(إن قبضت) قبل تفليس ربها أو موته (ولو أديرت) الدواب تحت المكتري؛ بأن يأتي له ربها كل زمن بدل التي قبلها، فإن المكتري يكون أحق بالتي تحته. وذكر عكس هذه المسألة بقوله:
(وربها): أي الدابة (أحق بالمحمول) عليها من أمتعة المكتري إذا فلس أو مات المكتري حتى يستوفي أجرة دابته منه (إلا إذا قبضه): أي المحمول (ربه) المكتري، ثم فلس (وطال) الزمن عرفاً بعد القبض، فلا يكون رب الدابة أحق بالمحمول عليها بل يكون أسوة الغرماء. وظاهر كلام الشيخ: طال الزمن بعد القبض أم لا وارتضاء بعضهم أيضاً.
(والمشتري) أحق (بسلعة) اشتراها شراءً فاسداً ولم تفت (فسخ بيعها): أي فسخه الحاكم (لفساده): أي البيع، وفلس أو مات بائعها قبل الفسخ: أي يكون المشتري أحق بتلك السلعة من الغرماء ليستوفي منها الثمن الذي أقبضه لبائعها قبل فلسه أو موته إذا لم يجد الثمن عند البائع. فإن وجده عنده وعرفه بعينه كان أحق به، كما أشار له بقوله:
(و) أحق (بثمنها إن وجده) عند البائع، فإن فات كان أحق بالسلعة إن لم تفت، فإن فاتت أيضاً دخلت في ضمان المشتري بالثمن أو بالقيمة وحاص بزائدها على الثمن إن زادت عليه.
(باب)
في بيان أسباب الحجر وأحكامه
(سبب الحجر): أي أسبابه سبعة:
خمسة عامة واثنان خاصان بما زاد على الثلث. وأشار للخمسة العامة بقوله: (فلس) بالمعنى الأعم أو الأخص؛ وقد تقدم الكلام عليه في الباب قبله مستوفى. (وجنون) بصرع أو استيلاء وسواس. (وصباً وتبذير) لمال.
(ورق) وأشار بقوله: (ومرض) متصل بموت (ونكاح بزوجة): أي فالزوج يحجر عليها فيما زاد على الثلث وليس لها حجر على زوجها ولذا قيده بقوله: "بزوجة"؛
ــ
قوله: [وإن قبضت]: أي لأن قبضها بمنزلة التعيين لها.
قوله: [وذكر عكس هذه المسألة]: أي فالمسألة السابقة فلس رب الدابة وهذه فلس المكتري.
قوله: [وربها أي الدابة]: مثل الدابة السفينة.
قوله: [حتى يستوفي أجرة دابته]: أي فيأخذ أجرة دابته من المحمول عليها وأجرة السفينة من المحمول عليها في الموت والفلس، فإن بقي فضل من المحمول كان الباقي للغرماء وليس المراد أنه يأخذ المحمول مطلقاً ولو كانت قيمته أكثر من الأجرة.
قوله: [والمشتري أحق بسلعة]: إلخ حاصله أن من اشترى سلعة شراء فاسداً بنقد دفعه لبائعه أو أخذها عن دين في ذمته، وكان الشراء فاسداً، ثم فلس البائع قبل فسخ البيع وقبل الاطلاع، فإن المشتري يكون أحق بالسلعة إذا لم يوجد الثمن عند البائع في الموت والفلس إلى أن يستوفي ثمنه. وهذا هو المشهور من أقوال ثلاثة. والثاني: لا يكون أحق بها وهو أسوة الغرماء في الموت والفلس لأنه أخذها عن شيء لم يتم، والثالث: إن كان اشتراها بالنقد، فهو أحق بها من الغرماء وإن كان أخذها عن دين فلا يكون أحق بها - الأول: لسحنون: والثاني: لابن المواز والثالث: لابن الماجشون، ومحلها: إذا لم يطلع على الفساد إلا بعد الفلس أو الموت. وأما لو اطلع عليه قبل فهو أحق بها باتفاق ومحلها أيضاً إذا كانت السلعة قائمة وتعذر رجوع المشتري بثمنه. وأما إذا كان قائماً وعرف بعينه تعين أخذه ولا علقة له بالسلعة. وهذا التقييد إنما يأتي إذا اشتراها بالنقد لا بالدين ومحلها أيضاً إذا كانت السلعة وقت التفليس أو الموت بيد المشتري، وأما لو ردت للبائع وفلس بعد ذلك فهو أسوة الغرماء. هذا هو الذي يفيده كلام ابن رشد ومشى عليه (شب) وهو المعتمد كذا قرره شيخ مشايخنا العدوي.
قوله: [فإن فات كان أحق بالسلعة إن لم تفت]: الحاصل أنه تارة يكون أحق بثمنه مطلقاً وذلك فيما إذا كان موجوداً لم يفت، وتارة بالسلعة على المعتمد وذلك إذا كانت قائمة عند المشتري وتعذر الرجوع بثمنها، وتارة يكون أسوة الغرماء في زائد الثمن، وذلك فيما إذا فاتت وتعذر الرجوع بثمنها ومضت بالقيمة وكان الثمن زائداً عليها.
قوله: [وحاص بزائدها على الثمن إن زادت عليه]: هكذا نسخة المؤلف وصوابه: وحاص بزائده على القيمة إن زاد عليها، فتدبر.
باب في بيان أسباب الحجر
لما أنهى الكلام على ما أراد من مسائل التفليس، أعقبه بالكلام على بقية أسباب الحجر، وهو لغة يقال للمنع والحرام ولمقدم الثوب، ويثلث أوله في الجمع، وشرعاً - قال ابن عرفة: صفة حكمية توجب منع موصوفها من نفوذ تصرفه في الزائد على قوته أو تبرعه بماله، قال: وبه دخل حجر المريض والزوجة. اهـ.
قوله: [وقد تقدم الكلام عليه]: أي وإنما ذكره هنا جمعاً للنظائر.
قوله: [بصرع]: أي وهو الذي يلبسه الجن.
قوله: [أو استيلاء وسواس]: أي وهو الذي يخيل إليه، وسواء كان كل منهما دائماً أو متقطعاً. والتقييد بالصرع أو الوسواس مخرج لما كان بالطبع أي غلبة السوداء فإن صاحبه لا يفيق منه عادة، فلا يدخل في كلام المصنف؛ لأن الحجر فيه لا غاية له.
قوله: [وتبذير لمال]: وهو حجر السفه لأن التبذير هو بحكم إحسان التصرف في المال.
قوله: [وأشار بقوله ومرض] إلخ: في الكلام حذف والأصل وأشار للاثنين الخاصين بقوله ومرض إلخ.
قوله: [متصل بموت]: إنما قيد بذلك مع أن كل
стр. 667
أي أنه سبب للحجر على الزوجة فقط؛ إذا علمت ذلك:
(فالمجنون) بما ذكر محجور عليه. والحجر لأبيه أو وصيه -إن كان- وجن قبل بلوغه وإلا فللحاكم إن وجده منتظماً، وإلا فجماعة المسلمين ويمتد الحجر عليه (للإفاقة) من جنونه. ثم إن أفاق رشيداً انفك حجره بلا حكم وإن أفاق صبياً أو سفيهاً حجر عليه لأجلهما. (والصبي) محجور عليه لمن ذكر (لبلوغه رشيداً)، فإن بلغ سفيهاً حجر عليه للسفه (في) الولد (ذي الأب) ولا يحتاج لفك حجره (و) إلى (فك الوصي و) فك (المقدم) عليه من القاضي. والحاصل: أن الصبي إذا رشد لحفظ ماله لا يحتاج إلى فك الحجر عنه من أبيه بخلاف المقدم والوصي فيحتاج، بأن يقول للعدول: اشهدوا أني فككت الحجر عن فلان وأطلقت له التصرف لما قام عندي من رشده وحسن تصرفه فتصرفه بعد الفك لازم لا يرد ولا يحتاج لإذن الحاكم في الفك.
(وزيد) على البلوغ والرشد وفك الوصي والمقدم (في الأنثى: دخول زوج بها) بالفعل (وشهادة العدول بحفظها مالها) وإنما احتيج للإشهاد لأن شأن النساء الإسراف؛ فمدار الرشد عندنا على صون المال فقط دون صون الدين.
(وللولي) أب أو غيره (رد تصرف) سفيه أو صبي (مميز بمعاوضة) بلا إذن وليه؛ كبيع وشراء وهبة ثواب.
(وإلا) يكن بمعاوضة: كهبة وصدقة وعتق (تعين) على الولي رده (كإقرار) من المحجور (بدين) في ذمة (أو إتلاف) لمال يتعين رد الإقرار بذلك، فإن ثبت عليه بالبينة جرى على ما سيأتي.
(وله): أي المميز رد تصرف نفسه قبل رشده (إن رشد) حيث تركه وليه لعدم علمه بتصرفه أو لسهوه أو للإعراض عن ذلك لغير مصلحة أو لم يكن له ولي
ــ
من مرض مرضاً مخوفاً يحجر عليه؛ لأن ثمرة الحجر لا تتم إلا بالموت.
قوله: [أي أنه سبب] إلخ: أي أن الزوج سبب للحجر على زوجته الحرة الرشيدة الصحيحة في زائد الثلث لا غيره كما يأتي.
قوله: [بما ذكر]: أي بالصرع أو الوسواس.
قوله: [وإلا فللحاكم]: أي وإلا يكن أب ولا وصي - جن قبل البلوغ أم لا أو جن بعد البلوغ والرشد - فالحاكم وإن كان الأب أو الوصي موجوداً.
وقوله: [إن وجده منتظماً]: يحترز عن حكام الجور، فلا يعتبر وجودهم بل جماعة المسلمين تقوم مقامهم.
قوله: [انفك حجره بلا حكم]: خلاصته أنه لا يحتاج للفك مطلقاً حيث زال جنونه وهو رشيد كان جنونه طارئاً بعد البلوغ والرشد أم لا.
قوله: [حجر عليه لأجلهما]: أي لأجل السفه أو الصبا.
قوله: [محجور عليه لمن ذكر]: أي الأب والوصي والحاكم وجماعة المسلمين على الترتيب.
قوله: [ولا يحتاج لفك حجره]: حاصله: أنه متى بلغ عاقلاً رشيداً زالت ولاية الأب عنه بمجرد ذلك من غير احتياج إلى فك، ومع الفك في الوصي والحاكم ومقدمه. وهذا من حيث تدبير نفسه وصيانة مهجته وتصرفاته، فلا يمنع من الذهاب حيث يشاء إلا أن يخاف عليه الفساد لجماله مثلاً وإلا كان لأبيه أو وصيه بل وللناس أجمعين منعه.
قوله: [وزيد على البلوغ]: أي يزاد في خروج الأنثى البكر من حجر الأولياء الثلاثة - الأب والوصي والمقدم - شرطان: دخول الزوج بها، وشهادة العدول على صلاح حالها. وعلى هذا فذات الأب لا ينفك الحجر عنها إلا بأمور أربعة: بلوغها، وحسن تصرفها. وشهادة العدول بذلك، ودخول الزوج بها وأما ذات الوصي والمقدم فلا ينفك الحجر عنها إلا بأمور خمسة؛ هذه الأربعة، وفك الوصي أو المقدم فإن لم يفكا الحجر عنها كان تصرفها مردوداً ولو عنست أو دخل بها الزوج وطالت إقامتها عنده.
قوله: [فمدار الرشد عندنا]: أي وأما الشافعية: فالرشد عندهم بصلاحهما معاً، فمتى كانت مسرفة في دينها فهي غير رشيدة عندهم وتصرفها مردود وإن كانت مصلحة لدنياها.
قوله: [وللولي] إلخ: حاصله أن المميز والسفيه إذا تصرفا في مالهما بمعاوضة مالية بغير إذن وليهما، وكانت تلك المعاوضة على وجه السداد، فإن لوليهما الخيار بين الإجازة والرد ولا فرق بين العقار وغيره. قال في البيان: إذا باع اليتيم دون إذن وصيه أو صغير بدون إذن أبيه شيئاً من عقاره أو أصوله بوجه السداد في نفقته التي لا بد له منها، وكان لا شيء له غير الذي باع أو كان له غيره ولكن ذلك المبيع أحق ما يباع من أصوله اختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أن البيع يرد على كل حال ولا يتبع بشيء من الثمن لأن المشتري سلطه على إتلافه.
الثاني: برد البيع إن رأى الولي المصلحة فيه ولا يبطل الثمن عن اليتيم ويؤخذ من ماله الذي صوبه بذلك الثمن. فإن ذهب ذلك المال المصون وتجدد غيره فلا يتبع بالثمن.
الثالث: أن البيع يمضي ولا يرد. والمعتمد من هذه الأقوال أوسطها، أي: ولذا اختاره شارحنا. وأما إن باع بأقل من الثمن أو لغير مصلحة فإن البيع يرد قولاً واحداً ولا يبطل الثمن عن اليتيم لإدخاله إياه فيما لا بد له منه اهـ. ملخصاً فقول المصنف: وللولي رد تصرف: أي وله الإجازة، فاللام للتخيير إذا استوت المصلحة فإن تعينت في أحدهما تعين ويصح جعل اللام للاختصاص. والمعنى: وللولي لا لغيره رد تصرف مميز. وهذا لا ينافي أن الرد متعين إذا كانت المصلحة فيه وكذا الإجازة إن كان لمصلحة فيها.
قوله: [جرى على ما سيأتي]: أي في قوله وضمن ما أفسد في الذمة إلخ.
قوله: [رد تصرف نفسه]: أي سواء كان تصرفه بما يجوز للولي رده كالمعاوضة أو بما يجب عليه رده كالعتق والهبة وأما وارث
стр. 668
(ولو حنث بعد رشده): أي بلوغه رشيداً وهذا أحسن من قوله: "بعد بلوغه" كما لو حلف حال صغره: أنه إن فعل كذا فزوجته طالق أو عبده حر ففعله بعد رشده فله رده فلا يلزمه طلاق ولا عتق وله إمضاؤه (أو وقع) تصرفه حال صباه (صواباً)، فله رده بعد رشده وإمضاؤه حيث تركه وليه.
(إلا كدرهم لعيشه): أي لضرورة عيشه فلا يحجر عليه فيه، ولا يرد فعله فيه إلا أن لا يحسن التصرف فيه ومثله السفيه كما يأتي في تشبيهه به.
(وضمن) الصبي ولو غير مميز (ما أفسد) من مال غيره (في الذمة) فتؤخذ قيمة ما أفسده من ماله الحاضر إن كان، وإلا اتبع بها في ذمته إلى وجود مال (إن لم يؤمن) الصبي على ما أتلفه (وإلا) بأن أمن عليه (فلا) ضمان عليه، لأن من أمنه قد سلطه على إتلافه. فإن كان الذي أمنه هو رب المال فقد ضاع هدراً وإن كان غيره فعلى المؤمن الضمان لتفريطه. وكثيراً ما يقع أن الإنسان قد يرسل مع صبي شيئاً ليوصله إلى أهل محل فيضيع من الصبي أو يتلف، فلا ضمان على الصبي، وإنما الضمان على من أرسله به فإن كان المرسل رب المال فهدر. (إلا أن يصون) الصبي بضم حرف المضارعة وفتح الصاد المهملة وتشديد الواو بالكسر (به): أي بما أمن عليه (ماله) فيضمن الأقل مما صونه به وما أتلفه. فإذا أكل مما أمن عليه بما يساوي عشرة أو اكتسى بما يساويها حتى حصن من ماله ما يساويها أو أقل أو أكثر، فإنه يغرم من ماله الموجود الذي صونه الأقل مما أنفقه على نفسه وما صون به؛ فإذا صون بالعشرة خمسة عشر غرم العشرة، وإذا صون بها ثمانية غرم الثمانية؛ وهذا معنى قوله: (فالأقل) يغرمه (في ماله) الذي صونه (إن كان) له مال وقت الإتلاف (وبقي) لوقت الحكم، وإلا فلا غرم عليه ولو استفاد مالاً بعد الإتلاف. فعلم أنه لا يتعلق الضمان بذمته بل المال الذي أصانه بما أنفقه. والمشهور في المجنون والصبي غير المميز إذا أتلفا مالاً أو حصل منهما جناية ولو على نفس أنهما يضمنان المال في ذمتهما والدية على عاقلتهما إن بلغت الثلث، وإلا فعليهما في مالهما حيث وجد لتعلقهما بالذمة، فقولنا: "وضمن في الذمة" يشمل الصبي المميز وغيره على المعتمد. قال بعض المحققين: وعليه فالذمة ثابتة للجميع فلا يشترط فيها التمييز فضلاً عن التكليف اهـ. وخلاف المشهور قولان: لا شيء عليهما مطلقاً كالعجماء فعلها هدر، وقيل: لا شيء عليهما في إتلافهما المال، وأما الدية فعلى العاقلة إن بلغت الثلث.
(وصحت وصيته): أي المميز (إذا لم يخلط) فيها؛ فإن خلط بأن تناقض فيها أو أوصى بغير قربة لم تصح.
(والسفيه كذلك): أي مثل الصبي المميز في جميع ما تقدم من قوله: "وللولي رد تصرف مميز" إلى هنا. واستثنى من ذلك استثناء منقطعاً - لأن غالبه لا يدخل في أحكام الصبي - قوله: (إلا طلاقه) فإنه يلزمه بخلاف الصبي فلا يلزمه وللولي رده وله هو إن رشد
ــ
المحجور، فهل ينتقل له ما كان لمورثه من رد التصرف أم لا؟ قولان مرجحان كما في (بن) وإذا حصل رد للتصرف فالغلة الحاصلة فيما بين تصرفه ورده للمشتري كان الرد منه أو من الولي إن لم يعلم المشتري أنه مولى عليه وهذا في المميز. وأما غيره فترد الغلة مطلقاً علم المشتري أو لم يعلم لبطلان بيعه - كذا في الأصل.
قوله: [ولو حنث بعد رشده]: هذا هو المشهور خلافاً لابن كنانة القائل: إذا حنث بعد بلوغه لزمه ما حلف به من صدقة أو عتق وليس له رده.
قوله: [وهذا أحسن من قوله بعد بلوغه]: إنما كان أحسن لأنه محل الخلاف، وأما حنثه بعد البلوغ وقبل الرشد فكحنثه قبل البلوغ باتفاق.
قوله: [أو وقع تصرفه] إلخ: هو في حيز المبالغة.
قوله: [حيث تركه وليه]: أي غير عالم بتصرفه. وأما لو علم به وتركه مع كونه صواباً فلا رد له.
قوله: [ولو غير مميز]: قال ابن عرفة: إلا ابن شهر فلا ضمان عليه لأنه كالعجماء كذا في الأصل. قوله: [قد سلطه على إتلافه]: أي وهو محجور عليه ولو ضمن المحجور لبطلت فائدة الحجر.
قوله: [فعلى المؤمن]: بكسر الميم اسم فاعل.
قوله: [والمشهور في المجنون] إلخ: أي لقول ابن عبد السلام، والقول الأول أظهر يعني به هذا القول لأن الضمان من باب خطاب الوضع الذي لا يشترط فيه التكليف بل ولا التمييز.
