ومحل رد الصوف إن لم يحصل بعد جز مثله عند المشتري وإلا فلا لجبره بما حصل.
ثم شبه في كون الغلة للمشتري إذا رد العيب لا للبائع أربع مسائل بقوله: (كشفعة): فإن الغلة فيها للمشتري لا لمن أخذ منه الشقص بالشفعة (واستحقاق) فالغلة لمن استحقت من يده مشترياً أو غيره لا لمن استحقها.
(وتفليس) فالغلة للمشتري المفلس لا لبائعها الذي أخذها منه بالتفليس. (وفساد) لبيع فالغلة للمشتري لا للبائع الذي ردت له بالفساد ومن الغلة الثمرة غير المؤبرة وقت الشراء، لكن لا يفوز بها المشتري إلا إذا جذت في المسائل الخمس، وإلا فهي له في الشفعة والاستحقاق إن يبست على أصلها، وإلا كانت للشفيع والمستحق ولو زهت. وفي الفساد والعيب إن زهت، وإلا أخذها البائع فيهما كما يأخذها في الفلس مطلقاً ما لم تجذ وهذا معنى قولهم هنا ردت في الشفعة والاستحقاق ما لم تيبس وفي البيع الفاسد والعيب ما لم تزه وفي الفلس ما لم تجذ.
(ودخلت) السلعة المردودة بالعيب (في ضمان البائع إن رضي بالقبض) من غير حكم حاكم (وإن لم يقبض) بالفعل (أو ثبت) العيب (عند حاكم) بإقرار بائعها أو بالبينة (وإن لم يحكم) فإن هلكت بعد ذلك فضمانها منه.
(ولا رد بغلط) بل البيع لازم (إن سمي باسم عام) كحجر أو هذا الفص أو هذا الشيء مع الجهل بحقيقته الخاصة، وهو يعلم شخص المبيع؛ كأن يبيع هذا الحجر بدرهم فإذا هو ياقوتة تساوي ألفاً، ولا فرق في حصول الغلط بالمعنى المذكور من المتبايعين أو من أحدهما مع علم الآخر، ومحله: إذا كان البائع غير وكيل، وإلا فلموكله الرد قطعاً. ومفهوم الشرط: أنه لو سماه بغير اسمه كهذه الزجاجة فإذا هي زبرجدة أو بالعكس لثبت الرد قطعاً.
ــ
إن قلت: لم فرق بين الثمرة والصوف عند انتفاء علم المكيلة والوزن؟ أجيب: بأنه لو رد الأصول بحصتها من الثمن مثل الغنم لزم بيع الثمرة مفردة قبل بدو صلاحها - وهو لا يجوز إلا بشروط تأتي - وهي منتفية هنا وأخذ القيمة ليس بيعاً بخلاف رد الغنم بحصتها من الثمن، فإنه لا محذور فيه لأن الصوف سلعة مستقلة يجوز شراؤه منفرداً عن الغنم.
قوله: [ومحل رد الصوف]: أي وأما الثمرة المؤبرة فهل كذلك قياساً على الصوف وهو الظاهر أو ترد مطلقاً ولو لم ترد أصولها حتى ظهر فيها أخرى وهو ظاهر المصنف.
قوله: [كشفعة] إلخ: حاصله أن مثل الرد بالعيب القديم الأخذ بالشفعة والاستحقاق والرد بالفلس والفساد في أن المشتري يفوز بالغلة ولا ترد للبائع. فمن أخذ منه الشقص بالشفعة يفوز بالغلة ولا ترد للآخذ بها وكذلك المستحق منه يفوز بها ولا ترد للمستحق، وكذلك من أخذ منه المبيع لتفليسه وعجزه عن ثمنه أو لفساد بيعه فلا ترد للبائع فيهما. وهذا إذا كانت الغلة غير ثمرة أو ثمرة غير مؤبرة يوم الشراء أو يوم الاستحقاق وفارقت الأصول بالجذ.
قوله: [لا لمن أخذ منه الشقص] إلخ: بالبناء للفاعل والضمير في منه يعود على المشتري تأمل.
قوله: [غير المؤبرة]: أي لأن المأبورة حين الشراء أو حين الاستحقاق ليست غلة، فترد للبائع في الفلس والفساد مطلقاً ولو أزهت أو يبست أو جذت. وفي الشفعة والاستحقاق يأخذها الشفيع والمستحق مطلقاً.
قوله: [ولو زهت]: أي ولو صارت رطباً.
قوله: [وهذا معنى قولهم هنا] إلخ: وإلى هذا أشار ابن غازي بقوله:
والجذ في الثمار فيما انتقيا ... يضبطه تجذ عفزا شسيا
فالتاء للتفليس، والجيم مع الذال للجذاذ أي تفوت الثمار على البائع في الفلس بالجذاذ، والعين والفاء للعيب والفساد، والزاي للزهو أي فيفوتان به، والشين المعجمة للشفعة، والسين المهملة للاستحقاق، والياء لليبس أي فيفوتان به. قال بعضهم:
والفائزون بغلة في خمسة ... لا يطلبون بها على الإطلاق
الرد في عيب وبيع فاسد ... وشفعة فلس مع استحقاق
فالأولان بزهوها فازا بها ... والجذ في فلس ويبس الباقي
ما أنفقوا قد ضاع تحت هلاكها ... وإذا انتفت رجعوا بكالإنفاق
قوله: [بالقبض]: متعلق برضي لا بدخلت بدليل المبالغة في قوله: " وإن لم يقبض " وظاهر قوله: " إن رضي بالقبض " أنه لو وافقه على أن العيب قديم ولم يرض بقبضها أنها لا تدخل في ضمانه لأنه قد يدعي عليه أنه تبرأ له من ذلك العيب.
قوله: [وهو يعلم شخص المبيع]: أشار بهذا إلى أن المراد بالغلط في ذات المبيع جهل اسمه الخاص فالغلط الواقع في الاسم الخاص والتسمية واقعة في الاسم العام
قوله: [بالمعنى المذكور]: أي وهو جهل اسمه الخاص.
قوله: [مع علم الآخر]: أي ما لم يستسلم الجاهل به للعالم وإلا فيثبت للجاهل الرد كما يأتي في الغبن.
قوله: [ومفهوم الشرط]: حاصله أن البائع إذا جهل ذات المبيع فإن سماه باسم عام فلا رد وإن سماه باسم خاص فإذا هو ليس المسمى
стр. 597
(ولا) رد (بغبن) أي بسببه (ولو خالف العادة) أي في القلة أو الكثرة، كأن يشتري ما يساوي درهماً بعشرة وأعكسه [١] (إلا أن يستسلم) أحد المتبايعين صاحبه (بأن يخبره بجهله) كأن يقول المشتري: أنا لا أعلم قيمة هذه السلعة فبعني كما تبيع الناس فقال البائع: هي في العرف بعشرة فإذا هي بأقل، أو يقول البائع: أنا لا أعلم قيمتها فاشتر مني كما تشتري من الناس فقال: هي في عرفهم بعشرة؛ فإذا هي بأكثر، فللمغبون الرد على المعتمد بل باتفاق. وذكر الشيخ فيه التردد معترض بأنه لم يخالف فيه أحد، وإنما الخلاف في الغبن من غير استسلام إذا كان المغبون جاهلاً فإن كان عارفاً فلا قيام له اتفاقاً. فإن استسلم الجاهل فالرد متفق عليه بل حكى ابن رشد عليه الإجماع، فحكاية الشيخ فيه التردد من السهو البين.
ثم انتقل يتكلم على بيان حكم الرد في عهدة الثلاث وعهدة السنة فقال: (وله): أي للمشتري رقيقاً خاصة ذكراً أو أنثى (الرد في عهدة الثلاث): أي ثلاثة الأيام فقط، والعهدة في الأصل: العهد؛ وهو الإلزام والالتزام. وفي العرف: تعلق ضمان المبيع بالبائع في زمن معين، وهي قسمان: عهدة سنة وهي قليلة الضمان طويلة الزمان وستأتي، وعهدة ثلاث أي ثلاثة أيام وهي بالعكس، وهما خاصتان بالرقيق بالشرط أو العادة كما يأتي، فعهدة الثلاث يرد فيها (بكل) عيب (حادث) في دينه كزنا وسرقة أو بدنه كعمى أو وصفه كجنون وصرع وإباق (إلا أن يستثنى عيب معين) كإباق أو سرقة فلا رد به ويرد بما عداه فإن شرط سقوطها فلا رد بشيء حدث أيامها.
(وعلى البائع فيها) أي زمنها (النفقة) على الرقيق
ــ
بذلك الاسم الخاص فله الرد، كما لو سمى الحجر ياقوتة.
قوله: [ولا رد بغبن]: ما لم يكن البائع بالغبن أو المشتري به وكيلاً أو وصياً، وإلا رد ما صدر منهما من بيع أو شراء فإن باع بغبن وفات المبيع رجع الموكل والموصى عليه على المشتري بما وقع فيه الغبن، فإن تعذر الرجوع على المشتري رجع على الوكيل أو الوصي بذلك، ولا يتقيد الغبن بثلث أو غيره بل ما نقص عن القيمة نقصاً بيناً أو زاد عليها زيادة بينة وإن لم يكن الثلث قال ابن عرفة وهو الصواب وهو مقتضى الروايات في المدونة اهـ. (بن).
قوله: [ولو خالف العادة]: أي هذا إذا كان الغبن بما جرت به العادة في مغالبة الناس بل ولو كان بما خالف العادة ورد المصنف بـ"لو" قول ابن القصار إنه: يجب الرد بالغبن إذا كان أكثر من الثلث. وقول المتيطي عن بعض البغداديين:
إن زاد المشتري المبيع على قيمته الثلث فأكثر فسخ البيع وكذا إن باع لنقصان الثلث من قيمته فأعلى إذا كان جاهلاً بما صنع وقام قبل مجاوزة العام، وبهذا أفتى المازري وابن عرفة والبرزلي ومشى عليه ابن عاصم في التحفة حيث قال:
ومن بغبن في مبيع قاما ... فشرطه أن لا يجوز العام
وأن يكون جاهلاً بما صنع ... والغبن للثلث فما زاد وقع
وعند ذا يفسخ بالأحكام ... وليس للعارف من قيام
اهـ. لكن رد ابن رشد هذه الأقوال بقوله: وهو غير صحيح، لقوله ﵊ «لا يبع حاضر لباد دعوا الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض».
قوله: [ثم انتقل يتكلم على بيان] إلخ: لما كانت العهدة على قسمين عامة، وهي عهدة الإسلام من درك المبيع من عيب أو استحقاق وهي متولي العقد، إلا الوكيل فلا عهدة عليه في صورتين وإنما هي على الموكل، وهما: أن يصرح بالوكالة أو يعلم العاقد معه أنه وكيل وهذا في غير المفوض. وأما هو فالعهدة عليه لأنه أحل نفسه محل البائع وكذا المقارض والشريك المفوض في الشركة.
وأما القاضي والوصي ففي المدونة: لا عهدة عليهما فيما وليا بيعه والعهدة في مال اليتامى، فإن هلك مال الأيتام. ثم استحقت السلعة فلا شيء على الأيتام، والقسم الثاني: عهدة الرقيق وهي التي شرع فيها المصنف.
قوله: [وهو الإلزام]: أي إلزام الغير شيئاً كإلزام الحاكم غيره شيئاً.
وقوله: [والالتزام]: أي التزام الشخص لغيره شيئاً. قوله: [وفي العرف تعلق] إلخ: أي والبيع في تلك المدة لازم لا خيار فيه، لكن إن سلم في مدة العهدة علم لزومه المتبايعين وإن أصابه نقص ثبت خيار المبتاع كالعيب القديم.
قوله: [وهي قليلة الضمان]: أي لأن الرد فيها بعيوب ثلاثة فقط.
قوله: [وهي بالعكس]: أي قليلة الزمان كثيرة الضمان لأنه يرد فيها بكل حادث.
قوله: [بالشرط أو العادة]: مثلهما حمل السلطان الناس عليها.
قوله: [فعهدة الثلاث]: تعتبر الثلاثة الأيام بغير يوم البيع إن سبق بالفجر وكذا عهدة السنة وسيأتي ذلك. قوله: [إلا أن يستثنى عيب معين] إلخ: ظاهره كانت مشترطة أو معتادة أو حمل السلطان الناس عليها وخص شمس الدين اللقاني الاستثناء بالمعتادة فقط أما البيع بالبراءة في المشترطة أو المحمول عليها من السلطان فيرد معها بالحادث دون القديم الذي بيع بالبراءة منه. فالأقسام ثلاثة: يرد بالقديم والحادث إن لم يبع البائع ببراءة من القديم وإلا
стр. 598
ومنها ما يقيه الحر والبرد من الثياب.
(وله) أي لبائعه (الأرش) إن جنى عليه جان زمنها (كالموهوب) للرقيق زمنها فهو للبائع (إلا أن يستثني ماله) عند البيع فإن استثناه المشتري كان له ما وهب زمنها.
(و) رد (في عهدة السنة) بثلاثة أدواء خاصة: (بجذام أو برص أو جنون بطبع أو مس جن، لا بكضربة) ومحل العمل بالعهدتين: (إن شرطا) عند البيع (أو اعتيدا) بين الناس أو حمل السلطان الناس عليهما، هذه طريقة المصريين وهي المشهورة. وقال المدنيون: يعمل بهما ولو لم تجر بهما عادة ولا وقع بهما شرط.
(وسقطتا) أي العهدتان فلا رد بما حدث من العيب زمنهما (بكعتق) للرقيق وأدخلت الكاف: الإيلاد والتدبير (وبإسقاطهما) عن البائع: أي بأن يسقط المشتري حقه من القيام بهما فليس له الرد بعد ذلك إذا أعتق أو أسقط (زمنهما) وهو الثلاثة الأيام في الأولى والسنة في الثانية.
(وابتداؤهما أي العهدتين أول النهار) وهو طلوع الفجر (من) اليوم (المستقبل لا من يوم العقد).
ــ
سقط حكمهما مطلقاً إن جرى بها عرف فإن اشترط البيع بها أو حمل السلطان الناس عليه رد بالحادث دون القديم على تقرير الشمس، لا على ما هو ظاهر المصنف وخليل. ويفهم من الأجهوري: أن كلام الشمس هو المعتمد كما أفاده بعض شيوخنا - كذا يؤخذ من الحاشية.
قوله: [ومنها ما يقيه الحر والبرد]: أي لا ما يستر عورته فقط كما قيل. قوله: [فهو للبائع]: أي على المعول عليه؛ لأن الخراج بالضمان. قوله: [إلا أن يستثنى ماله]: أي يشترطه والاستثناء راجع للموهوب له. قوله: [بجذام أو برص]: أي بحدوث جذام وبرص محققين. وفي مشكوكهما قولان، فقيل: إنه كالمحقق وهو لابن القاسم، وقيل: لا يرد به وهو لابن وهب. والأول هو المعتمد.
قوله: [أو جنون]: إنما اختصت عهدة السنة بهذه إلا دواء [١] الثلاثة؛ لأن هذه الأدواء تتقدم أسبابها ويظهر منها ما يظهر في فصل من فصول السنة دون فصل بحسب ما أجرى الله العادة من حصول ذلك الداء في فصل دون فصل.
وقوله: [بطبع]: المراد به فساد الطبيعة كغلبة السوداء. وقوله: [أو مس جن]: أي بأن كان بوسواس ويرد به هنا دون النكاح، بخلاف الجنون الطبيعي فإنه يرد به في البيع والنكاح.
قوله: [لا بكضربة]: اعترض الأجهوري قول خليل: "لا بكضربة" لأن الحق أنه لا فرق بين كون الجنون طبيعياً أو بمس جن أو حدث بكضربة في الرد بكل في عهدة السنة والثلاث، فانظره - كذا في حاشية الأصل.
قوله: [وقال المدنيون يعمل بها]: وفي البيان قول ثالث لابن القاسم في الموازية. لا يحكم بينهم بها وإن اشترطوها.
قوله: [ولا وقع بهما شرط]: أي ولا حمل من السلطان.
قوله: [وسقطتا بكعتق] إلخ: أي فالأصل بقاء العهدتين ولا يسقطهما إلا العتق وما ألحق به، وإسقاطهما من المشتري على البائع إلا في إحدى وعشرين مسألة استثناها المتيطي الأصل فيها عدم العهدة، وقد ذكرها خليل وهي: الرقيق المدفوع صداقاً لأن طريقه المكارمة، والمخالع به لأن طريقه المناجزة، والمصالح به في دم عمد فيه قصاص كان الصلح على إقرار أو إنكار، والمسلم فيه كأن يسلم ديناراً في عبد، والمسلم به كأن يسلم عبداً في بر، والقرض كأن يقترض رقيقاً، والمردود فيه، والمبيع الغائب عن الصفة لعدم المشاحة في المبيع الغائب. والقرض، والمقاطع به المكاتب بأن دفعه المكاتب عما لزمه لتشوف الشارع للحرية، والمبيع على كمفلس لأن بيع الحاكم على البراءة، والمشتري بشرط العتق لتشوف الشارع للحرية وللتساهل في ثمنه، والمأخوذ عن دين على وجه الصلح للتساهل فيه بخلاف المأخوذ على وجه المشاحة والمبايعة ففيه العهدة، والمردود بعيب على بائعه، فلا عهدة للبائع على الراد لأنه حل للبيع لا ابتداء بيع ومثله الإقالة، والموروث إذا خص بعض الورثة رقيقاً من التركة، وكذا ما بيع في الميراث والموهوب للثواب أو لغيره، والأمة التي اشتراها زوجها للمودة السابقة بينهما بخلاف العكس لأن المباعدة حصلت بفسخ النكاح، والموصى ببيعه من زيد والموصى ببيعه ممن أحب الرقيق أن يباع له فأحب شخصاً إذا علم المشتري حال البيع بالوصية فيهما، والموصي بشرائه للعتق بأن يقول: اشتروا سعيداً عبد زيد وأعتقوه عني، والمكاتب به أي وقعت الكتابة عليه ابتداء بأن قال لعبده: كاتبتك على عبد فلان فهو غير المقاطع به، والمبيع فاسداً إذا فسخ البيع ويرد الرقيق لبائعه فلا عهدة له فيه على المشتري لأنه نقض للبيع من أصله. ومحل عدم العهدة في هذه الأشياء: إن اعتيدت، فإن اشترطت عمل بها في غير المأخوذ عن دين فإن شرطها فيه يفسده للدين بالدين، فليحفظ هذا التحرير.
قوله: [وابتداؤهما أي العهدتين أول النهار] إلخ: اعلم أن الحقائق خمسة: عهدة ثلاث، وعهدة سنة، وخيار، ومواضعة، واستبراء؛ فعهدة السنة بعد الخلو مما ذكر إلا الاستبراء المجرد فإنه يدخل فيها لأن الضمان فيهما من المشتري فإذا مضت السنة ولم يأت
стр. 599
ولما أنهى الكلام على ما يرد به المبيع وما لا يرد به، شرع في بيان ما ينتقل به ضمانه للمشتري وما لا ينتقل فقال: (وانتقل الضمان) أي ضمان المبيع من بائعه (إلى المشتري بالعقد الصحيح اللازم) ولو لم يقبضه من البائع، فمتى هلك أو حصل فيه عيب بعد العقد فضمانه من مشتريه وسواء كان عرضاً أو غيره واحترز "بالصحيح" من الفاسد وسيأتي، و"باللازم" من غيره؛ كبيع المحجور وبيع الخيار وتقدم في الخيار أن ضمان المبيع بالخيار من البائع. ثم استثنى من انتقال الضمان للمشتري بالعقد الصحيح مسائل بقوله: (إلا فيما) أي مبيع (فيه حق توفية) لمشتريه وهو المثلي وبينه بقوله: (من مكيل أو موزون أو معدود، فعلى البائع) ضمانه (لقبضه) بالكيل أو الوزن أو العد واستيلاء المشتري عليه.
(ويستمر) ضمان البائع له (بمعياره) من مكيال أو ميزان حتى يفرغ في أواني المشتري، فإذا هلك بيد البائع عند تفريغه فضمانه على البائع. قال ابن رشد: اتفاقاً (ولو تولاه) أي تولى كيله أو وزنه أو عده (المشتري) نيابة عن البائع فلو سقط من الميزان أو من المكيال أو غصب، لكان ضمانه من البائع، بخلاف ما لو كاله البائع أو نائبه وناوله للمشتري فسقط من المشتري، أو هلك فمن المشتري. لأن قبضه قد تم باستيلاء مشتريه عليه وليس نائباً عن البائع في هذه الحالة.
واعلم أن الصور هنا أربع: الأولى: أن يتولى البائع أو نائبه الوزن أو الكيل ثم يأخذ الموزون أو المكيل ليفرغه في ظرف المشتري فيسقط من يده أو يتلف فضمانه من البائع. الثانية: مثلها ولكن الذي تولى تفريغه في الظرف هو المشتري فضمانه من المشتري لأنه حين أخذه من الميزان أو المكيال ليفرغه في ظرفه فقد تولى قبضه فضمانه منه قال ابن رشد: باتفاق فيهما، ونازعه ابن عرفة في الأولى بوجود الخلاف فيها. الثالثة: أن يتولى المشتري الوزن أو الكيل والتفريغ فيسقط من يده، فقال مالك وابن القاسم: مصيبته من البائع؛ لأن المشتري وكيل عن البائع ولم يقبض لنفسه حتى يصل لظرفه. وقال سحنون: من المشتري. الرابعة: ألا يحضر ظرف المشتري وإنما يحمل ذلك في ظرف البائع بعد وزنه أو كيله ليفرغه في ظرفه ببيته مثلاً فيسقط منه أو يتلف، فضمانه من المشتري؛ لأن قبضه بعد الفراغ من وزنه قبض لنفسه في ظرف البائع، ويجوز له بيعه بذلك قبل وصوله لداره، وليس فيه بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنه قد وجد القبض منه. هذا تحرير الفقه قاله بعض المحققين.
(والأجرة): أي أجرة الكيل أو الوزن أو العد (عليه) أي على البائع إذ لا تحصل التوفية إلا به
ــ
ما تستبرأ به فإنها لا ترد على البائع بشيء مما يوجب الرد في السنة. وعهدة الثلاث تكون بعد مضي أيام الخيار لأنها إنما تكون بعد انبرام العقد وتدخل مع المواضعة، وأما الاستبراء المجرد فإن حصل في عهدة الثلاث اعتبر، وإن تأخر عنها فإنها لا تبقى في ضمان البائع إلى وجوده بل بانقضاء العهدة تدخل في ضمان المشتري، وأما الخيار فيدخل فيه المواضعة، وأما الاستبراء المجرد مع الخيار فكالاستبراء مع العهدة، وأما المواضعة والاستبراء المجرد فلا يتصور اجتماعهما، فعلم من هذا أن المواضعة تدخل مع عهدة الثلاث ومع الخيار وأن الاستبراء المجرد يدخل في كل واحد مما عداه غير المواضعة وينتظر مجيئه بعد انقضاء ما عداه.
قوله: [على ما يرد به المبيع]: أي لما فرغ من موجبات الضمان بالخيار الشرطي والحكمين [١] والغلط والغبن على أحد القولين فيهما والعهدة.
قوله: [وتقدم في الخيار أن ضمان المبيع بالخيار من البائع]: أي ما دام يخير المشتري ولم تنقض مدة الخيار وهو بيده.
قوله: [فإذا هلك في يد البائع عند تفريغه]: وأما إن كان التفريغ من المشتري فالضمان منه وحينئذ فالمراد بقبض المشتري له ما يشمل تسلمه له وتفريغه في أوعيته لا خصوص التفريغ في أوعيته المقتضي أنه إذا تلف في حال التفريغ يكون الضمان من البائع مطلقاً. قوله: [ونازعه ابن عرفة في الأولى] إلخ: أي قال كونه باتفاق خلاف محصل قول المازري إنه من بائعه أو مبتاعه.
قوله: [وقال سحنون من المشتري]: أي لأنه قابض لنفسه ولم يجر هذا الخلاف في الثانية لأن البائع لما تولى بنفسه الوزن دل على أن قبض المشتري منه قبض لنفسه.
قوله: [ألا يحضر ظرف المشتري]: أي ويريد المشتري حمل الموزون أو المكيل مثلاً أو المعدود في ظرف البائع ميزاناً أو جلوداً أو أزياراً.
وقوله: [فضمانه من المشتري]: أي بمجرد الفراغ من الوزن أو الكيل أو العد ولو كان الحامل لها لبيت المشتري البائع بطريق الوكالة ولو سمناً في فوارغة قبل وزنها فالفارغة على ربها كما يؤخذ من الـ (مج).
وقوله: [ويجوز له بيعه بذلك قبل وصوله لداره]: أي لأنه قد وجد منه القبض حقيقة. قوله: [قاله بعض المحققين]: المراد به (بن).
قوله: [والأجرة عليه]: وانظر لو تولى المشتري الكيل أو الوزن أو العد بنفسه هل له طلب البائع بأجرة ذلك أم لا، والظاهر كما قاله في الحاشية: أن له الأجرة إذا كان شأنه ذلك أو سأله الآخر، وكما أن أجرة ما ذكر
стр. 600
(بخلاف القرض، فعلى المقترض) أجرة ما ذكر؛ لأن المقرض صنع معروفاً فلا يكلف الأجرة، وكذا على المقترض في رد القرض والأجرة بلا شبهة.
(وإلا) السلعة (المحبوسة) أي التي حبسها بائعها ولم يسلمها للمشتري (للثمن): أي لأجل قبض الثمن من المشتري (أو) إلا المبيع (الغائب) على الصفة أو رؤية متقدمة (فبالقبض) يدخل في ضمان المشتري، وقبله ضمانهما على البائع، ومثل المحبوسة للثمن: المحبوسة للإشهاد على البيع، إذ لا فرق بينهما على التحقيق. وقال ابن القاسم: هما كالرهن، وشهر، وعليه مشى الشيخ ورجح بعضهم ما ذكرناه. والمراد بالغائب: غير العقار كما تقدم.
(كالفاسد) فإن كل مبيع بيعاً فاسداً من عقار أو غيره لا يدخل في ضمان المشتري إلا بالقبض. (وإلا المواضعة، فبرؤية الدم) تدخل في ضمان المشتري بمجرد رؤيته لا بخروجها من الحيضة خلافاً لظاهر عبارته.
(وإلا الثمار) المباعة بعد بدو صلاحها (فلأمن الجائحة) حتى تدخل في ضمان المشتري. والأمن يكون بتمام طيبها كما يأتي والمراد: أن ضمانها من البائع قبل أمنها من الجوائح بالنسبة للجوائح فقط، وأما الغصب ونحوه فمن المبتاع بمجرد العقد الصحيح.
(وإلا عهدة الثلاث فبانتهائها): يدخل الرقيق في ضمان المشتري.
ولما كان قبض المبيع الذي يحصل به ضمان المشتري مختلفاً باختلاف المبيع نبه عليه بقوله: (والقبض) الذي يكون به ضمان المشتري (في ذي التوفية: باستيفاء ما كيل أو عد أو وزن منه): أي من ذي التوفية، وقد تقدم بيان الاستيفاء قريباً.
(و) القبض (في العقار) وهو الأرض وما اتصل بها من بناء أو شجر (بالتخلية) بينه وبين المشتري، وتمكينه من التصرف به، وإن لم يخل البائع متاعه منه إن لم تكن دار سكناه.
(وفي دار السكنى بالإخلاء) لمتاعه منها ولا يكفي مجرد التخلية.
(و) القبض (في غيره): أي غير العقار من حيوان وعرض يكون (بالعرف) كتسليم الثوب وزمام الدابة أو سوقها أو عزلها عن دواب البائع أو انصراف البائع عنها.
(وتلف المبيع) المعين بيعاً صحيحاً (وقت ضمان البائع) له لكونه فيه حق توفية أو كان غائباً أو ثماراً قبل أمنه الجائحة أو فيه عهدة ثلاث أو مواضعة (بسماوي) أي بأمر من الله تعالى لا بجناية أحد عليه
ــ
على البائع أجرة كيل الثمن أو وزنه أو عده أو نقده على المشتري. قوله: [بخلاف القرض]: أي ومثله الإقالة والتولية والشركة، فليست على
المطلوبة منه لأنها فعل معروف وإنما هي على الطالب على الأرجح.
قوله: [وقال ابن القاسم هما كالركن [١]]: فعلى قول ابن القاسم لا يحسن الاستثناء في الصورتين لأن كونهما كالرهن لا يخرجهما عن ضمان المشتري إذ البائع إذا ضمنه إنما يضمنه ضمان تهمة فقط، وهذا لا ينافي أن ضمان الأصالة على المشتري. ألا ترى أن الضمان ينتفي عن البائع بالبينة؟
قوله: [ورجح بعضهم ما ذكرناه]: المراد به (ر). قوله: [فبرؤية الدم]: أي فدخولها في ضمان المشتري بمجرد رؤيته سواء قبضها أم لا وهذا في البيع الصحيح، وأما في الفاسد فلا تدخل في ضمان المشتري إلا إذا رأت الدم وقبضها لما تقدم أن الفاسد لا ينتقل ضمانه إلا بالقبض.
قوله: [المباعة]: أي بيعاً صحيحاً وأما المباعة بيعاً فاسداً فإن اشتريت بعد طيبها فضمانها من المشتري بمجرد العقد؛ لأنه لما كان متمكناً من أخذها كان بمنزلة القبض. ويلغز بها فيقال لنا: فاسد يضمن بالعقد، وإن اشتريت قبل طيبها فضمانها من البائع حتى يجذها المشتري - كذا في الأجهوري وتبعه (عب) والخرشي
وكتب عليه الشيخ أحمد النفراوي: لي فيه وقفة مع ما سبق من أن الفاسد لا بد فيه من القبض بالفعل ولا يكفي فيه التمكن فلينظر - كذا في حاشية الأصل.
قوله: [بتمام طيبها]: أي فمتى تم طيبها سواء جذها المشتري بعد ذلك أم لا انتقلت من ضمان البائع حتى في الجوائح. قوله: [وأما الغصب ونحوه]: أي كالسارق فلا يضمن فعلهما بناء على الراجح من أنهما ليسا بجائحة كما يأتي.
قوله: [بالتخلية]: أي بأن يسلم له المفاتيح إن كان له مفاتيح فإن لم يكن له مفاتيح كفى تمكينه من التصرف، وانظر لو مكنه من التصرف ومنعه من المفاتيح كما لو فتح له الدار وأخذ المفاتيح معه، هل يكون ذلك قبضاً أو لا؟ وهو ظاهر كلام بهرام.
قوله: [ولا يكفي مجرد التخلية]: أي بأن يسلم له المفاتيح والحال أن فيها أمتعة البائع، واعترض بأن بيان كيفية القبض لا فائدة له هنا لأن البيع صحيح وهو يدخل في ضمان المشتري بالعقد وإنما فائدته في الفاسد وفي كل ما يحتاج لحوز كالوقف والهبة والرهن فلو أتى المصنف بهذا عند ذكره ضمان البياعات الفاسدة لكان أولى. وحاصل الجواب: أنا لا نسلم أن بيان كيفية القبض لا تظهر فائدتها إلا في البيع الفاسد والوقف والهبة والرهن بل تظهر في بعض أفراد البيع الصحيح كالعقار إذا بيع مزارعة والغائب إذا بيع على الصفة أو على رؤية سابقة.
تنبيه: لو قال كل من المتبايعين لصاحبه: لا أدفع لك ما بيدي حتى تدفع لي ما بيدك بدئ المشتري بدفع الثمن النقد جبراً إذا كان المبيع عرضاً أو مثلياً لأنه في يد بائعه كالرهن على الثمن؛
стр. 601
(مبطل) لعقد المبيع، فلا يلزم البائع الإتيان بمثله بخلاف ما إذا كان موصوفاً متعلقاً بالذمة، كالسلم، فإن المسلم إليه إذا أحضر المسلم فيه فتلف قبل أن يقبضه المسلم لزم الإتيان بمثل ما في ذمته فالكلام في المبيع المعين.
(وتلف بعضه): أي المبيع المعين وقت ضمان البائع (أو استحقاقه) أي البعض المعين (كعيب به) فينظر في الباقي بعد التلف أو الاستحقاق، فإن كان النصف فأكثر لزم الباقي بحصته من الثمن إن تعدد المبيع وكان قائماً فإن اتحد أو فات خير المشتري.
(و) إن كان الباقي أقل (حرم التمسك بالأقل) وتعين الفسخ كما تقدم (إلا المثلي) فيخير مطلقاً فيهما بين الفسخ والتماسك بالباقي بحصته من الثمن وإن كان التخيير في العيب بين رد الجميع والتماسك بالجميع بالثمن.
ولما بين حكم ما إذا تلف المبيع أو بعضه بسماوي، ذكر ما إذا جنى عليه جان وهو: إما البائع، أو المشتري، أو غيرهما بقوله: (وخير مشتر) بين فسخ البيع والتماسك به. فيرجع على البائع بقيمة المقوم أو مثل المثلي (إن غيب بائع) المبيع أي أخفاه وادعى ضياعه، ولا بينة، ولم يصدقه المشتري ونكل البائع عن اليمين. ووجه التخيير أنه لم يتمكن من المبيع مع جواز بقائه عند بائعه، وهذه القيود تفهم من قوله الآتي: "والبائع والأجنبي يوجب الغرم".
