزوجها (يطلق بعد البناء) بها، (أو يموت مطلقاً) بعد البناء أو قبله، فتستأنف عدة طلاق فيما إذا طلق بعد البناء، وعدة وفاة فيما إذا مات؛ فهذا مثال ما إذا طرأت عدة طلاق أو وفاة على عدة طلاق.
ومثل لطرو عدة طلاق أو استبراء على استبراء بقوله: (وكمستبرأة من) وطء (فاسد) زنا أو غيره (يطلقها) زوجها، فتستأنف عدة الطلاق وينهدم الاستبراء، (أو توطأ بفاسد) فتستأنف استبراء وينهدم الأول. ثم ذكر مفهوم: "بائنته" بقوله: (وكمرتجع) لمطلقته الرجعية، (وإن لم يمس): أي يطأها بعد ارتجاعه (طلق أو مات)، فإنها تستأنف عدة طلاق أو وفاة لأن ارتجاعها يهدم العدة الأولى، ومثل لطرو الاستبراء على العدة من طلاق بقوله:
ــ
فباعها المالك بعد زناها فلا يجب على المشتري مواضعتها. وينتظر حيضة يستبرئها بها فنفي المواضعة عنها لا ينافي وجوب استبرائها، إذا أراد وطأها وفائدة كونها استبراء لا مواضعة ترتب النفقة والضمان على المشتري لا على البائع، وإن حملت من ذلك الزنا استبرأها بوضع الحمل.
تتمة: اختلف هل يجبر المشتري على إيقاف الثمن أيام المواضعة على يد عدل حتى تخرج من المواضعة إذا طلب إيقافه البائع أو لا يجبر؟ قولان، وإذا قلنا بالجبر فتلف كانت مصيبة بمن قضى له به وهو البائع إذا رأت الدم، والمشتري إن ظهر بها حمل أو هلكت أيام المواضعة، وعلى القول بعدم الجبر فكذلك إن وقف بتراضيهما.
قوله: [من نوع] أي كما إذا كان كل منهما بالأقراء أو بالأشهر، وقوله أو نوعين كما إذا كان أحدهما بالأقراء والآخر بالأشهر، وعكسه، أو أحدهما بالأشهر والآخر بالحمل.
قوله: [ويسمى ذلك بباب تداخل العدد] قال بعض: وهو باب يمتحن به الفقهاء كامتحان النحويين بباب الأخبار، والتصريفين بباب الأبنية
قوله: [إذ موت لا يطرأ على موت]: قد يقال: إن امرأة المفقود إذا شرعت تعتد بحكم القاضي، ثم ظهر موت زوجها في أثناء العدة، يقال فيه طرأ موت على موت وعدة الثاني تهدم الأول؟ والجواب أن قولهم لا يطرأ موت على موت، المراد: الموت الحقيقي في الواقع ونفس الأمر في المطروِّ عليه فافهم.
وقوله: [ولا طلاق على موت]: يقال فيه أيضاً -سؤالاً وجواباً- ما قيل في طرو موت على موت- فتأمل، فإننا لم نقل ذلك كانت الصور التسع كلها واقعية، ويمثل لطرو الموت أو الطلاق على الموت بمسألة المفقود.
قوله: [فالموت يطرأ عليه الاستبراء فقط]: أي الموت الحقيقي كما علمت، أي كما إذا وطئت بشبهة وهي في عدة وفاة.
قوله: [يطرأ عليه أحد الثلاثة]: أي الاستبراء والطلاق والوفاة قوله: [إلا إذا كان الطارئ أو المطرو عليه] إلخ: أي فيعتبر أقصى الأجلين في ثلاث صور، لأنه إذا كان الطارئ عدة وفاة فالمطرو عليه إما طلاق أو استبراء، وإذا كان المطرو عليه وفاة فالطارئ استبراء لا غير وسيأتي.
فصل: إن طرأ موجب عدة
فصل قوله: [قبل تمام عدة مطلقاً] الإطلاق بالنسبة لطرو الاستبراء فقط، وإلا فطرو الوفاة على الوفاة أو الطلاق على الوفاة لا يمكن، ويدل لهذا التقييد قول الشارح فهذه سبع ولو بقيت العبارة على حالها لكانت الصور تسعاً، وقد علمت أنه لا يتصور إلا سبع فاتكل الشارح على ما قدمه في الدخول.
قوله: [كمتزوج بائنته]: بالإضافة والتنوين.
قوله: [يطلق بعد البناء]: أي وأما لو طلقها قبل البناء فإنها تبقى على عدة الطلاق الأول؛ لأنه في الحقيقة لا يهدم العدة الأولى إلا الدخول ولم يحصل.
قوله: [وعدة وفاة فيما إذا مات]: أي مطلقاً بعد البناء أو قبله.
قوله: [وإن لم يمس] إلخ: أي هذا إذا مسها بعد ارتجاعه، بل وإن لم يمسها بعد ارتجاعه، وقوله طلق أو مات أي قبل تمام العدة.
قوله: [فإنها تأتنف عدة طلاق أو وفاة]: أي من يوم طلق أو مات.
وقوله: [لأن ارتجاعها يهدم العدة] هذا ظاهر إذا مسها، وأما عند عدم المس يقال: ما الفرق بينها وبين من تزوج بائنته ثم طلقها قبل البناء؟ فإنها تبني على عدة طلاقها الأول. وأجيب: بأن البائنة أجنبية، ومن تزوج أجنبية وطلقها قبل البناء فلا عدة عليها بخلاف الرجعية
стр. 512
(وكمعتدة طلاق وطئت) وطأً (فاسداً) بشبهة أو زنا أو غصب، (وإن) كان (من المطلق) أو نكاح من غيره فتستأنف الاستبراء وتنهدم العدة، (وأما) المعتدة (من موت) توطأ وطأً فاسداً (فأقصى الأجلين): عدة الوفاة وعدة الاستبراء، (كعكسه): وهو طرو عدة وفاة على استبراء كمستبرأة من وطء فاسد مات زوجها أيام الاستبراء، فتمكث أقصى الأجلين تمام الاستبراء وعدة الوفاة، (وكمشتراة في عدة) من وفاة فإنها تمكث أقصى الأجلين تمام العدة، ومدة الاستبراء وهذه كالأولى طرأ فيها الاستبراء على عدة وفاة. وبقي ما إذا طرأت عدة وفاة على عدة طلاق، كأن يموت زوج الرجعية في عدتها فأقصى الأجلين وهي تمام الصور الثلاث.
(وهدم) أي أبطل (الوضع) الكائن (من نكاح صحيح) بأن كانت معتدة من طلاق أو وفاة فوطئت وطأً فاسداً بنكاح في العدة، أو بزنا أو بشبهة. فظهر بها حمل من صاحب العدة (غيره) مفعول هدم، وغير الوضع هو الاستبراء من الوطء الفاسد في العدة؛ أي هدم الوضع من النكاح الصحيح الاستبراء الكائن من الوطء الفاسد في العدة، لأنه إنما كان لخوف الحمل وقد أمن منه بالوضع. (و) هدم الوضع (من) وطء (فاسد) ولو وطئها الثاني وهي معتدة بعد حيضة وأتت به بعد ستة أشهر من وطء الثاني ولم ينفه، (أثره): أي الفاسد وهو الاستبراء منه (و) هدم (عدة طلاق لا) يهدم (عدة وفاة) وإذا لم يهدم عدة الوفاة. (فالأقصى) من الأجلين يلزمها. أما الوضع من الفاسد أو تمام عدة الوفاة فإن قيل: كيف يتصور أقصى الأجلين مع أن مدة الحمل من الفاسد دائماً أكثر من عدة الوفاة: فالجواب: أنه قد يكون الوضع سقطاً، ويتصور أيضاً في المنعي لها زوجها، ثم بعد حملها من الفاسد تبين أنه مات الآن فاستأنفت العدة.
ــ
فإنها كالزوجة، فطلاقه الواقع فيها بعد الرجعة طلاق زوجة مدخول بها فتعتد منه، ولا تبني على عدة الطلاق الأول؛ لأن الارتجاع هدمها وكل هذا ما لم يفهم منه الضرر بالتطويل عليها كأن يراجعها إلى أن يقرب تمام العدة فيطلقها، فإنها تبني على عدتها الأولى إن لم يطأ بعد الرجعة معاملة له بنقيض قصده.
قوله: [وكمعتدة طلاق] إلخ: يجب تخصيص هذه بالحرة؛ لأن الأمة عدتها قرءان واستبراؤها حيضة، فإذا وطئت باشتباه عقب الطلاق وقبل أن تحيض فلا بد من قرأين كمال عدتها، ولا ينهدم الأول إذا علمت هذا، فقول (عب): وكمعتدة حرة أو أمة فيه نظر، كذا في (بن).
قوله: [أو نكاح من غيره] أي ولا يكون إلا فاسداً لكونها معتدة.
قوله: [فأقصى الأجلين عدة الوفاة]: أي وهي أربعة أشهر وعشر، وقوله: ومدة الاستبراء أي وهي ثلاثة أقراء، أو الشهور إن كانت من أهلها، ولا يتعين فرض هذا المثال في الحرة بخلاف المعتدة من طلاق كما علمت.
قوله: [وكمشتراة في عدة من وفاة]: يعني أن من اشترى أمة معتدة من وفاة فإنها تمكث أقصى الأجلين عدة الوفاة شهران وخمس ليال، وحيضة الاستبراء لنقل الملك أو ما يقوم مقامها من الشهور، ومفهومه لو اشترى أمة معتدة من طلاق فلا بد فيها من تمام العدة الأولى وحصول الاستبراء، فإذا ارتفعت حيضتها لغير رضاع فلا تحل إلا بمضي سنة للطلاق، وثلاثة للشراء، وأما لو ارتفعت لرضاع فلا تحل إلا بقرءين إن قلت المشتراة المعتدة من طلاق تحرم في المستقبل على مشتريها بسبب العدة التي هي فيها، فكان مقتضاه أنه لا استبراء عليها، وأنها تحل بتمام العدة. أجيب بأن هذه مستثناة مما يحرم في المستقبل؛ لأن حرمتها غير مستمرة، بخلاف حرمة نحو المحرم والمتزوجة.
قوله: [كأن يموت زوج الرجعية] أي ولم يراجعها وإلا فتنهدم الأولى وتأتنف عدة وفاة كما تقدم، ومثل الذي راجعها البائنة إذا عقد عليها ومات عنها، فقوله في الدخول إلا إذا كان الطارئ إلخ أي على رجعية ولم يراجعها، ولا فرق بين كونها حرة أو أمة.
قوله: [وهي تمام الصور الثلاث] ويزاد على الصور الثلاث مسألة الأمة المشتراة في عدة طلاق، فإنها تنتظر أقصى الأجلين.
قوله: [من نكاح صحيح] أي الملحق بذي النكاح الصحيح، والمراد كون الحمل ملحقاً بأبيه كان من نكاح صحيح أو من ملك، فحينئذ لا مفهوم لقول الشارح بأن كانت معتدة من طلاق، بل مثلها استبراؤها من ملك ولحوقه بأبيه إن ولدته لدون ستة أشهر من الوطء الفاسد الطارئ، أو لستة أشهر منه ولم تحض قبل ذلك الوطء الفاسد، فمتى احتمل أن يكون من الصحيح السابق ومن الفاسد المتأخر ألحق بالصحيح، بخلاف ما إذا حاضت قبل الوطء الفاسد وأتت به لستة أشهر فأكثر من الوطء الفاسد، فإنه ملحق بالفاسد وسيأتي حكمه.
قوله: [وهدم عدة طلاق] أي سواء كان الطلاق متقدماً على الفاسد أو متأخراً عنه كما استصوبه (بن) خلافاً لـ (عب) القائل: إن كان الطلاق متأخراً عن الفاسد فالوضع لا يهدم أثره، ومحل كون الفاسد يهدم أثره وعدة الطلاق إن كان وطء شبهة، فإن كان زنا أو غصباً فيحسب قرء في عدة الطلاق كذا في المجموع.
قوله: [دائما أكثر من عدة الوفاة]: أي لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر وعدة الوفاة أربعة أشهر وعشر أو شهران وخمس ليال.
قوله: [إنه قد يكون الوضع سقطاً]
стр. 513
باب في بيان أحكام الرضاع
(يحرم) بضم حرف المضارعة وتشديد الراء مكسورة (الرضاع) فاعل يحرم وهو بفتح الراء وكسرها مع إثبات التاء وتركها، (بوصول لبن امرأة): أي أنثى لا ذكر، قال عياض: ذكر أهل اللغة أن لا يقال في بنات آدم لبن. وإنما يقال: لبان واللبن للحيوان من غير بني آدم، ولكن جاء في الحديث خلاف قولهم اهـ (وإن) كانت (ميتة أو) كانت (صغيرة لم تطق) الوطء إن قدر أن بها لبناً.
ــ
فيه أنه لا يتأتى لحوقه بالثاني إلا إذا أتت به لستة أشهر من وطئه بعد حيضة، الشرح ليس كذلك، فالإشكال باق لأنه إن كان أمد حملها أقل مما ذكر كان لاحقاً بالأول لا بالثاني، فالأولى الاقتصار على الجواب الثاني.
تتمة: ذكر المصنف التداخل باعتبار موجبين وترك ما إذا كان الموجب واحداً ولكن التبس بغيره فالحكم فيه، إما أن يكون الالتباس من جهة محل الحكم وهو المرأة، أو من جهة سببه.
فمثال الأول: كمرأتين تزوجهما رجل إحداهما بنكاح فاسد والأخرى بصحيح كأختين من رضاع، ولم تعلم السابقة منهما أو كلتاهما بنكاح صحيح، لكن إحداهما مطلقة بائناً وجهلت، ثم مات الزوج في المثالين فيجب على كل أقصى الأجلين وهي أربعة أشهر وعشر عدة الوفاة، لاحتمال كونها المتوفى عنها، وثلاثة أقراء لاحتمال كونها التي فسد نكاحها في المثال الأول، أو التي طلقت بائناً في المثال الثاني.
ومثال الثاني: كمستولدة ومتزوجة بغير سيدها، مات السيد والزوج معاً غائبين، وعلم تقدم موت أحدهما على الآخر ولم يعلم السابق منهما فلا يخلو حالهما من أربعة أوجه: فإن كان بين موتيهما أكثر من عدة الأمة، أو جهل مقدار ما بينهما هل هو أقل أو أكثر أو مساو، فيجب عليها عدة حرة في الوجهين احتياطاً لاحتمال سبق موت السيد، فيكون الزوج مات عنها حرة وما تستبرأ به الأمة وهي حيضة، إن كانت من أهل الحيض لاحتمال موت الزوج أولاً وقد حلت للسيد فمات عنها بعد حل وطئه لها، فلا تحل لأحد إلا بعد مجموع الأمرين، وأما إن كان بين موتيهما أقل من عدة الأمة كما لو كان بين موتيهما شهران فأقل، وجب عليها عدة الحرة فقط لاحتمال موت السيد أولاً، فيكون الزوج مات عنها حرة وليس عليها حيضة استبراء؛ لأنها لم تحل لسيدها على تقدير موت الزوج أولاً، وهل حكم ما إذا كان بين موتيهما قدر عدة الأمة كالأقل فيكتفى بعدة الحرة أو كالأكثر فتمكث عدة حرة وحيضة؟ قولان. اهـ من الأصل.
باب في بيان أحكام الرضاع
لما كان الرضاع محرماً لما حرمه النسب ومندرجاً فيما تقدم من قوله، وحرم أصوله وفصوله، شرع في بيان شروطه وما يتعلق به، فبين في هذا الباب مسائل الرضاع وما يحرم منه وما لا يحرم.
قوله: [وهو بفتح الراء] إلخ: وهو من باب سمع، وعند أهل نجد من باب ضرب، والمرأة مرضع إذا كان لها ولد ترضعه فإن وصفتها بإرضاعه قيل مرضعة.
قوله: [لا ذكر]: أي فلا يحرم ولو كثر، والظاهر أن لبن الخنثى المشكل ينشر الحرمة كما في (عب) عن التتائي قياساً على الشك في الحدث احتياطاً. واختلف في لبن الجنية، فقال (عب): لا ينشر الحرمة وتوقف فيه ولده، واستظهر بعض الأشياخ أن يجري على الخلاف في نكاحهم.