قوله: [إن بلغت الثلث]: أي قدر ثلث الدية الكاملة فأكثر.
قوله: [وصحت وصيته]: أي حصلت في حال صحته أو مرضه.
قوله: [بأن تناقض فيها]: حاصله: أنه متى لم يتناقض فيها ولم تكن في معصية كانت صحيحة سواء كانت لفقير أو لغني كان الموصى له صالحاً أو فاسقاً أما إن تناقض، كأن يقول: أوصيت لزيد بدينار أوصيت له بدينارين كانت باطلة ولو كان الموصى له فقيراً. وكذا لو أوصى بمعصية كإيصائه لأهل المعاصي بخمر أو بتعمير كنيسة.
قوله: [لأن غالبه لا يدخل] إلخ: مراده بالغالب الاستلحاق ونفيه وعتق المستولدة. وفي جعل هذا غالباً نظر بل الغالب هي الأحكام التي يتوهم دخول الصبي فيها؛ وهي الطلاق والقصاص والعفو والإقرار فتأمل.
قوله: [فإنه يلزمه]: أي يلزم السفيه البالغ الطلاق لأن شرط لزومه البلوغ وهو موجود.
стр. 669
كما تقدم (و) إلا (استلحاق نسب) بأن يقول: هذا ولدي (ونفيه): أي النسب بلعان فلازم له ليس لوليه رده (و) إلا (عتق مستولدته) فلازم له ويتبعها مالها ولو كثر على الأرجح وهذه الثلاثة لا تتصور في الصبي. (و) إلا (قصاصاً) ثبت عليه بالبينة فيلزمه ويقتص منه بخلاف الصبي فالدية على ما تقدم كالمجنون (و) إلا (عفواً) عن قصاص ثبت له على جان عليه أو على وليه فإنه يلزمه ولا يرد. وأما الخطأ والعمد الذي يتعين فيه المال كالجائفة فليس له العفو لأنه من المال بخلاف الصبي فليس له عفو مطلقاً. (و) إلا (إقرار [١] بعقوبة) أي بموجب عقوبة كأن يقول: أنا جنيت على زيد أو قذفته فيلزمه الحد.
(بخلاف المجنون): في الجميع فلا يلزمه شيء من ذلك كالصبي. والدية إن بلغت الثلث فأكثر على عاقلتهما وإلا فعليهما كالمال كما تقدم.
(وتصرف الذكر) السفيه المحقق السفه (قبل الحجر) عليه - بأن كان مهملاً لا ولي له - (ماض): أي لازم لا يرد ولو تصرف بغير عوض كعتق؛ لأن علة الرد الحجر عليه وهو مفقود. وهذا هو قول مالك وكبراء أصحابه، وقال ابن القاسم: لا يمضي، فلمن يتولى عليه من حاكم أو مقدم الرد وله إن رشد والمعتمد الأول.
(بخلاف) تصرف (الصبي) فإنه غير ماض وله رده رشد كما تقدم. (و) بخلاف (الأنثى) المهملة فتصرفها مردود ولو تزوجت (إلا أن يدخل بها زوج ويطول) مكثها معه (كسبع) من السنين فأكثر وتتصرف بعد ذلك فيمضي ولا يرد.
(وبعده): أي وتصرفه بعد الحجر عليه (مردود) ولو حسن تصرفه، ما لم يحصل الفك عنه من وصي أو حاكم أو مقدم عند مالك وجل أصحابه لوجود علة الحجر عليه. وقال ابن القاسم: إذا رشد فتصرفه ماض قبل الفك لأن العلة مجرد السفه وقد زال برشده فما تقدم أنه لا بد من الفك في غير ذي الأب مبني على قول الإمام.
(والولي) أصالة على المحجور من صغير أو سفيه لم يطرأ عليه السفه بعد رشده أو مجنون كذلك: (الأب) الرشيد لا الجد ولا الأخ والعم إلا بإيصاء من الأب (وله البيع) لمال ولده المحجور عليه (مطلقاً) ريعاً أو غيره وتصرفه محمول على المصلحة فلا يتعقب بحال وإن لم يبين السبب. (ثم) يليه (وصيه) فوصى وصيه (وإن بعد. ولا يبيع) الوصي (العقار) الذي لمحجوره: أي لا يجوز له بيعه (إلا لسبب) يقتضي بيعه مما يأتي (وبينة)
ــ
قوله: [كما تقدم]: أي في قوله: "وله إن رشد ولو حنث بعد رشده".
قوله: [وهذه الثلاثة لا تتصور في الصبي]: أي الاستلحاق ونفيه وعتق المستولدة لاستحالة ثبوت الولادة له في هذه الحالة وأما الطلاق فممنوع منه شرعاً.
قوله: [بخلاف الصبي]: أي فلا يقتص منه لعدم تكليفه.
قوله: [كالجائفة]: أدخلت الكاف باقي الجراحات الأربعة.
قوله: [فليس له عفو مطلقاً]: أي في مال أو غيره.
قوله: [وتصرف الذكر]: أي البالغ بدليل قوله: بخلاف الصبي، فجملة شروط تصرف السفيه أربعة: الذكورة، والبلوغ، وتحقق السفه، وكونه قبل الحجر.
قوله: [قبل الحجر عليه]: أي سواء كان سفهه أصلياً غير طارئ أو طرأ بعد بلوغه رشيداً فالخلاف المذكور جار في المسألتين كما قال ابن رشد. ونص كلام ابن رشد في الأسمعة: وأما اليتيم الذي لم يوص أبوه لأحد ولا أقام السلطان عليه ولياً ولا ناظراً، في ذلك أربعة أقوال: أحدها: أن أفعاله كلها بعد بلوغه جائزة نافذة رشيداً كان أو سفيهاً معلناً بالسفه أو غير معلن، اتصل سفهه من حين بلوغه أو سفه بعد حصول الرشد منه من غير تفصيل في شيء من ذلك وهو قول مالك وكبراء أصحابه، ثم قال الرابع: أن ينظر لحاله يوم بيعه وابتياعه وما قضى به في ماله. فإن كان رشيداً في أحواله جازت أفعاله كلها وإن كان سفيهاً لم يجز منها شيء من غير تفصيل بين أن يتصل سفهه أو لا يتصل وهو قول ابن القاسم. واتفق جميعهم أن أفعاله جائزة لم يرد منها شيء إذا جهلت حالته ولم يعلم برشد ولا سفه - وانظر بقية الأقوال في (ح) اهـ (بن) من حاشية الأصل.
قوله: [وقال ابن القاسم لا يمضي]: أي لأن العلة السفه وهو موجود.
قوله: [فإنه غير ماض]: أي اتفاقاً.
قوله: [فتصرفها مردود ولو تزوجت]: أي حيث علم سفهها فإن علم رشدها ففي (بن) مضي أفعالها. وقال في الأصل: أفعال المهملة مردودة حتى يمضي لها عام بعد الدخول. اهـ.
قوله: [إلا أن يدخل بها زوج ويطول] إلخ: هذا مخالف لتفصيل (بن) ومخالف لما مشى عليه في الأصل، وانظر في ذلك فتحصل من مجموع كلام (بن) والأصل أن المهملة معلومة الرشد تصرفها ماض تزوجت أم لا. وأما غير معلومة الرشد فتصرفها مردود حتى يدخل بها الزوج ويمضي عام. وأما سبع السنين التي ذكرها المصنف فهو قول ضعيف في ذات الأب المحجور عليها فإنه يقدم أن مجرد الدخول وشهادة العدول كاف في ذلك.
قوله: [أي وتصرفه بعد الحجر] إلخ: بيان لما انبنى على الخلاف المتقدم بين مالك وابن القاسم.
قوله: [مبني على قول الإمام]: أي لكون العلة عنده الحجر.
قوله: [لم يطرأ عليه السفه] نسخة المؤلف بألف بعد الراء ولا وجه لها.
قوله: [بعد رشده] إلخ: أي وأما من طرأ عليه السفه بعد رشده فوليه الحاكم وقوله أو مجنون كذلك أي حكمه حكم السفيه إن طرأ عليه الجنون بعد الرشد فوليه الحاكم وإلا فالأب أو وصيه وسيأتي ذلك.
قوله: [الأب الرشيد]: أي وأما السفيه فلا كلام له ولا لوليه إلا إذا كان الولي مقاماً على الأولاد كما هو مقام على أبيهم.
قوله: [والعم]: معطوف على الأخ مسلط عليه لا.
قوله: [وإن لم يبين السبب]: أي أي سبب
стр. 670
بأن يشهد العدول أنه إنما باعه لكذا. (وليس له): أي للوصي (هبة الثواب) من مال محجوره، لأن هبة الثواب إذا فاتت بيد الموهوب لم يلزمه إلا القيمة، والوصي كالحاكم؛ فليس له البيع بالقيمة إلا لضرورة بخلاف الأب.
(فالحاكم) يليهما (عند فقدهما): أي الأب ووصيه (أو لمن طرأ عليه الجنون أو السفه بعد رشده) ولا يكون الرشد إلا بعد البلوغ.
(وباع) الحاكم من مال المحجور ما دعت إليه الضرورة كالنفقة ووفاء الدين ونحوهما (بثبوت): أي بعد ثبوت (يتمه) عنده (وإهماله): أي خلوه عن وصي أو مقدم (وملكه): أي اليتيم ومثله السفيه والمجنون (لما بيع) أي لما يراد بيعه (و) ثبوت (أنه الأولى) بالبيع من غيره (والتسوق): بالمبيع بإظهاره للبيع والمناداة عليه لحصول الرغبة فيه (وعدم الفاء [١]): أي وجود (زائد) على الثمن الذي أعطى فيه (و) ثبوت (السداد في الثمن) المعطى فيه وأن يكون الثمن عيناً حالاً لا عرضاً ولا مؤجلاً (و) يجب (التصريح بأسماء الشهود) في وثيقة البيع وإلا نقض حكمه.
(لا حاضن) فليس له تصرف ببيع ونحوه (كجد وأخ) وعم وأم ليس لهم ذلك، وينقض فعلهم. (وعمل بإمضاء) التصرف (اليسير) من الحاضن ونحوه، وهو الذي تتوقف عليه ضرورة المعاش من أكل أو كسوة، فلا ينقص ما باعه ولا يتبع به المتصرف، والظاهر أنه يختلف باختلاف العرف فلا يحد بعشرة دنانير أو أكثر، قال ابن هلال: فعلى ما جرى به العمل لا يبيعه إلا بشروط: وهي معرفة الحضانة وصغر المحضون والحاجة الموجبة للبيع ويسارة المبيع وأنه أحق ما يباع، ومعرفة السداد في الثمن فيشهد بهذه الشروط بينة معتبرة شرعاً، وهذا المعنى مستوفى في كتب الموثقين اهـ. قال في التوضيح: إذا أقيم على المبتاع فيما باعه الكافل فعليه أن يثبت هذه الشروط وأنه أنفق الثمن عليه وأدخله في مصالحه فإذا اختل شرط منها فللمحضون إذا كبر الخيار في رد البيع وإمضائه. واستحسن كثير من المتأخرين من أن العرف الجاري بين الناس - كأهل البوادي والأرياف وغيرهم – يموت [٢] الواحد منهم ولا يوصي على أولاده اعتماداً على أخ أو جد أو عم لهم يعرف بالشفقة عليهم، ينزل منزلة التصريح بإيصائه عليهم وله البيع في القليل والكثير
ــ
من الأسباب الآتية أو غيرها. وهذا لا ينافي أنه لا بد من وجود سبب حامل له على البيع إذ لا يحل للأب أن يبيع بدون سبب أصلاً.
قوله: [بأن يشهد العدول]: أي فالمراد ببيانه إثباته بالبينة لا مجرد ذكره باللسان وإن لم يعرف إلا من قوله. والحاصل: أن الأشياخ اختلفوا فيما إذا باع الوصي عقاراً ليتيم، هل يصدق الوصي في السبب الذي يذكره ولا يلزمه إقامة البينة عليه أو لا يصدق ويلزمه إقامة البينة عليه؟ قولان اختار شارحنا الثاني. بخلاف الأب إذا باع عقار ولده الذي في حجره، فإنه لا يكلف إثبات السبب الذي باع لأجله بل فعله محمول على النظر ولو باع متاع ولده من نفسه عند كثير من أهل العلم.
قوله: [إلا لضرورة]: إنما منع الوصي من هبة الثواب لغير ضرورة لأنها لا يقضى فيها بالقيمة إلا بعد الفوات كما أفاده الشارح وقبل الفوات مخير بين الرد وإعطاء القيمة والقيمة التي يقضى بها إنما تعتبر يوم الفوات. ومن الجائز أن تنقص قيمته يوم الفوات عن قيمته يوم الهبة وهذا ضرر باليتيم فلذا لم يجز للوصي هبة الثواب بخلاف البيع فإنه العقد يدخل في ضمان المشتري فإذا حصل نقص بعد ذلك فلا ضرر على اليتيم اهـ (بن).
قوله: [ولا يكون الرشد إلا بعد البلوغ]: أي لأن الرشد بلوغ وحسن تصرف.
قوله: [وباع الحاكم]: أفاد الشيخ في هذا المقام أن بيع الحاكم يكون بشروط عشرة دعاء الضرورة لوفاء دين ونحوه وثبوت يتمه وإهماله وملكه لما يراد بيعه وثبوت أنه الأولى بالبيع والتسوق بالمبيع وعدم الفاء زائد على الثمن الذي أعطى فيه والسداد في الثمن وكونه عيناً وحالاً لا عرضاً ولا مؤجلاً.
قوله: [ومثله السفيه والمجنون]: أي فلا يبيع لهما الحاكم إلا بتلك الشروط العشرة.
قوله: [وعدم الفاء] إلخ: هو بالفاء لا بالغين المعجمة.
قوله: [في وثيقة البيع]: بأن يكتب في السجل: ثبت عندي بشهادة فلان وفلان يتمه إلى آخر الشروط.
قوله: [لا حاضن]: أي كافل فمراده بالحاضن الكافل الذي يكفل اليتيم ذكراً كان أو أنثى قريباً كان أو أجنبياً.
قوله: [لا يبيعه]: أي شيء المحضون.
قوله: [وهي معرفة الحضانة]: أي معرفة أنه كافل له وإن لم يكن حاضناً شرعياً.
قوله: [ومعرفة السداد] إلخ: ويزاد أن يكون الثمر حالاً.
قوله: [فعليه أن يثبت] إلخ: الضمير عائد على الكافل بدليل ما بعده.
قوله: [وأنه أنفق الثمن عليه]: هذا شرط ثامن.
قوله: [وأدخله في مصالحه]: شرط تاسع فجملة الشروط تسعة بالشرط الذي زدناه.
قوله: [واستحسن كثير من المتأخرين]: أي فيعمل به كالنص، بل نقل ابن غازي رواية عن مالك أن الكافل بمنزلة الوصي بدون هذا العرف وذكر أبو محمد صالح أن هذه الرواية جيدة لأهل البوادي لأنهم يهملون الإيصاء.
قوله: [من أن العرف] إلخ: من بيانية
стр. 671
بشروطه السابقة فيمضي ولا ينقض وليس للولد بعد كبره كلام، وهي مسألة نافعة كثيرة الوقوع لا [١] سيما في هذه الأزمنة.
(والسفه) الذي هو أحد أسباب الحجر: هو (التبذير): أي صرف المال في غير ما يراد له شرعاً وفسره بقوله: (بصرف المال في معصية كخمر وقمار) بضم القاف؛ أصله المغالبة في الشيء، والمراد به: اللعب بالدراهم كلعب الشطرنج والطاب ونحوهما على أن من غلب صاحبه فله من المعلوم كذا وهو محرم إجماعاً (أو) بصرفه (في معاملة) من بيع أو شراء (بغبن فاحش) خارج عن العادة (بلا مصلحة) تترتب عليه بأن يكون شأنه ذلك من غير مبالاة (أو) صرفه (في شهوات) نفسانية (على خلاف عادة مثله) في مأكله ومشربه وملبوسه ومركوبه ونحو ذلك (أو بإتلافه هدراً): كأن يطرحه على الأرض أو يرميه في بحر أو مرحاض كما يقع لكثير من السفهاء يطرحون الأطعمة والأشربة فيما ذكر ولا يتصدقون بها.
(ويتصرف الولي) على المحجور وجوباً (بالمصلحة) العائدة على محجوره حالاً أو مآلاً (فله ترك شفعة): أي أخذ شقص لمحجوره بالشفعة إذا اقتضت المصلحة ذلك (و) ترك (قصاص) وجب للمحجور على جان بالنظر والمصلحة (فيسقطان). وليس للمحجور إن عقل أو بلغ قيام بذلك، بخلاف ما لو وقع ذلك على غير وجه النظر فله القيام بحقه بعد زوال الحجر عنه. (ولا يعفو) الولي عن عمد أو خطأ (مجاناً) بلا أخذ مال لما فيه من عدم المصلحة، وله القيام إذا بلغ الصبي بحقه.
(ولا يبيع) الولي من وصي أو حاكم (عقار يتيم): أي لا يجوز له بيعه لأن العقار يؤمن عليه من التلف فيقدم غيره عليه ومثل اليتيم السفيه فالتعبير بمحجور أعم من يتيم. (إلا لحاجة بينة): أي ظاهرة كنفقة يتوقف معاشهم عليها أو وفاء دين يتوقف على بيعه (أو غبطة) بأن يباع بأزيد من قيمته كثيراً كالثلث فأكثر (أو لخوف عليه من ظالم، أو لكونه موظفاً): أي عليه توظيف ظلماً أو حكراً، فيباع ليشتري له ما لا توظيف عليه. (أو) لكونه (حصة) مع شريك فيباع ليشتري له كاملاً للسلامة من ضرر الشركة (أو قلت غلته): وأولى إذا لم يكن له غلة فيباع ليستبدل له ما فيه غلة كثيرة (أو) كان (بين ذميين أو جيران سوء أو) كان (في محل خوف) فيباع ليشتري له غيره في مكان غير ما ذكر (أو) كان شركة فيباع (لإرادة شريكه بيعاً) لنصيبه
ــ
بيان للاستحسان على حد ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [الحج: ٣٠].
قوله: [بشروطه السابقة]: أي وهي الشروط التي ذكرت في الحاكم.
قوله: [ولا سيما في هذه الأزمنة]: أي التي عدم فيها الحكام الشرعيون.
قوله: [والمراد به اللعب بالدراهم]: أي اللعب الذي يتسبب عنه ضياع الدراهم.
قوله: [كلعب الصطرنج]: نسخة المؤلف بالصاد والطاء والراء المهملات ونون وجيم. والمشهور بين المؤلفين أنه بالشين المعجمة بدل الصاد ورأيت في شرح المناوي على الجامع الصغير أنه بالسين والشين ولم يذكره بالصاد وهذا هو التحقيق.
قوله: [على أن من غلب صاحبه]: الصواب لمن غلب صاحبه.
قوله: [وهو محرم إجماعاً]: أي لأنه الميسر الذي قال الله فيه: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ [المائدة: ٩٠] الآية.