(أو عيب) بالعين المهملة: إن قرئ بالبناء للفاعل؛ أي أحدث البائع فيه عيباً زمن ضمان البائع - كما هو الموضوع - ناقضه قوله الآتي: "كتعييبه".
وإن قرئ بالبناء للمفعول -وهو الأولى- كان الضمير النائب عن الفاعل عائداً على المبيع. والمعنى: إن حدث به عيب سماوي زمن ضمان البائع خير المشتري بين الرد والتماسك ولا شيء له (أو استحق) من مبيع متحد كدار أو عبد أو ثوب (بعض شائع وإن قل) فيخير المشتري بين التماسك بالباقي، ويرجع بحصة ما استحق من الثمن وبين الرد ويرجع بجميع ثمنه. وهذا إن كثر كالثلث فأكثر مطلقاً، انقسم أو لا، كان متخذاً للغلة أو لا. أو أقل من الثلث ولم ينقسم، كعبد، ولم يتخذ للغلة فإن قبل القسمة أو اتخذ للغلة قبل القسمة أو لا، فلا خيار بل يلزمه التمسك بالباقي بحصته من الثمن. فالصور ثمانية: الخيار في خمسة منها. واحترز بقوله: "بعض شائع" من المعين وقد قدمه بقوله: "وحرم التمسك بالأقل إلا المثلي".
ــ
فموضوع الكلام في بيع عرض أو مثلي بنقد، وإلا لم يجبر واحد على التبدئة ثم إن كان العقد على نقدين مبادلة أو صرفاً قيل لهما: إن تأخر قبضكما انتقض العقد وإن كانا مثليين غير ما ذكر أو عرضين تركا حتى يصطلحا، فإن كان بحضرة حاكم وكل من يتولى ذلك لهما.
قوله: [مبطل]: محل البطلان إن ثبت التلف بالبينة أو تصادقا عليه بدليل قوله الآتي: "وخير مشتر إن غيب بائع".
قوله: [لزم الباقي بحصته من الثمن]: أي لزم التمسك بذلك الباقي ويرجع بحصة ما تلف لأن بقاء النصف كبقاء الجل.
قوله: [فإن اتحد]: أي كعبد أو دابة وسيأتي ذلك. قوله: [أو فات خير المشتري]: التخيير في التلف والاستحقاق لا يظهر وإنما الواجب فيه التمسك بالفائت الذي لم يستحق ولم يتلف بحصته من الثمن ويرجع بحصة المستحق أو التالف من الثمن فتأمل.
قوله: [حرم التمسك بالأقل]: لأن التمسك به كإنشاء عقدة بثمن مجهول إذ لا يعلم ثمنه إلا بعد تقويم المبيع كله أولاً ثم تقويم كل جزء من الأجزاء كما تقدم. ومحل حرمة التمسك بالأقل ما لم يفت كما تقدم.
قوله: [إلا المثلي] إلخ: حاصله أن المبيع إذا كان فيه حق توفية وتلف بعضه بسماوي وهو في ضمان البائع أو استحق بعضه - كان في ضمان البائع أم لا - أو تعيب بعضه بسماوي وهو في ضمان البائع، فإن كان الباقي بعد التلف أو الاستحقاق والسالم من التعييب النصف فأكثر تعين التمسك بذلك الباقي بحصته من الثمن. وإن كان الباقي بعد التلف أو الاستحقاق والسالم من التعييب أقل من النصف ففي التلف والاستحقاق يخير المشتري بين فسخ البيع والرجوع بثمنه والتماسك بذلك الباقي القليل بحصته من الثمن ويرجع بحصة ما تلف أو استحق، وأما في التعييب فيخير بين فسخ البيع وأخذ ثمنه والتماسك بجميع المبيع سالماً ومعيباً بكل الثمن ولا يجوز له أن يتمسك بذلك السالم فقط بحصته من الثمن.
قوله: [وخير مشتر] إلخ: حاصله أن البائع إذا أخفى المبيع وقت ضمانه وادعى هلاكه والفرض أن البيع على البت ولم يصدقه المشتري بل ادعى أنه أخفاه وأن دعواه الهلاك لا أصل لها ونكل ذلك البائع عن اليمين، فإن المشتري يخير بين الفسخ عن نفسه لعدم تمكنه من قبض المبيع أو التماسك به ويطالب البائع بمثله أو قيمته. وأما لو كان البيع على الخيار فيلزم البائع الثمن ولا خيار للمشتري وإنما خير المشتري في البت دون الخيار مع أن ضمان السلعة في المسألتين من البائع لأن العقد في الخيار غير متبرم والسلعة باقية على ملك البائع. ولا يدخل في كلام المصنف المحبوسة بالثمن أو للإشهاد بناء على أنها كالرهن يضمنها ضمان الرهن، إذ لا تخيير للمشتري فيها وإنما له القيمة بالغة ما بلغت. نعم يدخل على القول الآخر من أن البائع يضمنها ضمان أصالة.
قوله: [وهو الأولى]: أي بل متعين؛ لأن التخيير المذكور إنما هو في السماوي على المعتمد وأما في تعييب البائع عمداً أو خطأ فيغرم الأرش إن اختار المشتري التماسك كما يأتي.
قوله: [فالصور ثمانية]:
стр. 602
(وإتلاف المشتري) لمبيع مقوم أو مثلي زمن ضمان البائع (قبض) أي كالقبض فيلزمه الثمن. (و) إتلاف (البائع والأجنبي يوجب الغرم) على من أتلف منهما: أي غرم قيمة المقوم ومثل المثلي ولا سبيل للفسخ بأخذ جميع الثمن (كتعييبه)، أي من ذكر من بائع أو أجنبي أو مشتر. فتعييب المشتري وقت ضمان البائع قبض، وتعييب الأجنبي يوجب غرم الأرش لمن منه الضمان، وتعييب البائع يوجب غرم الأرش للمشتري قال في المدونة في كتاب الاستحقاق: ومن ابتاع من رجل طعاماً بعينه ففارقه قبل أن يكتاله فتعدى البائع على الطعام فعليه أن يأتي بطعام مثله، ولا خيار للمبتاع في أخذ دنانيره. ولو هلك الطعام بأمر من الله تعالى انتقض البيع وليس للبائع أن يعطي طعاماً مثله ولا ذلك عليه اهـ. وهذا يفيد أن تعييب البائع يوجب الغرم ولو خطأ كالأجنبي ولا يلحق الخطأ بالسماوي وعليه، فيتعين قراءة قولنا المتقدم "أو عيب" بالبناء للمفعول، ويحمل على السماوي. وقول الشيخ: "وكذلك إتلافه"، صوابه تعييبه؛ لأن الإتلاف ذكره قبله. وعبارة ابن الحاجب: وكذلك تعييبه، قال في التوضيح: أي تعييب المبيع كإتلافه، فيفصل فيه بين البائع والمشتري والأجنبي كما تقدم اهـ. وترتيب هذه المسألة - على ما ذكرنا أحسن من ترتيبه.
(وجاز) لمن ملك شيئاً بشراء أو غيره (البيع) له (قبل القبض) له من مالكه الأول (إلا طعام المعاوضة) فلا يجوز بيعه قبل قبضه، وسواء كان الطعام ربوياً أو غير ربوي. وطعام المعاوضة: ما استحق في نظير عوض (ولو) كان العوض غير متمول (كرزق قاض وجندي) فإنه من بيت المال في نظير حكمه وحراسته وغزوه، وكذا رزق عالم أو إمام أو مؤذن أو نحوهم في وقف أو بيت مال في نظير التدريس أو الإمامة أو الأذان. لا يجوز بيعه قبل قبضه من ناظر ونحوه؛ لأنه في نظير عمله وهو عوض بخلاف ما لو رتب شيء لإنسان من بيت المال أو غيره كوقف على وجه الصدقة فيجوز بيعه قبل قبضه لعدم المعاوضة، ومحل منع بيع طعام المعاوضة: قبل قبضه (إن أخذ بكيل) أي أو وزن أو عد (لا) إن أخذ (جزافاً) فيجوز بيعه قبل قبضه، فمن اشترى صبرة جزافاً بشرطه جاز بيعها قبل القبض لدخولها في ضمان المشتري بالعقد، فهي مقبوضة حكماً فليس في الجزاف توالي عقدتي بيع لم يتخللهما قبض وحرمة بيع طعام المعاوضة قبل قبضه، قيل: تعبد، وقيل: معقولة المعنى من حيث إنه ربما أدى لفساد فنهى الشارع عنه سداً للذريعة، وقيل: غير ذلك.
وقولنا: (إلا كوصي ليتيميه) مستثنى من المنع، والمعنى: أن الوصي أو الأب أو السيد إذا اشترى لأحد يتيميه أو لأحد ولديه أو لأحد عبديه طعاماً من الآخر كان له أن يبيعه لأجنبي قبل قبضه قبضاً [١] ثانياً حسياً لمن اشتراه له؛ لأن الولي لما كان يتولى الطرفين لمحجوره نزل اشتراؤه من أحدهما للآخر منزلة القبض،
ــ
حاصلها أن المبيع: إما أن يكون قابلاً للقسمة أو لا. وفي كل إما أن يتخذ للغلة أو لا؛ فهذه أربعة، وفي كل: إما أن يكون الجزء المستحق كثيراً كالثلث فأكثر أو قليلاً؛ فهذه ثمانية. فإن كان كثيراً خير المشتري كان المبيع يمكن قسمه أو لا متخذاً للغلة أو لا، وكذا إن كان قليلاً وكان المبيع لا يمكن قسمه ولم يتخذ للغلة. فإن كان متخذاً للغلة قبل القسمة أو لا، أو قبل القسمة وهو غير متخذ للغلة، فلا خيار للمشتري ويلزمه الباقي بحصته من الثمن.
قوله: [وإتلاف المشتري] إلخ: أي والموضوع أن الشراء على البت.
قوله: [بشراء أو غيره]: أي كهبة أو صدقة وسواء كان ذلك الشيء طعاماً أو غيره لأن الاستثناء معيار العموم. قوله: [إلا طعام المعاوضة]: أي إلا الطعام الذي حصل بمعاوضة لما ورد في الموطأ والبخاري ومسلم عن أبي هريرة من النهي عن ذلك وهو أن رسول الله ﷺ قال «من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله».
قوله: [كرزق قاض]: أي كطعام جعل للقاضي من بيت المال في نظير ذلك. قوله: [على وجه الصدقة]: حاصله أن من له شيء من الطعام في بيت المال في مقابلة قيامه بمصلحة من مصالح المسلمين لا يجوز له أن يبيعه قبل قبضه. ومن له شيء من الطعام على وجه الصدقة جاز له بيعه قبل قبضه قال (عب): ويلحق برزق القاضي طعام جعل صداقاً أو خلعاً فلا يجوز بيعه قبل قبضه لا مأخوذ عن مستهلك عمداً أو خطأ فيجوز بيعه قبل قبضه. اهـ.
وكذا المثلي المبيع فاسداً إذا فات ووجب مثله كما قال (بن): بجامع أن المعاوضة ليست اختيارية بل جر إليها الحال في كل خلافاً لـ (عب) حيث جعله كرزق القاضي.
قوله: [إن أخذ بكيل]: أي إذا كان بائعه اشتراه بكيل وباعه قبل أن يقبضه سواء باعه جزافاً أو على الكيل.
قوله: [وجاز بيعها قبل القبض]: أي جزافاً أو على الكيل. قوله: [وحرمة بيع طعام المعاوضة قبل قبضه قيل تعبد] إلخ: قال في التوضيح: والصحيح عند أهل المذهب أن هذا النهي تعبدي. وقيل: إنه معقول المعنى لأن الشارع له غرض في ظهوره فلو أجيز بيعه قبل قبضه لباعه أهل الأموال بعضهم لبعض من غير ظهور بخلاف ما إذا منع من ذلك فإنه ينتفع به الكيال والحمال ويظهر للفقراء فتطمئن به قلوب الناس ولا سيما في زمن المسغبة والشدة. اهـ. .
قوله: [إلا كوصي ليتيميه]: إنما كان هذا مستثنى من المنع لأن محل اشتراط كون القبض حسياً ما لم يكن البائع يتولى الطرفين وإلا جاز بيعه قبل قبضه حساً كما قال الشارح. قوله: [أو الأب أو السيد]: بيان لما دخل تحت الكاف. وقوله: [إذا اشترى لأحد يتيميه] إلخ لف ونشر مرتب. قوله: [نزل اشتراؤه من أحدهما للآخر منزلة القبض]: أي الحسي.
стр. 603
فإذا باعه من أجنبي لمن اشتراه له فكأنه قبضه وباعه له بعد قبضه فجاز بخلاف من عنده طعام وديعة لشخص أو اشتراه له بإذنه ثم اشتراه من مالكه قبل أن يقبضه المالك فلا يجوز له بيعه بالقبض السابق على الشراء؛ لأن ذلك القبض السابق على الشراء لم يكن قبضاً تاماً، بدليل أن رب الطعام لو أراد إزالته من يده ومنعه من التصرف كان له ذلك -ذكره في التوضيح عن ابن عبد السلام. وكذا من عليه طعام من سلم لا يجوز له أن يدفع عيناً أو عرضاً لرب الطعام يقول له: اشتر طعاماً وكله ثم اقبض منه ما لك علي من الطعام. قال في المدونة: لأنه بيع طعام قبل قبضه، أي: لأنه قبض من نفسه لنفسه حقه قبل أن يقبضه دافع الثمن. وهاتان المسألتان قد فسر بهما قول الشيخ تبعاً لابن الحاجب ولم يقبض من نفسه، أي لا يكفي في جواز بيع الطعام قبل قبضه أن يقبض من نفسه لأنه قبض ضعيف كالعدم ولا بد من قبضه حقيقة من مالكه حتى يجوز بيعه، واستثنوا من ذلك الولي بالنسبة لمحجوريه فأكثر إذا اشترى لأحدهما من الآخر طعاماً فيجوز له أن يبيعه قبل قبضه له لأجنبي كما تقدم.
(وجاز) لمن اشترى طعاماً (إقراضه) قبل قبضه لشخص (أو وفاؤه عن قرض) عليه لأن الإقراض، والوفاء عن قرض ليسا ببيع فليس فيه توالي عقدتي بيع لم يتخللهما قبض بخلاف وفائه عن دين أصله بيع فلا يجوز لوجود علة المنع.
(و) جاز (لمقترض بيعه) قبل قبضه ممن اقترضه منه، وسواء باعه لمن تسلفه منه أو لأجنبي، وهذا محترز: "طعام معاوضة". وكذا قوله: (كصدقة) أو هبة يجوز بيعها قبل قبضها من الواهب أو المتصدق (ولو) كانت الصدقة (مرتبة من بيت المال) أو من وقف لا في نظير عمل. ومحل الجواز إذا لم يكن المتصدق أو الواهب اشتراه وتصدق به أو وهبه قبل قبضه وإلا فلا يبيعه حتى يقبضه.
(و) جاز (إقالة من جميعه) أي جميع طعام المعاوضة قبل قبضه من بائعه بأن يرده لبائعه؛ لأنها هنا حل بيع لا بيع قال ابن عرفة: الإقالة ترك المبيع لبائعه بثمنه. اهـ. فإن وقعت بأكثر من الثمن أو أقل لم يجز لأنها حينئذ بيع كما يأتي. ومفهوم جميعه فيه تفصيل أشار له بقوله: (وكذا) تجوز الإقالة قبل قبض الطعام (من بعضه) دون البعض الآخر إذا كان الثمن الذي وقع به البيع حاضراً لم يغب عليه البائع، وأولى إذا لم يقبضه أو غاب عليه، وهو مما يعرف بعينه كالعروض والحيوان. وإلا لم يجز؛ لأنه يعد بيعاً مستقلاً فيلزم بيع الطعام قبل قبضه وإليه أشار بقوله: (إلا إذا كان الثمن لا يعرف بعينه وغاب عليه البائع).
وأشار لشرط جواز الإقالة من الطعام قبل القبض بقوله: (إن وقعت) الإقالة فيه (بالثمن) عينه سواء كان الثمن مثلياً أو عرضاً أو حيواناً ناطقاً أو غيره لا بأقل منه ولا بأكثر ولا بغيره،
ــ
قوله: [فإذا باعه من أجنبي]: من بمعنى اللام وقوله لمن اشتراه له اللام بمعنى على أي باعه على المحجور الثاني بعد أن اشتراه له من المحجور الآخر من غير أن يتخلل البيعتين قبض.
قوله: [فكأنه قبضه]: أي لمحجوره الثاني وقوله وباعه له أي عليه. قوله: [فلا يجوز له بيعه بالقبض السابق على الشراء]: أي لأن شرط جواز بيع طعام المعاوضة ألا يقبض من نفسه لنفسه. قوله: [لأنه قبض من نفسه لنفسه حقه] إلخ هذا التعليل عائد على ما تقدم من قوله بخلاف من عنده طعام وديعة إلى هنا بدليل قوله: " وهاتان المسألتان " إلخ. قوله: [واستثنوا من ذلك]: أي من قولهم إن القبض من النفس ضعيف لا يعتبر.
قوله: [لوجود علة المنع]: أي وهي توالي عقدتي بيع لم يتخللهما قبض. قوله: [ومحل الجواز]: إلخ: ولذلك قال (بن): ويقيد الجواز بما إذا لم يكن المتصدق اشتراه وتصدق به قبل أن يقبضه، وإلا فالمتصدق عليه لا يبيعه حتى يقبضه، وكذا يقال في طعام الهبة والقرض، قال في الجلاب: من ابتاع طعاماً بكيل ثم أقرضه رجلاً أو وهبه له أو قضاه لرجل عن قرض كان له عليه فلا يبيعه أحد ممن صار إليه ذلك الطعام حتى يقبضه.
تنبيه: يجوز للسيد بيع الطعام الذي على المكاتب من المكاتب قبل قبضه منه بعين أو عرض لأنه يغتفر بين السيد وعبده ما لا يغتفر بين غيرهما وهل محل الجواز إن عجل العتق للمكاتب بأن يبيعه جميع ما عليه من النجوم أو بعضها ويعجل العتق على بقاء الباقي في ذمته أو الجواز مطلقاً، لأن الكتابة ليست ديناً ثابتاً في الذمة ولا يحاصص بها السيد الغرماء في موت ولا فلس ويجوز بيعها للمكاتب بدين مؤجل لا لأجنبي قولان.
قوله: [أي جميع طعام المعاوضة]: الأولى أن يقول أي جميع المبيع من طعام المعاوضة ويدل لذلك ما سيذكره في المفهوم بعد. والحاصل: أن من اشترى من شخص طعاماً يجوز له أن يوقع الإقالة في جميعه قبل قبضه سواء كان الثمن عيناً أو عرضاً غاب عليه البائع أم لا.
قوله: [لا بيع]: أي مؤتنف وإلا لمنعت لما فيها من بيع الطعام قبل قبضه. قوله: [إلا إذا كان الثمن لا يعرف بعينه]: أي كان عيناً أو طعاماً وإنما منعت الإقالة مع غيبته عليه لأن فيه بيعاً وسلفاً فالبيع ما كان الثمن في مقابلة البعض الذي لم تقع الإقالة فيه والسلف ما كان في مقابلة البعض الذي
стр. 604
وإلا لزم بيع طعام المعاوضة قبل قبضه، وسواء كان الطعام المبتاع سلماً أو لا فيجوز بالثمن نفسه (وإن تغير سوقه) بغلاء أو رخص (لا) إن تغير (بدنه) بعيب كعرج وعور أو بسمن أو هزال (لا) تجوز إن وقعت (بمثله) أي مثل الثمن إذا كان من المثليات من مكيل أو موزون أو معدود (إلا العين) خاصة (فله دفع مثلها) إذا غاب عليها بائع الطعام بعد قبضها بل (وإن) كانت (حاضرة) بيده في المجلس؛ لأن النقود لا تراد لأعيانها.
وإذا كان الطعام الذي وقعت فيه الإقالة سلماً لا بد من تعجيل رد رأس المال الذي وقع ثمناً لئلا يلزم فسخ الدين في الدين، ولا يجوز التأخير ولو ساعة ولو برهن أو حميل أو حوالة.
(والإقالة) من حيث هي (بيع) يشترط فيها ما يشترط فيه، ويمنعها ما يمنعه، فإذا وقعت وقت نداء الجمعة منعت وفسخت، وإذا حدث بالمبيع عيب وقت ضمان المشتري ولم يعلم به البائع إلا بعد الإقالة فله الرد به (إلا في طعام المعاوضة) قبل قبضه فهي فيه حل للبيع كما مر.
(و) إلا في (الشفعة) فليست بيعاً، ولا حل بيع، بل هي لاغية فمن باع نصيبه من عقار ثم أقال المشتري منه فالشفعة ثابتة للشريك بما وقعت به الإقالة وعهدة الشفيع على المشتري، ولو كانت بيعاً لخير الشفيع بين أن يأخذ بالأول أو الثاني وعهدته على من أخذ يبيعه ولو كانت حل بيع لم تكن شفعة.
(و) إلا في (المرابحة) فهي حل البيع، فمن باع بمرابحة ثم تقايل مع المشتري فلا يجوز له أن يبيعها مرابحة على الثمن الذي وقعت الإقالة به إذا وقعت بزيادة.
(و) جازت (تولية فيه): أي في الطعام قبل قبضه بأن يقول له شخص: ولني ما اشتريت من الطعام بما اشتريته فيفعل، (وشركة) بأن يقول له: أشركني فيما اشتريته من الطعام قبل قبضه، فيشركه؛ لأن التولية والشركة من المعروف كالقرض فتسومح فيهما.
(و) محل الجواز في الشركة (إن لم تكن) الشركة (على) شرط أن (ينقد) من شركته (عنك) الثمن الذي اشتريت به وإلا كان بيعاً وسلفاً منه لك وانتفى المعروف
ــ
وقعت الإقالة فيه: والحاصل: أنه إذا كان رأس المال عرضاً يعرف بعينه - غاب عليه القابض أم لا - أو كان عيناً أو طعاماً لا يعرف بعينه ولم يغب عليه القابض جازت الإقالة في البعض وإن كان عيناً أو طعاماً وقبضه وغاب عليه لم تجز الإقالة في البعض.
قوله: [وإلا لزم بيع طعام المعاوضة قبل قبضه]: أي لأنه متى تغير الثمن الأول في الصفة أو القدر. لا يقال فيها: حل بيع، بل بيع مؤتنف وبيع الطعام قبل قبضه يجوز.
قوله [وإن تغير سوقه]: الضمير يعود على الثمن فإذا أسلمت دابة مثلاً في طعام فإنه يجوز لك أن تقيل منه قبل قبضه وإن تغير سوق تلك الدابة بزيادة أو نقص لأن المدار على عين المدفوع ثمناً وهو باق.
وقوله: [لا إن تغير بدنه]: أي فلا يجوز الإقالة فيه حينئذ إلا بعد قبض الطعام لأن الإقالة حينئذ تصير بيعاً مؤتنفاً.
قوله: [أو بسمن أو هزال]: أي فلا فرق بين الأمة والدابة خلافاً لما مشى عليه خليل من جعله سمن الدابة وهزالها مفوتاً بخلاف سمن الأمة وهزالها فلا يفيتها. وإنما المفوت لها التغير بنحو العور فإن ما مشى عليه شارحنا هو ما استظهره ابن عرفة قائلاً: الأظهر أن ما يراد من الرقيق للخدمة كالدابة.
قوله: [إلا العين خاصة]: قال الخرشي: وهذا ما لم يكن البائع من ذوي الشبهات فإن الدراهم والدنانير تتعين في حقه.
قوله: [إذا غاب عليها] إلخ: محل هذا في الإقالة من الجميع لا من البعض لأنه تقدم أنه يشترط فيه عدم الغيبة على الثمن إذا كان لا يعرف بعينه.
قوله: [لأن النقود لا تراد لأعيانها]: أي ما لم يكن من ذوي الشبهات كما علمت.
قوله: [فهي فيه حل للبيع]: أي فلذلك جازت قبل قبض المشتري لها من البائع بالشروط المتقدمة. قوله: [بل هي لاغية]: أي باطلة شرعاً كالمعدومة حساً. قوله: [فالشفعة ثابتة]: أي وليست مرتبة على كون الإقالة بيعاً بل على البيع الأول: قوله: [لخير الشفيع]: أي لما يأتي في الشفعة من أن المشتري إذا تعدد خير الشفيع بين أن يأخذ بأي بيع إلى آخر ما يأتي.
قوله: [لم تكن شفعة]: أي لم توجد لرجوع المبيع لصاحبه.
قوله: [فلا يجوز له أن يبيعها مرابحة] إلخ: أي كمن اشترى سلعة بعشرة وباعها بخمسة عشر ثم تقايلا فلا يبيع مرابحة على الثمن الثاني اللهم إلا أن يبين، قوله: [وجازت تولية] التولية تصيير مشتر ما اشتراه لغير بائعه بثمنه وهي في الطعام غير الجزاف رخصة وشرطها كون الثمن عيناً كما يأتي. قوله: [وشركة]: المراد بالشركة هنا جعل مشتر قدراً لغير بائعه باختياره مما اشتراه لنفسه بمنابه من ثمنه - كذا قال ابن عرفة. وقوله: "هنا" احترازاً من الشركة المترجم عنها بباب الشركة، والإشارة بقوله: "هنا" إلى مبحث الإقالة والتولية وقوله: "قدراً أخرج به التولية" وقوله: "لغير بائعه" أخرج به الإقالة في بعض المواضع وقوله: "باختياره" أخرج به ما إذا اشترى شيئاً ثم استحق جزءاً منه فإنه يصدق عليه أن المشتري جعل قدراً لغير بائعه لكن بغير اختياره وقوله "بمنابه من الثمن" أخرج به ما إذا اشترى سلعة بدينار ثم جعل لأجنبي منها الربع بنصف دينار فلا يصدق على ذلك شركة هنا.
قوله: [كالقرض]: أي فكما يجوز فيه القرض بعد شرائه وقبل قبضه يجوز فيه التولية والشركة.
قوله: [وإلا كان بيعاً وسلفاً] إلخ: قال (عب): ولا يخفى
стр. 605
فهذا ظاهر الشركة دون التولية.
(و) إن (استوى عقداهما) أي المولي والمشرك -بالكسر- والمولي والمشرك -بالفتح- قدراً وأجلاً وحلولاً ورهناً وحميلاً (فيهما): أي في التولية والشركة في الطعام قبل قبضه خاصة فقوله: "فيهما" راجع لشرط الاستواء فقط كما يفيده النقل.
(وإن) اشتريت شيئاً فطلب منك إنسان أن تشركه فيه و (أشركته) بأن قلت له: أشركتك (حمل) التشريك (عند الإطلاق على النصف): فيقضى له به [١] فإن قيد بشيء من ثلث أو غيره فالأمر ظاهر (وإن سأل ثالث شركتهما، فله الثلث) عند الإطلاق (وهكذا) أي فإن سألهم رابع فله الربع وهذا فيما إذا استولى الأنصباء وسألهما أو سألهم معاً بمجلس فأجابوا بنعم. وأما لو سأل كل واحد على حدته فأجابه لكان له نصف نصيب من أجابه قل أو كثر، وكذا إذا اختلفت الأنصباء.
(ولو وليته): أي من طلب منك التولية (ما اشتريت) من سلعة (بما اشتريت) من ثمن ولم تبين له الثمن ولا المثمن (جاز) لأنه من المعروف (إن لم تلزمه) البيع بأن سكت أو جعلت له الخيار عند رؤيته المبيع وعلمه بثمنه.
(وله الخيار) إذا رآه وعلم الثمن. ومفهوم: "إن لم تلزمه" أنك لو ألزمته البيع لم يجز، وهو كذلك لما فيه من الخطر وشدة الجهالة فيفسد البيع.
(وإن علم) حين التولية (بأحد العوضين) الثمن أو المثمن دون الآخر (ثم علم بالآخر فكره) البيع وأراد رده (فلذلك له).
ولما كانت الأنواع التي يطلب فيها المناجزة ستة، بين ما هو الأضيق منها بقوله: (والأضيق) مما يطلب فيه المناجزة: (صرف) لأنه لا يغتفر فيه المفارقة بالبدن
ــ
أن التعليل بالبيع والسلف يجري في الشركة في غير الطعام فحينئذ لا خصوصية لطعام المعاوضة بذلك. قوله: [فهذا ظاهر في الشركة دون التولية]: أي وأما التولية فلا يضر فيها هذا الشرط لأنه ينقد عن نفسه ما لزمه، خلافاً لما مشى عليه بعض شراح خليل من المنع في التولية أيضاً معللاً بأن البائع الأول قد يشترط النقد على المشتري وقد لا يكون معه نقد فإذا اشترط المشتري ذلك على من ولاه أن ينقد الثمن عنه ثم ولاه بعد ذلك كان ذلك سلفاً ابتداء من حيث شرط النقد وبيعاً انتهاء من حيث أخذ المبيع في نظير الثمن وهذا تكليف بعيد كما لا يخفى.
قوله: [وإن استوى عقداهما] إلخ بقي شرط ثالث: وهو أن يكون الثمن عيناً، فإن كان مكيلاً أو موزوناً منع عند ابن القاسم لا عند أشهب، واللخمي وقول أشهب أحسن إذا كان مما لا تختلف فيه الأغراض. اهـ. ولا يجوز أن يوجه إذا كان رأس المال عرضاً لا يكال ولا يوزن لأن ذلك يؤول إلى القيمة فيؤدي لعدم استواء العقدين لأن القيمة لا تنضبط.
قوله: [راجع لشرط الاستواء] أي لما علمت أن شرط النقد لا يضر في التولية. فتحصل مما تقدم أن شرط الإقالة في الطعام قبل قبضه اتفاق الثمنين قدراً ووقوعها في كل المبيع كبعضه بشرط ألا يغيب على الثمن وهو مما لا يعرف بعينه. وشرط التولية فيه قبل قبضه: استواء العقدين في قدر الثمن وأجله أو حلوله وفي الرهن والحميل وكون الثمن عيناً. وشرط الشركة فيه قبل قبضه: ألا يشترط المشرك بالكسر على المشرك بالفتح أن ينقد عنه وأن يتفق عقداهما وأن يكون الثمن عيناً، فالاتفاق في قدر الثمن شرط في الثلاثة، وكون الثمن عيناً شرط في التولية والشركة فقط، واشتراط عدم النقد عنه شرط في الشركة فقط.
تنبيه: يدخل في ضمان المولى والمشرك - بالفتح - فيهما جميع الشيء المشترى المعين في التولية، وحصته في الشركة كعبد بمجرد عقد الشركة وإن لم يقبضه ولم يدفع الثمن، وكذلك يدخل في ضمان المولى والمشرك بمجرد عقد التولية والشركة الطعام الذي كلته يا مولى ويا مشرك وصدقك وشركته أو وليته ثم تلف وإن لم يقبضه الثمن لفعل المعروف، فهاتان المسألتان مستثناتان من بيع الغائب وذي التوفية فتأمل.
قوله: [على النصف]: أي لأنه الجزء الذي لا ترجيح فيه لأحد الجانبين.
قوله: [وكذا إذا اختلفت الأنصباء]: أي كما لو كانا شريكين بالثلث والثلثين، فإذا قالا له: أشركناك، كان له نصف الثلث ونصف الثلثين حينئذ فيكون له النصف وللأول السدس وللثاني الثلث.
قوله: [جاز] إلخ أي والفرض أنها حصلت بصيغة التولية، وأما لو كانت بلفظ البيع لفسدت في صورتي الإلزام والسكوت وصحت في شرط الخيار وظاهره الجواز سواء كان الثمن عيناً أو غيره. إن قلت: تقدم أن شرط التولية كون الثمن عيناً؟ أجيب بأن ما تقدم في التولية في طعام المعاوضة قبل قبضه وأما فيه بعد القبض أو في غيره مطلقاً فتجوز وإن لم يكن الثمن عيناً.
قوله: [فذلك له]: أي له الخيار لأن التولية من ناحية المعروف تلزم المولي بالكسر بمجرد العقد ولا تلزم المولى بالفتح إلا بعد علمه بالثمن والمثمن.
قوله: [المفارقة بالبدن]: أي للمتصارفين معاً أو لأحدهما ليأتي بدراهمه.
стр. 606
ولا طول بالمجلس (فإقالة طعام) من سلم تقدم في صدر هذا المبحث أنه لا يجوز فيه التأخير ولا ساعة، إلا أن المفارقة بالبدن لتحصيل الثمن لا تضر إذا لم تطل، وكذا التوكيل على القبض قبل المفارقة.
(فتولية فشركة فيه) أي: في طعام السلم، فمن أسلم في طعام فولاه لغيره أو أشركه فيه اغتفر لمن ولاه أو أشركه تأخير الثمن بعض اليوم، وقيل: يغتفر مفارقة البدن فقط كالذي قبله. والوسع فيه عما قبله باعتبار أن القول بجواز تأخير اليوم أو اليومين قوي.
(فإقالة عرض) أي من سلم، فمن أسلم في عرض ثم أقال بائعه فلا بد من تعجيل رد مال السلم، وإلا لزم فسخ الدين في الدين، وقد يجوز التأخير نحو الساعة العرفية.