قوله: [ولكن جاء في الحديث] إلخ: أي وهو قوله ﵊: «لبن الفحل يحرم».
قوله: [وإن كانت ميتة] أي هذا إذا كانت تلك المرأة حية، بل وإن كانت ميتة رضعها الطفل أو حلب له منها، وعلم أن الذي بثديها لبن أو شك هل هو لبن أو غيره، وأما لو شك هل كان فيها لبن أم لا فلا يحرم، لأن الأصل العدم ورد بالمبالغة على ما حكاه ابن بشير وغيره من القول الشاذ بعدم تحريم لبن الميتة؛ لأن الحرمة لا تقع بغير المباح ولبن الميتة نجس على مذهب ابن القاسم فلا يحرم والمعول عليه أنه طاهر ويحرم.
قوله: [لم تطق الوطء] أي فمحل الخلاف إن لم تطق الوطء، أما المطيقة فتنشر الحرمة اتفاقاً، وكذلك العجوز التي قعدت عن الولد لبنها محرم كما لابن عرفة عن ابن رشد، ونص ابن عرفة وقول ابن عبد السلام، قال ابن رشد: ولبن الكبيرة التي لا توطأ لكبر لغو لا أعرفه، بل في مقدماته تقع الحرمة بلبن البكر والعجوز التي لا تلد، وإن كان
стр. 514
(لجوف رضيع) لا كبير، ولو مصة واحدة (وإن بسعوط) بفتح السين المهملة: ما صب في الأنف، (أو) وصوله للجوف بسبب (حقنة) بضم الحاء المهملة: دواء يصب في الدبر، (تغذي): أي الحقنة؛ أي تكون غذاء لا مطلق وصول بها، وأما ما وصل من منفذ عال كأنف فلا يشترط فيه الغذاء. بل مجرد وصوله للجوف كاف في التحريم، (أو خلط) لبن المرأة (بغيره) من طعام أو شراب؛ فإنه يحرم إذا وصل للجوف (إلا أن يغلب) الغير (عليه): أي على اللبن حتى لم يبق له طعم ولا أثر مع الطعام ونحوه فلا يحرم. ولو خلط لبن امرأة مع لبن أخرى صار ابناً لهما؛ تساويا أو غلب أحدهما على التحقيق. (في الحولين) متعلق بوصول: أي وصوله للجوف في الحولين، (أو بزيادة شهرين) عليهما (إلا أن يستغني) الصبي بالطعام عن اللبن استغناء بيناً (ولو فيهما) أي الحولين؛ بأن فطم أو لم يوجد له مرضع في الحولين فاستغنى بالطعام أكثر من يومين وما أشبههما. فأرضعته امرأة فلا يحرم، قال ابن القاسم: إن فطم فأرضعته امرأة بعد فطامه بيوم وما أشبهه حرم، وفي رواية: بيومين وما أشبه ذلك حرم؛ لأنه لو أعيد للبن لكان غذاء له.
فقوله: "إلا أن يستغني": أي وقد فطم، وأما ما دام مستمراً على الرضاع فهو محرم ولو كان يستعمل الطعام، وعلى فرض لو فطم لاستغنى به عن الرضاع.
(ما حرمه النسب) مفعول "يحرم": أي يحرم كل ما حرمه النسب من الأصول وإن علت، والفروع وإن نزلت وأول فصل من كل أصل، لأنه أخ أو أخت أو عم أو خال أو عمة أو خالة، وكل فرع لأخ أو أخت. ومثل النسب: الصهارة وهي أمهات الزوجة وبناتها إن دخل بالزوجة، وحلائل الأبناء كما في الآية، وقوله: "بوصول لبن امرأة": أي من منفذ متسع كما تقدم.
وأشار لمحترز ذلك بقوله: (لا) بوصول (لبن بهيمة ولا كماء أصفر) من امرأة، لأنه ليس بلبن، (ولا) يحرم وصول اللبن لجوف (باكتحال به) أي باللبن، أو من أذن أو من مسام الرأس لعدم اتساع المنفذ: فلا يسمى رضاعاً، وكذا الوصول لمجرد الحلق فليس كالصوم في الجميع، واستثنى العلماء من ذلك ست مسائل أشار لها بقوله:
(إلا أم أخيك أو) أم (أختك) فقد لا تحرم من الرضاع؛ كما لو أرضعت أجنبية أخاك أو أختك، وهي من النسب إما أمك أو امرأة أبيك. (و) إلا (أم ولد ولدك) من الرضاع فقد لا تحرم عليك وهي من النسب إما بنتك أو زوجة ولدك. (و) إلا [١] (جدة ولدك) من الرضاع؛ كما لو أرضعت أجنبية ولدك فلا تحرم عليك أمها وهي من النسب إما أمك أو أم زوجتك. (و) إلا (أخت ولدك) من الرضاع؛ كما لو رضع ولدك على امرأة لها بنت فلك نكاح البنت وهي من النسب إما بنتك أو بنت زوجتك. (و) إلا (أم عمك وعمتك) من الرضاع وهي من النسب إما جدتك أو زوجة جدك.
(و) إلا (أم خالك وخالتك) من الرضاع فقد لا تحرم عليك وهي من النسب إما جدتك أم أمك وإما زوجة جدك أبي أمك. (فقد لا يحرمن) هذه الستة (من الرضاع) وقد يحرمن لعارض.
(وقدر الرضيع خاصة) دون إخوته،
ــ
من غير وطء إن كان لبناً لا ماء أصفر كذا في (بن).
قوله: [لجوف رضيع] أي لا إن وصل للحلق فقط فلا يحرم على المشهور هذا إذا كان الوصول للجوف تحقيقاً أو ظناً بل ولو شكاً.
قوله: [ولو مصة واحدة] رد بالمبالغة على الشافعية القائلين لا يحرم إلا خمس رضعات متفرقات تكون كل غذاء.
قوله: [ما صب في الأنف]: أي والموضوع أنه وصل للجوف في الجميع.
قوله: [فلا يشترط فيه الغذاء]: أي خلافاً لبهرام حيث جعل الغذاء قيداً في الجميع، وتبعه التتائي وهو غير صحيح كما نقله (بن) قوله: [أو غلب أحدهما على التحقيق]: ومقابله الحكم للغالبة بالنسبة لها، وتحريم اللبن ولو صار جبناً أو سمناً، واستعمله الرضيع كذا في المجموع.
قوله: [ما حرمه النسب]: أي كما في الحديث الصحيح: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، فيؤخذ من الحديث حرمة بقية السبعة الكائنة من الرضاع قياساً على النسب.
قوله: [ومثل النسب الصهارة]: أي في كون الرضاع يحرم ما حرمه الصهر، والحاصل أن الرضاع يحرم ما حرمه النسب وما حرمه الصهر.
قوله: [فليس كالصوم في الجميع]: أي فالمنفذ العالي في الصيام مفطر ولو ضيقاً، ولو وصل للحلق فقط إن كان الواصل مائعاً، وأما في تحريم الرضاع فليس كذلك بل كما علمت.
قوله: [إلا أم أخيك] إلخ: اعلم أنها لم تحرم نسباً من حيث إنها أم أخ، بل من حيث إنها أم زوجة أب، وهذا المعنى مفقود في الرضاع، وكذا يقال في الباقي ولذا اعترض ابن عرفة على ابن دقيق العيد في جعل هذا استثناء وتخصيصاً، واعترض على خليل حيث تبعه في ذلك فكان الأولى أن يأتي بلا النافية.
قوله: [وقد يحرمن لعارض] أي ككون أخت ولدك وجدة ولدك من الرضاع بنتك أو أختك منه أيضاً، وككون أم ولد ولدك وجدة ولدك أختك أو جدتك من الرضاع أيضاً.
قوله: [دون إخوته]: أي ذكوراً
стр. 515
(ولداً لصاحبة اللبن و) ولداً لزوجها (صاحبه من) وقت (وطئه) لها (لانقطاعه ولو بعد سنين) كثيرة، (أو فارقها) ولم ينقطع لبنها منه، (وتزوجت غيره) وهي ذات لبن من الأول ولو أزواجاً كثيرة.
(واشترك الأخير مع المتقدم): ولو كثر المتقدم ما دام لم ينقطع، (ولو) كان الوطء (بحرام لم يلحق الولد به) كزنا أو نكاح فاسد مجمع على فساده، فلو فرض أن امرأة ذات لبن من حلال أو حرام زنى بها ألف رجل، وأرضعت ولداً لكان ولداً للجميع من الرضاع، (وحرمت المرضع على زوجها إن أرضعت من) أي رضيعاً (كان) ذلك الرضيع (زوجها) أي زوجاً لتلك المرضع، كما لو تزوجت رضيعاً [١] بولاية أبيه لمصلحة، ثم طلقها عليه لمصلحة فتزوجت بالغاً فوطئها وهي ذات [٢] لبن أو حدث بوطئه فأرضعت الطفل الذي كان زوجاً لها، فتحرم على زوجها لأنها زوجة ابنه من الرضاع، وإن كانت البنوة طرأت بعد الوطء، (أو) أرضعت (من): أي رضيعة (كانت زوجة له): أي لزوجها، كما لو تزوج رضيعة من أبيها ثم طلقها فأرضعتها زوجته الكبيرة فتحرم الكبيرة عليه؛ لأنها صارت أم امرأته والعقد على البنات يحرم الأمهات، (وحرم عليه من): أي رضيعة (رضعت مبانته): أي مطلقته طلاقاً بائناً (بلبن غيره)، بأن تزوجت بغيره وحدث لها لبن منه. وصورتها: طلق امرأته فتزوجت بغيره فحدث لها لبن من زوجها الثاني فأرضعت طفلة في عصمته أم لا، فهذه الرضيعة تحرم على من كان طلق تلك المرأة لأنها صارت بنت زوجتيه [٣] من الرضاع، (وإن أرضعت حليلته) من زوجة أو أمة (التي تلذذ بها زوجتيه) الرضيعتين (حرمن): أي الثلاثة؛ لأن المرضع صارت أماً لزوجتيه والعقد على البنات يحرم الأمهات والرضيعتان صارتا ربيبتين من الرضاع، وقد تلذذ بأمهما منه (وإلا) يتلذذ بحليلته بأن أرضعتهما قبل البناء، (اختار واحدة) منهما وحرمت الأم مطلقاً (كالأجنبية) ترضع زوجتيه الرضيعتين، فإنه يختار واحدة منهما، (ولو تأخرت) رضاعاً أو عقداً (وأدبت المتعمدة للإفساد): أي من تعمدت إفساد النكاح برضاعها من ذكر.
ثم شرع في بيان فسخ النكاح بالرضاع، وسببه أحد أمرين: إما إقرار أو ثبوت بغيره، وأشار للأول بقوله: (وفسخ النكاح) وجوباً بين الزوجين (إن تصادقا) معاً (عليه): أي على الرضاع بأخوة وأمومة ونحوهما، ولو سفيهين قبل الدخول وبعده، (أو أقر الزوج) المكلف به ولو بعد العقد لأن المكلف يؤخذ بإقراره (كإقرارها): أي الزوجة فقط إذا كانت بالغاً (قبل العقد) عليها.
ومحل فسخه: (إن ثبت) إقراره أو إقرارها (ببينة) لا إن أقرت بعده، لاتهامها على مفارقته بغير حق. فإن حصل الفسخ قبل البناء فلا شيء لها إلا أن يقر الزوج فقط بعد العقد فأنكرت، فلها النصف.
(ولها المسمى بالدخول)
ــ
أو إناثاً أي ودون أصوله، هذا مراد المصنف بقوله: خاصة، وأما فروع ذلك الطفل فإنهم مثله في حرمة المرضعة وأمهاتها وبناتها وعماتها وخالاتها كما يأتي.
قوله: [لصاحبة اللبن] أي سواء كانت حرة أو أمة مسلمة أو كتابية ذات زوج أو سيد أو خلية.
قوله: [لم يلحق الولد به]: عبارة ابن يونس، قال ابن حبيب: اللبن في وطء صحيح أو فاسد أو محرم أو زنا يحرم من قبل الرجل والمرأة فكما لا تحل له ابنته من الزنا كذلك لا يحل له نكاح من أرضعتها المزني بها من ذلك الوطء، لأن اللبن لبنه والولد ولده، وإن لم يلحق به، وقد كان مالك يرى أن كل وطء لا يلحق به الولد فلا يحرم لبنه من قبل فحله، ثم رجع وقال: إنه يحرم وذلك أصح.
قوله: [لأنها صارت أم امرأته] أي لطرو الأمومة فليس بشرط أن تكون الأمومة سابقة، وحرمة تلك الكبيرة عليه ظاهرة، وإن لم تكن زوجته له فضلاً عن كونها مدخولاً بها.
قوله: [لأنها صارت بنت زوجته] أي بحسب ما كان، والموضوع أنه كان دخل بتلك الزوجة لأن العقد على الأمهات بمجرده لا يحرم البنات بدليل المسألة التي بعدها.
قوله: [وحرمت الأم مطلقاً]: أي لكونها صارت أم زوجته من الرضاع.
قوله: [كالأجنبية] إلخ: تشبيه تام في مفهوم التلذذ، فالأجنبية تحرم على كل حال ويختار واحدة من الرضيعتين كما قال الشارح.
قوله: [ولو تأخرت رضاعاً أو عقداً]: أي حيث ترتبتا، وما ذكره من جواز اختيار واحدة من الزوجتين الرضيعتين هو المشهور كمن أسلم على أختين، وقال ابن بكير: لا يختار شيئاً بمنزلة من تزوج أختين في عقد واحد فإنه وقع فاسداً.
قوله: [أي من تعمدت إفساد النكاح]: أي فتأديبها لعلمها بالتحريم، وأما لو حصل الإفساد منها بغير علم بالتحريم فلا أدب عليها لعذرها بالجهل في الجملة.
قوله: [وفسخ النكاح وجوباً]: أي بغير طلاق عند ابن القاسم.
قوله: [وأمومة]: " الواو " بمعنى " أو ".
قوله: [أو أقر الزوج المكلف]: أي ولو سفيهاً.
قوله: [إذا كانت بالغاً]: أي ولو سفيهة لأن المكلف يؤخذ بإقراره قوله: [لا إن أقرت بعده]: هذا مفهوم قوله قبل العقد.
وقوله: [لاتهامها على فراقه] علة بالفرق بين تصديقه دونها؛ لأن تصديقه لا تهمة فيه لملكه للعصمة، وغرم نصف الصداق لازم له على كل حال فارق بطلاق أو فسخ حيث لم تكن له بينة، ولا تصديق منها كما سيكون، إلا أن يقر الزوج فقط إلخ.
قوله: [فأنكرت فلها النصف] وهذه إحدى المسائل الثلاث المستثنيات من قاعدة كل عقد فسخ قبل الدخول لا شيء
стр. 516
علما معاً أم لا (إلا أن تعلم قبله): أي قبل الدخول بالرضاع (فقط) دونه (فربع دينار) بالدخول.
(وقبل إقرار أحد أبوي صغير) بأن أقر أبوه أو أمه بالرضاع (قبل العقد عليه فقط) فلا يصح العقد بعد الإقرار، (فلا يقبل اعتذاره بعده): أي بعد العقد بأن يقول: إنما أقريت بالرضاع بينهما قبل العقد لعدم قصد النكاح، ويفسخ العقد، ومثل الصغيرة المجبرة ولو كبيرة، ويؤخذ مما يأتي أن إقرار الأم وحدها لا بد معه من فشو قبله
ثم أشار للثاني بقوله:
(وثبت) الرضاع (برجل وامرأة): أي مع امرأة إن فشا منهما أو من غيرهما قبله، لا إن لم يحصل فشو قبل ذلك، (وبامرأتين إن فشا) ذلك منهما وأولى من غيرهما (قبل العقد) لا إن لم يفش أو فشا بعده، فلا يثبت بما ذكر. (ولا تشترط معه) أي مع الفشو (عدالة) عند ابن رشد، وعزاه لابن القاسم وروايته عن مالك ولذا قال: (على الأرجح) ومقابله للخمي أنها تشترط معه، وشمل كلامه الأب مع الأم في البالغين، والأم مع امرأة أخرى، والأمين في البالغين.
