وتعتبر (يوم القبض) لا يوم الحكم.
(وكبيعتين في بيعة) فإنه فاسد للنهي عنه للجهل بالثمن حال العقد، وفسر ذلك بقوله: (يبيعها بتاً) لهما أو لأحدهما. فإن كان على الخيار لهما معاً جاز (بعشرة نقداً أو أكثر) كأحد عشر (لأجل) معلوم وأولى مجهول.
(أو) يبيع (سلعتين مختلفتين) جنساً كثوب ودابة، أو صفة؛ كرداء وكساء؛ والمراد بيع أحدهما على اللزوم بعشرة، ففاسد للجهل بالمثمن حال العقد. فإن وقع العقد على اختيار المشتري جاز (إلا) إذا كان اختلافهما (بجودة ورداءة) فقط مع اتفاقهما فيما عداهما كثوب جيد وآخر من جنسه رديء، فيجوز بيع أحدهما على اللزوم بعشرة لأن الشأن الدخول على أخذ الجيد. (ولو طعاماً) ربوياً (إن اتحد الكيل) كإردبي قمح أحدهما أجود فيجوز بيع أحدهما بدينار على اللزوم لأن الشأن اختيار الأجود (أو الأجود أكثر) من الرديء فيجوز وهو ظاهر. وهذا نسبه فضل للمدونة واختاره غيره واعتمد هذا القول، فقول الشيخ: "لا طعام" ضعيف وقولنا: "إن اتحد الكيل" أي والوزن فيما يوزن (و) اتحد (الثمن) كما هو الموضوع، صرح به لمزيد الإيضاح. (إلا أن يصحبهما): أي الطعامين (أو) يصحب (الرديء) منهما (غيره): أي غير الطعام من عرض أو حيوان، فلا يجوز.
(وكبيع حامل) آدمية أو غيرها من الحيوان (بشرط الحمل) إن قصد استزادة الثمن للغرر؛ إذ قد تلده حياً وقد لا تلده لانفشاش الحمل وقد تلده ميتاً، فإن قصد التبري جاز.
(واغتفر) للضرورة (غرر يسير) إجماعاً: كأساس لداره المبيعة، فإنه لا يعلم عمقه ولا عرضه ولا متانته. وكإجارتها مشاهرة من غير معرفة نقصان الشهور، وكجبة محشوة ولحاف، وشرب من سقاء، ودخول حمام مع اختلاف الشرب والاغتسال (لم يقصد) فإن كان يقصر [١]، كبيع حامل بشرط الحمل لم يجز كما تقدم.
(وككالئ [٢] بكالئ): من الكلاءة بكسر الكاف: أي الحفظ.
ــ
قوله: [وتعتبر يوم القبض]: أي وأما في الإجارة فعليه أجرة المثل وهي قيمة المنافع في أزمانها وفي النفقة عليه قيمة ما أنفق في زمانه.
قوله: [وكبيعتين في بيعة]: المراد بالبيعة: العقد و "في": إما للظرفية أو السببية، وفي العبارة حذف والتقدير وكبيعتين حاصلتين في بيعة أو ناشئتين بسبب بيعة.
قوله: [فإن وقع العقد على اختيار المشتري جاز]: المناسب على خيار المشتري لأن الاختيار هو الموضوع فتارة الاختيار يجامع اللزوم أو السكوت وهو الممنوع وتارة يجامع الخيار وهو الجائز.
قوله: [فقول الشيخ لا طعام]: وجه منع الطعام على ما قال الشيخ: أن من خير بين شيئين يعد منتقلاً لأنه قد يختار شيئاً ثم ينتقل عنه إلى أكثر منه أو أقل أو أجود وهو تفاضل. ولأنه يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه. ورد هذا: بأن الشأن الدخول على أخذ الجيد فلا يتأتى للعاقل انتقال.
قوله: [إلا أن يصحبهما] إلخ: علة المنع فيهما ما في ذلك من بيع الطعام قبل قبضه ولأن من خير بين شيئين منتقلاً فيؤدي إلى بيع طعام وعرض بطعام وعرض أو بيع طعام وعرض بطعام، وكل منهما ممنوع لدخول الشك في التماثل. ومثل ذلك في المنع، بيعه نخلة مثمرة على اللزوم ليختارها المشتري من نخلات مثمرات معينات إلا من باع بستانه المثمر فله أن يستثني عدداً يختاره منه بشرط أن يكون المستثنى قدر ثلث الثمر كيلاً فأقل ولا ينظر لعدد النخل ولا لقيمته وإنما جاز في هذه المسألة، إما لأن المستثنى مبقى أو لأن البائع يعلم جيد حائطه من رديئه فلا يختار ثم ينتقل كذا في الأصل.
قوله: [وكبيع حامل]: أي فهو فاسد للنهي عنه فإن فات المبيع مضى بالثمن لأن بيع الحامل بشرط الحمل مختلف في صحته، فإن الشافعي يقول بالصحة - كذا في الحاشية وظاهره أنه يمضي بالثمن عند الفوات ظهر بها حمل أو لا، والصواب قصره على ما إذا تبين حملها فإن تبين عدمه مضى بالقيمة كذا في الـ (مج)، لأن الحامل يزاد في ثمنها فأخذ ما زيد من الثمن إن تخلف الحمل من أكل أموال الناس بالباطل. قوله: [فإن قصد التبري جاز]: ظاهره لا فرق بين الحمل الظاهر والخفي. ولكن هذا في غير الآدمي وأما الآدمي فإن قصد التبري جاز في الحمل الظاهر كالخفي في الوخش إذ قد يزيد ثمنها به دون الرائعة، فإن لم يصرح بما قصد حمل على الاستزادة في الوخش وفي غير الآدمي. وعلى التبري في الرائعة كذا في الأصل.
قوله: [كأساس لداره] أي كالغرر بالنسبة لأساس الدار المبيعة وإلا فالأساس ليس غرراً وكذا يقال فيما بعده.
قوله: [وكجبة محشوة ولحاف]: أي وأما حشو الطراحة. فلا بد من نظره ولا يغتفر الغرر فيه لكثرته.
قوله: [من الكلاءة بكسر الكاف أي الحفظ]: استشكل ذلك بأن الدين مكلوء لا كالئ والكالئ إنما هو صاحبه لأنه الذي يحفظ المدين. وأجيب: بأنه مجاز في إسناد معنى الفعل لملابسه. فحق الكلاءة أن تسند للشخص بأن يقال: كالئ صاحبه فأسندت للدين للملابسة التي بين الدين وصاحبه، أو: إن كالئا بمعنى مكلوء، فهو مجاز مرسل من إطلاق اسم الفاعل وإرادة اسم المفعول لعلاقة اللزوم
стр. 562
وفي الحديث: «اللهم كلاءة ككلاءة الوليد»، وفي القرآن: ﴿قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن﴾ [الأنبياء: ٤٢]، وهو (دين بمثله) سمي بذلك لأن كلاً منهما يحفظ صاحبه ويراقبه.
(وهو أقسام) ثلاثة: الأول (فسخ ما في الذمة في مؤخر) من غير جنسه أو في أكثر مما لو كان عليه عشرة دراهم فسختها في دينار أو ثوب متأخر قبضه أو في أحد عشر درهماً يتأخر قبضها، وأما تأخيرها أو مع حطيطة بعضها فجائز هذا إذا كان المفسوخ فيه في الذمة بل (ولو) كان (معيناً) عقاراً أو غيره (يتأخر قبضه كغائب) عن مجلس الفسخ، لأنه لا يدخل في ضمانه إلا بالقبض مع بقاء الصفة المعينة حين الفسخ كأمة [١].
(و) كأمة (مواضعة) فسخها بائعها المدين للمشتري قبل رؤيتها الدم في دين عليه له. أو أن من عنده أمة شأنها أن تتواضع لا يصح دفعها في دين عليه، لأنها لا تدخل في ضمان مشتريها إلا برؤية الدم.
(أو) كان المفسوخ فيه (منافع) شيء (معين) كأن يفسخ ما عليه من الدين في ركوب دابة أو خدمة عبد أو سكنى دار معينة، وهو مذهب ابن القاسم. وقال أشهب بالجواز، وأما غير المعينة فلا يجوز باتفاقهما فعلم أنه لا يجوز لمن له دين على ناسخ أن يقول له: انسخ لي هذا الكتاب بما لي عليك من الدين، وأما لو نسخ لك الكتاب أو خدمك بأجر معلوم بغير شرط وبعد الفراغ قاصصته بما عليه، فجائز.
(و) الثاني: (بيعه) أي الدين (بدين) لغير من هو عليه، (كبيع ما) أي دين (على غريمك بدين في ذمة) رجل (ثالث) وأما بيعه بحال أو بمعين يتأخر قبضه أو بمنافع معين فلا يمنع.
(و) الثالث: (ابتداؤه) أي الدين (به): أي بالدين (كتأخير رأس مال السلم) أكثر من ثلاثة أيام. ومعناه: أن يتعاقدا على أن يسلمه ديناراً في شيء مثلاً [٢] على أنه لا يأتيه برأس السلم إلا بعد ثلاثة أيام أو أكثر؛ فإنه ممنوع لما فيه من ابتداء دين بدين. إذ كل منهما أشغل ذمة صاحبه بدين له عليه، وسيأتي تفصيل المسألة في باب السلم.
ولما بين منع الدين بالدين بأقسامه الثلاثة،
ــ
لأنه يلزم من الكالئ المكلوء وعكسه.
قوله: [وفي الحديث] إلخ استدلال على أن الكلاءة معناها الحفظ، ومعنى الحديث اللهم إنا نسألك حفظاً منك لأنفسنا كحفظ والدي المولود للمولود فوليد بمعنى مولود. قوله: [وهو أقسام ثلاثة]: أي وهي فسخ الدين في الدين وبيع الدين بالدين وابتداء الدين بالدين، وبدأ المصنف بفسخ الدين لأنه أشدها لكونه ربا الجاهلية.
قوله: [وأما تأخيرها]: أي من غير زيادة وقوله أو مع حطيطة بعضها أي بأن يحط عنه البعض ويؤخر بالباقي فإنه جائز ولو كان طعاماً من بيع أو كان نقداً من بيع أو من قرض خلافاً ل (عب) وليس هذا من فسخ الدين في الدين بل هو سلف أو مع حطيطة ولا يدخل في قول المصنف فسخ ما في الذمة لأن حقيقة الفسخ الانتقال عما في الذمة إلى غيره كما قاله الأجهوري، ثم إن قول المصنف فسخ ما في الذمة أي ولو اتهاماً فدخل فيه ما إذا أخذ منه في الدين شيئاً ثم رده إليه بشيء مؤخر من غير جنس الدين أو من جنسه وهو أكثر لأن ما خرج من اليد وعاد إليها يعد لغواً، ودخل أيضاً ما لو قضاك دينك ثم رددته إليه سلماً وهاتان الصورتان تقعان بمصر للتحيل على التأخير بزيادة.
قوله: [بل ولو كان معيناً]: رد ب "لو" على أشهب وسينبه عليه الشارح، ومثل الفسخ في منافع الذات المعينة في عدم جواز الفسخ في ثمار يتأخر جذها أو سلعة فيها خيار أو رقيق فيه عهدة ثلاث أو ما فيه حق توفية بكيل أو وزن أو عدد.
قوله: [وقال أشهب بالجواز]: أي وصحح وقد كان الأجهوري يعمل به فكانت ل حانوت ساكن فيها مجلد الكتب فكان إذا ترتب له أجرة في ذمته يستأجره بها على تجليد كتبه وكان يقول هذا على قول أشهب وصححه المتأخرون وأفتى به ابن رشد
قوله: [وبعد الفراغ قاصصته بما عليه فجائز] أي لأنه ليس بفسخ ما في الذمة في مؤخر بل هو مقاصصة شرعية. قوله: [في ذمة رجل ثالث]: أي فلا يتصور بيع الدين بالدين لأقل من ثلاثة بل في ثلاثة أو أربعة لأنه لا بد فيه من تقدم عمارة ذمة أو ذمتين فالأول يتصور في ثلاثة كمن له دين على شخص فيبيعه من ثالث لأجل والثاني في أربعة ومثاله بكر له دين على زيد وخالد له دين على عمرو فيبيع خالد دينه الذي على عمرو بدين بكر الذي على زيد وهذه ممتنعة ولو كان كل من الدينين حالاً لعدم تأتي الحوالة هنا فتأمل.
قوله: [أو بمعين يتأخر قبضه]: وسواء كان ذلك المعين عقاراً أو غيره فإذا كان لزيد دين على عمرو فإنه يجوز له بيعه لبكر بمعين يتأخر قبضه أو بمنافع ذات المعين؛ وإذا علمت أن الدين يجوز بيعه بما ذكر ولا يجوز فسخه تعلم أن هذا القسم أوسع مما قبله. إن قلت الدين لا يجوز بيعه إلا إذا كان على حاضر وكان الشراء بالنقد والمعين الذي يتأخر قبضه ومنافع الذات المعينة ليست نقداً. أجيب بأن المراد بالنقد ما ليس مضموناً في الذمة ولا شك أن المعين ومنافعه ليست مضمونة في الذمة لأن الذمة لا تقبل المعينات فهي نقد بهذا المعنى وليس المراد بالنقد المقبوض بالفعل فقط.
قوله: [والثالث ابتداؤه]: أي وهو أخف من بيع الدين لجواز التأخير فيه ثلاثة أيام مع أن هذا لا يجوز في بيع الدين. قوله: [إلا بعد ثلاثة أيام أو أكثر]: البعدية ظرف متسع فلا حاجة لقوله أو أكثر.
قوله: [ولما بين منع الدين بالدين]: أي الذي
стр. 563
شرع في بيان حكم بيعه بالنقد ولا يخلو من هو عليه من كونه ميتاً أو حياً حاضراً أو غائباً فقال: (وشرط) صحة (بيع الدين: حضور المدين) وذلك يستلزم حياته (وإقراره) به لا إن لم يقر ولو ثبت بالبينة لأنه من بيع ما فيه خصومة.
(وتعجيل الثمن) وإلا كان بيع دين بدين وتقدم منعه.
(وكونه) أي الثمن (من غير جنسه) أي الدين (أو بجنسه) في غير العين.
(واتحدا قدراً وصفة) لا إن كان أقل؛ لما فيه من دفع قليل في كثير وهو سلف بمنفعة.
(وليس) الدين (ذهباً) بيع (بفضة وعكسه) لما فيه من الصرف المؤخر. ولو قال: "وليس عيناً بعين" لكان أحسن ليخرج البدل المؤخر (ولا طعام معاوضة) وإلا لزم بيع طعام المعاوضة قبل قبضه، وقد ورد النهي عنه.
(لا دين ميت) فلا يصح بيعه لأنه من بيع ما فيه خصومة (و) لا دين (غائب) ولو قربت غيبته (و) لا دين (حاضر لم يقر به) وإن ثبت بالبينة لما ذكر.
(وكبيع العربان) بضم فسكون، اسم مفرد ويقال: عربون بضم العين وفتحها وهو: (أن) يشتري أو يكتري سلعة و (يعطيه شيئاً) من الثمن (على أنه) أي المشتري (إن كره البيع تركه) للبائع وإن أحبه حاسبه به أو تركه؛ لأنه من أكل أموال الناس بالباطل؛ ويفسخ. فإن فات مضى بالقيمة ويحسب منها العربون. فإن أعطاه على أنه إن كره البيع أخذه وإن أحبه حسبه من الثمن جاز.
(وكتفريق أم عاقلة) مسلمة أو كافرة (فقط) لا بهيمة ولا أب ولا جدة [١] (من ولدها) ولو من زنا (ما لم يثغر) بتشديد المثلثة ويجوز قلبها مثناة. وذلك لأن أصله يثتغر بمثلثة هي فاء الكلمة ومثناة هي تاء الافتعال فجاز قلب إحداهما من جنس الأخرى ثم تدغم فيها: أي مدة كونه لم تنبت أسنانه بعد سقوط رواضعه (أو) ما لم (ترض) الأم (به) أي بالتفريق، وإلا جاز لأنه من حقها.
(وفسخ) البيع (إن لم يجمعهما بملك) لا بمجرد حوز بأن أبى المشتري للأم أو الابن أن يشتري الآخر، فإن جمعهما صح. فإن فات جبرا على جمعهما في حوز لا يفسخ.
(وأجبرا على جمعهما به): أي بملك (إن كان) التفريق (بغير عوض) كهبة أو صدقة لأحدهما أو هبتهما لشخصين ببيع أو غيره على الأرجح.
(وقيل [٢]): يكفي (الحوز) أي جمعهما فيه (كالعتق) لأحدهما فإنه يكفي في الحوز قولاً واحداً (وجاز بيع نصفهما) معاً لشخص وجبرا على جمعهما في حوز واحد (و) جاز بيع (أحدهما) دون الآخر (للعتق) وجبرا على جمعهما أيضاً في حوز واحد، وقوله: "للعتق" راجع للثانية فقط.
ــ
هو الكالئ بالكالئ الشامل للأقسام الثلاثة.
قوله: [في بيان حكم بيعه بالنقد]: إن حقيقة أو حكماً كبيعه بمعين يتأخر قبضه أو منافع معين.
قوله: [حضور المدين]: إنما اشترط حضوره ليعلم من فقر أو غنى إذ لا بد من علم ذلك لاختلاف مقدار عوض الدين باختلاف حال المدين بفقر أو غنى والمبيع لا يصح أن يكون مجهولاً.
قوله: [وإقراره به]: أي ولا بد أن يكون ممن تأخذه الأحكام. قوله: [وتعجيل الثمن]: أي حقيقة أو حكماً كبيعه بمنافع معين يتأخر قبضها لأن قبض الأوائل قبض للأواخر.
قوله: [أو بجنسه]: أي فالشرط أحد أمرين إما كونه من غير جنسه أو بجنسه واتحد قدراً وصفة.
تنبيه: من اشترى ديناً أو وهب له وكان برهن أو حميل لم يدخل فيه الرهن أو الحميل إلا بشرط دخولهما وحضور الحميل وإقراره بالحمالة وإن كره لمن ملكه، وهذا بخلاف من ورث ديناً برهن أو حميل فإنه يكون له ما به وإن لم يشترط ذلك. وللراهن وضعه عند أمين إذا كره وضعه عند الوارث.
قوله: [وليس الدين ذهباً]: بقي من الشروط ألا يكون بين المشتري والمدين عداوة فتحصل أن الشروط تسعة: حياته، وحضوره، وإقراره، وكونه ممن تأخذه الأحكام، وألا يكون بين المشتري وبينه عداوة، وتعجيل الثمن حقيقة أو حكماً، وكونه بغير جنسه أو بجنسه واتحد قدراً وصفة وليس عينا عيناً ولا طعام معاوضة.
قوله: [وإن ثبت بالبينة]: راجع لدين الميت وما بعده أي فلا يصح بيع دين من ذكر وظاهره ولو أقر ورثة الميت وكانت تأخذهم الأحكام وقوله لما ذكر أي الذي هو شراء ما فيه خصومة.
قوله: [اسم مفرد]: أي لا جمع ولا اسم جمع. قوله: [بضم العين وفتحها]: أي مع فتح الراء كحلزون وتبدل العين همزة في الجميع ففيه لغات ست عربان وأربان كقربان وعربون وأربون بضم الأول فيهما وسكون الثاني وبفتح الأول والثاني.
قوله: [جاز]: أي وتحتم عليه إن كان لا يعرف بعينه كما قال المواق لئلا يتردد بين السلفية والثمنية.
قوله: [وكتفريق أم]: أي فهو منهي عنه لقوله ﵊: «من فرق بين أم وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة»، والمراد بالأم أم النسب لا أم الرضاع. قوله: [أو كافرة]: أي غير حربية وأما لو كانت حربية بأن ظفر بالأم دون الولد أو بالعكس فإنه يؤخذ من ظفر به ويباع ولا حرمة في التفريق.
قوله: [وإلا جاز]: أي على المشهور وقيل إنه حق الولد فعليه يمنع ولو رضيت.
قوله: [فإنه يكفي في الحوز قولاً واحداً]: أي لتشوف الشارع للحرية.
قوله: [وجاز بيع نصفهما]: أي لاتحاد المالك سواء كان مشتري
стр. 564
(كبيع وشرط) أي مع شرط (يناقض المقصود) من البيع كأن يبيعها بشرط ألا يركبها أو لا يبيعها أو لا يلبسها ولا يسكنها أو لا يتخذها أم ولد.
(إلا) أن يكون الشرط (تنجيز عتق) لا كتابتها ولا عتقها لأجل، فإن باع بشرط تنجيز العتق جاز لتشوف الشارع للحرية (أو) يكون الشرط (كصدقة): مثلها الهبة والتحبيس، ثم إن باعه بشرط العتق صح (ولا يجبر) المشتري عليه (إن أبهم البائع) في شرطه ولم يقيد بإلزام وإيجاب للعتق على [١] المشتري (كالمخير في العتق ورد البيع) بأن باعه على أن المشتري مخير بين عتقه ورده لبائعه. فإن اشتراه على ذلك لم يجبر المشتري على العتق فإن لم يعتقه كان للبائع رد البيع وإمضاؤه.
(بخلاف الاشتراء على) شرط (إيجابه) أي العتق على المشتري، بأن شرط عليه البائع ذلك فاشتراه على ذلك فإنه يجبر على عتقه، فإن أبى أعتقه الحاكم عليه (كالعتق بالشراء) تشبيه في لزوم العتق لا بقيد الجبر لأن العتق حاصل بنفس الشراء ولا يحتاج إلى إنشاء بعد يعني أنه إذا قال: "إن اشتريته فهو حر أو معتوق" وسواء شرط عليه البائع ذلك أو قاله من نفسه فإنه يعتق عليه بنفس الشراء كما لو قال: "إن تزوجتها فهي طالق". (أو) بيع وشرط (يخل بالثمن) فهو عطف على "يناقض المقصود" ومعنى: "يخل بالثمن" بأن يؤدي إلى نقص أو زيادة [٢] فيه، ومثله بقوله: (كبيع بشرط سلف) وصورها أربع؛ لأن البائع إما أن يقول للمشتري: أبيعك هذا على أن تسلفني كذا، أو بشرط أن أسلفك، وإما أن يقول المشتري للبائع: أشتريه منك على أن أسلفك أو على أن تسلفني كذا، وأما جمعهما من غير شرط فالراجح الجواز. وأما تهمة بيع وسلف فممنوع كما يأتي في بيوع الآجال. فالمسائل ثلاثة: بيع بشرط السلف ولو بجريان العرف وهو ما أشار له، وبيع مع سلف بلا شرط فجائز، وتهمة بيع وسلف وهو ما يأتي منعه في بيوع الآجال.
ــ
الجزء اشتراه للعتق أم لا بدليل التقييد الآتي فمراده بالنصف الجزء من كل استوى الجزءان أو اختلفا وأما لو بيع أحدهما مع جزء الآخر لشخص فنص المدونة المنع خلافاً لأبي الحسن القائل بجوازه كما في الحاشية.
تنبيه: يجوز لمعاهد حربي نزل إلينا بأمان ومعه أمة وولدها التفرقة بينهما ويحرم علينا الاشتراء منه ولكنه صحيح وإذا اشترى مسلم الأمة، وآخر ولدها وجب عليهما جمعهما في ملك لمسلم ولا يرد الملك للكافر وصدقت المسبية مع ولدها في دعواها الأمومة فلا يفرق بينهما اتحد سابيهما أو اختلف إلا لقرينة على كذبها ولا توارث بينهما على كل حال لاحتمال كذبها ولا ميراث مع الشك، أما هي فلا ترثه قطعاً، وأما هو فكذلك إن كان لها وارث ثابت النسب يحوز جميع المال، فإن لم يكن لها وارث على الوجه المذكور ورثها.
قوله: [وكبيع وشرط]: اعلم أن الشرط الذي يحصل عند البيع إما أن ينافي المقصود أو يخل بالثمن أو يقتضيه العقد أو لا يقتضيه ولا ينافيه فالمضر الأولان دون الأخيرين فالذي يناقض المقصود مثله بقوله كأن لا يركبها أو لا يبيعها إلخ، والذي يخل بالثمن بقوله: كبيع بشرط سلف والذي يقتضيه العقد كشرط تسليم المبيع ولم يمثل له هنا وإن كانت أحكامه معلومة مما مضى ومما يأتي في خيار النقيصة والاستحقاق. والذي لا يقتضيه ولا ينافيه أفاده بقوله: كشرط رهن وحميل فهذا الأخير إن اشترط عمل به وإلا فلا، والشرط الذي قبله لازم له على كل حال، وهذا التفصيل لمالك وذهب أبو حنيفة إلى تحريم البيع مع الشرط مطلقاً لما ورد «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع وشرط»، وذهب بعضهم إلى الجواز مطلقاً عملاً بما في الصحيح «أن جابراً باع ناقة لرسول الله ﷺ واشترط حلابها وظهرها للمدينة»، وذهب بعضهم إلى بطلان الشرط مع صحة البيع مطلقاً لحديث عائشة ﵂ «أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة وأعتقها وإن اشترط أهلها الولاء فإن الولاء لمن أعتق» فجاز البيع وبطل الشرط فأحاط مالك بتلك الأحاديث واستعملها في مواضعها وتأولها على حسب اجتهاده.
قوله: [ثم إن باعه بشرط العتق]: أي وما ألحق به من صدقة أو هبة أو تحبيس. قوله: [ولا يجبر المشتري عليه إن أبهم]: حاصله أن شرط تنجيز العتق له وجوه أربعة البيع فيها صحيح وإنما يفترق الحكم في صفة وقوع العتق من افتقاره لصيغة وعدم افتقاره لها وفي الجبر على العتق وعدمه وفي شرط النقد وعدمه فوجهان لا يجبر فيهما المشتري على العتق ولا يجوز فيهما اشتراط النقد، بل شرط النقد يفسده لتردده بين السلفية والثمنية: الأول إن أبهم البائع في شرطه العتق بأن قال أبيعك بشرط أن تعتقه ولم يقيد ذلك بإيجاب ولا خيار. والثاني التخيير بأن قال أبيعك على أنك مخير بين عتقه ورد البيع، ووجهان يخير فيهما ولا يضر شرط النقد الأول منهما: أن يبيعه على شرط أن يعتقه لزوماً لا تخلف له عنه فرضي المشتري بذلك فإنه يجبر على العتق بإنشاء صيغة فإن أبى أعتقه عنه الحاكم، والثاني: أن يشتريه على أنه حر بنفس الشراء ولا يحتاج هذا إلى إنشاء عتق ولا حكم من حاكم ويكون حراً بنفس الشراء وشرط النقد صحيح فيه أيضاً.
قوله: [بأن يؤدي إلى نقص]: أي إن كان المتسلف البائع، وقوله
стр. 565
وليس هو بضعيف.
(وصح) البيع (إن حذف الشرط) المناقض للمقصود أو المخل بالثمن (ولو غاب) المتسلف منهما (عليه): أي على السلف غيبة يمكن فيها الانتفاع به. قال الشيخ في التوضيح: ظاهر إطلاقاتهم وإطلاق ابن الحاجب أنه لا فرق في الإسقاط بين أن يكون قبل فوات السلعة أو بعد فواتها. لكن ذكر المازري: أن ظاهر المذهب أنه لا يؤثر إسقاطه بعد فواتها في يد المشتري؛ لأن القيمة حينئذ قد وجبت عليه فلا يؤثر الإسقاط بعده. اهـ. وهو ظاهر إلا أن قوله: "لأن القيمة" إلخ فيه نوع منافاة لقولنا.
(وفيه) أي: في البيع بشرط السلف (إن فات) المبيع بيد المشتري (الأكثر من الثمن) الذي وقع به البيع (والقيمة يوم قبضه) من بائعه هذا (إن أسلف المشتري) بائعه لأنه لما أسلفه أخذها منه ببخس (كالمناقض) أي كالشرط المناقض فإن فيه الأكثر منهما إذا فات المبيع بيد المشتري، لأنه بشرطه المناقض يلزم النقص في الثمن فوجب له الأكثر وهذا قد تركه الشيخ (وإلا) بأن كان السلف من البائع (فالعكس): أي يلزم المشتري الأقل من الثمن والقيمة؛ لأن الشأن في سلف البائع الزيادة على قيمتها فعومل كل بنقيض قصده (وجاز) في البيع (شرط رهن وحميل وأجل) معلوم (وخيار) لأنها لا تنافي المقصود ولا تخل بالثمن بل هي مما تعود على البيع بمصلحة. (وكبيع الأجنة) جمع جنين: وهو ما في بطن الحيوان من الحمل، فإنه فاسد للنهي عنه لما فيه من الغرر.
(و) كبيع (ما في ظهور الفحل): أي ما يتكون من منيه في رحم الأنثى لشدة الغرر. وأراد بالفحل: الجنس الصادق بالمتعدد، ولو أفرد ظهور كان أولى.
(وكبيع بعد) الشروع في (نداء الجمعة) وهو الأذان الثاني الذي بين يدي الخطيب على المنبر للنهي عنه لما فيه من الاشتغال به عن السعي لها (أو بعد ركون السائم) سلعة، للنهي عنه لما فيه من وقوع الشحناء بين المشتريين.
(وكالنجش) بفتح النون وسكون الجيم أي بيعه وهو الزيادة في المبيع للغرر والناجش هو الذي (يزيد) في السلعة على ثمنها لا لإرادة شرائها بل (ليغر) غيره بالزيادة.
ــ
أو زيادة أي إن كان المتسلف المشتري.
قوله: [وليس هو بضعيف]: أي كان حققه (بن) ونصه وذلك أن الصور ثلاث: بيع وسلف بشرط ولو بجريان العرف وهي التي تكلم عليها المصنف هنا يعني خليلاً. وبيع وسلف بلا شرط لا صراحة ولا حكماً وهي التي أجازوها هنا أيضاً وتهمة بيع وسلف وذلك حيث يتكرر البيع وهي التي تكلم عليها المصنف هناك يعني في بيوع الآجال فما أجازوه هنا غير ما منعوه هناك لأن ما هنا فيه التهمة بالدخول على شرط بيع وسلف وسيأتي إن شاء الله ما يدل على أن المنع فيه هو المذهب والله أعلم اهـ، فمراد الشارح بتهمة بيع وسلف التهمة بالدخول على شرط بيع وسلف لا تهمة نفس البيع والسلف كما هو صريح كلام (بن). قوله: [وصح البيع]: أي وليس فيه إلا الثمن الذي وقع به البيع وهذا مع قيام المبيع فإن فات فسيأتي.
قوله: [ولو غاب المتسلف]: أي هذا إذا لم يغب المتسلف على العين التي تسلفها بل ولو غاب عليها إلخ وحاصله أنه إذا أراد السلف لزمه والسلعة قائمة صحح العقد ولو بعد غيبة المتسلف غيب يمكنه فيها الانتفاع به هذا هو المشهور وقول ابن القاسم ومقابله المردود عليه بلو قول سحنون وابن وهب أن البيع ينقض مع الغيبة على السلف ولو أسقط شرط السلف لوجود موجب الربا بينهما وهو الانتفاع.
قوله: [لكن ذكر المازري] إلخ: كلام المازري هو الأوجه في النظر لأننا لو قلنا بالصحة عند إسقاط الشرط بعد الفوات لزم عليه مضي المبيع بالثمن وهو لا يخلو من ضرر على أحد المتبايعين فلذلك عممنا في الحاصل الآتي بعد.
قوله: [إن فات المبيع] إلخ: حاصله أنه إذا وقع البيع بشرط السلف وفاتت السلعة عند المشتري سواء أسقط الشرط أم لا كما هو طريقة المازري فإن كان المشتري أسلف البائع فإنه يلزمه الأكثر من الثمن والقيمة وإن كان المسلف هو البائع فعلى المشتري الأقل من الثمن والقيمة وهذا التفصيل الذي ذكره المصنف مذهب المدونة ومقابله لزوم القيمة مطلقاً كان المسلف البائع أو المشتري.
قوله: [والقيمة]: أي إن كان المبيع مقوماً وإن كان مثلياً فإنما فيه المثل فهو بمثابة ما لو كان قائماً فرد المثل كرد عينه.
قوله: [شرط رهن] إلخ: أي مثل أن يبيعه السلعة بثمن مؤجل على شرط رهن أو حميل وهذه الأمور المشترطة يقضى بها مع الشرط لا بدونه.
قوله: [فإنه فاسد للنهي عنه]: أي فقد ورد النهي عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة ففسر مالك المضامين ببيع ما في بطون الإبل من الأجنة والملاقيح بما في ظهورها من الماء الذي يتكون منه الجنين، وحبل الحبلة بتأجيل الثمن إلى أن ينتج النتاج أي تلد الأولاد.
قوله: [بعد الشروع في نداء الجمعة]: تقدم حكمه في باب الجمعة عند قوله وفسخ بيع ونحوه بأذان ثان فإن فات فالقيمة حين القبض.
قوله: [أو بعد ركون لسائم] إلخ: أي ففي الحديث: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ولا يسوم على سومه».
قوله: [وكالنجش]: أي لما في الموطأ عن ابن عمر «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع النجش».