(و) مثله (فسخ دين في دين) صريحاً، كأن تطالبه بدين عليه عين مثلاً فيعطيك في نظيره ثوباً أو عبداً وبالعكس، فلا بد من التعجيل كالذي قبله وقد يغتفر نحو الذهاب للبيت. ووسعه من حيث إن الخلاف بجواز اليوم ونحوه قوي.
(فبيعه به) أي بيع الدين بالدين كبيع عرض من سلم لغير من هو عليه، فلا بد فيه من تعجيل ثمنه كالذي قبله، ووسعه باعتبار أن الخلاف فيه قوي فلا يجوز اليوم ونحوه في الجميع على ما هو المعتمد.
(فابتداؤه): أي الدين بالدين، فإنه أوسع مما قبله حقيقة؛ لجواز تأخير رأس السلم بشرط الثلاثة الأيام، فعلم أن الأضيق حقيقة الصرف، والأوسع حقيقة ابتداء الدين بالدين، وأن ما بينهما على ما هو المعتمد رتبة واحدة والتوسعة فيها باعتبار أن مقابل المعتمد فيها قوي. ومن قلد عالماً في قوله المعتبر عند أهل العلم لقي الله سالماً، والله أعلم.
(فصل)
في بيان حكم بيع المرابحة وبيان حقيقته
(المرابحة: وهي بيع ما اشترى) من إضافة المصدر لمفعوله: أي إن حقيقتها أن يبيع بائع شيئاً اشتراه بثمن معلوم (بثمنه) الذي اشتراه به (وربح): أي مع زيادة ربح (علم) لهما فخرج جميع أنواع البيع من صرف ومبادلة ومراطلة وسلم وشركة، وكذا الإجارة والمساقاة.
(جائزة) خبر لقوله المرابحة، والمراد بالجواز خلاف الأولى، ولذا قال الشيخ: "والأحب خلافه"، والمساومة أحب إلى أهل العلم من بيع المزايدة وبيع الاستئمان والاسترسال، وأضيقها عندهم بيع المرابحة؛ لأنه يتوقف على أمور كثيرة قل أن يأتي بها البائع على وجهها.
ــ
قوله: [ولا طول بالمجلس]: أي بعد العقد وقبل الاصطراف.
قوله: [فإقالة طعام من سلم]: إنما قيد الشارح الإقالة المذكورة بكون الطعام من سلم لأن الإقالة في الطعام إذا كان من بيع سواء وقعت قبل قبضه أو بعده يجوز فيها تأخير رد الثمن ولو سنة كما قاله في حاشية الأصل نقلاً عن تقرير شيخ مشايخنا العدوي والعلة في منع التأخير في الإقالة من طعام السلم تأديته إلى فسخ الدين في الدين مع بيع الطعام قبل قبضه ولا يقال إنها حل بيع لأننا نقول هذه الإقالة
لما قارنها التأخير عدت بيعاً لخروجها عن مورد الرخصة.
قوله: [فتولية فشركة فيه] علة منع التأخير فيما ذكر تأديته إلى بيع الدين بالدين مع بيع الطعام قبل قبضه لأن المولي والمشرك بالكسر باع الطعام الذي في ذمة المسلم إليه بالثمن الذي لم يأخذه من المولى والمشرك بالفتح فيهما ولما كان مجموع علتين كان أضيق مما بعده.
قوله: [والأوسع حقيقة ابتداء الدين] إلخ: أي لجواز التأخير فيه ثلاثة أيام باتفاق ووجوب التعجيل في الصرف وعدم جواز التأخير.
وقوله: [وأن ما بينهما على ما هو المعتمد في رتبة واحدة]: أي وهو جواز التأخير للذهاب لنحو البيت. قوله: [على ما هو المعتمد]: أي فالمعتمد أن التوسعة فيه باعتبار قوة الخلاف وضعفه لا باعتبار اتساع الزمن
فصل في بيان حكم بيع المرابحة
لما كان البيع ينقسم إلى بيع مساومة كبيع المالك بغتة لمن يشتري منه، واستئمان كـ: بعني كما تبيع للناس، ومزايدة كبيع الدلال في التركات أو على التجار، ومرابحة وهو المقصود هنا فلذلك تعرض لأحكامه.
قوله: [حكم بيع المرابحة]: سيأتي أنها جائزة وقوله وبيان حقيقته أي تعريفه.
قوله: [وربح]: هذا يقتضي أن البيع على الوضيعة والمساواة لا يقال له مرابحة. والظاهر أن إطلاق المرابحة عليهما حقيقة عرفية وأجيب بأن هذا تعريف للنوع الغالب في المرابحة الكثير الوقوع لا تعريف لحقيقتها الشاملة للوضيعة أو المساواة وقد عرف ابن عرفة حقيقتها: بأنها بيع مرتب ثمنه على ثمن مبيع تقدمه غير لازم مساواته له. فقوله: غير لازم مساواته له صادق بكون الثاني مساوياً للأول أو أزيد أو أنقص منه، قال: فخرج بالأول المساومة والمزايدة والاستئمان، وخرج بالثاني الإقالة والتولية والشفعة والرد بالعيب على القول بأنها بيع.
قوله: [والمراد بالجواز خلاف الأولى]: وليس المراد بالجواز الكراهة ومراد خليل بقوله: والأحب خلافه، خصوص بيع المساومة فهو من قبيل العام الذي أريد به الخصوص بدليل قول الشارح والمساومة أحب إلخ.
قوله: [والاسترسال]: عطف مرادف على ما قبله وإنما كانت المساومة أحب لما في المزايدة من السوم على سوم الأخ المنهي عنه ولما في الاستئمان
стр. 607
ويجوز بيع المرابحة (ولو على عوض مضمون) أي موصوف نقده في سلعة وأولى مقوم معين فمن ابتاع سلعة بحيوان أو عرض موصوف أو معين ونقده فيها جاز أن يبيعها مرابحة على ما نقد لا على قيمته إذا وصفه للمشتري عند أبي القاسم ومنعه أشهب؛ فقولنا: "مضمون": أي موصوف نص على المتوهم، فأولى إن كان العوض معيناً، كهذا الثوب. وقول الشيخ: "مقوم" صادق بهما، والمراد أنه نقد فيها العوض وليس المراد أنه في الذمة إذ ما لم يبرز في الخارج لا تصح مرابحة عليه.
(وحسب) البائع على المشتري (إن أطلق) في الربح حال البيع من غيره بيان ما يربح له وما لا يربح بل وقع على ربح العشرة أحد عشر مثلاً (ربح، ماله عين قائمة) بالسلعة أي مشاهدة بالبصر (كصبغ وطرز وقصر وخياطة وفتل) لحرير ونحوه وغزل (وكمد) بسكون الميم أي دق الثوب لتحسينه (وتطرية) أي جعل الثوب في الطراوة ليلين وتذهب خشونته، وكذا عرك الجلد المدبوغ ليلين. ومحل "حسب" ما ذكر إن كان استأجر عليه، لا إن كان من عنده قال ابن يونس: لو كان هو الذي يتولى الطرز والصبغ ونحو ذلك لم يجز أن يحسب، فإذا لم يكن له عين قائمة حسب أصله فقط دون ربحه إن زاد في الثمن.
وإليه أشار بقوله: (و) حسب (أصل ما زاد في الثمن) دون ربحه ولم يكن له عين قائمة (كأجرة حمل) من مكان لآخر إذ [١] كانت السلع في المكان المنقولة إليه أغلى من المنقولة منه.
(و) أجرة (شد وطي) للثياب ونحوها أو للأحمال (اعتيد أجرتهما) بأن لم تجر العادة بأنه هو الذي يتولى ذلك (وكراء بيت للسلعة فقط، وإلا) يعتد أجرتهما بأن جرت بأن البائع هو الذي يتولاهما بنفسه، ولم يكن البيت لخصوص السلعة بل لها ولربها (فلا) يحسب أصل ولا ربح، كما لو تولى ما ذكر بنفسه. وأما السمسار، فإن اعتيد بأن كان المبتاع مثله لا يشتري إلا بسمسار فقال أبو محمد وابن رشد يحسب أصله دون ربحه، وقال ابن محرز: يحسب ربحه أيضاً، والمعتمد الأول، وإن لم يعتد بأن كان شأن المبتاع يتولى الشراء بنفسه لم يحسب ما أخذه ولا ربحه قطعاً. وشذ من خالف.
ــ
من الجهل والخطر ولتوقف المرابحة على أمور كثيرة.
قوله: [ولو على عوض]: صوابه مقوم كما قال خليل؛ أي هذا إذا كان ثمن السلعة المبيعة مرابحة عيناً بل ولو كان على مقوم وفيه رد على أشهب كما سيأتي.
قوله: [ومنعه أشهب]: أي إذا كان المقوم الموصوف ليس عند المشتري مرابحة لما فيه من سلم الحال، لأن دخول البائع على أن المشتري يدفع له المقوم الموصوف الآن هو عين السلم الحال، وهو باطل عندنا: واختلف: هل ابن القاسم يجوز هذه المسألة؟ فيكون بينه وبين أشهب خلاف، أو يمنعها فيكون موافقاً؟ ومحل الخلاف بينهما في مقوم مضمون ليس عند المشتري ولكن يقدر على تحصيله وإلا لمنع اتفاقاً كما يتفقان على المنع في مقوم معين في ملك الغير لشدة الغرر، وأما مضمون أو معين في ملكه فيتفقان على جوازه فالصور خمس: الأولى: مقوم مضمون ليس عند المشتري ولكن يقدر على تحصيله. والثانية: مثلها لكن لا يقدر على تحصيله. والثالثة: معين في ملك الغير. والرابعة: مضمون في ملكه. والخامسة: معين في ملكه.
قوله: [والمراد أنه نقد فيها العوض]: يعني أن بائع المرابحة نقد العوض الذي يبيع عليه مرابحة لمن اشترى منه.
قوله: [وحسب البائع على المشتري] إلخ: حاصله أنه إذا وقع البيع على العشرة أحد عشر، فإنه يحسب على المشتري ثمن السلعة وربحه ويحسب عليه أيضاً أجرة الفعل الذي لأثره عين قائمة وربحها. واعلم أن قول المصنف: "وحسب" إلخ في حالتين: ما إذا بين البائع جميع ما لزم تفصيلاً، إما ابتداء، أو بعد الإجمال. كأن يقول: قامت علي بمائة ثم يفصل ولم يبين ما يربح له وما لا يربح له ولم يشترط ضرب الربح لا على الكل ولا على البعض، بل قال: أبيع على المرابحة العشرة أحد عشر مثلاً، وبقي ما إذا شرط. وتحته أربع صور، لأنه: إما أن يشرط ضرب الربح على الكل أو البعض، وفي كل: إما أن يكون ذلك بعد تفصيل ما لزم ابتداء. أو بعد تفصيله بعد الإجمال، فيعمل بالشرط في الصور الأربع كما في الحاشية.
قوله: [كصبغ]: بفتح الصاد: مصدر ليناسب ما بعده وهو مثال للفعل الذي لأثره عين قائمة ويصح قراءته بالكسر: أي الأثر فعلى هذا يحتاج لتقدير في الكلام أي كعمل صبغ.
قوله: [ونحوه]: أي كقطن وكتان وقوله وغزل هو نوع آخر غير الفتل.
قوله: [إن كان استأجر عليه]: أي ولو كان شأنه عمل ذلك بنفسه.
قوله: [حسب أصله فقط]: أي حسب أجرة الفعل الذي زاد في الثمن وليس لأثره عين قائمة فيعطي للبائع تلك الأجرة مجردة عن الربح.
قوله: [إذا كانت السلع] إلخ: أي حيث إن الحمل زادها ثمناً، والموضوع أنه استأجر عليه وأما لو حمله بنفسه فلا يحسب له أجرة وكذا يقال في الشد والطي.
قوله: [بأن لم تجر العادة] إلخ: حاصله أنه متى كان شأنه تعاطيه بنفسه فلا يحسب أجرتهما ولا ربحه ولو آجر عليه وهذا بخلاف الفعل الذي لأثره عين قائمة فإنه متى آجر عليه حسب الأجرة وربحها ولو كان شأنه يتولى ذلك بنفسه والفرق أن ما لا عين له قائمة لا يقوى قوة ما له عين قائمة، كما قرره الأشياخ.
قوله: [وإن لم يعتد] إلخ: حاصل ما ذكروه في السمسار إذا لم يعتد، أنه إذا كان بائع المرابحة من الناس الذين
стр. 608
ومحل جواز المرابحة: (إن بين) حال البيع أصل الثمن وما يربح له وما لا يربح له والربح وجعل الربح على الجميع أو على ما يربح له فقط أو أطلق (أو) أجمل و (قال) أبيعك (على ربح العشرة أحد عشر)، ثم قال: وقفت علي بمائة (ولم يبين ما له الربح من غيره): أي بعد بيان ما تحصلت به عنده من ثمن وغيره بدليل ما بعد [١] ويفصل الربح على ما يربح له دون غيره على ما تقدم.
(وزيد) إذا قال: على ربح العشرة أحد عشر (عشر الأصل) أي الثمن الذي اشتريت به السلعة، وكذا ثمن ما له عين قائمة على ما تقدم، فإذا كان الأصل مائة زيد عشرة (وفي) قوله على (ربح العشرة اثنا عشر) يزاد (خمسه) أي خمس الأصل؛ لأن الاثنين من العشرة خمس وهكذا.
(فإن أبهم، كقامت علي بكذا: أو: قامت بشدها وطيها بكذا، ولم يفصل) أي: لم يبين ما هو أصل ثمنها ولا ثمن ما له عين قائمة ولا غيره (فله) أي للمشتري (الفسخ) والرضا بما يتراضيان عليه، ولا يتعين الفسخ على ما يظهر ترجيحه من كلامهم.
(إلا أن يحط) البائع عن المشتري (الزائد) على أصل ما يلزمه (وربحه) فإن حطه لزم البيع، ومحل التخيير: إذا كانت السلعة لم تفت.
(وتحتم الحط في الفوات) وما ذكرناه من أن للمشتري الخيار إذا لم تفت السلعة مبني على أن الإبهام بلا تفصيل من باب الكذب، وهو تأويل عبد الحق وابن لبابة وقول سحنون وابن عبدوس. وقيل: إنه من باب الغش، وعليه فالحكم أنه يسقط عنه ما يجب إسقاطه فاتت السلعة أو لم تفت ولا ينظر إلى القيمة ذكره في التوضيح عن عياض، وهو تأويل أبي عمران والظاهر من المدونة الأول قال فيها: وإن ضرب الربح على الحمولة ولم يبين ذلك وقد فات المبتاع بتغير سوق أو بدن حسب ذلك ولم يحسب له ربح وإن لم يفت رد البيع إلا أن يتراضيا على ما يجوز. اهـ. ويحتمل أن كلامها في المسألة التي قبل مسألة الإبهام التي فيها التأويلان فتأمل.
(ووجب) على البائع عند العقد (تبيين ما يكره) المشتري في ذات المبيع أو صفته (و) تبيين (ما نقده وعقده) أي عقد عليه إن اختلف النقد والعقد، فقد يعقد على دنانير وينقد عنها دراهم أو عرضاً.
(و) تبيين (الأجل) الذي اشتراه إليه أو الذي اتفقا عليه بعد العقد؛ لأن له حصة من الثمن (وطول زمانه) أي مكثه عنده
ــ
يتولون الشراء بأنفسهم ففيه ثلاثة أقوال، قيل: تحسب أجرة سمساره وربحها، وقيل لا: يحسبان، وقيل: تحسب أجرته دون ربحها. ومذهب المدونة والموطأ: لا يحسب هو ولا ربحه، فلذلك قال الشارح: وشذ من خالف.
قوله: [إن بين حال البيع أصل الثمن]: حاصله أن المصنف أراد أن يبين الأوجه الخمسة التي أفادها عياض بقوله اعلم أن وجوه المرابحة لا تخلو من خمسة أوجه:
أحدها: أن يبين جميع ما لزمه أي غرمه مما يحسب أو لا يحسب مفصلاً ومجملاً ويشترط ضرب الربح على الجميع.
الثاني: أن يفسر ذلك أيضاً مما يحسب ويربح عليه وما لا يربح له وما لا يحسب جملة ويشترط ضرب الربح على ما يجب ضربه عليه خاصة.
الثالث: أن يفسر المؤونة بأن يقول لزمها في الحمل كذا وفي الصبغ كذا والشد والطي كذا وباع على المرابحة العشرة أحد عشر ولم يفصل ما يوضع له الربح من غيره.
الرابع: أن يبهم ذلك كله ويجمعه جملة فيقول قامت علي بكذا أو ثمنها كذا وباع مرابحة للعشرة درهم.
الخامس: أن يبهم فيها النفقة مع تسميتها فيقول قامت بشدها وطيها وحملها وصبغها بمائة أو يفسرها فيقول عشرة منها في مؤنتها ولا يفسر المؤنة. اهـ.
قوله: [فإذا كان الأصل مائة زيد عشرة]: أي وإذا كان مائة وعشرين فالربح اثنا عشر.
قوله: [يزاد خمسه]: أي ففي المثال الذي قاله الشارح يزاد للمائة عشرون وفي المثال الذي قلناه أربعة وعشرون.
قوله: [ويحتمل أن كلامها] إلخ: كلام غير مفهوم فالأولى إسقاطه.
تنبيه: البيع على الوضيعة حكمه كالبيع على المرابحة، فإذا قال له: أبيعك على الوضيعة العشرة أحد عشر تجزأ العشرة أحد عشر جزءاً وينسب ما زاد على الأصل وهو واحد للأحد عشر يكون جزءاً من أحد عشر جزءاً فإذا كان الثمن مائة جعل مائة وعشرة أجزاء وحط منها عشرة، وإذا قيل: بوضيعة العشرة خمسة عشر، جعلت العشرة خمسة عشر ونسبة الخمسة للخمسة عشر ثلث فيحط عن المشتري ثلث الثمن، واذا قيل: بوضيعة العشرة عشرين، جعلت العشرة عشرين جزءاً ونسبة العشرة للعشرين نصف فيحط عن المشتري نصف الثمن وهكذا.
قوله: [تبيين ما يكره]: بالبناء للفاعل كما قدر الشارح. فاعله: ضمير المشتري، ولا يصح قراءته بالبناء للمفعول لأنه يوهم أنه إذا لم يكرهه المشتري ويكرهه غيره يجب البيان، وليس كذلك كما أفاده في حاشية الأصل. وهذه قاعدة عامة لا تخص بيع المرابحة بخلاف غالب ما يأتي فيختص بالمرابحة. فإن لم يبين ما يكره في ذات المبيع أو وصفه كان عدم بيانه تارة كذباً وتارة غشاً كما يأتي بيانه.
قوله: [وتبيين ما نقده وعقده]: فإن لم يبين؛ فإن كان المبيع قائماً خير المشتري بين رده والتماسك بما نقده من الثمن وإن فات عند المشتري لزمه الأقل مما عقد عليه البائع وما نقده كما في (ح). وعلى هذا فليس له حكم الغش ولا الكذب.
قوله: [وتبيين الأجل]: أي فإن ترك بيانه كان غشاً فيخير المشتري بين الرد والإمضاء بما دفعه من الثمن مع قيام السلعة. وأما مع فواتها فيلزمه الأقل من القيمة والثمن الذي اشتراها به - كذا في الخرشي، ويأتي في الشارح تبعاً
стр. 609
ولو عقاراً؛ لأن الناس يرغبون في الذي لم يتقادم عهده عندهم.
(و) تبيين (التجاوز عن زيف أو نقص) من الثمن أي رضا بائعه بما وجده في الثمن من ذلك.
(و) تبيين (أنها ليست بلدية) إن كانت الرغبة في البلدية أكثر وكذا عكسه إن كانت الرغبة في غيرها أكثر.
(أو) أنها (من التركة و) تبيين (الركوب و) تبيين (اللبس) كثوب أي يجب عليه أن يبين الاستعمال عنده من ركوب أو غيره. (و) تبيين (التوظيف) إن حصل منه توظيف أي توزيع الثمن على السلع (ولو اتفقت السلع) كأن يشتري عشرة أثواب بمائة ويوظف على كل ثوب عشرة (إلا) أن يكون المبيع (من سلم) متفق فلا يجب بيان التوزيع؛ لأن آحاده غير مقصودة، وإنما المقصود وصفها؛ ولذا إذا استحق منه ثوب مثلاً لزم الرجوع بمثله لا بقيمته بخلاف المبيع في غير سلم.
واعلم أن البائع عند البيان قد يغلط وقد يكذب وقد يغش وقد ذكر أحكامها بقوله: (وإن [١] غلط بنقص) في الثمن بأن قال للمشتري منه مرابحة اشتريته بخمسين ثم ادعى الغلط، وقال: بل بمائة (وصدق) أي صدقه المشتري في ذلك (أو ثبت) بالبينة (فللمشتري) الخيار، إما (الرد) للسلعة (أو دفع ما تبين) بالبينة أو بإخباره حيث صدق (وربحه) هذا إن لم تفت السلعة عند المشتري.
(فإن فاتت خير) المشتري (بين) دفع الثمن (الصحيح وربحه) والصحيح: ما ثبت بعد البيع (ودفع القيمة): أي قيمة السلعة (يوم بيعه) ما لم تنقص القيمة (عن الغلط وربحه)، فإن نقصت فلا ينقص عنهما، فتحصل أن للمشتري الخيار في الفوات وعدمه وإن اختلف التخيير.
(وإن كذب) البائع بأن زاد في الثمن ولو خطأ، بأن يخبر بأنه اشتراها بمائة وقد اشتراها بأقل. واعلم أنهم عدوا عدم بيان تجاوز الزائف والنقص والركوب واللبس وهبة بعض الثمن إن اعتيدت بين الناس وجذ ثمرة أبرت وجز الصوف التام من الكذب، وجعلوا عدم بيان طول الزمان وكونها بلدية أو من التركة من الغش، واختلفوا فيما إذا أبهم ولم يبين، فقيل: من الكذب وهو الذي درجنا عليه وقيل: من الغش.
ــ
للبناني ما يقتضي أنه مثل ما نقده وعقد عليه في كونه ليس غشاً ولا كذباً.
قوله: [ولو عقاراً]: أي وسواء تغير المبيع في ذاته أو سوقه أو لم يتغير أصلاً ولكنه قلت الرغبة فيه، خلافاً للخمي حيث قال: إنما يجب بيان طول إقامته عنده إذا تغير في ذاته أو تغير سوقه وإلا فلا يجب البيان فإن مكث عنده زمناً كثيراً وباع مرابحة ولم يبين كان غشاً، فيخير المشتري بين الرد والتماسك بجميع الثمن إن كان قائماً فإن فات لزمه الأقل من الثمن والقيمة.
قوله: [عن زيف]: أي وهو المغشوش الذي خلط ذهبه أو فضته بنحاس أو رصاص.
قوله: [أي رضا بائعه]: أي وليس المراد بالتجاوز تركه وترك بدله لأن هذا داخل في الهبة.
قوله: [أي يجب عليه أن يبين الاستعمال] إلخ: أي إذا كان منقصاً ولا فرق بين الركوب في السفر أو الحضر.
قوله: [ولو اتفقت السلع]: رد ب "لو" قول ابن نافع بعدم وجوب البيان عند الاتفاق قال فإن من عادة التجار الدخول عليه.
قوله: [واعلم أن البائع عند البيان قد يغلط] إلخ: قال (بن): اعلم أن مسائل المرابحة ثلاثة أقسام: غش وكذب وواسطة. فالغش في ست مسائل: عدم بيان طول الزمان، وكونها بلدية أو من التركة، وجز الصوف الذي لم يتم، واللبس عند خليل، وإرث البعض. والكذب في ست مسائل أيضاً: عدم بيان تجاوز الزائف، والركوب، واللبس عند غير خليل، وهبة اعتيدت، وجز الصوف التام، والثمرة المؤبرة. والواسطة في ست أيضاً: ثلاثة لا ترجع لغش ولا لكذب وهي: عدم بيان ما نقده وعقده إذا اختلف النقد مع العقد، وما إذا أبهم، وعدم بيان الأجل على كلام ابن رشد. وثلاثة مترددة بينهما على خلاف: الإقالة، والتوظيف، والولادة. اهـ.
قوله: [وصدق] إلخ: مفهومه أنه إذا ادعى الغلط بنقص ولم يصدقه المشتري ولم تقم له بينة يكون البيع ماضياً بالغلط ولا يلتفت لدعوى البائع الغلط.
ومفهوم قوله: "وإن غلط بنقص" داخل في عموم قوله: "وإن كذب البائع بأن زاد في الثمن" إلخ.
قوله: [فإن فاتت]: أي لا بحوالة سوق. لأن حوالة السوق وإن أفاتت السلعة في الغش والكذب لا تفيتها في الغلط.
قوله: [فتحصل أن للمشتري الخيار] إلخ: إنما كان له الخيار لأن خيرته تنفي ضرر البائع حيث يدفع له الصحيح وربحه، أو يرد عند القيام، وعند الفوات يدفع له الصحيح وربحه، أو القيمة إن لم تنقص على الغلط وربحه مع أن البائع عنده نوع تفريط حيث لم يتثبت في أمره.
قوله: [بأن زاد في الثمن]: مثله ترك بيان تجاوز الزائف والركوب واللبس وهبة اعتيدت والصوف التام والثمرة المؤبرة.
قوله: [وجعلوا عدم بيان طول الزمان] إلخ: أي ويضم لتلك الثلاثة جز الصوف الذي لم يتم واللبس وإرث البعض.
قوله: [وهو الذي درجنا عليه]: الذي درج عليه فيما تقدم لا يوافق حكم الكذب الذي ذكره هنا لأن ما تقدم عند الفوات يتحتم الحط وهنا يخير بين دفع
стр. 610
وقد ذكر الشيخ فيه التأويلين، وجعلوا عدم بيان الأجل وما نقد وعقد واسطة بينهما. فإن كذب (لزم المبتاع) الشراء (إن حطه) البائع عنه، أي حط الكذب بمعنى المكذوب به (وربحه وإلا) يحطه وربحه (خير) المشتري في التماسك والرد، (كأن غش) البائع فإن المشتري يخير في التماسك والرد ابن عرفة. والغش: أن يوهم وجود مفقود مقصود وجوده في المبيع أو يكتم فقد موجود مقصود فقده منه اهـ. كأن يكتم طول إقامته عنده أو يكتب على السلعة ثمناً أكثر مما اشتراها به ثم يبيع على ما اشترى به ليوهم أنه غلط أو يجعل في يد العبد مداداً ليوهم أنه يكتب ونحو ذلك، وهذا إن كانت السلعة قائمة. (فإن فاتت) بيد المشتري (ففي الغش) يلزم المشتري (الأقل من الثمن) الذي وقع به البيع والقيمة.
(وفي الكذب خير) المشتري (بين الصحيح وربحه أو القيمة) يوم قبضه ولا ربح لها (ما لم تزد) القيمة (على الكذب وربحه)، فإن زادت عليهما لم يلزم الزائد.
ولما كان التدليس أعم من الغش؛ لأن كاتم طول الزمان والعقد والنقد مدلس وليس بغاش بين حكمه بقوله:
(والمدلس هنا): أي في المرابحة (كغيره): أي كالمدلس في غيره يخير المشتري في الرد أو التماسك ولا شيء له إلا أن يدخل عنده عيب فيجري فيه ما تقدم في العيوب. ولو قال: والعيب هنا كغيره لكان أعم؛ لأنه يشمل ما دلس فيه وما لم يدلس فيه، لكن ذكره مع الغش يفيد المقصود فتأمل.
(فصل جامع) [١]
اشتمل على أشياء: المداخلة وبيع الثمار والعرايا والجوائح. ودخول شيء في العقد على شيء قريب المناسبة للمرابحة على العكس منها؛ لما فيه من ربح المشتري، ويقرب من المداخلة: بيع الثمار والزرع؛ لأن الشأن تبقيته على أصله ليتم طيبه. فكأن المشتري ربح ذلك مع ذكر الشجر والزرع في التناول وعدمه، فكان بينهما مناسبة.
وأما العرايا والجوائح فمن متعلقات الثمار وبهذا زال توقف ابن عاشر إذ قال: لم يحضرني وجه مناسبة بعضها لبعض كما لم يظهر لي وجه مناسبة الفصل لما قبله. اهـ.
وبدأ ببيان المداخلة بقوله: (يتناول البناء والشجر) أي العقد على كل منهما من بيع أو رهن وكذا الهبة والصدقة والحبس (الأرض) أي التي هما بها (وتناولتهما) في العقد عليها؛ فمن اشترى أرضاً وفيها بناء أو شجر لم يذكرا حين شراء أرضهما. دخلا في بيع الأرض، إلا لشرط أو عرف فيعمل به.
(و) تناولت الأرض إذا بيعت أو رهنت (البذر) الذي لم ينبت فيدخل في بيعها.
(لا) يتناول بيع الأرض (الزرع) الظاهر عليها بل هو لبائعه
ــ
الصحيح وربحه والقيمة ما لم تزد على الكذب وربحه فتأمل.
قوله: [وقد ذكر الشيخ فيه التأويلين]: أي وأما (بن) فعده من الواسطة كما تقدم.
قوله: [واسطة بينهما]: قد تقدم عن (بن) أن التوسط في ست أيضاً.
قوله: [كأن يكتم]: هذا وما بعده مثالان للثاني.
وقوله: [أو يجعل في يد العبد مداداً]: مثال للأول.
قوله: [الأقل من الثمن الذي وقع به البيع والقيمة]: أي يوم قبضها على رواية ابن القاسم، وروى ابن زياد يوم بيعها. والراجح الأول. وعليه فالفرق بين الغش والكذب حيث اعتبرت القيمة فيهما يوم القبض، وبين الغلط حيث اعتبرت القيمة فيه يوم البيع. كما مر أن الغش والكذب أشبه بفساد البيع من الغلط والضمان في الفساد بالقبض.
قوله: [وفي الكذب خير المشتري] إلخ: وقيل الخيار للبائع. قال (عب): ويدل على أن التخيير للبائع قول المصنف يعني خليلاً ما لم تزد على الكذب وربحه إذ لو كان الخيار للمشتري لم يكن لهذا التقييد معنى؛ إذ له دفع القيمة ولو كانت زائدة على الكذب وربحه لأنه يدفعها باختياره وله دفع الصحيح وربحه الذي هو أقل من القيمة. اهـ. وما قاله (عب) اقتصر عليه في المجموع.
قوله: [مدلس وليس بغاش]: هذا يناقض ما تقدم، فإنه مثل للغش بقوله كأن يكتم طول إقامته عنده فالأولى حذف طول الزمان من هنا ويقتصر على ما بعده، فإن كتم الزمان وكتم كونها بلدية أو من التركة أو جز الصوف الغير التام. أو إرث بعضها يقال له: غش.
قوله: [فيجري فيه ما تقدم في العيوب]: أي فإما أن يكون قليلاً جداً أو متوسطاً أو مفيتاً للمقصود. ويجري ما تقدم في بيع المساومة في المرابحة فإن كان العيب الحادث عند المشتري يسيراً كان بمنزلة العدم وخياره على الوجه المذكور ثابت، وإن كان متوسطاً خير إما أن يرد ويدفع أرش الحادث أو يتماسك ويأخذ أرش القديم. وإن كان مفيتاً للمقصود تعين التماسك وأخذ أرش القديم.
فصل جامع
قوله: [اشتمل على أشياء]: بيان لقوله جامع.
قوله: [المداخلة] إلخ: بدل من أشياء؛ وحاصله أن هذا الفصل اشتمل على أربعة أشياء المداخلة وبيع الثمار والعرايا والجوائح.
وقوله: [ودخول شيء]: مبتدأ وقوله: "قريب المناسبة" خبره وهو شروع منه في بيان وجه مناسبة كل من الأربعة لما قبله وقد أوضح المناسبة.
قوله: [لما فيه من ربح المشتري]: أي وفي المرابحة الربح للبائع.
قوله: [فكأن المشتري ربح ذلك]: اسم الإشارة عائد على الأصل.
قوله: [مع ذكر الشجر] إلخ. متعلق بقوله ويقرب من المداخلة إلخ.
قوله: [في التناول وعدمه]: لف ونشر مرتب، فإن الشجر يتناول الأرض وتتناوله والزرع لا يتناول الأرض ولا تتناوله.
قوله: [يتناول البناء والشجر]: أي تناولاً شرعياً إن لم يجر عرف بخلافه كما سيأتي يقول إلا لشرط أو عرف.
قوله: [التي هما بها]: أي لا أزيد، والمراد بأرض الشجر ما يمتد فيه جريد النخلة
стр. 611
إلا لشرط أو عرف؛ لأن ظهوره على الأرض إبار له، فيكون لمالكه عند عدم الشرط والعرف وما ذكرناه هو الصواب.
(ولا) تتناول الأرض (مدفوناً) بها من رخام وعمد وحلي ونقد وغير ذلك (بل) هو (لمالكه) بلا خلاف (إن علم) بالإثبات أنه المالك، أو دلت القرائن عليه، وحلف سواء كان هو البائع أو غيره من بائع له أو وارث أو غيره. (وإلا) يعلم مالكه (فلقطة) إذا لم يوجد عليه علامة الجاهلية فيعرف على حكم اللقطة إن ظن إفادة التعريف وإلا كان مالاً جهلت أربابه، محله بيت مال المسلمين (أو ركاز) إذا وجد عليه علامة الجاهلية فيكون لواجده ويخمس.