(و) ثبت (بعدلين أو عدل وامرأتين مطلقاً) قبل العقد وبعده فشا أم لا، (لا) يثبت (بامرأة) فقط (ولو فشا) منها أو من غيرها قبل العقد، (إلا أم صغير معه): أي مع الفشو فيجب التنزه، ولا يصح العقد معه كما تقدم.
(وندب التنزه في كل ما لا يقبل) مما تكلم به لأنه صار من الشبهات التي من اتقاها فقد استبرأ لدينه وعرضه
باب ذكر فيه [١] وجوب النفقة على الغير
ــ
فيه إلا نكاح الدرهمين. وفرقة المتلاعنين وفسخ المتراضعين.
قوله: [علما معاً]: يتصور في المتصادقين عليه، وفيما إذا قامت بينة على إقرار أحدهما به قبل العقد، وقوله أم لا يتصور فيما إذا قامت عليهما بينة أنهما أخوان من الرضاع من غير علمهما ولا إقرارهما قبل ذلك.
قوله: [فربع دينار بالدخول] أي كالغارة بالعيب وإنما جعل لها ربع دينار لئلا يخلو البضع عنه.
قوله: [وقبل إقرار أحد أبوي صغير] قال (ر): يقبل إقرار أحد الأبوين فيمن يعقد عليه الأب بغير إذنه وهو الابن الصغير والابنة البكر، كذا النقل في المدونة وغيرها فلا وجه للتقييد بالصغر في البنت، وإن وقع في عبارة ابن عرفة، فلذا قال شارحنا ومثل الصغيرة المجبرة ولو كبيرة.
قوله: [لا بد معه من فشو] إلخ: هذا تقييد لقول المصنف، وقبل إقرار أحد أبوي صغير قصد به الفرق بين إقرار الأب والأم قوله: [ثم أشار للثاني]: أي وهو الثبوت بغير إقرار.
قوله: [ومقابله للخمي] أي وعزاه لابن القاسم أيضاً.
قوله: [إلا أم صغير معه]: ومثله المجبرة ولو كبيرة كما تقدم، واختلف في معنى الفشو في حق المرأة، قيل هو فشو قولها ذلك قبل شهادتها، وقيل هو فشو ذلك عند الناس من غير قولها.
قوله: [وندب التنزه في كل ما لا يقبل]: أي كإقرارها بعد العقد إذا لم يصدقها، ولم يثبت، وكما إذا شهد رجل وامرأة أو امرأتان من غير فشو قبل ذلك، أو حصل فشو ولم توجد عدالة عند اللخمي، أو شهادة امرأة واحدة ولو مع الفشو غير الأم، ومثلها رجل واحد غير الأب في الصغير والمجبرة، فكل هذه المسائل يندب فيها التنزه لما في الحديث الشريف: «ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»، وفي الحديث أيضاً: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وفي الحديث أيضاً: «كيف وقد قيل»، قاله النبي ﷺ لرجل من الصحابة اسمه عقبة بن الحارث تزوج بامرأة، فأخبرته امرأة أنها أرضعتهما، فجاء إلى النبي ﷺ يسأله، فقال له ذلك»، ومعناه كيف تباشرها وتفضي إليها، وقد قيل: إنك أخوها من الرضاع، فإنه بعيد من المروءة والورع، قاله الشافعي كأنه لم يره شهادة فكره له المقام معها تورعاً. فأمره بفراقها لا من طريق الحكم بل الورع؛ لأن شهادة المرضعة على فعلها لا تقبل عند الجمهور انتهى من المناوي على الجامع الصغير.
تتمة: قال ﷺ : «لقد هممت أن أنهى الناس عن الغيلة حتى سمعت أن الروم وفارس يصنعون ذلك، ولا يضر أولادهم ذلك»، أي فتركت النهي عنها، واختلف العلماء في المراد بالغيلة في الحديث، فقيل: هي وطء المرضع، وقيل رضاع الحامل، وسياق الحديث يقوي الأول، فلذا قال خليل: "والغيلة وطء المرضع وتجوز".
باب ذكر فيه وجوب النفقة على الغير
لما أنهى الكلام على النكاح وشروطه وموانعه شرع في الكلام على النفقات، والنفقة مطلقاً كما قال ابن عرفة: ما به قوام معتاد حال الآدمي دون سرف، فأخرج ما به قوام معتاد غير الآدمي، كالتبن للبهائم وأخرج أيضاً ما ليس بمعتاد في قوت الآدمي كالحلوى والفواكه، فإنه ليس بنفقة شرعية، وأخرج بقوله دون سرف: ما كان سرفاً فإنه ليس بنفقة شرعية ولا يحكم به الحاكم، والمراد بالسرف الزائد على العادة بين الناس بأن يكون زائداً على ما ينبغي، والتبذير صرف الشيء فيما لا ينبغي.
قوله: [على الغير]: أي لا على النفس، لأن وجوب حفظ النفس أمر ضروري وحكمه ظاهر
стр. 517
وأسبابها ثلاثة: نكاح، وقرابة خاصة، وملك.
وأقوى أسبابها النكاح، ولذا بدأ به فقال:
(تجب نفقة الزوجة المطيقة للوطء): حرة أو أمة بوئت الأمة بيتاً مع زوجها أم لا، (على) الزوج (البالغ) حراً أو عبداً ونفقة زوجة العبد عليه من غير خراجه وكسبه؛ كصدقة ونحوها إلا لعرف - كما تقدم - (الموسر) بها على قدر حاله كما يأتي، (إن دخل بها ومكنته) من نفسها بعد الدخول بها، لا إن منعت نفسها منه (أو) لم يدخل بها و (دعته) هي أو مجبرها أو وكيلها (له) أي للدخول، ولو عند غير حاكم، (وليس أحدهما): أي الزوجين (مشرفاً) على الموت عند الدعاء إلى الدخول، وإلا فلا نفقة لها لعدم القدرة على الاستمتاع بها، فإن دخل فعليه النفقة ولو حال الإشراف.
ولا نفقة لغير مطيقة ولو دخل كما هو ظاهر كلام بعضهم، والأوجه أنه إذا دخل لزمه النفقة إن كان بالغاً، ولا على صبي ولو دخل وافتضها لأن وطأه كلا وطء. والذي قرر به الشيخ كلام ابن الحاجب: أن هذه الشروط في غير المدخول بها إذا دعي للدخول، وأما المدخول بها فتجب لها النفقة من غير اعتبار هذه الشروط، واستظهره الشيخ ميارة - قاله المحشي.
وبين النفقة بقوله:
(من قوت): وهو ما يؤكل من خبز أو غيره كقوت غالب السودان من قمح أو غيره على مجرى عادة أهل محلهم، (وإدام): من أدهان أو مرق أو غيرهما على مقتضى عادتهم، (وإن) كانت (أكولة) فيلزمه شبعها. (وكسوة ومسكن، بالعادة): راجع للأربعة، فلا يجاب لأنقص منها إن قدر، ولا تجاب المرأة لأكثر إن طلبته.
وتعتبر العادة (بقدر وسعه): أي الزوج، (وحالها): أي الزوجة؛ فإن كان غنياً رفعها عن الفقراء إن كانت فقيرة، وإن كان فقيراً لزمه أن ينفق عليها نفقة معتبراً فيها حالها من فقر أو غنى. فليس على الموسر أن ينفق على الفقيرة ما يساوي نفقة الغنية، ولا يكفي من غير المتسع في الغنية نفقة الفقيرة، بل لا بد من رفعها عن حال الفقيرة بقدر وسعه، (وحال البلد): فإذا كانت عادتهم أكل الذرة فلا تجاب إلى طلب أكل القمح، (و) حال (البدو) والحضر؛ فإذا كانت عادة البدو عدم الخبز فلا تجاب إلى الخبز، وكذا فيه وفيما قبله، (و) حال (السفر) فإذا كانت العادة فيه أكل الخبز اليابس فلا تجاب إلى خلافه.
ــ
فلا يحتاج لباب يخصه.
قوله: [وأسبابها ثلاثة] أي التي تعرض لها هنا وإلا فأسبابها أربعة، والرابع الالتزام وإنما تركه؛ لأن مراده بيان ما يجب في أصل الشرع.
قوله: [وأقوى أسبابها النكاح] إنما كان أي الأسباب؛ لأنه لا يسقط عن الموسر بمضي زمنه حكم به حاكم أم لا، بخلاف نفقة الوالدين والولد فإنها تسقط بمضي الزمن إن لم يحكم بها حاكم كما تقدم في الزكاة، ونفقة المملوك تسقط أيضاً بمضي الزمن عاقلاً أو غيره.
قوله: [المطيقة للوطء] إلخ: شروع في شروط وجوب النفقة وسيأتي تحقيق المقام وأن هذه الشروط في غير المدخول بها إذا دعيت للدخول، وأما المدخول بها فتجب لها النفقة مطلقاً وإن لم تكن الزوجة مطيقة ولا الزوج بالغاً إلى آخر الشروط.
قوله: [على الزوج البالغ]: سيأتي محترزه في قوله ولا على صبي ... إلخ.
قوله: [إلا لعرف]: أي أو شرط فلو جرى العرف بأنها من خراجه أو كسبه، أو اشترط ذلك على سيده عمل بذلك.
قوله: [لا إن منعت نفسها منه] أي ابتداء أو دواماً ففي زمن الامتناع لا نفقة لها لأنها تعد ناشزاً.
قوله: [وليس أحدهما] إلخ: أي بخلاف ما إذا كان المرض خفيفاً واختلف في الشديد الذي لم يبلغ صاحبه حد السياق، فمذهب المدونة الوجوب خلافاً لسحنون.
قوله: [والذي قرر به الشيخ] إلخ: حاصل ما ذكره في التوضيح أنه جعل السلامة من الإشراف، وبلوغ الزوج، وإطاقة الزوجة للوطء شروطاً في وجوب النفقة لغير المدخول بها، حيث دعيت للدخول فإن اختل شرط فلا تجب النفقة لها، وأما المدخول بها فتجب لها النفقة من غير شرط، وجعل اللقاني الشروط المذكورة في وجوب النفقة للمرأة مطلقاً كانت مدخولاً بها أو دعت [١] للدخول، لكنه لم يعضده بنقل، قال (بن): الظاهر ما في التوضيح وهو مراد الشارح بقوله قاله المحشي، فقد علمت أن الشروط المخصوصة بالدعوى للدخول ثلاثة: وهي إطاقة الزوجة، وبلوغ الزوج، وعدم الإشراف لأحدهما، وأما اليسار والتمكين فهما عامان في الدخول والدعوى اتفاقاً، لأن من ثبت إعساره لا يقول أحد بوجوب النفقة عليه، وكذا المرأة الناشز فلا يجب لها النفقة، سواء كان نشوزها بالفعل كمن منعته من الوطء بعد الدخول أو بالعزم، كمن قالت له عند الدعوى ادخل ولكن لا أمكنك فليفهم.
قوله: [كقوت غالب السودان]: راجع لقوله: "أو غيره" فإنهم يستعملون السويق بدل الخبز.
قوله: [أو غيره] أي كباقي الحبوب المقتاتة، وما ألحق بها من كل ما يقتات ويدخر.
قوله: [فيلزمه شبعها]: أي وهي مصيبة نزلت به فعليه كفايتها أو يطلقها، لكن يقيد كلامه بما إذا لم يشترط كونها غير أكولة وإلا فله ردها إلا أن ترضى بالوسط، وهذا بخلاف من استأجر أجيراً بطعامه فوجده أكولاً، فإن المستأجر له الخيار في إبقاء الإجارة وفسخها إلا أن يرضى بطعام وسط وإن لم يشترط ذلك عليه في العقد.
قوله: [ولا تجاب المرأة لأكثر] المراد بالأكثرية التي لا تجاب لها هي طلبها لحالة
стр. 518
(وتزاد المرضع ما تقوى به) على الرضاع من نحو الأدهان. واستثنى من قوله: "بالعادة" قوله: (إلا قليلة الأكل والمريضة) إذا قل أكلها (فلا يلزمه إلا قدر أكلها) لا المعتاد للناس، (إلا أن يقرر لها شيء) عند حاكم يرى ذلك فيلزمه ما قرر أي قدر لها.
(لا فاكهة ودواء) لمرض أو جرح، (وأجرة حمام أو) أجرة (طبيب) فلا يلزمه إلا أن تكون جنباً، وليس عنده من الماء ما تغتسل به، أو كان بارداً يضر بها في الشتاء مثلاً، وليس عنده ما تسخنه به ونحو ذلك فيلزمه أجرة الحمام لتوقف إزالة الجنابة عليه، ولا يلزمه (حرير) ولو اعتاده قوم على المذهب. (و) لا (ثوب مخرج).
وإذا علمت أنه يجب على الزوج النفقة بالعادة (فيفرض) لها (الماء) للشرب والغسل، وغسل الثوب والإناء واليد والوضوء (والزيت) للأدهان والأكل، (والوقود) من حطب أو غيره على العادة، (ومصلح طعام) من ملح وبصل وأبزار (ولحم المرة فالمرة) في الجمعة على مقتضى الحال لا كل يوم، وهذا في غير الفقير، وأما الفقير فعلى حسب قدرته (وحصير) لفرشها.
(وأجرة قابلة) لحرة ولو مطلقة لأنها من تعلقات الولد.
(وزينة تستضر) الزوجة (بتركها ككحل ودهن) من زيت أو غيره (معتادين) لا غير معتادين، ولا غير ما يستضر بتركها (ومشط) بفتح الميم: ما يخمر به الرأس من دهن وحناء ونحوهما، وأما المشط بالضم وهو الآلة كالمكحلة فلا تلزمه.
(و) يلزمه (إخدام الأهل) للإخدام، لا غير أهل الإخدام، (وإن) كان الإخدام لها (بكراء) ولو لحرة [١] تخدمها (أو أكثر من واحدة)، حيث كانت أهلاً لذلك كما هو الموضوع، (وقضى لها) عند التنازع مع الزوج (بخادمها) التي تخدمها بشراء أو كراء لأنه أطيب لنفسها، (إلا لريبة) في خادمها تضر بالزوج في الدين أو الدنيا.
(وإلا) تكن الزوجة أهلاً للإخدام (فعليها) الخدمة
ــ
الأغنياء فلا ينافى أنه إذا كان غنياً وهي فقيرة يلزمه رفعها لحال وسط.
قوله: [وتزاد المرضع] محل لزوم ذلك الزائد إذا كانت الزوجة حرة، أما لو كان ولدها رقاً فالزائد على سيدها كأجرة القابلة.
قوله: [لا المعتاد للناس] أي فليس لها أن تأخذ منه طعاماً كاملاً تأكل منه بقدر كفايتها، وتصرف الباقي منه في مصالحها، خلافاً لأبي عمران، وكذلك لو زاد أكلها بالمرض فإنه لا يلزمه الزائد.
قول: [عند حاكم يرى ذلك] أي كحنفي، وأما مذهب مالك فلا يرى الحكم بتقرير النفقة في المستقبل؛ لأن حكم الحاكم لا يدخل المستقبلات عنده.
قوله: [فيلزمه ما قرر]: أي باتفاق أبي عمران وغيره وتصنع به ما شاءت.
قوله: [إلا أن تكون جنباً] أي وإن لم تكن الجنابة منه، بل ولو كانت من زنا ولا غرابة في إلزامه الماء لغسلها من الزنا، فإن النفقة واجبة عليه زمن الاستبراء، واعتمد ذلك في الحاشية ولا مفهوم للجنابة، بل الغسل المطلوب واجباً أو غيره كذلك.
قوله: [ولو اعتاده قوم على المذهب] أي ولو كان شأنها لبسه، فإذا تزوج إنسان من شأنه لبس الحرير فلا يلزمه إلباسها جرت العادة بلبسه أم لا، كان قادراً عليه أم لا، ومثل الحرير الخز، وانظر هل إذا شرط في صلب العقد يلزم لأنه مما لا ينافي العقد وهو الظاهر.
قوله: [ولا ثوب مخرج] أي فلا يلزمه أن يأتي لها بالتزييرة ولو جرت بها العادة، والظاهر: إلا لشرط.