قوله: [على ثمنها]: أي الذي شأنها أن تباع به تلك السلعة وهو القيمة وعلى هذا فإذا بلغ بزيادته قيمتها فلا حرمة
стр. 566
(وللمشتري رده): أي المبيع حيث علم (إن لم يفت، وإلا فالقيمة أو الثمن) أي هو بالخيار، فيلزمه الأقل منهما (وجاز) لمن أراد شراء سلعة في المزاد (سؤال البعض) من الحاضرين لسومها (ليكف عن الزيادة) فيها ليشتريها السائل، قال ابن رشد: ولو في نظير شيء يجعله لمن كف عن الزيادة، نحو: كف عن الزيادة ولك درهم، ويقضي له به حيث كف عنها (لا) سؤال (الجميع) ليكفوا عن الزيادة فلا يجوز لما فيه من الضرر على البائع. ومثل الجميع: من في حكمهم كشيخ السوق، فإن وقع خير البائع في الرد والإمضاء، فإن فات فله الأكثر من الثمن والقيمة. فإن أمضى فليس لهم مشاركته على الصواب وليس له أن يلزمهم الشركة وهو ظاهر.
(وكبيع حاضر سلعة عمودي) للنهي عن ذلك وسواء كان لها ثمن عنده أم لا. ومحل المنع إذا (لم يعرف ثمنها) بالحاضرة أو يعرفه ويتفاوت، فإن عرفه وكان لا يتفاوت كما إذا كان يعلم أن قنطار العسل في الحاضرة بدينار فباعه له الحاضر بالسعر الواقع فلا ضرر؛ لأنه والحالة هذه مجرد وكيل عنه وقيل: يمنع مطلقاً ولو عرف ثمنها، وليس بالبين، والمنع مطلقاً (ولو بإرساله) السلعة (إليه): أي إلى الحاضر ليبيعها له (وفسخ) البيع إن لم يفت وإلا مضى بالثمن (وأدب) البائع وكذا المالك.
(وجاز) للحضري (الشراء له): أي للعمودي سلعة من الحضر بالنقد لا بغيره من السلع المجلوبة من عنده لأنه من البيع له.
(وكتلقي السلع) على دون ستة أميال (أو) تلقي (صاحبها) القادم قبل وصوله البلد ليشتري منه ما سيصل على الصفة أو ما وصل قبله، فإنه منهي عنه. (كأخذها منه) أي من صاحبها المقيم (بالبلد) قبل وصولها (على الصفة، ولو طعاماً) فيمنع قبل إخراجها لسوقها.
(ولا يفسخ) إن وقع بل يدخل في ضمان المشتري بالعقد (ولأهل السوق مشاركته) فيما اشتراه للتجارة.
(وجاز لمن) منزله أو قريته (على كستة أميال الأخذ) أي الاشتراء من السلع المجلوبة لبلد (مطلقاً) للتجارة وغيرها كان لها سوق أم لا (كمن على أقل) من ستة أميال (إن لم يكن لها سوق، وإلا) بأن كان لها سوق تباع فيه (فما يحتاجه لقوته فقط) كذا ذكره بعضهم معترضاً على الشيخ.
ولما أنهى الكلام على البياعات المنهي عنها أتبعه بما يوجب الضمان
ــ
عليه بل قال ابن العربي هو مندوب وقيل وهو الذي يزيد في السلعة ليقتدي به غيره وإن لم يزد على قيمتها، وعلى هذا فالمدار في الحرمة على زيادته من غير قصد شراء سواء زاد على قيمتها أم لا قصد غرر غيره أم لا فاللام في قوله لتغر للعاقبة لا للعلة.
قوله: [وللمشتري رده]: أي وله التماسك لأن البيع صحيح.
قوله: [وإلا فالقيمة]: حاصله أن المشتري يخير في حالة قيام المبيع بين الإجازة والرد وفي حال الفوات يلزمه الأقل من الثمن والقيمة ومقتضى قولهم بيع النجش صحيح اعتبار القيمة يوم العقد لا يوم القبض.
قوله: [ويقضي له به]: أي ولو لم يشترها الجاعل واستشكل ابن غازي ذلك بأنه من أكل أموال الناس بالباطل لا سيما إذا كان ربها لم يبعها وقال العبدوسي لا إشكال لأنه عوض على ترك وقد ترك اهـ (بن) ويجري مثل ذلك فيمن أراد تزوج امرأة أو يسعى في رزقه أو وظيفة وجعل لغيره دراهم على الكف فإنها تلزمه، قوله: [فإن فات فله الأكثر] إلخ: أي على حكم الغش والخديعة في البيع.
قوله: [فليس لهم مشاركته]: أي كما اعتمده (بن) خلافاً لما مشى عليه في الأصل تبعاً ل (عب). قوله: [وهو ظاهر]: أي لأن الضرر في سؤالهم إنما كان على البائع وهو قد رضي حيث أمضى البيع وأما المشتري فقد سلموا له لما سألهم وأسقطوا له حقهم ورضي هو بالشراء وحده فلا يجبر واحداً منهم على الشركة بحال.
قوله: [للنهي عن ذلك]: أي وهو قوله ﵊: «دعوا الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض»، وقوله ﵊: «لا يبع حاضر لباد». قوله: [وليس بالبين]: أي فالوجه الأول لأن علة النهي ترك المالك في غفلته وفي هذه الحالة لم يكن عنده غفلة.
قوله: [ولو بإرساله]: رد بلو على الأبهري القائل بجواز البيع في هذه الحالة لأنها أمانة اضطر إليها.
تنبيه: هل يمنع بيع الحاضر لأهل القرى الصغيرة إلحاقاً لهم بالبدو أو يجوز قولان المذهب الجواز.
قوله: [وإلا مضى بالثمن]: هذا هو المعتمد لأنه من المختلف فيه وقيل بالقيمة. قوله: [وأدب البائع] إلخ: أي إن لم يعذر بجهل وهل الأدب مطلقاً اعتاده أم لا أو إن اعتاده؟ قولان.
قوله: [بالنقد] إلخ: هذا هو المعتمد وقيل يجوز ولو بالسلع سواء حصلها بمال أو بغيره وفصل (عب) فقال: إن حصلها بمال جاز شراؤه له بها وبغير مال لا يجوز أن يشتري له بها لأنه بيع لسلعة.
قوله: [على دون ستة أميال]: وقيل إن النهي إذا كان التلقي على مسافة فرسخ أي ثلاثة أميال فلا يحرم إذا كان على أكثر منه، وقيل إذا كان على ميل فإن كان على أزيد فلا يحرم، والأول أرجحها.
قوله: [بل يدخل في ضمان المشتري بالعقد]: أي ما لم يكن فيه حق توفية وإلا فلا يدخل في ضمانه إلا بالقبض وينهى المتلقي عن تلقيه فإن عاد أدب ولا ينزع منه شيء لعدم فساد البيع.
قوله: [ولأهل السوق مشاركته]: أي إن كان لها سوق وإلا فالعبرة بأهل البلد وقيل يختص بها مطلقاً كان لها سوق أم لا شهره القاضي عياض.
قوله: [وجاز لمن منزله أو قريته]: إلخ. حاصل ما قاله الشارح في مسألة التلقي أن الشخص إما أن يكون خارجاً من البلد المجلوب إليه التجارة أو منزله خارج عنه تمر به التجارة، فمتى كان خارجاً لستة أميال أو منزله على ستة أميال جاز له الشراء مطلقاً للتجارة أو للقنية، كان لتلك السلع سوق بالبلد أم لا وإن كان على دون ستة أميال فالخارج يحرم عليه الشراء مطلقاً للتجارة أو القنية كان للسلع
стр. 567
في الفاسد على المشتري فقال: (ولا ينتقل ضمان) مبيع البيع (الفاسد) للمشتري (مطلقاً) متفقاً على فساده أو مختلفاً فيه، نقد الثمن أم لا، كان المبيع في صحيحه يدخل في ضمان مشتريه بالعقد أو بالقبض كالمثلي (إلا بقبضه) من بائعه (ورد) لبائعه وجوباً إن لم يفت ولا يجوز لمشتريه الانتفاع به ما دام قائماً.
(ولا غلة) لبائعه بل يفوز بها المشتري لأنه في ضمانه والغلة بالضمان، (ولا رجوع) للمشتري على البائع (بالنفقة) التي أنفقها على المبيع فاسداً؛ لأن النفقة في نظير الغلة تساويا أو لا.
(إلا ما لا غلة له) فله الرجوع على البائع بها (فإن فات) المبيع فاسداً بيد المشتري (مضى المختلف فيه): أي في فساده ولو خارج المذهب (بالثمن) الذي وقع فيه البيع فاسداً (وإلا) يكن مختلفاً فيه، بل كان متفقاً على فساده عند جميع الناس (فالقيمة) تعتبر (يوم القبض) أي قبض المشتري له إن كان مقوماً (ومثل المثلي إن) كان مثلياً و (علم) قدره (ووجد) في البلد، وإلا فقيمته أيضاً لكن يوم الحكم عليه بها. وهذا في غير الحبس، وأما هو فيرد لأصله ولو بعد سنين كثيرة. ويرجع مشتريه على البائع بالثمن أو بقيمته إن كان مقوماً وفات ويرد الغلة للمستحقين إن كان البائع غيرهم بلا إذن منهم.
ثم شرع في بيان ما يفوت به المبيع في الفاسد بقوله: (والفوات) يكون (بتغير سوق غير المثلي)، وأما المثلي فلا يفوت بتغير سوقه، وهذا ما لم يبع جزافاً، وإلا فيفوت بتغير سوقه، واللازم فيه القيمة (و) غير (العقار) كالعروض والحيوان، وأما العقار: وهو الأرض وما اتصل بها من بناء أو شجر
ــ
سوق أم لا، ومن منزله على دون ستة أميال جاز له الأخذ لقوته مطلقاً وللتجارة إن لم يكن للسلع سوق وهذا الحاصل الذي قاله الشارح زبدة الخلاف الذي في المذهب.
قوله: [في الفاسد]: أي من تلك البياعات المنهي عنها لأن بعضها فاسد وبعضها غير فاسد كما تقدم.
قوله: [ولا ينتقل ضمان مبيع البيع الفاسد] إلخ: اعلم أن المنتقل: بالقبض عند ابن القاسم ضمان الأصالة لا ضمان الرهان المفصل فيه بين ما يغاب عليه وغيره وبين قيام البينة وعدمه خلافاً لسحنون القائل: إنه لا يضمن المشتري بالقبض في الفاسد إلا إذا كان مما يغاب عليه ولم تقم على هلاكه بينة؛ لأن المشتري لم يقبضه إلا لحق نفسه على نحو ما يقبضه المالك لا توثقة كالرهان ولا للانتفاع به مع بقاء عينه على ملك المالك كالعواري ولا دخل على احتمال رده كالخيار قال (بن): ولا يتوقف القبض على الحصاد وجذ الثمرة حيث كان البيع بعد استحقاقهما، وقوله "ولا ينتقل ضمان الفاسد" إلخ الحصر بالنسبة لانتقال الضمان وأما الملك فإنما ينتقل للمشتري بالفوات بعد القبض ومحل انتقال ضمان الفاسد بالقبض إذا كان المبيع الفاسد منتفعاً به شرعاً ويقبل البيع فخرج شراء الميتة والزبل فإن ضمانه من بائعه ولو قبضه المشتري، وأما نحو كلب الصيد وجلد الأضحية فالقيمة بإتلافه للتعدي لا للقبض حتى لو تلف بسماوي كان ضمانه من البائع.
قوله: [بالعقد]: أي وهو ما ليس فيه حق توفية ونحوه وقوله كالمثلي مثال لما يدخل في ضمانه بالقبض حيث لم يبع المثلي جزافاً وإلا دخل بالعقد كما تقدم وأدخلت الكاف ما فيه مواضعة وعهدة ثلاث والغائب.
قوله: [ورد لبائعه] إلخ: أي من غير احتياج لحكم إن كان مجمعاً على فساده وأما إن كان مختلفاً في فساده فلا بد من فسخ الحاكم أو من يقوم مقامه.
قوله: [ولا غلة لبائعه]: أي إلا أن يشتري وقفاً على غير معين واستغله عالماً بوقفيته وسيأتي ذلك.
قوله: [بل يفوز بها المشتري]: أي إلى الحكم برد المبيع وقوله لأنه في ضمانه، علة للفوز بالغلة أي لأن الخراج بالضمان وعلمه بالفساد وبوجوب الرد لا ينفي الضمان عنه ولو في بيع الثنيا الممنوعة بل عليه الضمان وله الغلة متى قبضه على الراجح وهو المعروف في مصر ببيع المعاد بأن يشترط البائع على المشتري أنه متى أتى له بالثمن عاد له المبيع، فإن وقع ذلك الشرط حين العقد أو تواطآ عليه قبله كان البيع فاسداً، ولو أسقط الشرط لتردد الثمن بين السلفية والثمنية، وأما إذا تبرع المشتري للبائع بذلك بعد العقد بأن قال له متى رددت إلي الثمن دفعت لك المبيع كان البيع صحيحاً. ولا يلزم المشتري الوفاء بذلك الوعد بل يستحب فقط.
قوله: [تساويا أو لا]: أي كما في المواق واقتصر عليه في الـ (مج) وقيل ما لم تزد النفقة وإلا فيرجع بالزائد. قوله: [إلا ما لا غلة له]: أي كما إذا سقى زرعاً وثمراً لم يبد صلاحه وحصل الرد قبل بدوه. قوله: [مضى المختلف فيه] إلخ: هذه قاعدة أغلبية إذ قد يكون مختلفاً فيه ويمضي بالقيمة كالبيع وقت نداء الجمعة. قوله: [وإلا يكن مختلفاً فيه] إلخ: إشارة لقاعدة أخرى وهي كل فاسد متفق على فساده فإنه يمضي بالقيمة وتعتبر يوم القبض.
قوله: [لكن يوم الحكم عليه بها]: ولا ينتظر لوقت وجوده إذا تعذر رده بخلاف الغاصب فإنه إذا تعذر عليه وجود المثل فإنه يصبر عليه لوقت الوجود، ويؤخذ. منه المثل لا القيمة يوم القضاء بالرد.
قوله: [وأما هو فيرد لأصله]: أي ولا يمضي البيع فيه بوجه من الوجوه. قوله: [ويرد الغلة للمستحقين] إلخ: حاصله أن من اشترى وقفاً
стр. 568
فلا تفوت بتغير سوقه كالمثلي ويرد بعينه. (وبطول زمان حيوان) عند المشتري بعد قبضه ولو لم يتغير سوقه ولا ذاته. والطول (كشهر) كما في المدونة وفيها في محل آخر ما يفيد أن الثلاثة لا تفيت، وحمل على حيوان شأنه عدم التغير في الشهر والشهرين والثلاثة، والشهر فيما شأنه التغير؛ فلا خلاف في المعنى.
(و) يحصل الفوات (بالنقل): أي بنقل المبيع فاسداً من محل (لمحل) آخر (بكلفة) في الواقع وإن لم يكن على ناقله كلفة كحمله على دوابه بعبيده أو في سفينة. وقول الشيخ: "لبلد" ليس بلازم. إذ المدار على نقله لمحل فيه مشقة وبعد، يلزم على رده بعينه المشقة، فيلزمه قيمة المقوم ومثل المثلي في المحل الذي نقل منه لا البلد المنقول إليه. فإن لم يكن في نقله كلفة ولو لبلد آخر لم يفت: كالعبد والحيوان فيرد بعينه إلا أن تكون الطريق مخوفة (و) يحصل الفوات (بتغير الذات) للمبيع فاسداً بعيب كعور وعرج أو غيره كصبغ وطحن وخبز بل (وإن بسمن) لدابة (أو هزال) لدابة وغيرها كعبد وأمة، فيلزمه قيمة المقوم ومثل المثلي. وما ذكرناه من أن اللازم في الفوات هو قيمة المقوم ومثل المثلي هو طريقة ابن يونس وابن بشير وابن الحاجب والشيخ، ولابن رشد واللخمي والمازري طريقة أخرى: وهي أن اللازم في الفوات القيمة مطلقاً في المقوم والمثلي، وأن المشهور أن المثلي لا يلحقه فوات في تغير سوق ولا ذات ولا نقل بمشقة لأن مثله يقوم مقامه إذ اللازم في هذه الأحوال المثل على الراجح. ومقابله يقول بفواتها بأحد هذه الأحوال واللازم القيمة كالمقوم.
(وبالوطء) لأمة ولو ثيباً وخشاً إذا كان من بالغ أو من صبي افتض بكراً لأنه من تغير الذات.
(وبالخروج عن اليد): أي يد مشتريها فاسداً (بكبيع صحيح) لا فاسد فلا يفيت. وبيع بعض ما لا ينقسم ولو قل، كبيع الكل كأكثر ما ينقسم وإلا فات منه ما بيع فقط وأدخلت الكاف الهبة والصدقة والحبس.
(وتعلق حق) بالمبيع فاسداً لغير مشتريه (كرهن) له في دين (وإجارة) لازمة بأن كانت وجيبة، أو نقد كراء أيام معلومة.
(و) يحصل الفوات (بحفر بئر أو) حفر (عين بأرض) بيعت بيعاً فاسداً (وبغرس) الشجر [١] فيها (وبناء) الواو بمعنى: أو (عظيمي المؤنة) ومثلهما: القلع والهدم لأنهما من تغير الذات. ومفهوم: "عظيمي المؤنة" أنهما لو كانا خفيفين كشجرة أو شجرتين ونحوهما، وكحائط خفيف لم تفت بهما الأرض، وهو كذلك؛ فترد الأرض لبائعها، وللمشتري والباني أو الغارس قيمة ما بناه أو ما غرسه قائماً على التأبيد لأنه فعله بوجه شبهة.
ــ
على غير معين واستغله عالماً بوقفيته فإنه يلزمه رد الغلة لمستحقها وكذا إن كان موقوفاً على معين وعلم بوقفيته عليه ولم يرض ذلك المعين ببيعه بخلاف ما إذا ظهر أنه وقف على معين. وهو راض ببيعه فإن المشتري يفوز بالغلة ولو علم بالوقفية وإنما يعتبر رضا الرشيد دون غيره.
قوله: [فلا يفوت بتغير سوقه]: أي لأن غالب ما يراد له العقار القنية فلا ينظر فيه لكثرة الثمن ولا لقلته.
قوله: [وفيها في محل آخر]: حاصله أن الإمام ﵁ رأى مرة أن بعض الحيوانات يفيته الشهر لمظنة تغيره فيه لصغر ونحوه فحكم بأن الشهر فيه طول، ورأى مرة أن بعض الحيوانات لا يفيته الشهران والثلاثة لعدم مظنة تغيره في ذلك فحكم فيه بأنه ليس بطول ومن المعلوم أن الحكمين المختلفين لاختلاف محلهما ليس بينهما خلاف حقيقي، ولذلك قال الشارح فلا خلاف في المعنى.
قوله: [إلا أن تكون الطريق مخوفة]: مثل الخوف على ما ذكر أخذ المكس وأجرة الركوب إن عظمت.
قوله: [وبالوطء]: أفهم أن المقدمات لا تفيت وأما الخلوة بها فإن ادعى وطأها صدق عليه أو وخشاً صدقه البائع أو كذبه فتفوت في هذه الصور وإن أنكر صدق في الوخش صدقه البائع أو كذبه وفي العلية إن صدقه البائع ولكن إذا ردت تستبرأ فإن كذبه فاتت.
قوله: [كأكثر ما ينقسم] المراد بالأكثر ما زاد على النصف.
قوله: [وأدخلت الكاف الهبة] إلخ: أي والعتق بأي وجه من وجوهه. قوله: [كرهن له في دين]: أي ولم يقدر على خلاصه لعسر الراهن فلو قدر لم يكن فوتاً.
قوله: [وإجارة لازمة] إلخ: أي ولم يقدر على فسخها بتراض وإلا لم تكن فوتاً وهذا في رهن وإجارة بعد القبض له وأما قبل قبضه من بائعه ففيه خلاف كما إذا باعه بيعاً صحيحاً قل قبضه فقيل يفوت بذلك وقيل لا يفوت واستظهر (ح) الفوات ومحل القولين ما لم يقصد بما ذكر الإفاتة وإلا فلا يفيته اتفاقاً معاملة له بنقيض قصده في غير العتق.
قوله: [عظيمي المؤنة]: صفة لغرس وبناء ولا يرجع لبئر وعين لأن شأنهما ذلك ويعلم منه أن بئر الماشية ليست مفيتة ما لم يحصل فيها عظم مؤنة بالفعل.
قوله: [ومثلهما القلع والهدم] أي وأما الزرع فلا يفيت بل يرد المبيع؛ ثم إن كان الفسخ والرد في إبان الزراعة فعلى المشتري كراء المثل ولا يقلع زرعه، وإن كان بعد فواته فلا كراء عليه وفاز بذلك الزرع لأنه غلة.
стр. 569
انظر تفصيل المسألة في الأصل مع ما بينه شراحه.
(وارتفع حكم الفوات) وهو لزوم القيمة أو الثمن في المختلف فيه (إن عاد المبيع) فاسداً لأصله؛ بأن رجع للمشتري بعد خروجه من يده ولو اضطراراً، كإرث، أو زال ما به من عيب أو غيره (إلا تغير السوق) إذا فات به ثم رجع لأصله، فلا يرتفع به حكمه ووجب على المشتري ما وجب.
(فصل)
في بيان حكم بيوع الآجال
وهو بيع المشتري ما اشتراه لبائعه أو لوكيله لأجل، وهو بيع ظاهره الجواز، لكنه قد يؤدي إلى ممنوع فيمتنع ولو لم يقصد فيه التوصل إلى الممنوع سداً للذريعة التي هي من قواعد المذهب. والحاصل أن ما أدى إلى الواجب واجب، وما أدى إلى الحرام حرام ولو لم يقصد الحرام، كما أن ما أدى إلى الجائز جائز كما في بعض مسائل هذا الباب ولذا قال: (يمنع) من البيوع (ما أدى لممنوع يكثر قصده): للمتبايعين
ــ
قوله: [انظر تفصيل المسألة في الأصل] إلخ: حاصله أنه إن أحاط البناء والغرس بالأرض كالسور فإن كان عظيمي المؤنة أفاتا الأرض وإلا فلا يفيتان شيئاً وإن عم الأرض كلها أو جلها كنصفها عند ابن عرفة فإنهما يفيتان الأرض بتمامها عظمت مؤنتهما أم لا فإن عم الثلث أو الربع ومثلهما النصف عند أبي الحسن فاتت جهته فقط وإن لم تعظم مؤنتها فإن عم أقل من الربع فلا يفيت شيئاً منها ولو عظمت المؤنة ويعتبر كون الجهة الربع أو أكثر أو أقل بالقيمة يوم القبض لا بالمساحة وإذا لم يكن الغرس أو البناء مفيتاً إما لنقص محلهما عن الربع أو لعدم عظم المؤنة فيما يعتبر فيه العظم فإنه يكون للبائع الأرض وللمشتري قيمة غرسه أو بنائه قائماً على التأبيد على ما للمازري وابن محرز كما ذكره الشارح.
قوله: [إلا تغير السوق]: أي لأن تغير السوق الذي أوجب الفوات ليس من سبب المشتري فلا يتهم على أنه حصله لتفويت السلعة فلذا إذا عاد السوق الأول لم يعد بخلاف نحو البيع والصدقة والنفل فإنه يتهم على فعله ذلك للتفويت فإذا حصل شيء من ذلك حكمنا بالفوات نظراً لظاهر الحال فإذا زال حكمنا بزوال حكمه نظراً للاتهام ولا يقال إن تغير الذات ليس من سببه لأنه يقال قد يحصل منه بتجويع أو تفريط في صونه أو غير ذلك فالغالب كونه من سببه وحمل غير الغالب عليه.
قوله: [ووجب على المشتري ما وجب]: أي في غير المثلي والعقار وهو الحيوان والعروض وأما المثلي والعقار فقد مر أنهما لا يفوتان بتغير الأسواق.
فصل في بيان حكم بيوع الآجال
قوله: [لبائعه]: متعلق ببيع. وقوله: [لأجل]: متعلق باشتراه. قوله: [وهو بيع ظاهره الجواز]: واعتبر الشافعي ذلك، فعنده بيوع الآجال جائزة في جميع الصور. قوله: [سداً للذريعة]: الذريعة بالذال المعجمة: الوسيلة إلى الشيء وأصلها عند العرب ما تألفه الناقة الشاردة من الحيوان لتنضبط به. ثم نقلت إلى البيع الجائز المتحيل به على ما لا يجوز، وكذلك غير البيع على الوجه المذكور، فهي من مجاز المشابهة. والذرائع ثلاثة: ما أجمع على إلغائه كالمنع من زرع العنب لأجل الخمر، وما أجمع على إعماله كالمنع من سب الأصنام عند من يعلم أنه يسب الله عند ذلك، وما اختلف فيه كالنظر للأجنبية والتحدث معها وبيوع الآجال.
ومذهب مالك منعها ابن عرفة: بيوع الآجال يطلق مضافاً ولقباً. الأول: ما أجل ثمنه العين وما أجل ثمنه غيرها سلم. والثاني: لقب لتكرر بيع عاقدي الأول ولو بغير عين قبل انقضائه، وقوله: لتكرر إلخ أخرج به عدم تكرر البيع في العقدة وتكررها من غير عاقد الأول اهـ. خرشي.
قوله: [وما أدى إلى الحرام حرام]: فالحرام كسلف جر نفعاً أو ضمان يجعل أو شرط بيع وسلف أو صرف مؤخر أو بدل مؤخر أو فسخ ما في مؤخر أو غير ذلك من علل المنع الآتية.
قوله: [يكثر قصده]: أي لا ما قل قصده فلا يمنع لضعف التهمة كتهمة ضمان بجعل وتهمة: أسلفني وأسلفك. فمثال الأول: أن يبيعه ثوبين بدينار لشهر ثم يشتري منه عند الأجل أو دونه أحدهما بدينار، فيجوز ولا ينظر لكونه دفع له ثوبين ليضمن له أحدهما وهو الثوب الذي اشتراه مدة بقائه عنده بالآخر لضعف تهمة ذلك ولقلة قصد الناس إلى ذلك، وأما صريح ضمان بجعل فلا خلاف في منعه؛ لأن الشارع جعل الضمان والجاه والقرض لا يفعل إلا لله. ومثال الثاني: أن تبيعه ثوباً بدينارين إلى شهر تشتريه منه بدينار نقداً أو دينار إلى شهرين، فآل أمر البائع إلى أنه دفع الآن ديناراً سلفاً للمشتري ويأخذ عند رأس الشهر دينارين؛ أحدهما عن ديناره، والثاني: سلف منه يدفع له مقابله عند رأس الشهر الثاني، فلا يمنع أيضاً لضعف التهمة. لأن الناس في الغالب
стр. 570
ولو لم يقصد بالفعل (كسلف بمنفعة) أي كبيع أدى إلى ذلك كبيعه سلعة بعشرة لأجل ثم يشتريها بخمس نقداً أو إلى أجل أقل فقد آل الأمر إلى رجوع السلعة لربها وقد دفع قليلاً عاد إليه كثيراً.
(ودين بدين) أي وكبيع أدى إلى ذلك كما لو باعها بعشرة لأجل واشتراها بمثلها للأجل، وشرطا نفي المقاصة؛ فالسلعة رجعت لربها وكل منهما ابتدأ في ذمة صاحبه ديناً. وسيأتي تفصيله.
(وصرف مؤخر) أي وكبيع أدى لذلك، كما لو باعها بعشرة دنانير لأجل واشتراها بمائة درهم حالة أي ولأجل أقل أو أكثر.
وأصل صور هذا الباب اثنتا عشرة صورة يمنع منها ثلاثة ويجوز الباقي. وقد أشار لذلك بقوله: (فمن باع) شيئاً (لأجل ثم اشتراه) هو أو وكيله من المشتري أو وكيله (بجنس ثمنه) الذي باعه به (من عين أو طعام أو عرض) بيان للثمن؛ (فإما) أن يشتريه (نقداً أو للأجل) الأول، (أو أقل) منه (أو أكثر) منه؛ فهذه أربع صور بالنسبة للأجل الأول وفي كل منها؛ إما أن يشتريه (بمثل الثمن) الأول قدراً (أو أقل أو أكثر) فهذه اثنتا عشرة صورة (يمنع منها ثلاث وهي) أي الثلاث: (ما تعجل فيه) الثمن (الأقل) كأن يبيعها بعشرة لرجب ثم يشتريها بثمانية نقداً، أو لدون رجب. أو بأكثر من العشرة لأبعد من رجب كشعبان لما فيه من السلف بمنفعة وتجوز التسعة الباقية. (فيجوز تساوي الأجلين) سواء كان الثمن مساوياً للأول أو أقل أو أكثر (أو) تساوي (الثمنين) سواء اتحد الأجلان أو اختلفا (كاختلافهما) أي الأجلين والثمنين بالقلة أو الكثرة (إذا لم يرجع لليد السابقة بالعطاء أكثر) فإن رجع لها أكثر منع، وهي الثلاثة المتقدمة، وهذا معنى قولهم: إن تساوى الأجلان أو الثمنان فالجواز وإلا فانظر لليد السابقة بالعطاء فإن دفعت قليلاً عاد إليها كثير منع، وإلا فلا.
وهذا إن عجل الثمن الثاني كله أو أجله كله وأما لو نقد بعضه وأجل بعضه فأشار له بقوله: (ولو أجل بعضه) أي الثمن الثاني ونقد بعضه (امتنع) من الصور (ما تعجل فيه الأقل بعضه) أي بعض الأقل وسواء فيهما تعجل على جميع الأكثر أو بعضه؛
ــ
لا يقصدون إلى السلف لا ناجزاً لأبعد مدة كذا في الأصل.
قوله: [ولو لم يقصد بالفعل]: في المواق عن ابن رشد أنه لا إثم على فاعله فيما بينه وبين الله حيث لم يقصد الأمر الممنوع.
قوله: [كسلف بمنفعة]: أدخلت الكاف باقي العلل المحرمة. قوله: [أي كبيع أدى إلى ذلك]: أي ففي الظاهر جائز وباعتبار ما يؤول إليه حرام. قوله: [بخمسة نقداً] إلخ: ومثل ذلك في النهي ما إذا اشتراها بأكثر لأبعد كما يأتي.
قوله: [واشتراها بمثلها للأجل]: لا مفهوم لقوله: "بمثلها" بل لو اختلف الثمن كما يأتي: والمدار في الحرمة على شرط عدم المقاصة سواء كان الثمن الثاني مساوياً للأول أو أقل أو أكثر. قوله: [وصرف مؤخر]: مثله البدل المؤخر كما يأتي.
قوله: [أو لأجل أقل أو أكثر]: لا مفهوم لذلك بل مثلها للأجل نفسه لأن جميع صور الصرف ممنوعة كما يأتي.
قوله: [يمنع منها ثلاثة ويجوز الباقي]: أي عند وجود الشروط الآتية وإلا فتارة يمنع أكثر من ذلك.
قوله: [فمن باع شيئاً لأجل]: تضمنت هذه العبارة شروط بيوع الآجال الخمسة: وهي أن تكون البيعة الأولى لأجل والمشتري ثانياً هو البائع أولاً أو وكيله، والمباع ثانياً هو المباع أولاً، والبائع الثاني هو المشتري أولاً أو وكيله، والثمن الثاني بصفة الثمن الأول، وتعجيل الثمن الثاني كله أو تأجيل كله، بدليل قول المتن الآتي: "ولو عجل بعضه امتنع" إلخ؛ فتكون الشروط ستة. وقوله: [شيئاً]: أي مقوماً. وأما المثلي فله مزيد أحكام ستأتي في قوله: "والمثلي صفة وقدراً كعينه" إلخ. قوله: [ثم اشتراه]: ليس المقصود من ثم التراخي بل لا فرق بين التراخي وغيره وفاعل "اشتراه" هو فاعل "باع" والضمير المنصوب عائد على الشيء المشترى. والمراد اشتراه لنفسه، وأما لو اشتراه لغيره كمحجوره مثلاً فهو مكروه فقط.
قوله: [بجنس ثمنه]: المراد بالجنس الاتحاد معه في الصفة، بدليل ما يأتي من منع البيع بذهب وشرائه بفضة وعكسه في جميع الصور ومنعه بسكتين إلى أجل. وحكم ما إذا اشتراه بعرض مخالف فإن لهذه أحكاماً تخصها غير ما هنا.
قوله: [فهذه اثنتا عشرة صورة]: أي من ضرب أحوال الثمن الثلاثة في أحوال الأجل والنقد وإن شئت قلت: وفي كل من الاثنتي عشرة: إما أن تكون العقدة الثانية في مجلس العقدة الأولى أو لا، وفي كل: إما أن تكون السلعة قد قبضها المشتري الأول أو لا؛ فهذه ثمان وأربعون. وإن شئت قلت: وفي كل إما: أن يكون الثمنان عيناً أو عرضاً. ومرادهم بالعرض: ما يشمل الحيوان وطعاماً؛ فتبلغ الصور مائة وأربعة وأربعين.
قوله: [لما فيه من السلف بمنفعة]: أي والمسلف في الصورتين الأوليين البائع الأول. وفي الثالثة البائع الثاني، ومحل منع الثالثة ما لم يدخلا على المقاصة وإلا فلا تحرم كما يأتي. قوله: [فيجوز تساوي الأجلين]: أي إن لم يشترطا نفي المقاصة وإلا منع كما يأتي. قوله: [سواء اتحد الأجلان]: لا حاجة له لأنها إحدى صور تساوي الأجلين فهو مكرر فيتعين فرض ما هنا في تساوي الثمنين واختلاف الأجلين أو كون الثاني نقداً.