(ولا) يتناول (الشجر): أي العقد عليه ثمراً (مؤبراً) والتأبير خاص بالنخل (أو) ثمراً (منعقداً) من غير النخل: أي بروزه وتميزه عن أصله. وحقيقة التأبير تعليق طلع ذكر النخل على ثمر الأنثى. ويطلق على انعقاد غيره وعلى ظهور الزرع من الأرض، وسواء وقع البيع على الشجر فقط أو دخل ضمناً في بيع الأرض وهذا إذا كان الثمر مؤبراً أو منعقداً (كله أو أكثره) إذ [١] الحكم للأكثر (إلا لشرط) من المشتري فيكون له وكذا العرف (كمال العبد) لا يدخل في بيعه بل هو لبائعه إلا لشرط (والخلفة) بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام وبالفاء: وهي ما يخلف الزرع بعد جذه فلا تدخل في بيع الأصل، كالبرسيم
ــ
وجذورها المسمى بالحريم، هذا هو المشهور، وقيل: إن العقد على النخل لا يتناول الحريم وهي طريقة للشيخ سالم والتتائي وإنما يتناول مكان جذرها فقط.
قوله: [إلا لشرط أو لعرف]: أي فإذا اشترط البائع أو الراهن أو نحوهما إفراد البناء أو الشجر عن الأرض، في البيع أو الرهن أو نحوهما، فلا تدخل في العقد عليهما. وكذلك لو اشترط البائع إفراد الأرض عن البناء أو الشجر فإنهما لا يدخلان في العقد عليها.
تنبيه: ليس من الشرط تخصيص بعض أمكنة بالذكر بعد قوله: جميع ما أملك مثلاً، فإذا قال: بعته جميع أملاكي بقرية كذا - وهي الدار والحانوت مثلاً - وله غيرهما، فذلك الغير للمبتاع أيضاً. ولا يكون ذكر الخاص بعد العام مخصصاً له لأن ذكر الخاص بعد العام إنما يخصصه ويقصره عن بعض أفراده إذا كان منافياً له، وهنا ليس كذلك كما في حاشية الأصل.
قوله: [وما ذكرناه هو الصواب]: أي فالصواب أن الأرض تتناول البذر المدفون حيث وقع العقد عليها قبل بروزه لا الزرع، خلافاً لما مشى عليه خليل.
قوله: [فيعرف على حكم اللقطة]: أي يعرفه واجده سنة وبعدها يوضع في بيت المال وهذا مقتضى نص (بن) خلافاً لـ (عب) من أنه يوضع في بيت المال من غير تعريف، لأن شأن المدفونة طول العهد فهو مال جهلت أربابه محله بيت المال ومفهوم قوله: "إن علم" إلخ أنه إذا لم يعلم أنه جرى عليه ملك لأحد فإنه يكون للمشتري، وقيل: للبائع كالمعادن. وكمن اشترى حوتاً فوجد في باطنه جوهرة وقيل في الحوت إن اشتري وزناً كانت الجوهرة للمشتري وإن اشتري جزافاً فهي للبائع.
قوله: [ولا يتناول الشجر أي العقد عليه ثمراً مؤبراً] إلخ: حاصله: أن من اشترى أصولاً عليها ثمرة قد أبرت كلها أو أكثرها فإن العقد على الأصول لا يتناول تلك الثمرة. وإن أبر النصف فلكل حكمه كما سيأتي. فإن تنازع المشتري والبائع في تقدم التأبير على العقد وتأخره فالقول للبائع أن التأبير كان قبل العقد كما قاله ابن المواز، وقيل: القول قول المشتري، وهو للقاضي إسماعيل.
قوله: [والتأبير خاص بالنخل]: أي التأبير بالمعنى الآتي فلا ينافي إطلاق التأبير في غير النخل على بروز جميع الثمرة عن موضعها وتميزها عن أصلها وفي الزرع على بروزه على وجه الأرض بدليل ما يأتي.
قوله: [إلا لشرط]: أي ولا يجوز شرط بعضه لأن شرط البعض قصد لبيع الثمرة قبل بدو صلاحها بخلاف شرط بعض المزهي فجائز.
قوله: [بل هو لبائعه إلا لشرط]: اعلم أن اشتراط المال للعبد جائز مطلقاً كان المال معلوماً أو مجهولاً اشترطه كله أو بعضه كان الثمن أكثر من المال أم لا، كان مال العبد عيناً أو عرضاً أو طعاماً، كان الثمن من جنسه أو لا أو مؤجلاً وأما اشتراطه للمشتري فلا يجوز إلا إذا كان المال معلوماً قبل البيع. وهل يشترط أن يكون الثمن مخالفاً للمال في الجنس أم لا؟ قولان، والمعتمد عدم الاشتراط. وهل يشترط أن يكون كل المال فإن اشترط بعضه منع؟ وهو ما في (عب) أو لا يشترط ذلك بل يجوز اشتراط بعضه كما يجوز اشتراطه كله وهو ما اختاره (بن) وأما اشتراطه مبهماً فقولان بالفساد والصحة، والراجح الصحة. اهـ. ملخصاً من حاشية الأصل) وما قاله الشارح من أن مال العبد لا يكون للمشتري إلا بالشرط مخصوص بالعبد الكامل الرق لمالك واحد فإن كان مشتركاً فماله للمشتري إلا أن يشترطه البائع، عكس ما للمصنف. والمبعض إذا بيع ما فيه من الرق فماله له ليس لبائع ولا لمشتر انتزاعه، ويأكل منه في اليوم الذي لا يخدم فيه سيده. فإن مات أخذه المتمسك بالرق.
قوله: [إلا لشرط]: أي أو عرف.
قوله: [إلا لشرط]: أي ويجوز اشتراطها بأربعة شروط: أن تكون مأمونة كبلد سقي بغير مطر، وأن يشترط جميعها وألا يشترط تركها حتى تحبب، وأن يبلغ الأصل حد الانتفاع به لاشتراط هذين الشرطين في الأصل، ففي الخلفة أولى وهذه
стр. 612
والقصب، وليس للمشتري إلا ما وقع عليه البيع من الأصل إلا لشرط.
(وإن أبر النصف) أو ما قاربه دون النصف الآخر (فلكل) منهما (حكمه) فالمؤبر أو المنعقد للبائع إلا لشرط وغيره للمبتاع، وهل يجوز للبائع اشتراطه؟ قولان. (و) تناولت (الدار): أي العقد عليها (الثابت) فيها (كباب ورف وسلم سمر ورحى مبنية) بخلاف سرير وسلم لم يسمر ورحى غير مبنية فللبائع إلا لشرطه.
(و) تناول (العبد ثياب مهنته) بفتح الميم، أي: خدمته، ولو لم تكن عليه حال البيع بخلاف ثياب زينته إلا لشرط.
(و) لو اشترط البائع عدمها أي عدم دخولها في بيع العقد (لغا اشتراط عدمها) ولزم البائع أن يعطيه ما يستره، وهذا قول أشهب عن مالك ورجحه بعضهم، قال: وبه مضت الفتوى عند الشيوخ وسمع عيسى بن القاسم أن الرجل إذا اشترط أن يبيع جارية عريانة فله ذلك وصوبه ابن رشد. قال: وبه مضت الفتيا بالأندلس، فهما قولان مرجحان.
(كشرط ما لا غرض فيه ولا مالية) فإنه يلغى، كما لو شرط أن يكون العبد أمياً فوجده كاتباً وكون الأمة نصرانية فوجدها مسلمة، إلا أن يكون ليزوجها لعبد نصراني.
(و) كشرط (عدم عهدة الإسلام)، وهي درك المبيع من عيب أو استحقاق؛ فإذا باع شيئاً على أنه لا يقوم بما ذكره فالشرط لاغ، وللمشتري الرجوع بحقه منهما. وأما عهدة الثلاث أو السنة فيجوز إسقاطها كما تقدم على الأرجح.
(و) كشرط عدم (المواضعة) لرائعة أو أمة أقر البائع بوطئها، فيلغى الشرط والبيع صحيح.
(و) شرط عدم (الجائحة) في الثمار أو الزرع، فيلغى ويصح البيع على المعتمد.
ــ
الشروط معتبرة إذا اشترطت الخلفة مع شراء أصلها وأما شراؤها بعد شراء أصلها وقبل جذه فإنما يعتبر اشتراط الأول. كذا في (عب). ورده (بن) قائلاً: هذا غير صحيح، بل لا بد من اشتراط جميعها سواء اشتريت مع أصلها أو بعد شراء أصلها.
قوله: [والقصب] أي الحلو أو الفارسي فإن كلاً له خلفة.
قوله: [وإن أبر النصف] إلخ: هذا إذا كان النصف معيناً بأن كان ما أبر في نخلات بعينها وما لم يؤبر - في نخلات بعينها. وأما إن كان النصف المؤبر شائعاً في كل نخلة - وكذا ما لم يؤبر فاختلف فيه على خمسة أقوال: قيل: كله للبائع، وقيل: للمبتاع، وقيل: يخير البائع في تسليمه جميع الثمرة وفي فسخ البيع، وقيل: البيع مفسوخ. وقال ابن العطار: والذي به القضاء أن البيع لا يجوز إلا برضا أحدهما بتسليم الجميع للأخذ وهو الراجح كما في الحاشية.
قوله: [وهل يجوز للبائع اشتراطه] إلخ: الجواز مبني على أن المستثنى مبقى وهو قول اللخمي والمشهور امتناع اشتراط البائع غير المؤبر لنفسه، وما قاله اللخمي ضعيف.
تنبيه: لكل من البائع والمشتري - إذا كان الأصل لأحدهما والتمر للآخر أو مشتركاً بينهما - السقي إلى الوقت الذي جرت به العادة بجز الثمرة فيه ما لم يضر بالآخر فإن ضر سقي أحدهما بالآخر منع من السقي ويغتفر ارتكاب أخف الضررين.
قوله: [بخلاف سرير] إلخ: مثل ذلك الحانوت التي بجوارها حيث لم تكن تتناولها حدودها ولو وقع العقد على دار وفيها ما لا يتناوله العقد عليها كحيوان أو أزيار غير مبنية وكان لا يمكن إخراجه من بابها إلا بهدم، فقال ابن عبد الحكم: لا يقضى على المشتري بهدم ويكسر البائع أزياره ويذبح حيوانه، وظاهره كان المشتري عالماً بذلك حين الشراء أم لا. وقال أبو عمران: الاستحسان هدمه ويبنيه البائع إذا كان لا يبقى به بعد البناء عيب ينقص الدار، وإلا قيل للمبتاع: أعطه قيمة متاعه. فإن أبى قيل للبائع: اهدم وابن وأعط قيمة العيب. فإن أبى نظر الحاكم. والذي اختاره الأجهوري وهو الأوفق بالقواعد أنه إن كان الضرران مختلفين ارتكب أخفهما وإن تساويا فإن اصطلح المتبايعان على شيء فالأمر ظاهر وإن لم يصطلحا فعل الحاكم باجتهاده ما يزيل ذلك، وعلى هذا اقتصر في المجموع؛ ومن ذلك لو دخل قرنا ثور في غصن شجرة ولم يمكن تخليصهما إلا بقطع الشجرة أو كسر القرنين.
قوله: [بخلاف ثياب زينته]: أي فهي كماله لا تدخل إلا بالشرط.
قوله: [فهما قولان مرجحان]: أي ولا يلزم من الوفاء بالشرط على القول الثاني تسليم الجارية عريانة بل على المشتري سترها.
قوله: [إلا أن يكون ليزوجها] إلخ: قد تقدم ذلك.
قوله: [فإذا باع شيئاً] إلخ: أي كما لو قال المشتري للبائع: أشتري منك هذه السلعة على أنها إذا استحقت من يدي أو ظهر بها عيب قديم فلا قيام لي بذلك. أو البائع يقول للمشتري ذلك. وأما لو أسقط ذلك بعد الشراء ففي (ح) عن أبي الحسن: إذا أسقط المشتري حقه من القيام بالعيب بعد العقد وقبل ظهور العيب فإنه يلزمه سواء كان مما يجوز فيه البراءة أم لا كذا في (بن).
قوله: [فيلغى الشرط والبيع صحيح]: أي ويحكم بالمواضعة لأنها حق الله تعالى.
قوله: [وشرط عدم الجائحة] قال الأجهوري وظاهره: ولو اشترط هذا الشرط فيما عادته أن يجاح، وفي أبي الحسن: أنه يفسد فيه العقد لزيادة الغرر. وفي حاشية شيخنا الأمير على (عب): أن ابن رشد اقتصر في البيان والمقدمات على صحة البيع وبطلان الشرط لكن علل فيهما بقوله: لندرة الجائحة، فمقتضاه أن المبيع إذا كان من عادته أن يجاح فلا يكون الحكم كذلك، ولذلك قال أبو الحسن بالفساد في تلك الحالة. اهـ. وقد مشى في المجموع على هذا المنوال حيث قال: وفسد العقد بإسقاط جائحة ما يجاح على الظاهر وفاقاً لأبي الحسن وإلا يكن يجاح عادة لغاً الشرط. اهـ.
стр. 613
(أو) شرط (إن لم يأت بالثمن لكذا) نحو لآخر الشهر أو لعشرة أيام (فلا بيع) بيننا، فيلغى الشرط ويصح البيع وغرم الثمن الذي اشترى به قاله في المدونة. فهذه الأشياء يصح فيها البيع بعد الوقوع ويبطل فيها الشرط.
قال ابن رشد: الشروط المشترطة في البيوع على مذهب مالك رحمه الله تعالى أربعة أقسام: قسم يفسد البيع من أصله. وهو: ما أدى إلى خلل في شرط من الشروط المشترطة في صحة البيع. وقسم يفسد البيع ما دام المشترط متمسكاً بشرطه كشرط بيع وسلف، وقسم يجوز فيه البيع والشرط إذا كان الشرط جائزاً لا يؤدي لفساد ولا حرام، وقسم يمضي فيه البيع ويبطل الشرط، وهو ما كان الشرط فيه حراماً إلا أنه خفيف لم يقع عليه حصة من الثمن. اهـ.
ولما قدم أنه يدخل البذر في بيع الأرض دون الزرع، ويدخل الثمر الغير [١] المؤبر دون المؤبر في بيع الشجر، شرع في الكلام على بيعهما منفردين، فقال: (وصح بيع ثمر) بفتح المثلثة والميم من بلح ورمان وتين وعنب وإجاص وخوخ ونارنج وغير ذلك (وزرع) كقمح وشعير وفول وكتان وجزر وخس وفجل وغيرها (إن بدا صلاحه) فبدوُّ الصلاح شرط في صحة البيع إذا بيع منفرداً عن أصله (أو مع أصله) من شجر أو أرض وإن لم يبد صلاحه، لأنه صار تابعاً للأصل في البيع إذا وقع العقد عليهما معاً (أو ألحق) الثمر أو الزرع (به) أي بالأصل بأن يشتري الشجر أو الأرض [٢] ثم بعد ذلك يشتري الثمر أو الزرع. فيجوز وإن لم يبد صلاحهما (أو) بيعه قبل بدو صلاحه (بشرط قطعه) في الحال أو في مدة قريبة لا ينتقل فيها الثمر أو الزرع من طور لآخر، فيجوز بشرطين أشار لهما بقوله:
(إن نفع): أي إن كان ينتفع به لو قطع لأكل أو علف أو دواء لا إن لم ينفع لفقد شرط صحة البيع (واحتيج له): لأكله أو غيره، (لا) يصح بيع ما ذكر قبل بدو صلاحه (على التبقية أو) على (الإطلاق) من غير بيان قطع ولا تبقية.
(وبدوه): أي الصلاح (في بعض) من ذلك النوع
ــ
قوله: [أو شرط إن لم يأت بالثمن لكذا] إلخ: صورتها كما قال بعضهم: أن يقول البائع: بعتك بكذا الوقت كذا، أو على أن تأتيني بالثمن في وقت كذا، فإن لم يأت به في ذلك الوقت فلا بيع بيننا مستمر. قال في التوضيح: ذكر ابن لبابة عن مالك في هذه المسألة ثلاثة أقوال: صحة البيع وبطلان الشرط، وصحتهما وفسخ البيع، والذي اقتصر عليه في المدونة الأول، ونصها آخر البيوع الفاسدة: ومن اشترى سلعة على أنه إن لم ينقد ثمنها إلى ثلاثة أيام وفي موضع آخر إلى عشرة أيام فلا بيع بينهما فلا يعجبني أن يعقد على هذا فإن نزل ذلك جاز البيع وبطل الشرط وغرم الثمن. اهـ.
قوله: [وهو ما أدى إلى خلل في شرط]: أي كشرط عدم الطهارة أو كونه مجهولاً.
قوله: [كشرط بيع وسلف]: أي وشرط ألا يبيعها أو لا يطأها من كل شرط ينافي المقصود من البيع.
قوله: [وقسم يمضي فيه البيع] إلخ: كالمسائل المتقدمة في قوله كشرط ما لا غرض فيه.
قوله: [وصح بيع ثمر]: حاصل ما ذكره المصنف أن الثمار والحبوب والبقول لا يصح بيعها إلا إذا بدا صلاحها أو بيعت مع أصلها أو ألحقت بأصلها أو بيعت على الجذ بقرب إن نفع واحتيج له ولم يكثر ذلك بين الناس. فإن تخلف شرط من هذه الثلاثة منع بيعه على الجذ كما يمنع على التبقية أو الإطلاق.
قوله: [إن بدا صلاحه]: بلا همز لأنه من البدو بمعنى الظهور لا من البدء وإنما عبر المصنف بالصحة ليعلم بالصراحة عدم الصحة في المفهوم ولو عبر بالجواز لم يستفد ذلك منه صراحة.
قوله: [أو مع أصله]: معطوف على الشرط والمعنى أنه يكفي في بيع الثمر والزرع أحد أمور إما بدو الصلاح أو بيعه مع أصله أو إلحاق الثمر أو الزرع بأصله أو على القطع بشروطه الآتية فواحد من هذه الأربعة كاف.
قوله: [أو ألحق الثمر أو الزرع به]: أي وأما عكس ذلك كما إذا بيع الثمر أو الزرع أولاً ثم ألحق أصله به فممنوع لفساد البيع الأول حيث لم يكن بدا صلاحه ولا يلحق بالثاني لتأخره عنه.
قوله: [فيجوز بشرطين]: بقي شرط ثالث: وهو أن لا يتمالئوا عليه أي لم يقع من أهل المحل ذلك بكثرة فإن تمالأ أهل المحل ولو باعتبار العادة منع بيعه قبل بدو صلاحه.
قوله: [على التبقية أو على الإطلاق]: أي فلا يصح مطلقاً كان الضمان من البائع أو المشتري، اشتراه بالنقد أو النسيئة. هذا ظاهره وهو المعتمد كما في الحاشية نقلاً عن (ح). وقيد اللخمي والسيوري والمازري المنع بكون الضمان من المشتري أو من البائع والحال أنه بالنقد للتردد بين السلفية والثمنية، فإن كان الضمان من البائع والبيع بالنسيئة جاز. واختار (بن) هذا التقييد ووافقه في المجموع. وقد ذكر المواق هنا فروعاً عن ابن رشد من سماع عيسى ونصه: إذا اشترى الثمرة على الجذ قبل بدو الصلاح ثم اشترى الأصل جاز له بقاؤها بخلاف ما إذا اشتراها على التبقية ثم اشترى الأصل فلا بد من فسخ البيع فيها لأن شراءها كان فاسداً فلا يصلحه شراء الأصل، فإن صار إليه الأصل بميراث من بائع الثمرة لم ينفسخ شراؤها، إذ لا يمكن أن يردها على نفسه فإن ورثه من غير بائع الثمرة وجب الفسخ فيها. ولو اشترى الثمرة قبل الإبان على البقاء ثم اشترى الأصل فلم يفطن لذلك حتى أزهت، فالبيع ماض
стр. 614
ولو نخلة (كاف في) جواز بيع الجميع من (جنسه) لا في غير جنسه، فلا يباع رمان ببدو صلاح بلح أو تين (إن لم يكن) ما بدا صلاحه (باكورة) فإن كانت باكورة سبق طيبها على غيرها بزمن طويل لم يجز بيع الباقي بطيبها (وكفى فيها) فقط (لا) يصح بيع (بطن ثان) من الثمار (بطيب) بطن (أول) مما له بطون، كالموز والجميز والنبق فمن باع البطن الأول لبدو صلاحه ثم ظهر البطن الثاني لم يجز بيعه إلا إذا بدا صلاحه أيضاً، ولا يعتمد في جواز بيعه بطيب الأول.
ثم شرع في بيان بدو الصلاح في الثمار وغيرها فقال: (وهو) أي بدو الصلاح (الزهو) في البلح باصفراره أو احمراره وما في حكمها كالبلح الخضراوي (وظهور الحلاوة) في غيره كالعنب والتين ونحوهما (والتهيؤ للنضج) كأن يميل إذا قطع إلى صلاح كالموز؛ لأن شأنه ألا يطيب إلا بعده [١] جذه وربما دفن في نحو تبن.
(و) بدو الصلاح (في ذي النور) بفتح النون: وهو الزهر كالورد والياسمين ولفظ ذي زائدة (بانفتاحه) أي انفتاح أكمامه وظهور ورقه منها.
(وفي البقول) كالفجل والكراث والجزر (بإطعامها): أي بلوغها حد الإطعام (وفي البطيخ) الأصفر أو غيره (بكالاصفرار)، ومثل الاصفرار في غير الأصفر تهيؤه للنضج بدخول الحلاوة فيه وتلون لبه وفي القثاء والخيار ببلوغهما حد الإطعام.
(وفي الحب بيبسه) المراد به غاية الإفراك وبلوغه حداً لا يكبر بعده عادة (ومضى بيعه): أي الحب فلا يفسخ (إن أفرك) ولم ييبس وإن كان لا يجوز ابتداء (بقبضه) قال في المدونة: أكرهه، فإن وقع وفات فلا أرى أن يفسخ. اهـ. قال عياض: اختلف في معنى الفوات هنا فقال أبو محمد إنه القبض وعليه اقتصرت المدونة، ومثله في كتاب ابن حبيب، وذهب غير أبي محمد إلى أن الفوات بالعقد، وقيل: بيبسه وهذا إذا اشتراه على أن يتركه حتى ييبس أو كان العرف ذلك وإلا فالبيع جائز. والمراد بيعه جزافاً مع سنبله، وأما بيعه مجرداً عن سنبله، فقبل اليبس لا يجوز ويفسخ مطلقاً وبعد اليبس يجوز
ــ
وعليه قيمة الثمرة لأنه بشراء الأصل كان قابضاً للثمرة وفاتت بما حصل فيها عنده من الزهور. فلو اشترى الثمرة قبل الإبان ثم اشترى الأصل قبل الإبان أيضاً فسخ البيع فيهما، لأنه بمنزلة من اشترى نخلاً قبل الإبان على أن تبقى الثمرة للبائع وهو لا يجوز فلو اشترى الأصل بعد الإبانة فسخ البيع في الثمرة فقط. اهـ. نقله محشي الأصل.
تنبيه: ضمان الثمرة في البيع الفاسد من البائع ما دامت في رؤوس الشجر، فإن جذها المشتري رطباً رد قيمتها وثمراً رده بعينه إن كان باقياً، وإلا رد مثله إن علم وقيمته إن لم يعلم. هذا إذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها على التبقية، وأما لو اشتراها على الإطلاق وجذها فإنه يمضي بالثمن على قاعدة المختلف فيه كذا في (بن).
قوله: [ولو نخلة]: أي ولو في بعض عراجينها.
قوله: [الجميع من جنسه]: أي في ذلك الحائط وفي مجاوره ولو اختلفت أصنافه. وهذا خاص بالثمار كما يؤخذ من قوله: "ولو نخلة" ومثله في الرسالة، فلا يجوز بيع الزرع ببدو صلاح بعضه بل لا بد من يبس جميع الحب لأن حاجة الناس لأكل الثمار رطبة لأجل التفكه بها أكثر ولأن الغالب تتابع طيب الثمار. وليست الحبوب كذلك، لأنها للقوت لا للتفكه قال في حاشية الأصل: وهذا الكلام يفيد أن نحو المقثأة كالثمار.
قوله: [سبق طيبها على غيرها]: تفسير للباكورة.
قوله: [لا يصح بيع بطن ثان]: حاصله: أن الشجر إذا كان يطعم في السنة بطنين متميزين فلا يجوز بيع البطن الثاني بعد وجوده وقبل صلاحه ببدو صلاح البطن الأول، وهذا هو المشهور. وحكى ابن راشد قولاً بالجواز بناء على أن البطن الثاني يتبع الأول في الصلاح. وفي المواق: سمع عيسى بن القاسم: الشجرة تطعم بطنين في السنة بطناً بعد بطن فلا يباع البطن الثاني مع الأول بل كل بطن وحده.
قوله: [لم يجز بيعه إلا إذا بدا صلاحه]: أي والفرض أن البطون متميز بعضها عن بعض كالنبق والجميز، وأما ما لا يتميز بطونه فإنه يجوز أن يباع كله ببدو صلاح البطن الأول لأن طيب الثاني يلحق طيب الأول عادة كما يأتي في قوله: "وللمشتري بطون نحو مقثأة وياسمين".
قوله: [الزهو]: بفتح الزاي وسكون الهاء وبضمها وتشديد الواو.
قوله: [كالبلح الخضراوي]: أي فيكفي ظهور الحلاوة في البلح الخضراوي لكونه دائماً أخضر.
قوله: [وتلون لبه]: أي بالحمرة والسواد.
قوله: [ومضى بيعه]: يعني أن الحب إذا بيع قائماً مع سنبله جزافاً بعد إفراكه وقبل يبسه على التبقية أو كان العرف ذلك، فإن بيعه لا يجوز ابتداء وإن وقع مضى بقبضه بحصاده، وقولنا: قائماً احتراز مما جز كالفول الأخضر والفريك فإن بيعهما جزافاً جائز بلا نزاع لأنه منتفع به.
قوله: [ولم ييبس]: أي لم يبلغ غاية الإفراك.
قوله: [وقيل بيبسه]: أي فيفوت به وإن لم يحصده. وبقي قول رابع: وهو أنه لا يفوت بالقبض بل بمفوت بعده.
قوله: [وإلا فالبيع جائز]: أي وإلا بأن اشتراه على القطع أو الإطلاق أو كان العرف ذلك وكان لمشتريه حينئذ تركه حتى ييبس، كما في سماع يحيى، وكذا في ابن رشد.
قوله: [ويفسخ مطلقاً]: أي بيع جزافاً أو كيلاً على التبقية أو
стр. 615
إن وقع على الكيل كما تقدم لا جزافاً لعدم رؤيته.
(وللمشتري بطون نحو مقثأة) بفتح الميم: البطيخ والخيار والقثاء (وياسمين) مما له بطون يعقب بعضها بلا تمييز ثم تنتهي أي يقضى له بذلك وإن لم يشترطها.
(ولا يجوز) بيعها (لأجل) كشهر لاختلافها بالقلة والكثرة والصغر والكبر (بخلاف ما لا ينتهي) بطونه كالموز في بعض الأقطار (فيتعين) في بيعه (الأجل) أي بيانه وضربه. وظاهر أن بيع الثمار بعد بدو صلاحها إنما يجوز بغير طعام، وإلا لزم ربا الفضل والنساء إن كان الثمن من جنسها وربا النساء فقط إن لم يكن من جنسها.
ولما كانت العرية من الثمارر [١]؛ وجوزوا فيها بيعها بجنسها بالشروط الآتية - ذكرها بعد ذكر بيع الثمرة مبيناً لشروطها - فقال: (وجاز لمعر): وهو واهب الثمرة (وقائم مقامه) بإرث أو هبة أو اشتراء للأصول مع ثمرها أو لأحدهما فقط (اشتراء ثمرة) فاعل جاز (أعراها): أي وهبها المشتري أو من قام المشتري مقامه وهذا نعت أول كأنه قال: معراة وقوله (تيبس) نعت ثان: أي من شأنها اليبس كبلح وجوز ولوز وعنب وتين وزيتون في غير مصر. لا كموز وعنب وتين بمصر فإنه لا ييبس فيها إذا ترك. وخوخ وبرقوق لعدم يبسه لو ترك.
والحاصل: أن من وهب ثمراً من حائطه لإنسان فإنه يجوز له أن يشتريه منه بخرصه للجذاذ بشروط: أن تكون الثمرة الموهوبة مما ييبس، ويدخر، وأن يكون الشراء (بخرصها) أي قدرها لا بأكثر ولا أقل.
(ونوعها): أي صنفها، فلا يباع تمر بتين ولا تمر صيحاني ببرني وأن يكون الخرص (في الذمة): أي ذمة المشتري في واهب أو قائم مقامه.
(لا) يجوز (على التعجيل)؛ لأن بيعها على الوجه المذكور رخصة يقتصر فيها على ما ورد، ولا في حائط معين، فهذه أربعة شروط.
وأشار لأربعة تصريحاً بقوله: (إن لفظ الواهب) حين الإعطاء (بالعرية) كـ: أعريتك، لا بالهبة ولا الصدقة ولا المنحة على المشهور.
(وبدا صلاحها) وإنما نص على هذا الشرط وإن كان لا يختص بالعرية؛ لئلا يتوهم عدم اشتراطه للرخصة.
(و) كان (المشترى) منها (خمسة أوسق فدون) لا أكثر إن كان أكثر.
(و) كان المشتري (قصد المعروف) مع المعرى له لكفايته المؤنة والحراسة (أو) قصد (دفع الضرر) عن نفسه بدخول المعري له في حائط وتطلعه على عوراته لا إن قصد تجارة ونحوها ولا إن لم يقصد شيئاً.
(و) جاز: (لك شراء ثمر أصل) كائن (لغيرك في حائطك بخرصه) مع بقية الشروط الممكنة. إذ لفظ العرية وكون المشتري هو المعري
ــ
الإطلاق.
قوله: [إن وقع على الكيل]: أي ولم يتأخر تمام حصده ودرسه وذروه أكثر من نصف شهر.
قوله: [من الثمار]: أي من مباحث الثمار فالثمار كلي يتعلق به الجوائح والعرية وكيفية البيع.
قوله: [وجوزوا فيها بيعها بجنسها]: أي مع ما فيها من ربا الفضل والنساء، وذلك لأن شراء الثمرة الرطبة بخرصها يابساً يدفع عند الجذاذ فيه ربا النساء تحقيقاً وربا فضل شكاً لأن الخرص ليس قدر الثمن قطعاً.
قوله: [وجاز لمعر]: قال التتائي: العرية ثمن نخل أو غيره ييبس ويدخر يهبها مالكها ثم يشتريها من الموهوب له بثمر يابس إلى الجذاذ. اهـ.
قوله: [وهو واهب الثمرة]: تفسير للمعري وتسميته بمعر وتسميتها عرية اصطلاح للفقهاء.
قوله: [بإرث]: أي للمعري وقوله [أو هبة] أي: بأن وهبها المعرى له.
وقوله: [أو اشترى للأصول]: أي من المعرى.
قوله: [أو من قام المشتري مقامه]: أي من وارث أو موهوب له أو مشتر فقوله [أو من قام] معطوف على المشتري.
قوله: [تيبس]: إن قلت: المضارع يدل على الحال أو الاستقبال فهو مجمل؟ أجيب: بأن عدوله عن صيغة الماضي للمضارع قرينة الاستقبال.
قوله: [بشروط]: أي ثمانية. وبقي شرطان، أحدهما: كون المشتري هو الواهب أو من يقوم مقامه وهذا مفهوم من قوله: وجاز لمعر إلخ والثاني: كونه مخصصاً بالثمرة وهو مفهوم من قوله: "اشترى ثمرة أعراها تيبس" فالشروط عشرة.
قوله: [ونوعها]: أي وأما شرط اتحاد الصفة فلا. ويجوز بيع جيد بخرصه رديء وعكسه خلافاً للخمي.
قوله: [فهذه أربعة شروط]: قد يقال هي خمسة، والخامس قوله: "لا على التعجيل" لأنه معنى قول خليل: "يوفى عند الجذاذ" فتكون الشروط أحد عشر.
قوله: [وكان المشترى منها خمسة أوسق]: أي ما لم يكن أعرى عرايا لواحد أو متعدد في حوائط أو حائط فمن كل منها خمسة أوسق لكن يشترط أن يكون بعقود متعددة إن كان المعرى له واحداً مع اختلاف زمنها إلا بعقد واحد على الراجح.
قوله: [أو قصد دفع الضرر]: أي فعلة الترخيص في إحدى علتين على البدل إما دفع الضرر عن المعري -بالكسر- الحاصل له بدخول المعرى -بالفتح- وخروجه واطلاعه على ما لا يجب الاطلاع عليه أو للمعروف والرفق بالمعرى -بالفتح- لكفايته المؤنة والحراسة. ويتفرع على الثانية ثلاث مسائل: جواز اشتراء بعضها كثلثها ونصفها ككل الحائط إذا أعرى جميعه وهو خمسة أوسق فأقل، وجواز الشراء المذكور ولو باع المعري الأصول للمعرى -بالفتح-، أو لغيره، كان ذلك قبل شراء العرية أو بعده. وأما على العلة الأولى
стр. 616
لا يتأتى هنا (لقصد المعروف منك) مع صاحب الأصل (فقط)، لا إن قصدت دفع ضرر وأولى عدم قصد شيء. وهذا فيما إذا اشتراها بخرصها. وأما لو اشتراها بعين أو عرض لجاز مطلقاً بشرط بدو الصلاح وهو من مشمولات ما تقدم من جواز بيع الثمر إن بدا صلاحه.