قوله: [ولحم] قال بعضهم أي من ذوات الأربع لا من الطير والسمك إلا أن يكون ذلك معتاداً فيجري على العادة.
قوله: [على مقتضى الحال] أي فيفرض في حق القادر ثلاث مرات في الجمعة يوماً بعد يوم، وفي حق المتوسط مرتان في الجمعة، وفي حق المنحط مرة في الجمعة كذا قال بعضهم.
قوله: [فعلى حسب قدرته] أي ولو في الشهر مرة كذا في الحاشية.
قوله: [وحصير] أي من سمر أو غيره.
قوله: [لفراشها]: أي لتكون هي الفراش أو توضع تحت الفراش.
قوله: [وأجرة قابلة] إلخ: القابلة هي التي تولد النساء وأجرتها لازمة للزوج على المشهور حيث كان الولد حرّاً، ولو كانت مطلقة طلاقاً بائناً، ولو نزل الولد ميتاً، وأما التي ولدها رقيق فأجرة القابلة لازمة لسيده قولاً واحداً كأجرة رضاعه، ويجب لها ما جرت به العادة عند الولادة كالفراخ والحلبة والعسل، وما يصنع من المفتقة بحسب الطاقة.
قوله: [تستضر الزوجة بتركها] أي يحصل لها الشعث عند تركها ولا يشترط المرض لأجلها.
قوله: [معتادين] الأولى حذفه لأن هذا تمثيل للزينة التي تستضر بتركها ولا تستضر إلا إذا كان معتاداً.
قوله: [بالضم وهو الآلة] أي على ما للنووي وهو خلاف قاعدة أن اسم الآلة مكسور، غير أن صاحب القاموس قال المشط مثلثة كذا في الحاشية.
قوله: [وإن كان الإخدام لها بكراء] أي هذا إن كان بشراء، بل وإن كان بكراء، والظاهر أنها لا تملك الرقيق الذي اشتراه لخدمتها إلا إذا حصل التمليك بالصيغة.
قوله: [أو أكثر من واحدة] أي خلافاً لما قاله ابن القاسم في الموازية من أنه لا يلزمه أكثر من خادم واحد، واعلم أنه إذا عجز عن الإخدام لم تطلق عليه لذلك على المشهور، وإذا تنازعا في كونها أهلاً للإخدام أو ليست أهلاً، فهل البينة عليها أو عليه؟ قولان كذا في الحاشية.
قوله: [في الدين]: أي بأن كانت يخشى منها الإتيان برجال للمرأة يفسدونها، وقوله أو الدنيا أي بأن
стр. 519
في أمور خاصة (نحو العجن والطبخ والكنس) لمحل النوم ونحوه، (والغسل) لثوبه والإناء والفرش وطيه كما جرت به عادة غالب الناس.
(لا) يلزمها (الطحن والنسج والغزل) ونحوها من كل ما هو حرفة للاكتساب عادة، فهي واجبة عليه لها.
(وله) أي الزوج (التمتع) أي الانتفاع (بشورتها) بفتح الشين المعجمة: ما تجهزت به من متاع البيت من فرش وغطاء وآنية، فيستعمل من ذلك ما يجوز له استعماله. (وله) أي الزوج (منعها) أي الزوجة (من كبيعها) وهبتها والتصدق بها لأنه يفوت عليه الاستمتاع بذلك، وهو حق له به. وقيده بعضهم بما إذا لم يمض زمن يرى أنه قد انتفع به الزوج انتفاعاً تاماً كالأربع سنين ونحوها، فلها التصرف بعد ذلك ما لم يزد على الثلث.
(كأكل نحو الثوم) بضم المثلثة من كل ما له رائحة كريهة، فله منعها منه (ولا يلزمه) إذا خلقت شورتها (بدلها) إلا الغطاء والفرش وما لا بد منه عادة.
(وليس له منع أبويها وولدها من غيره أن يدخلوا لها)، وكذا الأجداد وولد الولد والإخوة من النسب، بخلاف الأبوين وما بعدهما من الرضاع فله المنع منه.
(وحنث) بضم الحاء المهملة وكسر النون المشددة بالبناء للمفعول: أي قضى بتحنيثه (إن حلف) على الأبوين والأولاد فقط أن لا يدخلوا لها، (كحلفه أن لا تزور والديها) فإنه يحنث (إن كانت مأمونة ولو شابة)، والأصل الأمانة حتى يظهر خلافها ولا يحنث إلا بالدخول عليها أو بزيارتها بالفعل، لا بمجرد يمينه ولا بمجرد الحكم.
(لا إن حلف) عليها (أن لا تخرج)، وأطلق لفظاً ونية فلا يقضى بتحنيثه وخروجها ولو لأبويها (وقضي للصغار) من أولادها بالدخول عليها (كل يوم) مرة لتتفقد حالهم، (وللكبار) منهم (كل جمعة) مرة (كالولدين) يقضي لهما كل جمعة مرة، (ومع أمينة) من جهته (إن اتهمهما) بإفسادها عليه، ولا يقضي لأخ وعم وخال.
(وللشريفة) أي ذات القدر: ضد الوضيعة
ــ
كانت يخشى منها السرقة من مصالح البيت.
قوله: [في أمور خاصة] أي: لها وله لا لضيوفه ولا لأولاده ولا لعبيده وأبويه.
قوله: [لثوبه] أي أو ثوبها قال بعضهم: إن غسل ثيابه وثيابها ينبغي جريانه على العرف والعادة، وقال الأبي إن ذلك من حسن العشرة ولا يلزمها وظاهره، ولو جرت به العادة.
قوله: [لا يلزمها الطحن] إلخ: أي باتفاق ولو كانت عادة نساء بلدها جارية بذلك، وقال الشافعية: لا يلزم المرأة شيء في الخدمة مطلقاً، ويلزمه أن يخدمها أو يأتي بخادم وإن لم تكن أهلاً للإخدام.
تنبيه: في الحاشية أن الذي يفهم من كلامهم ترجيح القول بعدم لزوم خياطة ثوبه، وثوبها، وقال بعضهم: إنه يجري على العرف والعادة فإن جرى العرف به لزمها وإلا فلا.
قوله: [بفتح الشين المعجمة] أي وأما بالضم فهي الجمال.
قوله: [وقيده بعضهم] مراده به ابن زرب وذكر ذلك عن ابن رشد.
قوله: [كالأربع سنين]: أي وما دون ذلك فهو قليل.
قوله: [ما لم يزد على الثلث] أي فله منعها من هبة ما زاد على الثلث أو التصدق به في جميع أموالها، لا في خصوص جهازها به، ومحل منعها من بيعها ابتداء إن دخلت له بعد قبض مهرها، وأما إن لم تقبض منه شيئاً وجهزت من مالها فليس له منعها من بيعها، وإنما له الحجر عليها إذا تبرعت بزائد ثلثها كسائر أموالها.
قوله: [فله منعها منه] أي ما لم يأكله معها أو يكن فاقد الشم، وأما هي فليس لها منعه من ذلك ولو لم تأكله، ويدخل في ذلك مثل شرب النشوق والدخان، والفرق أن الرجال قوامون على النساء.
قوله: [ولا يلزمه إذا خلقت شورتها بدلها] أي فلو جدد شيئاً في المنزل بدل شورتها وطلقها فلا يقضى لها بأخذه. كذا في الحاشية.
قوله: [ولو شابة] رد بلو قول ابن حبيب: لا يحنث في الشابة إذا حلف لا تخرج لزيارة أبويها، قال ابن رشد: وهذا الخلاف في الشابة المأمونة، وأما المتجالة المأمونة فلا خلاف أنه يقضي لها، وأما غير المأمونة فلا يقضي بخروجها شابة أو متجالة.
قوله: [ولا بمجرد الحكم] أي فإذا حكم القاضي بدخولهم لها فلا يحنث بمجرد ذلك، بل حتى يدخلوا بالفعل وكذا يقال في زيارتها.
قوله: [وأطلق]: أشار بعضهم للفرق بين حال التخصيص وحال الإطلاق، بأنه في حال التخصيص يظهر منه قصد الضرر فلذا حنث، بخلاف حال الإطلاق ومفهوم قوله: لفظاً ونية، أنه لو أطلق لفظاً وخصص نية فحكمه كالتخصيص لفظاً فيحنث لظهور قصد الضرر.
قوله: [ومع أمينة] إلخ: قال (عب) وأجرتها على الزوج على الظاهر وفيه نظر، بل الظاهر أن الأجرة على الأبوين لأن زيارتهما لها لمنفعتهما، وقد توقفت على الأمينة فتكون الأجرة عليهما، وذكر بعض المحققين أن الذي يظهر أنه إذا ثبت ضرر الأبوين ببينة فأجرة الأمينة عليهما؛ لأنهما ظالمان، والظالم أحق بالحمل عليه، وقد انتفعا بالزيادة وإن كان مجرد اتهام من الزوج، فالأجرة عليه كما قال (عب) لانتفاعه بالحفظ.
قوله: [ولا يقضي لأخ وعم وخال]: أي فله منعهم وإن لم يتهمهم على المذهب، وقيل إنه ليس له منعهم وعليه فيمكنون من زيارتها في كل جمعتين أو في كل شهر كذا في الحاشية.
стр. 520
(الامتناع من السكنى مع أقاربه) ولو الأبوين في دار واحدة لما فيه من الضرر عليها باطلاعهم على حالها والتكلم فيها، (إلا لشرط) عند العقد أن تسكن معهم، فليس لها امتناع ما لم يحصل منهم الضرر أو الاطلاع على عوراتها، وأما الوضيعة فليس لها الامتناع من ذلك إلا لشرط أو حصول ضرر، وشبه في جواز الامتناع قوله:
(كصغير) أي كولد صغير (لأحدهما) أي الزوجين (لم يعلم به) الآخر منهما (حال البناء، وله) أي والحال أنه له (حاضن) يحضنه فله الامتناع من السكنى به معه، (وإلا) بأن علم به الآخر وقت البناء أو لم يعلم به وليس له حاضن (فلا) امتناع له من السكنى معه.
(وقدرت) النفقة على الزوج (بحاله): أي بحسب حاله من حيث تحصيلها، وما تقدم من أنه يراعى وسعه وحالها فمن حيث ذاتها قلة وكثرة (من يوم) كأرباب الصنائع والأجراء (أو جمعة) كبعض الدلالين بالأسواق، (أو شهر) كأرباب الوظائف من إمامة أو تدريس، وأرباب العلوفات كالجند (أو سنة) كأرباب الرزق والحوائط والزرع.
(و) قدرت (كسوة الشتاء والصيف) بما يناسب كلاً، وليس المراد أنه في كل شتاء وفي كل صيف يكسوها ما يناسب الوقت، بل المراد أنها إن احتاجت لكسوة كساها في الشتاء ما يناسبه، وفي الصيف ما يناسبه إن جرت عادتهم بذلك في كل بلد بما يناسب أهلها [١] بقدر وسعه وحالها.
(كالغطاء) والوطاء في الشتاء بما يناسبه والصيف بما يناسبه بحسب عرفهم وعادتهم (وضمنت) النفقة المقدرة باليوم أو الجمعة أو الشهر أو السنة، وكذا الكسوة (بقبضها) من الزوج (مطلقاً) ماضية كانت أو مستقبلة قامت على هلاكها بينة أو لا فرطت في ضياعها أو لا.
(كنفقة) الولد (المحضون) إذا قبضتها الحاضنة وضاعت منها فإنها تضمنها.
(إلا لبينة) على الضياع بلا تفريط فلا تضمنها لأنها لم تقبضها لحق نفسها، ولا هي متمحضة للأمانة، بل قبضتها لحق المحضون فتضمنها ضمان الرهان والعواري، وأما ما قبضته المرضع من أجرة الرضاع فالضمان منها مطلقاً كالنفقة، لأنها قبضتها لحق نفسها.
(وجاز) للزوج (إعطاء الثمن عما لزمه) من النفقة لزوجته من الأعيان المتقدم ذكرها.
(ولها الأكل معه): أي مع زوجها (فتسقط) عنه الأعيان المقررة لها، (و) لها (الانفراد) بالأكل عنه.
(وسقطت) نفقتها عنه (بعسره) فلا تلزمه نفقة ما دام معسراً، ولا مطالبة لها بما مضى إن أيسر، ولها التطليق عليه حال العسر بالرفع للحاكم وإثباته عنده.
(وبمنعها الاستمتاع) ولو بدون الوطء إذا لم تكن حاملاً وإلا لم تسقط، (وخروجها) من بيته (بلا إذن) منه (ولم يقدر عليها):
أي على ردها ولو بحاكم: أي أو لم يقدر على منعها ابتداء، فإن خرجت وهو حاضر قادر على منعها لم تسقط لأنه كخروجها بإذنه.
ــ
قوله: [الامتناع من السكنى] أي ولو بعد رضاها ابتداء بسكناها معهم ولو لم يثبت الضرر لها بالمشاجرة ونحوه، كما في الحاشية، وانظر هل لها الامتناع من السكنى مع خدمه وجواريه؟ قال (بن): لها ذلك ولم يحصل بينها وبينهم مشاجرة، ويدل لذلك تعليل ابن رشد وغيره وعدم السكنى مع الأهل بقوله لما عليها من الضرر باطلاعهم على أمرها.
قوله: [وقدرت النفقة على الزوج بحاله] أي: قدر زمن قبضها أي الزمن الذي تدفع فيه لا تقدير ذاتها، فإنه قد تقدم كما قال الشارح.
قوله: [من يوم] إلخ: أي وتقبضها معجلة وتضمن جميع ما قبضته بدليل قول الآتي، وضمنت بقبضها هذا إذا كان الحال التعجيل، وأما إذا كان الحال التأخير فتنتظر حتى تقبضها ولا يكون عدم قدرته الآن عسراً بالنفقة.
قوله: [كنفقة الولد المحضون] ظاهر كلام المصنف الشمول لما قبضته من نفقة الولد لمدة مستقبلة، أو عن مدة ماضية وعلى ذلك التتائي، واعتمده (ر)، وقال البساطي: إذا قبضته لمدة مستقبلة، قال السوداني: وهو المتعين، وأما ما قبضته من نفقة الولد عن مدة ماضية فإنها تضمنها مطلقاً كنفقتها؛ لأنه كدين لها قبضته، فالقبض لحق نفسها لا للغير حتى تضمن ضمان الرهان والعواري، وارتضى ذلك في الحاشية.
قوله: [ولا هي متمحضة للأمانة] أي: لأنها تأخذها قهراً عنه لوجود حقها في الحضانة.
قوله: [وأما ما قبضته المرضع] هذا تقييد لما تقدم في نفقة المحضون، أي محل التفصيل في نفقة المحضون ما لم تكن أجرة الرضاع فالضمان مطلقاً كما علمت.
قوله: [وجاز للزوج] محل الجواز إن رضيت وإلا فالواجب لها ابتداء إنما هو الأعيان لكن يجوز له دفع الأثمان إن رضيت بها، وظاهره جواز دفع الأثمان ولو عن طعام وهو المعتمد بناء على أن علة منع بيع الطعام قبل قبضه غيبته عن البائع، وكونه ليس تحت يده وهي مفقودة بين الزوجين؛ لأن طعام الزوج تحت يدها غير غائب عنها، ويلزم الزوج أن يزيدها إن غلا سعر الأعيان بعد أن قبضت ثمنها، وله الرجوع عليها إن نقص سعرها ما لم يسكت مدة وإلا حمل على أنه أراد التوسعة عليها، وهذا كله ما لم تكن اشترت الأعيان قبل غلوها أو رخصها، وإلا فلا يزيدها شيئاً في الأول، ولا يرجع عليها بشيء في الثاني.
تنبيه: يجوز له المقاصة بدينه الذي له عليها عما وجب لها من النفقة إن كان فرض ثمناً، أو كانت النفقة من جنس الدين إلا لضرورة عليها بالمقاصة بأن تكون فقيرة يخشى ضيعتها بالمقاصة فلا يجوز له فعل ذلك.
قوله: [فتسقط عنه الأعيان] أي المدة التي تأكل معه، فلو أكلت معه ثلاثة أيام وطلبت الفرض بعد ذلك سقطت نفقة الأيام الثلاث عنه، وقضى لها بالفرض بعد الملك.