قوله: [كاختلافهما] إلخ: أي وتحته ثلاث صور، وهي: كون الثمن الثاني
стр. 571
فالصور أربعة. مثال ما تعجل فيه الأقل على كل الأكثر: أن يبيع السلعة بعشرة لأجل ثم يشتريها منه بثمانية أربعة نقداً وأربعة لدون الأجل، فآل أمره إلى أنه دفع ثمانية أخذ عنها عند الأجل عشرة ومثال ما تعجل فيه الأقل على بعض الأكثر: أن يبيعها بعشرة لأجل ثم يشتريها باثني عشر خمسة نقداً والسبعة لأجل أبعد، فآل الأمر إلى أن البائع الأول تعجل الأقل وهي العشرة عند أجلها خمسة منها في نظير الخمسة التي نقدها وخمسة يدفع عنها سبعة عند أجلها وصدق عليه أنه تعجل الأقل على بعض الأكثر. ومثال ما تعجل فيه بعض الأقل على جميع الأكثر: أن يبيعها بالعشرة إلى أجل ثم يشتريها بثمانية، أربعة منها نقداً وأربعة للأجل نفسه، فآل الأمر إلى أنه عند الأجل تقع المقاصة في أربعة، ويأخذ عن الأربعة التي نقدها ستة ومثال ما عجل فيه بعض الأقل على بعض الأكثر أن يشتريها في الفرض المذكور بثمانية، أربعة نقداً وأربعة لأبعد من الأجل، فرجع الحال إلى أن المشتري الأول دفع عشرة عند أجلها، ستة منها في نظير الأربعة، والأربعة الأخرى يأخذ عنها أربعة عند أجلها.
ولما كان قد يعرض المنع للجائز في الأصل، والجواز للممتنع؛ نبه على ذلك -مشبهاً في المنع- قوله: (كتساوي الأجلين) فإنه يمتنع (إن شرطا) عند الشراء (نفي المقاصة) وسواء كان الثمن الثاني مساوياً للأول أو أكثر أو أقل (للدين بالدين): أي لابتداء الدين بالدين لأن كل واحد منهما قد أشغل ذمة صاحبه بما له عليه. ومفهومه أنهما لو شرطاها أو سكتا جاز وهو ما تقدم.
(ولذا): أي ولأن للشرط المتعلق بالمقاصة تأثيراً ثبوتاً أو نفياً (صح) البيع (في أكثر) من الثمن الأول (لأبعد) من الأجل الأول (إذا شرطاها) للسلامة من دفع قليل في كثير، فلو سكتا عن شرطهما بقي المنع على أصله.
(ومنع) البيع (بذهب) مؤجل (و) شراؤها (بفضة) وعكسه في الصور الاثني عشر [١]- تقدمت الفضة على الذهب أو تأخرت - فقد صارت أربعة [٢] وعشرين صورة (للصرف المؤخر): أي تهمة ذلك.
(ولذا) أي ولأجل أن تهمة الصرف المؤخر توجب المنع لو انتفت التهمة كما (لو عجل) من أحد النقدين (أكثر من قيمة المتأخر جداً) بأن تبلغ الكثرة النصف فأكثر كبيع ثوب بدينار أو دينارين لشهر ثم اشتراه بستين درهماً نقداً وصرف الدينار عشرة. (جاز) لنفي التهمة إذ العاقل لا يعجل ستين ليأخذ ما قيمته عشرة أو عشرون إلا لقصد المعروف. وكذا إذا باعه بثلاثين درهماً لشهر ثم اشتراه بستة دنانير نقداً فأكثر.
(و) منع البيع والشراء (بسكتين إلى أجل) فيهما، وسواء اتفق الأجل أو اختلف كبيعه بعشرة يزيدية لشهر ثم اشتراه بمحمدية لذلك الشهر أو دونه أو أبعد منه (للدين بالدين) تساوى العدد أو اختلف. ولا يمكن هنا شرط المقاصة إذ شرطها تساوي الدينين قدراً وصفة، ومفهوم الأجل جواز صور النقد مطلقاً.
والحاصل أن صور الأجل كلها ممنوعة - وهي ثمانية عشر [٣]- لأن الثمن الثاني إما أن يكون لمثل أجل الأول أو أقل أو أكثر، وفي كل: إما أن يساويه في القدر أو أقل أو أكثر، فهذه تسعة وفي كل منها: إما أن يبيع بالجيد ويشتري بالرديء أو عكسه، وصور النقد ستة لأنه: إما مثل المؤجل قدراً، أو أقل، أو أكثر. وفي كل: إما أن يبيع بالجيد ويشتري بالأدنى أو عكسه.
ــ
بأكثر نقداً، أو لدون الأجل، أو بأقل لأبعد من الأجل. فتحصل من تساوي الأجلين ثلاث، ومن تساوي الثمنين مثلها، ومن اختلاف الثمنين والأجلين ست، ثلاث ممنوعة وثلاث جائزة، تضم لصور اتحاد الثمن واتحاد الأجل وأمثلتها واضحة.
قوله: [فالصور أربعة]: أي فالممنوع أربع من تسع لسقوط صور النقد الثلاث من الاثنتي عشرة التي بني الباب عليها، والجائز خمس وهي: أن يشتري السلعة التي باعها لأجل بعشرة مثل الثمن الأول، لكن خمسة منها نقداً، وخمسة لدون الأجل أو للأجل أو لأبعد أو يشتريها باثني عشر خمسة نقداً. وسبع لدون الأجل أو للأجل نفسه. وحاصل هذه الصور التسع أن تقول: إذا كان الثمن الثاني أقل منع مطلقاً كان البعض المؤجل أجله أبعد من الأجل الأول أو مساوياً له أو دونه، وإن كان الثمن الثاني قدر الأول جاز مطلقاً في الأحوال الثلاثة، وإن كان أكثر منعت واحدة وهي ما إذا كان البعض مؤجلاً لأبعد.
قوله: [إن شرطا]: هكذا بالبناء للفاعل مع ضمير يعود على البائع والمشتري، والأولى أن يقول: إن شرط - بالبناء للمجهول - كان الشرط منهما أو من أحدهما. قوله: [صح البيع في أكثر]: لا مفهوم لقوله: "في أكثر" لأبعد إذ باقي الصور الممنوعة كذلك وهي شراؤها ثانياً بأقل نقداً أو لدون الأجل كما في (ح) ومشى عليه في (المج).
قوله: [بقي المنع على أصله]: أي لوجود العلة وهي سلف جر نفعاً، فظهر الفرق بين التي أصلها المنع والتي أصلها الجواز فالتي أصلها الجواز لا يفسدها إلا شرط نفي المقاصة لا السكوت فإن التهمة فيها ضعيفة فإذا شرط نفيها تحققت التهمة، وأما ما أصلها المنع فلا يجوز إلا إذا شرطاها لأن التهمة فيها قوية فإذا شرطاها بعدت والسكوت عنها لا ينفي المنع.
قوله: [في الصور الاثنتي عشرة]: حاصلها أنه إذا باع فضة لأجل ثم اشتراه بذهب فلا يخلو إما أن يكون الذهب قيمة الفضة أو أقل أو أكثر وفي كل إما أن يكون الشراء الثاني نقداً أو لدون الأجل أو له أو لأبعد منه فهذه اثنتا عشرة صورة ومثلها يقال فيما إذا باع أولاً بذهب ثم اشترى بفضة فالصور أربع وعشرون كلها ممنوعة لتهمة الصرف المؤخر، ولذا لو انتفت التهمة جاز كما أفاده بقوله ولذا لو عجل أكثر من قيمة المتأخر جداً جاز.
قوله: [أكثر من قيمة المتأخر]: العبرة بالكثرة باعتبار صرف المثل لا باعتبار الذات لأن القلة والمساواة
стр. 572
وكلها جائزة لعدم شغل الذمتين، فمجموع الصور أربعة [١] وعشرون، كصور الصرف. إلا أن صوره كلها ممنوعة للصرف المؤخر كما تقدم.
(وإن اشتراه بعرض مخالف) لما باعه به في الجنس كما لو باعه بدينار أو ثوب ثم اشتراه بشاة أو ثوب من غير جنس الأول (جازت) من الاثني [٢] عشرة (ثلاثة النقد فقط) وهو أن يكون العرض المنقود قيمته قدر قيمة السلعة التي باع بها أو أقل أو أكثر (ومنعت التسعة) الباقية (للدين بالدين ولو اشترى) ما باعه (بأقل) مما باعه به (للأجل) نفسه (أو لأبعد) منه وقلنا بالجواز (ثم رضي) المشتري الثاني (بالتعجيل) أي تعجيل الأقل الذي اشترى به (فالأرجح) من القولين (المنع) نظراً لما آل إليه الأمر من أنه دفع قليلاً عاد إليه كثيراً، وقيل بالجواز نظراً إلى حال العقد.
(والمثلي) من مكيل كبرٍّ أو موزون كسمن ونحاس، أو معدود كبيض الموافق لما باعه لأجل كشهر (صفة وقدراً كعينه): أي كعين ما باعه. فمن باع إردب قمح أو قنطارين بعشرة لشهر ثم اشترى من المشتري مثله ففيه اثنتا عشرة صورة؛ لأنه كأنه اشترى عين ما باعه، فإما نقداً أو لأجل أو لأقل أو أكثر بمثل الثمن أو أقل أو أكثر (فيمنع) منها الصور الثلاث وهي:
(ما عجل فيه الأقل) بأن اشتراه بثمانية نقداً أو لأجل أقرب أو اشتراه بأكثر مما باع به لأبعد كما تقدم.
(وإن غاب مشتريه) أي مشتري المثلي الأول (به) غيبة يمكنه الانتفاع به (منع أيضاً) صورتان بقية صور الأقل وهو ما إذا اشتراه (بأقل) مما باع به (لأجله أو لأبعد) لأن الغيبة على المثلي تعد سلفاً لكونه لا يعلم بعينه فكأنه تسلف ورده لربه وأعطاه عند الأجل درهمين في نظير تسلفه والثمانية في نظير الثمانية، فعلم أنه إذا باع مثلياً وغاب عليه المشتري فاشتراه منه يمتنع خمس صور: أربع صور الأقل، وما إذا اشتراه بأكثر لأبعد.
(و) أما (إن باع مقوماً) كثوب أو شاة أو أرض واشترى مثله (فمثله كغيره) فتجوز الصور كلها.
(كتغيرها): أي السلعة التي باعها تغيراً (كثيراً) عند مشتريها منه ثم اشتراها بائعها منه فتجوز الصور كلها. وكل ما تقدم إذا اشترى كل ما باع.
(وإن اشترى بعض ما باع) كما لو باع ثوبين بعشرين لشهر فاشترى أحدهما بثمن (لأبعد) من الأجل الأول (مطلقاً) بمثل الثمن الأول أو أقل أو أكثر (أو بأقل) من الثمن الأول (نقداً، أو لدون الأجل، امتنع) في الخمس صور؛ لما في المساوي والأكثر من سلف جر نفعاً، ولما في الأقل نقداً أو لدون الأجل أو لأبعد
ــ
والكثرة باعتبار الذات إنما تتأتى في الجنس الواحد.
قوله: [وكلها جائزة لعدم شغل الذمتين]: إلخ: فيه نظر، بل الجائز منها اثنتان، وهما: ما إذا اشترى بأجود أكثر أو مساوياً. والأربعة ممنوعة وهي: ما إذا اشترى بأدنى أكثر، أو مساوياً، أو أقل، أو بأجود أقل؛ لأنه - وإن انتفى فيه عمارة الذمتين - لكن وجد فيه علة سلف جر نفعاً. فإن قلت: إذا كان المنقود أدنى وهو مساوٍ للمؤجل في القدر كيف يمنع مع أنه تقدم جواز قضاء القرض بالأفضل صفة؟ والجواب: أن محل جوازه فيما تقدم إن لم يكن مدخولاً عليه وإلا فيمنع وما هنا مدخول عليه فليتأمل.
قوله: [إن اشتراه بعرض مخالف]: المراد بالعرض: ما قابل العين، فيشمل الطعام والحيوان. وقوله مخالف لما باعه به في الجنس، المراد بالجنس الصنف. ومفهوم قوله مخالف: أنه لو اشتراه بموافق له في الصنف كما لو باع سلعة بثوب لشهر ثم اشتراه بثوب من صنفها فالشراء إما نقداً أو لدون الأجل أو للأجل لأبعد، وفي كل: إما أن تكون قيمة الثوب الثاني مساوية لقيمة الأول أو أقل أو أكثر، فهذه اثنتا عشرة صورة يمنع منها ما عجل فيه الأقل وهو ثلاث صور كما تقدم أول الباب
قوله: [ومنعت التسعة الباقية]: أي وهي ما أجل فيه الثمنان سواء كان أجل الثاني مساوياً للأول أو أقل أو أبعد، كانت قيمة العرض المشترى به قدر قيمة الأول أو أقل أو أكثر. قوله: [للدين بالدين]: أي لابتداء الدين بالدين، ولا يتأتى هنا اشتراط المقاصة لاختلاف الدينين وشرطها اتحادهما جنساً وصفة كما تقدم.
قوله: [فالأرجح من القولين المنع]: قال ابن وهب: وينبغي أن يكون المنع هو الراجح لعلته المذكورة، وكذلك الخلاف إذا اشترى بأكثر للأجل ثم تراضيا على التأخير أو اشترى بأكثر نقداً أو لدون الأجل ثم رضي بالتأخير لأبعد، فالمدار في المسألة على كونه وقع جائزاً ثم آل للمنع فهل يجوز نظراً للعقد أو يمنع نظراً لما آل إليه الأمر قولان. ويجري هذان القولان فيمن باع سلعة بعشرة إلى أجل ثم أتلفها على المشتري وكانت قيمتها حين الإتلاف ثمانية وغرمها للمشتري حالاً، فإذا جاء الأجل هل يمكن البائع من أخذه من المشتري ما زاده الثمن على القيمة وهو الدرهمان فيأخذ العشرة بتمامها أو لا يمكن، وإنما يأخذ الثمانية التي دفعها ويسقط عن المشتري الدرهمان؟ والظاهر منهما الأول لبعد التهمة.
قوله: [أو قنطارين]: أي فلا فرق في المثلي بين أن يكون ربوياً كإردب قمح أو غيره كقنطارين.
قوله: [لأن الغيبة على المثلي تعد سلفاً]: أي والمسلف في جميع الصور الممنوعة المشتري إلا فيما اشتراه بأكثر لأبعد فإن المسلف المشتري الأول يدفع ثمانية مثلاً عن الأجل يأخذ بعد شهر عشرة.
قوله: [لما في المساوي والأكثر من سلف جر نفعاً]:
стр. 573
من بيع وسلف وإذا اشتراه بمثل الثمن أو بأكثر منه نقداً فيهما أو لدون الأجل جاز في الصور الأربع كصور الأجل الثلاثة فالجواز في سبع.
(وصح أول من بيوع الآجال فقط) ولزم بالثمن لأجله وفسخ الثاني إن كانت السلعة قائمة عند بائعها الأول وهو المشتري الثاني، فإن فاتت بيده أشار له بقوله: (إلا أن يفوت) البيع (الثاني بيد) المشتري (الثاني) وهو البائع الأول (فيفسخان) معاً لسريان الفساد للأول بالفوات وحينئذ (فلا مطالبة لأحدهما على الآخر بشيء)؛ لأن المبيع رجع لبائعه فضمانه منه وسقط عن المشتري الأول لرجوع السلعة لربها وسقط الثمن الثاني عن الثاني لفساد البيع.
وظاهره مطلقاً سواء كانت قيمة السلعة في البيع الثاني قدر الثمن الأول أو أقل أو أكثر، وهو الذي حكاه اللخمي والمازري عن ابن القاسم، وقال ابن شاس: إنه المشهور. وقيل: إنما يفسخ الأول إن كانت القيمة أقل من الثمن الأول فإن كانت مثله أو أكثر فلا يفسخ الأول وهو قول سحنون، قال ابن الحاجب: وهو الأصح وقال غيره: وهو المشهور فلذا قال الشيخ: خلاف.
(فصل) في بيان حكم بيع العينة ومسائله المتعلقة به
وأصل العينة: عونة، وقعت الواو ساكنة بعد كسرة فقلبت ياء: من العون، كأن البائع أعان المشتري بتحصيل مراده، قال أبو عمران: وهي بيع ما ليس عندك, ابن عرفة مقتضى الروايات أنه أخص مما ذكر، والصواب: أنه البيع المتحيل به على دفع عين في أكثر منها اهـ. والأظهر أنه أعم مما ذكره، لأن الثمنين: إما أن يتساويا، أو يكون الثاني أكثر، أو أقل. وفي كل: إما أن يكونا حالين، أو مؤجلين أو الأول حالاً والثاني مؤجلاً، أو عكسه. وفي كل: إما أن يقول اشتر لي أو لا يقول لي
ــ
أي والمسلف فيهما هو المشتري الأول، فالسلعة التي رجعت للبائع الأول كأنها لم تخرج من يده وصار الثمن المدفوع إليه سلفاً يأخذ عنه بعد شهر مثله أو أكثر منه فقد انتفع المشتري الأول بالسلعة التي بقيت عنده فيما إذا عاد إليه مثل دراهمه، أو بها وبالزيادة إن عاد إليه أكثر:
قوله: [من بيع وسلف]: أما إذا كان الشراء نقداً أو لدون الأجل، فلأن البائع الأول يدفع عشرة سلفاً للمشتري فإذا جاء الأجل رد إليه عشرين عشرة في نظير العشرة التي أخذها وهي سلف وعشرة ثمن الثوب، وأما في الأبعد فلأنه عند حلول الأجل يدفع للبائع عشرين عشرة ثمن الثوب وعشرة سلفاً، فإذا جاء الأجل الثاني دفع البائع الأول عشرة بدل العشرة التي أخذها سلفاً.
قوله: [فالجواز في سبع]: هي أن يشتريه بمثل الثمن نقداً أو لدون الأجل أو بأكثر نقداً أو لدون الأجل وبمثل أو أقل أو أكثر للأجل وجوازها لانتفاء علة المنع. قوله: [وصح أول]: بغير تنوين لأنه بمعنى أسبق فهو ممنوع من الصرف للوصفية ووزن الفعل وما ذكره من صحة الأول فقط هو الأصح. وخالف ابن الماجشون فقال: يفسخان معاً، وهذا الخلاف عند قيام السلعة بدليل ما يأتي.
قوله: [إلا أن يفوت]: أي بمفوتات الفاسد. وظاهره: أي مفوت كان، وهو قول سحنون. والذي صححه ابن رشد: أنه لا يفوت هنا إلا العيوب المفسدة. ونص ابن رشد في البيان: واختلف بما تفوت به السلع فقيل: إنها تفوت بحوالة الأسواق وهو مذهب سحنون والصحيح أنها لا تفوت إلا بالعيوب المفسدة إذ ليس هو بيع فاسد ولا مثمن وإنما فسخ لأنهما تطرقا به إلى استباحة الربا كذا في (بن).
قوله: [إن كانت القيمة أقل]: أي لأننا لو لم نفسخ الأول حينئذ يلزم دفع القيمة معجلاً وهي أقل ويأخذ عنها عند الأجل أكثر وهو عين الفساد الذي منعنا منه ابتداء، بخلاف ما إذا فات وكانت القيمة مساوية للثمن الأول أو أكثر منه، فإنا -إذا فسخنا الثانية ودفعنا القيمة عشرة أو اثني عشر وبقيت الأولى على حالها - فلا محظور فيه لأننا ندفع عشرة أو اثني عشر ونأخذ عشرة على كل حال.
فصل: في بيان حكم بيع العينة
وجه مناسبته لبيوع الآجال وجود التحيل في كل حيث يدفع قليلاً يأخذ كثيراً. قوله: [كأن البائع] إلخ: أراد بالبائع المطلوب منه سلعة وبالمشتري الطالب لها وحينئذ فتسميته بائعاً باعتبار المآل؛ لأنه حين طلبت منه السلعة لم يكن بائعاً بل مطلوب منه فقط. وقال بعضهم: الأحسن أن يقال إنما سميت عينة لإعانة أهلها للمضطر على تحصيل مطلوبه على وجه التحليل لدفع قليل في كثير.
قوله: [أعان المشتري]: أي على تحصيل مطلوبه. وقوله: [بتحصيل مراده]: الباء للتعليل. ومراده: هو الربح الذي يحصل له من التوسط. قوله: [ما ليس عندك]: أي حين الطلب لا حين البيع وإلا ففي وقت البيع تكون عنده. قوله: [أخص مما ذكر]: أي لأن قوله بيع ما ليس عندك عام يشمل البيع بنماء وغير نماء مع أن مقتضى الروايات التخصيص وهو كونه بنماء فلذلك قال: والصواب إلخ. قوله: [والأظهر أنه أعم مما ذكره]:
стр. 574
فحاصلها أربعة [١] وعشرون صورة ولذا عرفه بقوله: (العينة وهي: بيع من طلبت منه سلعة) للشراء (وليست عنده) أي البائع (لطالبها) المشتري متعلق ببيع (بعد شرائها) لنفسه من آخر (جائزة) بمعنى خلاف الأولى، فأهل العينة قوم نصبوا أنفسهم لطلب شراء السلع منهم وليست عندهم فيذهبون إلى التجار ليشتروها بثمن ليبيعوها للطالب وسواء باعها لطالبها بثمن حال أو مؤجل أو بعضه حال وبعضه مؤجل ولذا قال الشيخ: ولو بمؤجل بعضه. واستثني من الجواز قوله: (إلا أن يقول) الطالب: (اشترها بعشرة نقداً و) أنا (آخذها) منك (باثني عشر لأجل) فيمنع لما فيه من تهمة سلف جر نفعاً؛ لأنه كأنه سلفه عشرة ثمن السلعة يأخذ عنها بعد الأجل اثني عشر.
ثم تارة يقول الطالب: خذها لي وتارة لا يقول: لي، وإليهما أشار بقوله: (ولزمت) السلعة (الطالب) بالعشرة نقداً (إن قال) للمطلوب منه اشترها: (لي) بعشرة إلخ وللمطلوب منه الأقل من جعل مثله ومن الربح.
(وفسخ) البيع (الثاني) وهو الاثني عشر لأجل.
(فإن لم يقل: لي) في الفرض المذكور (مضى) الثاني بالاثني عشر للأجل (على الأرجح) من القولين اللذين ذكرهما الشيخ، لبعد تهمة السلف بمنفعة. (ولزمه الاثنا عشر للأجل) والقول الثاني: الفسخ إلا أن تفوت السلعة بيده فالقيمة وعطف على الاستثناء قبله قوله: (وإلا أن يقول: اشترها لي بعشرة نقداً وآخذها باثني عشر نقداً) فيمنع (إن شرط الطالب النقد على المأمور) بأن قال له: اشترها لي بعشرة بشرط أن تنقدها عني، وأنا أشتريها منك باثني عشر نقداً؛ لأنه حينئذ قد جعل له درهمين في نظير سلفه وتوليته الشراء فهو سلف وإجارة بشرط.
(ولزمته): أي لزمت السلعة الطالب (بالعشرة، وله) أي للمأمور في نظير عمله (الأقل من جعل مثله أو الدرهمين فيهما) أي في هذه، وفي أول قسمي التي قبلها وهي قوله: اشترها لي بعشرة نقداً وآخذها باثني عشر لأجل.
(وجاز) النقد (بغيره) أي بغير شرط من الطالب، بل تطوعاً (وله الدرهمان) وهذا مما زدناه عليه.
(كنقد الآمر) فإنه جائز بأن قال له: اشترها لي بعشرة نقداً -ونقدها له- وأنا آخذها باثني عشر نقداً وله الدرهمان لأنهما أجرة (وإن لم يقل: لي) في هذا الفرض، وهو ما إذا نقد الآمر (كره) وقيل: يجوز أيضاً وهما روايتان عن الإمام.
ثم شبه في الكراهة قوله: (كخذ): أي كقول بائع لمشتر: خذ مني (بمائة ما) أي سلعة (بثمانين) قيمة لما فيه من رائحة الربا ولا سيما إذا قال له المشتري: سلفني ثمانين وأرد لك عنها مائة فقال المأمور: هذا ربا، بل خذ مني بمائة إلخ. (أو) قال شخص لآخر (اشترها و) أنا (أربحك) ولم يعين له قدر الربح، فإنه يكره، فإن عينه منع (وإلا) عطف على الاستثناء المتقدم (أن يقول: اشترها لي بعشرة لأجل و) وأنا اشتريها منك (بثمانية نقداً)، فيمنع لما فيه من السلف بزيادة لأنه سلفه الثمانية المنقودة على أن يشتريها له بعشرة،
ــ
أي لأن موضع بيع العينة شامل للأربعة وعشرين صورة كما بينه الشارح.
قوله: [فحاصلها أربع وعشرون]: منها الستة الممنوعة التي يستثنيها المصنف والباقي ثماني عشرة لا منع فيها. قوله: [ولذا عرفه بقوله]: أي لأجل العموم الشامل لجميع الصور، فشارحنا منتصر لأبي عمران. قوله: [بمعنى خلاف الأولى]: أي لما فيه من التحيل على دفع قليل يعود عليه كثير. قوله: [ليبيعوها للطالب]: أي بعد الشراء.
قوله: [ولذا قال الشيخ]: أي فالخلاف إنما هو في بيع المطلوب منه بثمن مؤجل بعضه وبعضه معجل، وأما تعجيل الكل أو تأجيله متفق على جوازه. قوله: [فيمنع]: أي والفسخ وعدمه شيء آخر سيفصله.
قوله: [فإن لم يقل لي] إلخ: حاصله أنه إذا لم يقل لي والفرض أنه أمره بشرائها بعشرة واتفق معه على أن يشتريها منه باثني عشر لأجل ووقع ذلك، فقيل: يفسخ البيع الثاني وهو أخذ الآمر لها باثني عشر لأجل، ثم إن كانت السلعة قائمة بيد الآمر ردت للمأمور بعينها وإن فاتت في يد الآمر بمفوت البيع الفاسد رد قيمتها يوم القبض حالة بالغة ما بلغت، وقيل: إن البيع الثاني يمضي على الأمر باثني عشر للأجل ولا يفسخ كانت السلعة قائمة أو فائتة. وعلى القول بالفسخ ولزوم القيمة عند الفوات يشكل على ما تقدم من أن المختلف في فساده يمضي إذا فات بالثمن، وهذا من المختلف فيه. وأجيب: بأن ما تقدم أكثري. قوله: [أو الدرهمين]: الأولى والدرهمين لأن الأقل من الأمور التي لا تكون إلا بين اثنين.
قوله: [كنقد الآمر فإنه جائز]: أي ولو كان بشرط اشترطه عليه المأمور كما في (عب).
قوله: [وهو ما إذا نقد الآمر]: صوابه وهو ما إذا شرط الطالب النقد على المأمور لأن هذا مقابل قوله، وإلا أن يقول: اشترها لي بعشر نقداً إلخ. قوله: [كره]: هذا هو الراجح. قوله: [كخذ]: أي ولا فرق في هذه المسألة بين كون الفاعل لذلك من أهل العينة أو غيرهم فهي مسألة عامة. قوله: [بل خذ مني بمائة]: أي وأما لو أعطى رب المال لمريد التسلف منه بالربا ثمانين ليشتري بها سلعة على ملك رب المال ثم يبيعها له بمائة لأجل فهو حرام لا مكروه؛ لأنها لما لم تكن عنده السلعة كان المقصود بشرائها ولو على وجه الوكالة صورة إنما هو دفع قليل ليأخذ منه أكثر.
قوله: [ولم يعين له قدر الربح]: حاصله أنه إن عين له قدر
стр. 575
كذا قيل، ولا وجه له. وذكر ابن رشد وغيره: أن وجه المنع أن الآمر استأجر المأمور على أن يشتري له السلعة بسلفه الثمانية ينقدها له ينتفع بها إلى الأجل ثم يردها له، أي والآمر يدفع له العشرة عند الأجل للبائع الأصلي. اهـ. وهذا بعيد أيضاً لا يقتضي الحرمة فتأمل.
(وتلزم) السلعة الآمر (بما أمر) وهو العشرة لأجلها (ولا يعجل له الأقل) وهو الثمانية في المثال.
(فإن عجل) الأقل للمأمور (رد) للآمر (وله) أي للمأمور (جعل مثله، وإن لم يقل: لي) وهذا ثاني القسم الثالث وهو تمام الستة الأقسام الممنوعة (فسخ) البيع (الثاني) فترد السلعة للمأمور إن كانت قائمة، (فإن فاتت فالقيمة) على الآمر يوم قبضها على أحد القولين. والثاني: لا يفسخ بل يمضي بالثمانية نقداً وعلى المأمور العشرة للأجل لرب السلعة.
(فصل)
في الخيار وأقسامه وأحكامه
(الخيار قسمان: ترو ونقيصة) أي خيار ترو أي نظر وتأمل في انبرام [١] البيع وعدمه، وخيار نقيصة: وهو ما كان موجبه وجود نقص في المبيع من عيب أو استحقاق. (فالأول) أي خيار التروي (بيع وقف بته): أي لزومه (على إمضاء) ممن له الخيار من مشتر أو بائع أو غيرهما (يتوقع) في المستقبل.
(وإنما يكون) أي يوجد ويحصل (بشرط) من المتبايعين ولا يكون بالمجلس.
(وجاز) الخيار (ولو) كان (لغير المتبايعين والكلام) في إمضاء البيع وعدمه (له) أي لمن جعل له الخيار (دون غيره) من المتبايعين (كأن علق البيع على رضاه): أي رضا الغير، فإن الكلام لمن علق الإمضاء على رضاه كبعته لك، أو اشتريته منك بكذا إن رضي فلان (بخلاف المشورة) كبعته أو اشتريته بكذا على مشورة فلان (فلمن علق) المبيع (عليها): أي على المشورة من المتبايعين (الاستبداد) بالإمضاء أو الرد للبيع دون من علق المشورة عليه. والفرق: أن من علق الأمر على خيار غيره ورضاه قد أعرض عن نفسه بالمرة، ومن علق على المشورة لغيره فقد جعل لنفسه ما يقوي نظره، فله أن يستقل بنفسه،
ــ
الربح حرم. وأما إن سمى ربحاً ولم يعين قدره كره، وأما إن أومأ من غير تصريح بلفظه نحو ولا يكون إلا خيراً فجائز.
قوله: [كذا قيل]: هذا القول ل (تت) والشيخ سالم. قوله: [ولا وجه له]: قد يقال: وجهه ظاهر لأن المأمور عجلت له الثمانية في نظير توليته الشراء وزيادته للدرهمين وتحمل الثمن في ذمته للأجل. قوله: [وهذا بعيد أيضاً لا يقتضي الحرمة]: أما بعده من كلام المتن فظاهر، وأما كونه لا يقتضي الحرمة فغير ظاهر بل متى كان التصوير هكذا كانت حرمته ظاهرة لأن دفع الثمانية ورجوعها إليه سلف جر له نفعاً وهو تولية المأمور الشراء له فتأمل منصفاً.
قوله: [رد للآمر]: أي لأن بقاءه ربا كما هو ظاهر. قوله: [جعل مثله]: أي في نظير توليته الشراء. قوله: [الستة الأقسام الممنوعة]: مراده بالمنع ما يشمل الكراهة فإن القسم الرابع مكروه. قوله: [فسخ البيع الثاني]: أي الذي هو قوله: وأنا اشتريها منك بثمانية.
قوله: [بل يمضي بالثمانية نقداً]: أي عند الفوات فيتفق القولان على ردها إذا لم تفت، وإنما يختلفان عند الفوات، فعلى الأول: تفوت بالقيمة على الآمر يوم قبضها، وعلى الثاني تمضي بالثمانية نقداً كما أفاده الشارح فتأمل.
فصل في الخيار
لما أنهى الكلام على أركان البيع وشروطه وما يعرض له من صحة وفساد وكان من أسباب فساده الغرر وكان بيع الخيار مستثنى من ذلك بناء على أنه رخصة - كما قال ابن عرفة، المازري: في كونه رخصة لاستثنائه من الغرر وحجر المبيع خلاف. اهـ. أتبع ذلك بالكلام عليه، ومراده بالخيار: حقيقته.
وقوله: [وأقسامه]: مراده بالجمع ما فوق الواحد فإنه قسمان فقط ومراده بالأحكام مسائله. قوله: [قسمان]: أي وليس لنا قسم ثالث، خلافاً للشافعية فإنهم أجازوا خيار المجلس وسيأتي الكلام عليه.
قوله: [أي خيار ترو]: أي ويقال له خيار شرطي، وهو الذي ينصرف له لفظ الخيار عند الإطلاق. قوله: [وقف بته]: البت القطع، لقطع كل منهما خيار صاحبه.
وقوله "وقف بته" أي ابتداء خرج به الخيار الحكمي. فإن بته ليس موقوفاً من أول الأمر بل عند ظهور العيب السابق؛ فالفرق بين خيار التروي أن موجب الخيار إما مصاحب للعقد أو مقدم عليه الأول التروي، والثاني النقيصة وهو الخيار الحكمي لأنه بعيب سابق على العقد.
قوله: [ولا يكون بالمجلس]: أي فإنه غير معمول به على مشهور المذهب واشتراطه مفسد للبيع لأنه من المدة المجهولة وإن ورد به الحديث، وهو قوله ﷺ «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» وهذا الحديث - وإن كان صحيحاً لكن عمل أهل المدينة مقدم عليه عند مالك، لأن عملهم كالتواتر والتواتر يفيد القطع بخلاف الحديث، فإنه خبر آحاد وهو إنما يفيد الظن. ونقل ابن يونس عن أشهب: أن الحديث منسوخ، وبعضهم حمل التفرق في الحديث على تفرق الأقوال لا على تفرق الأبدان الذي هو حمل الشافعي - ووافقه ابن حبيب والسيوري وعبد الحميد الصائغ.