قوله: [وترك قصاص وجب للمحجور]: أي حيث كان المحجور صغيراً، وأما السفيه البالغ فينظر لنفسه في القصاص كما تقدم له من أن من جملة ما يخالف فيه السفيه الصغير القصاص والعفو.
قوله: [بالنظر والمصلحة]: كرره إشارة إلى أنه راجع للمسألة الثانية أيضاً.
قوله: [فيسقطان]: جواب شرط مقدر أي وإذا حصل ترك ما ذكر من التشفع والقصاص بالنظر فيسقطان.
قوله: [ولا يعفو الولي] إلخ: حاصله أنه لا يجوز للولي أن يعفو عن الجناية العمد التي فيها مال أو الخطأ مجاناً فمراد الشارح بقوله: "من عمد" أي فيه مال لما تقدم له من جواز ترك القصاص.
قوله: [وله القيام]: هذا دليل جواب إذا والضمير عائد على الصبي وهو وإن كان متأخراً لفظاً فهو متقدم رتبة.
قوله: [فالتعبير بمحجور أعم من يتيم]: تورك على عبارة المصنف.
قوله: [إلا لحاجة بينة]: شروع في الأسباب التي يباع عقار المحجور عليه لأجلها وعدها اثني عشر. وقد نظمها البدر الدماميني كما في (بن) فقال:
إذا بيع ربع لليتيم فبيعه ... لأشياء يحصيها الذكي بفهمه
قضاء وإنفاق ودعوى مشارك ... إلى البيع فيما لا سبيل لقسمه
وتعويض كل أو عقار مخرب ... وخوف نزول فيه أو خوف هدمه
وبذل الكثير الحل في يمن له ... وخفة نفع فيه أو ثقل غرمه
وترك جوار الكفر أو خوف عطله ... فحافظ على فعل الصواب وحكمه
اهـ.
قوله: [أو حكراً]: بالنصب معطوف على ظلماً فهو تنويع للتوظيف.
قوله: [ما لا توظيف عليه]: أي ما لا حكر عليه أصلاً أو أقل حكراً.
قوله: [أو كان بين ذميين]: محل استبدال ما كان بين ذميين
стр. 672
(ولا مال له): أي لليتيم يشتري به مناب الشريك، فيباع حصة اليتيم مع الشريك إذا كان لا ينقسم وإلا قسم (أو لخشية انتقال العمارة) عنه فيصير منفرداً فتقل قيمته فيباع (أو) لخشية (الخراب عليه، ولا مال له): أي للمحجور عليه يعمر به (أو له مال والبيع أولى): من التعمير (فيستبدل) أي فيباع في جميع ما تقدم ويستبدل (له خلافه): إلا أن يبيع لحاجة النفقة أو الدين أو بيع شريكه فلا يلزم استبدال.
(وحجر على رقيق): أي يحجر عليه سيده: أي له الحجر عليه شرعاً (مطلقاً) ذكراً أو أنثى في نفسه وماله قل أو كثر بمعاوضة أو غيرها ولو كان حافظاً ضابطاً قناً أو غيره؛ كمدبر إلا المكاتب فإنه أحرز نفسه وماله. (إلا بإذن) له (في تجارة) فتصرفه ماض ولو ضمناً ككتابة، فإنها إذن حكماً في التصرف. والمأذون من أذن له سيده أن يتجر في مال نفسه والربح له أو لسيده أو في مال السيد والربح للعبد. وأما جعل الربح للسيد فهو وكيل حقيقة. (ولو في نوع) خاص كالبز (فكوكيل مفوض): أي في سائر الأنواع مما أذن له فيه وما لم يأذن له فيه وإن كان لا يجوز له أن يتعدى النوع الذي أذن له فيه. لكنه إن تعداه مضى ولا ينقض لأنه أقعده للناس ولا يدرون في أي الأنواع أقعده. (وله): أي للعبد المأذون (أن يضع) عن بعض الغرماء له بعض دين بالمعروف (ويؤخر) من عليه دين إلى أجل لأن ذلك من شأن التجارة. (و) له أن (يضيف) ضيفاً أو جماعة. وليس له كما في المدونة أن يعير شيئاً (إن استألف) بجميع ما ذكر: أي فعله استئلافاً لتجارة (ويعتق) عبداً (برضا سيده) والولاء للسيد لأنه المعتق حقيقة والمأذون وكيله فيه. (و) له (أخذ قراض) من غيره وربحه فيه كخراجه لا يقضي منه دينه ولا يتبعه إن عتق (ودفعه): أي القراض لعامل. (و) له (تصرف في كهبة) وهبت له أو صدقة [١]، أو وصية أعطيت له بالمعاوضة كهبة الثواب (لا تبرع) بها فليس له ذلك.
(ولغير مأذون) في التجارة (قبول) لهبة أو صدقة (بلا إذن) من سيده، فأولى المأذون ومن له القبول له الرد (ولا يتصرف) فيها إن قبل لأنه غير مأذون فتصرفه غير نافذ.
(والحجر عليه): أي على المأذون في قيام الغرماء عليه وكذا لو أبطل سيده تصرفه ورده للحجر ولو لم يقم عليه غريم (كالحر): في كون الحاكم يتولى أمره ويبيع سلعه لا الغرماء ولا السيد ويقبل إقراره بالمجلس أو بقربه لمن لا يتهم عليه، ويمنع من التصرف المالي بعد التفليس وغير ذلك مما مر. وليس للسيد إسقاط دين عليه كما علم من قوله إلا بإذن في تجارة إلخ.
ــ
إن كان مسكناً له وأما عقاره الذي للتجر أو للكراء فكونه بين الذميين أروج له.
قوله: [ولا مال له]: أي أو له مال والبيع أولى كما قيل فيما يأتي.
قوله: [أي له الحجر عليه شرعاً]: أي حجراً أصلياً كالحجر على الصغير فتصرفاته مردودة وإن لم يقل السيد حجرت عليه.
قوله: [بمعاوضة أو غيرها]: الظاهر أنه متعلق بمحذوف تقديره فله منعه من التصرف كان بمعاوضة أو غيرها.
قوله: [إلا بإذن له في تجارة]: أي إلا أن يكون متلبساً في الإذن له في تجارة وإلا فلا حجر عليه.
قوله: [والمأذون] إلخ: أشار بهذا إلى أن صور المأذون أربعة ثلاثة يكون فيها كالوكيل والرابعة يكون وكيلاً حقيقة.
قوله: [لكنه إن تعداه مضى]: أي وهل يجوز ابتداء أو يمنع؟ خلاف والمعتمد الأول خلافاً لما مشى عليه الشارح.
قوله: [أي للعبد المأذون]: أي بالنسبة للثلاثة الأول.
قوله: [بالمعروف]: متعلق بيضع أشار به إلى أن محل جواز الوضيعة من الدين إذا كان ما يضعه قليلاً وإلا منع والقلة بالعرف.
قوله: [إلى أجل]: أي ما لم يبعد وإلا منع والبعد معتبر بالعرف أيضاً كما ذكره اللخمي ولم يعدوا تأخير الدين للاستئلاف سلفاً جر منفعة لعدم تحقق النفع.
قوله: [وليس له كما في المدونة أن يعير شيئاً]: قال ابن عرفة: وفيها لا يعير شيئاً من ماله بغير إذن سيده، الصقلي عن محمد: لا بأس أن يعير دابته للمكان القريب. اهـ.
قوله: [إن استألف]: قال (بن): وله أن يعق عن ولده ولو بغير استئلاف ولو قل المال إذا علم أن سيده لا يكره ذلك كما في المدونة. اهـ. . قال (عب): إن علم كراهة السيد لذلك منعت وكل من أكل منها شيئاً ضمنه للسيد.
قوله: [ويعتق عبداً برضا سيده]: حيث كان ذلك كذلك فهذا الحكم لا يخص المأذون له بل غيره كذلك.
قوله: [لأنه المعتق حقيقة]: أي لأن الرقيق لا يحرر غيره ما دام رقيقاً.
قوله: [ومن له القبول له الرد]: أي له الرد من غير توقف على إذن من سيده فإذا ردها فليس للسيد أن يجبره على قبولها وإذا قبلها فليس للسيد جبره على ردها فعدم جبر العبد على قبول الهبة هو المعتمد والقول بالجبر ضعيف.
قوله: [والحجر عليه] إلخ: قال فيها ومن أراد أن يحجر على من له عليه ولاية فلا يحجر عليه إلا عند السلطان فيوقفه السلطان للناس ويسمع به في محله ويشهد على ذلك، فمن باع منه أو ابتاع بعد ذلك فهو مردود. وكذلك العبد المأذون له في التجارة. ولا ينبغي لسيده أن يحجر عليه إلا عند السلطان فيوقفه للناس ويأمر به فيطاف به حتى يعلم ذلك. اهـ. وأفادوا أيضاً: أن الصبي مثل البالغ من حر أو رقيق في أنه لا يفلسه إلا الحاكم ولو مع وجود أبيه. اهـ. ملخصاً من الحاشية.
قوله: [لا الغرماء ولا السيد]: أي إن كان هناك غرماء فلا يبيع ماله إلا لحاكم. وأما إن لم يكن هناك غرماء فالأمر فيه للسيد بعد حكم الحاكم عليه بالحجر.
قوله: [كما علم من قوله] إلخ: لم يعلم
стр. 673
بخلاف غير المأذون فله إسقاط ما عليه عنه. (وأخذ) ما عليه من الدين (مما): أي من المال الذي (بيده) مما له فيه التصرف (وإن) كان ما بيده (مستولدته) التي اشتراها من مال التجارة أو ربحه. وأما ولدها فهو للسيد فلا يباع في دينه فلو اشتراها من كسبه الخارج عن مال التجارة فهي للسيد كولدها، فلا تباع في دينه (أو كان) ما بيده (هبة ونحوها) كصدقة ووصية فيوفى منها دينه. (لا) تؤخذ (غلته) التي استفادها في نظير عمل أو خدمة (و) لا (أرش جرحه) ولا (رقبته) فيما عليه من الدين لأن ذلك للسيد.
ولما فرغ مما يتعلق بالأسباب الخمسة العامة؛ شرع فيما يتعلق بالسببين الخاصين؛ وهما المرض مطلقاً والنكاح بالنسبة للزوجة.
(و) حجر (على مريض) ذكراً أو أنثى سفيهاً أو رشيداً إذا مرض (مرضاً ينشأ الموت عنه عادة وإن لم يغلب) الموت عنه والحجر للوارث ومثل للمرض الذي ينشأ عنه عادة بقوله (كسل) بكسر الكاف: مرض ينحل البدن فكأن الروح تنسل معه شيئاً فشيئاً (وقولنج) بضم القاف وسكون الواو: مرض معوي يعسر معه خروج الغائط والريح، ومعوي بكسر الميم وفتح العين المهملة: نسبة للمعى بكسر الميم (وحمى قوية) حارة تجاوز العادة في الحرارة مع المداومة. (وحامل ست): أي حمل بلغ ستة أشهر ودخل في السابع ولو بيوم. (ومحبوس لقتل) بأن ثبت عليه ببينة أو إقرار، لا لمجرد الدعوى قبل الثبوت فلا يحجر عليه (أو) محبوس (لقطع) من يد أو رجل ثبت عليه الموجب (خيف الموت منه): أي من ذلك القطع (وحاضر صف القتال) وإن لم يصب بجرح (لا) حجر بمرض خفيف (نحو رمد) وصداع وحمى خفيفة ومرض بيد أو رجل (وجرب) من كل ما لا ينشأ عنه الموت عادة (وملجج ببحر) مالح أو حلو (ولو حصل) له فيه (الهول) بشدة ريح أو غيرها ولا يكون كحاضر صف القتال (في تبرع) متعلق بحجر، المقدر قبل على مريض أي: يحجر على المريض في تبرع كهبة وصدقة وحبس ووصية (زاد) التبرع (على ثلثه): أي ثلث ماله لا في الثلث فدون ومثل له بقوله (كنكاح) أي كأن يتزوج المريض بما زاد على الثلث
ــ
صريحاً، وإنما علم ضمناً من الإذن، فالإذن يتضمن عدم الإسقاط وعدمه يتضمن جواز الإسقاط تأمل.
قوله: [خلاف غير المأذون]: أي فإنه لا يفلس ولا يعتبر إقراره بدين، لأن له إسقاطه عنه كما قال الشارح. فإذا أسقطه سيده فلا يتبع به ولو عتق.
قوله: [وأخذ ما عليه من الدين]: أي سواء فلس أم لا.
قوله: [وإن كان ما بيده مستولدته]: أي فتباع لأنها مال له ولا حرية فيها، وإلا كانت أشرف من سيدها. وكذا له بيعها لغير دين عليه لكن بإذن السيد مراعاة للقول بأنها قد تكون أم ولد إن عتق فإن باعها بغير إذن السيد مضى بيعها ومثل مستولدته في البيع للدين من بيده من أقاربه ممن يعتق على الحر فإن لم يكن عليه دين محيط لم يبع أحد منهم إلا بإذن سيده كما في المدونة.
قوله: [من مال التجارة]: مثله شراؤها عن هبة أو صدقة أو وصية.
قوله: [أو ربحه]: ربح مال التجارة.
قوله: [أي: فلا يباع في دينه]: أي لأنه ليس مالاً بل للسيد للاتفاق على عتقه عليه إن عتق ولو كان مالاً له لتبعه إن عتق واستمر على الرقيِّة، فلو باعه بغير إذن السيد رد بيعه. وإذا علمت أن ما في بطنها لسيده فلا تباع في دينه إلا بعد وضعها حينئذ بولدها ويقوم كل واحد بانفراده قبل البيع ليعلم كل واحد ما بيع به ملكه. اهـ. (بن) ملخصاً.
قوله: [الخمسة العامة]: أي وهي الفلس والصبا والجنون والسفه والرق.
قوله: [المرض مطلقاً]: أي في الذكر والأنثى سفيهاً أو رشيداً كما يفيده الشارح بعد.
قوله: [وإن لم يغلب الموت عنه]: أي بل المدار على أن يكون الموت منه شهيراً لا عجب فيه.
قوله: [بكسر الكاف] صوابه بكسر السين كما في الأصل.
قوله: [ينحل البدن]: أي وهو المسمى في عرف مصر بمرض القصبة.
قوله: [مرض معوي] إلخ: كذا في القاموس والذي ذكره داود الحكيم أنه ريح غليظ يحتبس في المعى.
قوله: [نسبة للمعى بكسر الميم]: أي واحدة الأمعاء التي هي المصارين ونسب لها لحلوله فيها.
قوله: [وحمى قوية حارة]: وهي الحمى المطبقة بكسر الباء ويسميها أهل مصر بالنوشة.
قوله: [ولو بيوم]: أي فلو تبرعت بعد الستة وقبل تمام اليوم الذي هو من السابع كان تبرعها ماضياً ويكفي في العلم بدخولها في السبع وعدمه إخبارها بذلك ولا يسأل النساء.
قوله: [خيف الموت منه]: فيه أنه متى خيف بالقطع موته ترك القطع لوقت لا يخاف عليه فيه الموت وأجيب بأنه يفرض في المقطوع للحرابة فإنه لا يجوز أن يقطع ولو خيف موته لأن القتل أحد حدوده.
قوله: [وحاضر صف القتال]: احترز بصف القتال عمن حضر صف النظارة بكسر النون وتخفيف الظاء وصف الرد فإنه لا يحجر عليه. وصف النظارة: هم الذين ينظرون المغلوب من المسلمين المجاهدين لينصروه، وصف الرد: هم الذين يردون من فر من المسلمين أو يردون أسلحته إليه.
قوله: [وملجج]: بكسر الجيم الأولى مشدد اسم فاعل.
قوله: [ولو حصل له فيه الهول]: كان في مركب أو لا بأن كان عليماً بحسن العوم. وأما من
стр. 674
وتقدم أنه يفسخ قبل البناء ولا شيء لها، وبعده لها الأقل من المسمى وصداق المثل أو الثلث إن مات. (وخلع): كأن تخالع المريضة زوجها بأكثر من ثلثها، فإن صحت مضى، وإن ماتت من مرضها فللوارث رد ما زاد على الثلث.
(لا تداويه) من مرضه فلا حجر عليه فيه ولو زاد. وأولى مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته.
(و) لا حجر عليه في (معاوضة مالية): كبيع وشراء وقرض وقراض ومساقاة وإجارة (ووقف تبرعه) من هبة وصدقة وحبس ولو بدون الثلث حتى يظهر حاله من موت أو حياة (إلا بمال مأمون)، وهو - أي المأمون - (العقار): أي الأرض وما اتصل بها من شجر وبناء، فلا يوقف بل ينجز الآن للمتبرع له كما يأتي. وفرع على قوله: "ووقف تبرعه " إلى آخر قوله: (فإن مات) المريض الذي وقف تبرعه غير المأمون (فمن الثلث) مما وجد يوم التنفيذ قل أو كثر، (وإلا) يمت بأن صح (مضى الجميع): أي جميع ما تبرع به، وليس له رجوع فيما زاد على الثلث (ونجز في المأمون) للمتبرع له (الثلث) منه، ووقف ما زاد عليه. (فإن) مات المريض فليس للمتبرع له سوى ما أخذه وإن (صح) من مرضه (فالباقي): أي فيأخذ الباقي الذي وقف له.
وأشار للثاني من الأخيرين - وهو المتمم للسبعة - بقوله:
(و) حجر على (زوجة) حرة رشيدة (لزوجها) فقط (ولو عبداً) وأما الأمة أو السفيهة، فالحجر عليها مطلقاً [١] لدخولهما في الخمسة الأول (في) تبرع (زائد على ثلثها) ولو بعتق حلفت به وحنثت فله رده ولا يعتق منه شيء (ولو): كان تبرعها الزائد حاصلاً (بكفالة): أي ضمان لغير زوجها، فله رده لا إن ضمنته فليس له رده (وهو): أي تبرعها بالزائد (ماض حتى يرد): أي حتى يرد الزوج جميعه أو ما شاء منه، وقيل مردود حتى يجيزه.
وعلى المشهور
ــ
لا يحسنه فإنه يحجر عليه إذا كان بغير سفينة.
قوله: [وتقدم أنه يفسخ] إلخ: كلامه يوهم أن نكاح المريض لا يفسخ إلا إن زاد المهر على الثلث وليس كذلك، بل نكاح المريض أو المريضة مرضاً مخوفاً يفسخ مطلقاً ولو كان النكاح تفويضاً لأن فيه إدخال وارث كما تقدم. وإنما مثل به المصنف هنا من حيث رد الزائد عن الثلث في المهر عند الدخول كما أفاده الشارح بقوله: " وبعده لها الأقل " إلخ.