قوله: [المقررة لها]: وأولى في السقوط لها إن كانت غير مقررة ولا فرق بين كونها محجوراً عليها أو لا؛ لأن السفيه لا يحجر عليه في نفقته
قوله: [وبمنعها الاستمتاع] أي: لغير عذر، وأما العذر كامتناعها لمرض فلا تسقط
стр. 521
(إن لم تكن حاملاً) راجع للخروج المذكور ولما قبله، وإلا لم تسقط لأن النفقة حينئذ للحمل، وكذا الرجعية لا تسقط نفقتها (كالبائن) بخلع أو بتات فتسقط نفقتها إن لم تكن حاملاً، فإن كانت حاملاً فلها النفقة للحمل.
(فإن كانت) الحامل البائن (مرضعاً فلها أجرة الرضاع أيضاً): أي كما أن لها نفقة الحمل، (ولا نفقة) لها (بدعواها) الحمل، (بل بظهوره وحركته)، فإن ظهر الحمل (فمن): أي فلها النفقة من (أوله) أي الحمل، والمراد من يوم الطلاق. (كالكسوة) أي كما أن لها الكسوة من أوله (إن طلقت أوله): أي من أول الحمل، (وإلا) تطلق أوله بل طلقت حاملاً بعد أشهر من حملها، (فقيمة ما بقي) من أشهر الحمل بأن يقوم ما يصير لتلك الأشهر الباقية من الكسوة، لو كسيت أول الحمل فتأخذها. (واستمر لها): أي الحامل (المسكن فقط) دون النفقة (إن مات) زوجها المطلق لها قبل وضعها، لأنه حق تعلق بذمته فلا يسقطه الموت، سواء كان المسكن له أم لا، نقد كراءه أم لا. وأما البائن غير الحامل فلانقضاء العدة، والأجرة فيهما من رأس المال. بخلاف الرجعية والتي في العصمة فلا يستمر لها المسكن إن مات، إلا إذا كان له أو نقد كراءه كما مر، وتسقط الكسوة والنفقة. والحاصل أن البائن يستمر لها المسكن حتى تخرج من العدة بوضع الحمل أو تمام الأشهر فيمن لا تحيض، أو الأقراء فيمن تحيض، ولو لم يكن المسكن له ولا نقد كراءه، وأن التي في العصمة أو الرجعية يستمر لها إن كان له أو نقد كراءه، وأن النفقة والكسوة يسقطان في الجميع بالموت، (لا إن ماتت) المطلقة فلا سكنى؛ أي لا شيء لوارثها من كراء المسكن. (وترد) بالبناء للمفعول (النفقة) نائب الفاعل فيشمل موته وموتها (مطلقاً) سواء فيهما كانت في العصمة أو رجعية أو بائناً وهي حامل، أو كانا حيين وطلقها بائناً بعد قبضها النفقة وليست بحامل، (كانفشاش الحمل) فترد نفقته إن قبضتها من أول الحمل، بخلاف التي قبلها فمن يوم الموت وكذا ترد كسوته. (بخلاف كسوة) كساها لها وهي في عصمته فلا تردها، (إن أبانها أو مات أحدهما بعد) مضي (أشهر) من قبضها. ومفهوم أشهر: أنه لو أبانها أو مات أحدهما بعد شهرين فأقل فإنها ترد.
ــ
نفقتها، فلو منعته لغير عذر مدة ومكنته مدة سقطت نفقتها مدة المنع فقط. واعلم أن القول قولها في عدم المنع، فإذا ادعى الزوج أنها تمنعه من الاستمتاع وقالت لم أمنعه كان القول قولها، ولا يقبل قوله لأنه يتهم على إسقاط حقها من النفقة، فيلزمه أن يثبت عليها بأن تقر بذلك بحضرة عدلين أو عدل وامرأتين، أو أحدهما ويمين. كذا في الخرشي.
قوله: [أي على ردها ولو بحاكم]: أي محل سقوط النفقة عنه إن انتفت قدرته على ردها ولو بالحكم، وإن تمكن ولو بالحكم وفرط وجبت عليه النفقة، وبقي من الشروط أيضاً أن تكون ظالمة لا إن خرجت لظلم ركبها فلها النفقة ولا تسقط.
قوله: [إن طلقت أوله]: أي فإذا طلقها أول الحمل طلاقاً بائناً وصدقها الزوج على الحمل قبل ظهوره، أو لم يصدقها وانتظر ظهوره وحركته، فإن لها كسوتها المعتادة، ولو كانت تبقى بعد وضع الحمل ومحل وجوب الكسوة إذا كانت محتاجة لها، وأما لو كانت عندها كسوتها فلا.
قوله: [فقيمته ما بقي] حاصله: أنه إذا أبانها بعد مضي أشهر من حملها فلها مناب الأشهر الباقية من الكسوة، فيقوم ما يصير لتلك الأشهر الماضية من الكسوة لو كسيت في أول الحمل فيسقط، وتعطى ما ينوب الأشهر الباقية القيمة دراهم.
قوله: [إن مات زوجها المطلق لها] إلخ: أي وأما إن مات الولد في بطنها قبل وضعه فلا نفقة لها ولا سكنى من يوم موته؛ لأن بطنها صار قبراً له، وإن كانت لا تنقضي عدتها إلا بنزوله كذا في (شب) خلافاً لما في الشامل من استمرار النفقة والسكنى إذا مات الولد في بطنها.
قوله: [وأما البائن غير الحامل] إلخ: هذا كلام ناقص ركيك، ولكنه وضحه في الحاصل الآتي.
قوله: [وترد بالبناء للمفعول النفقة] أي وسواء كان الإنفاق بحكم حاكم أم لا، وقيل: إنها لا ترد مطلقاً وقيل إن كان الإنفاق بحكم حاكم ردتها وإلا فلا، فالأول رواية ابن الماجشون، والثاني رواية محمد، والثالث سماع عيسى بن القاسم، قال ابن حارث: اتفقوا على أن من أخذ من رجل مالاً وجب له بقضاء أو غيره، ثم ثبت أنه لم يجب له شيء أنه يرد ما أخذ وهذا يرجح القول الأول كذا في (بن).
قوله: [مطلقاً]: تفسيره الإطلاق بما ذكره غير مناسب للمتن، وحق التفسير أن يقول: سواء كان الميت هو أو هي كانت في العصمة أو رجعياً أو بائناً وهي حامل، ثم يقول: كذا إن كانا حيين إلى آخر ما قال، فإن إدخاله الحيين في الإطلاق لم يكن موضوع المصنف وإخراجه موته أو موتها من الإطلاق خروج عن موضوع المصنف.
قوله: [كانفشاش الحمل] المراد بانفشاشه تبين أنه لم يكن ثم حمل بها، بل كان علة أو ريحاً كما يفيده التوضيح، وليس المراد به فساده واضمحلاله بعد تكونه، بل هذا ترد نفقته من يوم انعدامه.
стр. 522
(وشرط) وجوب (نفقة الحمل) على أبيه: (حريته) أي الحمل، فإن كان رقيقاً بأن كانت أمه [١] رقيقة لأجنبي فنفقته على سيده لا على أبيه.
(وحرية أبيه) فإن كان أبوه عبداً فلا نفقة لحمل مطلقته البائن، فإن عتق وجبت عليه من يوم عتقه إن كانت حرة.
(ولحوقه) أي الحمل (به): أي بأبيه فلا نفقة لحمل ملاعنة محبوسة بسببه،
(و) لا تسقط النفقة بمضي زمنها إذا كان موسراً، وإذا لم تسقط (رجعت) على زوجها (بما تجمد عليه) منها (زمن يسره) ولو تقدمه عسر يوجب سقوطها، أو تأخر عن عسره فما تجمد عليه حال يسره في ذمته تطالبه به، (وإن لم يفرضه) عليه (حاكم) ولا يسقط العسر إلا زمنه خاصة.
(و) رجعت الزوجة على زوجها (بما أنفقته عليه) إذا كان (غير سرف) بالنسبة إليه، وإلى الإنفاق زمن، (وإن) كان (معسراً) حال إنفاقها عليه إلا لصلة:
(كأجنبي) أنفق على كبير، فإنه يرجع عليه بغير السرف وإن كان المنفق عليه معسراً (إلا لصلة) من الزوجة لزوجها أو من الأجنبي على غيره، (أو إشهاد) عليه بأنها أو أنه عند الإنفاق أقر بأن لا يرجع بما أنفق فلا رجوع، (ومنفق) عطف على "أجنبي" أي: كما يرجع من أنفق (على صغير) ذكر أو أنثى، (إن كان له): أي للصغير (مال) حين الإنفاق، (أو) كان له (أب) موسر (وعلمه المنفق، وتعسر الإنفاق منه) على الصغير لغيبته أو عدم تمكن الإنفاق منه ككونه عرضاً أو عقاراً، (وبقي) المال (للرجوع): أي لوقت الرجوع، فإن ضاع وتجدد غيره فلا رجوع كما إذا لم يكن له مال وقت الإنفاق وتجدد بعده. (وحلف أنه أنفق ليرجع) ومحل حلفه: (إن لم يشهد) حال الإنفاق أنه يرجع بما أنفق وإلا فلا يمين عليه.
(ولها): أي للزوجة (الفسخ إن عجز) زوجها (عن نفقة حاضرة لا ماضية) ترتبت في ذمته (إن لم تعلم) الزوجة (حال العقد فقره): أي عسره؛ فإن علمت فليس لها الفسخ، ولو أيسر بعد ثم أعسر (إلا أن يشتهر بالعطاء): أي أن يكون من السؤال ونحوهم، ويشتهر بين الناس بالعطاء (وينقطع) عنه، فلها الفسخ لأن اشتهاره بذلك ينزل منزلة اليسار، (فإن أثبت) الزوج (عسره) عند الحاكم (تلوم له): أي أمهل (بالاجتهاد) من الحاكم بحسب ما يراه من حال الزوج، لعله أن يحصل النفقة في ذلك الزمن (وإلا) يثبت عسره عند الحاكم (أمر) الزوج:
ــ
قوله: [وشرط وجوب نفقة الحمل]: أي فشروطه ثلاثة: حرية الحمل، وحرية أبيه، ولحوق الحمل بأبيه.
قوله: [فلا نفقة لحمل ملاعنة] أي لعدم لحوقه به بسبب قطع نسبه هذا إذا كان اللعان لنفي الحمل لا لرؤية الزنا، وإلا فلها النفقة إذا كانت حاملاً يوم الرمي ما لم تأت به لستة، وما في حكمها من يوم الرؤية وإلا فلا نفقة لها.
قوله: [إذا كان غير سرف] فإن كان سرفاً فإنها ترجع عليه بقدر المعتاد فقط.
قوله: [وإن كان معسراً حال إنفاقها عليه] أي هذا إذا كان زمن الإنفاق عليه موسراً، بل وإن كان معسراً؛ لأن العسر لا يسقط عن الزوج إلا ما وجب عليه لنفقة غيره لا ما وجب عليه لنفقة نفسه.
قوله: [إلا لصلة من الزوجة]: أي إلا أن تقصد به الصلة فلا ترجع عليه بشيء، فمحل رجوعها عليه إن قصدت الرجوع أو لم تقصد شيئاً.
قوله: [أو إشهاد عليه] إلخ: محصل ذلك أن عدم الرجوع مقيد بأحد أمرين، إما ببقاء المنفق على اعترافه أنه صلة، أو بالإشهاد عليه إن أنكر، ولا فرق بين الزوج والأجنبي في ذلك على المعتمد.
قوله: [على صغير ذكر أو أنثى] الذي في المعيار أن الربيب الصغير كالصغير الأجنبي إلا أن تثبت الأم أنه التزم الإنفاق على الربيب فلا رجوع له، وقيل بعدم الرجوع على الربيب مطلقاً والراجح الأول كما في الحاشية.
قوله: [وعلمه المنفق] شرط في المال وفي الأب الموسر، أي فلا بد من علمه بأن له مالاً أو أن له أباً موسراً، أو محل اشتراط علم الأب الموسر ما لم يتعمد الأب طرحه وإلا فله الرجوع عليه إذا علم به بعد ذلك كما يأتي في اللفظة، ومفهوم علمه أنه لو أنفق عليه ظاناً أنه لا مال له أو لا أب له موسراً، ثم علم فلا رجوع وقيل له الرجوع، والقولان قائمان من المدونة.
قوله: [الفسخ] أي القيام وطلب الفسخ فلا ينافي قوله الآتي، فإن أثبت عسره تلوم له بالاجتهاد وحاصل المراد لها أولاً طلب الفسخ والقيام به فإذا طلبته فعل ما يأتي.
قوله: [إن عجز] أي إن ادعى العجز عن ذلك أثبته أم لا.
قوله: [حاضرة] مثل الحاضرة المستقبلة إذا أراد سفراً على ما للأجهوري وسيأتي ذلك.
قوله: [فإن أثبت الزوج عسره] حاصل فقه المسألة أن الزوج إذا امتنع من النفقة وطولب بها؛ فإما أن يدعي الملاء ويمتنع من الإنفاق، وإما أن لا يجيب بشيء، وإما أن يدعي العجز. فإن لم يجب بشيء طلق عليه حالاً، وإن قال: أنا موسر ولكن لا أنفق فقيل يعجل عليه الطلاق، وقيل: يحبس، وإذا حبس ولم ينفق طلق عليه، وهذا كله إذا لم يكن له مال ظاهر وإلا أخذ منه. وإن ادعى العجز وهي مسألة المصنف، فإما أن يثبت أو لا، فإن لم يثبت العجز قيل له طلق أو أنفق، فإن امتنع من الطلاق والإنفاق تلوم له ثم طلق عليه، وقيل يطلق عليه حالاً من غير تلوم وهو المعتمد
стр. 523
أي أمره الحاكم (بها): أي بالنفقة (أو بالطلاق بلا تلوم) بأن يقول له: إما أن تنفق وإما أن تطلقها، (فإن طلق أو أنفق) فالأمر ظاهر، (وإلا طلق عليه) بأن يقول الحاكم: فسخت نكاحه، أو: طلقتك منه أو يأمرها بذلك ثم يحكم به؛ (وإن) كان الزوج (غائباً) ولم يترك لها شيئاً ولا وكل وكيلاً بها. ولا أسقطت عنه النفقة حال غيبته، وتحلف على ذلك. وهذا إن كانت غيبته بعيدة كعشرة أيام، وأما قريب الغيبة فيرسل له: إما أن يأتي أو يرسل النفقة أو يطلق عليه، (كأن وجد ما يسد الرمق): أي ما يحفظ الحياة خاصة دون شبع معتاد ومتوسط، فإنه يطلق عليه إذ لا صبر لها عادة على ذلك.
(لا) يطلق عليه (إن قدر على القوت) ولو من خشن المأكول، وهي علية القدر أو خبز بغير أدم، (و) على (ما يواري العورة) ولو من غليظ الصوف (وإن) كانت (غنية) شأنها لبس الحرير. وما مر من أنه يراعي وسعه وحالها فهو من متعلقات اليسر والقدرة؛ وما هنا من فروع العجز فالمعنى أنه إن عجز عن النفقة التي تليق بها بالمرة: بأن لم يقدر على شيء أو قدر على ما يسد الرمق فلها التطليق عليه، وإن قدر على مطلق قوت وما يواري العورة لم يطلق عليه. (وله) أي للزوج الذي طلق عليه لعسره (رجعتها إن وجد في العدة يساراً يقوم بواجب مثلها عادة) لا دونه فلا رجعة له، بل لا تصح.
(ولها حينئذ): أي حين إذ حصل يسر في عدتها (النفقة فيها): أي في العدة؛ لأن الرجعية لها النفقة دون البائن (وإن لم يرتجع ولها): أي للزوجة (مطالبته) أي مطالبة زوجها لا بقيد المعسر (عند سفره بمستقبلة) مدة غيابه عنها، (أو يقيم لها كفيلاً) يدفعها لها. (وإلا) بأن أبى من ذلك (طلق عليه) إن شاءت.
(وفرضت) النفقة للزوجة (في مال الغائب) ولو وديعة عند غيره، (و) في (دينه الثابت) على مدينه (وبيعت داره) في نفقتها (بعد حلفها باستحقاقها) للنفقة على زوجها الغائب، وأنه لم يوكل لها وكيلاً في دفعها لها، وأنها لم تسقطها عنه. والظرف متعلق بقوله: "وفرضت" إلخ.