(وبطلت) العرية (بمانع) لمعريها (قبل حوزها بعد ظهور الثمرة) على أصلها، بأن مات معريها أو فلس أو مرض أو جن واتصل مرضه أو جنونه بموته؛ لأنها عطية لا تتم إلا بالحوز كسائر العطايا. إلا أن الحوز هنا لا يفيد إلا بظهور الثمر على الشجر على الأرجح، فلا يكفي الحوز لأصولها قبل ظهور ثمرها فإن حصل للواهب مانع بعد حوز أصلها وقبل بروز الثمر بطلت، وقيل: يكفي ويجري مثل هذا في هبة الثمرة وصدقتها وتحبيسها.
(وزكاتها) أي العرية (وسقيها) ثابتان (على المعري) بالكسر أي معريها، وأما غير السقي من تقليم وتنقية وحراسة فعلى المعرى له.
(و) لو نقصت العرية عن النصاب (كملت) من ثمار معريها وزكاها وأما الهبة والصدقة فزكاتهما على الموهوب له والمتصدق عليه إن حصلا قبل الطيب لأبعده [١] فعلى الواهب.
ثم شرع في بيان حكم الجوائح فقال: (وتوضع جائحة الثمار) عن المشتري (ولو) كان شأنها لا تيبس أو بطوناً لا تنتهي أو تنتهي (كموز ومقاثئ) يشمل البطيخ والخيار والقثاء والقرع والباذنجان، فليس المراد بالثمار خصوص ما ييبس ويدخر كما هو المتعارف. (وإن بيعت على الجذ) فأجيحت قبل تمامه في المدة التي تجذ فيها عادة أو بعدها إن حصل مانع منه (أو) كانت الثمرة (من عريته) فاشتراها معريها بخرصها فأجيحت فتوضع. (أو) كانت الثمرة (مهراً) لزوجة فأجيحت.
ومحل وضعها عن المشتري (إن أصابت) الجائحة (الثلث) فأكثر من الثمر لا أقل (وأفردت) الثمرة (بالشراء) دون أصلها (أو ألحق أصلها) في الشراء (بها): أي بشراء الثمرة (لا عكسه)، وهو شراء أصلها أولاً ثم ألحقت به (أو معه): بأن اشتراهما معاً في عقد، فلا جائحة فيهما ومصيبته من المشتري (أو اعتبر قيمة ما أصيب من بطون ونحوها إلى ما بقي في زمنه): يعني إذا أجيح بطن مما يطعم بطوناً كالمقاثئ -وقد جنى بطنين مثلاً- أو اشترى بطناً واحدة مما لا يحبس أوله على آخره كالعنب، أو اشترى أصنافاً كبرني وصيحاني أو غير ذلك مما تختلف أسواقه في أول مجناه ووسطه وآخره، فإن بلغ ذلك ثلث المكيلة أو الوزن وضع عنه كما تقدم، ثم يعتبر قيمة ما أصيب بالجائحة من البطون أو ما في حكمها كما ذكرنا، وينسب إلى قيمة ما بقي سليماً في زمنه. وعبارة المدونة؛ فإن كان المجاح مما لم يجح قدر ثلث النبات وضع قدره وقيل: له "قيمة المجاح في زمنه". قال الأشياخ: معناه: أن يصير إلى انتهاء البطون، ثم يقال: كم يساوي كل بطن زمن الجائحة على أن يقبض في أوقاته؟ فإذا قيل: قيمة المجاح يوم الجائحة عشرة وقيمة السليم يوم الجائحة على أن يقبض في وقته
ــ
وهي دفع الضرر فلا يتأتى شيء من ذلك.
قوله: [لا يتأتى هنا]: أي والمتأتى هنا تسعة: بدو الصلاح، وكونه بالخرص، ومن نوعها، وعدم اشتراط تعجيل ذلك الخرص، وأن يكون في الذمة، وأن يكون التمر المشترى خمسة أوسق فأقل. وأن يكون الشراء بقصد المعروف فقط، وكونها في الثمار، وكونها مما ييبس. واعتبار هذه الشرط كلها إذا وقع البيع بخرصها كما هو الموضوع. وأما إذا وقع بعين أو عرض فإنما يشترط بدو الصلاح كما أفاده الشارح.
قوله: [وزكاتها]: إلخ إنما كانت زكاتها وسقيها على المعري لأن المعروف في العرية أشد منه في بقية العطايا.
قوله: [ثابتان على المعري]: أي وإن لم يشترها ولو حصلت العرية قبل الطيب بخلاف الهبة والصدقة كما يأتي.
قوله: [وتوضع جائحة الثمار]: الجائحة مأخوذة من الجوح: وهو الهلاك، واصطلاحاً: ما أتلف من معجوز عن دفعه عادة قدراً من ثمر أو نبات بعد بيعه؛ بكذا عرفها ابن عرفة.
وقوله: [من معجوز]: بيان لـ "ما".
وقوله: [قدراً]: مفعول لأتلف. وأطلق في القدر لأجل أن يعم الثمار وغيرها لأن الثمار وإن اشترط فيها كون التالف ثلثاً، لكن البقول لا يشترط فيها ذلك وإنما وضعت جائحة الثمار عن المشتري لما بقي على البائع في الثمرة من حق التوفية.
قوله: [وإن بيعت على الجذ]: أي هذا إذا بيعت على التبقية لأجل أن ينتهي طيبها بل وإن بيعت على الجذ أي القطع وعدم التأخير لانتهاء طيبها.
قوله: [أو من عريته]: أي خلافاً لأشهب القائل بأنها لا توضع جائحتها؛ لأن العرية مبنية على المعروف ومحل الخلاف إذا أعراه ثمر نخلات ثم اشترى عريته بخرصها. أما لو اشتراها بعين أو عرض فإن الجائحة تحط عن المشتري وهو المعري - بالكسر - اتفاقاً وإن أعراه أوسقاً من حائطه ثم اشتراها منه ثم أجيح ثمر الحائط فلم يبق إلا مقدار تلك الأوسق فلا قيام للمعري بالجائحة ولا تحط عنه اتفاقاً؛ فالمسألة ذات صور ثلاث قد علمتها.
قوله: [أو كانت الثمرة مهراً لزوجة]: نص ابن عرفة: وفي لغوها في النكاح لبنائه على المعروف وثبوتها لأنها عوض قولا العتبي عن ابن القاسم وغير واحد عن ابن الماجشون. وصوبه ابن يونس اللخمي. ومحل الخلاف إذا كان المهر ثمراً. وأما لو كان المهر غير ثمر ثم عوضت فيه ثمراً ففيه الجائحة اتفاقاً.
تنبيه: لا جائحة في الثمرة المدفوعة خلعاً ولو على القول بثبوتها في المهر وذلك لضعف الخلع عن الصداق بجواز الغرر فيه دون الصداق.
قوله: [الثلث فأكثر]: أي ولو من كصيحاني
стр. 617
عشرة، حط عنه نصف الثمن. وإذا قيل: قيمة السليم على الوجه المذكور عشرون حط عنه الثلث. وإذا قيل خمسة: حط عنه الثلثان من الثمن ولذا قال: (ولا يستعجل) بالتقويم يوم الجائحة بل يصبر إلى انتهاء البطون ليتحقق المقدار الذي يقوّم ثم يعتبر التقويم يوم الجائحة بأن يقال: ما قيمته يوم الجائحة على أن يقبض في وقته؟ فعلم أنه ليس المراد أنه يقوم كل في زمنه قال أبو الحسن: لم يتأولها أحد عليه وإن كان هو الظاهر منها، وإنما اختلفوا: هل يراعى يوم البيع أو يوم الجائحة، وأن وضع الجائحة إنما يكون إذا أصاب الثلث فأكثر. وأما الرجوع لقيمة المصاب فيثبت بعد إجاحة الثلث قلت أو كثرت.
(وإن تعيبت) الثمرة -كأن أصابها غبار أو عفن من غير ذهاب عينها- (فثلث القيمة) هو المعتبر في وضع الجائحة، لا ثلث المكيلة. فإن نقصت بالعيب ثلث قيمتها فأكثر وضع عن المشتري وإلا فلا. (وهي): أي الجائحة (ما): أي كل شيء (لا يستطاع دفعه) عادة (من) أمر (سماوي) كبرد وثلج وغبار وسموم -أي ريح حار- وجراد وفأر ونار ونحو ذلك (أو جيش، وفي السارق خلاف) قيل: ليس بجائحة لأنه يستطاع دفعه بالحراسة منه، وهو قول ابن القاسم في الموازية وعليه الأكثر. وقيل: من الجائحة، وهو قوله في المدونة وصوبه ابن يونس واستظهر ابن رشد. ومحل الخلاف إذا لم تعلم عينه وإلا اتبعه المشتري.
وما تقدم من أن محل وضع الجائحة إذا بلغت الثلث فأكثر إنما هو فيما إذا أجيحت بغير العطش. وأما بالعطش فيوضع مطلقاً وقد نبه عليه بقوله: (وتوضع) الجائحة الحاصلة (من العطش) مطلقا ً (وإن قل) المجاح ما لم يكن تافهاً لا بال له، وشبه في قوله: وإن قل قوله (كالبقول) بضم الباء الموحدة: كالخس والكزبرة والسلق والهندبا والكراث، ومنه مغيب الأصل: كالجزر والبصل، قال في المدونة: وأما جائحة البقول السلق والبصل والجزر والفجل والكراث وغيرها فيوضع قليل ما أجيح منه وكثيره. اهـ. وسواء أجيحت بعطش أو غيره (والزعفران والريحان والقرط) بضم القاف حشيش يشبه البرسيم في الخلقة (والقضب) بفتح القاف وسكون الضاد المعجمة: ما يرعى من الحشيش (وورق التوت) يشترى لعلف دود الحرير (والفجل ونحوها): أي المذكورات كاللفت والقلقاس والثوم.
(و) إذا وضع من هذه الأشياء ما قل وما كثر (لزم المشتري الباقي): أي ما بقي بعد الجائحة (وإن قل) وليس له فسخ البيع وحله عن نفسه، بخلاف الاستحقاق فإنه يخير في المثلي وإن قل كما هو الموضوع، والفرق كثرة تكرر الجوائح، فكأن المشتري داخل على ذلك بخلاف الاستحقاق. وتقدم أن المقاثي والموز والورد والياسمين ونحوها كالعصفر والفول الأخضر والجلبان ملحقة بالثمار يراعى فيها الثلث فأكثر ويلزم المشتري الباقي.
ــ
وبرني، فلا فرق بين كون المبيع صنفاً واحداً أو صنفي نوع بيعا معاً فأجيح واحد منهما، فإنها توضع إن بلغت ثلث مكيلة الجميع كما رواه ابن المواز عن مالك وابن القاسم وعبد الملك خلافاً لأشهب القائل باعتبار ثلث القيمة إن تعدد الصنف.
والحاصل: أنه لا خلاف في اعتبار كون ما أتلفته الجائحة من أحد الصنفين ثلث المبيع، لكن هل المعتبر ثلث قيمته أو ثلث مكيلته؟ خلاف وموضوعه في صورتين: ما إذا كان المبيع نوعاً لا يحبس أوله على آخره كالمقاثئ، أو كان صنفي نوع وأما لو كان المبيع نوعاً واحداً يحبس أوله على آخره فهذا لا خلاف في اعتبار ثلث مكيلته - كذا في (بن).
قوله: [وإنما اختلفوا] إلخ: حاصله أن الأقوال أربعة؛ قيل: يعتبر قيمة كل في وقته ولا يستعجل بالتقوم. وقيل: يعتبر قيمة كل يوم البيع على تقدير وجود البطون السالمة فيه، فإن أجيحت بطن مثلاً قيل: ما قيمتها يوم البيع، وما قيمة السالم لو كان موجوداً يوم البيع؟ فيقال: كذا. وقيل: يعتبر قيمة كل يوم الجائحة وعلى هذا القول فقيل: يستعجل بالتقويم بحيث يقال: يوم الجائحة ما قيمة المجاح في ذلك الوقت؟ فيقال: كذا. وما قيمة السالم لو كان موجوداً فيه؟ فيقال: كذا. وقيل: يستعجل بتقويم السالم على الظن والتخمين بل بعد انتهاء البطون ينظر كم تساوي كل بطن زمن الجائحة على أنها تقبض بعد شهر مثلاً. وهذا القول هو المعتمد. وفي (بن) عن أبي الحسن أن الأول لم يقل به أحد من أهل المذهب وإنما اختلفوا: هل يراعى في التقويم يوم البيع أو يوم الجائحة؟ وعلى الثاني فقيل: يستعجل بتقويم السالم على الظن والتخمين وقيل لا يستعجل بتقويمه وهو الأصح.
قوله: [لا ثلث المكيلة]: إنما لم يعتبر ثلث المكيلة لأن عينها موجودة لم تذهب ولم يحصل فيها نقص من جهة الكيل، قال في التوضيح: فإن لم تهلك الثمار بل تعيبت فقط بكغبار يصيبها أو ريح يسقطها قبل طيبها فينقص ثمنها. ففي البيان: أن ذلك جائحة ينظر لما نقص هل ثلث القيمة أم لا، وقال ابن شعبان: ليس ذلك جائحة وإنما هو عيب والمبتاع بالخيار بين أن يتمسك أو يرد اهـ (بن).
قوله: [من العطش مطلقاً]: محل ذلك ما لم يكن العطش من تفريط المشتري وإلا فلا توضع عنه.
قوله: [وسواء أجيحت بعطش أو غيره]: أي فليس البقول كالثمار وذلك لأن البقول لما كانت تجذ أولاً فأول لم ينضبط قدر ما يذهب منها.
قوله: [وتقدم أن المقاثي] إلخ: الحاصل أن المقاثي أو الباذنجان والقرع والفجل والجزر والموز والياسمين
стр. 618
وذهب بعضهم إلى أن مغيب الأصل كالثمر يراعى فيه الثلث (وإن انتهى طيبها) أي: الثمار وما ألحق بها بأن بلغت الحد الذي اشتريت له فتوانى المشتري في جذها حتى أجيحت (فلا جائحة) لفوات محل الرخصة، وأما لو أجيحت أيام جذها على العادة فإنها توضع (كالقصب الحلو) فإنه لا جائحة فيه على مذهب المدونة، وقال ابن القاسم: توضع فيه، ابن يونس وهو القياس (ويابس الحب) من قمح أو غيره إذا بيع بيعاً صحيحاً، وذلك بعد يبسه أو قبله على القطع، لكن أبقاه المشتري ليبسه فأجيح؛ فلا جائحة فيه، وأما لو اشتراه قبله على التبقية أو الإطلاق ففاسد ضمانه من بائعه بجائحة أو غيرها بخلاف ما لو اشتراه على القطع فأجيح أيام قطعه المعتاد ففيه الجائحة.
(وإن اختلفا) أي البائع والمشتري (فيها): أي في الجائحة أي في حصولها (فقول البائع) أي فالقول له إنها لم تجح فعلى المشتري الإثبات وإن توافقا عليها. (و) اختلفا (في قدر المجاح): هل هو الثلث أو أكثر أو أقل (فالمشتري) القول له. والله أعلم.
(فصل) في اختلاف المتبايعين في الثمن أو المثمن
(إن) (اختلف المتبايعان في جنس ثمن) كأن قال البائع: بعته لك بدينار. وقال المشتري: بل بثوب (أو) في جنس (مثمن) كـ: بعتك هذا الحمار بدينار، فقال: بل العبد بدينار، وأولى إن اختلفا فيهما معاً، فأو مانعة خلو فقط (أو) اختلفا في (نوعه)، أي الثمن أو المثمن كدنانير ودراهم أو قمح وشعير أو ثوب كتان وثوب قطن (حلفا) أي حلف كل منهما على إثبات دعواه ورد دعوى صاحبه (وفسخ) البيع (مطلقاً) أشبها أو لم يشبها أو انفرد أحدهما بالشبه كان المبيع قائماً أو فات لكن إن لم يفت ردها بعينها (ورد قيمتها في الفوات) وتعتبر القيمة
ــ
والعصفر والفول الأخضر والجلبان حكمها حكم الثمار يراعى فيها ذهاب الثلث. وروى محمد عن أشهب: أن المقاثي كالبقول، يوضع قليلها وكثيرها. والأول أشهر وبه القضاء.
قوله: [وذهب بعضهم إلى أن مغيب الأصل] إلخ: المراد به المتيطي. والحاصل. أن الثمار لا بد في وضع جائحتها من ذهاب الثلث اتفاقاً، والبقول توضع جائحتها وإن قلت اتفاقاً، والمقاثئ مذهب المدونة إلحاقها بالثمار وإلحاق مغيب الأصل بالبقول وألحقه المتيطي بالثمار وألحق أشهب المقاثي بالبقول.
[وإن انتهى طيبها]: لما ذكر أن شرط وضع الجائحة أن تصيب الثمرة قبل انتهاء طيبها ذكر مفهوم ذلك بقوله: "وإن انتهى طيبها". إلخ وحاصله أن الثمرة المبيعة إذا أصابتها الجائحة بعد تناهي طيبها فإنها لا توضع وسواء بيعت بعد بدو الصلاح وتناهي طيبها عند المشتري أو بعد تناهي طيبها على الجذ فأخر جذها لغير عذر فأجيحت والمراد بانتهاء طيبها بلوغها الحد الذي اشتريت له من تمر أو رطب أو زهو.
قوله: [بخلاف ما لو اشتراه على القطع]: أي بالشروط الثلاثة المتقدمة.
قوله: [فقول البائع]: أي لأن الأصل عدمها.
قوله: [فالمشتري القول له]: أي لأنه غارم وهو مصدق فيما غرمه.
تتمة: يخير العامل في المساقاة إذا أصابت الجائحة الثمرة وأجيح الثلث فأكثر ولم يبلغ الثلثين وكان المجاح شائعاً بين سقي الجميع أو تركه بأن يحل العقد عن نفسه ولا شيء له فيما تقدم، فإن كان معيناً في جهة لزمه سقي ما عدا المجاح. وأما إن بلغ المجاح الثلثين فأكثر خير مطلقاً كان شائعاً أو معيناً، وأما لو أجيح دون الثلث لزمه سقي الجميع مطلقاً. ومن باع ثمرة واستثنى كيلاً معلوماً وأجيحت تلك الثمرة فإنه يوضع عن المشتري من ذلك المكيل المستثنى بقدر المجاح من الثمرة بناء على أن المستثنى مشتري، فلو باع ثمرة ثلاثين إردباً بخمسة عشر واستثنى عشرة أرادب فأجيح ثلث الثلاثين وضع عن المشتري ثلث الثمن وثلث القدر المستثنى.
فصل في اختلاف المتبايعين
لما جرى ذكر البائع والمشتري في هذا الفصل وما قبله من أول البيوع إلى هنا كأن قائلاً قال له: فما الحكم إذا اختلفا في جنس الثمن أو نوعه أو قدره أو غير ذلك؟ فعقد لذلك فصلاً.
قوله: [إن اختلف المتبايعان]: أي لذات أو منفعة.
قوله: [بعته لك بدينار]: ومثله أكريته.
قوله: [كبعتك هذا الحمار بدينار]: ومثله أكريته لك بدينار.
قوله: [فأو مانعة خلو فقط]: أي فتجوز الجمع فيصدق موضوع الكلام بثلاث صور اختلاف؛ في جنس الثمن فقط، أو المثمن فقط، أو هما. وإن قلت: كان البيع ذاتاً أو منفعة كانت الصور ستاً ومثلها في اختلاف النوع.
قوله: [وفسخ البيع مطلقاً]: دخل تحت الإطلاق ثمان صور تضرب في الاثنتي عشرة المتقدمة وهي: أشبها أو لم يشبها، أشبه البائع دون المشتري، وعكسه، كان المبيع قائماً أو فائتاً. فجملة الصور ست وتسعون؛ تأمل،
قوله: [ورد قيمتها في الفوات]: أي ولو كان الفوات بحوالة سوق وتقاصا إذا ساوت القيمة الثمن وأما لو زاد أحدهما رجع صاحب الزيادة بها على صاحبه.
стр. 619
(يوم البيع) لا يوم الحكم ولا يوم الفوات، وهذا إذا كان مقوماً فإن كان مثلياً رد مثله.
(و) إن اختلفا (في قدره): أي قدر الثمن كعشرة، وقال المشتري: بل بتسعة (أو قدر المثمن) كثوب بكذا، وقال: المشتري: بل ثوبين به (أو) اختلفا في (قدر الأجل) بعد اتفاقهما عليه وسيأتي ما إذا اختلفا في انتهائه أو في أصله (أو) في (الرهن) بأن قال البائع: برهن، وقال المشتري، بل بلا رهن (أو) في (الحميل) بأن قال البائع: بحميل، وخالفه المشتري (ففي القيام): أي قيام السلعة في هذه الخمس مسائل (حلفا وفسخ) البيع، والفسخ يكون (بحكم) من حاكم (أو تراض) منهما عليه فإن لم يحكم به حاكم ولم يحصل منهما تراض به جاز لأحدهما الرضا بما ادعاه الآخر وتم البيع به (ظاهراً) عند الناس (وباطناً) عند الله معمولان لـ: "فسخ"، وينبني على ذلك: أنه يجوز لمن ردت له السلعة بالفسخ والتصرف فيها بجميع أنواعه ولو بالوطء في الأمة هذا هو المشهور والصحيح، وقيل: ظاهراً فقط (كنكولهما) فإنه يفسخ ظاهراً وباطناً إن حكم به أو تراضيا عليه (وقضي للحالف) منهما على الناكل (وبدأ البائع) بالحلف على الأرجح، فالقول له بيمينه. فإن نكل حلف المشتري وقضى بدعواه ولا يراعى الشبه ولا عدمه عند القيام.
(وإن فاتت) السلعة بحوالة السوق، فأعلى، وقيل: قبضها فوت (فالقول للمشتري بيمين) هذا (إن أشبه) أشبه البائع أم لا، فإن حلف قضي له به وإلا حلف البائع كما يحلف ابتداء إن انفرد بالشبه، فإن نكلا معاً فتقدم.
وشبه في كون القول قول المشتري إن أشبه بيمينه من حيث البدء باليمين قوله: (كالتجاهل في الثمن): بأن قال كل منهما: لا أعلم قدر الثمن الذي وقع به البيع. وورثة كل كهو، ولذا قال: (وإن) كان التجاهل (من وارث) فيبدأ المشتري أو وارثه بيمينه ثم يحلف البائع أو وارثه، فإن حلف كل على نفي العلم ردت السلعة إن كانت قائمة (وعليه) أي المشتري (القيمة في الفوات)، وكذا إن نكلا معاً أو أحدهما، إذ كل منهما يدعي الجهل؛ فالفسخ لا بد منه؛ فترد إن كانت قائمة. فإن ادعى أحدهما العلم والثاني الجهل حلف مدعي العلم وإن لم يشبه إن كانت السلعة قائمة. وإن أشبه
ــ
تنبيه: من الاختلاف في جنس الثمن - كما قال المازري - ما لو انعقد السلم أو بيع النقد على خيل فقال أحدهما: على ذكران، وقال الآخر: على إناث، لتباين الأغراض؛ لأن الإناث تراد للنسل. بخلاف ما لو كان الاختلاف في ذكران البغال وإناثها فإن هذا من الاختلاف في صفة الثمن لأن البغال لا تراد للنسل. وإذا اختلفا فيها فالقول قول البائع بيمين إذا انتقد، وإلا فالقول للمشتري بيمين. ومثل الاختلاف في الجنس والنوع في التخالف والفسخ مطلقاً: الاختلاف في صفة العقد؛ كمن باع حائطه وقال: اشترطت نخلات أختارها بغير عينها، وقال المبتاع: ما اشترطت إلا هذه النخلات بعينها. وترك المصنف الكلام على اختلافهما في أصل العقد لوضوحه وهو أن القول لمنكره بيمين سواء كان هو البائع أو المشتري. ومن هنا مسألة التنازع؛ هل هي أمانة أو بيع أو سلف؟ القول لمنكر البيع لأن الأصل عدم انتقال الملك.
قوله: [يوم البيع]: أي لأنه أول زمن تسلط المشتري على المبيع وهذا قول أبي محمد.
وقال ابن شبلون: تعتبر القيمة يوم ضمان المشتري.
قوله: [بأن قال البائع برهن]: إلخ مثل ذلك الاختلاف في قدره أو جنسه كما في الـ "مج".
قوله: [في هذه الخمس مسائل]. أي التي هي الاختلاف في قدر الثمن وقدر المثمن وقدر الأجل والرهن بحكم الحميل.
قوله: [والفسخ يكون من حاكم]: أي وتعود السلعة لملك البائع حقيقة ظالماً أو مظلوماً، واشتراط الحكم في الفسخ إذا لم يتراضيا عليه قول ابن القاسم، وقيل: يحصل الفسخ بمجرد التحالف كاللعان ولا يتوقف على حكم، وهو قول سحنون وابن عبد الحكم. وتظهر فائدة الخلاف فيما لو رضي أحدهما قبل الحكم بإمضاء العقد بما قال الآخر فعند ابن القاسم له ذلك لا عند مقابله.
قوله: [وبدأ البائع بالحلف]: إنما بدأ البائع باليمين في هذه الأحوال لأن الأصل استصحاب ملكه والمشتري يدعي إخراجه بغير ما رضي به.
قوله: [وإن فاتت السلعة]: أي يبدأ المشتري أو يبدأ البائع على أحد القولين.
قوله: [وإلا حلف البائع] إلخ: حاصل ما ذكره المصنف: أن في المسائل الخمس المذكورة يتحالفان ويتفاسخان عند قيام السلعة، وأما مع فواتها فإن المشتري يصدق بيمين إن ادعى الأشبه؛ أشبه البائع أم لا، ويلزم البائع ما قال المشتري. فإن انفرد البائع بالشبه كان القول قوله بيمين ويلزم المشتري ما قاله، فإن لم يشبه واحد منهما حلفا وفسخ وردت قيمة السلعة يوم بيعها إن كانت مقومة ومثلها إن كانت مثلية ونكولهما كحلفهما ويقضى للحالف على الناكل.
قوله: [بأن قال كل منهما لا أعلم قدر الثمن]: أي فإذا ادعى كل منهما أنه لا يعلم قدر ما وقع به البيع، فإنه يحلف على أنه لا يعلم قدره ويفسخ البيع وترد السلعة إن كانت قائمة فإن فاتت ولو بحوالة سوق رد قيمتها إن كانت مقومة ومثلها إن كانت مثلية فعلم أن كلاً منهما إنما يحلف على تحقيق دعواه فقط. ولا يتصور حلفه على نفي دعوى خصمه لقول كل منهما: لا أدري. واعلم أن نكولهما كحلفهما في الفسخ وكذا نكول أحدهما فيما يظهر، فإذا حلفا أو نكلا أو أحدهما فسخ البيع وردت السلعة.
قوله: [وإن كان التجاهل من وارث]: أي بأن ادعى وارث كل أنه لا يعلم ما وقع به
стр. 620
إن فاتت، فإن نكل فسخ بحكم وردت السلعة في قيامها وقيمتها في فواتها. (وحلف) الحالف منهما (على نفي دعوى خصمه وتحقيق دعواه)، ويقدم النفي بأن يقول البائع: ما بعتها بثمانية، ولقد بعتها بعشرة، ويحلف المشتري: ما اشتريتها بعشرة ولقد اشتريتها بثمانية. قال بعضهم: أن يقتصر على ما فيه حصر كأن يقول البائع: ما بعتها إلا بعشرة ويقول المشتري: ما اشتريتها إلا بثمانية، أو: إنما بعتها أو إنما اشتريتها إلخ.
(و) إن اختلفا (في انتهاء الأجل) عند اتفاقهما عليه -كأن يدعي البائع أول شعبان أن الأجل شهر أوله رجب وقد انقضى- ويدعي المشتري أن أوله نصف رجب فلم ينقض أو أنه شهران (فالقول لمنكر الانتهاء) وأنه لم ينقض (بيمينه إن أشبه) قوله عادة الناس في الأجل، أشبه الآخر أم لا.
(فإن لم يشبهما) معاً (حلفا) على ما تقدم. (وفسخ) البيع (ورد في الفوات القيمة): وإذا لم تفت ردها، وفهم منه: أنه إن انفرد مدعي بقاء الأجل بالشبه فالقول له بيمين. (و) إن اختلفا (في أصله): أي الأجل بأن قال البائع: بلا أجل بل بالحلول، وقال المشتري: بل لأجل كذا (فالقول لمن وافق) قوله (العرف) في بيع السلع، فمثل اللحم والبقول والأبزار وكثير من الثياب شأنها الحلول، وفي مثل العقار شأنها التأجيل. ومن ذلك حال البائع والمشتري.
(وإلا) يوافق قولهما معاً العرف بأن كان الشأن في تلك السلعة أن تباع بأجل تارة وبغيره أخرى (تحالفا وفسخ في القيام) للسلعة (وصدق المشتري بيمين) فيكون القول له بيمينه (إن فاتت).
(و) إن اختلفا (في قبض الثمن) بعد تسليم السلعة بأن قال المشتري: أقبضتك الثمن وأنكر البائع (أو) اختلفا في قبض (السلعة) بأن قال البائع: أقبضتها وأنكر المشتري (فالأصل بقاؤهما) وعدم الإقباض، فالقول لمن ادعى عدمه منهما بيمينه (إلا لعرف) يشهد بخلاف الأصل، فالقول لمن شهد له العرف، كالجزار وبائع الأبزار فقد جرت العادة فيهما أنه لا يقطع اللحم ولا يعطي الأبزار إلا بعد قبضه الثمن، فإذا ادعى بعد أن أعطاه اللحم أنه لم يقبض الثمن فالقول للمشتري بأنه أقبضه إياه. ومعلوم أن العرف يختلف باختلاف الناس.
(ومنه): أي من العرف الذي يعمل بمقتضاه: (طول الزمن): فإذا مضى زمن يقضي العرف بأن المشتري لا يصبر لمثله في أخذ السلعة أو أن البائع لا يصبر لمثله في أخذ الثمن، فالقول لخصمه في الإقباض، والظاهر أنه لا يحد بعامين ولا بأكثر بل يراعى في ذلك أحوال الناس وأحوال الزمن.
ــ
البيع أو وارث أحدهما.
وحاصل الفقه أن وارث كل إذا ادعى الجهل بالمثمن أو ادعاه أحد المتبايعين ووارث الآخر فإنهما يتحالفان: أي يحلف كل بالله الذي لا إله إلا هو إنه لا يعلم القدر الذي وقع به البيع. فإذا حلفا أو نكلا أو حلف أحدهما دون الآخر فسخ البيع وردت السلعة للبائع أو لوارثه إن كانت قائمة، فإن فاتت لزم المشتري قيمتها يوم البيع إن كانت مقومة أو مثلها إن كانت مثلية.
قوله: [وحلف الحالف منهما]: هذا راجع لغير مسألة التجاهل فإن المتجاهل لا تحقيق عنده فالمناسب تقديمه عليه.
قوله: [ويقدم النفي] إلخ: فلو قدم الإثبات على النفي فلا تعتبر يمينه ولا بد من إعادتها، كما قال ابن القاسم. واعلم أن قول المصنف: " [وتحقيق دعواه] مبني على ضعيف " وهو أن اليمين ليست على نية المحلف، وإلا فلا حاجة إلى حلفه على تحقيق دعواه، أفاده البدر القرافي - كذا في الحاشية.
قوله: [ولقد بعتها بعشرة]: أي لأنه لا يلزم من نفي البيع بثمانية البيع بعشرة لجواز أن يكون بتسعة.
قوله: [ولقد اشتريتها بثمانية]: أي لأنه لا يلزم من نفي الشراء بعشرة أن يكون بثمانية لجواز أن يكون بتسعة وهذا المثال الذي قاله الشارح للاختلاف في القدر ويقاس عليه غيره.
قوله: [قال بعضهم: أن يقتصر على ما فيه حصر]: لعل أصل العبارة: "وجاز أن يقتصر" إلخ، وقد صرح بلفظ الجواز في الأصل فقال: "قال بعض وجاز الحصر" أي فالحصر يقوم مقام النفي أو الإثبات ومثل الحصر لفظ فقط في القيام مقامهما.
قوله: [فالقول لمنكر الانتهاء]: أي سواء كان بائعاً أو مشترياً مكرياً أو مكترياً: والفرض عدم البينة فإن كان لأحدهما بينة عمل بها فإن كان لكل بينة على دعواه عمل بأسبقهما تاريخاً.
قوله: [حلفا على ما تقدم]: أي فيحلف كل على نفي دعوى خصمه مع تحقيق دعواه ويقضى للحالف على الناكل.
قوله: [مدعي بقاء الأجل] إلخ: صوابه انتهاء الأجل تأمل.