قوله: [ووقف تبرعه] إلخ: حاصله أن المريض مرضاً مخوفاً إذا تبرع في مرضه بشيء من ماله بأن أعتق أو تصدق أو وقف، فإن ذلك يوقف لموته، كثيراً كان أو قليلاً، وبعد موته يقوم ويخرج كله من ثلثه إن وسعه وإلا خرج ما وسعه الثلث فقط. وقدم الأهم فالأهم كما يأتي في الوصايا فإن صح ولم يمت مضى جميع تبرعاته، هذا إذا كان ماله الباقي بعد التبرع غير مأمون كالحيوان والعروض. وأما لو كان الباقي مأموناً وهو الأرض وما اتصل بها من بناء أو شجر فإن ما فعله من عتق أو صدقة لا يوقف وينفذ ما حمله الثلث عاجلاً ووقف منه ما زاد فإن صح نفذ الجميع وإن مات لم يمض غير ما نفذ.
قوله: [من الأخيرين]: أي وهما السببان الخاصان.
قوله: [لزوجها فقط]: أي لا لأبيها ولا لوصيها لأن الغرض أنها رشيدة.
قوله: [فالحجر عليهما مطلق]: أي للسيد والولي.
قوله: [في تبرع]: احترز به عن الواجبات كنفقة أبويها فلا يحجر عليها فيها وكما لو تبرعت بالثلث فأقل ولو قصدت بذلك ضرر الزوج عند ابن القاسم، خلافاً لما روي عن مالك من رد الثالث إذا قصدت ضرر الزوج واختاره ابن حبيب. ومحل الحجر عليها في تبرعها بزائد الثلث إن كان التبرع لغير زوجها. وأما له فلها أن تهب له جميع مالها وليس لأحد منعها من ذلك كما في (شب) - نقله محشي الأصل.
قوله: [ولا يعتق منه شيء]: أي ولا يلزمها في نظير الحنث شيء وكأنها حلفت على ملك الغير.
قوله: [لا إن ضمنته فليس له رده]: أي لأنه لا يحجر على نفسه لنفسه وهذا في غير ضمان الوجه والطلب. وأما هما فله منعها مطلقاً كان الضمان له أو لأجنبي لأنه يؤدي إلى الخروج والزوج يتضرر بذلك وقد تحبس.
قوله: [أي حتى يرد الزوج جميعه]: إن قلت: قد مر أن الزوج ليس له رد الثلث فمقتضاه أنه لا يرد لا الزائد؟ وأجيب بأنها لما تبرعت بالزائد حملت على أن قصدها إضرار الزوج فعوملت بنقيض قصدها. وظاهر قوله: " حتى يرد الزوج جميعه " أن له ذلك ولو بعد مدة طويلة، وهو كذلك كما قرره شيخ مشايخنا العدوي. ومحل الرد بعد المدة الطويلة ما يقع منه إمضاء. واعلم أن رد الزوج رد إيقاف على المعتمد وهو مذهب المدونة ورد إبطال عند أشهب. وأما رد الغرماء فرد إيقاف ورد باتفاق الولي لأفعال محجوره سيداً أو غيره رد إبطال اتفاقاً قال ابن غازي:
أبطل صنيع العبد والسفيه ... برد مولاه ومن يليه
وأوقفن فعل الغريم واختلف ... في الزوج والقاضي كمبدل عرف
أي للقاضي حكم من ناب عنه، فإن رد على المدين فإيقاف كرد الغرماء وعلى المحجور فإبطال كالولي
стр. 675
(فيمضي إن لم يعلم) الزوج (به حتى بانت) منه (أو مات أحدهما كعبد) تبرع بعتق أو غيره ولم يعلم سيده (حتى عتق) العبد فيمضي تبرعه إذا لم يستثن سيده ماله حين العتق.
(ومدين) تبرع بشيء أو باع شيئاً ولم يعلم غريمه الذي أحاط دينه بذلك (ثم وفى) دينه الذي لغريمه، فتبرعه ماض وليس للغريم ولا لغيره بعد وفاء الدين كلام.
(وله): أي للزوج (رد الجميع): أي جميع ما تبرعت به (إن تبرعت) زوجته (بزائد) على الثلث، لا إن تبرعت بالثلث فدون: أي وله رد ما زاد فقط أو بعضه وله إمضاء الجميع وهذا في غير عتق عبد يزيد على الثلث فليس له إلا رد الجميع أو إمضاؤه دون بعضه، إذ لو جاز له رد البعض لقوم عليها الباقي ويعتق عليها؛ فرده البعض يؤدي إلى عدمه، وأما الوارث فليس له إلا رد ما زاد أو بعضه لا الجميع ولا رد شيء من الثلث. (و) إذا تبرعت بالثلث ولزم (ليس لها تبرع بعد) ذلك (الثلث، إلا أن يبعد) الزمن بعد التبرع به (كنصف سنة) فأكثر، فلها التبرع من الثلثين الباقيين؛ كأن البعد صيره مالاً برأسه لم يتقدم فيه تبرع. (وإلا) يبعد فليس لها وحينئذ (فله الرد) إن تبرعت، والله أعلم.
(باب)
في أحكام الصلح وأقسامه
قال ابن عرفة: الصلح انتقال عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع أو خوف وقوعه اهـ وهو على ثلاثة أقسام: بيع، وإجارة وهبة. لأن المصالح به إن كان ذاتاً فبيع، وإن كان منفعة فإجارة، وإن كان ببعض المدعى به فهبة. وهذه الأقسام الثلاثة تجري في الصلح عن إقرار وعلى الإقرار وعلى السكوت. وإلى ذلك أشار بقوله: (الصلح جائز عن إقرار وإنكار وسكوت؛ إن لم يؤد إلى حرام): فإن أدى إليه حرم روى الترمذي وحسنه أن النبي ﷺ قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً». (وهو): أي الصلح - (على غير المدعى به - بيع) للمدعى به (إن لم يكن) الصلح بمعنى المصالح به (منفعة): فيشترط فيه شروط البيع وانتفاء موانعه؛ من كونه طاهراً معلوماً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه ليس طعام معاوضة إلى غير ذلك مما تقدم؛ كما لو ادعى عليه بعرض أو حيوان أو بدنانير أو دراهم فأقر المدعى عليه أو أنكر أو سكت ثم صالح بشيء مخالف للمدعى به نقداً، فيشترط في المأخوذ ما تقدم، وأن لا يلزم فسخ الدين في الدين
ــ
والسيد فافهم.
قوله: [فيمضي إن لم يعلم الزوج] إلخ: قصد بهذه العبارة بيان حكم تبرع الزوجة بزائد الثلث وتبرع العبد مطلقاً وتبرع المدين ولم يحصل في الجميع رد ولا إجازة، فهذا غير ما أفاده ابن غازي في النظم، لأن ذاك فيما إذا حصل رد بالفعل وأما ما هنا ففيما إذا لم يحصل رد ولا عدمه كما علمت.
قوله: [كعبد تبرع] إلخ: تشبيه في المعنى لا بقيد كونه ثلثاً أو غيره.
قوله: [يؤدي إلى عدمه]: أي وما أدى ثبوته إلى رفعه انتفى لأن فيه الدور الحكمي وهو باطل.
قوله: [وأما الوارث فليس له إلا رد ما زاد] إلخ: الفرق بين المرأة والمريض أن المرأة قادرة على إنشاء ما أبطله الزوج بعد مدة بخلاف المريض.
خاتمة: علامات البلوغ خمس: ثلاث مشتركة واثنتان مختصتان بالأنثى. فالمشتركة: نبات العانة، أو بلوغ السن ثماني عشرة سنة، وإن في حق الله تعالى كالصوم على الأرجح. وصدق في إثباته وعدمه إن لم يرتب في شأنه، والحلم أي الإنزال مطلقاً في نوم أو يقظة والمختصان بالأنثى: الحيض والحمل.
باب في أحكام الصلح؛ أي: مسائله
لما أنهى الكلام على ما أراد من أسباب الحجر شرع في الكلام على شيء من مسائل الصلح، لأنه قطع المنازعة؛ فهو نوع من أنواع البيع. وهو من حيث ذاته مندوب.
قوله: [وأقسامه]: أي الثلاثة الآتية.
قوله: [قال ابن عرفة الصلح] إلخ: تعقبه (ر) بقوله: لا نسلم أن الصلح هو الانتقال بل هو المعاوضة والانتقال معلول له كالانتقال في البيع فإنه معلول له ومفرع عليه. ويدخل في قوله: "انتقال عن حق الصلح عن الإقرار" وقوله: " أو دعوى " يدخل فيه صلح الإنكار وقوله: " بعوض " متعلق بانتقال يخرج به الانتقال بغير عوض، فلا يقال له صلح وقوله: " لرفع نزاع أو خوف وقوعه " راجع لكل من الطرفين اللذين هما قوله انتقال عن حق أو دعوى المشار لهما بصلح الإقرار والإنكار فإن قلت: السكوت إذا وقع الصلح فيه خارج من التعريف. قلت: قالوا حكمه حكم الإقرار - تأمل.
قوله: [وهو]: أي الصلح من حيث هو.
قوله: [عن إقرار]: المناسب على إقرار.
وقوله: [وعلى الإقرار]: الصواب: وعلى الإنكار. أما جريانها في الإقرار فظاهر، وأما في الإنكار فبالنظر للمدعى به والمصالح به وأما في السكوت فلأنه راجع لأحدهما أي الإقرار والإنكار؛ لأن المدعى عليه في الواقع إما مقر أو منكر، وإن كان يعامل على المعتمد معاملة المقر.
قوله: «حرم حلالاً أو أحل حراماً»: مثال الأول: كما لو شرط عليه في عقد الصلح أن يعطيه جارية مثلاً ولا يطؤها أو لا يبيعها، ومثال الثاني: ما لو طالبه بدين له شرعاً فاصطلح معه على صرف مؤخر أو على ما فيه فسخ دين في دين أو على بيع طعام قبل قبضه. فالمراد بتحليل الحرام انتهاك حرمته وإجراؤه مجرى الحلال، هذا هو الذي يظهر.
قوله: [بيع]: أي لذات المدعى به إن كان المعوض عنه ذاتاً سواء كان المدعى به معيناً أم لا.
قوله: [فيشترط في المأخوذ ما تقدم]: أي الذي هو شروط البيع.
قوله: [وألا يلزم فسخ الدين في الدين]:
стр. 676
أو الصرف المؤخر، ولا بيع الطعام قبل قبضه، وأن يسلم من الشرط المناقض؛ كشرط أن لا يلبسه أو لا يركبه أو لا يسكن فيه ونحو ذلك.
(وإلا) - بأن كان المصالح به منفعة - (فإجارة) للمصالح به، وهو القسم الثاني فيشترط فيها شروطها، فإن كان المدعى به معيناً - كهذا العبد - جاز الصلح عنه في الأحوال الثلاثة بمنافع معينة أو مضمونة لعدم فسخ الدين في الدين، وإن كان غير معين بل مضموناً في الذمة كدينار أو ثوب موصف ولم يجز الصلح عنه بمنافع معينة ولا مضمونة لما فيه من فسخ الدين في الدين.
(و) الصلح (على بعضه): أي بعض المدعى به (هبة) للبعض المتروك (وإبراء) من المدعي من ذلك البعض؛ وهذا هو القسم الثالث في الأحوال الثلاثة.
إذا علمت ذلك:
(فيجوز) الصلح (عن دين بما): أي بشيء (يباع به) ذلك الدين: أي بما يصح بيعه به؛ كدعواه عرضاً أو حيواناً أو طعاماً من قرض فصالحه بدنانير أو دراهم أو هما، أو بعرض أو طعام مخالف للمصالح عنه نقداً لا مؤجلاً ولا بمنافع، كسكنى دار أو ركوب دابة لفسخ الدين في الدين فقوله: "عن دين": أي مطلقاً؛ عيناً كان الدين أو غيره والمصالح به كذلك، إلا أنه لا بد أن يكون مخالفاً للمصالح عنه حتى يسمى صلحاً.
(و) جاز الصلح (عن ذهب بورق وعكسه إن حلا): أي المصالح عنه وبه (وعجل) المصالح به، وإلا لزم الصرف المؤخر.
(و) جاز الصلح (عن عرض) معين ادعاه على صاحبه فأقر أو أنكر (أو) عن (طعام غير المعاوضة) كذلك: أي معين أو عن مثلي ولو مؤجلاً؛ وكأنه أطلق العرض على ما يشمل المثليات غير الطعام، كالقطن والحديد ونحوهما مما يوزن أو يكال (بعين) ذهب أو فضة أو هما. (أو عرض) مخالف لما صولح عنه كأن يصالح عن عبد بثوب أو بحمار وعكسه ولو مؤجلاً (أو طعام مخالف) للطعام الذي صولح عنه؛ كأن يصالح عن إردب قمح بفول، وأما المماثل فهو ذو وفاء للدين (نقداً): أي حالاً، وإنما حمل هذا على المعين - كأن يدعي عليه بهذا العبد أو الثوب أو هذا الطعام بعينه - لئلا يتكرر مع قوله: "فيجوز عن دين بما يباع به". وقوله: "نقداً"، خاص بقوله: "أو طعام مخالف "لئلا يلزم النسيئة في الطعام.
ــ
أي كما لو صالحه على الذات التي يدعيها بسكنى دار أو خدمة عبد مثلاً.
قوله: [أو الصرف المؤخر]: أي كما لو صالحه عما يدعيه عليه من الدنانير التي في ذمته بفضة مؤجلة.
قوله: [ولا بيع الطعام قبل قبضه]: أي كما لو دفع له في نظير طعام من سلم شيئاً يخالف الطعام، وهذا عين قوله: وليس طعام معاوضة، فلا حاجة لذكره.
قوله: [فيشترط فيها]: أي في المنفعة.
قوله: [بمنافع معينة]: أي بمنافع ذات معينة.
قوله: [ولا مضمونة]: أي الذات المستوفى منها مضمونة.
قوله: [لما فيه من فسخ الدين في الدين]: أي لأن الذمة وإن لم تقبل المعين - فإنها تقبل منافعه، وقبض الأوائل ليس قبضاً للأواخر كما هو قول ابن القاسم.
قوله: [وإبراء من المدعي]: أشار بذلك إلى أنه ليس المراد بالهبة حقيقتها حتى يحتاج فيها للقبول من المدعى عليه قبل موت الواهب الذي هو المدعي بل المراد بها الإبراء وحينئذ، فلا يشترط قبول ولا تجدد حيازة على المعتمد. فإذا أبرأت زيداً مما عليه صح وإن لم يقبل، خلافاً لما في الخرشي من أن الإبراء يحتاج لقبول وإن لم يحتج لحيازة والهبة تحتاج لهما معاً اهـ من تقرير شيخ مشايخنا العدوي.
قوله: [في الأحوال الثلاثة]: أي يجري في الأحوال الثلاثة التي هي الإقرار والإنكار والسكوت كالقسمين قبله.
قوله: [أي بما يصح بيعه به]: مراده بالبيع: المعاوضة، وإنما تصح المعاوضة عن الدين إذا انتفت أوجه الفساد من فسخ الدين في الدين والنساء وبيع الطعام قبل قبضه والصرف المؤخر وضع وتعجل وعرف المدعي قدر ما يصالح عنه، فإن كان مجهولاً لم يجز. وهذا شرط في كل صلح كان بيعاً أو إجارة، ولذا اشترط في المدونة في صلح الزوجة عن إرثها معرفتها لجميع التركة لكن إذا أمكن معرفة ذلك فإن تعذر جاز على معنى التحلل إذ هو غاية المقدور كما نقله (ح) عن أبي الحسن - كذا في حاشية الأصل.
قوله: [لفسخ الدين في الدين]: راجع لقوله: "لا مؤجلاً" إلخ.
قوله: [إن حلا] إلخ: مفهوم كلام المصنف عدم اشتراط الحلول والتعجيل في صلحه عن ذهب بمثله وعن ورق بمثله كصلحه عن مائة بخمسين، وإنما يشترط كون الصلح عن إقرار أو سكوت وإلا كان فيه سلف جر منفعة من حيث إن من أجل ما عجل عد مسلفاً وانتفع المدعي بإسقاط اليمين عنه على تقدير لو ردت عليه من المدعى عليه.
قوله: [وعجل المصالح به]: لم يشترط تعجيل المصالح عنه لأنه تحصيل الحاصل.
قوله: [فأقر أو أنكر]: أي أو سكت.
قوله: [أو عن مثلي]: معطوف على قوله: " أو عن طعام غير المعاوضة " ولا بد من قيد التعيين فيه.
قوله: [على ما يشمل المثليات]: أي من كل ما يجوز بيعه قبل قبضه.
قوله: [بعين]: متعلق بقوله: عن عرض أو طعام غير المعاوضة أو عن مثلي فيجوز الصلح عن الجميع بعين حالاً أو مؤجلاً لأن غاية ما فيه بيع معين بثمن لأجل.
قوله: [أو عرض]: معطوف على عين، أي: فحكم العرض المخالف حكم العين.
قوله: [ولو مؤجلاً]: قد علمت أنه راجع للعرض والعين معاً.
قوله: [أو طعام مخالف]: معطوف
стр. 677
وأما غير الطعام بطعام فيجوز نقداً أو مؤجلاً إذ لا محذور في ذلك، واحترز بقوله: "غير المعاوضة" من طعام المعاوضة؛ فلا يجوز الصلح عنه بحال لما فيه من بيع الطعام قبل قبضه. وشبه في الجواز مسألة: "وعلى بعضه هبة وإبراء" بقوله: (كمائة دينار): أي كما يجوز الصلح بمائة دينار (ودرهم) مثلاً (عن مائتيهما): أي عن مائة دينار ومائة درهم، لأن المدعي ترك من حقه تسعة وتسعين درهماً، وسواء عجل المصالح به أو أجل إن كان عن إقرار. فإن كان عن إنكار جاز إن عجل لا إن أجل إذ لا يجوز على ظاهر الحكم كما يأتي.
(و) جاز الصلح بشيء (على الافتداء من يمين) توجهت على المدعى عليه المنكر، ولو علم براءة نفسه.
(لا) يجوز الصلح (بثمانية نقداً عن عشرة مؤجلة) لما فيه من: ضع وتعجل (و) لا (عكسه) لما فيه من: حط الضمان وأزيدك (ولا بدراهم عن دنانير مؤجلة و) لا (عكسه).
وذكر علة المنع في المسائل الأربع على سبيل اللف والنشر المرتب بقوله: (لضع وتعجل) في الأولى (وحط الضمان وأزيدك) في عكسها. ويجوز رفع [١] "أزيدك [٢] " بتقدير المبتدأ أي وأنا، ونصبه بأن مضمرة بعد واو المعية (والصرف المؤخر) في الأخيرتين.
(ولا) يجوز الصلح (على تأخير ما أنكر) المدعى عليه؛ كأن يدعي عليه بعشرة حالة، فأنكرها المدعى عليه ثم صالحه على أن يؤخره بها أو ببعضها إلى شهر مثلاً؛ فإنه لا يجوز على ظاهر الحكم لما فيه من سلف بمنفعة؛ فالسلف التأخير والمنفعة سقوط اليمين المنقلبة على المدعي من المدعى عليه المنكر على تقدير ردها أو سقوط الحق من أصله إن حلف. وهذا هو قول الإمام وإليه أشار بقوله: (على الأرجح) ويقابله قول ابن القاسم وأصبغ بالجواز.