(وإن تنازعا): أي الزوجان بعد قدومه من سفره (في إرسالها) فقال: أرسلت لك النفقة، وقالت: لم ترسلها (أو تركها) بأن قال: تركتها لك قبل سفري، وقالت: لا (فالقول لها) بيمين (إن رفعت لحاكم من يوم الرفع) متعلق بقوله: "فالقول لها" (لا) إن رفعت (لغيره) أي لغير الحاكم من عدول وجيران فليس القول قولها (إن وجد) حاكم (وإلا) ترفع
ــ
أو إن أثبت عسره تلوم له على المعتمد ثم طلق عليه.
قوله: [أي أمره الحاكم بها] فإن لم يكن حاكم فجماعة المسلمين العدول يقومون مقامه في ذلك، وفي كل أمر يتعذر فيه الوصول إلى الحاكم العدل والواحد منهم كاف كما قاله في الحاشية تبعاً لـ (عب)، وتقدم ذلك عن المؤلف في أول باب المفقود.
قوله: [وإن كان الزوج غائباً] اعلم أن الغائب يطلق عليه للعسر بالنفقة دخل بها أو لم يدخل دعي للدخول أم لا على المعتمد خلافاً لما في بهرام حيث قال: لا بد من دخوله أو دعوته، فظهر لك أن الدخول أو الدعوة إنما تشترط في إيجاب النفقة على الزوج إذا كان حاضراً لا غائباً كما في (ح) خلافاً لبهرام.
قوله: [أو يطلق عليه]: أي إن لم يطلق هو بنفسه.
قوله: [رجعتها إن وجد في العدة يساراً] أي لما تقرر أن كل طلاق أوقعه الحاكم يكون بائناً إلا طلاق المولى والمعسر بالنفقة.
قوله: [يقوم بواجب مثلها] أي فيعتبر فيها ما يعتبر في ابتداء النكاح، فإذا كانت غنية شأنها أكل الضأن فلا تصح الرجعة إلا إذا قدر على ذلك، فإذا قدر على خشن الطعام فقط فلا تصح الرجعة، ولو رضيت على المعتمد وقيل تصح إن رضيت، وإنما اعتبر في الرجعة اليسار الكامل مع أنها لا تطلق عليه إذا وجد ما تيسر من خشن القوت، لأن أبغض الحلال إلى الله الطلاق فلا يقدم عليه إلا بالضيق الشديد، بخلاف لو صارت أجنبية فلا ترد إلا باليسار المناسب. قوله: [بل لا تصح] أي ولو رضيت كما في السليمانية عن سحنون؛ لأن الطلقة التي أوقعها الحاكم إنما كانت لأجل ضرر فقره فلا يمكن من الرجعة إلا إذا زال الموجب والحكم يدور مع العلة.
قوله: [وإن لم ترتجع] أي على المشهور، ومقابله ما رواه ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون أنه لا نفقة لها حتى ترتجع.
قوله: [وفرضت النفقة للزوجة في مال الغائب] أي يفرضها الحاكم إذا رفعت له أمرها أو جماعة المسلمين إن لم يكن حاكم.
قوله: [والظروف متعلق بقوله وفرضت] إلخ: أي إنما يفرض لها في ماله ودينه الثابت، ويبيع داره بعد حلفها، ومثل الزوجة في فرض نفقتها الأولاد والأبوان فتفرض نفقتهم في هذه الأشياء كما تفرض للزوجة بشروطها.
قوله: [وإن تنازعا] إلخ: حاصله أن الزوج إذا قدم من السفر فطالبته زوجته بنفقتها مدة غيبته فقال: أرسلتها لك أو تركتها لك عند سفري فلم تصدقه على ذلك، ولا بينة له فالقول قولها بيمين إن رفعت أمرها للحاكم في شأن ذلك، وأذن لها في الإنفاق على نفسها والرجوع لها
стр. 524
أو رفعت لغير حاكم مع وجوده، (فقوله كالحاضر) يدعي الإنفاق عليها وهي تدعي عدمه. فالقول له (بيمين): راجع لجميع ما قبله، والكسوة كالنفقة، أو أراد بالنفقة ما يشمل الكسوة. (وحلف: لقد قبضت) نفقتها مني أو من رسولي أو وكيلي، ويعتمد في الرسول أو الوكيل على غلبة الظن بقوة القرائن.
(و) إن تنازعا (فيما فرض) لها من النفقة لدى حاكم، فقالت: عشرة، وقال: بل ثمانية مثلاً، (فـ) القول (قوله إن أشبه بيمين) أشبهت هي أم لا. (وإلا) يشبه، (فقولها إن أشبهت، وإلا) يشبه واحد منهما (ابتدئ الفرض) لما يستقبل.
ثم شرع في بيان النفقة بالسببين الباقيين وهما الملك والقرابة، فقال:
(ويجب على المالك نفقة رقيقه) لا رقيق رقيقه ولا رقيق أبويه إلا إذا كانا معسرين على ما سيأتي (ودوابه) من بقر وإبل وغنم وخيل وحمير وغيرها.
(وإلا) ينفق على ما ذكر من الرقيق والدواب بأن أبى أو عجز عن الإنفاق، (أخرج): أي حكم عليه بإخراجه (عن ملكه) ببيع أو صدقة [١] أو هبة أو عتق (كتكليفه): أي المملوك من رقيق أو دواب، (من العمل ما لا يطيق) عادة فيخرج عن ملكه (إن تكرر) منه ذلك لا بأول مرة، بل يؤمر بالرفق.
(وجاز) الأخذ (من لبنها ما لا يضر بولدها)، فإن أخذ ما يضر به منع؛ لأنه من باب ترك الإنفاق الواجب.
(و) تجب (بالقرابة): أي بسببها وهو عطف على محذوف، أي وتجب بالملك على المالك إلخ [٢]، وبالقرابة: أي الخاصة بدليل ما بعده لا مطلق قرابة. (على) الولد (الحر الموسر) كبيراً أو صغيراً، ذكراً أو أنثى، مسلماً أو كافراً (نفقة والديه الحرين) لا الرقيقين فعلى سيدهما (المعسرين) بالكل
ــ
بذلك على زوجها، لكن القول قولها من يوم الرفع لا من يوم السفر، فإذا سافر في أول السنة وحصل الرفع في نصفها فلها النفقة من يوم الرفع، وأما النصف الأول فالقول قول الزوج بيمين، فإن رفعته لعدول وجيران مع وجود الحاكم العدل فلا يقبل قولها مطلقاً إلا ببينة هذا هو المشهور، وعليه العمل وروي عن مالك قبول قولها حيث رفعته ولو للعدول، والجيران مع وجود الحاكم، وذكر ابن عرفة أن عمل قضاة بلدة تونس أن الرفع للعدول بمنزلة الحاكم وللجيران لغو، وحكم نفقة أولادها الصغار حكم نفقتها في التفصيل، وأما أولادها الكبار فالقول قولهم وإن لم يحصل رفع. اهـ ملخصاً من حاشية الأصل.
قوله: [ويعتمد في الرسول أو الوكيل على غلبة الظن] هذا جواب عما يقال كيف يصح حلفه لقد قبضتها إذا كان يدعي إرسالها لها وهو غائب، مع أنه يحتمل أن الرسول لم يوصلها، وحاصل الجواب ما قاله الشارح.
قوله: [وإن تنازعا فيما فرض] إلخ: إن قلت يرجعان للقاضي ولا يحتاجان للتنازع. فالجواب أنه يفرض ذلك في حالة موته أو عزله أو نسيانه.
قوله: [فالقول قوله إن أشبه] ظاهره لا فرق في ذلك بين أن يكون اختلافهما فيما فرضه قاضي وقتهما أو قاض سابق عليه كذا في الخرشي.
قوله: [فقولها إن أشبهت] أي انفردت بالشبه، وقوله بيمين راجع لهذه أيضاً فيكون حذفه من الثاني لدلالة الأول عليه وهذا على الأرجح من التأويلين.
تتمة: إن تنازع الزوجان بعد قدومه من السفر فقال: كنت معسراً وقالت: بل كنت موسراً فيلزمك نفقة ما مضى، اعتبر حال قدومه فيعمل عليه إن جهل حال خروجه، فإن قدم معسرا فالقول قوله بيمين، وإلا فقولها بيمين، فإن علم حال خروجه عمل عليه حتى يتبين خلافه، ونفقة الأبوين والأولاد في هذا كالزوجة. اهـ من الأصل.
قوله: [لا رقيق رقيقه]: أي فنفقته على سيده الأدنى الرقيق من غير خراج وكسب كهبة تأتيه أو كسب عبيده.
قوله: [ولا رقيق أبويه] أي فلا يجب الإنفاق عليهما باعتبار الملك فلا ينافي وجوب الإنفاق من حيث خدمتهما للأبوين كما يأتي، ولا فرق في الرقيق الذي تجب له النفقة بين كونه قناً أو مشتركاً أو مبعضاً، والنفقة فيهما بقدر الملك. وأما المكاتب فنفقته على نفسه ونفقة المخدم على مخدمه بفتح الدال فيهما على المشهور وقيل على سيده إن كانت الخدمة يسيرة وإلا فعلى ذي الخدمة.
قوله: [ودوابه]: اعلم أن نفقة الدابة إذا لم يكن مرعى واجبة ويقضى بها؛ لأن تركها منكر خلافاً لقول ابن رشد يؤمر من غير قضاء، ودخل في الدابة هرة عمياء فتجب نفقتها على من انقطعت عنده، حيث لم تقدر على الانصراف، فإن قدرت عليه لم تجب لأن له طردها.
قوله: [أو عتق] أي بالنسبة للرقيق، فإن كان لا يمكنه شيء من ذلك أجبر على ذكاته في غير الآدمي واختلف في الرقيق الذي لا يصح بيعه كأم الولد ففيها ثلاثة أقوال: حيث عجز عن نفقتها، أو غاب عنها، فهل تسعى في معاشها أو تتزوج أو ينجز عتقها؟ واختير هذا، وأما المدبر والمعتق لأجل فيؤمران بالخدمة بقدر نفقتهما إن كان لهما قوة عليها ووجدا من يخدمهما وإلا حكم بتنجيز عتقهما.
قوله: [وهو]: الضمير عائد على القرابة وذكر باعتبار كونها سبباً وصفة القرابة محذوفة كما بينها الشارح بقوله أي الخاصة.
قوله: [على الولد الحر الموسر] أي فتجب عليه نفقة الوالدين مما فضل عنه وعن زوجاته ولو أربعاً لا عن نفقة خدمه ودابته، إذ نفقة الأبوين مقدمة على نفقتهما ما لم يكن مضطراً لهما، وإلا قدمت نفقتهما على الأبوين.
قوله: [صغيراً]: إن قلت: إن الصغير
стр. 525
أو البعض (ولو كافرين) والولد مسلم كالعكس، وأما إذا كان الجميع كفاراً فلا نحكم بينهم إلا إذا ترافعوا إلينا ورضوا بأحكامنا. ومحل وجوب نفقة الوالدين على [١] الولد: ما لم يقدرا على الكسب ويتركاه، وإلا لم تجب عليه على الراجح. (لا) يجب على الولد المعسر لوالديه (تكسب) لينفق عليهما (ولو قدر) على التكسب. (وأجبرا): أي الوالدان (عليه): أي على الكسب إذا قدرا عليه (على الأرجح و) تجب نفقة (خادمهما): أي خادم الوالدين حراً كان الخادم أو رقيقاً، بخلاف خادم الوالد [٢] فلا تلزم الأب، (و) تجب نفقة (خادم زوجة الأب) المتأهلة لذلك (و) يجب على الولد (إعفافه): أي الأب (بزوجة ولا تتعدد) نفقة زوجات الأب بتعددهن (ولو كانت إحدى زوجتيه) أو زوجاته (أمه، وتعينت) الأم حيث كانت إحداهما أمه ولو غنية، (وإلا) تكن إحداهما أمه (فالقول للأب) فيمن ينفق عليها الولد. (لا) تجب نفقة ولد على (زوج أمه) الفقير، بل على أمه فقط.
(ولا) تجب نفقة على (جد) أو جدة (و) لا على (ولد ابن ووزعت) النفقة (على الأولاد) الموسرين (بقدر اليسار) حيث تفاوتوا فيه، وقيل: على الرؤوس فالذكر كالأنثى، وقيل على الميراث فالذكر مثل حظ الأنثيين.
(و) تجب (نفقة الولد الحر على أبيه فقط): لا على أمه، ونفقة الرقيق على سيده، ولا يجب على الأم إلا الرضاع على ما يأتي تفصيله، (حتى يبلغ الذكر قادراً على الكسب) فإذا بلغ قادراً عليه سقطت عن الأب، ولا تعود بطرو جنون أو زمانة أو مرض أو عمى.
(أو يدخل الزوج بالأنثى)
ــ
لا يتعلق به الوجوب. فالجواب أن المراد بتعلق الوجوب به خطابه الوضعي لا التكليفي كتعلق الزكاة بماله.
قوله: [أو البعض]: أي فيجب عليه تمام الكفاية.
قوله: [ولو كافرين]: أي هذا إذا كانا مسلمين والولد مسلم، بل ولو كانا كافرين والولد مسلم أو مسلمين والولد كافر.
قوله: [ما لم يقدرا على الكسب]: أي ولو كان تكسبهما بصنعة تزري بالولد ولا تزري بهما وإلا وجب عليه الإنفاق؛ لأن في تركه حينئذ عقوقاً كما هو الظاهر.
قوله: [وأجبرا] إلخ: أي ما لم يزر بهما كما تقدم.
قوله: [وتجب نفقة خادمهما] أي وإن كانا غير محتاجين إليه لقدرتهما على الخدمة بأنفسهما.
قوله: [بخلاف خادم الولد] أي فلا تلزم الأب ولو احتاج له، واعلم أن نفقة الولد ذكراً أو أنثى آكد من نفقة الأبوين؛ لأنه إذا لم يجد إلا ما يكفي الأبوين أو الأولاد فقط فقيل يقدم نفقة الأولاد، وقيل يتحاصان والقول بتقديم الأبوين ضعيف إذا علمت هذا فكان مقتضاه لزوم نفقة خادم الولد ولو لم يحتج كالأبوين بل أولى. ويجاب بأن نفقة الولد على الوالدين مأمور بها الاحترام والتعظيم، ولا يتم إلا بالنفقة على الخادم، بخلاف نفقة الوالد على الولد فمن باب الحفظ وهو لا يتوقف على الخادم؛ ولذلك قال في الحاشية المعتمد كلام المدونة، وهو أن على الأب إخدام ولده في الحضانة إن احتاج لخادم، وكان الأب ملياً فإن لم يكن في الحضانة أو كان فيها ولم يحتج، أو كان الأب غير ملي فلا يجب عليه إخدامه.
تنبيه: إذا ادعى الوالدان الفقر وطلبا من الولد النفقة وأنكر الولد فقرهما لزم الوالدين الإثبات بعدلين، لا بشاهد وامرأتين أو أحدهما ويمين، ولا يكلف الأبوان اليمين مع العدلين، وهل الابن إذا طولب بالنفقة على والده الفقير، وادعى الابن الفقر محمول على الملاء فعليه إثبات الفقر أو على العدم، فعلى والده إثبات الملاء؟ قولان محلهما إذا كان الولد منفرداً ليس له أخ أو له وادعى مثله، وأما لو كان له أخ موسر فعلى الولد إثبات العدم باتفاق القولين. اهـ من الأصل.
قوله: [بزوجة] فإن لم تعفه الواحدة زيد عليها من يحصل به العفاف.
قوله: [ولا تتعدد نفقة زوجات الأب] أي إن عفته الواحدة منهن وإلا تعددت لمن تعفه.
قوله: [وتعينت الأم] أي حيث كان يحصل بها إعفافه.
قوله: [ولو غنية] أي لأن نفقتها هنا للزوجة لا للقرابة.
قوله: [على زوج أمه الفقير] أي ولو توقف إعفافها عليه نفقته ليست واجبة عليها، بخلاف زوجة الأب هذا هو ظاهر المدونة وهو المشهور، وقيل يلزمه مطلقاً دخل معسراً أو طرأ له الإعسار، وقيل إن دخل معسراً لم يلزمه وإن طرأ له الإعسار لزمه.