стр. 576
هذا هو الراجح من الأقوال المذكورة هنا.
ولما كانت مدة الخيار تختلف باختلاف المبيع بينها بقوله: (ومنتهاه): أي منتهى زمن الخيار (في العقار) وهو الأرض وما يتصل بها من بناء أو شجر: (ستة وثلاثون يوماً ولا يسكن): أي لا يجوز للمشتري في مدة الخيار أن يسكن الدار المشتراة به إن كثرت بلا أجرة، كانت السكنى لاختبارها أم لا، شرطت أم لا. وله اختبارها بغير السكنى.
(وفسد البيع إن شرطها) أي السكنى في صلب العقد؛ لأنه شرط ينافي المقصود من البيع، إذ لا يجوز التصرف في المبيع إلا إذا دخل في ملك مشتريه.
(وجازت) السكنى في مدة الخيار (بأجرة مطلقاً) كانت كثيرة أو يسيرة لاختبارها أو لغير اختبارها، شرطها أم لا (كاليسير) الذي لا بال له (لاختبارها) لا لغيره، فإن سكن الكثير أو اليسير لغير اختبارها بلا إذن فهو معتد تلزمه الأجرة. فتحصل أنه إن سكن بأجرة جاز مطلقاً في الثمان صور بشرط وبغيره قل أو كثر للاختبار أو لغيره، وإن سكن بلا أجرة منع في الكثير في صوره الأربع، وفي اليسير في صورتي عدم الاختبار وجاز في صورتي الاختبار، فالممنوع ست من ست عشرة صورة وقولنا: "وفسد" إلخ مما زدناه عليه.
(و) منتهاه (في الرقيق عشرة) لا أكثر (واستخدمه) جوازاً (اليسير) لا الكثير فلا يجوز (كالسكنى) فيجوز اليسير الذي لا بال له لأجل اختباره لا لغيره، بشرط أم لا والشرط مفسد للبيع. وجاز بأجرة مطلقاً؛ فتجري فيه الست عشرة صورة التي في السكنى. وكذا تجري في لبس الثوب وركوب الدابة واستعمالها. وكلام الشيخ يوهم خلاف المراد؛ لأنه منع السكنى وجوز الاستخدام وأطلق فيهما.
(و) منتهاه (في العروض) كالثياب (خمسة) من الأيام (كالدواب) التي ليس شأنها الركوب أو شأنها ذلك ولم يكن الاختبار له بل لنحو أكلها ورخصها وغلائها. وأما إن كان لخصوص ركوبها فإما في البلد أو خارجها، وإلى ذلك أشار بقوله: (إلا) إذا اشترط (ركوبها بالبلد فاليومان) لا أكثر.
(و) شرط ركوبها خارجه أي البلد (البريدان) لا أكثر على قول أشهب. وقول ابن القاسم: البريد: وهل بينهما خلاف كما هو الظاهر أو وفاق بحمل البريدين على الذهاب مع الإياب؟ تأويلان. هذا ما مشى عليه الشيخ، وكلام غيره: أن الدواب لها الثلاثة الأيام ونحوها مطلقاً سواء كانت تراد للركوب أو غيره. وإنما اليوم ونحوه والبريد ونحوه لخصوص جواز الركوب.
(وصح) الخيار وجاز أيضاً للمشتري أو للبائع أو لغيرهما
ــ
قوله: [هذا هو الراجح]: حاصله: أن من اشترى سلعة على خيار فلان أو رضاه أو باعها على خياره أو رضاه ففي المسألة أقوال أربعة: الأول: وهو المعتمد أنه لا استقلال له سواء كان بائعاً أو مشترياً في الخيار والرضا، والثاني: له الاستقلال بائعاً أو مشترياً في الخيار والرضا، والثالث: له الاستقلال في الرضا بائعا أو مشتريا وليس له الاستقلال في الخيار بائعا أو مشتريا، والرابع: له الاستقلال إن كان بائعاً في الخيار والرضا وإن كان مشترياً، فليس له الاستقلال في الخيار والرضا كذا في خليل وشراحه.
قوله: [تختلف]: أي عندنا خلافاً لأبي حنيفة والشافعية القائلين: بأن مدة الخيار ثلاثة أيام في كل شيء. قوله: [ومنتهاه] إلخ: أي إذا شرط الخيار فيه فإن مدته لا تكون أكثر من شهر وستة أيام فلا ينافي أنها قد تكون أقل حيث عيناه. ثم إن ظاهر المصنف أن أمد الخيار في العقار المدة المذكورة سواء كان الاختبار حال المبيع أو للتروي في الثمن، وهو ظاهر كلام خليل وجمهور أهل المذهب، وقيل إنه قاصر على الأول وأن الثاني ثلاثة أيام وهو ما نقله ابن عرفة عن التونسي - وكذا يقال فيما يأتي في الرقيق. قوله: [وفسد البيع إن شرطها]: الفساد في ثلاث من الصور الممنوعة، وهي ما إذا كان الإسكان كثيراً بشرط من غير أجرة، كان لاختبار حالها أم لا،
أو كان بشرط وهو يسير من غير أجرة لغير اختبار. قوله: [من ست عشرة صورة]: حاصلها أنه إما أن يسكن كثيراً، أو يسيراً، وفي كل إما أن تكون بشرط، أو بغيره. وفي كل: إما لاختبار حالها، أم لا. وفي كل من هذه الثمانية: إما بأجر، أو بغيره وتفاصيلها معلومة من الشارح.
قوله: [ومنتهاه في الرقيق عشرة]: فلو بيعت دار بها رقيق وكل بالخيار فالظاهر الخيار إن قصد به كل منهما اعتبر أمد الأبعد منهما. وإن قصد به أحدهما اعتبر أمد المقصود منهما بالخيار انظر (بن).
قوله: [وأطلق فيهما]: أي في الدابة والثوب أي لم يتعرض في استعمالهما لجواز ولا لعدمه.
قوله: [التي ليس شأنها الركوب]: أي كالبقر والغنم ودخل فيها الطير والإوز والدجاج كذا قرر. وقال اللقاني: إن جرى عرف فيها بشيء عمل به وإلا فلا خيار فيها فيما يظهر كذا في حاشية الأصل. قوله: [ولم يكن الاختبار له]: أي فقط بل كان لنحو أكلها أو لنحو
الأكل والركوب معاً وليس قصد الركوب بدون شرط كشرطه على الراجح.
قوله: [البريدان]: هما سير يوم كامل لأنهما على النصف من مسافة القصر. قوله: [وهل بينهما خلاف]: أي فالبريد عند ابن القاسم ذهاباً وإياباً والبريدان عند أشهب كذلك أو البريد ذهاباً ومثله إياباً والبريدان كذلك. قوله: [بحمل البريدين]: أي في كلام أشهب: أي فبريد ذهاباً وبريد إياباً، وهو عين قول ابن القاسم البريد، فإن معناه البريد ذهاباً ولا بد له بريد إياباً.
стр. 577
(بعد بت) للبيع (إن نقد) الثمن للبائع (وإلا) ينقده (فلا) يصح على الراجح.
(وضمانه حينئذ): أي حين وقوعه بعد البت (من المشتري) لأنه صار بائعاً حينئذ.
(وفسد) الخيار (بشرط مدة بعيدة) تزيد على مدته (أو) مدة (مجهولة) كإلى أن تمطر السماء أو إلى قدوم زيد، ولم يعلم أمد قدومه (أو مشاورة) شخص (بعيد) لا يقدم إلا بعد مدة الخيار بكثير، وهذا داخل في المجهولة، نص عليه زيادة في الإيضاح، ولتصريحهم به.
ويفسد البيع بما ذكر (وإن أسقط) الشرط (أو) بشرط (لبس ثوب) أو استخدام رقيق (كثيراً، ورد [١] أجرته) للبائع؛ لأن الضمان منه والغلة له. (و) فسد بيع الخيار إذا وقع (بشرط النقد) للثمن للتردد بين السلفية والثمنية، وإن لم ينقد بالفعل، بخلاف التطوع به بعد العقد.
ولما شارك هذا الفرع في الفساد بشرط النقد فروع سبعة شبهها به فقال:
(كغائب) من غير العقار (بعد) كالعشرة أيام، وبيع بتّاً على الوصف بشرط النقد فإنه يفسده.
(و) كبيع رقيق بشرط (عهدة الثلاث) فإن شرط النقد يفسده.
(ومواضعة) بيعت على البت، فإن شرط النقد يفسده.
(و) كراء (أرض) للزراعة (لم يؤمن ريها) فشرط النقد يفسده، فإن أمن ريها جاز كالنقد تطوعاً (وجعل) على تحصيل شيء كآبق فشرط النقد يفسده (وإجارة لحراسة زرع) فشرط النقد يفسده لاحتمال فساد الزرع بجائحة، فيكون المنقود سلفاً، وسلامته فيكون ثمناً (و) إجارة (مستأجر معين) كزيد بعينه أو هذه الدار بعينها فالمراد بالمستأجر المعين أعم من العاقل (يتأخر) الشروع فيما استأجر عليه (بعد) أي أكثر (من نصف شهر) فشرط نقد الأجرة يفسد الإجارة
ــ
قوله: [بعد بت]: أي وأما الجمع بين البت والخيار في عقد واحد. فهو ممنوع كما نقله (بن) عن التوضيح لخروج الرخصة عن موردها، لأن الخيار محتو على غرر إذ لا يدري كل من المتبايعين ما يحصل له هل الثمن أو المثمن لجهله بانبرام العقد ومتى يحصل فكان مقتضاه المنع مطلقاً، لكن رخص الشارع فيه فأباحه عند انفراده: قوله: [فلا يصح على الراجح]: أي لأنه إذا لم ينقده فقد فسخ البائع ماله في ذمة المشتري في معين يتأخر قبضه.
قوله: [من المشتري]: أي ولو جعل الخيار له، ويلغز بها فيقال: لنا مبيع بالخيار بيعاً صحيحاً وضمانه في مدته من المشتري.
قوله: [وفسد الخيار]: أي فسد البيع المحتوي على الخيار وضمانه حينئذ من بائعه كما في بيع الخيار الصحيح على الراجح، وقيل: من المشتري إذا قبضه حكم البيع الفاسد. وحاصل ما ذكره أنه قد تقدم أن أمد الخيار في العقار ستة وثلاثون يوماً، فإذا باعك بشرط مدة تزيد على تلك المدة زيادة بينة كأربعين يوماً كان البيع باطلاً أما ثمانية وثلاثون فلا يضر لأن اليومين ملحقان بأمد الخيار.
قوله: [والغلة له]: حاصله أن الأجرة والغلة للبائع في بيع الخيار زمنه سواء كان صحيحاً أو فاسداً ولو كان الخيار في الصحيح للمشتري وأمضى البيع لنفسه لأن الملك للبائع وزمنه لم يدخل في ضمان المشتري، وما تقدم من أن الغلة للمشتري في البيع الفاسد والضمان منه محمول على ما إذا كان للبيع بتاً فبيع البت الفاسد ينتقل فيه الضمان فيه بالقبض فيفوز المشتري بالغلة. وأما بيع الخيار فالملك فيه للبائع ولا ينتقل الضمان فيه بالقبض كان صحيحاً أو فاسداً فلذا كانت الأجرة والغلة فيه للبائع.
قوله: [وفسد بيع الخيار] إلخ: أي ولو أسقط الشرط بعد ذلك على المعتمد فليس كشرط السلف المصاحب للبيع.
قوله: [من غير العقار] إلخ: أي فلو كان المبيع عقاراً مطلقاً أو غيره وهو قريب الغيبة كالثلاثة الأيام فلا يفسد بشرط النقد فيه كما تقدم. قوله: [بشرط عهدة الثلاث]: أي ثلاثة أيام يرد فيها العبد المبيع بكل حادث من العيوب، وأما اشتراط النقد في عهدة السنة فلا يفسد العقد لقلة الضمان فيها لندرة أمراضها فاحتمال السلف فيها ضعيف بخلاف عهدة الثلاث فهو قوي لأنه يرد فيها بكل حادث. قوله: [ومواضعة]: أي وأمة بيعت على البت بشرط المواضعة لاحتمال أن تظهر حاملاً فيكون سلفاً أو تحيض فيكون ثمناً، لا إن اشترط عدم المواضعة أو كان العرف عدمها، كما في بياعات مصر فلا يضر شرط النقد لكن لا يقران على ذلك بل تنزع من المشتري وتجعل تحت يد أمين، ومفهوم بيعت على البت أنها لو بيعت على الخيار لامتنع النقد فيها مطلقاً ولو تطوعاً كما يأتي.
قوله: [لم يؤمن ريها]: أي كأراضي النيل العالية أو الأراضي التي تروى بالمطر وإنما كان شرط النقد يفسدها لتردده بين الثمنية إن رويت والسلفية إن لم ترو.
قوله: [كالنقد تطوعاً]: أي فيجوز ولو في غير مأمونة. قوله: [جعل على تحصيل شيء]: إنما فسد للتردد المذكور. وقوله: [فشرط النقد يفسده]: مفهومه أن النقد تطوعاً لا يضر على المعتمد كما ذكره (بن) وأيده بالنقول، خلافاً لمن قال إن النقد يفسد الجعل مطلقاً ولو تطوعاً.
قوله: [لحراسة زرع]: أي أو لرعي غنم معينة أو لخياطة ثوب معين، وما ذكره المصنف من أن شرط النقد مفسد لها مبني على أنه لا يجب عليه خلف الزرع وما ألحق به إذا تلف ولكن المعتمد أنه يلزمه الخلف أو يعطيه الأجرة بتمامها، ولا يضر شرط النقد وإنما ذكره المصنف
стр. 578
لاحتمال تلف الأجير المعين فيكون سلفاً، وسلامته فيكون ثمناً. فالعلة في الجميع: التردد بين السلفية والثمنية، والتقييد بالمعين مما زدناه عليه؛ لما يأتي في الإجارة أن غير المعين -وهو المضمون- يتعين فيه إما الشروع في العمل أو تعجيل النقد. وقوله: "بعد نصف شهر" هو الصواب لا شهر كما قال: ثم ذكر أربع مسائل يمنع فيها النقد مطلقاً -بشرط وبغيره- ولا يختص المنع بها. وضابط ذلك -كما يأتي- أن كل ما يتأخر قبضه بعد أيام الخيار يمنع النقد فيه مطلقاً، إذا كان لا يعرف بعينه؛ لأن علة المنع فيه فسخ ما في الذمة في مؤخر، وما يعرف بعينه لا يترتب في الذمة. فقال: (ومنع) النقد (وإن بلا شرط في كل ما يتأخر قبضه عن مدة الخيار): هذا إشارة للقاعدة المتقدم ذكرها. ومثل لها بما ذكره الشيخ للإشارة إلى أن هذا الحكم لا ينحصر فيما ذكره فقال: (كمواضعة) بيعت بخيار (و) بيع شيء (غائب) على الخيار.
(وكراء) لشيء كدار أو دابة كراء مضموناً أو غير مضمون بخيار، فلا مفهوم لقوله: "ضمن"؛ فمن اكترى دابة معينة أو غير معينة ليركبها أو يحمل عليها بخيار لم يجز نقد الأجرة فيه مطلقاً بشرط وبغيره، وإنما منع في الكراء النقد مطلقاً وجاز في البيع بالخيار النقد تطوعاً؛ لأن اللازم في البيع التردد بين السلفية والثمنية وهو إنما يؤثر مع الشرط، واللازم في الكراء فسخ ما في الذمة في مؤخر وهو يتحقق حتى في التطوع (وسلم) يأتي في السلم إن شاء الله تعالى أنه يجوز السلم بالخيار لما يؤخر ما لم ينقد رأس السلم وإن تطوعاً، فقوله: (بخيار) راجع للأربعة.
(وانقطع) الخيار ولزم البيع أو رده (بما دل على الإمضاء أو الرد) للبيع من قول كقول من له الخيار: أمضيت البيع أو قبلته أو رددته، ونحو ذلك أو فعل كما يأتي أمثلته.
(وبمضي زمنه) أي الخيار أي مدته المشترطة أو الشرعية واذا مضت مدته (فيلزم المبيع من هو بيده) من بائع أو مشترٍ كان الخيار لهما أو لأحدهما ولو كان المبيع بيد من ليس له الخيار.
(وله) أي لمن بيده المبيع
ــ
جمعاً للنظائر. قوله: [لاحتمال تلف الأجير المعين]: أي وعقد الإجارة ينفسخ بتلف ما يستوفى منه حيث كان معيناً لا ما يستوفى به كما يأتي في الإجارة. قوله: [فالعلة في الجميع التردد] إلخ: أي وحكمة منع التردد بين السلفية والثمنية ما فيه من سلف جر نفعاً، لأن الدافع للثمن لم يكن قصده بالسلف على احتمال حصوله وجه الله بل رضاه به مجوزاً كونه ثمناً ولولا ذلك ما دفعه هكذا قرر الأشياخ.
قوله: [يتعين فيه إما الشروع في العمل] إلخ: أي لما يلزم عليه من ابتداء الدين بالدين إن لم يحصل أحد الأمرين. قوله: [ولا يختص المنع بها]: أي لا خصوصية للمسائل الأربع التي ذكرها في منع النقد فيها بشرط وبغيره بل هذا الحكم ثابت لمسائل أخرى غيرها، ولذا زاد بعضهم عهدة الثلاث سواء كان البيع بتاً أو بخيار، لأن عهدة الثلاث إنما تكون بعد أيام الخيار ولا تدخل في أيامه وإلا لم يكن لاشتراطها فائدة كذا في حاشية الأصل. قوله: [إذا كان لا يعرف بعينه]: أي وهو المثلي مكيلاً كان أو موزوناً أو معدوداً بأن يجعل ذلك ثمن أمة تتواضع أو ثمن الغائب أو أجرة الكراء أو رأس مال السلم ويكون العقد على الخيار كما سيأتي.
قوله: [فسخ ما في الذمة]: أي وهو هنا الثمن الذي قبضه البائع وصار في ذمته والمؤخر هو المبيع الذي يتأخر قبضه بعد أيام الخيار. قوله: [كمواضعة بيعت بخيار]: يعني أن من ابتاع أمة بخيار على المواضعة، فإنه لا يجوز النقد فيها في أيام الخيار ولو تطوعاً حيث كان الثمن مما لا يعرف بعينه لأنه يؤدي لفسخ ما في الذمة في معين يتأخر قبضه، بيانه: أن البيع إذا تم بانقضاء زمن الخيار فقد فسخ المشتري الثمن الذي له في ذمة البائع في شيء لا يتعجله الآن. وما قيل في مسألة المواضعة يقال في باقي المسائل الأربعة. قوله: [وبيع شيء غائب]: ظاهره سواء كان عقاراً أو غيره لوجود العلة.
قوله: [لم يجز نقد الأجرة] إلخ: أي بناء على أن قبض الأوائل ليس قبضاً للأواخر.
قوله: [أنه يجوز السلم بالخيار لما يؤخر]: أي كما يجوز تأخيره رأس المال إليه وهو ثلاثة أيام.
قوله: [وانقطع الخيار]: شروع منه في رافع الخيار. وهو إما فعل أو قول أو غيرهما.
قوله: [وإذا مضت مدته]: أي وهي الأمد الذي جعله الشارع للخيار وما ألحق به. قوله: [من هو بيده]: أي كان الخيار له أو لغيره، وحاصله أنه إذا كان المبيع بيد البائع وانقضى أمد الخيار فإنه يلزم رد البيع كان الخيار له أو للمشتري، ولو كان بيد المشتري حتى انقضى أمد الخيار وكان البيع لازماً له كان الخيار له أو لغيره، فلو كان المبيع بيد البائع وكان الخيار للمشتري وادعى المشتري بعد انقضاء أمد الخيار أنه اختار إمضاء البيع قبل انقضاء أمد الخيار ويريد أخذه من البائع فلا تقبل دعواه إلا ببينة. وكذلك لو كان الخيار للبائع والمبيع بيده فبعد انقضاء أمد الخيار ادعى أنه اختار إمضاء البيع لأجل إلزام المشتري فلا تقبل دعواه إلا ببينة.
وكذا لو كان المبيع بيد المشتري والخيار له، وادعى بعد أمد الخيار أنه اختار الرد ليلزمه للبائع، فلا تقبل دعواه إلا ببينة. أو كان الخيار للبائع والمبيع بيد المشتري وادعى بعد انقضاء أمد الخيار أنه اختار الرد لأجل انتزاعه من المشتري، فلا
стр. 579
(الرد في كالغد): أي اليوم أو اليومين بعد انقضاء مدته. (ولا يقبل منه): أي ممن له الخيار (بعده): أي بعد زمن الخيار وما ألحق به دعواه (أنه اختار) أي قبل المبيع في أيام الخيار ليأخذه ممن هو بيده أو يلزمها لمن ليست في يده (أو) دعواه أنه (رد) البيع ليلزمها لبائعها أو ليأخذها البائع إن كان الخيار له (إلا ببينة) تشهد له بما ادعاه.
وإذا علمت أن الخيار ينقطع بما دل على الرضا أو الرد من قول أو فعل (فالكتابة والتدبير) لرقيق بيع بالخيار رضا من المشتري، ورد للبيع من البائع لدلالة كل على ما ذكر، فهذا وما بعده أمثلة للفعل الدال على ذلك، والواو بمعنى أو، وأولى من كل منهما العتق ولو لأجل.
(والتزويج) لأمة أو لعبد (والتلذذ) بأمة كذلك (والرهن) لشيء بيع بالخيار من بائع أو مشتر كذلك (والبيع) له ولو بلا تسوق (والتسوق) أي إيقافه في السوق للبيع ولو لم يبع أو لم يتكرر (والوسم) بنار أو فصد (وتعمد الجناية) على المبيع بالخيار (والإجارة) من مشتر لا بائع كما يدل عليه الاستثناء الآتي، هذه الأمور كلها كما تكون (من المشتري) بالخيار (رضا): أي قبولاً للمبيع لدلالتها عليه (ومن البائع رد) للمبيع بالخيار (إلا الإجارة) من البائع؛ فإنها لا تدل على الرد؛ لأن الغلة له والضمان منه ما لم تزد مدتها على مدة الخيار، فقوله "إلا" إلخ مستثنى من قوله: "ومن البائع ورد [١] ".
(و) إذا مات من له الخيار أو فلس (انتقل) الخيار (لوارث) له ليس معه غريم. أو معه غريم ولم يحط الدين بمال الميت أخذاً من قوله: (و) انتقل (لغريم إن أحاط دينه) بمال الميت وحينئذ (فلا كلام لوارث) مع الغريم المذكور. ولو مات المشتري وتعدد وارثه فليس لهم إلا أن يأخذوا أو يردوا جميعاً وليس لهم التبعيض.
ــ
تقبل دعواه إلا ببينة. وكل هذا ما لم يتصادقا، وإلا فلا حاجة للبينة في الجميع. قوله: [الرد في كالغد]: ظاهره أنه يرد في اليوم واليومين الزائدين على المدة التي حددها أولاً وهو الستة والثلاثون في العقار والعشرة في الرقيق والخمسة في غيرهما من سائر العروض والدواب وانظر هل هذا مسلم.
قوله: [فهذا وما بعده أمثلة للفعل]: إن قلت: إن الكتابة والتدبير والتزويج والرهن والبيع تحصل بالصيغة فكيف يكون فعلاً؟ إلا أن يجاب: بأن المراد بالفعل ما يشمل الفعل النفسي ويراد بالقول ما كان فيه لفظ رضيت أو رددت. قوله: [والتزويج لأمة أو لعبد]: لا خلاف في أن تزويج الأمة يعد رضا. وأما تزويج العبد ففيه خلاف، والمشهور أنه رضا خلافاً لأشهب. والمراد بالتزويج العقد ولو فاسداً ما لم يكن مجمعاً على فساده.
قوله: [والتلذذ بأمة]: حاصله أنه إن فعل فعلاً بالأمة. موضوعاً لقصد اللذة - مثل كشف الفرج والنظر إليه - فهو محمول على قصد التلذذ والرضا أقر أنه قصد اللذة أم لا، وأما إن فعل فعلاً ليس موضوعاً لقصد التلذذ - ككشف الصدر أو الساق - فإن قصد به التلذذ عد رضا منه وإن لم تحصل لذة بالفعل، وإن أنكر ذلك. وقال: قصدت التقليب، فلا يعد رضا ولو حصلت له اللذة بها كما قرره شراح خليل. ومفهوم: " أمة " أن التلذذ بالذكر لا يعد رضا من المشتري ولا رداً من البائع. قوله: [والرهن]: أي على المشهور وهو مذهب المدونة. وظاهره: أنه يعد رضا وإن لم يقبضه المرتهن من الراهن وهو كذلك لكن ينبغي أن يقيد ذلك بما إذا كان الراهن قبضه من البائع وأما إذا لم يقبضه من البائع ورهنه فلا يعد ذلك رضا. قوله: [ولو لم يبع أو لم يتكرر]: أي على المشهور الذي هو مذهب ابن القاسم.
قوله: [أو فصد]: مثله الحجامة وحلق الرأس والإسلام للصنعة ولو هينة أو المكتب كما في الأصل. قوله: [وتعمد الجناية]: حاصله أنه إذا جنى البائع زمن الخيار والخيار له، فإن كان عمداً فهو رد للبيع، وإن كان خطأ فللمشتري خيار العيب، إن أجاز البائع البيان إن شاء تمسك ولا شيء له أو رد وأخذ الثمن، هذا إذا لم يحصل في المبيع تلف. فإن تلف انفسخ فيهما. وإن كان الخيار للمشتري، وتعمد البائع الجناية ولم يتلف المبيع، فللمشتري الرد أو الإمضاء وأخذ أرش الجناية، وإن تلف ضمن الأكثر من الثمن والقيمة. وإن أخطأ البائع فللمشتري أخذه ناقصاً ولا شيء له من أرش النقص أو رده للبائع، وإن تلف انفسخ، فهذه ثمان صور في جناية البائع. وإن جنى المشتري - والخيار له - عمداً ولم يتلفه فهو رضا وخطأ فله رده وما نقص، وله التمسك ولا شيء له. وإن أتلفه بالجناية ضمن الثمن كانت الجناية عمداً أو خطأ. وإن كان الخيار للبائع وجنى المشتري عمداً أو خطأ ولم يتلف المبيع فله رد البيع وأخذ أرش الجناية أو الإمضاء وأخذ الثمن. وإن تلف في العمد أو الخطأ ضمن الأكثر من الثمن والقيمة: فهذه ثمان أيضاً. فالجملة ست عشرة صورة قد علم تفصيلها تركها المصنف، وهي في خليل وشراحه. قوله: [والإجارة من مشتر]: أي ولو مياومة.
قوله: [لا بائع]: أي فلا تعد إجازته رداً إذا كان الخيار له لأن الغلة له على كل حال وسيأتي تقييدها.
стр. 580
(والقياس) إذا اختلفوا فأجاز البعض ورد البعض: (رد الجميع): أي جميع ورثة المشتري بالخيار (إن رد بعضهم) فيجبر المجيز على الرد مع من رد لما في التبعيض من ضرر الشركة. فكما أن من ورثوا الخيار عنه ليس له رد بعض السلعة وقبول بعضها للضرر بالبائع، فكذلك هم ليس لبعضهم القبول ولبعضهم الرد إذا لم يرض البائع بذلك لضرر الشركة، فألحق الوارث بالمشتري في عدم جواز التبعيض والجبر على الرد بجامع الضرر في كل وليس للمجيز أخذ مناب من رد إذا لم يرض البائع، وهذا للإمام في المدونة، والاستحسان عنده أيضاً أن للمجيز أخذ جميع السلعة فلا يجبر على الرد إن رد البعض واقتصرنا على القياس لقوله في المدونة: وهذا هو النظر، ثم قال فيها أيضاً: واستحسن لمن أجاز منهم أن يأخذ منهم من لم يجز.
(وهو): أي القياس (في ورثة البائع) الذي له الخيار حيث مات (إجازة الجميع إن أجاز بعضهم) ويجبر من رد البيع على الإجازة مع المجيز، عكس ورثة المشتري. وهل يتعين فيهم القياس ولا يجري فيهم الاستحسان؟ وهو قول ابن أبي زيد، أو يجري فيهم أيضاً؟ وهو قول بعض القرويين. وعليه فللراد منهم أخذ الجميع. والقياس في كل هو المعتمد.
(والملك) للمبيع بالخيار في زمنه سواء كان لأحد المتبايعين أو لأجنبي (للبائع، والضمان منه؛ فالغلة وأرش الجناية) على المبيع بالخيار (له) أي للبائع (بخلاف الولد والصوف) فهما للمشتري إذا تم له الشراء لأنهما كجزء من البيع.
(ولو قبضه المشتري) وادعى ضياعه زمن الخيار (ضمن فيما يغاب [١] عليه) كالرهن (إلا لبينة) تشهد بضياعه بلا تفريط من المشتري فلا يضمن (وحلف في غيره) أي في غير ما يغاب عليه -كالحيوان- حيث اتهمه البائع (لقد ضاع وما فرط، إلا أن يظهر كذبه) أي المشتري في دعواه الضياع، كأن يقول: ضاع يوم كذا، فتشهد البينة على رؤيته عنده بعد ذلك اليوم، أو تشهد عليه بأنه أكله أو أتلفه أو باعه فإنه يضمن، ولا يقبل منه يمين وإذا نكل عند توجه اليمين عليه غرم.
ثم بين ما يغرمه للبائع وهو يختلف باختلاف الأحوال فقال: (الأكثر) أي يضمن المشتري للبائع إذا ادعى ضياع ما يغاب عليه أو ما يغاب إذا ظهر كذبه أو نكل الأكثر (من الثمن) الذي وقع به البيع (والقيمة) هذا (إن كان الخيار للبائع) في الصور الثلاث.
ــ
قوله: [والقياس]: إلخ قال في جمع الجوامع: وهو حمل معلوم على معلوم لمساواته له في علة حكمه عند الحامل وإن خص بالصحيح حذف الأخير، فقوله: "حمل معلوم" المراد به هنا الوارث وقوله: "على معلوم" المراد به الموروث الذي هو المشتري. والعلة ضرر الشركة والحكم التصرف بالإجارة والرد.
قوله: [والاستحسان]: هو معنى ينقدح في ذهن المجتهد تقصر عنه عبارته والمراد بالمعنى دليل الحكم الذي استحسنه ووجه استحسان أخذ المجيز الجميع أن المجيز حيث أخذ الجميع يدفع جميع الثمن للبائع ويرتفع ضرر الشركة بالتبعيض. قوله: [القياس في كل هو المعتمد]: أي فالمعتمد في ورثة المشتري رد جميع السلعة للبائع إن رد بعضهم وفي ورثة البائع إمضاء الجميع البيع إن أمضى بعضهم.
تنبيهان: الأول ينتقل الخيار الذي كان للمكاتب لسيده حيث عجز في مدة الخيار وقبل الاختيار كان بائعاً أو مشترياً، فالسيد عند عجز المكاتب بمنزلة الوارث أو الغريم إذا مات المورث أو من أحاط الدين بماله قبل الاختيار. الثاني: إذا جن من له الخيار وعلم أنه لا يفيق أو يفيق بعد طول يضر الصبر إليه بالآخر نظر الحاكم الشرعي في الأصلح له من إمضاء أو رد. وأما لو أغمي من له الخيار فإنه ينتظر إفاقته لينظر لنفسه، فإن طال إغماؤه بعد مضي زمنه بما يحصل به الضرر فسخ البيع ولا ينظر له حاكم ولا غيره وقال أشهب: ينظر له. اهـ. من الأصل.
قوله: [والملك للمبيع] إلخ: هذا هو المعتمد، وعليه فالإمضاء نقل للمبيع من ملك البائع لملك المشتري. وقيل: إن الملك للمشتري فالإمضاء تقرير لملك المشتري وأصل ملكه حصل بالعقد، وهذا معنى قولهم: إن بيع الخيار منحل، أي أن المبيع على ملك البائع أو منعقد أي أنه على ملك المشتري لكن ملكه له غير تام لاحتمال رده. ولذلك كان ضمان المبيع من البائع على القولين اتفاقاً. فثمرة الخلاف إنما هي في الغلة الحاصلة في مدة الخيار وما ألحق بها، فهي للبائع على الأول وللمشتري على الثاني. إلا أن كون الغلة للمشتري على القول الثاني مخالف لقاعدة: "الخراج بالضمان" و"من له الغنم عليه الغرم" فإن الغنم هنا للمشتري والغرم الذي هو الضمان على البائع. اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [فالغلة وأرش الجناية]: إلخ: مثل الغلة ما يوهب للعبد المبيع بالخيار في زمنه فإنه للبائع إلا أن يستثني المشتري ماله.
قوله: [والصوف]: أي التام أو غيره. وأما الثمرة المؤبرة فكمال العبد لا تكون للمشتري إلا بشرط.
قوله: [ولو قبضه المشتري]: أي المشتري على الخيار لو قبض الشيء المشترى سواء كان البيع صحيحاً أو فاسداً وما تقدم من انتقال ضمان الفاسد بالقبض إنما هو في البيع بالبت. قوله: [وحلف في غيره]: أي متهماً أو لا بخلاف المودع والشريك لا يحلف إلا إذا كان متهماً.