(ولا) يجوز الصلح (بمجهول) جنساً أو قدراً أو صفة، لأنه بيع وإجارة أو إبراء فلا بد من تعين ما صالح به.
ــ
على عرض أي: فيجوز الصلح بطعام مخالف لكن بشرط النقدية كما أفاده المصنف.
قوله: [وأما غير الطعام بطعام]: أي وأما الصلح على غير الطعام كثوب وحيوان بطعام إلخ.
قوله: [مسألة وعلى بعضه] إلخ: أي مثال مسألة إلخ.
قوله: [على ظاهر الحكم]: أي لأن الصلح على ذلك الوجه يؤدي لسلف من المدعي جر له نفعاً ووجه ذلك أن المائة دينار والدرهم المأخوذين صلحاً مؤجلان وتأجيلهما عين السلف منه؛ لأن المدعى به حال وقد انتفع هو بسقوط اليمين عنه بتقدير رد اليمين عليه إن نكل المدعى عليه.
قوله: [ولو علم براءة نفسه]: رد بذلك على ابن هشام في قوله إن علم براءة نفسه وجبت اليمين. ولا يجوز له أن يصالح لأربعة أمور: منها أن فيه إذلال نفسه وقد قال رسول الله ﷺ : «من أذل نفسه أذله الله» ومنها أن فيه إضاعة المال، ومنها أن فيه إغراء للغير، ومنها أن فيه إطعام ما لا يحل ورد بأن ترك اليمين وترك الخصام عز لا إذلال وحينئذ فبذل المال فيه ليس إضاعة له لأنه لمصلحة وأما الطعام غير الحرام فلا سبيل على المظلوم فيه ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس﴾ [الشورى: ٤٢] الآية. اهـ. قاله (بن) وجوازه فيما قبل المبالغة إنما هو باعتبار ظاهر الحال لما يأتي في قوله ولا يحل للظالم.
قوله: [لما فيه من ضع وتعجل]: هذا المثال شامل لكون الدين الذي في الذمة من عين أو غيره؛ لأن ضع وتعجل يدخل الجميع. وأما قوله: " ولا عكسه " يظهر فيما إذا كان الدين غير عين وغير طعام وعروض من قرض؛ لأن الأجل فيها من حق من هي عليه، فإن طلب دفعها في أي وقت له ذلك، وليس فيه حط ضمان عنه إنما يظهر في الطعام والعروض من قرض والعين مطلقاً علة سلف جر نفعاً فتأمل.
قوله: [وذكر علة المنع] إلخ: حيث كان المتن ذاكراً لها على طريق اللف والنشر المرتب فلا حاجة لذكر الشارح بعضها لأنه غير ضروري.
قوله: [ويجوز ارفع وأزيدك] إلخ: أي على حد انزل عندنا ونكرمك؛ لأن الفعل المضارع إذا وقع بعد واو المعية الواقعة بعد واحد من الأمور التي جمعها بعضهم بقوله:
مر وانه وادع وسل واعرض لحضهم ... تمن وارج كذاك النفي قد كملا
فإنه يجوز رفعه بتقدير المبتدأ ونصبه بأن مضمرة بعد واو المعية.
قوله: [في الأخيرتين]: أي وهما الدراهم عن الدنانير المؤجلة والعكس.
قوله: [فإنه لا يجوز على ظاهر الحكم]: أي وأما في باطن الأمر فإن كان الصادق المنكر فالمأخوذ منه حرام وإلا فحلال.
قوله: [ويقابله قول ابن القاسم]: حاصله: أنه يشترط في الصلح على السكوت والإنكار - ويدخل فيه الافتداء من اليمين ثلاثة شروط عند الإمام - وهو المذهب: أن يجوز على دعوى كل من المدعي والمدعى عليه، وعلى ظاهر حكم الشرع بأن لا يكون هناك تهمة فساد. واعتبر ابن القاسم الشرطين الأولين فقط وأصبغ أمراً واحداً وهو ألا تتفق دعواهما على فساد. مثال المستوفي للثلاثة: أن يدعي
عليه بعشرة حالة فأنكر أو سكت ثم يصالح عنها بثمانية معجلة أو بعرض حال، ومثال ما يجوز على دعواهما ويمتنع على ظاهر الحكم: أن يدعي عليه بمائة درهم حالة فيصالحه على أن يؤخره بها إلى أشهر أو على خمسين مؤخرة شهراً، فالصلح صحيح على دعوى كل لأن المدعي أخر صاحبه أو أسقط عنه البعض وأخره لشهر والمدعى عليه افتدى من اليمين بما التزم أداءه عند الأجل، ولا يجوز على ظاهر الحكم لأنه سلف بمنفعة، فالسلف التأخير
стр. 678
وهذا داخل فيما تضمنه قوله: " بيع " إلخ وقد علمت مما ذكرنا أن موانع الصلح سبعة، جمعتها في قولي:
موانع الصلح جهل حط ضع ونسا ... تأخير صرف وتسليف بمنفعة
بيع الطعام بلا قبض فجملتها ... سبع عليك بها تحظى بمعرفة
(ولا يحل) الصلح (للظالم) في الواقع. وقولنا: " الصلح جائز " إنما هو بالنسبة لظاهر الحال فالمنكر إن كان صادقاً في إنكاره، فما أخذ منه حرام، وإلا فحلال، وفرع على قوله: " ولا يحل للظالم " قوله: (فلو أقر) الظالم منهما (بعده): أي بعد الصلح فللمظلوم نقضه لأنه كالمغلوب عليه (أو شهدت له): أي للمظلوم منهما (بينة لم يعلمها) حال الصلح - وإن كانت حاضرة بالبلد - فله نقضه، إن حلف أنه لم يعلم بها، وإلا فلا وأولى إن أقر أو شهد عليه بعلمه بها (أو) يعلمها ولكن (بعدت جداً) - لا إن كانت قريبة أو بعيدة لا جداً - كعشرة أيام في الأمن (وأشهد) عند الصلح (أنه) إذا حضرت بينته البعيدة (يقوم بها)، فله القيام بها إذا حضرت إذا أعلن ذلك عند الحاكم بل (ولو لم يعلن، أو) صالح و (وجد وثيقة بعده): أي بعد الصلح فيها قدر الدين الذي أنكره المدعى عليه (أو) كان المدعى عليه (يقر) بالحق الذي عليه (سراً فقط) وينكر بين الناس في الظاهر (فأشهد) بينة (على ذلك): أي على أنه يقر سراً وينكر علانية، فلعله إذا صالحته يقر بعده في العلانية: فاشهدوا لي على أني لا أرضى أن أقر بذلك الصلح (ثم صالح) فأقر علانية (فله نقضه) راجع للجميع كما تقدمت الإشارة إليه. وتسمى هذه البينة بينة الاسترعاء، ولا بد من تقديمها على الصلح وإقرار المنكر بعده كما أشرنا له في التقرير.
ثم ذكر مسألتين لا ينقض الصلح فيهما بقوله: (لا) ينقض الصلح (إن علم) المدعي (ببينته) الشاهدة له بحقه وصالح المدعى عليه المنكر (ولم يشهد) حال صلحه أنه يقوم بها إذا حضرت
إذا كانت بعيدة جداً. وأما القريبة أو البعيدة متوسطاً فليس له نقضه أشهد أو لم يشهد
ــ
والمنفعة سقوط اليمين المنقلبة على المدعي عند الإنكار بتقدير نكول المدعى عليه أو حلفه فيسقط جميع الحق المدعى به، فهذا ممنوع عند الإمام جائز عند ابن القاسم وأصبغ. ومثال ما يمتنع على دعواهما: أن يدعي عليه بدراهم وطعام من بيع، فيعترف بالطعام وينكر الدراهم ويصالحه. على طعام مؤجل أكثر من طعامه أو يعترف بالدراهم ويصالحه بدنانير مؤجلة أو بدراهم أكثر من دراهمه، حكى ابن رشد الاتفاق على فساده ويفسخ لما فيه من السلف بزيادة والصرف المؤخر. ومثال ما يمتنع على دعوى المدعي وحده: أن يدعي عليه بعشرة دنانير فينكرها ثم يصالحه على مائة درهم إلى أجل، فهذا ممتنع على دعوى المدعي وحده للصرف المؤخر، ويجوز على إنكار المدعى عليه لأنه إنما صالحه على الافتداء من اليمين الواجبة عليه، وهو ممتنع عند مالك وابن القاسم وأجازه أصبغ إذ لم تتفق دعواهما على فساد. ومثال ما يمنع على دعوى المدعى عليه وحده: أن يدعي بعشرة أرادب قمحاً من قرض، وقال الآخر: إنما لك علي خمسة من سلم وأراد أن يصالحه على دراهم من ونحوها معجلة، فهذا جائز على دعوى المدعي، لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه ويمتنع على دعوى المدعى عليه لعدم جواز بيع طعام السلم قبل قبضه، فهذا ممتنع عند مالك وابن القاسم. اهـ. من الأصل بحروفه.
ولكن الحق أن الشروط الثلاثة إنما هي معتبرة في الصلح على الإنكار فقط وأما على السكوت فالشرط فيه جوازه على دعوى المدعي كما رجحه في الـ "مج" وفي حاشية الأصل.
قوله: [وهذا داخل فيما تضمنه قوله بيع]: أي في قوله: وهو على غير المدعى به بيع.
قوله: [جمعتها في قولي موانع الصلح] إلخ: هذان البيتان من البسيط.
قوله: [جهل]: أي بالمصالح به أو بالمصالح عليه.
قوله: [حط]: أي حط الضمان وأزيدك.
وقوله: [ضع]: أي وتعجل.
قوله: [ونسا] أي ربا نساء.
وقوله: [تأخير صرف]: أي صرف مؤخر.
قوله: [وتسليف بمنفعة]: أي سلف جر نفعاً.
قوله: [بيع الطعام بلا قبض]: أي بيع طعام المعاوضة قبل قبضه.
قوله: [تحظى بمعرفه]: أي تظفر بمعرفة تلك الموانع.
قوله: [ولا يحل الصلح]: أي بمعنى المصالح به سواء كان مأخوذاً أو متروكاً. وظاهر أن الصلح لا يحل للظالم، ولو حكم له حاكم يرى حله للظالم، وهو الموافق لقول خليل في القضاء: "ورفع الخلاف لا أحل حراماً".
قوله: [فلو أقر الظالم منهما]: أي بالحق. وحاصله: أن الظالم إذا أقر ببطلان دعواه الصلح - كما إذا أقر المدعى عليه أن ما ادعى عليه به حق أو أقر المدعي ببطلان دعواه - كان للمظلوم وهو المدعي في الأولى والمدعى عليه في الثانية نقض ذلك الصلح.
قوله: [أو شهدت له] إلخ: هذا مقيد بأن يقوم له على الحق شاهدان؛ فإن قام له شاهد واحد وأراد أن يحلف معه لم يقض له بذلك، قاله الأخوان وابن عبد الحكم وأصبغ ونقله ابن ناجي في شرح الرسالة. اهـ (بن).
قوله: [أو صالح ووجد وثيقة بعده]: أي فحكم الوثيقة حكم البينة التي له القيام بها. والفرض أن الوثيقة إما بخط المدعى عليه أو فيها ختم قاض ثقة وإن ماتت شهودها أو توقفت شهادة الشهود عليها.
قوله: [ولا بد من تقديمها على الصلح]: أي لقول ابن عرفة: وشرط الاسترعاء تقدمه فيجب ضبط وقته. وشرطه أيضاً إنكار المطلوب ورجوعه بعد الصلح إلى الإقرار وإلا لم يفد - كذا في الأصل. ومحل
стр. 679
لأنه لما علمها وتركها ولم يشهد في البعد كان مسقطاً لبعض حقه. (أو قال) المدعي: (عندي وثيقة) بالحق (فقيل): أي قال (له) المدعى عليه: (ائت بها) وخذ حقك الذي فيها (فادعى ضياعها) منه (وصالح) فلا ينقض الصلح بعد ذلك إذا وجدها؛ لأن المدعى عليه هنا ليس بمنكر وإنما طلب الوثيقة ليمحها أو ليكتب عليها وفاء الحق فصالحه على إسقاط حقه، فلا قيام له بعد ذلك، بخلاف الأولى فإنه منكر للحق من أصله والمدعي إنما صالح لعدم وجود صكه.
(و) جاز صلح بعض الورثة (عن إرث) يخصه (كزوجة) مات زوجها فاستحقت الربع أو الثمن (من عرض وورق وذهب) فصالحت الابن مثلاً (بذهب) فقط أو ورق فقط أو عرض بشرط حضور ما صالحت منه كما في المدونة (قدر مورثها) بوزن مجلس (منه): أي من الذهب أو من الورق؛ كصلحها بعشرة دنانير والذهب ثمانون عند الفرع الوارث أو أربعون عند عدمه والذهب حاضر؛ فإن حضر بعضه والبعض غائب لم يجز (فأقل) مما يخصها لجواز ترك بعض الحق (أو أزيد بدينار) فقط (مطلقاً) قلت الدراهم أو العروض أو كثرت لاجتماع الصرف والبيع في دينار فقط وهو جائز؛ وذلك لأنها لو صالحت بأحد عشر فيما ذكر فعشرة منها في نظير ما يخصها من الذهب والحادي عشر في نظير ما يخصها من الدراهم والعروض فقد اجتمع الصرف والبيع في دينار (أو أكثر) من دينار (إن قلت الدراهم أو) قلت (العروض) باعتبار قيمتها (التي تخصها) راجع لكل (عن صرف دينار) وأولى إن قلا معاً. فإن كثرا معاً منع، لأنه يؤدي إلى اجتماع بيع صرف في أكثر من دينار. وأما صلحهما بالعروض فيجوز مطلقاً كان قدر ما يخصها منه أو أقل أو أكثر.
(لا) يجوز الصلح (من غيرها): أي التركة كأن يصالحها الوارث بمال من عنده (مطلقاً) كان المصالح به ذهباً أو فضة أو عرضاً قل أو كثر كانت التركة حاضرة أو غائبة، (إلا) أن يصالح (بعروض) من غيرها بشروط (إن عرف جميعها): أي التركة لهما معاً - ليكون الصلح على معلوم - (وحضر) الجميع حقيقة في العين ولو حكماً في العرض
ــ
توقف الرجوع في الصلح على بينة الاسترعاء المذكورة: إن وقع من المدعي إبراء عام - كما في المجموع والخرشي، وإلا فإقرار المدعى عليه بالحق يوجب نقض الصلح وإن لم تكن هناك بينة استرعاء وهي أول المسائل.
قوله: [لأنه لما علمها] إلخ: هذا تعليل للبعيدة وأما القريبة والمتوسطة فلتعجيله الصلح.
قوله: [لأن المدعى عليه هنا ليس بمنكر]: شروع في الفرق بين هذه وبين قوله سابقاً أو وجد وثيقة بعده.
قوله: [ليمحها]: صوابه ليمحوها بالواو والفعل منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل.
قوله: [كزوجة] إلخ: حاصله: أن الميت إذا ترك دنانير ودراهم وعروضاً وعقاراً، فإنه يجوز لابنه مثلاً أن يصالح الزوجة أو غيرها من الورثة على ما يخصها من التركة. فإن أخذت ذهباً من التركة قدر مورثها من ذهب التركة فأقل أو أخذت دراهم من التركة قدر مورثها من دراهم التركة فأقل، والحال أن باقي الذهب حاضر في الصورة الأولى وباقي الدراهم حاضر في الصورة الثانية أو كان الذهب يزيد ديناراً فقط عن حصتها قلت الدراهم والدنانير أو كثرت أو زاد عن دينار وقلت الدراهم أو قلت العروض التي تخصها بحيث يجتمع البيع والصرف في دينار، فهذا كله جائز كما أفاده الشارح.
قوله: [فصالحت الابن]: المناسب فصالحها الابن ولكن لما كانت المصالحة مفاعلة من الجانبين صح إسنادها لآخذ الصلح أو لدافعه وكذا يقال في جميع ما يأتي.
قوله: [والذهب ثمانون عند الفرع الوارث]: أي لأن لها حينئذ ثمناً وهو عشرة وقوله أو أربعون عند عدمه أي لأن لها الربع وهو عشرة.
قوله: [فإن حضر بعضه والبعض غائب لم يجز]: إنما شرطوا في النوع الذي أخذت منه الحضور لجميعه لأنه لو كان بعضه غائباً لزم النقد بشرط في الغائب. نعم إن أخذت حصتها من الحاضر فقط جاز لإسقاط الغائب اهـ (بن).
قوله: [لاجتماع الصرف والبيع في دينار]: يعلم من هذا أنه ليس المراد بقلة الدراهم أن يكون حظها منها قليلاً، بل المراد أن تأخذ في مقابلتها مع العروض ديناراً بحيث يجتمع البيع والصرف فيه.
قوله: [إن قلت الدراهم أو قلت العروض]: تحصل من كلامه أن الصور الجائزة أربع: أن تقل الدراهم التي تنوبها عن صرف الدينار، أو تقل قيمة العروض التي ينوبها عن صرفه، أو يقلا معاً، أو تأخذ عن الدراهم والعروض ديناراً فقط ولو كثرا.
قوله: [فيجوز مطلقاً]: أي بشرط حضوره كله.
قوله: [لا يجوز الصلح من غيرها]: أي لما فيه من التفاضل بين العينين؛ العين المدفوعة صلحاً والعين المصالح عنها، لأنها باعت حظها من النقدين والعرض بأحد النقدين؛ ففيه بيع ذهب وفضة وعرض بذهب أو بفضة. والقاعدة أن العرض إذا كان مصاحباً للعين أعطي حكمه.
قوله: [ليكون الصلح على معلوم]: أي لأنها بائعة لنصيبها ذلك وهو مشتر له، فلا بد من علمهما له.
قوله: [وحضر الجميع]: علة هذا الشرط السلامة من النقد في الغائب بشرط، وفيه أنه لا شرط، هنا فكأنهم جعلوا عقد الصلح على التعجيل
стр. 680
بأن كان قريب الغيبة بحيث يجوز النقد فيه بشرط فيكون في حكم الحاضر (وأقر المدين) بالدين الذي عليه للميت -إن كان مدين- (وحضر) عقد الصلح وكان ممن تأخذه الأحكام ولا بد من بقية شروط جواز بيع الدين.
(وإلا) الصلح (عن دراهم وعرض تركا بذهب عنده) لا من التركة كما هو الموضوع، فلو حذفه ما ضر، فيجوز. (كبيع وصرف): أي كجواز بيع وصرف، فإن كان ما يخصها من الدراهم قليلاً - أقل من صرف دينار - جاز، وإلا فلا. وكذا إن صالحت عن ذهب وعرض بورق.
(و) جاز الصلح (عن) دم (العمد) نفساً أو جرحاً (بما قل) من المال (وكثر) لأن العمد لا دية له أصالة (ولذي دين) محيط على الجاني (منعه) أي منع الجاني (منه) أي من الصلح بمال، لما فيه من إتلاف ماله الذي يستحقه رب الدين في دينه.