قوله: [وقيل على الرؤوس] إلخ: أي فالأقوال ثلاثة: الأول نقله اللخمي عن ابن الماجشون، والثاني لابن حبيب ومطرف، والثالث لمحمد وأصبغ، وفي (ح) عن البرزلي أن المشهور هو الثالث، واعتمد المؤلف في تقريره الأول وهو الأوجه.
قوله: [الولد الحر] أي الفقير العديم الصنعة، وأما لو كان له مال أو صنعة لا معرة فيها عليه ولا على أبيه لم تجب على أبيه، فإن طرأ له كساد صنعة أو ضياع مال قبل بلوغه وجبت للبلوغ.
قوله: [بطروِّ جنون أو زمانة] إلخ: أي بخلاف هذه الأشياء إذا اتصلت بالبلوغ، فإن النفقة على الأب باقية، ومحل لزوم نفقة نحو الأعمى البالغ لأبيه ما لم يكن يعرف صنعة يمكن تعاطيها، وتقوم به وإلا سقطت عن أبيه نفقته ببلوغه.
стр. 526
ولو لم يكن بالغاً (أو يدعى) الزوج (له): أي للدخول بعد مضي زمن يتجهز فيه مثلها له إن كان بالغاً وهي مطيقة، وإلا فللدخول بالفعل (وعادت) النفقة على الأب لابنته (إن عادت) له صغيرة دون البلوغ، (أو بكراً) ولو بالغاً (أو زمنة وقد دخل بها كذلك): أي زمنة، فإن دخل بها صحيحة ثم طرأت عليها الزمانة وعادت لأبيها زمنة لم تجب عليه، وكذا إن صحت بعد الدخول بها ثم عادت زمنة لم تعد النفقة على الأب،
(وتسقط) النفقة عن الولد أو الوالد (بمضي الزمن)، فليس لمن وجبت له رجوع على من وجبت عليه، لأنها لسد الخلة، بخلاف الزوجة فلها الرجوع بما مضى زمنه، لأنها في نظير الاستمتاع كما تقدم.
(إلا لقضاء) من حاكم بها، ومعناه: أنها تجمدت في الماضي فرفع مستحقها من والد أو ولد لحاكم لا يرى السقوط بمضي زمنها، فحكم بلزومها، وليس المراد أنه حكم بها في المستقبل، لأن حكم الحاكم لا يدخل المستقبلات؛ إذ لا يجوز للحاكم أن يفرض شيئاً في المستقبل يقرره على الدوام؛ لأنه يختلف باختلاف الأزمان. (أو) إلا أن (ينفق على الولد) خاصة دون الوالدين إنسان (غير متبرع) بالنفقة، بل أنفق ليرجع على أبيه، فله الرجوع؛ لأن وجود الأب موسراً كوجود المال للولد لا إن كان الأب معسراً أو أنفق متبرع فلا يرجع على الوالد.
(وعلى الأم المتزوجة) بأبي الرضيع (أو الرجعية رضاع ولدها) من ذلك الزوج (بلا أجر) تأخذه من الأب، (إلا لعلو قدر): بأن كانت من أشراف الناس الذين شأنهم عدم إرضاع نسائهم أولادهن، فلا يلزمها رضاع، فإن أرضعت فلها الأجرة في مال الولد إن كان له في مال وإلا فعلى الأب. (كالبائن): لا يلزمها إرضاع فإن أرضعت فلها الأجرة، (إلا أن لا يقبل) الولد (غيرها): أي غير عالية القدر أو البائن فيلزمها رضاعه للضرورة، ولها الأجرة، (أو) إلا أن (يعدم الأب): بأن يفتقر (أو يموت، ولا مال للصبي) فيلزمها (و) إذا لزمها (استأجرت) بمالها من يرضعه (إن لم ترضعه) بنفسها، (ولا رجوع لها) على الأب أو الولد إذا أيسر، (ولمن لا يلزمها إرضاعه أجرة المثل) في مال الولد إن كان له مال وإلا فعلى أبيه، (ولو قبل) الولد (غيرها أو وجد الأب من يرضعه عندها): أي عند أمه مجاناً. والحاصل: أن من يلزمها إرضاعه فأمرها ظاهر، وأن من لا يلزمها إرضاعه إذا أرادت أن ترضعه وترجع بأجرة المثل، وقال أبوه: عندي من ترضعه مجاناً ولا أنزعه منك، بل ترضعه عندك، فالقول للأم على الأرجح، ومقابله: أن القول للأب.
ولما أنهى الكلام على النفقات أتبعها بالكلام على الحضانة - لما بينهما من المناسبة من حيث النفقة على الولد - فقال: (وحضانة الذكر) المحقق؛ وهي: القيام بشأنه في نومه ويقظته (للبلوغ)، فإن بلغ ولو زمناً أو مجنوناً سقطت عن الأم. واستمرت النفقة على الأب إذا بلغ زمناً أو مجنوناً كما مر، وعليه القيام بحقه ولا تسقط حضانتها عن المشكل ما دام مشكلاً. (و) حضانة (الأنثى للدخول): أي دخول الزوج بها كائنة (للأم) وليس مثل الدخول الدعاء له وهي مطيقة، (ولو) كانت الأم (كافرة أو أمة والولد حر) وهذا في الأم المطلقة، أو من مات زوجها، وأما من في عصمة زوجها فهي حق لهما، وقوله: "والولد حر" من جملة المبالغة، دفع به توهم أن الولد الحر لا تحضنه الأمة فإذا لم توجد الأم - بأن ماتت (فأمها):
أي أم الأم وهي جدة الولد، فإذا لم توجد (فجدتها): أي جدة الأم أحق بالحضانة من غيرها وإن علت، فإن لم توجد (فخالته) أخت أمه، فإن لم توجد (فخالتها) أي خالة أمه أحق من غيرها (فعمة الأم) وقد أسقطها الشيخ، فإن لم توجد (فجدته لأبيه): أي جدته من قبل أبيه، وهي أم
ــ
قوله: [ولو لم يكن بالغاً]: أي على المعتمد كما تقدم أول الباب من أن الشروط إنما تعتبر في الدعاء للدخول.
قوله: [وإلا فللدخول بالفعل] أي فعند الدخول بالفعل تجب النفقة مطلقاً كانت مطيقة أم لا.
قوله: [لحاكم لا يرى السقوط] أي غير مالكي.
قوله: [لأن حكم الحاكم لا يدخل المستقبلات] ظاهره مطلقاً مالكياً أو غيره، ولكن ينافيه قول الشارح فيما تقدم إلا أن يقرر لها شيء عند حاكم يرى ذلك، أي يرى التقرير في المستقبل، ولا يكون مالكياً لقول المؤلف في تقريره، وأما مذهبنا فحكم الحاكم لا يدخل العبادات مطلقاً ولا يدخل غير العبادات من الأحكام المستقبلة.
قوله: [لأنه يختلف باختلاف الأزمان] أي بحسب رخص الأسعار وغلوها.
قوله: [أو إلا أن ينفق على الولد] تقدمت شروطه في قوله: ومنفق على صغير إن كان له مال أو أب.
قوله: [ولها الأجرة]: أي في مال الولد، فإن لم يكن ففي مال الأب، فإن لم يكن له مال وجب عليها الإرضاع مجاناً بنفسها، أو تستأجر من يرضعه كما يفيده الشارح.
قوله: [وحضانة الذكر] قال ابن عرفة: هي محصول قول الباجي هي حفظ الولد في مبيته ومؤنة طعامه ولباسه ومضجعه، وتنظيف جسمه.
قوله: [ولو زمناً] نحوه في التوضيح تبعاً لما حرره ابن عبد السلام؛ إذ قال المشهور في غاية أمد النفقة أنها البلوغ في الذكر بشرط السلامة من الجنون والزمانة، والمشهور في غاية أمد الحضانة أنها البلوغ في الذكر من غير شرط، ومقابل المشهور ما قاله ابن شعبان: إن أمد الحضانة في الذكر حتى يبلغ عاقلاً غير زمن.
قوله: [ولا تسقط حضانتها عن المشكل] أي لتغليب جانب الأنوثة، والأنثى لا تسقط حضانتها إلا بالدخول، ولا يتأتى هنا ذلك.
قوله: [وليس مثل الدخول الدعاء له] أي فتفترق النفقة والحضانة في ذلك وفي الحقيقة بين الحضانة
стр. 527
الأب، فأمها، فأم أمها [١] فأم أبيه، فالتي من جهة أم الأب تقدم على التي من جهة أم أبيه، فإن لم توجد (فأبوه) أي أبو المحضون، (فأخته) أي أخت المحضون (فعمته فعمة أبيه، فخالته): أي خالة أبيه، (فبنت أخيه): أي المحضون شقيقة أو لأم أو لأب، (و) بنت (أخته) كذلك فإن لم تكن واحدة ممن ذكر (فالوصي، فالأخ) شقيقاً أو لأم أو لأب، (فالجد للأب): أي من جهة الأب الأقرب فالأقرب وقد أسقطه الشيخ، (فابن الأخ) للمحضون (فالعم، فابنه لا جد لأم و) لا (خال): أي لا حضانة لهما وقال اللخمي: الجد للأم له الحضانة لأن له شفقة وحناناً، (فالمولى الأعلى) وهو من أعتق المحضون، فعصبته نسباً فمواليه (فالأسفل) وهو من أعتقه والد المحضون، (وقدم) في الحضانة الشخص (الشقيق) ذكراً أو أنثى على الذي للأم، (فللأم) لأن الشأن أن من كان من جهة الأم أشفق ممن كان من جهة الأب فقط، (فللأب في الجميع) أي جميع المراتب التي يتأتى فيها ذلك كالإخوة والعمومة وبنيهم، (و) قدم (في المتساويين) كأختين وخالتين وعمتين (بالصيانة والشفقة) فإن تساويا فالأسن.
ــ
والنفقة عموم وخصوص من وجه فيسقطان بدخول الزوج البالغ، وتسقط الحضانة فقط بدخول غير البالغ على إحدى الطريقتين، وتسقط النفقة فقط بدعاء البالغ بالدخول وهي مطيقة، ويقال مثل ذلك في الذكر فيسقطان إن بلغ قادراً، وتسقط النفقة فقط إن اغتنى قبل البلوغ، وتسقط الحضانة فقط إن بلغ عاجزاً عن الكسب.
قوله: [أي جدة الأم] إلخ: أي: وتقدم جدات الأم من جهة أمهاتها على جداتها من جهة آبائها؛ لأن جهة الأم دائماً مقدمة، فإذا وجدت جدة من جهة الأم بعيدة فإنها تقدم على التي من جهة أبي الأم، وإن كانت قريبة وهذه طريقة اللقاني، وقال الأجهوري تقدم جهة الأم ما لم تكن التي من جهة الأب أقرب وما قيل في الجدات من قبل أم الطفل يقال في الجدات من قبل أبيه كما يؤخذ ذلك من الشارح.
قوله: [فإن لم توجد فأبوه] تقديم الجدة على الأب دون غيرها من قراباته هو مذهب المدونة، ابن عرفة فإن لم تكن قرابات الأم ففي تقديم الأب على قراباته وعكسه ثالثها الجدات من قبله أحق منه، وهو أحق من سائرهن، وعزى هذا القول لابن القاسم.
قوله: [فالوصي] أراد به ما يشمل مقدم القاضي ووصي الوصي. واعلم أن المحضون إذا كان ذكراً أو كان أنثى غير مطيقة فإن الحضانة تثبت لوصيه اتفاقاً إذا كان له أنثى؛ وكذا إن كان المحضون أنثى مطيقة وكان الحاضن أنثى أو ذكراً وتزوج بأم المحضونة أو جدتها وتلذذ بها بحيث صارت المحضونة من محارمه وإلا فلا حضانة له على ما رجحه الشيخ خليل في التوضيح، ورجح ابن عرفة أن له الحضانة من غير قيد وهذا هو المتبادر من الشارح.
قوله: [أي من جهة الأب الأقرب فالأقرب] حاصله أن الجد من جهة الأب إن كان قريباً من المحضون وهو الجد له دنية أو عالياً فإنه يتوسط بين الأخ وابنه لأن القريب متوسط بينهما، والبعيد متوسط بين العم وابنه، والأبعد منه متوسط بين عم الأب وابنه، والأبعد منه متوسط بين عم الجد وابنه، كما هو أحد احتمالين وتقدم نظم الأجهوري في ذلك وهو يقول:
بغسل وإيصاء ولاء جنازة ... نكاح أخاً وابناً على الجد قدم
وعقل ووسطه بباب حضانة ... وسوه مع الآباء في الإرث والدم
قوله: [وقال اللخمي]: قال بعضهم: الظاهر أن قول اللخمي جار في الجد للأم مطلقاً قريباً أو بعيداً لا في خصوص القريب، وحينئذ فيكون متوسطاً بين الجد للأب وابن الأخ.
قوله: [فالمولى الأعلى]: أي ذكراً أو أنثى، وما ذكره من ثبوت الحضانة له هو المشهور، خلافاً لما قرره ابن محرز من أنه لا حضانة له ذكراً أو أنثى إذ لا رحم له.
قوله: [فعصبته نسباً] أي كابن المعتق وابن ابنه وأبيه وأخيه وجده وعمه وابن عمه.
قوله: [فمواليه] أي معتق معتقه وعصبته كذلك.
قوله: [أي جميع المراتب التي تتأتى فيها ذلك] احترازاً عن الأب والوصي والجد والمولى.
قوله: [بالصيانة والشفقة] فإن كان في أحد المتساويين صيانة فقط وفي الآخر شفقة فالظاهر تقديم ذي الشفقة كما يفيده كلام الرجراجي، لكن يقيد بما إذا كان عند هذا الشفيق أصل الصيانة وإلا فيقدم الصَّيِّن ارتكاباً لأخف الضررين.
стр. 528
(وشرطها) أي الحضانة: (العقل): فلا حضانة لمجنون ولو كان يفيق في بعض الأحيان ولا لمن به طيش وعته.
(والكفاءة): فلا حضانة لمن لا قدرة له على صيانة المحضون؛ كمسنة.
(والأمانة) في الدين: فلا حضانة لسكير أو مشتهر بالزنا أو اللهو الحرام.
(وأمن المكان): فلا حضانة لمن بيته مأوى للفساق، أو بجوارهم بحيث يخاف على البنت المطيقة منهم الفساد، أو سرقة مال المحضون أو غصبه.
(والرشد) فلا حضانة لسفيه مبذر لئلا يتلف مال المحضون أو ينفق عليه منه ما لا يليق.
(وعدم كجذام مضر) وبرص فلا حضانة لمن به شيء من ذلك، وهذه الشروط الستة في الحاضن الذكر أو الأنثى.
(و) يزاد (للذكر) الحاضن من أب أو غيره أن: يكون عنده (من يحضن من الإناث) كأم أو زوجة أو أمة أو خالة أو عمة، لأن الرجال لا قدرة لهم على أحوال الأطفال كما للنساء.
(وكونه محرماً) كأب أو أخ أو عم (لمطيقة) وإلا فلا ولو مأموناً.
(و) يزاد (للأنثى) الحاضنة: (عدم سكنى مع من سقطت حضانتها)، فلا حضانة للجدة إذا سكنت مع بنتها أم الطفل إذا تزوجت، إلا إذا انفردت بالسكنى عنها.
(والخلو عن زوج دخل بها) فإذا لم تدخل لم تسقط حضانتها، فإن دخل بها سقطت لاشتغالها بأمر زوجها، وتنتقل لمن يليها في الرتبة (إلا أن يعلم) من يليها بدخولها بزوج (ويسكت) بعد علمه (العام) بلا عذر. فلا تسقط حضانة المتزوجة وليس لمن يليها أخذ المحضون منها، فإن لم يعلم بالدخول، أو علم ولم يمض بعد العلم عام، أو مضى عام وكان سكوته لعذر يمنعه من التكلم - ومنه جهله باستحقاقه الحضانة بدخول الزوج بها - فله أخذ المحضون من الأم المدخول بها ما لم تتأيم قبل القيام عليها. (أو) إلا أن (يكون) الزوج الذي دخل بها (محرماً) للمحضون وله حضانة كعم، بل (وإن كان) المحرم (لا حضانة له كالخال) يتزوج بحاضنة أجنبية منه، أو يكون الزوج ولياً للمحضون له حق في الحضانة (كابن عم) للمحضون تتزوجه الحاضنة، فلا تسقط حضانتها فليس لمن يليها أخذه منها. (أو لا يقبل الولد) المحضون (غيرها): أي غير الحاضنة، سواء كانت أماً أم لا، فلا تسقط بدخولها للضرورة.