قوله: [إلا أن يظهر كذبه]: استثناء من مقدر أي حلف ولا ضمان عليه إلا أن يظهر كذبه فإنه يضمن وليس استثناء من قوله وحلف في غيره، فلو شهدت بينة بكذبه وشهدت أخرى بصدقه قدمت بينة الكذب على المعتمد كذا في الحاشية.
قوله: [الأكثر]: معمول لقوله ضمن وما بينهما اعتراض. قوله: [والقيمة]: أي وتعتبر يوم قبض المشتري المبيع.
قوله: [في الصور الثلاث]: الأولى: ما إذا كان يغاب عليه وادعى الضياع ولم تقم له بينة. والثانية: ما لا يغاب عليه واتهمه ولم يحلف.
стр. 581
(إلا أن يحلف) في صورة ما يغاب عليه: إنه (ما فرط) في ضياعه فالثمن خاصة إن قل عن القيمة؛ لأنه إذا ساوى القيمة أو كثر عنها لم يتوجه عليه اليمين إذ لا ثمرة لها حينئذ كما هو ظاهر.
(كأن كان الخيار له) أي للمشتري، فإنه يغرم الثمن الذي وقع به البيع ولو كان الخيار لهما غلب جانب البائع فيما يظهر لأن الملك له.
(ولو اشترى) شخص (أحد) سلعتين (كثوبين، وقبضهما) من البائع ليختار واحداً منهما ويرد الآخر (فادعى ضياعهما) معاً (ضمن واحداً منهما فقط)؛ لأنه في الآخر أمين لا ضمان عليه فيه (بالثمن) الذي وقع به البيع سواء (كان فيما يختاره بخيار أو لا) بأن كان فيه على البت وقيل: المسألة مفروضة في الأول، وأما لو كان فيما يختاره على البت -لاشتركا فيهما- ولزمه نصف قيمة أحدهما ونصف ثمن الآخر.
(و) إن ادعى (ضياع واحد) منهما -ولم يكن له بينة بضياعه- (ففي الخيار معه) أي مع الاختيار بأن شرط أنه شرط فيما يختاره بالخيار (ضمن نصفه) لعدم العلم بالضائع، هل هو المبيع بالخيار، أو الثاني؟ فأعملنا الاحتمالين (وله) أي للمشتري في ادعاء ضياع واحد فقط (اختيار الباقي) ورده لربه، إن كان زمن الخيار باقياً وليس له اختيار نصفه لما فيه من ضرر الشركة. فإن قال: كنت اخترت ما ضاع قبل ضياعه، صدق ولزمه ثمنه ولو قال: كنت اخترت هذا الباقي ثم ضاع الآخر وأنا فيه أمين، لم يصدق ويلزمه نصفه.
(وفي الاختيار فقط) أي دون خيار بأن كان فيما يختاره على البت وادعى ضياع أحدهما ولا بينة (لزمه النصف من كل) من التالف والباقي، وليس له اختيار الباقي كما نص عليه ابن يونس؛ لأنه إنما يكون له الخيار إن وقع البيع على الخيار ولم تنقص مدته، وهذا مما يرجح القيل المتقدم في ضياعهما معاً ويضعف التعميم الذي ذكرناه في الأصل فتدبر.
ثم شبه في لزوم النصف من كل قوله:
(كانقضاء مدته) أي الاختيار (بلا ضياع) ولم يختر واحداً منهما، فإنه يلزمه النصف من كل، ويكونان شريكين في كل إذا لم يرضيا بأخذ كل منهما ثوباً ويترك لصاحبه الآخر.
(ولو انقضت) مدة الخيار والاختيار (في) اشتراء أحدهما على (الخيار معه) أي مع الاختيار بأن اشترى أحدهما على أن
ــ
والثالثة: ما لا يغاب عليه وظهر كذبه.
قوله: [إلا أن يحلف] إلخ: هذه هي الأولى. قوله: [فالثمن خاصة]: حاصله أن المبيع إذا كان مما يعاب عليه وادعى المشتري ضياعه أو تلفه ولم تقم له بينة فإنه يلزمه الأكثر من الثمن والقيمة كما مر، فإن كان الثمن أكثر أو مساوياً للقيمة غرمه ولا كلام وإن كانت القيمة أكثر وغرمها فلا كلام. وإن أراد أن يغرم الثمن الذي هو أقل منها حلف اليمين والموضوع أن الخيار للبائع.
قوله: [فإنه يغرم الثمن الذي وقع به البيع]: أي لأنه يعد راضياً وسواء كان الثمن أقل من القيمة أو أكثر ما لم يحلف عند أشهب أنه لم يرد الشراء، وإلا كانت عليه القيمة إن كانت أقل.
تنبيهان:
الأول: لو غاب البائع على المبيع بالخيار وادعى التلف والضياع - والخيار لغيره، مشتر أو أجنبي - فإنه يضمن الثمن. ومعنى ضمانه رده للمشتري إن كان قبضه، وإلا فلا شيء له كذا في الأصل.
الثاني: اشتريا دابتين خياراً ادعى كل التلف وقال أهل الموضع: إنما تلفت واحدة، فحكى ابن رشد قولين: براءتهما لصدق أحدهما قطعاً ولا يضمن الثاني بالشك، وضمان كل نصف دابته وصوبه عبد الحق في تهذيبه كما في الـ (مج).
قوله: [ولو اشترى شخص أحد سلعتين]: لما أنهى الكلام على بيع الخيار شرع في الكلام على الاختيار المجامع للخيار والمنفرد عنه فالأقسام ثلاثة: بيع خيار فقط، وقد تقدم، وبيع اختيار فقط، وبيع خيار واختيار، والكلام الآن فيهما. وفي كل منها؛ إن اشترى ثوبين مثلاً: إما أن يدعي ضياعهما معاً أو ضياع أحدهما، أو تمضي المدة مع بقائهما ولم يختر؛ فهذه تسع صور يعلم تفصيلها مما تقدم ومن هنا.
وحاصله: أن الثوبين في بيع الخيار فقط كلاهما مبيع فيضمنهما ضمان الرهان إن ادعى ضياعهما أو ضياع أحدهما. فإن مضت مدة الخيار ولم يختر لزماه معاً؛ فهذه ثلاث، وفي الاختيار فقط إن ادعى ضياعهما معاً أو ادعى ضياع أحدهما أو مضت مدة الاختيار ولم يختر لزمه النصف من كل منهما فيغرم نصف ثمن أحدهما ونصف قيمة الآخر. فهذه ثلاث أيضاً. وفي بيع الخيار والاختيار إن ادعى ضياعهما معاً ضمن واحداً بالثمن وإن ادعى ضياع واحد فقط ضمن نصفه وله اختيار الباقي. وإذا مضت المدة ولم يختر لم يلزمه شيء؛ فهذا ثلاث أيضاً فلتحفظ تلك الصور التسع
قوله: [وقيل المسألة مفروضة]: هذا هو المعتمد لما سيأتي.
قوله: [فأعملنا الاحتمالين]: أي احتمال كون الضائع هو المبيع واحتمال كونه غيره أي ارتكبنا حالة وسطى، لأنه على احتمال كون الضائع هو المبيع يلزمه كله وعلى احتمال كونه غير المبيع لا يلزمه شيء لأنه وديعة عنده فتوسطنا وأخذنا من كل طرفاً.
قوله: [اختيار الباقي]: أي على المشهور وهو قول ابن القاسم.
قوله: [وليس له اختيار نصفه]: أي خلافاً لابن المواز القائل القياس أن له اختيار النصف الباقي لا جميعه، وذلك لأن المبيع ثوب واحد فإذا اختار جميع الباقي لزم كون المبيع ثوباً ونصفاً وهو خلاف فرض المسألة. وأجيب بأن هذا أمر جر إليه الحكم لدفع ضرر الشركة.
قوله: [لأنه إنما يكون له الخيار] إلخ: المناسب الاختيار وهو إظهار في محل الإضمار.
стр. 582
يختار، ثم هو فيما يختاره بالخيار فمضت المدة ولم يختر (لم يلزمه شيء) من الثوبين ولا شركة فيهما؛ لأن ترك الاختيار حتى مضت مدة الخيار دليل على إعراضه عن الشراء وسواء كان المبيع بيده أو بيد البائع إذا لم يقع البيع على معين فيلزمه ولا على لزوم أحدهما فيشتركا.
ولما أنهى الكلام على ما أراد من القسم الأول الذي هو خيار التروي، شرع في بيان القسم الثاني وهو خيار النقيصة فقال:
(و) القسم (الثاني) وهو خيار النقيصة قسمان: ما وجب لفقد شرط، وما وجب لظهور عيب في المبيع وإلى الأول أشار بقوله: (ما) أي خيار (وجب) أي ثبت بعد انبرام [١] البيع (لعدم) أي لأجل فقد شيء (مشروط) شرط في العقد (فيه) أي في ذلك المشروط (غرض) للمشتري كان فيه مالية، كشرط كونها طباخة فلم توجد كذلك، أو لا مالية فيه: كاشتراط كونها ثيباً ليمين عليه ألا يطأ بكراً فوجدها بكراً كما يأتي في الأمثلة إذا وقع الشرط في العقد (ولو حكماً، كمناداة) عليها حال تسويمها أنها طباخة أو خياطة فتوجد بخلافه، فيثبت للمشتري الخيار فله الرد. ومثل للمشروط الذي فيه الغرض بقوله: (كطبخ وخياطة) ونسج وقوة حمل وفراهة وطحن وحرث من كل وصف فيه حق مالي (وثيوبة ليمين) عليه أنه لا يطأ الأبكار ثم (يجدها بكراً) ويصدق في دعوى اليمين، لا إن انتفى الغرض، كما لو اشترى عبداً للخدمة واشترط ألا يكون كاتباً فوجده كاتباً ولا إن وجدها بكراً في غير يمين فيلغى الشرط، ولا رد.
وأشار للقسم الثاني بقوله: (أو) ما وجب (لنقص) أي لوجود نقص في المبيع عقاراً كان المبيع أو عرضاً أو عيناً فيشمل الثمن (العادة السلامة منه) في ذلك المبيع، فله الرد به إن أخل بالذات أو بالثمن أو التصرف العادي أو كان يخاف عاقبته لا إن لم يخل بشيء من ذلك كما يأتي بيان ذلك كله (كغشاوة) بعينه لعدم تمام البصر، وكذا إذا كان يعشو بالعين المهملة أي لا يبصر ليلاً (وعور) وأولى العمى، وهذا إذا كان المبيع غائباً وبيع بالصفة أو رؤية متقدمة، أو كان المشتري أعمى حيث كان العور ظاهراً، وإلا فلا ينفعه دعوى أنه لم يره حال البيع، فإن كان خفياً كما لو كان المبيع تام الحدقة يظن فيه أن يبصر فله الرد ولو كان حاضراً والمشتري بصيراً (وظفر) بعينه وهو لحم ينشأ على بياض العين من جهة الأنف إلى سوادها (وعرج وخصاء) بغير بقر (واستحاضة): بأمة ولو وخشاً لأنها من المرض الذي شأن النفوس أن تكرهه (وعسر) بفتحتين وهو العمل باليد اليسرى فقط بخلاف الأضبط وهو من يعمل بكل من يديه وسواء كان الأعسر ذكراً أو أنثى (وبخر) عفونة الفرج وكذا عفونة النفس إذا قوي (وزناً) من ذكر أو أنثى أي ثبت أنه كان زنى عند البائع (وشرب) لمسكر وكذا أكل المغيب كأفيون وحشيشة (وزعر) لذكر أو أنثى: وهو عدم نبات شعر العانة لدلالته على المرض إلا لدواء
ــ
قوله: [كان فيه مالية]: أي بأن الثمن يزيد عند وجوده ويقل عند عدمه. قوله: [كاشتراط كونها ثيباً] إلخ: أي وكما لو اشترى جارية بشرط كونها نصرانية فوجدها مسلمة فأراد ردها، وادعى أنه إنما اشترط كونها نصرانية لإرادته تزويجها من عبده النصراني ويصدق في قوله ببينة أو وجه بخلاف دعوى أن عليه يميناً في مسألة الثيب فإنه يصدق ولو لم تقم له بينة ولم يظهر له وجه.
قوله: [فيثبت للمشتري الخيار]: أي حيث لم تكن العادة التلفيق من السمسار، فإن كانت العادة التلفيق فلا يعد قوله شرطاً.
قوله: [ويصدق في دعوى اليمين]: أي ولو لم تقم له بينة ولم يظهر له وجه خلافاً لما يفيده كلام ابن سهل من أنه لا بد من ثبوت ذلك. قوله: [فيلغى الشرط]: أي لكونه لا غرض فيه ولا نفع للمشتري نعم ذكر بعضهم أنه إذا اشترط في عبد الخدمة أن يكون غير كاتب فوجده كاتباً أن له الرد وأن هذا الشرط لغرض وهو خلاف اطلاع العبد على عورات السيد.
قوله: [وظفر]: بالتحريك. ومثله الشعر النابت في العين فيرد به وإن لم يمنع البصر.
قوله: [وخصاء]: بالمد فهو عيب وإن زاد في ثمن الرقيق لأنه منفعة غير شرعية كغناء الأمة. قوله: [بغير بقر]: أي فإن الخصاء فيها ليس عيباً لأن العادة أنه لا يستعمل منها إلا الخصي والظاهر أن المراد خصوص البقر لا ما يشمل الجاموس لأن العادة فيه عدم الخصاء. وظاهر كلامهم أن الخصاء في جميع أنواع الحيوان غير البقر يرد به ولو يزيده حسناً.
قوله: [واستحاضة]: أي إن ثبت أنها من عند البائع احترازاً من الموضوعة للاستبراء تحيض، ثم يستمر عليها الدم فلا ترد؛ لأنه لا يرد إلا بالعيب القديم. ومثل الاستحاضة تأخير حيضة الاستبراء عن وقت مجيئها زمناً لا يتأخر الحيض لمثله عادة لأنه مظنة الريبة. وهذا فيمن تتواضع. وأما من لا تتواضع فلا ترد بتأخير الحيض إذا ادعى البائع أنها حاضت عنده، لأنه عيب حدث عند المشتري لدخولها في ضمانه بالعقد إلا أن تشهد العادة بقدمه.
قوله: [ذكراً أو أنثى]: أي علياً أو وخشاً. قوله: [وكذا عفونة النفس إذا قوي]: أي ولو من ذكر كما في (ح) لتأذي سيده بكلامه وهذا بخلاف عيب التزويج فلا يرد ببخر الفم لبناء النكاح على المكارمة كما تقدم.
قوله: [وزنا]: شمل اللواط فاعلاً أو مفعولاً. قوله: [وهو عدم نبات شعر العانة]: أي وأما قطع ذنب الدابة فيسمى بتراً، وهو عيب أيضاً.
стр. 583
ومثله عدم نبات شعر الحاجب أو الهدب (وزيادة سن): من ذكر أو أنثى في مقدم الفم أو مؤخره (وجذام ولو بأصل) بأن كان بأحد أبويه وإن علا؛ لأنه يسري في الفروع فيخاف عاقبته (وجنونه) أي الأصل من أب أو أم (بطبع) أي لا دخل لمخلوق فيه فشمل الوسواس والصرع المذهب للعقل والعته.
(لا) إن كان (بمس جن) فلا يرد به الفرع لعدم سريانه له عادة والبرص كالجذام (وسقوط سن من مقدم) أي مقدم الفم مطلقاً ولو من ذكر أو وخش (أو) من (رائعة) ولو في غير المقدم (وإلا) تكن رائعة بل وخشاً أو ذكراً من غير المقدم (فأكثر) من سن ترد به، لا بواحدة فهذا أوفى من كلامه (وشيب بها) أي بالرائعة فقط ترد به (لا بغيرها) من ذكر أو وخش فلا يرد بالشيب (إلا أن يكثر) فيرد به، وهذا إذا لم يشترط في العقد وإلا رد به ولو لم يكثر (وبول بفرش) أي حال النوم (في وقت ينكر) البول فيه، بأن يبلغ سناً لا يبول الإنسان فيه غالباً (إن ثبت حصوله عند البائع) بإقراره أو ببينة (وإلا) يثبت (حلف) البائع أنها لم تبل عنده ولم يعلم بأنها بالت عنده، فإن نكل ردت عليه الذات المبيعة ذكراً أو أنثى وهذا (إن بالت) بعد الشراء (عند أمين) أنثى أو ذكر له زوجة أو أم ويصدق الأمين في بولها عنده، فإن لم تكن عند أمين فالقول للبائع بيمين، وعليه فلا مفهوم لقولهم: عند أمين، إلا أن يحترز به عن كونها تحت يد البائع وادعى المشتري بولها عنده فالقول للبائع بلا يمين، وظاهر أن اختلافهما في قدمه وحدوثه بدليل أن الأمين مصدق فيما قاله لا أنه في وجوده وعدمه كما قيل.
(وتخنث عبد وفحولة أمة اشتهرت بذلك) الأظهر من التأويلين تأويل غير عبد الحق من أن المراد به التشبه بأن يتشبه العبد في كلامه وحركاته بالنساء وأن تتشبه الأمة في ذلك بالرجال، وقوله: "اشتهرت" بالتاء إشارة إلى أن قيد الاشتهار إنما يكون في الأمة فقط وهو ظاهر المدونة، ووجهه في التوضيح: بأن التخنث في العبد يضعفه عن العمل وينقص نشاطه، والتذكير في الأمة لا يمنع جميع الخصال التي تراد منها ولا ينقصها. فإذا اشتهرت بذلك كان عيباً لأنها ملعونة كما في الحديث. وجعل في الواضحة قيد الاشتهار راجعاً لهما. اهـ. فلذا اقتصر في المختصر عليه. وتأولها عبد الحق بأن المراد بالتخنث والفحولة الفعل بأن يفعل بالعبد وتفعل الأمة فعل شرار النساء. ورده أبو عمران بأنه لو كان المراد به الفعل لكان عيباً ولو مرة واحدة ولا يحتاج لقيد الاشتهار في الأمة فظهر من هذا النقل أن الأرجح أن تخنث العبد عيب مطلقاً اشتهر به أو لا، وأن فحولة الأمة لا ترد به إلا إذا اشتهرت به كما مشى عليه الشيخ؛ لأن ظاهر المدونة يقدم على صريح غيرها وأن الأرجح من التأويلين في تفسير التخنث التأويل الأول
ــ
قوله: [ومثله عدم نبات شعر الحاجب أو الهدب] إلخ: أي فهما عيب ولو كانا لدواء خلافاً لما يوهمه الشارح.
قوله: [وزيادة سن]: أي فوق الأسنان، وأما كبر السن من المقدم فهو عيب في الرائعة وانظره في غيرها. قوله: [أو أم]: أي مثلا فالمراد محرم. قوله: [فلا يرد به الفرع]: أي ولو كان الجنون الذي بمس جن في أحد الأصول فلا يرد به أحد الفروع، وأما لو كان الجنون بنفس المبيع فعيب يرد به قولاً واحدا كان بطبع أو مس جن.
قوله: [وسقوط سن]: أي لغير إثغار ولغير من طعنت في الكبر بحيث لا يستغرب سقوط أسنانه. قوله: [وشيب]: أي إن وجد قبل أوانه وأما في بنت الستين فليس بعيب.
قوله: [وهذا إذا لم يشترط]: أي وأما إذا اشترط شيء فيعمل به إذا تخلف المشروط وإن لم تكن العادة السلامة منه فالمدار في الشرط على الغرض الشرعي في جميع مسائل الباب.
قوله: [ولم يعلم بأنها بالت عنده]: تصوير ليمين البائع فهو تفسير لما قبله لأن يمينه لا تكون إلا على نفي العلم.
قوله: [كما قيل]: القائل له (عب) وتبعه في الأصل، فقال ودل قوله: إن أقرت إلخ على أن اختلافهما في وجوده وعدمه لا في حدوثه وقدمه إذ لا يحسن حينئذ أن يقال إن أقرت إلخ. واختلافهما في الحدوث والقدم القول لمن شهدت العادة له أو رجحت بلا يمين وإن لم تقطع لواحد منهما فللبائع بيمين. اهـ. وما قاله هنا فقد تبع فيه (بن) فتحصل أن المشتري إذا ادعى البول ولم يثبت حصوله عند البائع بإقرار ولا بينة فإن حصل عند المشتري أو عند الأمين لزم البائع اليمين على نفي القدم ما لم تقطع العادة أو ترجح حدوثه وإلا فلا يمين على البائع وما لم تقطع العادة أو ترجح قدمه وإلا فيرد على البائع من غير يمين من المشتري وإن كانت مجرد دعوى من المشتري فلا يمين على البائع.
فالحاصل أن توجه اليمين على البائع إنما يكون في نفي القدم بعد ثبوت الحدوث وأما في الوجود والعدم فلا تتوجه على البائع يمين لأنه مجرد دعوى من المشتري ففي الحقيقة من نظر لمجرد الدعوى من المشتري قال التنازع في الوجود والعدم، ومن نظر لحصول البول عند الأمين والمشتري قال التنازع في الحدوث والقدم وكل صحيح.
تنبيه: من العيوب التي يرد بها إذا وجد العبد البالغ غير مختون والأنثى البالغة غير مخفوضة حيث كانا مولودين ببلاد الإسلام وفي ملك مسلم أو طالت إقامتهما بين المسلمين وفي ملكهم كما أن وجود الختان والخفاض في المجلوبين عيب خشية كونهم من رقيق أبق من المسلمين أو غار عليه
стр. 584
(وكرهص) هو داء بحافر الدابة كالفرس (وعثر) لدابة (وحرن) بفتحتين (وعدم حمل معتاد) لمثلها بأن وجدها لا تطيق حمل أمثالها، فترد بذلك. ويقاس على هذه العيوب ما شابهها من كل عيب أدى لنقص في الثمن أو المثمن أو خيف عاقبته والشيخ ذكر هنا أمثلة كثيرة.
(ولا رد بكي لم ينقص) ثمناً ولا ذاتاً (ولا) رد (بتهمة) لرقيق (بكسرقة) واختلاس وغصب (ظهرت البراءة منها) بأن ثبت أن السارق غيره، أو أن الشيء لم يسرق أصلاً، أو أقر رب المتاع بذلك، فإن لم يثبت كان له الرد، وهذا ما لم يكن متهماً في نفسه مشهوراً بالعداء وإلا فله الرد مطلقاً.
(ولا) رد (بما لا يطلع عليه إلا بتغير للمبيع) من كسر أو نشر أو ذبح (كسوس خشب وفساد جوز ونحوه) كلوز وبندق (ومر قثاء) وبطيخ ووجود فساد باطن شاة بعد ذبحها (إلا لشرط) فيعمل به وترد.
(ولا قيمة) للمشتري على البائع عند عدم الرد إذا لم يشترط، وكذا لا قيمة للبائع على المشتري إذا ردها بالشرط، إذا كسرها في نظير الكسر فيما يظهر.
وقولنا: "إلا لشرط" هو ما استظهره الشيخ في التوضيح، لكن لم يذكره في المختصر والعادة كالشرط.
(ولا) رد (بعيب قل بدار) ككسر عتبة وسلم وسقوط شرافة مما جرت العادة بعدم الالتفات إليه، ويزول بالإصلاح ولا قيمة على البائع في اليسير جداً كما مثلنا وأما اليسير لا جداً، بأن يكون ما دون الثلث -والثلث كثير- فأشار له بقوله: (ورجع بقيمة ما له بال منه) أي من العيب القليل (فقط) لا رد به إذا لم يبلغ الثلث (كصدع جدار) منها (بغير واجهتها) إن (لم يخف عليها منه)، وسواء خيف على الجدار نفسه أم لا، على ظاهر كلام الأمهات.
(وإلا بأن كان بواجهتها) أو بغيرها وخيف على الدار السقوط منه (فكثير) ترد به (كعدم منفعة من منافعها) كملح بئر بمحل الحلاوة أي بمحل الآبار التي ماؤها حلو وكتهوير بئرها وغور مائها أو لعدم مرحاض بها أو كونه ببابها.
(وكل ما) أي عيب
ــ
الكفار وهذا إذا كانوا من قوم ليس عادتهم الاختتان. ومن العيوب أن يبيع الرقيق بعهدة درك المبيع من العيوب مع كونه اشتراه ببراءة من العيوب كما إذا اشتراه ممن تبرأ له من عيوب لا يعلمها مع طول إقامته عنده ثم يبيعه على العهدة، فإنه يثبت للمشتري الرد بذلك لأنه يقول: لو علمت أنك اشتريته بالبراءة لم اشتره منك إذ قد أصيب به عيباً وأجدك عديماً فلا يكون لي الرجوع على بائعك.
قوله: [وكرهص]: أدخلت الكاف الدبر وهو القرحة والنطاح والرفس وتقويس الذراعين وقلة الأكل والنفور المفرطين وأما كثرة الأكل فليست عيبا في الحيوان البهيمي وهي عيب في الرقيق إن كانت خارجة عن المعتاد. وقال (بن): وجدت: بخط ابن غازي ما نصه: قيل العمل اليوم أن من اشترى فرساً فأقام عنده شهراً لم يمكن من رده بعيب قديم فانظر هل يصح هذا. اهـ. قلت وقد استمر بهذا العمل ففي نظم العمليات:
وبعد شهر الدواب بالخصوص ... بالعيب لا ترد فافهم النصوص
قوله: [بأن وجدها لا تطيق حمل أمثالها]: أي فالمراد بالحمل ما يحمل على الدابة لا الولد. ولا يصح أن يصور بما إذا اشترط المشتري عند الشراء حمل الدابة فوجدها غير حامل، لأن ذلك مفسد للبيع كما تقدم.
قوله: [لم ينقص ثمناً ولا ذاتاً] أي: فمتى نقص الثمن أو الجمال والخلقة فهو عيب وإلا فلا.
قوله: [فإن لم يثبت]: أي أن السارق غيره ولم تظهر له براءة.
قوله: [ووجود فساد باطن شاة]: مثلها سائر الأنعام، وهذا الفساد يسمى في عرف أرباب الأنعام بالغش، ويسمى الحيوان غاشاً.
تنبيه: مفهوم قوله: "ولا رد بما لا يطلع إلا بتغير": أنه لو أمكن الاطلاع عليه قبل تغيره يرد لفساده، كالبيض. لأنه قد يعلم قبل كسره. وحاصله: أنه إن رد البيض لفساده بعد كسره فلا شيء عليه في كسره - دلس البائع أم لا - إن كان لا يجوز أكله كالمنتن، وكذا إن جاز أكله كالممروق إن دلس بائعه أو لم يدلس ولم يكسره المشتري. فإن كسره فله رده وما نقصه ما لم يفت بنحو قلي وإلا فلا رد ورجع المشتري بما بين قيمته سليماً ومعيباً فيقوم على أنه صحيح غير معيب وصحيح معيب فإذا قيل: قيمته صحيحاً غير معيب عشرة وصحيحاً معيباً ثمانية، رجع بنسبة ذلك من الثمن وهو الخمس. وهذا إذا كسره بحضرة البيع فإن كان بعد أيام فلا رد له لأنه لا يدري أفسد عند البائع أو المشتري كذا في الأصل.
قوله: [قل بدار]: لا مفهوم للدار بل سائر العقارات كذلك؛ كالفرن والحمام والطاحون والخان. والفرق بين العقار وغيره أن العقار يسهل إصلاح عيبه اليسير ولأنه لا يخلو عن عيب فلو رد باليسير لضر البائع فتسوهل فيه ولأنه لا يراد للتجارة غالباً.
قوله: [إذا لم يبلغ الثلث]: أي محل الرجوع بقيمة العيب دون رد المبيع إذا كثر ولم يبلغ الثلث، وهذا قول أبي بكر بن عبد الرحمن، وقيل: ما نقص عن الربع، قيل: ما نقصها عشرة إذا كانت قيمتها مائة وقيل إنه معتبر بالعرف، وقيل ما نقص معظم القيمة.
قوله: [بأن كان بواجهتها]: أي وإن لم يخف عليها منه. فقوله: "وخيف على الدار" قيد في الثاني فقط.
قوله: [أي بمحل الآبار]: أي في خط شأن آباره الحلاوة.
قوله: [أو كونه ببابها]: أي مواجهاً له أو كان في دهليزها أو كان بقرب الحائط بحيث يحصل منه نزز أو رائحة بمنزل النوم أو الجلوس.
стр. 585
(نقص الثلث فأكثر) من قيمتها (فله الرد) به (كسوء جارها وكثرة بقها ونملها وكشؤمها): بأن جربت بأن كل من يسكن فيها يصاب بمصيبة (وجنها): أي يسكنها الجن فيؤذون ساكنها.
(وإن ادعى الرقيق) ذكراً أو أنثى (حرية) بعتق سابق أو بغيره أو ادعت الأمة أنها مستولدة (لم يصدق) بلا بينة، (ولا يحرم) التصرف الشرعي فيه من وطء أو استخدام أو بيع (لكنه) أي الادعاء المذكور (عيب يرد به) لبائعه (إن ادعاها) أي الحرية (قبل) دخوله في (ضمان المشتري) له، بأن كانت دعواه الحرية زمن العهدة أو المواضعة، فإن صدرت منه بعد دخوله في ضمانه فلا يرد (ثم إن باع) المشتري ذلك الرقيق (بين) للمشتري منه وجوباً أنه قد ادعى الحرية (مطلقاً) سواء ادعاها قبل دخوله في ضمانه ولم يرد، أو بعده، وكلامنا أوفى من كلامه ﵁.
(والتغرير الفعلي) من البائع كالشرط المصرح به، فيرد به المبيع لأنه غرر بخلاف القولي كقوله: اشتر مني هذا الشيء فإنه جيد فيوجد بخلافه فيجري على ما تقدم، فإن وجد به عيباً منقصاً فله الرد وإلا فلا.
(كتلطيخ ثوب عبد بمداد) أو يجعل بيده قلماً ومحبرة ليوهم المشتري أنه كاتباً [١]، وكصبغ الثوب القديم ليوهم أنه جديد، وكصقل سيف ليوهم أنه جيد فيوجد بخلافه.
(وتصرية حيوان) أي ترك حلبه ليعظم ضرعه فيظن به كثرة اللبن ولو آدمياً كأمة لرضاع. قال المازري: ولو كانت التصرية في غير الأنعام كالحمر والآدميات فللمبتاع مقال فإن زيادة لبنها يزيد في ثمنها لتغذية ولدها.
(ويرد) الحيوان (إن حلبه) المشتري (بصاع): أي مع صاع (من غالب القوت) لأهل البلد، ورد الصاع خاص بالأنعام. وظاهره اتحاد الصاع ولو تكرر حلابها حيث لا يدل على الرضا وغير الأنعام ترد بلا صاع كالأنعام إذا لم يحلبها كما يأتي (وحرم رد اللبن) الذي حلبه منها بدلاً عن الصاع ولو تراضيا على ذلك (كغيره) أي غير اللبن من طعام أو عين أو غيرهما (بدلاً عنه) أي عن الصاع، راجع لما قبل الكاف أيضاً، وذلك لما فيه من بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنه برد المصراة أوجب عليه الشارع رد الصاع عوضاً عن اللبن، فلا يجوز رد اللبن ولا غيره عوضاً عن الصاع. وهذا التعليل يفيد حرمة رد غير الغالب مع وجود غالب وهو كذلك، فلو غلب اللبن رد منه صاعاً من غير ما حلبه من المصراة (لا إن ردها) أي المصراة
ــ
قوله: [نقص الثلث فأكثر]: أي على الراجح من الأقوال المتقدمة.
قوله: [وكثرة بقها] أي وأما أصل البق إذا لم يكن كثيراً فلا يرد به كالنمل. قال (بن): وأما قول التحفة:
والبق عيب من عيوب الدور ... ويوجب الرد على المشهور
فقد تعقبه ولده في شرحه بأنه لا بد من قيد الكثرة وأصلحه بقوله:
وكثرة للبق عيب الدور ... وتوجب الرد على المأثور
اهـ. قوله: [وكشؤمها]: أي لما في الحديث الشريف «الشؤم في ثلاث: الدار والدابة والمرأة». قوله: [وجنها]: أي وإيذاء جنها فالعيب ظهور الإيذاء منهم وإلا فالمنازل لا تخلو من الجن.
قوله: [بين للمشتري منه وجوباً]: أي لأن هذا مما تكرهه النفوس.
قوله: [والتغرير الفعلي من البائع كالشرط]: أي ظهور الحال بعد التغرير الفعلي لا نفس التغرير الفعلي.
قوله: [كقوله اشتر مني] إلخ: هذا المثال فيه تسامح فإن الغرور القولي في هذا الوجه أشد من الفعلي. وإنما المناسب تمثيل الغرور القولي بما إذا لم يصاحبه عقد كما سيأتي لنا في أمثلته فتأمل.
قوله: [فيجري على ما تقدم]: أي من التفصيل بين العيب الظاهر والخفي. وكون المشتري أعمى أو بصيراً. ومن الغرور القولي أن يقول شخص لآخر: عامل فلاناً فإنه ثقة مليء وهو يعلم خلاف ذلك، فلا يضمن ذلك الشخص القائل ما عامل به الآخر على المشهور. ومحل عدم الضمان ما لم يقل: عامله وأنا ضامن، وإلا ضمن ما عامله فيه. ومن الغرور القولي: صيرفي نقد دراهم بغير أجر فلا ضمان عليه ولو أخبر بخلاف ما يعلم ومن ذلك لو أعار شخص الآخر إناء مخروقاً وهو يعلم به وقال إنه صحيح فتلف ما وضع فيه، فلا ضمان على الغار على المشهور. ومحل عدم الضمان بالغرور القولي ما لم ينضم له عقد إجارة؛ كصيرفي نقد بأجرة وأخبر أنه جيد مع علمه برداءته، وكمن أخذ أجرة على الإناء وأخبر أنه سالم مع علمه بخرقه قاله الأجهوري، كذا يؤخذ من حاشية الأصل.