قوله: [فالأصل بقاؤهما]: أي سواء كان التنازع بين البائع والمشتري أو ورثة كل، فإذا ادعى البائع على ورثة المشتري أن ثمن السلعة التي باعها لمورثهم لم يقبضه وادعى الورثة أنه قبضه من مورثهم قبل موته فلا يقبل دعواهم، لأن الأصل بقاء الثمن عند المشتري ما لم تقم لهم بينة بأن مورثهم أقبض ذلك قبل موته. وهذا إذا اعترفت الورثة بأن مورثهم اشترى تلك السلعة من المدعي. وأما إذا أنكرت الورثة شراء مورثهم من ذلك المدعي فلا تقبل دعوى ذلك المدعي أن له على مورثهم ثمن سلعة إلا ببينة ويمين، فإن ادعى المدعي على من يظن به العلم من الورثة أنه يعلم بدينه كان له تحليفه فإن حلف وإلا غرمه - كذا في الحاشية.
قوله: [إلا لعرف يشهد بخلاف الأصل]: أي فإذا جرى العرف بقبض الثمن أو المثمن فالقول لمن وافقه العرف بيمينه لأنه كالشاهد.
قوله: [طول الزمن]: قال في الأصل ويدخل في العرف طول الزمن في العرض والحيوان والعقار طولاً يقضي العرف بأن البائع لا يصبر بالثمن إلى مثله
стр. 621
(وإشهاد المشتري ببقاء الثمن) في ذمته بأن قال: اشهدوا أن ثمن السلعة التي اشتريتها من فلان في ذمتي (مقتض) عرفاً (لقبض المثمن) فإذا ادعى بعد ذلك أنه لم يقبضه لم يصدق وكان القول للبائع.
(وله) أي للمشتري (تحليف البائع إن قرب) الزمن (من) يوم (الإشهاد، كالعشرة) الأيام (لا الشهر) فليس له تحليفه بل القول للبائع إنه أقبضه السلعة بلا يمين.
(كإشهاد البائع بقبضه): أي الثمن من المشتري (ثم ادعى عدمه) وأنه لم يقبضه، وإنما حملني على الإشهاد بقبضه توثقي به وظني أنه لم ينكر، فله تحليف المشتري إن بادر كالعشر [١] لا أكثر.
(وإن ادعى مشتر بعد إشهاده) على نفسه (بدفع الثمن) للبائع بأن قال: اشهدوا علي بأني دفعته له والبائع حاضر لتتم الشهادة (أنه) معمول لـ "ادعى": أي ادعى أنه (لم يقبض الثمن) من البائع، وادعى البائع إقباضه له، (فالقول له): أي للمشتري بيمينه أنه لم يقبضه (في كالعشرة) الأيام فدون.
(و) القول (للبائع في) البعد (كالشهر - بيمين فيهما): أي في مسألة القول للمشتري ومسألة القول للبائع. هذا قول ابن القاسم، وبه قال بعض الأئمة كابن عرفة وغيره، وتقدم أنه إن أشهد أنه في ذمته، فالقول للبائع مطلقاً، قرب الزمن أو بعد. وللمشتري تحليفه إن بادر، كالعشرة. ولعل الفرق أن الإشهاد على البائع بأنه دفع له الثمن يشعر بأنه لم يقبض السلعة مخافة أنه لو طلبها منه لطالبه بالثمن، بخلاف الإشهاد بأنه في ذمته فإنه يقتضي قبض الثمن كما تقدم، وقال أصبغ: إن الإشهاد بالثمن دفعاً أو في الذمة، مقتض لقبض السلعة، فالقول للبائع مطلقاً. ويمكن حمل كلام الشيخ عليه لأنه أطلق في قوله: "وإشهاد المشتري بالثمن" إلخ ولو لم يذكر بعده الدفع.
(و) إن اختلفا (في البت) والخيار (فلمدعيه): أي فالقول لمدعي البت، لأنه الغالب عند الناس (كمدعي الصحة) القول قوله، دون مدعي الفساد للبيع (إلا أن يغلب الفساد) في شيء - كالصرف والسلم والمساقاة - فإنها لكثرة الشروط فيها يغلب عليها الفساد، فالقول لمدعيه فيها ما لم تقم بينة على الصحة.
(والمسلم إليه؛ إن فات رأس المال): وفواته - إن كان عيناً بالزمن الطويل
ــ
وذلك عامان على قول ابن حبيب، وعشرون على ما لابن القاسم، والأظهر مراعاة أحوال الناس والزمان والمكان. اهـ.
قوله: [وإشهاد المشتري ببقاء الثمن] إلخ: يعني أن المشتري إذا أشهد بأن ثمن السلعة التي اشتراها من فلان باق في ذمته فإن هذا مقتض لقبضه السلعة، فإن ادعى بعد ذلك أن السلعة المبيعة بذلك الثمن لم يقبضها لم يقبل. وله أن يحلف البائع أنه أقبضها له إن بادر.
قوله: [وكان القول للبائع]: أي بيمين إن قرب كالعشرة لا الشهر كما قال الشارح قوله: [كالعشرة الأيام لا الشهر]: قال في الحاشية: وانظر حكم ما بين الجمعة والشهر والظاهر أن ما قارب كلاً يعطى حكم كل وأما المتوسط فالظاهر أنه ليس له تحليفه. اهـ.
قوله: [وظني أنه لم ينكر]: المناسب "لا" بدل "لم".
قوله: [فله تحليف المشتري]: أي حيث لم يعترف البائع بقبض البعض بعد الإشهاد بقبضه، فإن اعترف بقبض بعض الثمن لم يحلف له المشتري ولو بادر لترجح قوله باعتراف البائع بقبض البعض بعد الإشهاد كذا في الحاشية.
قوله: [فإنه يقتضي قبض الثمن] صوابه: المثمن.
قوله: [وقال أصبغ إن الإشهاد بالثمن] إلخ: المعتمد ما قاله ابن القاسم.
قوله: [لأنه أطلق في قوله: وإشهاد المشتري بالثمن]: أي والإطلاق صادق بأن قال: اشهدوا أنه في ذمتي أو أقبضته له.
قوله: [فلمدعيه]: أي ما لم يجر عرف بخلافه؛ كأن جرى العرف بالخيار فقط، وإلا فالقول قول مدعي الخيار. وأما إن اتفقا على وقوع البيع على الخيار لكن ادعاه كل منهما لنفسه، فقيل: يتفاسخان بعد أيمانهما، وقيل: يتحالفان ويكون البيع بتاً. والقولان لابن القاسم والظاهر الأول كما في الحاشية. وهذا ما لم يجر العرف بأن الخيار لأحدهما وإلا عمل به.
قوله: [دون مدعي الفساد]: أي بين وجه الفساد أم لا فات المبيع أم لا، هذا قول بعض القرويين واقتصر عليه (شب) واعتمده بعضهم. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: القول قول مدعي الصحة إن كانت السلعة قد فاتت وإلا تحالفا وتفاسخا، وعليه اقتصر (عب) لكن قد علمت أن ظاهر المصنف وخليل الإطلاق وقد أيده في الحاشية.
تنبيه: هل القول لمدعي الصحة إن لم يغلب الفساد مطلقاً، اختلف الثمن بهما أم لا، أو إنما يكون القول قوله إلا أن يختلف بالصحة والفساد الثمن؟ كدعوى أحدهما وقوعه على الأم أو الولد وادعى الآخر وقوعه عليهما معاً، وكدعوى البائع أن المبيع بمائة والمشتري أنه بقيمته، فكالاختلاف في قدره يتحالفان ويتفاسخان عند قيام السلعة. فإن فاتت صدق المشتري إن أشبه، أشبه البائع أم لا؛ فإن انفرد البائع بالشبه صدق بيمينه وإن لم يشبها حلفا ولزم المبتاع القيمة يوم القبض. وهذا ظاهر حيث كان المشبه مدعي الصحة، وأما إن كان مدعي الفساد فيظهر أنه لا عبرة بشبهه فيتحالفان ويتفاسخان ويلزم القيمة يوم القبض لأنه بيع فاسد، ذكره بعضهم - كذا في الأصل.
قوله [والمسلم إليه] إلخ: حاصل فقه المسألة:
стр. 622
الذي يظن فيه التصرف بها والانتفاع بها. وإن كان غير عين ولو مثلياً بتغير سوق أو ذات (بيده): أي بعد قبضه من المسلم. (كالمشتري): في بيع النقد (يقبل قوله إن أشبه) سواء أشبه المسلم أم لا، فإن لم يشبه وانفرد المسلم بالشبه فالقول له.
(فإن لم يشبها حلف) كل واحد على نفي دعوى صاحبه وتحقيق دعواه. (وفسخ) عقد السلم إذا كان اختلافهما في قدر رأس المال أو في الأجل أو الحميل فيرد ما يجب رده من قيمة أو مثل إذ الموضوع فوات رأس المال بيد المسلم إليه (إلا) إذا كان اختلافهما (في قدر المسلم فيه فسلم وسط) من سلومات الناس في البلد لتلك السلعة وفي الزمن. فما قبل الاستثناء: فيما إذا اختلفا في قدر رأس المال أو جنس المسلم فيه أو في الحميل أو في الأجل، وكلام الشيخ مجمل.
(و) إن اختلفا (في موضعه): أي موضع قبض المسلم فيه (فالقول لمدعي موضع العقد) بيمينه، (وإلا) يدع واحد منهما موضع العقد بل غيره (فالبائع): أي المسلم إليه القول له بيمينه إن أشبه سواء أشبه الآخر أم لا فإن انفرد المسلم بالشبه فقوله بيمين.
(وإن لم يشبه واحد) منهما (حلفا وفسخ) عقد السلم ورد مثل رأس السلم أو قيمته، وهذا إن فات رأس المال بيده. فإن كان باقياً تحالفا وتفاسخا مطلقاً (كفسخ ما يقبض) من المسلم فيه (بكاليمن) بفتح الياء التحتية والميم: اسم للقطر المعلوم، يعني: إذا أسلمه في شيء واتفقا على أن يقبضه منه في اليمن أو في المغرب أو في مصر، وأطلقا - بأن لم يقيداه ببلد معينة [١]- فإنه يفسخ لفساده.
(وجاز) إن قيدا (ببلد كذا) من ذلك القطر: كالقاهرة بمصر، وتونس بالمغرب وصنعاء باليمن، ومكة بالحجاز، ولم يقيدا بمكان من تلك البلد وإذا جاز فلا فسخ.
(وقضي) الوفاء (بسوقها) إن كان لها سوق وتنازعا في مكان القبض، (وإلا) يكن لتلك السلعة سوق (ففي أي مكان منها): أي من تلك [٢] البلد يقضي [٣] المسلم إليه ما عليه.
ولما تقدم ذكر السلم ناسب أن يعقبه ببابه فقال:
(باب)
في بيان السلم وشروطه وما يتعلق به
(السلم): أي حقيقته (بيع) شيء (موصوف): من طعام أو عرض أو حيوان أو غير ذلك مما يوصف، وخرج المعين فبيعه ليس بسلم (مؤجل) خرج غير المؤجل وسيأتي بيان الأجل (في الذمة): أي ذمة المسلم إليه، خرج بيع موصوف لا في الذمة كبيع ما في العدل
ــ
أنه قد سبق أنهما إذا تنازعا في جنس الثمن أو المثمن أو نوعهما تحالفا وتفاسخا في حالة القيام والفوات، ولا فرق بين النقد والسلم. وأما إذا تنازعا في قدر الثمن أو المثمن أو قدر الأجل أو في الرهن أو الحميل، فمع القيام يتحالفان ويتفاسخان لا فرق في ذلك بين بيع النقد والسلم، وأما مع الفوات فينعكس السلم مع بيع النقد ففي بيع النقد الذي يصدق المشتري بيمين إن أشبه، أشبه البائع أم لا. فإن انفرد البائع بالشبه صدق بيمين، فإن لم يشبه واحد منهما تحالفا وتفاسخا. وفي السلم إذا فات رأس المال عيناً أو غيره الذي يصدق بيمينه البائع وهو المسلم إليه إن أشبه، أشبه المسلم أم لا. وإن انفرد المسلم بالشبه فالقول قوله بيمين. فإن لم يشبها تحالفا وتفاسخا إذا كان التنازع في غير قدر المسلم فيه ورد للمسلم ما يجب رده من قيمة رأس المال أو مثله وإذا كان التنازع في قدر المسلم فيه لزم المسلم إليه سلم وسط.
قوله [الذي يظن فيه التصرف]: أي فطول الزمان الذي هو مظنة لما ذكر على العين وهو بيد المسلم إليه منزل منزلة فوات السلعة المقبوضة في بيع النقد، وقيل إن فوات العين بالغيبة عليها.
قوله: [فالقول لمدعي موضع العقد]: أي لأنهما لو سكتا عن ذكر موضع القبض بموضع العقد.
قوله: [فالبائع]: أي لأنه غارم قد ترجح جانبه بالغرم.
قوله [حلفا]: أي وبدأ البائع وهو المسلم إليه.
قوله: [وجاز إن قيدا ببلد كذا]: أي لعدم الجهل.
قوله: [وقضي الوفاء بسوقها]: حاصل كلام الشارح أنه إذا اشترط المسلم قبض المسلم فيه بمكان معين كمصر كان جائزاً، فإن حصل تنازع في محل القبض من تلك البلد قضي بالقبض في سوق تلك السلعة إن كان لها سوق.
قوله: [يقضي المسلم إليه]: أي ويبرأ من عهدته ويلزم المشتري قبوله في ذلك المكان إلا لعرف خاص بالقضاء بمحل خاص وإلا عمل به.
قوله: [ولما تقدم ذكر السلم]: أي في قوله والمسلم إليه إن فات رأس المال بيده إلى آخره.
باب في بيان السلم
قال الخرشي: هو والسلف واحد، في أن كلاً منهما إثبات مال في الذمة مبذول في الحال؛ ولذا قال القرافي: سمي سلماً لتسليم الثمن دون عوض، ولذلك سمي سلفاً. اهـ. ويعني بقوله: دون عوض أي في الحال فلا ينافي أن عوضه مؤجل.
فقوله: [في بيان السلم]: أي حقيقته.
وقوله: [وشروطه]: أي السبعة.
وقوله: [وما يتعلق به]: أي من الأحكام المتعلقة بالصحيح والفاسد.
قوله: [بيع شيء موصوف]: شروع في تعريفه.
قوله: [وخرج المعين]: أي بقوله موصوف.
قوله: [وسيأتي بيان الأجل]: أي في قوله وأن يؤجل بأجل معلوم كنصف شهر.
قوله: [أي ذمة المسلم إليه]: أي الذي هو البائع، وأما دافع الثمن فيسمى مسلماً.
стр. 623
على ما في البرنامج أو غيره وكبيع موصوف بمكان غير مجلس العقد (بغير جنسه) متعلق بـ "بيع"، خرج ما إذا دفع شيئاً في جنسه فليس بسلم شرعاً، وقد يكون قرضاً وسيأتي ذلك كله إن شاء الله تعالى.
وخرج بقوله: "موصوف" بيع الأجل، لأنه اشتراء معين بثمن مؤجل ولو زاد بعده: "غير منفعة" لكان صريحاً في إخراج الكراء المضمون.
ثم إنه يشترط في صحته شروط سبعة زيادة على شروط البيع المتقدم ذكرها:
الأول: تعجيل رأس المال على تفصيل فيه وإليه أشار بقوله: (وشرطه: حلول رأس المال) فيه، فلا يصح الدخول فيه على التأجيل (وجاز تأخيره): بعد العقد (ثلاثاً) من الأيام (ولو) كان التأخير (بشرط) عند العقد سواء كان رأس المال عيناً أو عرضاً أو مثلياً. (وفسد بتأخيره عنها): أي عن الثلاثة الأيام بشرط عند العقد بل (ولو) تأخر (بلا شرط إن كان) رأس المال (عيناً) على ما في المدونة، والذي رجع إليه ابن القاسم: أنه لا يفسد ولو تأخر لأجل المسلم فيه حيث تأخر بلا شرط، وهو قول أشهب وابن حبيب. فإن كان غير عين فلا يفسخ إن كان التأخير بلا شرط في العقد ولو لأجل المسلم فيه لكن قد يجوز التأخير بلا شرط وقد يكره. وإلى ذلك أشار بقوله:
(وجاز) تأخير رأس المال (بلا شرط إن كان لا يغاب عليه) بأن كان يعرف بعينه (كحيوان) وثوب يعرف بصفته ولونه وجاز (لتعينه) فلا يدخل في الذمة بالغيبة عليه (ولو) تأخر (لأجل السلم) على الراجح.
(وكره) التأخير لرأس مال السلم (إن كان يعاب عليه) بأن كان مما لا يعرف بعينه، (مثلياً) كان - كطعام وصوف وقطن وحديد لأنه مما يوزن - (أو عرضاً) - كثياب لا تعرف بعينها. ومحل الكراهة فيما ذكر: (إن لم يحضر العرض) مجلس العقد (أو) لم (يكل الطعام) الذي جعل رأس مال في غير طعام، فإن أحضر ذلك العرض أو كيل الطعام لربه ثم تركه عند المسلم فلا كراهة في تأخيره ولو لأجل السلم. وهذا الذي ذكرناه هو المعتمد الذي به الفتوى، وفي كلام الشيخ أولاً وآخراً نظر من وجوه فراجعها إن شئت.
(و) جاز رأس السلم (بمنفعة) شيء (معين): كسكنى دار وخدمة عبد وركوب دابة (مدة معينة) كشهر إن شرع فيها قبل أجل السلم (ولو انقضت بعد أجله)
ــ
قوله: [على ما في البرنامج]: أي معتمداً فيه على الصفة المكتوبة في الدفتر.
وقوله: [أو غيره]: أي كالكتابة التي توجد فوق العدل.
قوله: [بمكان غير مجلس العقد]: المراد بيع الغائب على الصفة.
قوله: [بغير جنسه]: أي حقيقة كفرس في بعير أو حكماً، كما إذا كان الجنس واحداً واختلفت في المنفعة كفاره الحمر في الأعرابية وسابق الخيل في الحواشي كما سيأتي.
قوله: [وقد يكون قرضاً]: أي فيجري على أحكامه فإن لم يدخله ربا النساء جاز.
قوله: [بيع الأجل]: أي بالمعنى الإضافي وهو ما عجل فيه المثمن وأجل فيه الثمن عكس ما هنا.
قوله: [ولو زاد بعده]: أي بعد قوله موصوف.
وقوله: [لكان صريحاً] إلخ: أي فزيادته تصير الكراء المضمون خارجاً صراحة بخلاف عدم زيادته فتصير التعريف مجملاً.
قوله: [زيادة على شروط البيع]: أي فتلك الزيادة صيرت السلم أخص من مطلق بيع، وإنما زيدت فيه تلك الشروط لكونه رخصة فشدد فيه.
قوله: [على تفصيل فيه]: أي بين العين وغيرها.
قوله: [فلا يصح الدخول فيه على التأجيل]: أي فوق ثلاثة أيام بدليل ما بعده.
قوله: [ولو كان التأخير بشرط]: رد ب "لو" قول سحنون وغيره من البغداديين بفساد السلم إذا أخر رأس المال ثلاثة أيام بشرط لظهور قصد الدين مع الشرط، واختاره عبد الحق وابن الكاتب وابن عبد البر، ومحل اغتفاره ثلاثة أيام ما لم يكن أجل السلم كيومين، وذلك فيما إذا شرط قبضه ببلد آخر، وإلا فيجب أن يقبض رأس المال في المجلس أو بالقرب منه كما يأتي.
قوله: [على ما في المدونة]: حاصل ما في المقام أنه أخر رأس المال عن ثلاثة أيام؛ فإن كان التأخير بشرط، فسد السلم اتفاقاً إن كان التأخير كثيراً جداً، وإن كان التأخير بلا شرط فقولان في المدونة لمالك، بفساد السلم وعدم فساده سواء كثر التأخير جداً أو لا. والمشهور الفساد مطلقاً كما في نقل (ح) عن ابن بشير؛ وكل هذا فيما إذا كان رأس المال عيناً.
قوله: [وجاز تأخير رأس المال بلا شرط] إلخ: أي وأما مع شرط التأخير فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام ويفسد كالعين، قاله في الجواهر لأنه بيع معين يتأخر قبضه، وبيع معين يتأخر قبضه لا يمنع إلا مع الشرط.
قوله: [وهذا الذي ذكرناه هو المعتمد]: أي من كراهة تأخير رأس مال السلم إن كان يغلب عليه مثلياً أو عرضاً إن لم يحضر العرض أو يكل الطعام، وإلا فلا كراهة بل يجوز.
والحاصل: أن تأخير العرض والحيوان - إذا كان رأس مال عن الثلاثة الأيام - إن كان بشرط منع مطلقاً، وإن كان بلا شرط فالجواز في الحيوان ظاهر، وفي الطعام إن كيل، وفي العرض إن أحضر مجلس العقد لانتقال كل من الذمة للأمانة، ولذلك لو هلك يكون في ضمان المشتري وإلا كره في الطعام والعرض. هذا هو المعول عليه، وقيل بكراهة تأخيرهما بلا شرط مطلقاً ولو كيل الطعام أو أحضر العرض.
قوله: [كسكنى دار] إلخ: أي كأن يقول له أسلمتك سكنى داري هذه أو خدمة عبدي فلان أو ركوب دابتي هذه شهراً في إردب قمح آخذه منك في شهر كذا.
قوله: [إن شرع فيها]: أشار بهذا إلى أن منفعة المعين - سواء كان حيواناً أو عقاراً
стр. 624
بناء على أن قبض الأوائل قبض للأواخر، وإنما منعت المنافع عن دين لأنه من فسخ الدين في الدين والسلم ابتداء دين في دين وهو أخف من فسخه، واحترز بـ "معين" [١] على المنفعة المضمونة كقوله: أحملك إلى مكة في نظير إردب قمح في ذمتك تدفعه بعد شهر مثلاً.
(و) جاز السلم (بجزاف) بشروطه بجعل رأس مال في شيء معين.
(و) جاز السلم (بخيار) في عقده لهما أو لأحدهما أو لأجنبي (في الثلاث): أي ثلاثة الأيام فقط ولو كان رأس المال عبداً أو داراً على ظاهر المدونة وهو المعتمد. وقال ابن محرز: الخيار يختلف باختلاف رأس المال من رقيق ودار وغيرهما على ما تقدم في باب الخيار. ومحل جوازه في الثلاثة الأيام: (إن لم ينقد) رأس المال ولو تطوعاً وإلا فسد. للتردد بين السلفية والثمنية.
وشرط النقد مفسد وإن لم ينقد ولو أسقط الشرط. ومحل الفساد بالنقد تطوعاً إن كان مما تقبله الذمة، بأن كان لا يعرف بعينه. فإن كان حيواناً معيناً أو ثوباً يعرف بعينه فلا يفسد بنقده تطوعاً لعدم التردد بين السلفية والثمنية.
(و) جاز (رد زائف) وجد في رأس المال ولو بعد طول.
(و) إذا رد (عجل) البدل وجوباً ويغتفر التأخير ثلاثة أيام إن قام بذلك قبل حلول أجل بكثير، فإن قام به بعد الحلول أو قبله باليومين جاز التأخير ما شاء.
(وإلا) يعجل البدل فيما فيه التعجيل (فسد ما يقابله): أي ما يقابل الزائف (فقط) لا الجميع. وهذا حيث كان رأس المال عيناً وقام بحقه في ذلك كما هو ظاهر. فإن سامحه المسلم إليه من الزائف لم يبطل ما قابله.
(و) الشرط الثاني من شروط السلم: (أن لا يكونا طعامين) ربويين أو غيرهما لما فيه من ربا النساء أو هو مع ربا الفضل: كسمن في بر وعكسه (ولا نقدين): كذهب في فضة وعكسه أو ذهب في ذهب أو فضة في فضة.
(ولا شيئاً في أكثر منه): كثوب في ثوبين من جنس (أو) في (أجود) منه لما فيه من سلف بزيادة (كالعكس) وهو سلم شيء في أقل منه أو أدنى من جنسه
ــ
أو عرضاً - ملحقة بالعين فلا بد من قبضها حقيقة أو حكماً، وقبضها بقبض أصلها ذي المنفعة أو الشروع في استيفائها منه، فلا بد من قبض أصلها حين العقد أو قبل مجاوزة أكثر من ثلاثة أيام.
قوله: [بناء على أن قبض الأوائل] إلخ: بل الشروع في قبضها كاف، ولو قلنا: إن قبض الأوائل ليس قبضاً للأواخر؛ لأن غاية ما فيه ابتداء دين بدين وقد استخفوه في السلم، كذا قيل.
قوله: [تدفعه بعد شهر مثلاً]: محل منع السلم بالمنافع المضمونة ما لم يشرع المسلم إليه في استيفائها، وإلا جاز كما في الخرشي تبعاً للقاني قال (بن) وهو الظاهر، وإذا كان كذلك فلا فرق بين المعينة والمضمونة؛ وقال الأجهوري: لا يجوز بالمنافع المضمونة مطلقاً ولو شرع فيها متمسكاً بظاهر النقل واقتصر عليه (عب) وشارحنا واعتمده بعضهم كما قال في الحاشية.
تنبيه: لو وقع السلم بمنفعة معين، وتلف ذو المنفعة قبل استيفائها رجع المسلم إليه على المسلم بقيمة المنفعة التي لم تقبض ولا يفسخ العقد، قياساً للمنفعة على الدراهم الزائفة، فهذه مستثناة من قولهم في الإجارة: "وفسخت بتلف ما يستوفى منه لا به".
قوله: [بشروطه]: أي المتقدمة في قول خليل "رئي إن" إلخ. وجاز أن يكون رأس المال جزافاً بالشروط ولو نقداً مسكوكاً حيث يجوز بيعه جزافاً، وذلك في متعامل به وزناً فقط.
قوله: [يجعل رأس مال]: وأما جعله مسلماً فيه فلا يصح، لأن من جملة شروطه: أن يرى حين العقد وهو متعذر هنا.
قوله: [وقال ابن محرز]: هو ضعيف، فقد رده عياض وابن عرفة كما قال الحطاب.
قوله: [إن لم ينقد رأس المال ولو تطوعاً]: وتقدمت هذه المسألة مع نظائرها في باب الخيار.
قوله: [وجاز رد زائف] إلخ: أي جاز للمسلم إليه رد الزائف المغشوش بأن يكون الذهب أو الفضة مخلوطين بنحاس أو رصاص، وأما لو وجد المسلم إليه في رأس المال نحاساً أو رصاصاً خالصاً فلا يجوز له رده على المسلم وأخذ بدله، بل يفسد مقابله حيث لم يرض به كما قاله سحنون، وهو المعتمد. وظاهر المدونة عند أبي عمران: أن ذلك مثل المغشوش فيجوز للمسلم إليه رده على المسلم وأخذه بدله، ويجب على المسلم أن يعجل له البدل وإلا فسد ما يقابله، وظاهر شارحنا يوافق المدونة.
قوله: [قبل حلول أجل]: هكذا نسخة الأصل والمناسب: أجله.
قوله: [ألا يكونا طعامين] إلخ: فلا يجوز أن تقول لآخر أسلمك إردب قمح في إردب قمح أو فول ولا أسلمك ديناراً في قدر من فضة أو في دينار ما لم يتحد القدر والصنف ويكون بلفظ القرض أو السلف وإلا جاز. واعلم أن الفلوس الجدد هنا كالعين فلا يجوز سلم بعضها في بعض.
قوله: [لما فيه من ربا النساء]: أي عند تماثل رأس المال والمسلم فيه.
قوله: [أو هو مع ربا الفضل]: أي إن حصلت زيادة وكان الطعام ربوياً.
قوله: [لا نقدين]: أي سواء تساويا رأس المال والمسلم فيه أو زاد أحدهما على الآخر.
قوله: [كثوب في ثوبين]: أي أو كسلم قنطار كتان في قنطارين وإردب في إردبين.
قوله: [أو في أجود منه]: أي كثوب
стр. 625
لما فيه من ضمان بجعل.
ثم استثنى من قوله: "ولا شيئاً في أكثر" إلخ قوله: (إلا أن تختلف المنفعة) في أفراد الجنس الواحد فيصير كالجنسين فيجوز في الأكثر والأجود (كفاره الحمر): جمع حمار. والفاره: سريع السير يجوز سلمه (في) المتعدد من الحمر (الأعرابية): أي الضعيفة السير.
(وسابق الخيل) يجوز سلمه (في) المتعدد من (الحواشي) منها وعكسه. (وجمل): أي بعير (كثير الحمل: أو سابق في) متعدد من (غيره) من الضعاف.
واعلم أن التعدد لا يشترط، وقد عبرت المدونة بالإفراد كما عبرت بالجمع، وكلام اللخمي يفيد أنه لا يشترط اختلاف العدد إلا إذا ضعف اختلاف المنفعة، أما إذ قوي اختلاف المنفعة فيجوز السلم ولو اتحد العدد، فإنه قال: الإبل صنفان صنف يراد للحمل وصنف يراد للركوب لا للحمل، وكل صنف منهما صنفان: جيد وحاشي؛ فيجوز أن يسلم ما يراد للحمل فيما يراد للركوب، فيجوز جيد أحدهما في جيد الآخر والجيد في الرديء والرديء في الرديء، اتفق العدد أو اختلف. وأما إذا كانت كلها تراد للحمل أو الركوب فلا يجوز أن يسلم الجيد بالرديء ولا عكسه وجاز أن يسلم جيد في حاشيين فأكثر وعكسه اهـ.
(و) نحو (قوة البقرة) ذكراً أو أنثى على العمل من حرث ودرس وطحن، فيسلم قويها في ضعيفها وعكسه. (وكثرة لبن الشاة) أو قلته فيسلم أحدهما في الآخر لأن المقصود من الشياه اللبن (إلا الضأن) فكثرة اللبن فيها لا يلتفت له (على الأصح): لأن المقصود منها الصوف لا اللبن
ــ
رديء في جيد وقنطار كتان رديء في أجود.
قوله: [لما فيه من ضمان بجعل]: أي من تهمة ضمان بجعل؛ فإذا أسلمت ثوبين من ثوب فكأن المسلم إليه ضمن للمسلم ثوباً منهما للأجل وأخذ الثوب الآخر في نظير ضمانه، وإنما اعتبروها هنا وألغوها في بيوع الآجال؛ لأن تعدد العقد هناك أضعفها.
قوله: [إلا أن تختلف المنفعة]: اعلم أن المسألة ذات أحوال أربعة: لأن رأس المال والمسلم فيه: إما أن يختلفا جنساً ومنفعة معاً، ولا إشكال في الجواز؛ كسلم العين في الطعام، والطعام في الحيوان، وإما أن يتفقا معاً، ولا إشكال في المنع إلا أن يسلم الثمن في مثله فيكون قرضاً، وإما أن يتحد الجنس وتختلف المنفعة وهو المراد هنا، وإما أن تتحد المنفعة ويختلف الجنس - كالبغال والبراذين من الخيل - وفيه قولان. فمن منع نظر إلى أن المقصود من الأعيان منافعها، ومن أجاز نظر إلى اختلاف الجنس وهو الراجح كما يأتي في قول المصنف، ولو تقاربت المنفعة كذا في (بن).
قوله: [أي الضعيفة السير]: أشار بهذا إلى أن المراد بالأعرابية ضعيفة السير سواء كانت منسوبة للأعراب أي سكان البادية أو كانت غير ذلك لا خصوص المنسوبة للأعراب، وإلا لاقتضى أنه لا يجوز سلم حمار سريع السير في متعدد من المصرية ضعيف غير سريع كحمير الجباسة والترابة، وليس كذلك، بل هو جائز على المعتمد إذ المدار على الاختلاف في المنفعة.
قوله: [وسابق الخيل] إلخ: اعلم أن الخيل إما أعرابية وهي: ما كان أبوها وأمها من الخيل، وإما أعجمية وهي البرذونة وهي: ما كان أبوها من الخيل وأمها من البقر. والعربية قسمان: منها ما كان متخذاً للرماحة والجري وحسنها بكثرة سبقها لغيرها، ومنها ما هو متخذ للهملجة أي للمشي بسرعة كالرهوان وحسنها سرعة مشيها. وأما الأعجمية فهي متخذة للحمل فتارة تكون كثيرة الهملجة وتارة لا تكون كذلك ولا جري فيها. فالهملجة يتصف بها كل من الأعجمية والعربية. إذا علمت ذلك فيجوز سلم أحد النوعين الأعرابيين في الآخر الواحد في اثنين أو في واحد على ما مر، ويجوز سلم كل واحد من النوعين في النوع الثالث الذي هو البرذونة الواحد في اثنين وعكسه.
قوله: [أي بعير]: إنما فسره به ليشمل الذكر والأنثى.
قوله: [فيجوز جيد أحدهما] إلخ: أي فالمدار على قوة اختلاف المنفعة، ولو كان جيد في جيد أو رديء في رديء، اتحد أو تعدد، ومن باب أولى رديء في جيد وعكسه.
قوله: [للحمل أو الركوب]: "أو" مانعة خلو فتجوز الجمع.
قوله [وجاز أن يسلم جيد في حاشيين] إلخ: أي والموضوع أن كلاً يراد للحمل أو الركوب واختلافهما إنما هو بالجودة والرداءة فيجوز إسلام الواحد في المتعدد كجيد في حاشيين فأكثر وحاشيين فأكثر في جيد، ولا يجوز أن يسلم واحد في واحد تقدم الجيد أو الرديء لأنه سلف جر نفعاً - وإن تقدم الرديء - وضمان بجعل إن تقدم الجيد كذا في (بن).