(أو) قبل غيرها و [١] (لم ترضعه) المرضعة التي قبلها: أي أبت أن ترضعه (عند بدلها): أي بدل الحاضنة التي تزوجت، وبدلها من استحق الحضانة بعدها بأن قالت: أنا لا أرضعه عندك، بل في بيتي أو في بيت أمه التي تزوجت بأجنبي، فلا تسقط حضانة الأم المتزوجة به.
ــ
قوله: [وشرطها]: أي شرط ثبوت الحضانة للحاضن، فالشرط لاستحقاق الحضانة لا لمباشرتها.
قوله: [لمن به طيش] أي خفة في العقل.
قوله: [والأمانة في الدين] أي وأما حفظ المال فسيأتي في قوله: والرشد، وإن كانت الأمانة في الأصل حفظ المال والدين.
قوله: [والرشد] اعلم أن الرشد يطلق على حفظ المال المصاحب للبلوغ، وعلى حفظ المال وإن لم يصاحبه بلوغ، فالرشد أمر كلي تحته فردان، فأراد المصنف ذلك الأمر الكلي الصادق بأي نوع منه، فلذلك تثبت للصبي الحضانة لغيره حيث كان حافظاً للمال عاقلاً مستوفياً لباقي الشروط.
قوله: [أن يكون عنده من يحضن من الإناث]: أي متبرعة أو بأجرة.
قوله: [وكونه محرماً كأب] قال في الأصل ويشترط في الحاضن الذكر لمطيقة أن يكون محرماً لها ولو في زمن الحضانة كأن يتزوج بأمها، وإلا فلا حضانة له ولو مأموناً ذا أهل عند مالك. اهـ.
قوله: [والخلو عن زوج دخل بها]: صادق بأن لا يكون لها زوج أصلاً، أو لها زوج ولم يدخل بها.
قوله: [فإن دخل بها سقطت] إلخ: أي ما لم يخف على الولد بنزعه منها الضرر وإلا بقي عندها، ولا تسقط حضانتها.
قوله: [إلا أن يعلم من يليها] هذا استثناء من المفهوم أي فإن لم تخل عن زوج دخل سقطت حضانتها وانتقلت لمن يليها في الرتبة إلا أن يعلم ... إلخ.
قوله: [ما لم تتأيم] أي تطلق أو يموت زوجها الذي قد دخل بها، وقوله قبل القيام أي قيام من له الحضانة بعدها.
قوله: [وإلا أن يكون الزوج] إلخ: حاصله أنه إذا كان الزوج الذي دخل بها محرماً للمحضون كان له حق في الحضانة أو لا أو كان له حق في الحضانة، وكان غير محرم فلا تسقط حضانتها بدخوله.
قوله: [أو لا يقبل الولد المحضون غيرها] أي فإذا تزوجت الحاضنة برجل أجنبي من المحضون ولم يقبل الولد غيرها فإنها تبقى على حضانتها، وظاهره كان المحضون رضيعاً أو غيره، واختاره الأجهوري وقصره الشيخ أحمد على الرضيع.
قوله: [أي بدل الحاضنة التي تزوجت] أي أعم من أن تكون أماً أو غيرها، وهذا أحد روايتين وهو ظاهر ما لابن عبد السلام والتوضيح، وقال شيخ مشايخنا العدوي: مفاد النقل أن عدم سقوط الحضانة في هذه المسألة مخصوص بالأم، فلو كانت الحضانة للجدة ثم تزوجت وامتنعت المرضعة أن ترضعه عند الخالة، وقالت: لا أرضعه إلا عندي أو عند الجدة، فإن هذا لا يوجب استمرار الحضانة للجدة بل تنتقل للخالة، وهذا هو المتبادر من كلام شارحنا. تأمل.
стр. 529
(أو لا يكون للولد حاضن) غير المتزوجة فلا تسقط حضانتها.
(أو كان) الحاضن الذي يليها [١] (غير مأمون)، أو كان (عاجزاً أو كان الأب) للمحضون (عبداً) فلا تسقط حضانة أمه المتزوجة بأجنبي كانت أمه حرة أو أمة؛ فلا حاجة لقوله: "وهي حرة".
(و) شرط الحضانة لمن يستحقها: (أن لا يسافر الولي الحر) فهذا عطف على: "عقل"، وكان الأولى تقديمه قبل قوله: "وللذكر" إلا أنه أخره لما فيه من التفصيل (عن المحضون) وسواء كان الولي ولي مال كالأب والوصي، أو ولي عصوبة كالعم والمعتق؛ فالمحضون أعم من أن يكون ولداً للولي خلافاً لما يوهمه كلام الشيخ، (وإن) كان المحضون (رضيعاً) فأولى غيره.
(أو تسافر هي): أي الحاضنة (سفر نقلة) وانقطاع من بلد إلى بلد (لا كتجارة) وزيارة (ستة برد) فأكثر: أي إنّ شرط مسافة سفر كل من الولي والحاضنة أن يكون ستة برد فأكثر، فللولي نزعه، وتسقط حضانتها (لا أقل) من ستة برد، فلا تسقط به الحضانة وليس للولي نزعه.
ومحل جواز نزعه: (إن سافر) الولي (لأمن): أي لمكان مأمون (وأمنت الطريق) وإلا لم يكن له نزعه (إلا أن تسافر) الحاضنة (معه): أي مع الولي، فلا تسقط حضانتها، ولا تمنع من السفر معه، وهذا استثناء من مفهوم قوله: "وأن لا يسافر الولي" أي فإن سافر ستة برد سقطت حضانتها إلا أن تسافر معه.
(ولا تعود) الحضانة لمن سقطت حضانتها بدخول زوج بها، (بعد تأيمها): أي فراقها بطلاق أو موت لزوجها، أو فسخ الفاسد بعد الدخول، (أو) بعد (إسقاطها) الحضانة الثابتة لها بلا عذر، أو بعد إسقاط الحضانة، فيجوز أن يكون المصدر مضافاً للفاعل أو المفعول وهو أظهر، فإذا أسقطت حقها منها ثم أرادت العود لها فلا كلام لها، لأن الحضانة حق للحاضن على المشهور، وقيل: حق للمحضون فلهما الرجوع فيها.
(بخلاف لو سقطت) حضانتها (لعذر) كمرض وخوف مكان أو سفر ولي بالمحضون سفر نقلة، (وزال) ذلك العذر فلها الرجوع فيها (واستمرت) الحضانة للحاضنة إذا دخل بها زوج، (إن تأيمت) بطلاق أو فسخ نكاح أو موت زوجها
ــ
قوله: [أو لا يكون للولد حاضن] أي شرعي فيشمل ما إذا كان غير مأمون أو عاجزاً أو الأب عبداً، فتصريحه بهذه المسائل الثلاث زيادة إيضاح.
قوله: [أن لا يسافر] إلخ، حاصله أن شرط ثبوت الحضانة للحاضن أن لا يسافر ولي حر عن محضون حر سفر نقلة ستة برد فأكثر، فإن أراد الولي السفر المذكور كان له أخذ المحضون من حاضنته، ويقال لها: اتبعي محضونك إن شئت، واحترز بقوله الولي الحر عما لو كان ولي المحضون عبداً وأراد السفر فليس له أخذه معه، بل يبقى عند حاضنته لأن العبد لا قرار له ولا مسكن، واحترزنا بالمحضون الحر عن العبد إذا سافر وليه فلا يأخذه معه؛ لأن العبد تحت نظر سيده أي مالك أمه حضراً أو سفراً.
قوله: [وإن كان المحضون رضيعاً]: مبالغة في المفهوم أي فإن سافر الولي الحر عن المحضون الحر السفر المذكور سقط حقها من الحضانة، ويأخذه وليه معه ولو كان الولد رضيعاً على المشهور، وقيل لا يأخذ الرضيع وإنما يؤخذ الولد إذا أثغر، وقيل يأخذه بعد انقطاع الرضاع.
قوله: [لا كتجارة وزيارة] أي فلا تسقط الحضانة لمن لها الحضانة، بل إن كانت الحاضنة مسافرة أخذته، وإن كان الولي مسافراً لا يأخذه منها، وظاهره كان السفر ستة برد أو أقل أو أكثر وهو ما قاله الأجهوري وتبعه (عب)، وقال اللقاني: محل هذا إذا كان السفر قريباً كبريد لا إن بعد فلا تأخذه إن أرادت السفر، وإن كانت حضانتها باقية، وتبعه الخرشي على ذلك واعتمده في الحاشية، واعلم أنها إذا سافرت لكتجارة وأخذت الولد معها فحقه في النفقة باق على الولي، ولا تسقط نفقته عنه بسفره معها على ظاهر المذهب كما في (عب).
قوله: [إن سافر الولي لأمن] إلخ: هذان الشرطان وهما كون السفر لموضع مأمون والأمن في الطريق معتبران أيضاً في سفر الزوج بزوجته، ويزاد عليهما كونه مأموناً في نفسه وغير معروف بالإساءة عليها، وكونه حرّاً وكون البلد المنتقل إليه قريبة بحيث لا يخفى على أهلها خبرها وأن تقام في تلك البلد الأحكام، فإذا وجدت تلك الشروط وطلب الرجل السفر بزوجته قضي له بسفرها معه، وإن تخلف شرط منها فلا جبر.
قوله: [ولا تعود الحضانة] إلخ أي سواء كانت التي سقطت حضانتها أماً أو غيرها، بل الحق في الحضانة باق لمن انتقلت له، فإن أراد من له الحضانة رد المحضون لمن انتقلت عنه الحضانة فله ذلك، فقول المصنف ولا تعود أي جبراً على من انتقلت إليه.
قوله: [أو فسخ الفاسد] إلخ: يعني أن الحاضنة إذا سقطت حضانتها بالتزويج وأخذ الولد من بعدها في المرتبة، ثم ظهر أن النكاح فاسد وفسخ لأجل ذلك بعد الدخول، فإن حضانتها لا تعود وهذا إذا كان النكاح مختلفاً في فساده، أو مجمعاً على فساده، ودرئ الحد، أما لو كان الفسخ قبل البناء أو بعده ولم يدرأ الحد، فإن الحضانة تعود لها، قال ابن يونس: وهو الأصوب، وقيل إنها إذا تزوجت وسقطت حضانتها ثم فسخ نكاحها لفساده فإن حضانتها تعود لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً كان الفسخ قبل البناء أو بعده مختلفاً في فساده أو مجمعاً عليه.
قوله: [أو بعد إسقاطها]: أي بعوض أو بغيره.
قوله: [فلها الرجوع فيها]: أي ما لم تتركها بعد زوال العذر سنة وإلا فلا رجوع لها، وما لم يألف الولد من هو عندها ويشق عليه نقله من عندها.
стр. 530
(قبل علم من انتقلت) الحضانة (له) بالدخول بالأم؛ فلا كلام له بعد تأيمها.
(وللحاضنة) أماً أو غيرها (قبض نفقته وكسوته) وما يحتاج إليه من أبيه (بالاجتهاد) من الحاكم أو غيره على الأب بالنظر لحاله؛ من يوم أو جمعة أو شهر أو أعيان أو أثمان، وليس للأب أن يقول للحاضنة ابعثيه ليأكل عندي، ثم يعود لك، لما فيه من الضرر بالطفل والإخلال بصيانته، وليس لها موافقته على ذلك.
(و) لها (السكنى): أي بالاجتهاد كما قال الشيخ؛ أي فيما يخصها ويخص الولد، فما يخص الولد ففي ماله أو على أبيه، وما يخصها فعليها، قال المتيطي فيما يلزم الأب للولد: وكذا يلزمه الكراء لمسكنه هذا هو القول المشهور المعمول به المذكور في المدونة وغيرها، سحنون: ويكون عليه من الكراء على قدر ما يجتهد، وقال يحيى بن عمر: السكنى على قدر الجماجم، وقال في التوضيح: إن السكنى على الأب وهو مذهب المدونة خلافاً لابن وهب، وعلى المشهور فقال سحنون: تكون السكنى على حسب الاجتهاد ونحوه لابن القاسم في الدمياطية، وهو قريب مما في المدونة، وقال يحيى بن عمر على قدر الجماجم اهـ. فقوله "والسكنى أي بالاجتهاد": أي فيما يخص الطفل وما يخصها. (لا أجرة) أي ليس لها أجرة (للحضانة): أي في نظيرها، وليس لها أن تنفق على نفسها من نفقة الولد لأجل حضانتها. وهذا هو قول مالك الذي رجع إليه، وأخذ به ابن القاسم بعد أن كان يقول: ينفق عليها من مال الغلام، نعم إن كانت الأم معسرة فلها النفقة على نفسها من ماله لعسرها لا للحضانة. والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ــ
قوله: [قبل علم من انتقلت الحضانة له]: مفهومه أنه إذا علم بزواجها وسكت عن أخذ الولد عاماً أو أقل ولم يعلم حتى تأيمت لم ينزعه منها، ولا مقال له وما تقدم في قوله إلا أن يعلم ويسكت العام، أي فليس له انتزاعه منها، فإن سكت أقل من العام كان له انتزاعه إذا لم تتأيم، فالموضوع مختلف كذا ذكره الأجهوري.
قوله: [وللحاضنة أماً أو غيرها قبض نفقته] اللام بمعنى على أي ويجب عليها قبض نفقته بدليل قول الشارح، وليس للأب ... إلخ، وليس لها ... إلخ، وإذا قلنا على الحاضنة قبض ما يحتاج إليه المحضون لو ادعت تلفه؛ فهل يقبل قولها في ذلك أم لا؟ ومذهب ابن القاسم أنها ضامنة إلا أن تقوم بينة على التلف كما مر؛ لأن الضمان هنا ضمان تهمة ينتفي بإقامة البينة، لا ضمان أصالة لأنه لو كان ضمان أصالة لضمنته، ولو قامت بينة على تلفه بلا تفريطه كالمقترض والمشتري بعد الشراء اللازم.
قوله: [أي فيما يخصها ويخص الولد]: أي بأن يوزعها الحاكم أو غيره عليهما، فيجعل نصف أجرة المسكن مثلاً في مال المحضون أو أبيه ونصفها على الحاضنة أو ثلثها في مال المحضون أو أبيه، وثلثيها على الحاضنة أو بالعكس.
قوله: [انتهى] أي كلام التوضيح وقد نقلها (بن) وبسطها بأوسع من هذا، فجميع عبارة التوضيح هذه عين ما قبلها.
قوله: [أي بالاجتهاد]: أي فقد حذفه من الثاني لدلالة الأول عليه، وفي العبارة تكرار لا يخفى.
قوله: [نعم إذا كانت الأم إلخ] استدراك على قوله وليس لها أن تنفق على نفسها إلخ، كأنه قال محل الخلاف إذا كانت النفقة لأجل الحضانة، وأما لغيرها وعسرها فلها النفقة على نفسها من مال الطفل حيث كان ولداً لها قلت النفقة عن أجرة المثل في الحضانة أو كثرت لأنها تستحق النفقة ولو لم تحضنه، وانظر إذا لم تكن الحاضنة أماً ولم يوجد له حاضن غيرها، وكانت فقيرة هل يقضى لها بالإنفاق من ماله أو مال أبيه إن لم يكن له مال لتوقف مصالحه على ذلك؟ وهو الظاهر والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأكرم وعلى آله وصحبه وسلم. وقد تم الجزء الأول من هذا التعليق اللطيف على يد العبد الضعيف في خدمة أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك ﵁، وعنى به ليلة الأربعاء لخمس بقين من المحرم سنة ١٢٢١ إحدى وعشرين ومائتين وألف من الهجرة الشريفة على صاحبها أفضل التحيات النيفة.