قوله: [كتلطيخ ثوب عبد] إلخ: أي عند إرادته بيعه فيثبت للمشتري الرد إن فعله البائع أو أمر بفعله فإن لم يثبت أن البائع فعله ولا أمر العبد بفعله فلا رد للمشتري لاحتمال فعل العبد ذلك بغير إذن السيد لكراهة بقائه في ملكه.
قوله: [أنه كاتباً]: هكذا نسخة الأصل بالنصب والمناسب الرفع لأنه خبر أن.
قوله: [من غالب القوت]: أي ولا يتعين كونه من تمر على المذهب وقيل يتعين لوقوعه في الحديث حيث قال «إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعاً من تمر» وحمله المشهور على أنه كان غالب قوت أهل المدينة. ثم إن قوله: "من غالب القوت" يشعر بأن هناك غالباً وغيره. أما إن لم يكن هناك غالب بل كان هناك صنفان مستويان أو ثلاثة مستوية فإنه يخير في الإخراج من أيها شاء من الأعلى أو الأدنى أو الأوسط، قاله البساطي وهو ظاهر كلامهم، وقال الشيخ علي السنهوري: يتعين الإخراج من الأوسط.
قوله: [وحرم رد اللبن]: أي غاب عليه المشتري أم لا. وهذا إذا رد اللبن بدون الصاع وأما لو رد
стр. 586
(بغير) أي بعيب غير (عيب التصرية أو) به (قبل حلبها) فلا يرد صاعاً بل يردها مجردة عنه.
(وإن حلبت) المصراة حلبة (ثالثة) في ثالث يوم أو فيما العادة الحلب فيه كالصباح والمساء (فإن) كان (حصل) للمشتري (الاختبار) لها (بالثانية، فرضاً) أي فالحلبة الثالثة بعد حصول الاختبار بالثانية تعد رضا منه؛ فليس له حينئذ ردها (وإلا) يحصل بالثانية اختبار (فله) أي فللمشتري الحلبة (الثالثة) فيحصل له بها علم حالها ولا تعد رضا منه (وحلف) المشتري (إن ادعى عليه الرضا) بالحلبة الثالثة أو بنفس المصراة بأن ادعى عليه البائع: أنك علمت أنها مصراة ورضيت بها وأنكر المشتري فيهما. فإن حلف فله الرد وإلا فلا.
(ولا رد) للمصراة (إن علم) المشتري بأنها مصراة حين الشراء، واشتراها عالماً بالتصرية وكذا إن رضي بعد علمه بعد الشراء.
(وعلى البائع) لشيء وجوباً (بيان ما علمه) من عيب سلعته قل أو كثر ولو كان البائع حاكماً أو وارثاً أو وكيلاً.
(و) عليه (تفصيله): أي العيب (أو إراءته له) أي للمشتري إن كان يرى كالعور والكي. (ولا يجمله): أي لا يجوز له إجمال العيب أي يجمل في الجنس الصادق على أفراد ولم يعين الغرر القائم به، كهو معيب، ولم يعين عين العيب أو: هو سارق أو يأبق، ولم يبين المكان الذي يأبق إليه ولا ما الذي يسرقه، أو يقول: هو مريض ولم يبين ما هو المرض ونحو ذلك، ومن الإجمال أن يذكر العيب الذي هو به وغيره مما ليس فيه بأن يقول: هو زان سارق مع أنه فيه أحد العيبين فقط؛ لأن المشتري ربما علم سلامته مما ليس فيه فيظن سلامته من الآخر (وإلا) بأن أجمل (فمدلس) ويرد المبيع بما وجده فيه. قال في المدونة: لو كثر في براءته ذكر أسماء العيوب لم يبرأ إلا من عيب يريه إياه ويوقفه عليه، وإلا فله الرد إن شاء. اهـ.
(ولا ينفعه) أي البائع (التبري مما لم يعلم) في سلعة من العيوب، فإن باع سلعة على أنها ليس بها عيب وإن ظهر بها عيب لم ترد عليه لم يعمل بهذا الشرط، وللمشتري الرد بما وجده فيها من العيب القديم، ولا تنفعه البراءة منه
ــ
اللبن مع الصاع فلا حرمة واعلم أن رد المشتري للصاع أمر تعبدي أمرنا به الشارع ولم نعقل له معنى، وذلك لأن القاعدة أن "الخراج بالضمان" و"الضمان على المشتري"، فمقتضاه أن يفوز باللبن ولا شيء عليه كما قال بعضهم. على أنه لو كان عوضا عن اللبن فيه بيع الطعام بالطعام نسيئة. هذا وقد قال بعض أهل المذهب - كأشهب: إنه لا يؤخذ بحديث المصراة لنسخه بحديث «الخراج بالضمان» لأنه أثبت منه وقال بعضهم كابن يونس لا نسخ لأن حديث المصراة أصح وإنما حديث «الخراج بالضمان» عام والخاص يقضى به على العام هذا ملخص ما في (بن).
قوله: [بغير عيب التصرية] إلخ: من هذا القبيل ما إذا ردها بخيار التروي بعد أن حلبها المرتين والثلاث فلا يرد للبن صاعاً لما فيه من بيع الطعام بالطعام نسيئة، بل إما أن يرد اللبن بعينه أو مثله إن علم قدره أو قيمته إن جهل قدره؛ لأن الملك للبائع والغلة له. فإن كان أنفق عليها المشتري حسبت الغلة من أصل النفقة كانت الغلة لبناً أو غيره وهذا الحكم قد علم مما تقدم في خيار التروي. قوله: [وإن حلبت المصراة حلبة ثالثة] إلخ: حاصله أن المشتري إذا حلب المصراة أول مرة فلم يتبين له أمرها فحلبها ثانية ليختبرها فوجد لبنها ناقصاً، فله ردها اتفاقاً. فلو حلبها في اليوم الثالث فهو رضا بها ولا رد له ولا حجة عليه في الحلبة الثانية إذ بها يختبر أمرها - كذا لمالك في المدونة. وفي الموازية عن مالك: له حلبها ثالثة ويردها بعد حلفه أنه لم يرض بها ولم يصرح في الموازية بأنه حصل له الاختبار بالحلبة الثانية. واختلف الأشياخ هل بين الكتابين خلاف أو وفاق؟ فذهب المازري واللخمي إلى أن بينهما خلافاً بحمل ما في الموازية على إطلاقه وذهب ابن يونس إلى الوفاق بحمل المدونة على ما إذا حصل الاختبار بالثانية والموازية على ما إذا لم يحصل الاختبار بالثانية واستحسن الشارح ما قاله ابن يونس فمشى عليه.
قوله: [ولو كان البائع حاكماً] إلخ: أي فالبيان واجب على كل بائع وأما قولهم إن بيع الحاكم والوارث بيع براءة فمحله إذا لم يكن عالماً بالعيب وإلا كان مدلساً.
قوله: [وعليه تفصيله]: أي وصفاً شافياً كاشفاً عن حقيقته. قوله: [أو إراءته]: الضمير المنصوب راجع للعيب والمجرور للمشتري وكان الأولى أن يقول أو إراءته إياه، لأن "أرى" البصرية تتعدى بنفسها لمفعولين بسبب همز النقل إلا أن يقال: اللام مقحمة للتقوية.
قوله: [ولم يبين المكان] أي لأنه قد يغتفر في الإباق لموضع دون موضع وقد يغتفر في السرقة شيء دون شيء.
تنبيه: إذا أجمل في قوله: " سارق "، فهل ينفعه ذلك في يسير السرقة دون المتفاحش منها أو لا ينفعه مطلقاً لأن بيانه مجملاً كلا بيان. الأول للبساطي: وهو المعول عليه. والثاني: لبعض معاصريه.
قوله: [ولا ينفعه]: أي البائع التبري أي إن كان البائع غير حاكم ووارث. وأما الحاكم والوارث فلا يشترط فيه ذلك، بل متى باع الحاكم وهو غير عالم بالعيب فبيعه بيع براءة لا ترد عليه بالعيب في الرقيق وغيره والوارث مثله. وإن كان المشتري منهما عالماً بأن البائع حاكم أو وارث وإلا فيخير إن
стр. 587
(إلا في الرقيق خاصة) إذا تبرأ بائعه من عيب لم يعلمه به فإنه ينفعه فلا يرد إن ظهر به عيب قديم عند البائع، بشرطين: الأول ألا يعلم البائع به كما يؤخذ من الاستثناء، فإن علم به فلا ينفعه التبري منه إلا إذا بينه تفصيلاً أو أراه إياه كما تقدم، والشرط الثاني: أشار له بقوله: (إن طالت إقامته): أي الرقيق (عنده): أي عند بائعه؛ حد بعضهم الطول بنصف سنة فأكثر بخلاف ما إذا لم تطل إقامته عند مالكه فلا ينفعه التبري مما لا يعلمه ولمشتريه الرد إن وجد به عيباً؛ لأن شأن الرقيق أن يكتم عيوبه فليس لمالكه التبري إذا لم يطل زمنه عنده بخلاف ما إذا طال؛ لأن الطول مما يظهر المخبآت فإذا لم يظهر لسيده عيب فيه كان الشأن عدمه فينفعه التبري منه.
(ولا إن زال) عطف على قوله: "إن علم" أي: ولا رد بعيب زال عند المشتري قبل الحكم برده سواء زال قبل القيام به أو بعده وقبل الحكم بالرد عند ابن القاسم، كما لو كان أعرج فزال عرجه أو كان للرقيق ولد فمات (إلا أن يحتمل عوده) أي عود العيب بعد زواله فلا يمنع الرد كبول بفرش في وقت ينكر وسلس بول وسعال مفرط واستحاضة وجنون وجذام حيث قال أهل المعرفة: يمكن عوده، فله الرد ولو وقع الشراء حال زواله.
(ولا) رد (إن أتى) المشتري (بما) أي شيء أي حصل منه شيء (يدل على الرضا) بالعيب بعد الاطلاع عليه من قول أو فعل أو سكوت طال بلا عذر.
ومثل للفعل بقوله: (كركوب) لدابة (واستعمال دابة) في حرث أو درس أو طحن أو حمل (ولبس) لثوب (وإجارة) لدابة أو غيرها (ورهن) لمعيب في دين (ولو) حصل منه شيء من ذلك (بزمن الخصام) مع البائع. ومثل ذلك الإسلام للصنعة كما هو ظاهر.
(بخلاف ما) أي فعل (لا ينقص) فإنه لا يدل على الرضا (كسكنى دار) أو حانوت (زمنه) أي الخصام لا قبله، فيدل على الرضا، ومثل السكنى: اجتناء الثمرة وحلب نحو الشاة والقراءة في المصحف والمطالعة في الكتاب فإنها لا تنقص الأصل فلا تدل على الرضا إن وقعت زمن الخصام.
والحاصل: أن الاستعمال أو الاستغلال إن حصل قبل الاطلاع على العيب فلا يمنع الرد مطلقاً، وإن حصل بعد الاطلاع وقبل زمن الخصام منع الرد مطلقاً لدلالته على الرضا، وإن حصل زمنه، فإن كان ينقص الأصل دل على الرضا وإلا فلا كسكنى الدار.
(وكسكوت طال) بعد الاطلاع على العيب أكثر من يومين (بلا عذر) من المشتري، فإنه يدل على الرضا، فإن كان لعذر كغيبة من بائع أو مشتر أو لمرض أو سجن أو خوف من ظالم فلا يدل على الرضا كما إذا لم يطل زمن السكوت.
(وحلف إن سكت في كاليوم) إن لم يرض بالعيب ورده وأدخلت الكاف يوماً آخر (لا أقل) من اليوم، فلا يمين عليه (لا كمسافر) فسكوته لا يدل على الرضا لعذره بالسفر فهذا محترز بلا عذر.
ــ
ظنه غيرهما وسيأتي ذلك.
قوله: [إلا في الرقيق خاصة]: قال المازري والباجي: لا يجوز التبري في عبد القرض؛ لأنه إذا أسلفه عبداً وتبرأ من عيوبه دخله سلف جر منفعة. وأما رد القرض فلا وجه لمنع البراءة فيه، إلا إذا وقع الرد قبل الأجل لتهمة: "ضع وتعجل"، وتقدم منع التصديق في معجل قبل أجل اهـ (بن).
قوله: [ألا يعلم البائع به]: قال ابن عرفة: ولا يرد في بيع البراءة بما ظهر من عيب قديم إلا ببينة أن البائع كان عالماً به، فإن لم يكن له بينة حلف البائع ما كان عالماً به. وإن لم يدع المبتاع علمه وفي حلفه على البت في الظاهر وعلى نفي العلم في الخفي أو على نفي العلم مطلقاً قولا ابن العطار وابن الفخار.
وحكى ابن رشد الاتفاق على الثاني كذا في (بن).
قوله: [أو بعده وقبل الحكم]: أي بأن زال في زمن الخصام (قوله أو كان للرقيق ولد) ومثل ذلك ما لو كان بعينه نقطة فزالت.
تنبيه: في زوال العيب بموت الزوجة المدخول بها أو طلاقها أو فسخ نكاحها - وهو المتأول والأحسن على المدونة - أو يزول بالموت فقط دون الطلاق، وهو الأظهر؟ لأن الموت قاطع للعلقة، أو لا يزول بموت ولا طلاق؟ لأن من اعتاد التزويج لا صبر له على تركه غالباً، وهو قول مالك. وقال البساطي: ولا ينبغي أن يعدل عنه أقوال محلها في التزويج بإذن السيد من غير أن يتسلط على سيده بطلبه. وأما لو حصل بغير إذن سيده أو يتسلط على السيد فعيب مطلقاً في موت أو طلاق. اهـ. من الأصل وهذه الأقوال بعينها في الأمة.
قوله: [من قول]: أي كرضيت.
قوله: [ومثل للفعل]: أي المنقص بدليل ما يأتي وفي حكم المنقص التصرف القوي الذي لا يفعله الشخص إلا في الملك عادة بدليل، تمثيله بالرهن والإجارة لغير الدابة. كالحلي والدار والإسلام للصنعة. قوله: [كركوب لدابة]: أو استخدام عبد ونحو ذلك من كل ما ينقص المبيع أو قوي فيه التصرف.
قوله: [ومثل السكنى اجتناء الثمرة]: إلخ محل كون اجتناء الثمرة غير منقص إن لم تكن مؤبرة وقت شراء النخيل، وإلا كان اجتناؤها منقصاً قطعاً لأنها جزء المبيع. قوله: [وحلف إن سكت في كاليوم]: حاصله أنه إذا اطلع على العيب وسكت ثم طلب الرد، فإن كان سكوته لعذر سفر أو غيره رد مطلقاً، طال أو لا بلا يمين. وإن كان سكوته بلا عذر فإن رد بعد يوم أو نحوه أجيب لذلك مع اليمين أنه لم يرض. وإن طلب الرد قبل مضي
стр. 588
(وله الركوب) والحمل على الدابة، لو لم يضطر له على المعتمد، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك. وتقييده بالاضطرار ضعيف؛ لأن السفر مظنة الاضطرار ولا شيء عليه في ركوبها بعد علمه، ثم إن رجعت بحالها فله الرد ولا شيء عليه، وإن عجفت فله الرد وغرم قيمة ما نقصها وإمساكها وأخذ أرش العيب القديم.
(كحاضر تعذر عليه قودها): فله ركوبها من المكان الذي رأى به العيب إلى بيته، أو كان من ذوي الهيئات الذين لا يليق بهم المشي ولم يجد غيرها (أو) ركبها (للرد) أي لردها لبائعها ولم يتعذر قودها أو ولو لم يكن من ذوي الهيئات وإلا دل على الرضا كما تقدم.
(ولا) رد (إن فات) المبيع (حساً، كهلاك أو ضياع أو) فات (حكماً، ككتابة وتدبير) وأولى عتق ولو لأجل (وحبس وصدقة) وهبة قبل اطلاعه على العيب.
(و) إذا لم يكن له الرد في الفوات الحسي أو الحكمي (تعين) للمشتري على البائع (الأرش) أي أرش العيب الذي اطلع عليه بعد الفوات فيما إذا خرج من يده بلا عوض وذلك في غير البيع (فيقوم) المبيع المعيب ولو مثلياً (سالماً) من عيبه بعشرة مثلاً (ومعيباً) بثمانية مثلاً، (ويؤخذ) للمشتري (من الثمن) الذي وقع به البيع (النسبة) أي نسبة نقص ما بين القيمتين، فنسبة الثمانية للعشرة في المذكور أربعة أخماس فقد نقصت قيمته معيباً الخمس فيرجع المشتري على البائع بخمس الثمن، فإذا كان الثمن مائة رجع عليه بعشرين، وأما لو خرج من يده بعوض كما لو باعه لأجنبي فلا يرجع إلا بالأرش وكذا إذا باعه لبائعه، وسيأتي بيان ذلك.
وأما إذا لم يخرج من يده بالمرة فأشار له بقوله: (بخلاف) ما لو تعلق بالمعيب حق لغير مشتريه ولم يخرج من يده نحو (إجارة وإعارة ورهن) واستخدام رقيق مدة معلومة قبل اطلاعه على العيب وإلا كان رضا منه كما تقدم (فيوقف لخلاصه) من الإيجارة أو ما بعدها ويرد لبائعه بعد خلاصه (إن لم يتغير) أي لم يحصل له تغير في تلك المدة، فإن حصل له تغير جرى على أقسام التغير الآتي بيانها من القليل، والمتوسط المفيت للمقصود، ومحل إيقافه لخلاصه إن تعذر خلاصه، وأما لو تيسر الخلاص فلا إيقاف وإلا كان رضاً.
وعبارة التوضيح: فإن تعذر رد عين المبيع مع بقاء الملك فيه لتعلق حق الغير به، كما لو آجرها أو رهنها ثم اطلع فيها على عيب وهي بيد المستأجر أو المرتهن فقال ابن القاسم في المدونة: يبقى الأمر في العيب موقوفاً حتى يفكها من الإجارة والرهن. اهـ. ثم شبه في الرد إن لم يتغير قوله:
(كعوده له): أي كما لو عاد المعيب لمشتريه بعد أن خرج من ملكه غير عالم بعيبه ببيع أو غيره (بعيب): أي بسبب عيب كان هو القديم أو حدث عند المشتري قبل بيعه (أو فلس) لمشتريه الثاني (أو فساد) لبيع (أو) عاد له
ــ
يوم أجيب لذلك من غير يمين. وإن طلب بعد أكثر من يومين فلا يجاب ولو مع يمين.
قوله: [وله الركوب والحمل على الدابة]: مثل الدابة العبد والأمة في أن استعمال كل في السفر لا يعد رضا بخلاف الحضر، فإن استعمال ما ذكر فيه يعد رضا كان في زمن الخصام أو قبله كما مر. وأما لبس الثوب ووطء الأمة فإنه يدل على الرضا اتفاقاً، كان في الحضر أو السفر.
قوله: [وتقييده بالاضطرار ضعيف]: أي وهو لابن نافع قال: إن المشتري إذا اطلع على العيب وهو مسافر لا يركب الدابة ولا يحمل عليها إلا إذا اضطر لذلك فليشهد على ذلك ويركبها أو يحمل إلى الموضع الذي لا يجوز له أن يركبها فيه فإن ركبها من غير اضطرار عد رضا منه والمراد بالإضرار مطلق الحاجة كانت شديدة أم لا.
تنبيه: إذا اطلع المشتري على العيب ووجد البائع غائباً أشهد عدلين استحباباً على عدم الرضا. ثم رد عليه بعد حضوره إن قربت غيبته أو على وكيله الحاضر، فإن عجز عن الرد لبعد غيبته وعدم الوكيل - وعدم علم محله كبعد غيبته - أعلم القاضي بعجزه فتلوم له القاضي إن رجا قدومه - كأن لم يعلم موضعه - ثم بعد مضي زمن التلوم قضى عليه بالرد إن أثبت المشتري أنه لم يشتر على البراءة من العيب. وهذا الشرط مخصوص بالرقيق وصحة الشراء إن لم يحلف عليهما. ولا بد من ثبوت التاريخ بالبينة كملك البائع له لوقت بيعه، ولا يكفي الحلف على هذين. ولا بد من حلفه على عدم الرضا بالعيب. ولا تكفي فيه البينة إذ لا يعلم إلا من جهته كذا في الأصل؛ فهذه خمسة شروط قد علمتها.
قوله: [تعذر عليه قودها] بسكون الواو لأنه مصدر الفعل الثلاثي المتعدي وهو: قاد بمعنى ساق أو سحب وأما بتحريك الواو فهو القصاص.
قوله: [ولا رد إن فات]: أي عند المشتري قبل اطلاعه على العيب.
قوله: [كهلاك]: أي وسواء كان الهلاك باختيار المشتري كقتله للعبد المبيع عمداً أو بغير اختياره، كقتله خطأ أو قتل الغير له أو موته حتف أنفه. قوله [ككتابة]: أي فلو أخذ المشتري أرش العيب ثم عجز المكاتب فلا رد للمشتري، وإن لم يكن أخذ له أرشاً ثم عجز كان له رده - كذا في الحاشية.
قوله: [وذلك في غير البيع]: المراد بالبيع خروجه بعوض بيعاً أو هبة ثواب أو أتلفه إنسان ولزمته القيمة قبل الاطلاع على العيب.
قوله: [بخمس الثمن]: أي فالقيمة ميزان يعرف بها نسبة النقص في الثمن.
قوله: [ويرد لبائعه بعد خلاصه]: ظاهره ولو لم يشهد حين الاطلاع على العيب أنه ما رضي به، وهو كذلك.
قوله: [أو حدث عند المشتري]: أي والموضوع أن به العيب القديم. قوله: [أو فساد لبيع]: أي للبيع الثاني.
стр. 589
(بملك مستأنف؛ كبيع) بأن اشتراه المشتري الأول ممن باعه له (أو هبة أو إرث) فله الرد في الجميع إن لم يتغير. فإن تغير فله حكمه الآتي.
ولما قدم أن الفوات بالخروج من اليد يمنع الرد ويتعين الرجوع بالأرش إن قام المشتري به وكان ذلك فيما خرج من يد مشتريه بلا عوض، شرع في بيان ما لو خرج من يده بعوض فقال: (ولو باعه) مشتريه (لبائعه بمثل الثمن) الأول بأن اشتراه بعشرة وباعه لبائعه بعشرة، وسواء دلس البائع الأول بأن كتم العيب أم لا (أو بأكثر) من الثمن الأول (وقد دلس) الواو للحال: أي والحال أن بائعه الأول قد دلس بكتم العيب؛ كما لو باعه له باثني عشر (فلا رجوع) لأحد منهما على صاحبه بأن المبيع رد لربه. ففيما إذا تساوى الثمنان فالأمر واضح، وفيما إذا اشتراه بائعه بأكثر فهو مدلس فلا رجوع بالزائد، وليس للمشتري منه أرش لأخذ العوض منه أكثر مما خرج من يده.
(وإلا) بأن لم يكن البائع الأول مدلساً (رد) أي كان له رده على المشتري الأول بذلك العيب ويأخذ منه الاثني عشر (ثم رد عليه): أي على البائع الأول فيأخذ منه العشرة، فتقع المقاصة في عشرة يبقى للبائع الأول درهمان على المشتري منه.
(و) لو باعه لبائعه (بأقل) كما لو باعه بثمانية (كمل) البائع الأول لمشتريه منه بقية الثمن، فيدفع له درهمين دلس أم لا. وأما لو باعه لأجنبي أي لغير بائعه فلا رجوع على البائع مطلقاً بمثل الثمن أو أقل أو أكثر، لأنه إن باعه بعد اطلاعه على العيب فهو رضا منه به، وإن باعه قبل اطلاعه عليه بمثل الثمن أو أكثر فواضح، وإن باعه بأقل فلحوالة الأسواق لا للعيب قاله ابن القاسم، وقال ابن المواز: إلا أن يكون النقص في الثمن من أجل العيب، مثل أن يبيعه بالعيب ظاناً أنه حدث عنده، أو باعه وكيله ظاناً ذلك، فيرجع على بائعه بما نقصه من الثمن أو قيمته. قال ابن رشد وابن يونس وعياض: قول ابن المواز تفسير لابن القاسم.
ــ
قوله: [بملك مستأنف]: أي كما لو اشترى سلعة من إنسان ثم باعها لآخر قبل اطلاعه على العيب القديم ثم إنها عادت للمشتري بملك مستأنف، فله ردها على البائع الأول بالعيب القديم. وظاهره: ولو كان ذلك المشتري الأول اشتراه ممن اشترى منه عالماً بالعيب، وهو كذلك، لأن من جهته أن يقول: اشتريته لأرده على بائعه. وظاهره: ولو اشتراه بعد تعدد الشراء، وهو قول ابن القاسم. وقال أشهب: له أن يرد على من اشترى منه وله أن يرد على بائعه الأول كما قال ابن القاسم، فإن رد على بائعه الأول أخذ منه الثمن الأول. وإن رد على بائعه الأخير أخذ منه الثمن ويخير ذلك البائع. إما أن يتماسك أو يرد على بائعه وهكذا بائعه إلى أن يحصل تماسك أو رد على البائع الأول.
قوله: [أو هبة أو إرث]: أشار بهذا إلى أنه لا فرق بين أن يعود له بمعاوضة أو غيرها وبين ما عاد له اختياراً أو جبراً.
قوله: [ولو باعه مشتريه لبائعه]: حاصله أن صور بيعه للبائع اثنتا عشرة؛ لأنه: إما أن يبيعه بمثل الثمن الأول أو بأقل أو بأكثر، وفي كل: إما أن يكون مدلساً أم لا، وفي كل: إما أن يبيعه قبل الاطلاع على العيب أم لا؛ أفاد المصنف أحكام صور ست وهي التي قبل الاطلاع. وأما لو باعه بعد الاطلاع ففيها ست صور أيضاً لم يفدها المصنف. وحاصلها: أنه إذا باعه له بعد الاطلاع على العيب فالبيع لازم لبائعه بمثل الثمن الأول أو أقل أو أكثر وللمشتري الثاني رده عليه بالعيب، لأنه لما اطلع المشتري الأول عليه قبل البيع فكأنه حدث عنده وسواء دلس في بيعه الأول أم لا.
قوله: [فتقع المقاصة] إلخ: لا تعقل. مقاصة بعد هذا التصوير؛ لأنه إذا كان البائع يرجع فيأخذ الثمن الذي هو اثنا عشر ثم إذا أراد المشتري الرد يرد له ويأخذ منه عشرة فأين تعقل المقاصة أو رجوع بأزيد.
قوله: [دلس أم لا]: قال ابن عبد السلام في تكميله له: إذا لم يكن مدلساً نظر لإمكان أن يكون النقص من حوالة سوق كما هو حجة ابن القاسم فيما إذا باعه لأجنبي بأقل.
قوله: [وأما لو باعه لأجنبي]: الفرق بين البيع لأجنبي وللبائع كما قال أبو علي المسناوي أنه لا ضرر على البائع إذا كان البيع له لرجوع سلعته إليه فيرد لذلك كله، بخلاف ما لو باع المشتري لأجنبي فإنه لو رجع المشتري على بائعه بكمالة الثمن لتضرر. ومن حجته أن يقول: النقص إنما هو لحوالة السوق لا للعيب، فلذا لا يكمل له كذا في (بن).
قوله: [وقال ابن المواز] إلخ: حاصل المسألة أن المشتري إذا باع ما اشتراه لأجنبي والحال أنه معيب بعيب قديم فلا رجوع له على بائعه بأرش العيب سواء باعه بمثل الثمن الذي اشتراه به أو أقل أو أكثر وسواء باعه بعد الاطلاع على العيب أو قبله. وهذا التعميم قول ابن القاسم. وقال ابن المواز: إن باعه بمثل ما اشتراه به أو بأكثر فلا رجوع له، وإن باعه بأقل فإن كانت تلك القلة بحوالة الأسواق فكذلك، وإن علم أنها من أجل العيب - كأن يبيعه هو أو وكيله ظاناً أن العيب حدث عنده - فإنه يرجع على بائعه بالأقل مما نقصه من الثمن أو قيمته: وجعل ابن رشد وابن يونس وعياض، قول ابن المواز تفسيراً لقول ابن القاسم
стр. 590
(ولا) رد (على حاكم و) لا على (وارث بين) بضم الباء الموحدة وكسر التحتية المشددة بالبناء للمجهول: أي ظهر للمشتري حال الشراء أن بائعه حاكم أو وارث، كان البيان منهما أو من غيرهما. ومفهومه أنه إذا لم يعلم بذلك لكان له الرد. وقوله: (رقيقاً فقط) معمول لرد المقدر بعد لا النافية (بيع لكدين) على الميت أو الغائب أو المفلس. ومثل الدين: نفقة الزوجة أو الأطفال، فقوله: "بين" راجع لهما، فهو من الحذف من الأول لدلالة الثاني على ما هو الراجح. وقيل: البيان شرط في الوارث فقط ومثلهما الوصي. وشرط كون بيع من ذكر مانعاً من رد الرقيق: إذا لم يعلم بالعيب ويكتمه. كما أشار له بقوله:
(ولم يعلما بالعيب): وإلا كان للمشتري الرد به كما إذا لم يعلم بأن البائع حاكم أو وارث. وقال ابن المواز: قال مالك: بيع الميراث وبيع السلطان بيع براءة إلا أن يكون المشتري لم يعلم أنه بيع ميراث أو سلطان فهو مخير بين أن يرد أو يحبس. وفي المدونة: وبيع السلطان للرقيق في الديون والمغنم وغيره بيع براءة اهـ. فعلم من هذا أن المراد بالبيان العلم ولو من غيرهما كأنه قيل: علم كل منهما، وأن المشتري إذا لم يعلم كان له الرد، وقول الشيخ: "وخير مشتر ظنه غيرهما" الأولى أن يقول: جهلهما ليشمل ما إذا لم يظن شيئاً فمدار التخيير على نفي العلم. ومفهوم: رقيقاً فقط، أنهما لو باعا غيره من حيوان أو عروض لم يكن بيعهما بيع براءة؛ فللمشتري الرد ولو بين أي علم أنه حاكم أو وارث على ظاهر كلام المدونة المتقدم الذي مشى عليه الشيخ. وظاهر كلام ابن المواز الإطلاق، ثم إن جميع ما تقدم من أن لواجد العيب الرد به بالشروط المتقدم ذكرها محله ما لم يحدث عن المشتري عيب آخر في المبيع، فإن حدث به عيب فلا يخلو إما أن يكون متوسطاً أو يسيراً أو كثيراً، ولكل حكم أشار لذلك بقوله: (وإن حدث بالمبيع) المعيب عند المشتري (عيب متوسط) بين المخرج عن المقصود والقليل ومثله بقوله: (كعجف) كحدوث عجف لحيوان وهو شدة الهزال (و) حدوث (عمى وعور وعرج وشلل) بيد أو رجل (وتزويج رقيق) ذكراً أو أنثى قبل اطلاعه على العيب القديم (وافتضاض بكر) ولو وخشاً والواو بمعنى: أو في الجميع، (فله) أي للمشتري الواجد لعيب قديم بعد حدوث شيء مما ذكر (التمسك) بالمبيع (وأخذ) أرش العيب (القديم و) له (الرد) أي رده على البائع (ودفع) أرش العيب (الحادث): فالخيار له لا للبائع، وطريق ذلك التقويم ثلاث مرات: (يقوم) أولاً (صحيحاً) بعشرة مثلاً (ثم) يقوم (بكل) من العيبين بقطع النظر عن الآخر، فيقوم ثانياً بالعيب القديم بقطع النظر عن الحادث بثمانية مثلاً، فقد نقص الخمس ثم يقوم ثالثاً بالحادث بقطع النظر عن القديم بثمانية مثلاً فقد نقص الخمس أيضاً، ثم يقال للمشتري: إما أن تتماسك بالمبيع وترجع على البائع
ــ
فليفهم.
قوله: [بين]: إنما بناه للمجهول لأجل التعميم. الذي قاله بعد. قوله: [معمول لرد المقدر]: فيه ركة لا تخفى فالمناسب أن يقدر الواقع بعد "لا" فعلاً مضارعاً مبنياً للفاعل ويذكر فاعله وهو المشتري ويجعل رقيقاً معمولاً له، فيصير السياق هكذا: ولا يرد مشتر على حاكم ولا على وارث بين رقيقاً فقط.
قوله: [ومثل الدين نفقة الزوجة] إلخ: خلافاً للباجي حيث قال: لا يكون بيع الوارث مانعاً من الرد إلا إذا كان لقضاء دين فقط.
قوله: [وقيل البيان شرط في الوارث فقط]: هذا ضعيف، ويستثنى من بيع الحاكم ما إذا باع عبداً مسلماً على مالكه الكافر فليس بيع براءة كما قدمه المصنف بقوله: "وجاز رده عليه بعيب". وتقدم التنبيه عليه.
قوله: [وإلا كان للمشتري الرد به]: أي لأن الحاكم أو الوارث حينئذ كل مدلس.