قوله: [فيسلم قويها في ضعيفها]: أي فيجوز أن يسلم ثور قوي على العمل في اثنين ضعيفين لا قوة لهما مثله على العمل. ومقتضى ما تقدم عن اللخمي: أنه لا يشترط التعدد في سلم البقرة متى تباينت المنافع كما إذا كان أحدهما يراد للحرث والآخر يراد للبن أو للذبح. وأما إن اتحدت المنافع - كما إذا كان كل يراد للحرث وحصل اختلاف بالقوة - فلا بد من الاختلاف بالتعدد.
قوله: [وكثرة لبن الشاة]: أي فيجوز سلم شاة كثيرة اللبن في اثنتين ليس فيهما كثرة لبن، ولا مفهوم للشاة بل كذلك يقال في الجاموس والبقر.
قوله: [إلا الضأن]: هذا خلاف ظاهر المدونة، ونصها: لا يجوز أن يسلم ضأن الغنم في معزها ولا العكس إلا شاة غزيرة اللبن موصوفة بالكرم فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم؛ فظاهرها شمول
стр. 626
(وكصغيرين) من كل جنس يجوز سلمهما (في كبير) من جنسه (وعكسه) باتفاق التأويلين (أو صغير في كبير) وعكسه، يجوز على أرجح التأويلين (إن لم يؤد إلى المزابنة بطول الزمان): أي الأجل المضروب إلى أن يصير فيه الصغير كبيراً أو يلد فيه الكبير صغيراً، فيصير ضماناً بجعل في الأولين من المسألتين ويؤدي إلى الجهالة في الثانية، وهي مسألة العكس في الفرعين. فقوله: "إن لم" إلخ راجع لما بعد الكاف.
(بخلاف صغير الآدمي والغنم وطير الأكل): كالدجاج والحمام والإوز، فلا يسلم كبير كل في صغيره ولا عكسه، اتحد عدد كل أو اختلف لعدم اعتبار الصغر والكبر فيها. ورأى الباجي: أن صغير الآدمي جنس مخالف لكبيره لاختلاف المنافع.
(وكجذع طويل غليظ في) جذع أو جذوع (غيره) من القصار الرقاق، فيجوز. وظاهر: أنه لا بد من الوصفين فلا يكفي أحدهما، وهو كذلك خلافاً لابن الحاجب (وسيف قاطع) لجودة جوهريته يجوز سلمه (في أكثر دونه) في القطع والجودة (وكطير علم) صنعة شرعية كالصيد فيسلم في غيره مفرداً ومتعدداً (أو آدمي) علم صنعة شرعية (بكنسج) وخياطة وطرز (وطبخ إلا) الصنعة (السهلة كالكتابة والحساب والغزل): فلا تنقل عن الجنس (إن لم تبلغ النهاية) فإن بلغتها جاز (فكالجنسين) راجع لقوله: "إلا أن تختلف المنفعة" إلخ. أي: فإن اختلفت المنفعة كما ذكر فكالجنسين يجوز سلم أحدهما في الآخر (ولو تقاربت المنفعة) بينهما (كرقيق) ثوب (قطن و) رقيق ثوب (كتان)
ــ
الضأن ولكن المعتمد ما قاله الشارح من أنه لا يشمل الضأن، لأن اللبن فيها كالتابع لمنفعة الصوف، ولأن لبنها غالباً أقل من لبن المعز مع قلة منفعة شعر المعز. فالمقصود من المعز اللبن كما أن المقصود من الضأن الصوف.
قوله: [من كل جنس]: أي ما عدا صغير الآدمي والغنم والطير الذي يراد للأكل كما يأتي على أرجح التأويلين أي وهو ظاهر المدونة. وقد حملها عليه ابن لبابة وابن محرز وغيرهما واختاره الباجي وقال ابن الحاجب: إنه الأصح. وتأولها أبو محمد على عدم الجواز.
قوله: [إن لم يؤد إلى المزابنة]: أي فإن أدى لها منع.
وقوله: [بطول الزمان]: تصوير للتأدية إلى المزابنة، وفيه إشارة إلى أن المراد هنا بالمزابنة الضمان بجعل في الأول والجهالة في الثاني كما أفاده الشارح، وليس المراد بها معناها المتقدم، وهي بيع مجهول بمجهول أو بمعلوم من جنسه، وإن كان يمكن أن تكون هنا من الأول: أعني بيع مجهول بمجهول نظراً لجهل انتفاع المسلم والمسلم إليه برأس المال وبالمسلم فيه.
قوله: [إلى أن يصير] إلخ: بيان لطول الزمان وغاية فيه.
قوله: [أو يلد فيه الكبير صغيراً]: هذا على سبيل الفرض وإن لم يكن شأنه الولادة سداً للذريعة.
قوله: [في الأول من المسألتين]: أي في الأول من كل من المسألتين فتأمل.
قوله: [وهي مسألة العكس في الفرعين]: عكس الأولى كبير في صغيرين وعكس الثانية كبير في صغير.
قوله: [ورأى الباجي] إلخ: قال ابن عبد السلام: هو الصحيح عندي، قال ابن عرفة: وحد الكبير في الرقيق إن فرقنا بين صغيره وكبيره بلوغ سن التكسب بالعمل والتجر، وهو عندي بلوغ خمس عشرة سنة أو الاحتلام.
قوله: [أنه لا بد من الوصفين] أي الطول والغلظ قال في الحاشية: وظاهر المدونة أنه لا بد من تعدد ما يسلم فيه والواجب له لكن قد مر أن المسألة ذات طريقتين، وهما: هل يشترط تعدد المسلم فيه إذا أسلم بعض أفراد الجنس المختلفة المنفعة في بعض أو لا يشترط التعدد؟ وتقدم أن الأرجح عدمه. وقال في الحاشية أيضاً: المعتمد أن الغلظ كاف، وأما الطول وحده فلا يكفي والفرق تيسر قطع الطويل فالمنفعة فيه متقاربة بخلاف الغليظ في رقيقين فإن في نشره كلفة.
قوله: [خلافاً لابن الحاجب]: أي فيكفي عنده أحد الوصفين. واعترضت هذه المسألة: بأن الكبير قد يصنع منه صغار فيؤدي إلى سلم الشيء فيما يخرج منه وهو مزابنة؟ وأجيب: بأن المراد بالجذع المخلوق لا المنجور المنحوت، فإنه يسمى جائزة لا جذعاً، فالكبير لا يخرج منه جذوع بل جوائز، وبأن الكلام في كبير لا يخرج منه الصغير إلا بفساد وهو لا يقصده العقلاء، وبأن المراد بالكبير ما ليس من نوع الصغير كنخل في صنوبر، وهذا الأخير مبني على أن الخشب أجناس وهو الراجح.
قوله: [دونه في القطع والجودة]: أي فلا بد من الوصفين، وأما إن كان دونه في أحدهما فقط فلا يجوز لعدم التباعد. فإن استويا معاً في القطع والجودة منع اتفاقاً فيما إذا كان المقابل متعدداً وجاز في المتحد لأن الشيء في مثله قرض - وإن لم يلفظ بالقرض هنا - لأنه ليس فيه ربا فضل ولا نسيئة. وظاهر شارحنا اشتراط التعدد، وقد تقدم أن الراجح عدمه.
قوله: [كالصيد]: أي وكتوصيل الكتب، واحترز بالشرعية من غيرها كتعليمه الكلام والصياح، فإنه لا يوجب اختلاف المنفعة.
قوله: [مفرداً ومتعدداً]: أي كان من نوعه أو من غير نوعه.
قوله [فإن بلغتها]: فيه ضميران مؤنثان: ضمير الفاعل يعود على الصنعة، والمفعول يعود على النهاية.
قوله: [جاز]: أي جاز سلمها في غير بالغة النهاية، سواء كان المسلم فيه يعرف أصل الصنعة أم لا.
قوله: [ولو تقاربت المنفعة]: أي بخلاف متحد الجنس فلا بد من اختلاف المنفعة كما مر.
стр. 627
فأولى غليظهما أو رقيق أحدهما في غليظ الآخر.
(ولا عبرة بالذكورة والأنوثة): فلا يسلم ذكر في أنثى ولا عكسه حتى في الآدمي على المشهور. لكن قال كثير من المتأخرين بجوازه في الآدمي لاختلاف المنفعة اختلافاً ظاهراً، فإن الذكر يراد للسفر وللزرع ولما يراد في خارج البيت، والأنثى تراد لما يتعلق بالبيت كالطبخ والعجن والخبز ونحوها، وهو ظاهر؛ لأن اختلاف المنفعة يصير الجنس كالجنسين في الآدمي وغيره كما تقدم فقوله: "ولا عبرة" إلخ. أي مجرد ذكورة وأنوثة (ولا) عبرة (بالبيض): أي بكثرته فلا تسلم دجاجة بيوض في غيرها.
(و) الشرط الثالث: (أن يؤجل) المسلم فيه (بأجل معلوم): لا إن لم يؤجل أو أجل بمجهول (كنصف شهر): خمسة عشر يوماً فأكثر لا أقل. والأيام المعلومة عند الناس كالمنصوصة، كما أشار له بقوله: (وجاز) الأجل (بنحو الحصاد) كالدراس ونزول الحاج والصيف والشتاء (واعتبر) من ذلك (المعظم) لا أوله ولا آخره: أي قوة ذلك الفعل عادة ولو لم يقع.
(واعتبر الأشهر بالأهلة) ناقصة أو كاملة؛ فإذا سميا ثلاثة أشهر وكانا في أثناء شهر، فالثاني والثالث بالأهلة (وتمم المنكسر ثلاثين) يوماً من الرابع، ولا ينظر لنقص الأول.
(و) إن أجل (إلى ربيع) مثلاً (حل) الأجل (بأوله، و) إذا قيل بشرط أن أقبضه (فيه): أي في ربيع مثلاً حل الأجل (بوسطه) ولا يفسد السلم (على الأصح)، وكذا لو قال: في سنة كذا، لم يفسد ويحمل على نصف السنة كما صرحوا به. واستثنى من قوله: "وأن يؤجل" إلخ، قوله:
(إلا إذا شرطا قبضه): أي المسلم فيه (ببلد) غير بلد العقد، (فيكفي) في الأجل (مسافة اليومين) ذهاباً (إن شرطا) في العقد (الخروج) إليها ليقبض فيها (وخرجا) بالفعل بأنفسهما أو وكيلهما (حينئذ) أي حين العقد (ببر) لا بحر، (أو) ببحر (بغير ريح)، كالمنحدرين؛ احترازاً من السفر بالريح كالمقلعين فلا يجوز، لأنه ربما أدى إلى قطع مسافة اليومين في نصف يوم فيؤدي إلى السلم الحال ولا بد من تعجيل رأس المال وقت العقد، فمتى انخرم شرط من هذه الشروط فلا بد من ضرب الأجل.
(و) الشرط الرابع: (أن يكون) المسلم [١] فيه
ــ
قوله: [فأولى غليظهما]: وجه الأولوية اختلافهما بالمنفعة اختلافاً قوياً زيادة على اختلاف الجنسية.
قوله: [لكن قال كثير من المتأخرين] إلخ: قال اللخمي في التبصرة: العبيد عند مالك جنس واحد وإن اختلفت قبائلهم، فالبربري والفوري والصقلي وغيرهم سواء لا يسلم أحدهم في الآخر، إلا أن الصنعة تنقلهم وتصيرهم أجناساً إذا كانا تاجرين مختلفي التجارة كبزار وعطار، أو صانعين مختلفي الصنعة كخباز وخياط، فيسلم الصانع في التاجر لا أحدهما في واحد يراد لمجرد الخدمة، ويسلم أحدهما في عدد يراد منه الخدمة.
قوله: [وهو ظاهر]: أي جواز سلم الأنثى في الذكر وعكسه.
قوله: [فلا تسلم دجاجة بيوض في غيرها]: أي في اثنين غير بيوض لعدم الاختلاف في المنفعة، وأما في واحدة غير بيوض فجائز لأنه قرض.
قوله: [أن يؤجل المسلم فيه]: إنما اشترط الأجل لأجل السلامة من بيع ما ليس عند الإنسان المنهي عنه، بخلاف ما إذا ضرب الأجل فإن الغالب تحصيل المسلم فيه في ذلك الأجل فلم يكن من بيع الإنسان ما ليس عنده، إذ كأنه إنما باع ما هو عنده عند الأجل. واشترط في الأجل: أن يكون معلوماً ليعلم منه الوقت الذي يقع فيه قضاء المسلم فيه. والأجل المجهول لا يفيد للغرر، وإنما حد أقل الأجل بخمسة عشر يوماً لأنها مظنة اختلاف الأسواق غالباً واختلافها مظنة لحصول المسلم فيه فكأنه عنده.
قوله: [كالمنصوصة]: أي فمن لهم عادة بوقت القبض لا يحتاجون لتعين الأجل، وذلك كأرباب المزارع وأرباب الألبان وأرباب الثمار، فإن عادة الأول القبض عند حصاد الزرع وعادة من بعدهم الوفاء بدفع ما عليهم زمن الربيع وزمن جذ الثمار.
قوله: [والصيف والشتاء]: أي ولو لم يعرفا للمتعاقدين إلا بشدة الحر أو البرد لا بالحساب.
قوله: [واعتبر من ذلك المعظم]: أي الوقت الذي يحصل فيه غالبه وهو وسط الوقت لذلك.
قوله: [ولو لم يقع]: أي هذا إذا وجدت الأفعال أعني الحصاد والدراس في العقد أو لم توجد فيها.
قوله: [واعتبر الأشهر بالأهلة]: أي وكذلك الشهر والشهران فتجعل "أل" في الأشهر للجنس.
قوله: [حل الأجل بأوله]: أي بأول جزء منه أي بآخر أول جزء منه أي بآخر الليلة الأولى، وعلى هذا اقتصر المواق، وقيل: المراد بأوله: رؤية هلاله. وثمرة الخلاف تظهر إذا طالب المسلم المسلم إليه وقت رؤية الهلال وامتنع المسلم إليه من الدفع وقال: لا أدفع إلا بعد مضي الليلة الأولى، فإن المسلم إليه يجبر على الدفع على القول الثاني لا على الأول.
قوله: [على الأصح]: أي وهو الذي رجحه ابن رشد في نوازل أصبغ من كتاب النذور، ورجحه أيضاً ابن سهل وعزاه لمالك في المبسوط والعتبية قائلاً: يكون حلول الأجل في وسط الشهر إذا قال في شهر كذا، وفي وسط السنة إذا قال في سنة كذا.
قوله: [من هذه الشروط]: أي الخمسة وهي أن يكون البلد الثانية على مسافة يومين من بلد العقد وأن يشترط في العقد الخروج فوراً وإن لم يخرجا بالفعل إما بأنفسهما أو بوكيلهما، وأن يعجل رأس المال في المجلس أو قربه أو أن يكون السفر ببر أو بغير ريح.
والحاصل أن السلم لا بد أن يؤجل بأجل معلوم أقله نصف شهر، إلا إذا اشترط قبضه بمجرد الوصول لبلد غير بلد العقد فيصح بتلك الشروط الخمسة، ولا يشترط التأجيل بنصف شهر.
стр. 628
(في الذمة، لا في) شيء (معين) غائب أو حاضر لفساد بيع معين يتأخر قبضة.
(و) الشرط الخامس: (أن يضبط) المسلم فيه (بعادته) التي جرى بها العرف (من كيل) فيما يكال كالحب (أو وزن) فيما يوزن كالسمن والعسل (أو عدد) فيما يعد (كالرمان والبيض، وقيس) ما يعد من رمان ونحوه كبطيخ أي اعتبر عند العقد قياسه (بخيط) لاختلاف الأغراض بالكبر والصغر (أو بحمل) الأولى عطفه على: "بعادة" لأن الحمل بكسر الحاء المهملة وما بعده ليس له قدر معين في العادة، أي أو يضبط بحمل بأن يقاس حبل، ويقال: أسلمك فيما يملأ هذا الحبل (أو جرزة) بضم الجيم وسكون الراء: حزمة من القت والأغمار (في كقصيل): ما يقصل ويجذ نحو فول وبرسيم وكتان.
(لا) يصح الضبط (بفدان) أو قيراط لما فيه من الجهل (أو) يضبط (بالتحري) عند عدم آلة وزن لا عند وجودها (كنحو كذا): أي قدر عشرة أرطال أو قنطار على أحد التأويلين في معنى التحري (أو نحو هذا): أي أو يأتي بشيء كقدر من لحم أو خبز أو نحو ذلك ويقول: أسلمك في قدر زنة هذا، على التأويل الثاني في معناه، قال أبو الحسن عن عياض: ذهب ابن أبي زمنين وغير واحد إلى أن معنى التحري أن يقول: أسلمك في لحم أو خبز يكون قدر عشرة أرطال، وقال ابن زرب: إنما معناه أن يعرض عليه قدراً ويقول آخذ منك قدر هذا كل يوم ويشهد على المثال اهـ.
(وفسد) السلم (بمعيار مجهول): كزنة هذا الحجر أو ملء هذا الوعاء.
(و) الشرط السادس: (أن تبين الأوصاف) تبييناً شافياً
ــ
تنبيه: لو حصل عائق عن الخروج ورجي انكشافه انتظر وإلا خير المسلم إليه في البقاء والفسخ - قاله البدر القرافي. وأما لو ترك الخروج من غير عائق فسد العقد؛ فإن سافر ووصل قبل مضي اليومين فإن كان السفر ببر أو بغير ريح كان صحيحاً، ولكن لا يمكن من القبض حتى يمضي اليومان وإن كان السفر بريح كان فاسداً.
قوله: [في الذمة]: قال القرافي الذمة: معنى شرعي مقدر في المكلف قابل للالتزام واللزوم. ونظمه ابن عاصم بقوله:
والشرح للذمة وصف قاما ... يقبل الالتزام والإلزاما
أي وصف قام بالنفس به صحة قبول الالتزام كـ: لك عندي دينار وأنا ضامن كذا، وقبول الإلزام كألزمتك دية فلان، كذا في الأصل.
قوله: [لفساد بيع معين يتأخر قبضه]: إنما كان فاسداً لأنه قد يهلك قبل قبضه فيتردد الثمن بين السلفية إن هلك والثمنية إن لم يهلك.
قوله: [أن يضبط المسلم فيه بعادته]: أي فلا يصح إذا لم يضبط كـ: خذ هذا الدينار سلماً على قمح مثلاً، من غير ضبط لقدره أو ضبط بغير ما يضبط به كخذ هذا الدينار سلماً على قنطار قمح أو إردب لحم أو إردب بيض أو قنطار بطيخ.
قوله: [أي اعتبر عند العقد قياسه بخيط]: أي ويوضع ذلك الخيط عند أمين حتى يتم الأجل؛ فإذا حضر الرمان مثلاً قيس كل رمانة بذلك الخيط.
قوله: [بأن يقاس حبل]: أي ويوضع تحت يد أمين كما تقدم في الخيط.
تنبيه: لو ضاع الخيط أو الحبل الذي اعتبر وتنازعا في قدره، فإن قرب العقد بأن لم يفت رأس المال تحالفا وتفاسخا. وإن فات فالقول قول المسلم إليه إن أشبه، فإن انفرد المسلم بالشبه كان القول قوله، فإن لم يشبه واحد حملا على الوسط في الخيط والحبل.
قوله: [لا يصح الضبط بفدان أو قيراط]: أي ولو اشترط كونه بصفة جودة أو رداءة لأنه يختلف ولا يحاط به فلا يكون السلم في القصيل والبقول إلا على الأحمال أو الحزم.
قوله: [عند عدم آلة وزن]: لا مفهوم له، بل مثله عدم آلة كيل كما في (بن) وغيره.
وحاصله: أنه إذا فقدت آلة الوزن - وكنا نعلم قدرها - واحتجنا للسلم في اللحم مثلاً يجوز أن يسلم الجزار في مائة قطعة مثلاً كل قطعة لو وزنت كانت رطلاً أو رطلين مثلاً، وكذلك إذا عدمت آلة الكيل وعلم قدرها واحتيج للسلم في الطعام فيقول المسلم للمسلم إليه: أسلمك ديناراً في قمح ملء زكيبتين مثلاً كل زكيبة لو كيلت كانت إردباً مثلاً آخذه منك في شهر كذا، هذا معنى ضبط السلم بالتحري على أحد التأويلين. والتأويل الثاني يقول: المراد أن تأتي للجزار بحجر أو بقطعة لحم مثلاً وتقول له: أسلمك في مائة قطعة من اللحم كل قطعة لو وزنت كانت قدر هذا الحجر أو قدر هذه القطعة. والغرض أنه لا يوزن اللحم بعد حضوره بهذا الحجر أصلاً بل إذا جاء الأجل أعطى المسلم إليه للمسلم مائة قطعة مماثلة لذلك الحجر تحرياً بدون أن توزن وإلا فسد. ومن ذلك لو أتى لصاحب القمح بقفة لا يعلم قدرها ويقول له: أسلمك ديناراً في قمح لو كيل بهذه القفة لكان ملأها مرة أو مرتين آخذه في يوم كذا، ولا يكال بها عند حضوره بل تتحرى المماثلة كملئها مرة أو مرتين وإلا فسد للجهل فالتأويل الأول لابن أبي زمنين، والثاني لابن زرب.
قوله: [وفسد السلم بمعيار مجهول]: أي إذا تعاقدا على كونه يكال به أو يوزن به بالفعل لا بالتحري فيجوز عند عدم الآلة كما تقدم.
стр. 629
(التي تختلف بها الأغراض) في المسلم فيه (عادة) في بلد السلم (من نوع) كقمح وشعير وفول ونحو ذلك (وصنف): كبربري ورومي وحبشي، وبخت وعراب، وضأن ومعز، وكتان وقطن وحرير وصوف (وجودة ورداءة وبينهما و) أن يبين (اللون في الآدمي والثوب والعسل) لاختلاف الأغراض فيه: كجارية بيضاء أو سوداء أو عبد كذلك، كثوب أبيض أو أسود أو أحمر بعد بيان صنفه، أو عسل كذلك.
(و) يبين (مكان الحوت): إن احتيج ككونه من بركة أو غدير أو بحر
(و) مكان (الثمر) ككونه من الطور أو من الشام أو من مصر وهكذا (وناحيتهما): إن احتيج لذلك كالجهة الشرقية أو الغربية أو الغيط الفلاني.
(و) يبين (القدر) في الجميع. (و) يبين (في الحيوان) مطلقاً عاقلاً أو غيره (السن) المستلزم لبيان الصغر والكبر (والذكورة والأنوثة والقدر) المستلزم للطول والقصر والتوسط بينهما.
(وفي البر): أي القمح (السمراء والمحمولة) إن اختلفت الأغراض بهما (والجدة والملء وضدهما): القدم والضمور. (وفي الثوب الرقة والطول والعرض وضدها): الثخن والقصر وقلة العرض.
(وفي الزيت: المعصر منه): كزيتون أو سلجم أو حب فجل أو كتان أو سمسم (وناحيته) كمغربي أو شامي.
(وفي اللحم): بعد بيان نوعه من بقر أو ضأن أو غيرهما (السن والسمن والذكورة وضدها): من هزال أو أنوثة (وكونه راعياً): أي الحيوان الذي منه ذلك اللحم (أو معلوفاً) حيث احتيج لذلك (أو) كونه (من جنب أو رقبة) ونحو ذلك إن اختلفت الأغراض.
(و) يبين في كل شيء أسلم فيه من لؤلؤ ومرجان أو زجاج (أو معدن) كحديد ورصاص وكحل (أو) شيء (مطبوخ) من لحم أو غيره، أو منسوج أو مصاغ من حلي، أو أواني أو غير ذلك (ما يحصره): أي يضبطه (ويميزه): أي يعينه في الذهن حتى تنتفي الجهالة به. ولو أسلمه في شيء وشرط الجودة أو الرداءة وأطلق صح.
(وحمل في الجيد) على الغالب منه في البلد.
(و) حمل في (الرديء على الغالب): أي الكثير منه في البلد (وإلا) يغلب شيء (فالوسط) من الجيد أو من الرديء يقضى به.
(و) الشرط السابع: (أن يوجد) المسلم فيه (عند حلوله غالباً) ولا يضر انقطاعه قبل حلول الأجل مع وجوده عنده.
ــ
تنبيه: يجوز السلم بقياس ذراع رجل معين كأسلمك ديناراً في ثوب طوله ثلاثون ذراعاً بذراع فلان وأراه إياه، فإن لم يعين الرجل ففي سماع أصبغ عن
ابن القاسم: يحملان على ذراع وسط. أصبغ وهذا مجرد استحسان. والقياس الفسخ.
فإن خيف غيبة الذراع المعين أخذ قدره وجعل بيد عدل إن اتفقا، وإلا أخذ كل منهما قياسه عنده. فإن مات أو غاب ولم يؤخذ قياسه وتنازعا في قدره جرى فيه ما تقدم في غيبة الخيط والحبل.
قوله: [التي تختلف بها الأغراض]: أي وإن لم تختلف فيها القيمة؛ فإنه لا يلزم من اختلاف الأغراض اختلاف القيم.
قوله: [وأن يبين اللون في الآدمي]: أي فاللون وغيره إنما يحتاج لبيانه إذا كانت الأغراض تختلف باختلافه كالثياب والعسل وبعض الحيوان كالآدمي والخيل.
قوله: [كالجهة الشرقية]: أي ككون التمر مدنياً أو ألواحياً أو برلسياً.
قوله: [السمراء]: وهي الحمراء. والمحمولة هي البيضاء.
قوله: [إن اختلفت الأغراض بهما]: أي في ذلك البلد وإلا فلا يجب البيان. واعترض على المصنف بأنه: إن أريد بالسمراء والمحمولة: مطلق سمراء ومحمولة، كان ذكر النوع مغنياً عنهما، لأنهما نوعان من البر. وإن أريد بهما سمراء على وجه خاص أي شديدة الحمرة ومحمولة على وجه خاص أي شديدة البياض، كانت الجودة والرداءة مغنية عنهما لأنهما داخلان في الجودة والرداءة. فتحصل أن ذكر النوع والجودة والرداءة مغن عن ذكر السمراء والمحمولة - هكذا بحث بعضهم تأمله.
قوله: [المعصر منه]: اعترض بأن المسموع في فعله عصر ثلاثياً، فكان حقه أن يقول المعصور منه - كذا بحث ابن غازي في كلام خليل. وأجاب بعضهم بورود أعصر الرباعي في قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من المعصرات﴾ [النبأ: ١٤] قيل: هي الريح لأنها تعصر السحاب.
قوله: [من لؤلؤ]: واحده لؤلؤة ويجمع على لآلئ وفيه أربع لغات: لؤلؤ بهمزتين وبغير همزة وبضم أوله دون ثانيه وبالعكس.
قوله: [أو زجاج]: مثلث الزاي واحده زجاجة.
قوله: [أو شيء مطبوخ]: أي فلا يشترط في المسلم فيه أن يكون ذاتاً قائمة بعينها لا تفسد بالتأخير، بل يجوز أن يكون مستهلكاً لا بقاء له لفساده التأخير كالمطبوخ سواء كان لحماً أو غيره، ومثاله: أن يقول: خذ هذا الدينار سلماً على خروف محمر وآخذه منك في يوم كذا. ولا فرق بين المطبوخ بالفعل حين العقد - كالخرفان المسبكة والمربات التي لا تفسد بالتأخير - أو كان يطبخ عن الأجل.
قوله: [أي الكثير]: كما فسر ابن فرحون معنى الغالب. وقيل: معنى الغالب أي في إطلاق لفظ الجيد عليه كما فسر به الباجي.
قوله: [أن يوجد المسلم فيه عند حلوله غالباً]: أي بأن يكون مقدوراً على تسليمه وقت حلول الأجل لئلا يكون الثمن تارة سلفاً وتارة ثمناً.
قوله: [ولا يضر انقطاعه قبل حلول الأجل]: أي فلا يشترط وجوده في جميع
стр. 630
ثم بين بعض محترزات بعض الشروط بقوله:
(فلا يصح) السلم (فيما لا يمكن وصفه: كتراب معدن) لما علمت أنه يشترط بيان وصفه التي تختلف بها الأغراض فما لا يمكن وصفه مجهولة حقيقته (ولا) يصح سلم في (جزاف) لما علمت أنه يشترط أن يكون في الذمة وشرط صحة بيع الجزاف رؤيته وبرؤيته كان معيناً.
(و) لا يصح سلم في (أرض ودار) وحانوت وخان وحمام؛ لأنها ببيان محلها ووصفها صارت معينة لا في الذمة.
(و) لا يصح في (نادر الوجود): لعدم وجوده في الغالب عند الأجل فيلزم عليه بيع ما ليس عندك [١] وما لا قدرة لك على تسليمه.
(وإن انقطع ما) أي مسلم فيه (له إبان): أي وقت معين يظهر فيه كبعض الأثمار (خير المشتري في الفسخ) وأخذ رأس ماله.
(و) في (البقاء) لقابل، حتى يظهر المسلم فيه في وقته (إن لم يأت القابل) وظهر المسلم فيه، فإن أتى (فلا فسخ) وتعين أخذ المسلم فيه. ومحل التخيير: إذا لم يكن التأخير حتى انقطع بسبب المشتري، وإلا وجب الإبقاء لقابل لأنه قد ظلم البائع حيث فرط في أخذ حقه، فتخييره زيادة ظلم له، ذكره ابن عبد السلام.
(وإن قبض) المشتري (البعض) من المسلم فيه وانقطع (وجب) عليه (التأخير) لقابل ولا تخيير له (إلا أن يرضيا): أي المشتري والبائع (بالمحاسبة) فإن كان المشتري قبض النصف مثلاً رد البائع له نصف رأس السلم فيجوز، سواء كان رأس المال مقوماً أو مثلياً كما صرح به الشيخ فعلم أن محل تخيير المشتري مقيد بقيود ثلاثة: أن لا يصبر حتى يأتي العام القابل، وأن لا يقبض البعض، وأن لا يكون التأخير حتى انقطع بسببه.
(وجاز قبل) حلول (الأجل قبوله): أي المسلم فيه (بصفته) التي وقع العقد (فقط): لا أزيد ولا أنقص لما فيه من: حط الضمان وأزيدك، أو: ضع وتعجل (كقبل المحل) الذي شرط القبض فيه، أو مكان العقد إذا لم يشترط مكان غيره فيجوز قبوله في غير ذلك المكان (إن حل) الأجل، لا إن لم يحل، عرضاً أو طعاماً، هذا مذهب ابن القاسم وقال سحنون: يجوز مطلقاً حل أم لا فيهما، فتفصيل الشيخ لم يوافق واحداً منهما
ــ
الأجل، بل الشرط وجوده أي القدرة على تحصيله عند حلول الأجل، ولو انقطع في أثناء الأجل، بل ولو انقطع في الأجل بتمامه ما عدا وقت القبض، خلافاً لأبي حنيفة المشترط وجوده في جميع الأجل.
قوله: [ثم بين بعض محترزات بعض الشروط]: هكذا نسخة المؤلف بذكر "بعض" أولاً وثانياً، ومعناها: أنه لم يستوف محترزات البعض الذي تعرض له من تلك الشروط.
قوله: [كتراب معدن]: هذا وما بعده أمثلة لما يصح فيه المسلم وإن صح فيه أصل البيع لاختصاص السلم بزيادة تلك الشروط فلا يلزم من عدم صحة السلم فيه عدم البيع من أصله.
قوله: [بيان وصفه]: المناسب صفته لأجل ما بعده.
قوله: [أي مسلم فيه له إبان]: أي من السلم الحقيقي بأن كان غير محصور في قرية أو في قرية مأمونة. وأما إن انقطع ثمر الحائط المعين الذي أسلم في كيل معلوم منه أو ثمر القرية غير المأمونة الذي أسلم في كيل معلوم منها، فإنه يرجع المسلم بحصة ما بقي له من السلم عاجلاً اتفاقاً، ولا يجوز التأخير لأنه فسخ دين في دين، وله أخذ بدله ولو طعاماً. وهل يرجع على حسب القيمة؟ فينظر لقيمة كل مما قبض ومما لم يقبض في وقته ويفض الثمن على ذلك، فإذا أسلم مائة دينار في مائة وسق من ثمر الحائط المعين ثم قبض من ذلك خمسين وسقاً وانقطع، فإذا كان قيمة المأخوذ مائة وقيمة الباقي خمسين فنسبة الباقي للمأخوذ الثلث فيرجع بثلث الثمن - قل أو كثر - وعليه الأكثر؟ أو يرجع على حسب المكيلية؟ فيرجع بنسبة ما بقي منها من غير تقويم فيرجع بنصف الثمن في المثال؟ تأويلان.