(وإن صالح أحد وليين) فأكثر -من قتل أباهما مثلاً– بقدر الدية أو أقل أو أكثر (فللآخر الدخول معه) فيما صالح به جبراً، فيأخذ ما ينوبه ولو صالح بقليل (وسقط القتل) عن القاتل. وله عدم الدخول معه فله نصيبه من دية عمد ولا دخول للمصالح معه، وله العفو مجاناً فلا شيء له مع المصالح. (كدعواه) - تشبيه في سقوط القتل - أي: كدعوى أحد الوليين (الصلح فأنكر) الجاني، فإنه يسقط القتل وكذا المال الذي سماه الولي إن حلف الجاني. فإن نكل حلف الولي وأخذ المال وإن صالح (وارث)
ــ
شرطاً في المعين.
قوله: [بأن كان قريب الغيبة]: أي كيومين مع الأمن في غير العقار، وأما هو فلا يضر شرط النقد فيه ما لم يبعد جداً.
قوله: [ولا بد من بقية شروط جواز بيع الدين]: حاصل الشروط أنه لا يجوز بيع الدين إلا إذا كان الثمن نقداً وكان المدين حاضراً في البلد، وإن لم يحضر مجلس البيع، خلافاً للشارح في قوله: وحضر عقد الصلح وأقر بالدين وكانت تأخذه الأحكام وبيع بغير جنسه أو بجنسه وكان مساوياً لا أنقص، وإلا كان سلفاً بزيادة ولا أزيد وإلا كان فيه حط الضمان وأزيدك، وليس عيناً بعين وليس بين المشتري والمدين عداوة، وألا يكون يمنع بيعه قبل قبضه كطعام المعاوضة؛ فالشروط ثمانية قد علمتها.
قوله: [وإلا الصلح عن دراهم وعرض] إلخ: يعني أن التركة، إذا لم يكن فيها إلا دراهم وعروض وصولحت الزوجة عما يخصها بذهب من غير التركة فذلك جائز كجواز اجتماع البيع والصرف. وكذلك الحكم إذا لم يكن في التركة دراهم بل ذهباً وعروضاً وصالحها بدراهم.
قوله: [وجاز الصلح عن دم العمد]: ظاهره جواز الصلح عليه ولو قبل ثبوت الدم وهو كذلك كما في حاشية الأصل.
قوله: [لما فيه من إتلاف ماله]: أي ولم يعامله الغرماء عليه، لأنه يفدي نفسه من القتل أو القطع قصاصاً وهم لم يعاملوه على إتلاف ما لهم لصون نفسه، وليس هذا كتزوجه وإيلاد أمته؛ لأن الغرماء عاملوه على ذلك كما عاملوه على الإنفاق على زوجته وأولاده الصغار.
فرع: لو وقع الصلح على أن يرتحل القاتل من بلد الأولياء، فقال ابن القاسم: الصلح منتقض ولصاحب الدم أن يقوم بالقصاص ولو ارتحل الجاني، وقال المغيرة: يجوز ويحكم على القاتل ألا يساكنهم أبدا كما شرطوه، وهذا هو المشهور المعمول به واستحسنه سحنون. وعليه فإن لم يرتحل القاتل أو عاد وكان الدم ثابتاً كان لهم القود في العمد والدية في الخطأ - وإن لم يكن ثبت - كان لورثة المقتول العود للخصام ولا يكون الصلح قاطعاً لخصامهم.
قوله: [فللآخر الدخول معه]: وحيث رضي بالدخول معه فلا يرجع واحد منهما على الجاني بشيء وسواء صالح عن نصيبه فقط أو عن جميع الدم.
قوله: [وسقط القتل عن القاتل]: أي بمجرد صلح الأول يسقط القصاص.
قوله: [ولا دخول للمصالح معه]: أي لو أخذ الثاني نصيبه من دية عمد فلا دخول للأول معه لرضاه بالصلح.
قوله: [وله العفو مجاناً]: أي للثاني العفو مجاناً وليس له القصاص لما علمت أنه سقط بصلح الأول قال خليل: "وسقط إن عفا رجل كالباقي". والحاصل: أن الآخر يخير أولاً في العفو وعدمه، فإن عفا فلا دخول له مع المصالح ولا شيء له أصلاً، وإن لم يعف فيخير إما أن يدخل مع المصالح فيما صالح به ولا رجوع لواحد منهما على الجاني على المعتمد، أو لا يدخل وله نصيبه من دية عمد أو يصالحه بأقل أو أكثر.
قوله: [وكذا المال الذي سماه الولي] إلخ: إنما سقط القتل والمال لأن دعواه أثبتت أمرين: إقراره على نفسه بأنه لا يقتص منه، وأنه يستحق مالاً على الجاني. فيؤخذ بما أقر به على نفسه ولم يعمل بدعواه على الجاني. وأما غيره من الأولياء إذا لم يوافقه على دعوى الصلح فلهم نصيبهم من دية عمد أو الصلح بما قل أو كثر، ولا سبيل إلى القتل بحال لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
قوله: [وإن صالح وارث] إلخ: حاصله: أن أحد الوارثين - سواء كانا ولدين أو أخوين أو عمين أو غير ذلك - إذا ادعى بمال على شخص مخالط لمورثه في تجارة أو وديعة فأقر بذلك أو أنكر وصالحه عليه فإن للوارث الآخر أن يدخل
стр. 681
وارث من الورثة - كأحد ولدين مديناً لأبيهما على دين ثابت عليه - بل (وإن عن إنكار) من المدعى عليه (فللآخر الدخول) معه فيما صالح به، وله عدم الدخول والمطالبة بجميع منابه، والصلح بما قل أو كثر. (كحق) تشبيه في الدخول (لشريكين) على شخص (في كتاب): أي (وثيقة أو لا) فكل من قبض شيئاً فلصاحبه الدخول معه فيه (إلا أن يشخص أحدهما) أي يسافر بشخصه للمدين إذا كان ببلد أخرى [١] (ويعذر) الشاخص (له): أي لشريكه الذي لم يشخص (في الخروج) معه (أو التوكيل) بأن يقول له عند حاكم أو بينة: إني ذاهب لفلان فاخرج معي أو وكلني أو وكل غيري على قبض ما عليه لك، (فيمتنع) من الخروج والتوكيل، فلا يدخل معه فيما قبضه، لأن امتناعه قرينة على رضاه باتباع ذمة غريمه.
(أو يكون) الحق الذي لهما مكتوباً (بكتابين) أي كل واحد منهما كتب حقه الذي يخصه في وثيقة على حدته، فما قبضه أحدهما لا يدخل معه الآخر فيه لأنه حينئذ صار كدينين مستقلين.
(وإن صالح) أحد الشريكين في مائة مثلاً على مدين (على عشرة من خمسينه) التي تخصه من المائة (فللآخر تركها): أي العشرة للمصالح واتباع غريمه بخمسينه (أو أخذ خمسة منها): أي من العشرة (ويرجع) على الغريم (بخمسة وأربعين و) يرجع (الآخر) على الغريم (بخمسة) لأنه لما صالح بعشرة لم تتم له منها إلا خمسة (ولا رجوع) لأحد الشريكين بشيء مما قبضه شريكه (إن اختار ما على الغريم) وسلم للقابض ما قبضه بصلح أولاً (وإن عدم) الغريم أو ما بيده من المال؛ لأنه لما اختار ما على الغريم؛ فكأنه قاسم صاحبه.
(باب) في الحوالة وأحكامها
(الحوالة): عرفاً وهي مأخوذة من التحول يقال: حول الشيء من مكانه: نقله منه إلى مكان آخر، وحول وجهه: لفته. (صرف دين) أي نقله وطرحه (عن ذمة المدين
ــ
مع صاحبه فيما صالح به عن نصيبه وله ألا يدخل ويطالب بحصته كلها في حالة الإقرار وله تركها له وله المصالحة أقل منها. وأما في حالة الإنكار؛ فإما أن يكون له بينة أم لا، فإن كان له بينة أقامها وأخذ حقه أو تركه أو صالح بما يراه صواباً، وإن لم يكن له بينة فليس على غريمه إلا اليمين.
قوله: [وارث وارث من الورثة]: هكذا نسخة المؤلف بتكرار وارث مرتين واحدة بالمداد الأحمر والثانية بالأسود والصواب إسقاط الثانية.
قوله: [من الورثة]: لا حاجة له.
قوله: [والصلح]: معطوف على المطالبة، فهو مرتب على عدم الدخول.
قوله: [لشريكين]: أي حق مشترك بينهما. فموضوع الكلام في الحق المشترك، وأما إن كان لكل منهما حق وكان الحقان على شخص واحد لا اشتراك بينهما فسيأتي.
قوله: [إلا أن يشخص أحدهما] إلخ: الحق كما قال الأجهوري: أن المدار على الإعذار وإن لم يكن سفر بأن كان المدين حاضراً ببلدهما. ونحوه قول أبي الحسن: فصل في المدونة في الغائب وسكت عن الحاضر وهو مثله في الإعذار اهـ (بن).
قوله: [لأنه حينئذ صار كدينين]: أي فتعدد الكتاب يفرق ما كان متحداً كما أن اتحاد الكتاب يصير المتعدد متحداً. كما قال في المجموع: وإن اشتركا في حق فلأحدهما الدخول فيما قبض الآخر إن كان أصله لهما أو جمعهما كتاب ولو لم يكن أصله لهما على أرجح التأويلين في الأصل اهـ.
قوله: [من خمسينه]: إن قلت: مقتضى القواعد حذف النون للإضافة؟ وأجيب: بأنه مشى على طريقة من يعربه إعراب حين فيثبت النون لدفع توهم أنه تثنية خمس من أول الأمر، وإن كان هذا التوهم يزول بقوله بعد: "ويرجع بخمسة وأربعين" فتأمل.
قوله: [فللآخر تركها] إلخ: محل تخييره ما لم يكن أعذر له وقت الخروج وإلا فلا دخول له في العشرة وإنما يطالبه بخمسينه.
قوله: [ولا رجوع لأحد الشريكين]: هذا شامل لكل شريك في هذه المسألة أو غيرها.
تتمة: إن قتل جماعة رجلاً أو قطعوا يداً مثلاً، جاز صلح كل منهم على انفراده والعفو عنه مجاناً أو القصاص للجميع أو عفو عن بعض والقصاص عن الباقي أو صلحه، ومن ذلك لو صالح مقطوع عمداً ثم نزا ومات، فللولي رد الصلح والقتل بقسامة أنه مات من ذلك الجرح؛ لأن الصلح إنما كان عن قطع فكشف الغيب أنه نفس، وكذا لو صالح مقطوع خطأ ثم نزا ومات فإن للورثة رد الصلح ويقتسمون ويأخذون الدية من العاقلة، ويرجع الجاني المصالح بما دفع من ماله، ويكون في العقل كواحد منهم، ولهم الرضا بالصلح الأول في المسألتين.
باب في الحوالة
أي: في تعريفها، وقوله: [وأحكامها]: أي مسائلها. لما أنهى الكلام على مسائل الصلح، وكانت الحوالة شبيهة به؛ لأنها تحويل من شيء لشيء آخر، كما أن الصلح كذلك أتبعها به، وهي بفتح الحاء. قوله: [عرفاً]: مرتبط بكلام المتن الآتي، وكان حقه أن يذكره بلصقه. وأما قوله: [وهي مأخوذة] إلخ: بيان للمعنى اللغوي
стр. 682
بمثله): أي بدين مماثل للمطروح قدراً وصفة؛ كعشرة محمدية في مثلها (إلى) ذمة (أخرى تبرأ بها): أي بسببها: أي الحوالة التي هي الصرف المذكور -ولو قال به كان أوضح- الذمة (الأولى) كأن يكون لزيد عشرة على عمرو ولعمرو عشرة على خالد فيوجه عمرو زيداً بالعشرة التي له عليه على خالد ويبرأ عمرو مما عليه لزيد.
(وركنها): أي أركانها خمسة: (محيل): وهو من عليه الدين (ومحال): وهو من له الدين.
(ومحال عليه): وهو من عليه دين مماثل للمدين الأول (و) محال [١] (به): وهو الدين المماثل [٢]. (وصيغة تدل) على التحول والانتقال؛ ولو بإشارة أو كتابة.
(وصحتها): أي شرط صحتها. (رضا الأولين): المحيل والمحال (فقط) دون المحال عليه وإنما يشترط حضوره وإقراره على الأرجح (وثبوت دين) للمحيل على المحال عليه؛ وإلا كانت حمالة إن رضي المحال عليه لا حوالة وإن وقعت بلفظ الحوالة. وخرج بقوله: (لازم): دين على صبي أو سفيه أو رقيق بغير إذن ولي أو سيد، وكذا ثمن سلعة مبيعة بالخيار قبل لزومه؛ فلا تصح الحوالة عليهم. وقد يقال: إن الدين هنا لم يثبت من أصله؛ وقيل: إنه احتراز عن حوالة الأجنبي على المكاتب. (على الثالث): أي المحال عليه، وكذا ثبوت دين للمحال على المحيل. (فإن علم) المحال (بعدمه): أي عدم الدين على المحال عليه (وشرط) المحيل (البراءة) من الدين الذي عليه (صح) وبرئ؛ فلا رجوع له عليه ولو مات المحال عليه أو فلس (وهي) حينئذ (حمالة) يشترط فيها رضا المحال عليه: فإن لم يشترط البراءة فله الرجوع عند موته أو فلسه. فإن لم يرض المحال عليه فهل له الرجوع عند شرط البراءة؟ قال بعضهم: الظاهر أنه لا رجوع له لأنه حين أبرأ غريمه سقط تعليقه به ثم إن رضي المحال عليه لزمه، وإلا فلا؛ وهو ظاهر على قول ابن القاسم إنه لا رجوع عند شرط البراءة أي ولو مات أو فلس.
ــ
والأكثر أنها رخصة مستثناة من بيع الدين بالدين كما قاله عياض. قوله: [بمثله]: متعلق بصرف والباء بمعنى "في" وكذا قوله: إلى ذمة أخرى. قوله: [ولو قال به كان أوضح]: أي وإنما أنث الضمير نظراً للمعنى لأن الصرف المذكور حوالة.
قوله: [مماثل للمدين الأول]: هكذا نسخة المؤلف والمناسب: للدين الأول.
قوله: [تدل على التحول]: أي فلا يشترط أن يكون فيها لفظ الحوالة وما اشتق منها خلافاً لمن يقول بذلك.
قوله: [ولو بإشارة أو كتابة]: ظاهره أنها تكفي الإشارة أو الكتابة ولو من غير الأخرس، وهو المأخوذ من كلام ابن عرفة، وقال بعضهم: لا يكفيان إلا من الأخرس.
قوله: [وإنما يشترط حضوره] إلخ: قال في حاشية الأصل: ولا يشترط رضاه على المشهور بل هي صحيحة رضي أم لا، إلا إذا كان بينه وبين المحال عداوة سابقة على وقت الحوالة فلا تصح على المشهور، وهو قول مالك. فإن حدثت العداوة بعد الحوالة منع المحال من اقتضاء الدين من المحال عليه ووكل الحاكم من يقتضيه منه لئلا يبالغ في إيذائه. والحاصل: أن الفقهاء من الأندلسيين اختلفوا: هل يشترط في صحة الحوالة حضوره وإقراره أو لا يشترط ذلك؟ رجح كل من القولين؛ وإن كان الأول أرجح كما قال الشارح؛ لأنه مبني على أن الحوالة من قبيل بيع الدين فيشترط فيها شروطه غاية الأمر أنه رخص فيها جواز بيعه بدين آخر. وأما القول الثاني فمبني على أنها أصل مستقل بنفسه فلا يسلك بها مسلك بيع الدين من اشتراط الحضور والإقرار.
قوله: [وثبوت دين]: قال ابن عاشر: المراد بثبوت الدين وجوده لا خصوص الثبوت العرفي ببينة أو إقرار، فيكفي في الثبوت تصديق المحال.
قوله: [وإلا كانت حمالة]: أي تحملاً منه على سبيل التبرع، فلذلك اشترط رضاه وسيأتي ذلك.
قوله: [فلا تصح الحوالة عليهم]: أي لعدم لزوم ذلك الدين؛ لأن لولي الصغير والسفيه وسيد الرقيق طرح الدين عنهم.
قوله: [وقد يقال] إلخ: قال (بن) هذا خارج بشرط ثبوت الدين لأنه لا دين هنا. قال محشي الأصل: وفيه أن الدين من حيث هو ثابت ثم النظر لولي الصغير والسفيه - إن رآهما صرفاه فيما لهما غنى عنه - رده، وإلا ضمنا بقدر ما صونا به ما لهما، فصح ثبوت الدين في الجملة قبل تبين شيء لكنه غير مجزوم بلزومه فلا تصح الحوالة إذ ذاك. وأما العبد فثبوت دينه ظاهر، وإنما يسقطه إسقاط السيد بدليل أنه لو عتق قبل الإسقاط لزمه اهـ.
قوله: [وقيل إنه احتراز]: أي قوله: " لازم " وإنما كان حوالة الأجنبي على المكاتب من محترزات الدين اللازم لأن المكاتب إذا عجز عنه لا يتبع به والأظهر أن قوله لازم مخرج لدين الصبي والسفيه والعبد ولثمن المبيع على الخيار ولكتابة المكاتب.
قوله: [هي حينئذ حمالة]: أي وحيث كانت حمالة فهل للمحال عليه الرجوع بما دفعه للمحال، أو لا رجوع له على المحيل، قال في الحاشية: الذي ينبغي أنه إن قامت قرينة على تبرع المحال عليه فلا رجوع له بما دفعه وإلا كان له الرجوع.
قوله: [فإن لم يشترط البراءة] إلخ: هذا محترز قوله: "وشرط المحيل البراءة"، وقوله: [فإن لم يرض] إلخ: هذا محترز الشرط
стр. 683
وأما على قول غيره إن له الرجوع إذا مات المحال عليه أو فلس فيظهر الرجوع عند عدم الرضا، والراجح قول ابن القاسم.
(و) شرط صحتها: (حلول) الدين (المحال به فقط) لا حلول الدين المحال عليه. (وتساوي الدينين): المحال به وعليه (قدراً وصفة): فلا تصح حوالة بعشرة على أكثر منها ولا أقل ولا بعشرة محمدية على عشرة يزيدية ولا عكسه. فليس المراد بالتساوي أن يكون ما على المحيل مثل ما على المحال عليه قدراً وصفة لأنه يجوز أن يحيل بعشرة عليه على عشرة من عشرين على غريمه وأن يحيل بخمسة من عشرة عليه على خمسة على غريمه. (وأن لا يكونا) أي الدينان (طعامين من بيع): لئلا يلزم بيع الطعام قبل قبضه، فإن كان أحدهما من بيع والآخر من قرض جاز إذا حل المحال به عند الأصحاب، إلا ابن القاسم فاشترط طولهما معاً. وقال ابن رشد: يمنع مطلقاً لوجود العلة. وأجيب: بأن قضاء القرض بطعام البيع جائز كما تقدم.