قوله: [قال ابن المواز] إلخ: كلام ابن المواز هو مأخذ تعميم البيان فيما تقدم.
وقوله: [وفي المدونة] إلخ: هو مستند القول بأن البيان شرط في الوارث فقط. قوله: [فهو مخير بين أن يرد أو يحبس]: أي وإن كان مطلعاً على بعض العيوب وراضياً بها. قوله: [فعلم من هذا] اسم الإشارة عائد على كلام ابن المواز لأن التعميم لا يفهم إلا منه كما تقدم.
قوله: [وظاهر كلام ابن المواز الإطلاق]: أي شمول الرقيق وغيره فيكون على إطلاقه: بيع الحاكم والوارث بيع براءة ولو في غير الرقيق، ولكن هذا الإطلاق خلاف الراجح فتحصل أن عموم كلام ابن المواز من حيث البيان مسلم ومن حيث شموله لغير الرقيق غير مسلم.
قوله: [لحيوان]: أي عاقل أو غيره. قوله: [وافتضاض بكر]: بالقاف والفاء، وما مشى عليه المصنف من أنه من المتوسط هو المعتمد خلافاً لما مشى. عليه خليل في عده من المفوت. والحاصل أن فيه أقوالاً ثلاثة: الأول: أنه من المفوت كان البائع مدلساً أم لا وهذا لابن رشد. والثاني: أنه من المتوسط كان البائع مدلساً أم لا علية أو وخشاً وهو لمالك.
والثالث: إن كان البائع غير مدلس فهو متوسط كما قال مالك. وإن كان مدلساً فإما أن يرد ولا شيء عليه أو يتمسك ويأخذ أرش القديم وهو لابن الكاتب، وهذا هو الأوجه.
قوله: [وطريق ذلك التقويم ثلاث مرات]: ما ذكره من أن التقويم إذا أراد الرد ثلاث مرات، وهو ما قاله عياض، وهو الصواب. خلافاً لقول الباجي: إنه إذا أراد الرد إنما يقوم تقويمين: أحدهما بالعيب القديم والآخر بالحادث عند المشتري. وأشعر قول المصنف
стр. 591
بخمس الثمن أو ترده وتترك له خمس الثمن وعلى هذا القياس.
ومحل تخييره: (إلا أن يقبله البائع بالحادث) عند المشتري فإن قبله (فكالعدم) أي فيصير البائع كالعدم فيقال للمشتري: إما أن ترده بالقديم ولا شيء عليك أو تتماسك به ولا شيء لك في نظير القديم. ومثل ذلك: إذا دلس البائع كما يأتي في قوله: إلا أن يهلك بعيب التدليس (كالقليل): أي كحدوث العيب القليل الذي لا يؤثر نقصاً في الثمن فإنه كالعدم فلا خيار للمشتري في التماسك وأخذ أرش القديم أو يرد ويدفع أرش الحادث بل إما أن يرد ولا شيء عليه، أو يتماسك ولا شيء له ومثل للقليل بقوله:
(كوعك) بسكون المهملة وقد تفتح: الألم الخفيف (ورمد) وجع العين (وصداع) وجع الرأس (وقطع ظفر): أي زواله بيد أو رجل ولو من رائعة. (وخفيف حمى، ووطء ثيب وقطع شقة) قطعاً معتاداً (كنصفين) من وسطها وكذا أكثر حيث لا ينقص الثمن دلس البائع أو لا (أو) فصلها المشتري (كقميص، إن دلس) البائع بكتم العيب حين البيع. فإن لم يدلس فمن المتوسط.
(و) العيب (المخرج عن المقصود) من ذلك المبيع الذي ظهر به عيب قديم عند بائعه (مفيت) بالعيب القديم وإذا كان مفيتاً (فالأرش) متعين للمشتري على البائع عند التنازع وعدم الرضا.
وذلك المخرج عن المقصود: (كتقطيع) لشقة (غير معتاد) كجعلها قلاعاً لمركب أو عرقيات (وكبر صغير) عند المشتري عاقل أو غيره (وهرم) أضعف القوى بعد الشبوبة.
واستثنى من قوله: "فالأرش" قوله: (إلا أن يهلك) المبيع عند المشتري (بعيب التدليس) من بائعه، كما لو دلس بحرابته أو صولته أو سرقته فحارب أو صال فقتل أو سرق فقطع فمات أو لوجع قلبه فمات منه (أو) يهلك (بسماوي زمنه) أي في زمن عيب التدليس؛ (كموته في) زمن (إباقه) الذي دلس به
ــ
فله التماسك إلخ أن التخيير على الوجه المذكور قبل التقويم، وهو ظاهر المدونة كما في (عب)، وفي المتيطي نقلاً عن بعض
القرويين: أن الخيار بعد التقويم والمعرفة بالعيب القديم وما نقصه العيب الحادث. وقبل ذلك لا يجوز لأن المبتاع يدخل في أمر مجهول لا يعلم مقداره. اهـ. ولعل ثمرة الخلاف تظهر فيما إذا التزم شيئاً قبل التقويم هل يلزمه أم لا.
قوله: [بخمس الثمن]: أي سواء كان قليلاً أو كثيراً فإذا كان الثمن عشرين وأراد الرد، دفع أربعة أرش الحادث؛ لأن الحادث قد نقص خمس القيمة، فيرد أربعة خمس الثمن، فالقيمة ميزان للرجوع في الثمن، وإن تماسك أخذ أربعة أرش العيب القديم.
قوله: [إلا أن يقبله البائع]: أي من غير أرش. قوله: [كما يأتي]: أي تفصيل ذلك. قوله: [بل إما أن يرد ولا شيء عليه]: وجه ذلك أن يقال: إنما كان له التماسك وأخذ القديم لخسارته بغرم أرش الحادث إذا رد فحيث سقط عنه حكم العيب الحادث انتفت العلة، وإنما اعتبر العيب القليل إذا كان قديماً فيثبت للمشتري به الرد بخلاف القليل إذا كان حادثاً فإنه غير معتبر لأن البائع يتوقع تدليسه، فلذلك رد عليه بالقديم مطلقاً ولو قليلاً في غير العقار بخلاف المشتري فلا يلزمه أرش في القليل، وهذا استحسان والقياس التسوية بإلغاء القليل فيهما أو اعتباره فيهما.
قوله: [ولو من رائعة]: قال في الأصل والظاهر أن ما زاد على الواحد متوسط في الرائعة فقط. اهـ. وهذا بخلاف الأصبع فإنه من المتوسط مطلقاً، وذهاب الأنملة من المتوسط في الرائعة لا في الوخش. والظاهر: أن ما زاد على الأنملة متوسط في الرائعة والوخش.
قوله: [أو فصلها المشتري كقميص] وأما لو فصلها قلوعاً سواء كانت الشقة من حرير أو كتان أو صوف فمفوت مطلقاً لأنه غير معتاد كما يأتي.
قوله: [والعيب المخرج عن المقصود]: أي عن الغرض المقصود أي التغير المفوت المنافع المقصودة من المبيع.
قوله: [فالأرش متعين]: أي فيقوم سالماً ومعيباً بالقديم ويأخذ المشتري من الثمن النسبة. وظاهره: تعين الأرش ولو حدث عند المشتري جابر لما حدث عنده، وما يأتي من أن الحادث يجبر بنحو الصبغ والطرز إن كان متوسطاً كما قال الأجهوري. وقال الشيخ سالم: القياس الإطلاق.
قوله: [عاقل أو غيره]: أما الصغير العاقل فلأنه يراد منه الدخول على النساء فإذا كبر أي بلغ فقد زال المقصود منه. وأما غير العاقل فصغيره يراد للحمه وبكبره يزول ذلك الأمر المقصود منه.
قوله: [أضعف القوى]: أي السمع والبصر وما في معناهما. قوله: [واستثنى من قوله فالأرش]: أي وهذه إحدى المسائل الست التي يفرق فيها بين المدلس وغيره، وثانيها: من باع ثوباً وصبغه المشتري صبغاً لا يصبغ به مثله فنقص بسبب ذلك فإن كان البائع مدلساً رده ولا أرش عليه للنقص، وإن تماسك أخذ أرش القديم وإن كان غير مدلس، فإن رد دفع أرش الحادث وإن تماسك أخذ أرش القديم، وثالثها: لو باع السلعة مشتريها لبائعها الأول بأكثر مما اشتراها به قبل اطلاعه على العيب القديم، فإن كان البائع مدلساً فلا رجوع له بشيء وإن كان غير مدلس رده ثم رد عليه كما سبق. ورابعها: من باع رقيقاً وتبرأ من عيب لا يعلمه في زعمه، فإن كان كاذباً فمدلس، وإلا فلا. فالمدلس لا تنفعه البراءة وغيره تنفعه كما تقدم أيضاً. وخامسها: لو أخذ السمسار جعلاً من البائع على بيع سلعته فباعها وردت عليه بعيب قديم بحكم حاكم فإن كان البائع مدلساً فلا يرد السمسار الجعل بل يفوز به وإن كان غير مدلس رده.
стр. 592
(فالثمن) يرجع به المشتري على بائعه المدلس لا إن لم يدلس أو دلس ومات بسماوي لا في زمنه بل عند المشتري فالأرش كما تقدم.
(والقول للمشتري): إذا تنازع مع البائع فقال له البائع: أنت رأيت العيب حال البيع، أو: أنت رضيت به حين اطلعت عليه وأنكر المشتري ذلك فالقول له (أنه ما رآه ولا رضي به، ولا يمين) عليه أي القول له به بلا يمين (إلا أن يحقق) البائع (عليه) أي على المشتري (الدعوى) بأن يقول له: أنا أريتك العيب أو أعلمتك به، أو: فلان أعلمك به وأنا حاضر، أو قال له: أنت قد أخبرتني بأنك رضيت به بعد اطلاعك عليه أو أخبرني عدل بأنك رضيت به، فالقول له بيمين. فإن حلف رد المبيع على البائع، وإلا ردت اليمين على البائع، فإن حلف فلا كلام للمشتري. وهذا إذا لم يسم البائع من أخبره أو سماه وتعذر إشهاده لموت ونحوه، وإلا فله أن يقيمه شاهداً ويحلف معه، ولزم البيع ولا يفيد المشتري دعوى عدم الرضا. والحاصل: أن القول للمشتري بلا يمين أو بيمين إذا لم يقم البائع بينة على دعواه أو شاهداً ويحلف معه.
(أو أقر) المشتري (بأنه قلب): أي فتش المبيع حال البيع ولكنه ما رأى العيب فلا يقبل قوله إلا بيمين.
(و) القول (للبائع) إذا باع عبداً فأبق عند المشتري بالقرب فادعى المشتري أنه عيب قديم عند البائع وأنكر البائع أن يكون قديماً وادعى (أنه ما أبق عنده) أصلاً ولا يمين على البائع إلا أن يحقق عليه المشتري الدعوى فعليه اليمين وهذا معنى قوله (كذلك) أي القول للبائع كالذي تقدم في المشتري من يمين وعدمه (لإباقه) اللام للعلة أو بمعنى عند أي عند إباقه عند المشتري (بالقرب) من البيع وأولى عند البعد (إذ القول له في العيب): علة لكون القول للبائع أي وإنما كان القول له لأنه لم يأبق عنده بلا يمين؛ لأن القاعدة: أن القول للبائع عند التنازع في عدم وجود العيب الخفي عنده كالسرقة والزنا والإباق (وفي) عدم (قدمه) عند التنازع فيه (إلا أن تشهد العادة للمشتري) بقدمه قطعاً أو رجحاناً فالقول له.
ــ
ومفهوم قولنا: بحكم حاكم أنه لو قبلها البائع من نفسه فلا يلزم السمسار رد الجعل. وسادسها: من اشترى سلعة ونقلها لموضع ثم ظهر له بها عيب وردها فأجرة النقل ذهاباً وإياباً على البائع إن كان مدلساً، وإلا فالنقل مفوت يرجع عليه بالأرش. اهـ من الأصل بتصرف.
قوله: [فالثمن يرجع به المشتري]: أي وسواء حدث عند المشتري عيب قبل هلاكه أم لا.
تنبيه: لو باعه المشتري قبل اطلاعه على العيب وهلك عند المشتري الثاني بعيب التدليس رجع المشتري الثاني على البائع الأول إن لم يكن رجوعه على بائعه هو لعدمه أو غيبته، فيأخذ من البائع المدلس جميع الثمن. فإن ساوى ما خرج من يده فواضح، وإن زاد الثمن الأول عما خرج من يده فالزيادة للبائع الثاني هو المشتري الأول. وإن نقص المأخوذ من المدلس عما خرج من يده فهل البائع الثاني يكمله المشتري منه فيتبع به ذمته متى حضر أولا يكمله لأنه لما رضي باتباع الأول بطل رجوعه على الثاني؛ قولان. ومفهوم قولنا إن لم يمكن رجوعه على بائعه: أنه إن أمكن فلا رجوع له على المدلس وإنما يرجع على بائعه بالأرش لأنه غير مدلس ثم هو يرجع على بائعه المدلس بالأقل من الأرش أو ما يكمل الثمن الأول كذا في الأصل.
قوله: [ولا يمين عليه]: أي ويرد المبيع لبائعه.
قوله: [فالقول له بيمين]: جواب الشرط وما بينهما تصوير لتحقيق الدعوى.
قوله: [وإلا ردت اليمين على البائع]: أي لأنها دعوى تحقيق.
قوله: [أو سماه وتعذر إشهاده]: حاصله أن المخبر إذا سماه البائع يسئل؛ فإن صدق البائع على أنه أخبره، وكان أهلاً للشهادة، وقام بها البائع، حلف البائع معه وسقط الرد عليه. وإن كان مسخوطاً أو لم يقم البائع بشهادته حلف المشتري أنه ما رضي ورد. وإنما وجبت عليه اليمين - وإن كان المخبر مسخوطاً - لأن تصديقه مما يرجح دعوى البائع في الجملة. فإن كذب المخبر البائع فالظاهر أنه لا يمين على المشتري أنه ما رضي بالعيب سواء كان المخبر عدلاً أو مسخوطاً كما قاله المسناوي، خلافاً لما ذكره (عب) من اليمين. اهـ. (بن).
قوله: [والحاصل أن القول للمشتري] إلخ: أي فالقول للمشتري بلا يمين إن تجردت دعوى البائع عن مرجح وبيمين إن اقترنت بمرجح ولم يكن ذلك المرجح شهادة عدل ويقوم البائع بها، وإلا كان القول للبائع بيمين معه.
قوله: [فلا يقبل قوله إلا بيمين]: فإن نكل لزمه المبيع ولا ترد اليمين على البائع لأنها تهمة. قوله: [إلا أن يحقق عليه المشتري الدعوى]: هذا قول اللخمي. وصححه في الشامل خلافاً لظاهر المدونة: من أن المشتري ليس له تحليف البائع سواء اتهمه بأنه أبق عنده أو حقق عليه الدعوى بأن قال: أخبرني مخبر بإباقه عندك، وهو ظاهر ما لأبي الحسن ولكن المعتمد ما قاله اللخمي الذي مشى عليه الشارح.
قوله: [كالسرقة والزنا] إلخ: أي فلا مفهوم لمسألة الإباق بل هو فرض مثال.
стр. 593
فالاستثناء راجع للقدم فقط.
(وحلف من لم يقطع بصدقه) من بائع أو مشتر، فإن ظن قدمه فللمشتري بيمين وإن شك أو ظن حدوثه فللبائع بيمين، ومفهومه أنه إن قطع بقدمه فالقول للمشتري بلا يمين أو بحدوثه فللبائع بلا يمين.
والكلام في العيوب التي شأنها الخفاء، وأما الظاهرة كالعمى والعرج فلا قيام بها ولا يرجع فيها للعادة ولا غيرها.
ثم شرع في بيان ما لو وجد العيب القديم ببعض المبيع وما فيه من التفصيل بقوله: (وإن ابتاع مقوماً) وسيأتي حكم المثلي (معيباً) لا موصوفاً -وسيأتي حكمه- (متعدداً) - كثوبين أو عبدين فأكثر بأعيانها قائمة - (في صفقة) واحدة كما لو اشترى عشرة أثواب بأعيانها (فظهر) له (عيب ببعضه): أي المبتاع المقوم (فله): أي للمبتاع (رده): أي رد البعض المعيب (بحصته من الثمن) ولزمه التمسك بالباقي، وله التمسك بالجميع بجميع الثمن؛ فإذا كان المعيب ثوباً أو أكثر إلى خمسة، وكانت قيمة كل ثوب عشرة، رجع بعشر الثمن في الأول وهو عشرة وبخمسة [١] في الاثنين وهو عشرون وهكذا وهذا (إن لم يكن) الثمن (سلعة) بأن كان عيناً أو مثلياً (وإلا)، بأن كان الثمن سلعة كعبد أو دار (ففي قيمتها) يرجع. فإذا كان المعيب ثوباً من العشرة وهو يساوي عشرة، رده ورجع بعشر قيمة العبد أو الدار. ولا يرجع بجزء من السلعة خلافاً لأشهب.
(إلا أن يكون المعيب الأكثر) بأن زاد على النصف (والسالم) من العيب الأقل (باقياً) عند المشتري لم يفت (فالجميع [٢]) يرده ويأخذ جميع الثمن أو يتماسك به، وليس له التماسك بالأقل السالم ورد الأكثر المعيب. ومفهوم: "باقياً"، أنه لو فات عند المشتري لكان له رد المعيب مطلقاً قل أو كثر وأخذ حصته من الثمن أو من قيمة السلعة وإن وقعت ثمناً.
وشبه في رد الجميع أو التمسك بالجميع أو يتماسك بالبعض السالم بجميع الثمن وإن لم يكن أكثر قوله: (كأحد مزدوجين): كخفين ونعلين وسوارين مما لا يستغنى بأحدهما عن الآخر فليس له رد المعيب بحصته من الثمن
ــ
تنبيه: إن أقر بائع ببعض العيب وكتم بعضه وهلك المبيع، فاختلف: هل يفرق بين أكثر العيب فيرجع بالزائد الذي كتمه؟ كقوله: يأبق خمسة عشر يوماً، وكان يأبق عشرين فيرجع بقيمة خمسة وبين أقله كما إذا أقر بخمسة في المثال وكتم عشرة فيرجع بالجميع، لأنه لما كتم الأكثر كأنه لم يبين شيئاً ولا فرق بين هلاكه فيما بين أو كتم ولا بين المسافة والأزمنة، أو يرجع بأرش الزائد مطلقاً كتم الأقل. أو الأكثر؟ أو يفرق بين هلاكه فيما بينه فيرجع بأرش الزائد الذي كتمه قل أو كثر، أو لا يهلك فيما بينه بل هلك فيما كتمه فيرجع بجميع الثمن؟ أقوال ثلاثة.
قوله: [فالاستثناء راجع للقدم فقط]: اعلم أنه إنما يكون القول قول البائع في حدوث العيب في المشكوك فيه إن لم يصاحبه عيب قديم ثابت، وإلا فالقول قول المشتري بيمين أنه ما حدث عنده وبه أخذ ابن القاسم واستحسنه في التوضيح، قال ابن رشد. لأن المبتاع قد وجب له الرد بالقديم وأخذ جميع الثمن، والبائع يريد نقصه من الثمن بقوله حدث عندك فهو مدع - كذا في (بن).
قوله: [وحلف من لم يقطع بصدقه]: فإن اختلف أهل المعرفة في قدمه وحدوثه، عمل بقول الأعرف فإن استويا في المعرفة، عمل بقول الأعدل. فإن تكافآ في العدالة سقطا لتكاذبهما، وإذا سقطا كان كالشك على ما استظهره بعضهم. والجاري على قول غير ابن القاسم في المدونة: أنها تقدم بينة الرد. قوله: [إن قطع بقدمه]: اعلم أنه يعمل بشهادة البينة بالقدم سواء استندوا في قولهم ذلك للعادة أو للمعاينة أو لإخبار العارفين أو لإقرار البائع لهم بذلك.
قوله: [ولزمه التمسك بالباقي]: أي بما يخصه من الثمن. وليس للمشتري رد الجميع إلا برضا البائع، وليس للبائع أن يقول: إما أن ترد الجميع أو تأخذ الجميع كما قاله ابن يونس.
قوله: [فإذا كان المعيب] إلخ: حاصله أنه يقوم كل سلعة بمفردها على أنها سليمة وينسب قيمة المعيب على أنه سليم إلى الجميع ويرجع بما يخص المعيب من الثمن، وهناك طريقة أخرى للتقويم حاصلها أنه يقوم الأثواب كلها سالمة، ثم تقوم ثانياً بدون المعيب وتنسب القيمة الثانية للأولى وبتلك النسبة يرجع بما يخص المعيب من الثمن.
قوله: [ورجع بعشر قيمة العبد]: أي على المعتمد خلافاً لمن قال يرجع بقيمة عشر العبد ولا شك أن قيمة عشر العبد أقل من عشر قيمته. وحاصل فقه المسألة: أن الثمن إذا كان مقوماً كدار أو عبد أو كتاب أو ثوب واطلع المشتري على عيب في بعض المبيع فقال أشهب: يرجع شريكاً في الثمن المقوم بما يقابل المعيب. وقال ابن القاسم: لا يرجع شريكاً للبائع في الثمن لضرر الشركة، وإنما يرجع بالقيمة. وعلى هذا القول اختلف؛ قيل: معناه أنه يرجع بنسبة قيمة المعيب لقيمة المبيع في قيمة المقوم الواقع ثمناً، فإذا كان المبيع ثوباً وقيمته عشرة نسبتها للمائة قيمة الأثواب المبيعة العشر فيرجع بعشر قيمة المقوم الواقع ثمناً على ما هو المعتمد، وعليه مشى شارحنا. وقيل: يرجع بما يخص المعيب من قيمة الثمن المقوم فإذا كان المعيب ثوباً رجع بقيمة عشر المقوم المدفوع ثمناً فتأمل.
قوله: [وليس له التماسك بالأقل السالم]: أي بحصته من الثمن، وأما بجميع الثمن ويرد المعيب مجاناً فجائز، وإنما منع التمسك بالقليل السالم لأنه كإنشاء عقده بثمن مجهول إذ لا يعرف
стр. 594
إلا أن يتراضيا بذلك كما يأتي في القسمة (أو) كان المعيب (أما وولدها) فليس له رد المعيب منهما والتماسك بالسليم ولو تراضيا على ذلك لما فيه من التفريق بين الأم وولدها، فعلم أنه لا يجوز التماسك بأقل سالم من متعدد وجد عيب بأكثره إذا لم يفت الأقل عند المشتري وإلا جاز.
(و) كما لا يجوز التمسك بالأقل المذكور (لا يجوز التمسك بالأقل إن استحق الأكثر): إن كان المبيع مقوماً متعدداً معيناً في صفقة والباقي لم يفت عند المشتري، فإن فات فله التمسك به ويرجع بما يخص ما استحق من الثمن. فجميع القيود المذكورة في المعيب تجري في الاستحقاق على المعتمد. وإذا منع التمسك بالأقل؛ إذ استحق الأكثر تعين الفسخ برد الأقل والرجوع بجميع الثمن أو يتماسك بالبعض الباقي بجميع الثمن. فالمنع أن يتمسك بالبعض الباقي ويرجع بما يخص ما استحق من الثمن كما تقدم في العيب. ثم ذكر مفهوم: "مقوماً" معيناً على سبيل النشر المشوش بقوله: (بخلاف الموصوف): وهو مفهوم: "معين" (والمثلي) مفهوم مقوم: أي فإنه يلزمه التمسك بالأقل إذا تعيب أو استحق الأكثر، وأولى المساوي أو الأقل؛ كما لو اشترى عشرة أثواب موصوفة أو عشرة أرطال أو أوسق من قمح فاستحق أكثرها أو أقلها أو وجد به عيباً، فلا ينتقض البيع بل يرجع بمثل الموصوف أو المثلي، وله أن يتماسك بالباقي بجميع الثمن في الاستحقاق، وبالسلم [١] والمعيب في العيب. وأما إن كان المبيع متحداً -كدار أو عبد فاستحق البعض قل أو كثر- فالمشتري مخير بين التماسك والرد.
وفرع على قوله: "ولا يجوز التمسك بالأقل" إلخ قوله: (فإن كان درهمان وسلعة) كعبد (تساوي) تلك السلعة (عشرة) بيعاً (بثوب) مثلاً، فثمن الثوب اثنا عشر (فاستحقت السلعة) المساوية للعشرة -وهي خمسة أسداس الصفة، فقد استحق الأكثر- فلا يجوز التمسك بالأقل الباقي وهما الدرهمان فيتعين فسخ البيع برد الدرهمين وأخذ الثوب إن كان قائماً.
(و) أما لو (فات الثوب) ولو بحوالة سوق (فله): أي لمن استحق منه السلعة (قيمة الثوب) الذي خرج من يده لفواته (بكماله) لأنها تقوم مقامه عند فسخ البيع (ورد) من استحقت منه السلعة (الدرهمين) فـ "رد" فعل ماض.
ــ
ما ينوب الأقل إلا بعد تقويم المبيع كله أولاً ثم تقويم كل جزء من الأجزاء.
قوله: [إلا أن يتراضيا بذلك]: أي على الصواب كما قاله (ر) خلافاً لما في الخرشي و (عب) تبعاً للأجهوري من عدم الجواز ولو تراضيا لما في ذلك من الفساد الذي منع الشرع منه
قوله: [أو كان المعيب أماً وولدها]: أي لأن الشارع منع من التفرقة بينهما قبل الإثغار وهذا في الحيوان العاقل ومحل المنع ما لم ترض الأم بذلك، وقد تقدم ذلك.
قوله: [بالأقل المذكور]: أي الذي هو المعيب. لأن حكم العيب والاستحقاقي واحد. قوله: [فالمنع أن يتمسك] إلخ: أي لأنه كإنشاء عقدة بثمن مجهول كما تقدم التنبيه عليه في العيب إن قلت: هذا التعليل موجود فيما إذا استحق الأقل أو تعيب ورده وتمسك بالأكثر بحصة من الثمن؟ أجيب: بأنه لما كان الحكم للغالب انفسخت العقدة برد الأكثر أو استحقاقه فكان التمسك بالأقل كابتداء عقدة بثمن مجهول الآن بخلاف رد غير الأكثر أو استحقاقه.
والحاصل: أن العقدة الأولى انحلت من أصلها حيث استحق الأكثر أو تعيب؛ لأن استحقاق الأكثر كاستحقاق الكل وإذا تعيب الأكثر ورده كان كرد الكل، فكان تمسك المشتري بالأقل السالم كإنشاء عقدة بثمن مجهول الآن بخلاف رد غير الأكثر أو استحقاقه وأجاز ابن حبيب رد الأكثر بحصته قائلاً: هذه جهالة طارئة كذا في حاشية الأصل.
قوله: [بخلاف الموصوف] إلخ: حاصله أن كلام المصنف هنا في المقوم المعين المتعدد، وأما المثلي والمقوم والمتحد والموصوف فحكمه مغاير لذلك.
قوله: [كما لو اشترى عشرة أثواب] مثال للموصوف وقوله أو عشرة أرطال أو أوسق مثال للمثلي.
قوله: [بجميع الثمن]: المناسب بحصة من الثمن لأن التماسك بجميع الثمن لا يتوهم منعه حتى ينص عليه. قوله: [فاستحق البعض قل أو كثر]: هذا كلام مجمل وسيأتي تفصيله وإيضاحه في الشارح. قوله: [فالمشتري مخير بين التماسك والرد]: أي لدفع ضرر الشركة.
قوله: [فإن كان درهمان وسلعة] إلخ: اسم كان ضمير شأن و "درهمان" مبتدأ وقوله بيعا بثوب خبره. والجملة خبر لكان الثانية. أو أن كان غير ثانية ودرهمان اسمها، وسلعة معطوف على درهمان على كل حال وخبرها قوله بيعا بثوب. قوله: [فاستحقت السلعة] أي من يد المشتري وهو عطف على "بيعا" الذي قدره الشارح.
قوله: [قيمة الثوب الذي خرج من يده]: أي يأخذها من البائع ولا يجوز له أن يتماسك بالدرهمين فيما يقابلهما من سدس الثوب بحيث يكون شريكاً بسدسها أو سدس قيمتها، وأما تمسكه بالدرهمين في مقابلة الثوب بتمامها فجائز، وإنما أتى بقوله بكماله للرد على المقابل الآتي بعد وإلا فلا حاجة لقوله: بكماله لأنه علم من قوله: قيمة الثوب.
قوله: [فرد فعل ماض]
стр. 595
وجاز أن يكون مصدراً معطوفاً على "قيمة". وقيل: إذا فات الثوب تعين عدم الفسخ؛ لأن فواته كفوات الأقل الباقي فيما إذا استحق الأكثر، وهو إذا فات لم يفسخ كما تقدم، وحينئذ فيتمسك بالدرهمين ويرجع بقيمة السلعة التي استحقت منه، وجزم به ابن عرفة وأنكرت [١] على ابن الحاجب وجود القول بالفسخ إذا فات الثوب على ما ذكرنا، ورد إنكاره بأن ابن يونس قد ذكرها.
(وجاز رد أحد المبتاعين) إذا اشتريا سلعة أو أكثر في صفقة فوجدا - بها عيباً المعيب على البائع (دون صاحبه) ولو لم يرض البائع والقول قول من أراد الرد منهما.
(و) جاز لمشتر من بائعين الرد على (أحد البائعين) نصيبه دون الآخر.
(والغلة) أي غلة ما رد بعيب ثابتة (للمشتري) من وقت عقد البيع وقبض المشتري له (للفسخ): أي فسخ البيع بسبب العيب إما بحكم الحاكم أو بتراضي المتبايعين بأن يرضى البائع بقبوله. من غير رفع، وسيأتي بيان ذلك قريباً إن شاء الله تعالى: والمراد بالغلة: ما لا يكون استيفاؤها دليلاً على الرضا وهي التي استغلها قبل الاطلاع على العيب مطلقاً نشأت عن تحريك كسكنى أو إسكان أو لا كلبن وصوف، والتي لا تنقص المبيع ولو استغلها زمن الخصام (لا الولد) فإنه للبائع ولو حملت به عند المشتري ثم اطلع على عيب بأمه فيرد مع الأم (و) لا (الثمرة المؤبرة) فإنها ترد مع الأصل للبائع حيث رد الأصل بعيب ولو جذها المشتري. فإن فاتت عنده رد مثلها إن علم قدرها وقيمتها إن لم يعلم (و) لا (الصوف التام) وقت الشراء، فإنه يرد للبائع مع رد أصله بعيب، وهو داخل في الشراء وإن لم يشترطه المشتري بخلاف الثمرة المؤبرة فلا تدخل فيه إلا بشرط.
ــ
أي والدرهمين مفعوله وهو يفيد وجوب الرد. قوله: [وجاز أن يكون مصدراً]: استشكل بأن قراءته مصدراً توهم أن اللام للتخيير وهو خلاف المراد؛ لأن المراد منها الاستحقاق. فالأولى قراءته فعلاً ماضياً. قوله: [وقيل إذا فات الثوب] إلخ: هذا القول أيده (ر) قوله: [بأن ابن يونس قد ذكرها]: قال (بن): العذر لابن عرفة في إنكاره أن ابن يونس لم يذكرها في كتاب الاستحقاق الذي هو مظنتها، وإنما ذكرها في أوائل كتاب الجعل والإجارة من ديوانه.
قوله: [وجاز رد أحد المبتاعين]: أي غير الشريكين في التجارة. وحاصله: أنه لو اشترى شخصان سلعة واحدة كعبد لخدمتهما أو سلعاً متعددة كل واحد يأخذ نصفها في صفقة واحدة لا على سبيل الشركة ثم اطلع على عيب قديم فأراد أحد الشريكين أن يرد نصيبه على البائع وأبى غيره من الرد، فالمشهور أن له أن يرد نصيبه. ولو قال البائع: لا أقبل إلا جميعه بناء على تعدد العقد بتعدد متعلقه. وإلى هذا رجع مالك واختاره ابن القاسم وكان مالك يقول أولاً: إنما لهما الرد معاً أو التماسك معاً وليس لأحدهما أن يرد دون الآخر. والقولان في المدونة وقولنا: غير الشريكين في التجارة، مفهومه أن الشريكين في التجارة إذا اشتريا معيناً في صفقة وأراد أحدهما الرد فلصاحبه منعه وقبول الجميع كما يأتي في الشركة، فإن كلاً وكيل عن الآخر كما يؤخذ من الأصل وحاشيته. قوله: [ولو لم يرض البائع] أي ولا المشتري.
قوله: [على أحد البائعين]: إلخ حاصله أن البائع إذا تعدد بأن باع شخصان عبداً واحداً أو متعدداً كانا متخذانه للخدمة مثلاً لا للتجارة واشتراه منهما واحد، فاطلع فيه على عيب قديم، فإنه يجوز له أن يرد على أحد البائعين نصيبه دون الآخر. وهذا بخلاف شريكي التجارة لأنهما كرجل واحد فالرد على أحدهما رد على الآخر كما يؤخذ من الحاشية.
قوله: [من وقت عقد البيع]: أي من وقت الدخول في ضمانه.
قوله: [نشأت عن تحريك] إلخ: تفسير للإطلاق.
قوله: [كلبن وصوف]: مثال لما نشأ لا عن تحريك أعم من أن يكون منقسماً أو لا.