تنبيه: حيث تقرر أن المسلم فيه لا بد أن يكون ديناً في الذمة، وثمر الحائط المعين ليس في الذمة، فلا يتعلق به العقد على وجه السلم الحقيقي. والعقد المتعلق به، إنما هو بيع حقيقة فيجري على حكمه، غير أنه تارة يقع العقد على تسميته سلماً وتارة يقع عليه مجرداً عن التسمية المذكورة، ولكل منهما شروط يتفقان في معظمها. وهذه إحدى المواضع التي فرقوا فيها بين الألفاظ، فيشترط في شراء ثمر الحائط - إن سمي سلماً - إزهاؤه وسعة الحائط وكيفية قبضه متوالياً أو متفرقاً، وكون عقد السلم مع المالك له وشروع المسلم في الأخذ ويغتفر تأخير الشروع لنصف شهر وأخذه بسراً أو رطباً لا تمراً فلا يجوز. وإن سمي بيعاً: اشترط فيه تلك الشروط ما عدا كيفية قبضه - هذا ملخص ما في الأصل.
قوله: [سواء كان رأس المال مقوماً أو مثلياً]: أي خلافاً لسحنون فإنه يمنع المحاسبة في المقوم لعدم الأمن من الخطأ في التقويم.
قوله: [وجاز قبل حلول الأجل] إلخ: هذا شروع في حكم اقتضاء السلم حقه ممن هو عليه فهذا الأمر جائز بلا جبر حيث قضاه قبل الأجل أو المحل لأن الأجل في المسلم حق لكل منهما ما لم يكن المسلم فيه نقداً، وإلا أجبر المسلم على قبوله قبل الأجل إن طلبه المسلم إليه لأن الأجل حق لمن عليه الدين وأما في القرض فيجبر المقرض على قبوله قبل أجله كان القرض عيناً أو غيره.
قوله: [لما فيه من: حط الضمان وأزيدك]: راجع لقوله "لا أزيد"
وقوله: [أو ضع وتعجل]: راجع
стр. 631
وظاهر بحث بعضهم المنع مطلقاً.
(ولم يدفع) البائع للمشتري (كراء) لحمله لمحل القبض لما في دفعه من الزيادة ففيه: حط الضمان وأزيدك الكراء.
(ولزم) المشتري القبول كما يلزم البائع الدفع (بعدهما): أي بعد الأجل والمحل.
(وجاز) بعدهما (أجود) مما في الذمة دفعاً وقبولاً لأنه حسن قضاء (وأدنى) صفة كذلك، لأنه حسن اقتضاء وهو من باب المعروف.
(لا أقل) كيلاً أو وزناً أو عدداً طعاماً كان أو نقداً (إلا أن) يقبل الأقل و (يبرئه من الزائد) فيجوز لأنه معروف لا مكايسة. وأما العروض كالثياب فيجوز قبول الأقل مطلقاً، أبرأه أم لا، وكذا المثلي إذا لم يكن طعاماً ولا نقداً كالحديد والنحاس.
(و) جاز القضاء (بغير جنسه): أي المسلم فيه (وإن قبل الأجل) بشروط ثلاثة أفادها بقوله (إن عجل) المدفوع من غير جنسه، وإلا لزم فسخ الدين في الدين (وكان المسلم فيه غير طعام) ليسلما من بيع الطعام قبل قبضه.
(وصح سلم رأس المال فيه): أي في المدفوع من غير الجنس، كما لو أسلمه ثوباً في عبد فقضى عنه بعيراً، فإنه يصح سلم الثوب في البعير.
ثم ذكر محترز الشرط الأخير بقوله: (لا) يصح قضاء (بذهب) عن عبد مثلاً (ورأس المال) عن المسلم فيه كالعبد (ورق وعكسه): أي بورق ورأس المال ذهب، لأنه يؤول إلى سلم ذهب في فضة وعكسه وهو صرف مؤخر.
(ولا) يصح القضاء (بطعام) يدفعه عن ثوب مسلم فيه (ورأس المال) فيه (طعام) وإلا لزم طعام بطعام نسيئة، ومتى كان المسلم فيه طعاماً فلا يجوز قضاء غيره عنه طعاماً كان أو غيره لما فيه من بيع الطعام قبل قبضه.
ولظهور هذا تركناه لفهمه من الشرط الثاني بسهولة، ولا حاجة إلى ذكر الشرط الذي ذكره الشيخ بقوله: "وبيعه بالمسلم فيه مناجزة"، ولا محترزه بقوله: "لا لحم بحيوان" لأن الكلام في قضاء المسلم فيه بغير جنسه. وإذا قضينا عن حيوان لحماً من غير جنسه جاز كعكسه ولو كان من جنسه خرجنا عن الموضوع.
(ولا يلزم) المسلم إليه (دفعه): أي المسلم فيه للمسلم
ــ
لقوله أو انقص.
قوله: [وظاهر بحث بعضه المنع مطلقاً]: اعلم أن في العرض والطعام قولين: أحدهما لابن القاسم وأصبغ الجواز بشرط الحلول فيهما، والثاني لسحنون: الجواز قبل محله وإن لم يحصل فيهما - ابن عرفة: وهذا أحسن والأول أقيس. هذا حاصل ما رأيته، وانظر من قال بالمنع وإنما اشترط الحلول، لأن من عجل ما في الذمة عد مسلفاً وقد ازداد الانتفاع بإسقاط الضمان عن نفسه إلى الأجل وهو سلف جر نفعاً. وفيه أيضاً إذا كان طعاماً بيع الطعام قبل قبضه، لأن ما عجله عوض عن الطعام الذي لم يجب عليه الآن وإنما يجب عليه إذا حل.
قوله: [لما في دفعه من الزيادة]: أي لأن البلدان بمنزلة الآجال.
قوله: [أي بعد الأجل والمحل]: المراد ببعدية الأجل: انقضاؤه، وببعدية المحل وصوله. ومحل لزوم قبول المسلم للمسلم فيه: بعدهما إذا أتاه بجميعه، فإن أتاه ببعضه لم يلزمه قبوله حيث كان المدين موسراً. وأما القرض ففي ابن عرفة ما نصه: وفي جبر رب دين حال على قبض بعضه وقبول امتناعه حتى يقبض جميعه والمدين موسر - نقلا ابن رشد ورواية محمد مع ابن أبي زيد عن ابن القاسم، ولعل الفرق أن القرض بابه المعروف والمسامحة - كذا في حاشية الأصل. وحيث قلنا بوجوب القبول بعدهما فإن لم يجد المسلم من يدفع له دفع للوكيل فإن لم يجد وكيلاً دفع للقاضي لأنه وكيل الغائب.
قوله: [ويبرئه من الزائد]: ظاهر المواق أنه إذا كان الأقل من الطعام بالصفة جاز أبرأه من الزائد أم لا. والتفصيل إذا قضاه بغير الصفة وهو المعتمد كما أفاده وكذا في الحاشية.
تنبيه: لا يجوز في السلم قضاء دقيق عن قمح ولا عكسه بناء على أن الطحن ناقل -وإن كان ضعيفاً- فصارا كالجنسين ففي أخذ أحدهما عن الآخر بيع الطعام قبل قبضه، فهذا القول مشهور مبني على ضعيف.
قوله: [وجاز القضاء بغير جنسه]: لما أنهى الكلام على قضاء السلم بجنسه شرع في بيان قضائه بغير جنسه.
قوله: [بشروط ثلاثة]: اعلم أن الشروط الثلاثة التي ذكرها المصنف معتبرة، سواء قضى قبل الأجل أو بعده كما في (بن).
قوله: [ثم ذكر محترز الشرط الأخير]: أي وقد مثل له بمثالين الأول قوله لا بذهب إلخ، والثاني قوله: ولا بطعام إلخ.
قوله: [ومتى كان المسلم فيه طعاماً] إلخ: شروع في محترز الشرط الثاني.
وقوله: [ولظهور هذا تركناه]: اسم الإشارة يعود على محترز الشرط الثاني.
قوله: [ولا حاجة إلى ذكر الشرط الذي ذكره الشيخ] إلخ: حاصله أن خليلاً صرح بشرط آخر بقوله وبيعه بالمسلم فيه مناجزة وذكر في محترزة قضاء اللحم بالحيوان، وعكسه واستشكله شراحه بأن الكلام في القضاء بغير الجنس وبيع اللحم بالحيوان من غير جنسه جائز، فلا يصح أن يكون محترزاً لهذا الشرط.
وأجابوا: بأنه ليس المراد بالجنس ما تقدم في الربويات وإنما المراد به ما يجوز سلمه في غيره كبقر في غنم. ومع ذلك فقد يتوهم جواز أخذ لحم أحدهما عن نفس الآخر
стр. 632
(ولا) يلزم المسلم (قبوله) لو دفعه له المسلم إليه (بغير محله): أي في غير المحل الذي اشترط التسليم فيه أو محل العقد إذا لم يشترطا محلاً (ولو خف حمله) كجوهر وثوب لطيف، إلا أن يرضيا بذلك فيجوز إن حل الأجل كما تقدم.
(وجاز شراء من) بائع (دائم العمل كخباز) ولحام تشترى منه (جملة) كقنطار (مفرقة على أوقات): ككل يوم رطل حتى تفرغ الجملة المعينة بدينار مثلاً (أو) تشترى منه (كل يوم قسطاً معيناً) كرطل (بكذا) بدرهم مثلاً، فقوله: "بكذا" راجع للمسألتين، لكن رجوعه للأولى على أنه ثمن المجموع كالقنطار، وللثانية على أنه ثمن القسط المعين كالرطل في كل يوم مثلاً.
(وهو بيع): أي من باب البيع لا السلم فلا يشترط تعجيل رأس المال ولا تأجيل المثمن، لأن البائع لما نصب نفسه للعمل أشبه ما باعه الشيء المعين، فإن مات انفسخ في الصورة الثانية. ويشترط الشروع في الأخذ فيما دون نصف شهر.
(وإن لم يدم) عمله (فسلم) يشترط فيه شروطه كقنطار من خبز من كذا صفته كذا بأخذه بعد نصف شهر بكذا ويعجل فيه رأس المال على ما تقدم.
ثم شبه في السلم قوله: (كاستصناع سيف) أو ركاب من حداد (أو سرج) من سروجي أو ثوب من حياك أو باب من نجار على صفة معلومة بثمن معلوم، فيجوز وهو سلم تشترط فيه شروطه كان البائع دائم العمل أم لا.
(إن لم يعين العامل أو المعمول منه): فإن عينه فسد نحو: أنت الذي تصطنعه بنفسك أو يصنعه زيد بنفسه، أو تصنعه من هذا الحديد بعينه، أو من هذا الغزل أو من هذا الخشب بعينه، لأنه حينئذ صار معيناً لا في الذمة وشرط صحة السلم كون المسلم فيه ديناً في الذمة.
ــ
لاختلاف الجنس هنا، فبين المنع للنهي الخاص عن بيع اللحم بالحيوان، وشارحنا هنا لم يلتفت إلى هذا الجواب وسلم الإشكال ووافقه في المجموع فتأمل.
قوله: [ولا يلزم المسلم قبوله]: أي سواء حل الأجل أو لم يحل.
قوله: [فيجوز إن حل الأجل]: ولا فرق بين العرض والطعام على المعتمد كما مر. ومحل عدم لزوم القبول: إن لم يكن عيناً، وأما هي: فالقول قول من طلب القضاء منهما حيث حل الأجل ولو في غير محل القضاء، فيلزم ربه القبول إذا دفعه له من هو عليه ويلزم من هو عليه دفعه إذا طلبه ربه ولو في غير محل القضاء. وأما إن لم يحل الأجل فالحق لمن عليه العين في المكان والزمان. فإذا طلب المدين تعجيل العين قبل انقضاء الأجل أو طلب دفعها في غير محل القضاء، فإنه يجبر ربها على قبولها، كانت العين من بيع أو قرض، إلا أن يتفق حصول خوف قبل الزمان أو المكان فلا يجبر من هي له على قبولها إلا بعد الزمان أو المكان المشترط ربها قبضها فيه. فلو جبره على قبولها وتلفت منه ضاعت على الدافع، ولا فرق بين عين المبيع والقرض على المعتمد.
قوله: [من بائع دائم العمل]: أي حقيقة وهو من لا يفتر عنه غالباً أو حكماً، بأن كان من أهل حرفة ذلك الشيء المشترى منه بحيث يتيسر له تحصيله في أي وقت.
قوله: [قسطاً معيناً]: بالفتح أي قدراً.
قوله: [على أنه ثمن المجموع]: أي فالدينار في المسألة الأولى ثمن القنطار مفرقاً على شهر مثلاً والثانية على أن الدرهم ثمن للرطل الذي يأخذه كل يوم.
قوله: [وهو بيع]: صرح به مع قوله: "وجاز الشراء من بائع" إلخ، لأن الشراء يطلق على السلم ووجه كونه بيعاً لا سلماً أنهم نزلوا دوام العمل منزلة تعين المبيع كما أفاده الشارح والمسلم فيه لا يكون معيناً بل في الذمة.
قوله: [انفسخ في الصورة الثانية]: إنما فسخ فيها لكونها غير محدودة بوقت تنتهي إليه، ولذلك يجوز لأحدهما الفسخ في أي وقت، بخلاف الصورة الأولى؛ وهي ما إذا اشترى جملة يأخذها مفرقة فلا تنفسخ في حياته ولا في موته.
قوله: [ويشترط الشروع في الأخذ]: كلام مستأنف: أي إنه يشترط الشروع في أخذ الشيء المشترى في المسألتين ولا يغتفر التأخير لنصف شهر.
قوله: [يشترط فيه شروطه]: أي وحينئذ فلا يعين العامل ولا المعمول منه ويكون ديناً في الذمة.
قوله: [كاستصناع سيف]: أي كما أن استصناع السيف والسرج سلم سواء كان الصانع المعقود معه دائم العمل أم لا كأن يقول لإنسان: اصنع لي سيفاً أو سرجاً أو باباً صفته كذا بدينار، فلا بد من تعجيل رأس المال وضرب الأجل وأن لا يعين العامل ولا المعمول منه إلى آخر شروط السلم.
قوله: [فإن عينه فسد]: قال في المدونة: فإن شرط عمل رجل بعينه لم يجز وإن نقده لأنه لا يدري أيسلم ذلك الرجل أم لا فذلك غرر. اهـ. وعلى هذا درج ابن رشد. وفي المدونة في موضع آخر ما يقتضي الجواز إذا عين العامل فقط لقولهم: من استأجر من يبني له داراً على أن الجص والآجر من عند الأجير جاز، وهو قول ابن بشير. وحيث قلتم بفساده بتعيين العامل أو المعمول فمن باب أولى تعيينهما معاً، وعلة الفساد في تعيين العامل دوران الثمن بين السلفية والثمنية، وفي تعيين المعمول أن السلم لا يكون
стр. 633
(وإن اشترى المعمول منه): كأن يشتري منه الحديد أو الغزل أو الخشب ونحو ذلك (واستأجره) على عمله بعد ذلك (جاز إن شرع) العامل في العمل فيما دون نصف شهر عين العامل أم لا (كشراء نحو تور) بالتاء المثناة الفوقية: إناء يشبه الطشت، يعني: أن من وجد صانعاً شرع في تور أو طشت أو سيف أو نحو ذلك فاشتراه منه جزافاً بثمن معلوم (ليكمل) أي على أن يكمله له جاز ودخل في ضمان المشتري بالعقد، وإنما يضمنه المشتري ضمان الصناع، فإن اشتراه على الوزن لم يدخل في ضمانه إلا بالقبض. ومحل الجواز إن شرع بائعه في التكميل [١] على ما تقدم؛ وهذا (بخلاف) شراء (ثوب ليكمل): فإنه لا يجوز لأن المعدن كالنحاس والحديد - إن خرج على خلاف الصفة المشترطة أو المعتادة يمكن إعادته بخلاف الثوب (إلا أن يكثر الغزل) من جنسه (عنده): أي العامل فإنه يجوز شراء الثوب ليكمل، لأنه لو خرج على خلاف الصفة المشترطة عمل من ذلك الغزل بدله على الصفة.
(باب)
في بيان القرض وأحكامه
وهو المسمى في العرف: بالسلف. (القرض) بفتح القاف: أي حقيقته الشرعية: (إعطاء متمول) من مثلي أو حيوان أو عرض (في) نظير (عوض متماثل): صفة وقدراً للمعطى بالفتح كائن ذلك العوض (في الذمة): أي ذمة المعطى له (لنفع المعطى) بالفتح: أي المعطى له (فقط): لا نفع المعطي بالكسر ولا هما معاً، وإلا كان من الربا المجمع على تحريمه.
وخرج البيع والسلم والإعارة والإجارة والشركة والهبة والصدقة.
(وهو مندوب): لأنه من التعاون على البر والمعروف. (وإنما يقرض) بضم حرف المضارعة وفتح الراء مبني للمفعول: وإنما يجوز أن يقرض (ما): أي شيء أو الشيء الذي (يسلم): أي يصح السلم (فيه): من حيوان وعرض ومثلي، لا ما لا يسلم فيه كدار وأرض وحانوت وخان وحمام وتراب معدن وصائغ وجوهر نفيس يندر وجوده وجزاف (لا جارية تحل للمقترض): فلا يجوز قرضها
ــ
في شيء بعينه بل في الذمة كما أفاده الشارح.
قوله: [وإن اشترى المعمول منه] إلخ: الفرق بين هذه والتي قبلها أن العقد فيما قبلها وقع على المصنوع على وجه السلم ولم يدخل المعمول منه في ملك المشتري، وهذه وقع العقد فيها على المعمول منه بعد أن ملكه ثم استأجره بالشرط في العقد على عمله فلذلك كان العقد صحيحاً بشرطه عين العامل أم لا.
قوله: [وإنما يضمنه المشتري] إلخ: صوابه: البائع.
قوله: [بخلاف الثوب]: الحاصل أن في كل من التور والثوب ثلاثة أحوال: يتفقان في المنع؛ إذا اشترى جملة ما عند البائع من الغزل والنحاس واتفق معه على أن يصنعه له ثوباً أو توراً، ويتفقان في الجواز: إذا كان عند البائع جملة من النحاس أو الغزل غير ما اشترى باق على ملكه بحيث إذا لم يأت ما اشتراه على الصفة المطلوبة يعمل له بدله من النحاس أو الغزل الذي في ملكه، ويختلفان في حالة: وهو المنع في الثوب إذا لم يكن عند البائع غزل يكفي ثوباً كاملاً إذا لم يأت المبيع على الصفة المطلوبة، والجواز في التور لأنه يمكن كسره وإعادته وتكميله بما عنده.
باب في بيان القرض وأحكامه
لما كان القرض شبيهاً بالسلم لما فيهما من دفع معجل في غيره ذيله به.
قوله: [بفتح القاف]: وقيل بكسرها وهو لغة القطع. سمي قرضاً لأنه قطعة من مال المقرض. والقرض أيضاً: الترك، يقال: قرضت الشيء عن الشيء أي تركته ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال﴾ [الكهف: ١٧] وشرعاً: هو كما قال المصنف: إعطاء متمول إلخ.
قوله: [إعطاء متمول]: هذا تعريف له بالمعنى المصدري، وأما تعريفه بالمعنى الاسمي: فهو متمول معطى إلخ. وأخرج بقوله: "متمول" ما ليس متمولاً كقطعة نار فليس بقرض وقوله: "من مثلي أو حيوان" بيان للمتمول. وقوله "في نظير عوض" أخرج دفعه هبة وصدقة وعارية.
وقوله "متماثل" أخرج البيع والسلم والصرف والإجارة والشركة؛ فإن العوض فيها مخالف.
وقوله: "في الذمة" المراد منه أن يكون مؤجلاً في الذمة، أخرج به المبادلة المثلية؛ كدفع دينار أو إردب في مثله حالاً.
وقوله: "لا نفع المعطي -بالكسر- ولا هما": أي ولا نفع أجنبي من جهة المقرض، فالكل سلف فاسد وهو ربا كما قال الشارح.
قوله: [وخرج البيع والسلم] إلخ: قد علمت وجه خروجها.
قوله: [وهو مندوب]: أي الأصل فيه الندب وقد يعرض له ما يوجبه، كالقرض لتخليص مستهلك، أو يكرهه كالقرض ممن له في ماله شبهة أو يحرمه كجارية تحل للمقترض ولا يكون مباحاً.
قوله: [وإنما يقرض] إلخ: أشار المصنف إلى قاعدة كلية مطردة منعكسة قائلة: وكل ما يصح أن يسلم فيه يصح أن يقرض إلا جارية تحل للمقترض. وبعض ما يصح أن يقرض يصح أن يسلم فيه، فعكسها بالعكس المستوي صحيح. وأما عكسها عكساً لغوياً وهو: كل ما لا يصح أن يسلم فيه لا يصح أن يقرض، فلا يصح على المشهور؛ لأن جلد الميتة المدبوغ وجلد الأضحية لا يصح السلم فيهما ويصح قرضهما.
قوله: [للمقترض]: أي لطالب القرض والآخذ له.
стр. 634
لما فيه من إعارة الفروج، بخلاف ما لا تحل له كعمة وخالة أو كان المقترض امرأة فيجوز (وردت) وجوباً إن أقرضها لمن تحل (إلا أن تفوت) عنده (بوطء أو غيبة) عليها (ظن وطؤها فيها، أو تغير ذات): أو حوالة سوق (فالقيمة) تلزم المقترض (لا المثل) ولا يجوز التراضي على ردها إن وطئها أو غاب عليها غيبة يظن بها الوطء، وجاز إن فاتت بحوالة سوق ونحوه.
(وحرم هديته): أي هدية المقترض لمن أقرضه لأنه يؤدي إلى سلف بزيادة. (كرب القراض وعامله): يحرم على كل منهما أن يهدي للآخر هدية.
(و) حرم هدية (القاضي): أي الإهداء له (وذي الجاه): أي من حيث جاهه بحيث يتوصل بالهدية له إلى أمر ممنوع أو إلى أمر يجب على ذي الجاه دفعه عن المهدي بلا تعب ولا حركة. وأما كونه يتوصل بذلك إلى أن يذهب به في قضاء مصالحه إلى نحو ظالم أو سفر لمكان، فيجوز كالهدية له لا لحاجة، وإنما هي لمحبة أو اكتساب جاه، وفي المعيار سئل بعضهم عن رجل حبسه السلطان أو غيره ظلماً فبذل مالاً لمن يتكلم في خلاصه بجاهه أو غيره، هل يجوز أم لا؟ فأجاب: نعم يجوز، صرح به جماعة منهم القاضي حسين ونقله عن القفال اهـ.
(إلا أن يتقدم) لمن أهدى لمن ذكر هدية (مثلها أو يحدث) لمن ذكر (موجب) يقتضي الإهداء له عادة، كفرح أو موت أحد عنده أو سفر ونحو ذلك فيجوز.
(و) كما تحرم الهدية يحرم (بيعه مسامحة) لذلك لا لأجل وجه الله أو لأجل أمر اقتضى ذلك.
(وفسد) القرض (إن جر نفعاً) للمقرض (كعين): أي ذات - ذهباً وفضة أو غيرهما - (كرهت إقامتها) عنده لأمر من الأمور
ــ
قوله: [لما فيه من إعارة الفروج]: أي من احتمال إعارة الفروج إذا رد عينه، لأنه يجوز في القرض رد العين المقترضة ويجوز رد مثلها كما يأتي. ولهذا التعليل أجاز ابن عبد الحكم قرضها إذا اشترط أن يرد مثلها لا عينها، لكن المشهور منع قرض الجارية التي تحل للمقترض مطلقاً كما هو ظاهر المصنف سواء اقترضها للوطء أو للخدمة شرط رد عينها أو مثلها سداً للذريعة.
قوله: [أو كان المقترض امرأة]: مثلها الصبي الذي لا يتأتى منه الاستمتاع والشيخ الفاني، وكذلك يجوز له قرض الجارية التي لا تشتهى لصغر في مدة الصغر.
قوله: [إلا أن تفوت عنده بوطء]: أي وأولى باستيلاد، وتكون به أم ولد خلافاً لـ (عب) لأن لزوم قيمتها بمجرد الوطء أو الغيبة عليها أوجب أنها حملت وهي في ملكه فتكون به أم ولد. وقد صرح ابن عرفة بأنه لا حد عليه.
قوله: [وظن وطأها فيها]: مفهوم أنه إذا لم يظن وطئها فيها لا تفوت بتلك الغيبة وهو المشهور. فالغيبة فيها ثلاثة أقوال: قيل: فوت مطلقاً، وقيل: ليست فوتاً مطلقا، وقيل: إن ظن فيها فوت وإلا فلا.
قوله: [وجاز إن فاتت بحوالة سوق ونحوه]: هو تغير الذات وليس في الإمضاء حينئذ تتميم للفاسد لأن ذاتها عوض عما لزمه من القيمة ولا محذور في ذلك.
قوله: [وحرم هديته] إلخ: قال الخرشي في كبيره: ليس المراد بالهدية حقيقتها فقط، بل كل ما حصل به الانتفاع كركوب دابة المقترض والأكل في بيته على طريق الإكرام وشرب قهوته والتظلل بجداره. اهـ. والذي اعتمده في الحاشية: جواز الشرب والتظلل والأكل إن كان لأجل الإكرام لا لأجل الدين.
قوله: [كرب القراض] إلخ: إنما حرم عليه إهداؤه للعامل لئلا يقصد بذلك استدامة عمله، وحرمة هدية العامل لرب المال ولو بعد شغل المال أما قبل شغل المال فلا خلاف لأن لرب المال أخذه منه فيتهم أنه إنما أهدى له ليبقى المال بيده، وأما بعد شغل المال فلترقبه من رب المال معاملته ثانياً بعد نضوض المال.
قوله: [وفي المعيار سئل بعضهم]: أي وفيه أيضاً سئل أبو عبد الله القوري عن ثمن الجاه؟ فأجاب بما نصه: اختلف علماؤنا في حكم ثمن الجاه فمن قائل بالتحريم بإطلاق، ومن قائل بالكراهة بإطلاق، ومن مفصل فيه، وأنه إن كان ذو الجاه يحتاج إلى نفقة وتعب وسفر وأخذ مثل أجر مثله فذلك جائز وإلا حرم، وفي المعيار أيضاً: سئل أبو عبد الله العبدوسي عمن يحرس الناس في المواضع المخيفة ويأخذ منهم على ذلك، فأجاب بأن ذلك جائز بشروط: أن يكون له جاه قوي بحيث لا يتجاسر عليه عادة، وأن يكون سيره معهم بقصد تجويزهم فقط لا لحاجة له وأن يدخل معهم على أجرة معلومة أو يدخل على المسامحة بحيث يرضى بما يدفعونه له، قال في المجموع: وأجازه الشافعية، يعني الأخذ على الجاه، والحمد لله على خلاف العلماء. ولو جاءت مغرمة لجماعة وقدر أحدهم على الدفع عن نفسه، لكن حصته تلحق غيره، فهل له ذلك أو يكره أو يحرم؟ أقوال. وعمل فيما يأخذه المكاس من المركب أو القافلة مثلاً بتوزيعه على الجميع لأنهم نجوا به.
قوله: [لمن ذكر]: أي الذي هو المقرض ورب القراض وعامله والقاضي وذو الجاه.
قوله: [بيعه مسامحة]: أي بغبن. وأما بغير غبن فقيل: يجوز، وقيل: يكره، واستظهر الأول.
قوله: [إن جر نفعاً]: أي ولو قليلاً، قال في المجموع: ومن ذلك فرع مالك وهو أن يقول شخص لرب الدين: أخر الدين وأنا أعطيك ما تحتاجه، لأن التأخير سلف. نعم إن قال
стр. 635
إما لثقل حملها في سفر أو خوف سوسها أو قدمها أو عفنها أو تغير ذاتها بإقامتها عنده، فيسلفها ليأخذ بدلها في بلد آخر أو جديداً أو سالماً، فيحرم ويرد على صاحبه ما لم يفت فالقيمة كما هو مقتضى الفساد.
(إلا لضرورة) فيجوز (كعموم الخوف) على المال في الطرق فيجوز أن يسلفه لمن علم أنه يسلم معه، وكذا إن قام دليل على نفع المقترض فقط، كمجاعة أو كان بيع المسوس الآن أحظ للمسلف لغلائه ورخص الجديد في إبانه فيجوز.
(وملك) القرض أي يملكه المقترض (بالعقد) وإن لم يقبضه المقترض كالهبة والصدقة.
(ولا يلزم) المقترض (رده) لربه (إلا بشرط) عند العقد لوقت معلوم (أو عادة) فيعمل بهما، فإن لم يشترطا شيئاً ولا عادة كان كالعارية المنتفى فيها شرط الأجل أو العادة، فيبقى للوقت الذي يقتضي النظر القرض بمثله (كأخذه): تشبيه في عدم اللزوم أي كما لا يلزم ربه أن يأخذه (بغير محله): لما فيه من الكلفة عليه (إلا العين): أي الذهب أو الفضة فيلزمه أخذها لخفتها، ويلحق بها الجواهر الخفيفة. وهذا إذا لم يكن خوف ولا كبير حمل فلا يلزم الأخذ.
(ورد) المقترض على المقرض (مثله) قدراً وصفة (أو) رد (عينه: إن لم يتغير) في ذاته عنده ولا يضر بغير تغير السوق، فإن تغير تعين رد مثله.
(وجاز أفضل): أي رد أفضل مما اقترضه صفة، لأنه حسن قضاء، إذا كان بلا شرط، وإلا منع الأفضل والعادة كالشرط. ويتعين رد مثله.
(و) جاز في القرض (اشتراط رهن وحميل): أي ضامن للتوثق بذلك.
(فصل)
في المقاصة
(المقاصة) أي حقيقتها (متاركة مدينين) المتاركة مفاعلة معناها: الترك من الجانبين (بمتماثلين): أي مدينين بدينين متماثلين قدراً وصفة: كعشرة محمدية وعشرة محمدية أو غير متماثلين كما يأتي حال كونهما (عليهما): أي كل واحد منهما عليه مثل ما على صاحبه له (كل): أي كل واحد منهما يترك (ما): أي الدين الذي (له) على صاحبه (فيما): أي في نظير الدين الذي (عليه) لصاحبه. وهذا إيضاح للمتاركة.
ثم أن الدينين إما أن يكونا عيناً أو طعاماً أو عرضاً، وفي كل: إما أن يكونا من بيع أو قرض أو أحدهما من بيع والثاني من قرض، فهذه تسع صور وفي كل منها: إما أن يكونا حالين أو مؤجلين، أو أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً؛ بسبع وعشرين صورة. وفي كل: إما أن يتفقا في النوع والصفة والقدر أو يختلفا في واحد منها؛ فهذه أربعة في السبعة والعشرين: بمائة وثمان صور، أشار لها ولحكمها بقوله:
(وتجوز) المقاصة والمراد بالجواز: الإذن
ــ
له: أخره وأنا أقضيه عنه جاز.
قوله: [إما لثقل حملها في سفر] إلخ. تنويع لما قبله.
قوله: [كما هو مقتضى الفساد]: أي لما تقدم له في قرض الأمة التي تحل للمقترض أن في فواتها القيمة لأن القرض المتفق على فساده كالبيع المتفق على فساده.
تنبيه: من القرض الفاسد قرض شاة مسلوخة ليأخذ عنها كل يوم رطلين مثلاً، ودفع قدر معين من دقيق أو قمح لخباز ليأخذ منه كل يوم قدراً معيناً من الخبز.
قوله: [فيجوز أن يسلفه]: بل يجب؛ لأن حفظ المال واجب بأي وجه تيسر حفظه به.
قوله: [أي يملكه المقترض بالعقد]: أي ويصير مالاً من أمواله يقضي له به.
قوله: [كالهبة والصدقة]: أي وكل معروف فإنه يملك بالعقد ولكن لا يتم ذلك إلا بالقبض والحيازة على ما سيأتي، فإن حصل مانع للمتصدق أو الواهب أو فاعل المعروف بغير القرض قبل الحوز بطل بخلاف القرض لأنه لا يتوقف على الحوز، فلو حصل للمقرض مانع قبل الحوز لم يبطل كما يفيده (بن) خلافاً لما في كلام التتائي من أن القرض كغيره لا يتم إلا بالحوز.
قوله: [إلا بشرط] إلخ: حاصله أن المقترض إذا قبض القرض وكان له أجل مضروب أو معتاد لا يلزمه رده إلا إذا انقضى الأجل فإن لم يكن أجل لا يلزم المقترض رده إلا إذا انتفع به عادة أمثاله.
قوله: [وجاز أفضل]: أي بل هو الأولى والأحسن لأنه حسن قضاء كما قال الشارح وقد ورد أن «رسول الله ﷺ تسلف بكراً ورد عنه رباعياً
فصل في المقاصة
إنما ذكر المقاصة عقب القرض لاشتمالها على دين القرض وغيره. وأصل مقاصة: مقاصصة فأدغم وهي مفاعلة من الجانبين لأن كلاً يقاصص صاحبه أي يستوفي حقه منه؛ لأن القصاص: استيفاء الحق.
قوله: [أو غير متماثلين كما يأتي]: أي في قوله أو نوعاً إن حلا؛ فقول المصنف: "بمتماثلين" في التعريف تبع فيه ابن عرفة وهو معترض بأنه غير جامع، فلذلك عمم الشارح ولم يلتفت لتقييد المصنف.
قوله: [أي كل واحد منهما عليه مثل ما على صاحبه]: هذا التقييد بالنسبة للمتروك من كل جانب فلا يضر أن يكون لأحدهما زيادة تبقى.
قوله: [بمائة وثمان صور]: ونظم ذلك سيدي الشيخ محمد ميارة فقال:
دين المقاصصة لعين ينقسم ... ولطعام ولعرض قد علم