إذا علمت صحة الحوالة بشروطها الخمسة المتقدمة: (فيتحول) بمجرد عقدها (حقه) أي المحال (على المحال عليه، ولا رجوع) له على المحيل (وإن أعدم) المحال عليه (أو مات أو جحد) الحق الذي عليه بعد الحوالة (إلا أن يعلم بذلك المحيل. فقط) دون المحال فله الرجوع عليه لأنه قد غره.
(و) لو ادعى المحال علم المحيل حين الحوالة وأنكر المحيل العلم (حلف) المحيل (على نفيه): أي نفي العلم (إن ظن به العلم) وبرئ إن كان مثله يظن به العلم، فإن لم يحلف رجع عليه. فإن لم يظن به العلم فلا يمين عليه ولو اتهمه المحال.
(والقول للمحيل) بيمين (إن ادعى) المحال (عليه نفي الدين عن المحال عليه) بأن قال: له قد أحلتني على من لا دين لك عليه فإن حلف برئ ولا رجوع عليه. وهذا إذا مات المحال عليه أو غاب غيبة انقطاع (أو) في دعواه (الوكالة) بأن قال: ما أحلتك وإنما وكلتك أن تقبض ما عليه بطريق الوكالة، وقال المحال: بل أحلتني عليه بما لي عليك فالقول للمحيل بيمينه (أو) في دعواه (السلف) بأن قال: أحلتك عليه لتأخذه منه سلفاً في ذمتك لا حوالة عن دين ونازعه المحال فالقول للمحيل بيمينه، هذا قول ابن القاسم في السلف. ويقاس عليه الوكالة، ورجحه بعضهم. وقال عبد الملك: القول قول المحال وصححه ابن الحاجب ومشى عليه الشيخ، والله أعلم.
ــ
الذي زاده الشارح بقوله:
يشترط فيها رضا المحال عليه ".
قوله: [وأما على قول غيره]: أي وهو رواية أشهب عن مالك.
قوله: [حلول الدين المحال به]: أي فإن كان غير حال؛ فلا تجوز إلا أن يكون المحال عليه حالاً وإلا فتجوز كما نقله المواق عن ابن رشد قال (ر): فإن أخرجت عن محل الرخصة بعدم حلول الدين المحال به فأجرها على القواعد، فإن أدت لممنوع منعت وإلا فلا. والحاصل: أن الشرط في جوازها إما حلول الدين المحال به أو المحال عليه أو هما لعدم وجود ما يقتضي المنع، وأما إذا كانا معاً غير حالين فالمنع لبيع الدين بالدين مع التأخير وفيه البدل المؤخر إن كانا ذهبين أو ورقين.
قوله: [لوجود العلة]: أي وهي بيع طعام المعاوضة قبل قبضه.
قوله: [بشروطها الخمسة]: أي حيث جعل ثبوت الدين ولزومه واحداً، وإلا فيكون ما صرح به المصنف ستة، ويزاد عليها شرط، وهو حضور المحال عليه، وإقراره الذي صرح به الشارح أولاً فتكون سبعة.
قوله: [ولا رجوع على المحيل] إلخ: ابن عرفة سمع سحنون المغيرة: إن شرط المحال على المحيل أنه إن فلس المحال عليه رجع فله شرطه، ونقله الباجي.
قال ابن رشد: هذا صحيح لا أعلم فيه خلافاً اهـ. ابن عرفة وفيه نظر لأن شرطه هذا مناقض لعقد الحوالة. وأصل المذهب في الشرط المناقض للعقد أن يفسده تأمل اهـ. (بن).
قوله: [لأنه قد غره]: استفيد من كلام الشارح أن المحال إذا علم بإفلاس المحال عليه - علم بذلك المحيل أيضاً أو لا - فإنه لا رجوع له على المحيل للعلم بذلك، فإن شك المحال في إفلاس المحال مع علم المحيل بذلك ففي ابن عرفة والتوضيح أن للمحال الرجوع على المحيل.
قوله: [والقول للمحيل بيمين] إلخ: حاصله أنه إذا تنازع المحيل والمحال بعد موت المحال عليه أو غيبته غيبة انقطاع فقال المحال: أحلتني على غير دين فأنا أرجع عليك بديني، وقال المحيل: بل أحلتك على دين لي في ذمة المحال عليه، فالقول قول المحيل بيمين وقد برئ من الدين.
قوله: [الوكالة]: معطوف على "نفي الدين" مسلط عليه ادعى، فالمناسب أن يقول: أو ادعى عليه الوكالة. إلا أن يقال إنه حل معنى
قوله: [أو في دعواه السلف] إلخ: اعلم أن ابن الحاجب قال: ولا يقبل قول في دعوى وكالة أو سلف على الأصح، قال في التوضيح. أراد بالأصح قول ابن الماجشون في المبسوط في مسألة الوكالة وما خرجه اللخمي عليه في مسألة السلف، وغير الأصح قول ابن القاسم في العتبية في السلف وما خرج عليه في مسألة الوكالة، فكل مسألة فيها قول منصوص ومخرج عليه قول آخر في الأخرى اهـ.
قوله: [ورجحه بعضهم]: المراد به (بن).
стр. 684
(باب)
في الضمان وأحكامه وشروطه
(الضمان): أي حقيقته عرفاً؛ ويسمى: حمالة وكفالة (التزام مكلف) لا صبي ومكره ومجنون ولو أنثى (غير سفيه) فلا يصح من سفيه ويصح من رقيق بإذن سيده كما يأتي (ديناً) معمول "التزام" المضاف لفاعله كائناً (على غيره) وهذا ضمان المال. وأشار لضمان الوجه والطلب بقوله: (أو طلبه) أي المكلف المذكور (من عليه) الدين (لمن هو): أي الدين (له) سواء كان الطلب على وجه الإتيان به لرب الدين، أو مجرداً عن ذلك؛ فشمل التعريف أنواعه الثلاثة. فـ "أو" فيه للتنويع، وقول الشيخ: " شغل " إلخ هو مصدر مضاف لمفعوله، ومراده به: فعل النفس، بمعنى أن الشخص شغل نفسه بالحق: أي ألزمها إياه فهو مساو للالتزام، فاندفع اعتراض ابن عرفة - وتبعه عليه الجماعة - بأن الشغل لازم له لا نفسه؛ لأن الضمان مكتسب: أي فهو فعل للنفس. والشغل ليس بمكتسب كالملك في البيع فإنه لازم البيع لا نفسه. فالحد لا يشمل شيئاً من الضمان، أي لأنه كالتعريف بالمباين. ووجه الدفع أنه فهم أن المراد بالشغل اشتغال الذمة - ولا يسلم - بل المراد به: إلزام الذمة بالحق لأنه يقال: شغل ذمته، بكذا فاشتغلت، نعم التعبير بالالتزام أوضح. (بما يدل عليه): أي على الالتزام المذكور من صيغة لفظية: كأنا ضامن أو ضمانه علي أو غيرها كإشارة مفهمة أو كتابة.
فأركانه خمسة: ضامن، ومضمون، ومضمون له، ومضمون به، وصيغة، والمضمون به هو الدين.
(وشرط الدين: لزومه) للمضمون في الحال بل (ولو) يلزم المضمون (في المآل): أي المستقبل (كجعل) فإنه قد يئول للزوم، كما لو قال شخص لآخر: إن أتيت لي بعبدي الآبق مثلاً فلك دينار فيصح ضمان القائل، فإن أتى المخاطب بالعبد لزم الضامن الدينار إن لم يدفعه رب العبد للعامل
ــ
باب في الضمان
لما كان الضمان والحوالة متشابهين لما بينهما من حمالة الدين أعقبها به.
فقوله: [في الضمان]: أي تعريفه والمراد بأحكامه مسائله من جهة صحيحها وفاسدها وانفراد الضامن وتعدده وانقسامه إلى ضمان ذمة ووجه وطلب وما يتعلق بذلك. قوله: [وشروطه]: أي التي يصح بها ويلزم. قوله: [عرفاً]: أي وأما لغة: فهو الحفظ كما قاله السنوسي في حفيظته. وأصبحت وأمسيت في جوار الله الذي لا يرام ولا يضام ولا يستباح وفي ذمته وضمانه الذي لا يخفر ضمان عبده اهـ. قوله: [ويسمى حمالة وكفالة]: أي وزعامة قال تعالى: ﴿وأنا به زعيم﴾ [يوسف: ٧٢] أي كفيل وضامن ويسمى أذانة أيضاً من الأذن بالفتح والتحريك وهو الإعلام لأن الكفيل يعلم أن الحق قبله أو أن الأذانة بمعنى الإيجاب، لأنه أوجب الحق على نفسه ويسمى قبالة أيضاً.
قوله: [التزام مكلف] من إضافة المصدر لفاعله كما سيأتي.
قوله: [لا صبي] إلخ: أي فالواقع من الصبي والمجنون والسفيه فاسد يجب رده وليس للولي إجازته.
قوله: [ولو أنثى] مبالغة في مكلف ولا فرق بين كون المكلف مسلماً أو كافراً.
قوله: [من رقيق]: أي بالغ وأما الصبي فهو خارج بقوله مكلف.
قوله: [بإذن سيده]: أي ويلزم فإن لم يأذن صح من غير لزوم كما سيأتي.
قوله: [المضاف لفاعله]: أي الذي هو مكلف.
قوله: [وهذا ضمان المال]: أي هذا التعريف خاص بضمان المال.
قوله: [أو طلبه]: معطوف على " ديناً" ومساق الكلام هكذا التزام مكلف غير سفيه ديناً على غيره أو التزام المكلف مطالبته شخصاً عليه الدين لمن الدين له تأمل.
قوله: [على وجه الإتيان به]: أي وهو ضمان الوجه.
وقوله: [أو مجرداً عن ذلك]: أي وهو ضمان الطلب لأنه تفتيش لا غير.
قوله: [ف أو فيه للتنويع]: أي لا للشك فاندفع ما يقال: إن أو لا تدخل الحدود أي التي للشك كما علمت، واندفع ما يقال: كيف يجمع حقائق ثلاثاً في تعريف واحد وهو لا يمكن؟ قوله: [فعل النفس]: أي الذي هو الالتزام.
قوله: [فاندفع اعتراض ابن عرفة]: أي على التعريف الذي ذكره خليل، لأن أصله في كتاب ابن الحاجب تبع فيه القاضي عبد الوهاب.
قوله: [بأن الشغل]: إلخ: هذا تصوير للاعتراض.
قوله: [لازم له]: الضمير عائد على الضمان. فقوله بعد: " لأن الضمان " إظهار في محل الإضمار، والمعنى: أنه حاصل بنفس الضمان لا نفس الضمان.
قوله: [أي لأنه كالتعريف بالمباين]: أي بغير الحقيقة بل بالمسبب عنها. قوله: [ووجه الدفع] إلخ: الصواب أن يقول: ووجه الاعتراض ودفعه، لأنه ذكر في هذه العبارة وجه الاعتراض ووجه دفعه تأمل.
قوله: [بل المراد به] إلخ: أي كما أجاب بذلك ابن عاشر.
قوله: [فأركانه خمسة]: أي وقد أخذت من التعريف، فإن قوله: " التزام مكلف " هو الضامن. وقوله: "ديناً" هو المضمون به. وقوله: "من عليه" هو المضمون. وقوله: " لمن هو له " هو المضمون له. وقوله: " بما يدل عليه " هو الصيغة.
قوله: [ضامن]: وسيأتي يقول: "ولزم أهل التبرع".
وقوله: [ومضمون]: هو من عليه الدين اللازم أو الآيل إلى اللزوم الذي يمكن استيفاؤه من ضامنه.
وقوله: [ومضمون له]: أي وهو من له الدين المذكور.
وقوله: [وصيغة]: هي ما يدل على الالتزام.
قوله: [والمضمون به هو الدين]: أي اللازم أو الآيل إلى اللزوم الذي يمكن استيفاؤه من ضامنه. وصرح به دون باقي الأركان توطئة لكلام المتن.
стр. 685
وكذا: داين فلاناً وأنا أضمنه، أو: إن ثبت لك عليه دين فأنا ضامن.
(لا كتابة) فلا يصح ضمانها لأنها ليست بلازمة للمكاتب ولا آيلة للزوم؛ لأنه إذا عجز رجع رقيقاً وكذا لو تداين صغير أو سفيه أو رقيق غير مأذون بغير إذن الولي أو السيد فلا يصح ضمانه لما ذكر ولا يلزم الضامن شيء (إلا بشرط تعجيل العتق): للمكاتب نحو: إن أعتقته فأنا ضامن لما عليه من الكتابة، فأعتقه. فيلزم الضامن ما عليه لأنه آل للزوم.
(ولزم) الضمان (أهل التبرع): وهو الحر الرشيد كما أخذ من التعريف؛ فلا يلزم سفيهاً ولا صبياً ولا مجنوناً ولا مكرهاً. ودخل ضمان المريض والزوجة في الثلث كما يأتي.
(كذي رق) يلزمه الضمان (إن أذن له سيده) فيه ولم يكن مكاتباً ولا مأذوناً له في التجارة. بل (ولو) كان (مكاتباً أو مأذوناً) فلا بد من إذن سيده (وإلا) يأذن السيد (صح) ضمان الرقيق (فقط) ولا يلزمه، فللسيد إسقاطه عنه فإن أسقطه عنه لم يتبع (وأتبع) الرقيق (به) أي بالضمان فيلزمه دفع المال (إن عتق) ضمن بإذن سيده أو لا (إن لم يسقطه السيد) عنه في الثاني، فإن أسقطه قبل العتق سقط. وأما فيما إذا أذن له فليس له إسقاطه.
وعطف على "ذي رق" قوله: (وزوجة ومريض) ضمنا (بثلث): أي بقدر ثلث مالهما فيلزمهما فإن زاد على الثلث لم يلزمهما بل يتوقف على إجازة الوارث أو الزوج (وجاز ضمان الضامن) ولو تسلسل ويلزمه ما يلزم الضامن الأصلي (و) جاز: (داين فلاناً) وأنا ضامن.
(ولزم) الضمان (فيما ثبت) أنه داينه به (إن كان) ما ثبت (مما يعامل به مثله) لا إن لم يثبت ولا إن عامله بشيء لا يعامل به مثله على أرجح التأويلين.
(وله): أي لمن قال: " عامل فلاناً وأنا ضامن ": (الرجوع) عن الضمان (قبل المعاملة) لا بعدها (بخلاف) قوله لمدع على رجل: (احلف) إن لك عليه حق (وأنا أضمنه): فليس له رجوع ولو قبل حلفه، لأنه التزام كأنه قال: أن حلفت ضمنته فمتى حلف لزمه وليس له رجوع قبلها.
(و) جاز ضمان (بغير إذن المضمون): فلا يشترط إذنه.
ــ
قوله: [وكذا داين فلاناً وأنا أضمنه]: أي وأما إذا قال: داين فلاناً أو بع له أو عامله فإنه ثقة مأمون، ولم يقل: فأنا ضامن له، فلا يلزم ذلك القائل شيء، ولو ظهر أن القائل يعلم أنه غير ثقة وأنه غير مأمون لأنه غرور قولي.
قوله: [أو إن ثبت لك عليه دين فأنا ضامن]: أي فإنه يلزم الضمان فيما ثبت ببينة أو إقرار.
قوله: [لأنه إذا عجز رجع رقيقاً]: أي والضامن ينزل منزلة المضمون وما يلزم الأصل لا يلزم الفرع بالأولى.
قوله: [فلا يصح ضمانه]: أي دين الصغير والسفيه والرقيق.
وقوله: [لما ذكر]: أي وهو أنه ليس لازماً ولا آيلاً للزوم.
قوله: [إلا بشرط تعجيل العتق]: مثل ذلك ما إذا كانت الكتابة نجماً واحداً وقال الضامن: هو علي إن عجز، وإنما صح الضمان في هذه الصورة وإن كان لنجم غير لازم لقرب الحرية. قوله: [لأنه آل للزوم]: أي بسبب تعجيل العتق مع شرط المال، فإنه في هذه الصورة يلزم ذمة العبد بعد العتق كما سيأتي في بابه.
قوله: [فلا يلزم سفيهاً] إلخ: أي ولا يصح ممن ذكر.
قوله: [ولم يكن مكاتباً] إلخ: الجملة حالية وهي توطئة للمبالغة في كلام المتن.
قوله: [فللسيد إسقاطه عنه]: أي ولو كان ضامناً لنفس السيد، ثم إن مراد المصنف بالمكاتب والمأذون: غير المحجور عليهما لدين بدليل عدهما من أهل التبرع.
قوله: [بل يتوقف على إجازة الوارث أو الزوج]: محل التوقف بالنسبة للزوجة ما لم يكن ضمانها لزوجها في زائد الثلث، وإلا فلا يتوقف على إجازته. قال الباجي: لها الكفالة لزوجها بجميع مالها، أي: وليس له الرد كما تقدم وفي المدونة إن ادعت أنه أكرهها في كفالتها فعليها البينة.
قوله: [ولو تسلسل]: أي ولا استحالة في ذلك لأنه تسلسل في المستقبل والمحال إذا كان في الماضي.
قوله: [ويلزمه ما يلزم الضامن الأصلي]: المراد يلزمه في الجملة لاحتمال أن يكون الأول بالمال والثاني بالوجه فمحل موافقته للضامن الأصلي من كل وجه إن استوى معه في كيفية الضمان.
قوله: [فيما ثبت]: أي بالبينة لا بإقرار المدين.
قوله: [على أرجح التأويلين]: أي وهو الذي قاله ابن يونس وابن رشد والمازري.
قوله: [الرجوع عن الضمان]: أي سواء قيد بأن قال: داينه أو عامله بمائة، أو أطلق اتفاقاً في الأخير وعلى الراجح في الأول. واختلف إذا رجع الضامن ولم يعلم المضمون له برجوعه حتى عامله، هل يلزم الضامن - وهو ظاهر المدونة - أو لا يلزمه؟ قولان: الأظهر الأول، وحينئذ فلا بد في عدم اللزوم من علم المضمون له بالرجوع كما في الحاشية.
قوله: [إن لك عليه حق]: هكذا برفع حق في نسخة المؤلف وحقها النصب لأنه اسم إن.
قوله: [ولو قبل حلفه]: أي لأنه بالتزامه صار كأنه حق واجب لتنزيله منزلة المدعى عليه. وإذا غرم الضامن واستمر المدعى على إنكاره ولم تقم عليه بالحق بينة حلفه الضامن. فإن حلف فلا رجوع للضامن بشيء، وإن نكل غرم له ما أخذه من المدعي.
قوله: [بغير إذن المضمون]: هذا هو نص المدونة وغيرها. وذهب المتيطي
стр. 686
(كأدائه عنه) من إضافة المصدر لمعموله: أي كما يجوز لإنسان أن يؤدي ما على مدين (رفقاً) به (لا عنتاً): أي ضرراً؛ أي لأجل ضرر المدين فلا يجوز (فيرد) ما أداه عنه عنتاً وليس للمؤدي مطالبة على المدين بل يجب منعه عن مطالبته قهراً عنه (كشرائه) أي الدين: أي كما يمنع بشراء دين من ربه عنتاً بالمدين، ويرد، فإن فات الثمن بيد بائعه رد مثله أو قيمته، فإن تعذر الرد بموت رب الدين أو غيبته تولى الحاكم قبض الدين من المدين بالمعروف ودفعه للمشتري عنتاً ومنعه من التسلط عليه.