قوله: [ولو استغلها زمن الخصام]: أي ولو طال زمنه والواو للحال ولو زائدة وأما ما استغله بعد الاطلاع وقبل الخصام فيدل على الرضا مطلقاً إلا ما نشأ عن غير تحريك ولم يطل زمنه.
والحاصل: أن الغلة التي تدل على الرضا، هي الحاصلة بعد الاطلاع على العيب ونشأت عن تحريك منقص كالركوب والاستخدام سواء في زمن الخصام أو قبله أو نشأت عن تحريك غير منقص كالسكنى وكانت قبل زمن الخصام أو كانت ليست ناشئة عن تحريك أصلاً قبل زمن الخصام وطال فليحفظ.
قوله: [لا الولد]: أي كان لحيوان عاقل أو غيره ولا شيء على المشتري في ولادتها إذا ردها إلا أن تنقصها الولادة فيرد معها ما نقصها - ابن يونس - إن كان في الولد ما يجبر النقص جبره على قول ابن القاسم، وسواء اشتراها حاملاً أو حملت عنده ورد المصنف بقوله لا الولد على السيوري حيث جعل الولد غلة.
قوله: [ولا الثمرة المؤبرة]: أي وأما غير المؤبرة حين الشراء فغلة يفوز بها المشتري إذا حصل الرد بعد أن جذها أو لم يجذها وأزهت وسيأتي ذلك.
قوله: [وقيمتها إن لم يعلم]: هذا إن كان الفوات بغير البيع وأما به ولم تعلم المكيلة فإنه يرد ثمنه إن علم.
قوله: [فإنه يرد للبائع]: فإن فات رد وزنه إن علم وإلا رد الغنم بحصتها من الثمن ويكون له الصوف في مقابلة بقية الثمن. ولا يلزمه أن يرد مع الغنم ثمن الصوف إن باعه أو قيمته إن انتفع به في نفسه كما قيل في الثمرة.
стр. 596
ومحل رد الصوف إن لم يحصل بعد جز مثله عند المشتري وإلا فلا لجبره بما حصل.
ثم شبه في كون الغلة للمشتري إذا رد العيب لا للبائع أربع مسائل بقوله: (كشفعة): فإن الغلة فيها للمشتري لا لمن أخذ منه الشقص بالشفعة (واستحقاق) فالغلة لمن استحقت من يده مشترياً أو غيره لا لمن استحقها.
(وتفليس) فالغلة للمشتري المفلس لا لبائعها الذي أخذها منه بالتفليس. (وفساد) لبيع فالغلة للمشتري لا للبائع الذي ردت له بالفساد ومن الغلة الثمرة غير المؤبرة وقت الشراء، لكن لا يفوز بها المشتري إلا إذا جذت في المسائل الخمس، وإلا فهي له في الشفعة والاستحقاق إن يبست على أصلها، وإلا كانت للشفيع والمستحق ولو زهت. وفي الفساد والعيب إن زهت، وإلا أخذها البائع فيهما كما يأخذها في الفلس مطلقاً ما لم تجذ وهذا معنى قولهم هنا ردت في الشفعة والاستحقاق ما لم تيبس وفي البيع الفاسد والعيب ما لم تزه وفي الفلس ما لم تجذ.
(ودخلت) السلعة المردودة بالعيب (في ضمان البائع إن رضي بالقبض) من غير حكم حاكم (وإن لم يقبض) بالفعل (أو ثبت) العيب (عند حاكم) بإقرار بائعها أو بالبينة (وإن لم يحكم) فإن هلكت بعد ذلك فضمانها منه.
(ولا رد بغلط) بل البيع لازم (إن سمي باسم عام) كحجر أو هذا الفص أو هذا الشيء مع الجهل بحقيقته الخاصة، وهو يعلم شخص المبيع؛ كأن يبيع هذا الحجر بدرهم فإذا هو ياقوتة تساوي ألفاً، ولا فرق في حصول الغلط بالمعنى المذكور من المتبايعين أو من أحدهما مع علم الآخر، ومحله: إذا كان البائع غير وكيل، وإلا فلموكله الرد قطعاً. ومفهوم الشرط: أنه لو سماه بغير اسمه كهذه الزجاجة فإذا هي زبرجدة أو بالعكس لثبت الرد قطعاً.
ــ
إن قلت: لم فرق بين الثمرة والصوف عند انتفاء علم المكيلة والوزن؟ أجيب: بأنه لو رد الأصول بحصتها من الثمن مثل الغنم لزم بيع الثمرة مفردة قبل بدو صلاحها - وهو لا يجوز إلا بشروط تأتي - وهي منتفية هنا وأخذ القيمة ليس بيعاً بخلاف رد الغنم بحصتها من الثمن، فإنه لا محذور فيه لأن الصوف سلعة مستقلة يجوز شراؤه منفرداً عن الغنم.
قوله: [ومحل رد الصوف]: أي وأما الثمرة المؤبرة فهل كذلك قياساً على الصوف وهو الظاهر أو ترد مطلقاً ولو لم ترد أصولها حتى ظهر فيها أخرى وهو ظاهر المصنف.
قوله: [كشفعة] إلخ: حاصله أن مثل الرد بالعيب القديم الأخذ بالشفعة والاستحقاق والرد بالفلس والفساد في أن المشتري يفوز بالغلة ولا ترد للبائع. فمن أخذ منه الشقص بالشفعة يفوز بالغلة ولا ترد للآخذ بها وكذلك المستحق منه يفوز بها ولا ترد للمستحق، وكذلك من أخذ منه المبيع لتفليسه وعجزه عن ثمنه أو لفساد بيعه فلا ترد للبائع فيهما. وهذا إذا كانت الغلة غير ثمرة أو ثمرة غير مؤبرة يوم الشراء أو يوم الاستحقاق وفارقت الأصول بالجذ.
قوله: [لا لمن أخذ منه الشقص] إلخ: بالبناء للفاعل والضمير في منه يعود على المشتري تأمل.
قوله: [غير المؤبرة]: أي لأن المأبورة حين الشراء أو حين الاستحقاق ليست غلة، فترد للبائع في الفلس والفساد مطلقاً ولو أزهت أو يبست أو جذت. وفي الشفعة والاستحقاق يأخذها الشفيع والمستحق مطلقاً.
قوله: [ولو زهت]: أي ولو صارت رطباً.
قوله: [وهذا معنى قولهم هنا] إلخ: وإلى هذا أشار ابن غازي بقوله:
والجذ في الثمار فيما انتقيا ... يضبطه تجذ عفزا شسيا
فالتاء للتفليس، والجيم مع الذال للجذاذ أي تفوت الثمار على البائع في الفلس بالجذاذ، والعين والفاء للعيب والفساد، والزاي للزهو أي فيفوتان به، والشين المعجمة للشفعة، والسين المهملة للاستحقاق، والياء لليبس أي فيفوتان به. قال بعضهم:
والفائزون بغلة في خمسة ... لا يطلبون بها على الإطلاق
الرد في عيب وبيع فاسد ... وشفعة فلس مع استحقاق
فالأولان بزهوها فازا بها ... والجذ في فلس ويبس الباقي
ما أنفقوا قد ضاع تحت هلاكها ... وإذا انتفت رجعوا بكالإنفاق
قوله: [بالقبض]: متعلق برضي لا بدخلت بدليل المبالغة في قوله: " وإن لم يقبض " وظاهر قوله: " إن رضي بالقبض " أنه لو وافقه على أن العيب قديم ولم يرض بقبضها أنها لا تدخل في ضمانه لأنه قد يدعي عليه أنه تبرأ له من ذلك العيب.
قوله: [وهو يعلم شخص المبيع]: أشار بهذا إلى أن المراد بالغلط في ذات المبيع جهل اسمه الخاص فالغلط الواقع في الاسم الخاص والتسمية واقعة في الاسم العام
قوله: [بالمعنى المذكور]: أي وهو جهل اسمه الخاص.
قوله: [مع علم الآخر]: أي ما لم يستسلم الجاهل به للعالم وإلا فيثبت للجاهل الرد كما يأتي في الغبن.
قوله: [ومفهوم الشرط]: حاصله أن البائع إذا جهل ذات المبيع فإن سماه باسم عام فلا رد وإن سماه باسم خاص فإذا هو ليس المسمى
стр. 597
(ولا) رد (بغبن) أي بسببه (ولو خالف العادة) أي في القلة أو الكثرة، كأن يشتري ما يساوي درهماً بعشرة وأعكسه [١] (إلا أن يستسلم) أحد المتبايعين صاحبه (بأن يخبره بجهله) كأن يقول المشتري: أنا لا أعلم قيمة هذه السلعة فبعني كما تبيع الناس فقال البائع: هي في العرف بعشرة فإذا هي بأقل، أو يقول البائع: أنا لا أعلم قيمتها فاشتر مني كما تشتري من الناس فقال: هي في عرفهم بعشرة؛ فإذا هي بأكثر، فللمغبون الرد على المعتمد بل باتفاق. وذكر الشيخ فيه التردد معترض بأنه لم يخالف فيه أحد، وإنما الخلاف في الغبن من غير استسلام إذا كان المغبون جاهلاً فإن كان عارفاً فلا قيام له اتفاقاً. فإن استسلم الجاهل فالرد متفق عليه بل حكى ابن رشد عليه الإجماع، فحكاية الشيخ فيه التردد من السهو البين.
ثم انتقل يتكلم على بيان حكم الرد في عهدة الثلاث وعهدة السنة فقال: (وله): أي للمشتري رقيقاً خاصة ذكراً أو أنثى (الرد في عهدة الثلاث): أي ثلاثة الأيام فقط، والعهدة في الأصل: العهد؛ وهو الإلزام والالتزام. وفي العرف: تعلق ضمان المبيع بالبائع في زمن معين، وهي قسمان: عهدة سنة وهي قليلة الضمان طويلة الزمان وستأتي، وعهدة ثلاث أي ثلاثة أيام وهي بالعكس، وهما خاصتان بالرقيق بالشرط أو العادة كما يأتي، فعهدة الثلاث يرد فيها (بكل) عيب (حادث) في دينه كزنا وسرقة أو بدنه كعمى أو وصفه كجنون وصرع وإباق (إلا أن يستثنى عيب معين) كإباق أو سرقة فلا رد به ويرد بما عداه فإن شرط سقوطها فلا رد بشيء حدث أيامها.
(وعلى البائع فيها) أي زمنها (النفقة) على الرقيق
ــ
بذلك الاسم الخاص فله الرد، كما لو سمى الحجر ياقوتة.
قوله: [ولا رد بغبن]: ما لم يكن البائع بالغبن أو المشتري به وكيلاً أو وصياً، وإلا رد ما صدر منهما من بيع أو شراء فإن باع بغبن وفات المبيع رجع الموكل والموصى عليه على المشتري بما وقع فيه الغبن، فإن تعذر الرجوع على المشتري رجع على الوكيل أو الوصي بذلك، ولا يتقيد الغبن بثلث أو غيره بل ما نقص عن القيمة نقصاً بيناً أو زاد عليها زيادة بينة وإن لم يكن الثلث قال ابن عرفة وهو الصواب وهو مقتضى الروايات في المدونة اهـ. (بن).
قوله: [ولو خالف العادة]: أي هذا إذا كان الغبن بما جرت به العادة في مغالبة الناس بل ولو كان بما خالف العادة ورد المصنف بـ"لو" قول ابن القصار إنه: يجب الرد بالغبن إذا كان أكثر من الثلث. وقول المتيطي عن بعض البغداديين:
إن زاد المشتري المبيع على قيمته الثلث فأكثر فسخ البيع وكذا إن باع لنقصان الثلث من قيمته فأعلى إذا كان جاهلاً بما صنع وقام قبل مجاوزة العام، وبهذا أفتى المازري وابن عرفة والبرزلي ومشى عليه ابن عاصم في التحفة حيث قال:
ومن بغبن في مبيع قاما ... فشرطه أن لا يجوز العام
وأن يكون جاهلاً بما صنع ... والغبن للثلث فما زاد وقع
وعند ذا يفسخ بالأحكام ... وليس للعارف من قيام
اهـ. لكن رد ابن رشد هذه الأقوال بقوله: وهو غير صحيح، لقوله ﵊ «لا يبع حاضر لباد دعوا الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض».
قوله: [ثم انتقل يتكلم على بيان] إلخ: لما كانت العهدة على قسمين عامة، وهي عهدة الإسلام من درك المبيع من عيب أو استحقاق وهي متولي العقد، إلا الوكيل فلا عهدة عليه في صورتين وإنما هي على الموكل، وهما: أن يصرح بالوكالة أو يعلم العاقد معه أنه وكيل وهذا في غير المفوض. وأما هو فالعهدة عليه لأنه أحل نفسه محل البائع وكذا المقارض والشريك المفوض في الشركة.
وأما القاضي والوصي ففي المدونة: لا عهدة عليهما فيما وليا بيعه والعهدة في مال اليتامى، فإن هلك مال الأيتام. ثم استحقت السلعة فلا شيء على الأيتام، والقسم الثاني: عهدة الرقيق وهي التي شرع فيها المصنف.
قوله: [وهو الإلزام]: أي إلزام الغير شيئاً كإلزام الحاكم غيره شيئاً.
وقوله: [والالتزام]: أي التزام الشخص لغيره شيئاً. قوله: [وفي العرف تعلق] إلخ: أي والبيع في تلك المدة لازم لا خيار فيه، لكن إن سلم في مدة العهدة علم لزومه المتبايعين وإن أصابه نقص ثبت خيار المبتاع كالعيب القديم.
قوله: [وهي قليلة الضمان]: أي لأن الرد فيها بعيوب ثلاثة فقط.
قوله: [وهي بالعكس]: أي قليلة الزمان كثيرة الضمان لأنه يرد فيها بكل حادث.
قوله: [بالشرط أو العادة]: مثلهما حمل السلطان الناس عليها.
قوله: [فعهدة الثلاث]: تعتبر الثلاثة الأيام بغير يوم البيع إن سبق بالفجر وكذا عهدة السنة وسيأتي ذلك. قوله: [إلا أن يستثنى عيب معين] إلخ: ظاهره كانت مشترطة أو معتادة أو حمل السلطان الناس عليها وخص شمس الدين اللقاني الاستثناء بالمعتادة فقط أما البيع بالبراءة في المشترطة أو المحمول عليها من السلطان فيرد معها بالحادث دون القديم الذي بيع بالبراءة منه. فالأقسام ثلاثة: يرد بالقديم والحادث إن لم يبع البائع ببراءة من القديم وإلا
стр. 598
ومنها ما يقيه الحر والبرد من الثياب.
(وله) أي لبائعه (الأرش) إن جنى عليه جان زمنها (كالموهوب) للرقيق زمنها فهو للبائع (إلا أن يستثني ماله) عند البيع فإن استثناه المشتري كان له ما وهب زمنها.
(و) رد (في عهدة السنة) بثلاثة أدواء خاصة: (بجذام أو برص أو جنون بطبع أو مس جن، لا بكضربة) ومحل العمل بالعهدتين: (إن شرطا) عند البيع (أو اعتيدا) بين الناس أو حمل السلطان الناس عليهما، هذه طريقة المصريين وهي المشهورة. وقال المدنيون: يعمل بهما ولو لم تجر بهما عادة ولا وقع بهما شرط.
(وسقطتا) أي العهدتان فلا رد بما حدث من العيب زمنهما (بكعتق) للرقيق وأدخلت الكاف: الإيلاد والتدبير (وبإسقاطهما) عن البائع: أي بأن يسقط المشتري حقه من القيام بهما فليس له الرد بعد ذلك إذا أعتق أو أسقط (زمنهما) وهو الثلاثة الأيام في الأولى والسنة في الثانية.
(وابتداؤهما أي العهدتين أول النهار) وهو طلوع الفجر (من) اليوم (المستقبل لا من يوم العقد).
ــ
سقط حكمهما مطلقاً إن جرى بها عرف فإن اشترط البيع بها أو حمل السلطان الناس عليه رد بالحادث دون القديم على تقرير الشمس، لا على ما هو ظاهر المصنف وخليل. ويفهم من الأجهوري: أن كلام الشمس هو المعتمد كما أفاده بعض شيوخنا - كذا يؤخذ من الحاشية.
قوله: [ومنها ما يقيه الحر والبرد]: أي لا ما يستر عورته فقط كما قيل. قوله: [فهو للبائع]: أي على المعول عليه؛ لأن الخراج بالضمان. قوله: [إلا أن يستثنى ماله]: أي يشترطه والاستثناء راجع للموهوب له. قوله: [بجذام أو برص]: أي بحدوث جذام وبرص محققين. وفي مشكوكهما قولان، فقيل: إنه كالمحقق وهو لابن القاسم، وقيل: لا يرد به وهو لابن وهب. والأول هو المعتمد.
قوله: [أو جنون]: إنما اختصت عهدة السنة بهذه إلا دواء [١] الثلاثة؛ لأن هذه الأدواء تتقدم أسبابها ويظهر منها ما يظهر في فصل من فصول السنة دون فصل بحسب ما أجرى الله العادة من حصول ذلك الداء في فصل دون فصل.
وقوله: [بطبع]: المراد به فساد الطبيعة كغلبة السوداء. وقوله: [أو مس جن]: أي بأن كان بوسواس ويرد به هنا دون النكاح، بخلاف الجنون الطبيعي فإنه يرد به في البيع والنكاح.
قوله: [لا بكضربة]: اعترض الأجهوري قول خليل: "لا بكضربة" لأن الحق أنه لا فرق بين كون الجنون طبيعياً أو بمس جن أو حدث بكضربة في الرد بكل في عهدة السنة والثلاث، فانظره - كذا في حاشية الأصل.
قوله: [وقال المدنيون يعمل بها]: وفي البيان قول ثالث لابن القاسم في الموازية. لا يحكم بينهم بها وإن اشترطوها.
قوله: [ولا وقع بهما شرط]: أي ولا حمل من السلطان.
قوله: [وسقطتا بكعتق] إلخ: أي فالأصل بقاء العهدتين ولا يسقطهما إلا العتق وما ألحق به، وإسقاطهما من المشتري على البائع إلا في إحدى وعشرين مسألة استثناها المتيطي الأصل فيها عدم العهدة، وقد ذكرها خليل وهي: الرقيق المدفوع صداقاً لأن طريقه المكارمة، والمخالع به لأن طريقه المناجزة، والمصالح به في دم عمد فيه قصاص كان الصلح على إقرار أو إنكار، والمسلم فيه كأن يسلم ديناراً في عبد، والمسلم به كأن يسلم عبداً في بر، والقرض كأن يقترض رقيقاً، والمردود فيه، والمبيع الغائب عن الصفة لعدم المشاحة في المبيع الغائب. والقرض، والمقاطع به المكاتب بأن دفعه المكاتب عما لزمه لتشوف الشارع للحرية، والمبيع على كمفلس لأن بيع الحاكم على البراءة، والمشتري بشرط العتق لتشوف الشارع للحرية وللتساهل في ثمنه، والمأخوذ عن دين على وجه الصلح للتساهل فيه بخلاف المأخوذ على وجه المشاحة والمبايعة ففيه العهدة، والمردود بعيب على بائعه، فلا عهدة للبائع على الراد لأنه حل للبيع لا ابتداء بيع ومثله الإقالة، والموروث إذا خص بعض الورثة رقيقاً من التركة، وكذا ما بيع في الميراث والموهوب للثواب أو لغيره، والأمة التي اشتراها زوجها للمودة السابقة بينهما بخلاف العكس لأن المباعدة حصلت بفسخ النكاح، والموصى ببيعه من زيد والموصى ببيعه ممن أحب الرقيق أن يباع له فأحب شخصاً إذا علم المشتري حال البيع بالوصية فيهما، والموصي بشرائه للعتق بأن يقول: اشتروا سعيداً عبد زيد وأعتقوه عني، والمكاتب به أي وقعت الكتابة عليه ابتداء بأن قال لعبده: كاتبتك على عبد فلان فهو غير المقاطع به، والمبيع فاسداً إذا فسخ البيع ويرد الرقيق لبائعه فلا عهدة له فيه على المشتري لأنه نقض للبيع من أصله. ومحل عدم العهدة في هذه الأشياء: إن اعتيدت، فإن اشترطت عمل بها في غير المأخوذ عن دين فإن شرطها فيه يفسده للدين بالدين، فليحفظ هذا التحرير.
قوله: [وابتداؤهما أي العهدتين أول النهار] إلخ: اعلم أن الحقائق خمسة: عهدة ثلاث، وعهدة سنة، وخيار، ومواضعة، واستبراء؛ فعهدة السنة بعد الخلو مما ذكر إلا الاستبراء المجرد فإنه يدخل فيها لأن الضمان فيهما من المشتري فإذا مضت السنة ولم يأت
стр. 599
ولما أنهى الكلام على ما يرد به المبيع وما لا يرد به، شرع في بيان ما ينتقل به ضمانه للمشتري وما لا ينتقل فقال: (وانتقل الضمان) أي ضمان المبيع من بائعه (إلى المشتري بالعقد الصحيح اللازم) ولو لم يقبضه من البائع، فمتى هلك أو حصل فيه عيب بعد العقد فضمانه من مشتريه وسواء كان عرضاً أو غيره واحترز "بالصحيح" من الفاسد وسيأتي، و"باللازم" من غيره؛ كبيع المحجور وبيع الخيار وتقدم في الخيار أن ضمان المبيع بالخيار من البائع. ثم استثنى من انتقال الضمان للمشتري بالعقد الصحيح مسائل بقوله: (إلا فيما) أي مبيع (فيه حق توفية) لمشتريه وهو المثلي وبينه بقوله: (من مكيل أو موزون أو معدود، فعلى البائع) ضمانه (لقبضه) بالكيل أو الوزن أو العد واستيلاء المشتري عليه.
(ويستمر) ضمان البائع له (بمعياره) من مكيال أو ميزان حتى يفرغ في أواني المشتري، فإذا هلك بيد البائع عند تفريغه فضمانه على البائع. قال ابن رشد: اتفاقاً (ولو تولاه) أي تولى كيله أو وزنه أو عده (المشتري) نيابة عن البائع فلو سقط من الميزان أو من المكيال أو غصب، لكان ضمانه من البائع، بخلاف ما لو كاله البائع أو نائبه وناوله للمشتري فسقط من المشتري، أو هلك فمن المشتري. لأن قبضه قد تم باستيلاء مشتريه عليه وليس نائباً عن البائع في هذه الحالة.
واعلم أن الصور هنا أربع: الأولى: أن يتولى البائع أو نائبه الوزن أو الكيل ثم يأخذ الموزون أو المكيل ليفرغه في ظرف المشتري فيسقط من يده أو يتلف فضمانه من البائع. الثانية: مثلها ولكن الذي تولى تفريغه في الظرف هو المشتري فضمانه من المشتري لأنه حين أخذه من الميزان أو المكيال ليفرغه في ظرفه فقد تولى قبضه فضمانه منه قال ابن رشد: باتفاق فيهما، ونازعه ابن عرفة في الأولى بوجود الخلاف فيها. الثالثة: أن يتولى المشتري الوزن أو الكيل والتفريغ فيسقط من يده، فقال مالك وابن القاسم: مصيبته من البائع؛ لأن المشتري وكيل عن البائع ولم يقبض لنفسه حتى يصل لظرفه. وقال سحنون: من المشتري. الرابعة: ألا يحضر ظرف المشتري وإنما يحمل ذلك في ظرف البائع بعد وزنه أو كيله ليفرغه في ظرفه ببيته مثلاً فيسقط منه أو يتلف، فضمانه من المشتري؛ لأن قبضه بعد الفراغ من وزنه قبض لنفسه في ظرف البائع، ويجوز له بيعه بذلك قبل وصوله لداره، وليس فيه بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنه قد وجد القبض منه. هذا تحرير الفقه قاله بعض المحققين.
(والأجرة): أي أجرة الكيل أو الوزن أو العد (عليه) أي على البائع إذ لا تحصل التوفية إلا به
ــ
ما تستبرأ به فإنها لا ترد على البائع بشيء مما يوجب الرد في السنة. وعهدة الثلاث تكون بعد مضي أيام الخيار لأنها إنما تكون بعد انبرام العقد وتدخل مع المواضعة، وأما الاستبراء المجرد فإن حصل في عهدة الثلاث اعتبر، وإن تأخر عنها فإنها لا تبقى في ضمان البائع إلى وجوده بل بانقضاء العهدة تدخل في ضمان المشتري، وأما الخيار فيدخل فيه المواضعة، وأما الاستبراء المجرد مع الخيار فكالاستبراء مع العهدة، وأما المواضعة والاستبراء المجرد فلا يتصور اجتماعهما، فعلم من هذا أن المواضعة تدخل مع عهدة الثلاث ومع الخيار وأن الاستبراء المجرد يدخل في كل واحد مما عداه غير المواضعة وينتظر مجيئه بعد انقضاء ما عداه.
قوله: [على ما يرد به المبيع]: أي لما فرغ من موجبات الضمان بالخيار الشرطي والحكمين [١] والغلط والغبن على أحد القولين فيهما والعهدة.
قوله: [وتقدم في الخيار أن ضمان المبيع بالخيار من البائع]: أي ما دام يخير المشتري ولم تنقض مدة الخيار وهو بيده.
قوله: [فإذا هلك في يد البائع عند تفريغه]: وأما إن كان التفريغ من المشتري فالضمان منه وحينئذ فالمراد بقبض المشتري له ما يشمل تسلمه له وتفريغه في أوعيته لا خصوص التفريغ في أوعيته المقتضي أنه إذا تلف في حال التفريغ يكون الضمان من البائع مطلقاً. قوله: [ونازعه ابن عرفة في الأولى] إلخ: أي قال كونه باتفاق خلاف محصل قول المازري إنه من بائعه أو مبتاعه.
قوله: [وقال سحنون من المشتري]: أي لأنه قابض لنفسه ولم يجر هذا الخلاف في الثانية لأن البائع لما تولى بنفسه الوزن دل على أن قبض المشتري منه قبض لنفسه.
قوله: [ألا يحضر ظرف المشتري]: أي ويريد المشتري حمل الموزون أو المكيل مثلاً أو المعدود في ظرف البائع ميزاناً أو جلوداً أو أزياراً.
وقوله: [فضمانه من المشتري]: أي بمجرد الفراغ من الوزن أو الكيل أو العد ولو كان الحامل لها لبيت المشتري البائع بطريق الوكالة ولو سمناً في فوارغة قبل وزنها فالفارغة على ربها كما يؤخذ من الـ (مج).
وقوله: [ويجوز له بيعه بذلك قبل وصوله لداره]: أي لأنه قد وجد منه القبض حقيقة. قوله: [قاله بعض المحققين]: المراد به (بن).
قوله: [والأجرة عليه]: وانظر لو تولى المشتري الكيل أو الوزن أو العد بنفسه هل له طلب البائع بأجرة ذلك أم لا، والظاهر كما قاله في الحاشية: أن له الأجرة إذا كان شأنه ذلك أو سأله الآخر، وكما أن أجرة ما ذكر
стр. 600
(بخلاف القرض، فعلى المقترض) أجرة ما ذكر؛ لأن المقرض صنع معروفاً فلا يكلف الأجرة، وكذا على المقترض في رد القرض والأجرة بلا شبهة.
(وإلا) السلعة (المحبوسة) أي التي حبسها بائعها ولم يسلمها للمشتري (للثمن): أي لأجل قبض الثمن من المشتري (أو) إلا المبيع (الغائب) على الصفة أو رؤية متقدمة (فبالقبض) يدخل في ضمان المشتري، وقبله ضمانهما على البائع، ومثل المحبوسة للثمن: المحبوسة للإشهاد على البيع، إذ لا فرق بينهما على التحقيق. وقال ابن القاسم: هما كالرهن، وشهر، وعليه مشى الشيخ ورجح بعضهم ما ذكرناه. والمراد بالغائب: غير العقار كما تقدم.
(كالفاسد) فإن كل مبيع بيعاً فاسداً من عقار أو غيره لا يدخل في ضمان المشتري إلا بالقبض. (وإلا المواضعة، فبرؤية الدم) تدخل في ضمان المشتري بمجرد رؤيته لا بخروجها من الحيضة خلافاً لظاهر عبارته.
(وإلا الثمار) المباعة بعد بدو صلاحها (فلأمن الجائحة) حتى تدخل في ضمان المشتري. والأمن يكون بتمام طيبها كما يأتي والمراد: أن ضمانها من البائع قبل أمنها من الجوائح بالنسبة للجوائح فقط، وأما الغصب ونحوه فمن المبتاع بمجرد العقد الصحيح.
(وإلا عهدة الثلاث فبانتهائها): يدخل الرقيق في ضمان المشتري.
ولما كان قبض المبيع الذي يحصل به ضمان المشتري مختلفاً باختلاف المبيع نبه عليه بقوله: (والقبض) الذي يكون به ضمان المشتري (في ذي التوفية: باستيفاء ما كيل أو عد أو وزن منه): أي من ذي التوفية، وقد تقدم بيان الاستيفاء قريباً.
(و) القبض (في العقار) وهو الأرض وما اتصل بها من بناء أو شجر (بالتخلية) بينه وبين المشتري، وتمكينه من التصرف به، وإن لم يخل البائع متاعه منه إن لم تكن دار سكناه.
(وفي دار السكنى بالإخلاء) لمتاعه منها ولا يكفي مجرد التخلية.
(و) القبض (في غيره): أي غير العقار من حيوان وعرض يكون (بالعرف) كتسليم الثوب وزمام الدابة أو سوقها أو عزلها عن دواب البائع أو انصراف البائع عنها.
(وتلف المبيع) المعين بيعاً صحيحاً (وقت ضمان البائع) له لكونه فيه حق توفية أو كان غائباً أو ثماراً قبل أمنه الجائحة أو فيه عهدة ثلاث أو مواضعة (بسماوي) أي بأمر من الله تعالى لا بجناية أحد عليه
ــ
على البائع أجرة كيل الثمن أو وزنه أو عده أو نقده على المشتري. قوله: [بخلاف القرض]: أي ومثله الإقالة والتولية والشركة، فليست على
المطلوبة منه لأنها فعل معروف وإنما هي على الطالب على الأرجح.
قوله: [وقال ابن القاسم هما كالركن [١]]: فعلى قول ابن القاسم لا يحسن الاستثناء في الصورتين لأن كونهما كالرهن لا يخرجهما عن ضمان المشتري إذ البائع إذا ضمنه إنما يضمنه ضمان تهمة فقط، وهذا لا ينافي أن ضمان الأصالة على المشتري. ألا ترى أن الضمان ينتفي عن البائع بالبينة؟
قوله: [ورجح بعضهم ما ذكرناه]: المراد به (ر). قوله: [فبرؤية الدم]: أي فدخولها في ضمان المشتري بمجرد رؤيته سواء قبضها أم لا وهذا في البيع الصحيح، وأما في الفاسد فلا تدخل في ضمان المشتري إلا إذا رأت الدم وقبضها لما تقدم أن الفاسد لا ينتقل ضمانه إلا بالقبض.
قوله: [المباعة]: أي بيعاً صحيحاً وأما المباعة بيعاً فاسداً فإن اشتريت بعد طيبها فضمانها من المشتري بمجرد العقد؛ لأنه لما كان متمكناً من أخذها كان بمنزلة القبض. ويلغز بها فيقال لنا: فاسد يضمن بالعقد، وإن اشتريت قبل طيبها فضمانها من البائع حتى يجذها المشتري - كذا في الأجهوري وتبعه (عب) والخرشي
وكتب عليه الشيخ أحمد النفراوي: لي فيه وقفة مع ما سبق من أن الفاسد لا بد فيه من القبض بالفعل ولا يكفي فيه التمكن فلينظر - كذا في حاشية الأصل.
قوله: [بتمام طيبها]: أي فمتى تم طيبها سواء جذها المشتري بعد ذلك أم لا انتقلت من ضمان البائع حتى في الجوائح. قوله: [وأما الغصب ونحوه]: أي كالسارق فلا يضمن فعلهما بناء على الراجح من أنهما ليسا بجائحة كما يأتي.
قوله: [بالتخلية]: أي بأن يسلم له المفاتيح إن كان له مفاتيح فإن لم يكن له مفاتيح كفى تمكينه من التصرف، وانظر لو مكنه من التصرف ومنعه من المفاتيح كما لو فتح له الدار وأخذ المفاتيح معه، هل يكون ذلك قبضاً أو لا؟ وهو ظاهر كلام بهرام.
قوله: [ولا يكفي مجرد التخلية]: أي بأن يسلم له المفاتيح والحال أن فيها أمتعة البائع، واعترض بأن بيان كيفية القبض لا فائدة له هنا لأن البيع صحيح وهو يدخل في ضمان المشتري بالعقد وإنما فائدته في الفاسد وفي كل ما يحتاج لحوز كالوقف والهبة والرهن فلو أتى المصنف بهذا عند ذكره ضمان البياعات الفاسدة لكان أولى. وحاصل الجواب: أنا لا نسلم أن بيان كيفية القبض لا تظهر فائدتها إلا في البيع الفاسد والوقف والهبة والرهن بل تظهر في بعض أفراد البيع الصحيح كالعقار إذا بيع مزارعة والغائب إذا بيع على الصفة أو على رؤية سابقة.
تنبيه: لو قال كل من المتبايعين لصاحبه: لا أدفع لك ما بيدي حتى تدفع لي ما بيدك بدئ المشتري بدفع الثمن النقد جبراً إذا كان المبيع عرضاً أو مثلياً لأنه في يد بائعه كالرهن على الثمن؛