ولما فرغ من أركان الضمان وشروطه، بين ما يرجع به الضامن إذا غرم فقال:
(ورجع) الضامن على المدين (بما أدى) عنه (ولو مقوماً): لأنه كالمسلف يرجع بمثل ما أدى حتى في المقوم لا بقيمته حيث كان من جنس الدين (إن ثبت الدفع) منه لرب الدين ببينة أو إقرار رب الدين.
(وجاز له): أي للضامن (الصلح) أي صلح رب الدين (بما جاز للمدين) أن يصالح به رب الدين فما جاز للغريم أن يدفعه عوضاً عما عليه من الدين جاز للضامن دفعه له، وما لا؛ فيجوز [١] الصلح بعد الأجل عن دنانير جيدة بأدنى منها وعكسه وبأقل،
ــ
قائلاً: بعض العلماء يشترط أن يكون بإذنه ولذا جرت عادة الموثقين بذكر رضا المدين بأن يكتبوا: تحمل فلان عن فلان برضاه أو بأمره كذا وكذا.
قوله: [كأدائه عنه] إلخ: أشار به لقول المدونة: من أدى عن رجل ديناً بغير أمره جاز إن فعله رفقاً بالمطلوب، وإن أراد الضرر بطلبه وإعناته لعداوة بينهما منع من ذلك، وكذا إن اشترى ديناً عليه لم يجز البيع ورد إن علم اهـ (بن).
قوله: [لمعموله]: أي الذي هو الدين.
قوله: [رفقاً به]: أي وحيث أدى رفقاً به لزم رب الدين قبوله، ولا كلام له ولا للمدين إذا كان الطالب له أحدهما، فإن امتنعا معاً لم يلزم رب الدين القبول فيما يظهر كما في (عب).
قوله: [ويرد]: أي يرد الشراء عنتاً إن علم بائعه بأن المشتري قصد العنت، فلا بد من علمهما لدخولهما على الفساد، فإن لم يعلم رب الدين بذلك فلا رد ولا فساد للبيع لعذره بالجهل وعليه أن يوكل من يتعاطى الدين من المدين، وقيل: الرد مطلقاً علم البائع بتعنت المشتري أو لا، وهو مقتضى شارحنا. ولكن رجح في الأصل التفصيل.
قوله: [رد مثله] إلخ: أي يرد مثله إن كان مثلياً وقيمته إن كان مقوماً.
قوله: [بموت رب الدين]: أي سواء كان غير بائع للدين كما في المسألة الأولى أو بائعاً له كما في الثانية.
تنبيه: إن ادعى مدع على غائب بدين فضمنه إنسان فيما ادعى به ثم حضر الغائب وأنكر فلا يلزم الضامن شيء. ومثل ذلك: لو قال شخص لمدع على منكر: إن لم آتك به لغد فأنا ضامن ولم يأت به لأنه وعد وهو لا يقضي به وهذا ما لم يثبت حقه ببينة في المسألتين وإلا لزم الضامن إن لم يأت به. وهل يلزم الضامن إن ثبت بإقرار المدعى عليه؟ تأويلان في المسألة الثانية، وأما الأولى: فإقراره لا يوجب على الضامن شيئاً. وقال (بن): الخلاف في المسألتين ومحل التأويلين إن أقر بعد الضمان وهو معسر وإلا لزمته الحمالة قطعاً وكذلك لا يلزم الحق من قال لمدع عليه: أجلني اليوم فإن لم أوفك غداً فالذي تدعيه على حق، ولم يوفه. وإنما لم يجعل إقراراً لأن قوله: فالذي تدعيه حق أبطل كونه إقراراً.
قوله: [ولما فرغ من أركان الضمان]: أي الخمسة التي تقدمت في التعريف.
وقوله: [وشروطه]: أي التي أخذت من قوله وشرط الدين لزومه ومن قوله ولزم أهل التبرع.
قوله: [على المدين]: مراده بالمضمون ولو صرح به كان أولى ليشمل ضامن الضامن.
قوله: [حيث كان من جنس الدين]: أي كما لو كان الدين خمسة أثواب فأداها الضامن أثواباً فيرجع بمثلها لا بقيمتها، وأما إن كان من غير جنسه فإنه يرجع بالأقل من الدين وقيمة المقوم؛ كما لو كان الدين خمسة محابيب ودفع الضامن خمسة أثواب فإنه يرجع بالأقل من الدين وقيمة الأثواب. ورد المصنف ب "لو" على من قال: يخير إذا دفع الضامن مقوماً من جنس الدين بين دفع مثل المقوم أو قيمته. ومحل الخلاف إذا لم يكن الضامن اشترى ذلك المقوم وإلا رجع بثمنه اتفاقاً كما قال ابن رشد ما لم يحاب وإلا لم يرجع بالزيادة.
قوله: [أو إقرار رب الدين]: أي لا بإقرار المضمون. وفي الشامل: ولو دفع الضامن للطالب بحضرة المضمون دون بينة وأنكر الطالب لم يرجع الضامن بشيء لتفريطه بعدم الإشهاد.
قوله: [الصلح] إلخ: اعلم أن في مصالحة الضامن رب الدين خلافاً؛ فقيل بالمنع مطلقاً، وقيل بالجواز مطلقاً، وقيل بالمنع إذا وقع الصلح بمثلي مخالف لجنس الدين؛ فإن كان بمقوم مماثل لجنس الدين أو مخالف جاز. والمصنف مشى على القول بالجواز مطلقاً سواء صالح بمثلي أو بمقوم، ولكن يستثنى مسألتان من كلامه وسيذكرهما الشارح.
قوله: [فيجوز الصلح بعد الأجل] إلخ: شروع في بيان ما يجوز للمدين ويقاس عليه الضامن إلا فيما سيستثنيه بعد بقوله إلا الصلح إلخ.
стр. 687
لا قبل الأجل. وكذا الطعام والعروض من سلم، إلا الصلح عن دنانير حالة بدراهم وعكسه أو صالح بعد الأجل عن طعام سلم بأدنى أو أجود، فيجوز للمدين لا للضامن لما فيه من تأخير الصرف وبيع طعام المعاوضة قبل قبضه.
(ورجع) الضامن إذا صالح رب الدين على المدين (بالأقل منه): أي من الدين (ومن قيمة ما صالح به) حيث كان مقوماً عن عين؛ كما لو صالح بثوب أو عبد عن دنانير أو دراهم؛ فإن صالح عنها بمثلي رجع بالأقل من الدين أو مثل المثلي، فإن صالح بأجود أو أدنى حيث جاز رجع بالأدنى.
ولو صالح بأقل من الدين رجع به وبأكثر رجع بالدين. ولو صالح بمقوم عن مقوم غير جنسه رجع بالأقل من الدين أو قيمة ما صالح به كما في المتن بناء على القول بجواز ذلك، ويظهر من كلامهم أنه الراجح. وكذا قولنا: " فإن صالح عنها بمثلي" إلخ، فإنه مبني على القول بالجواز وهو ما في الكفالة من المدونة كما ذكره ابن عرفة (ولا يطالب) الضامن: أي ليس لرب الدين مطالبته به (إن تيسر الأخذ) لرب الدين (من مال المدين): بأن كان موسراً غير ملد ولا ظالم، وهذا هو الذي رجع إليه مالك بعد قوله: رب الدين مخير في طلب أيهما شاء (ولو) كان المدين (غائباً) حيث كان الدين ثابتاً ومال المدين حاضراً يمكن الأخذ منه بلا مشقة. (إلا أن يشترط) رب الدين عند الضمان (أخذ أيهما شاء أو) يشترط (تقديمه) في الأخذ عن المدين (أو ضمن) الضامن المدين (في الحالات الست): الحياة، والموت، والحضور، والغيبة، واليسر، والعسر؛ فله مطالبته ولو تيسر الأخذ من مال الغريم.
(والقول [١] له): أي للضامن (في ملائه): أي ملاء المدين عند التنازع في ملائه وعدمه؛ فلا مطالبة لرب الدين على الضامن، لأن القول قوله في ملاء المضمون، ولا على رب الدين لأنه مقر بعدمه. والذي قاله سحنون واستظهره ابن رشد: أن القول للطالب فله مطالبة الحميل ما لم يثبت ملاء الغريم وتيسر الأخذ منه. قال المتيطي: وبه العمل؛ أي فيكون هو الراجح وإن استظهر المصنف في التوضيح أن القول للحميل.
(وله): أي للضامن
ــ
قوله: [لا قبل الأجل]: أي فإن في المصالحة قبل الأجل بأدنى أو أقل ضع وتعجل، وبأجود أو أكثر: سلفاً جر نفعاً.
قوله: [فيجوز للمدين لا للضامن]: إنما جاز بعد الأجل لرب الدين فقط لأنه صرف ما في الذمة بالنسبة للأولى وحسن قضاء أو اقتضاء بالنسبة للثانية. وهذا المعنى لا يتأتى في الضامن.
قوله: [لما فيه من تأخير الصرف]: راجع لقوله إلا الصلح عن دنانير.
وقوله: [وبيع طعام المعاوضة قبل قبضه]: راجع لقوله: " أو صلحاً بعد الأجل عن طعام سلم " إلخ. ووجه تأخير الصرف أنه يدفع الدراهم لرب الدين ويطلب الدنانير من المضمون بعد ذلك وعكسه هذا هو الصرف المؤخر بعينه. ووجه بيع الطعام قبل قبضه أن رب الدين ترك طعامه الذي على المدين في نظير طعام مخالف يأخذه من الضامن قبل أن يقبض طعامه الذي على المدين وهذا بيع الطعام قبل قبضه.
قوله: [على المدين]: متعلق بقوله "رجع".
قوله: [كما لو صالح بثبوت]: راجع للمقوم وقوله وعن دنانير راجع للعين.
قوله: [حيث جاز]: أي كما إذا صالح الضامن بدنانير جيدة بعد الأجل عن الأدنى وعكسه.
قوله: [رجع بالأدنى]: أي سواء كان هو الذي خرج من يده أو الذي صالح عنه. ولا يجوز الرجوع بالأجود ولا بالأكثر ولو كان ذلك الأجود أو الأكثر خرج من يده؛ لأنه إن لم يكن خرج من يده فهو سلف جر نفعاً، وإن كان خرج من يده فلا يلزم المضمون إلا مثل دينه، والزيادة عليها ظلم، فالضامن متبرع بها لرب الدين فلا يظلم المديان بها فتأمل.
قوله: [ولو صالح بمقوم] إلخ: هذا مفهوم قوله: حيث كان مقوماً عن عين. وحاصله أنه لو صالحه بمقوم عن مقوم غير جنسه فإنه يرجع بالأقل من الدين أي من قيمته؛ لأن الفرض أن الدين مقوم ومن قيمة ما صالح به. فقوله: " كما في المتن " يعني به متنه، أي فإن عبارة المتن في قوله: " ورجع بالأقل منه ومن قيمة ما صالح به " شاملة للصلح بمقوم عن عين وعن مقوم.
قوله: [رجع بالأقل من الدين أو قيمة ما صالح به]: فإن قيل: ما وجه الفرق بين المقوم والمثلي؟ قيل: إن المقوم - لما كان يرجع فيه إلى القيمة وهي من جنس الدين - والحميل يعرف قيمة سلعته؛ فقد دخل عن القيمة إن كانت أقل من الدين. وإن كانت أكثر فقد دخل على أخذ الدين وهبة الزيادة، بخلاف المثلي لأنه من غير جنس الدين فلا يعرف فيه الأقل من الأكثر لأن الأقل والأكثر لا بد من اشتراكهما في الجنس والصفة فكانت الجهالة في المثلي أقوى، فلذلك تعين له الرجوع بالأقل من الدين أو مثل المثلي فتأمل.
قوله: [بعد قوله رب الدين مخير] إلخ: قال (بن): والقول المرجوع عنه هو الذي جرى به العمل بفاس - وهو الأنسب - بكون الضمان شغل ذمة أخرى بالحق.
قوله: [فله مطالبته ولو تيسر الأخذ] إلخ: ما ذكره الشارح هو المعتمد وهو ما في وثائق أبي القاسم الجزيري وغيره، خلافاً لابن الحاجب من أن الضامن لا يطالب إذا حضر الغريم مليئاً مطلقاً.
قوله: [ولا على رب الدين]: الصواب أن يقول ولا على المدين لأن رب الدين مقر بعدمه.
قوله: [قال المتيطي وبه العمل]: قال (بن) ونصه: وإذا طلب صاحب الدين الحميل بدينه والغريم حاضر فقال
стр. 688
(طلب المستحق) الذي هو رب الحق (بتخليصه) من ربقة الضمان، بأن يقول له: إذا حل الأجل ولو بموت المدين إما أن تطلب حقك من مدينك أو تسقط عني الضمان.
(و) له أيضاً كما هو نص المدونة (طلب الغريم): أي المدين (بالدفع): أي دفع الدين لربه (عند) حلول (الأجل) لا قبله؛ وهذا راجع للمسألتين، إذ قبل حلول الأجل لا مطالبة له على واحد منهما.
(لا): أي ليس له مطالبة الغريم (بتسليم المال إليه) ليوصله إلى ربه، وليس على الغريم دفعه له (وضمنه) الضامن (إن اقتضاه) من الغريم ليوصله لربه -سواء طلبه منه أو دفعه له الغريم بلا طلب - لكن على وجه البراء منه، ولو تلف منه بغير تفريط أو قامت على هلاكه ببينة؛ لأنه متعد بقبضه بغير إذن ربه. وحيث قبضه على وجه الاقتضاء بغير إذن ربه كان لربه غريمان يطلب أيهما شاء.
(لا) إن (أرسله) المدين (به) إلى رب الدين فضاع منه فلا ضمان حيث لم يفرط؛ لأنه صار أميناً بالإرسال. ومثل الإرسال: لو دفعه له على وجه التوكيل عنه في توصيله لربه أو هو إرسال حكماً فلا ضمان على الضمان ولو تنازعا، فقال الغريم: قبضته مني اقتضاء، وقال الضامن: بل رسالة أو توكيلاً، فالقول للغريم. وكذا لو انبهم الأمر؛ كما لو مات الضامن أو غاب. فضمان الضامن في صور ثلاث، فالصور خمسة فقوله: "إن اقتضاه": أي حقيقة أو حكماً فيشمل الثلاثة، وقوله: "لا أرسله به": أي ولو حكماً فيشتمل الصورتين.
(وعجل) الدين (بموته): أي الضامن قبل الأجل من تركته إن كان له تركة (ورجع وارثه): أي وارث الضامن على الغريم (بعد الأجل أو) بعد (موت الغريم) على تركته (إن تركه) أي إن ترك ما يؤخذ منه الدين وإلا سقط.
ثم شرع في مبطلات الضمان فقال:
(وبطل) الضمان (إن فسد متحمل به): أي الدين المضمون كدراهم بدنانير لأجل وعكسه فلا يلزم الضامن حينئذ شيء.
(أو فسدت) الحمالة نفسها شرعاً؛ بأن اختل منها شرط أو حصل مانع فتبطل؛ بمعنى أنه لا يترتب عليها حكمها من غرم أو غيره فلا يلزم اتحاد المعلق والمعلق عليه. ومثل ذلك بقوله:
ــ
له الحميل: شأنك بغريمك فهو مليء بدينك، وقال صاحب الدين: الغريم معدم وما أجد له مالاً، فالذي عليه العمل - وقاله سحنون في العتبية - أن الحميل يغرم إلا أن يثبت يسر الغريم وملاءه فيبرأ وحلف له صاحب الحق إن ادعى عليه معرفة يسره على إنكار معرفته بذلك وغرم الحميل وله رد اليمين على الحميل، فإن ردها حلف الحميل وبرئ اهـ.
قوله: [طلب المستحق]: أي له إلزامه بأن يقول له ما ذكر.
قوله: [من ربقة الضمان]: بالراء والباء والقاف والتاء الورطة وإضافتها للضمان بيانية.
قوله: [لكن على وجه البراءة منه]: أي لا على وجه الإرسال الآتي.
قوله: [ولو تلف منه بغير تفريط]: أي فيما لا يغاب عليه.
وقوله: [أو قامت على هلاكه بينة]: أي فيما يغاب، فليس كضمان الرهان بل هو كضمان التعدي.
قوله: [فلا ضمان حيث لم يفرط]: كان مما يغاب عليه أو لا.
قوله: [فلا ضمان على الضامن]: أي حيث لم يفرط.
قوله: [فضمان الضامن في صور ثلاث]: أي يكون الضامن غريم الغريم في الصور الثلاث. ومعلوم أن غريم الغريم غريم، فلرب الدين أن يغرم الأصيل، وله أن يغرم الضامن نيابة عن المدين كما صرح، بذلك الركراكي في شرح مشكلات المدونة. ويفهم من التوضيح: أن رب الحق إذا رجع على الأصيل فللأصيل الرجوع على الكفيل. قوله: [فالصور خمسة]: أي لأنه إما أن يكون على وجه الاقتضاء، أو الإرسال، أو الوكالة عن رب الدين، أو يتنازع المدين والضامن في أنه على وجه الاقتضاء أو الإرسال، أو يموت المدين، أو الضامن ويعرى القبض عن القرائن الدالة على الاقتضاء أو الإرسال أو الوكالة. وقد علمت أحكامها من الشارح.
تنبيه: إن كان الضامن وكيلاً لرب الدين في القبض وتلف منه برئ كل من الضامن والغريم إن قامت بينة تشهد على دفع الغريم.
قوله: [أي الضامن]: مفهومه لو مات المدين فإن الحق يعجل أيضاً من تركته فإن لم يترك شيئاً فلا طلب على الضامن حتى يحل الأجل إذ لا يلزم من حلول الدين على المدين حلوله على الكفيل لبقاء ذمته - كذا في الأصل.
قوله: [وإلا سقط]: أي وإلا بأن مات الغريم وهو معسر سقط ما عليه وضاع على ورثة الضامن.
قوله: [كدرهم بدنانير] إلخ: أي وكبيع سلعة بثمن مؤجل لأجل مجهول أو كان البيع وقت نداء الجمعة وكضمان جعل جعل لذي جاه على تخليص شيء بجاهه.
قوله: [فلا يلزم الضامن حينئذ شيء]: ظاهره: ولو فات المبيع ولزم المشتري القيمة أو الثمن ولكن استظهر في الحاشية أن الضمان في القيمة أو الثمن.
قوله: [فلا يلزم اتحاد المعلق] إلخ: حاصله: أن قوله: " أو فسدت " عطف على قوله: " فسد " فينحل المعنى وبطل الضمان إن فسدت الحمالة. ومعلوم أن الفساد هو البطلان والضمان هو الحمالة؛ فيلزم اتحاد الشرط والجزاء وهو تهافت. وحاصل الجواب: أن المراد بالبطلان المعنى اللغوي وهو: عدم الاعتداد بالشيء بحيث لا يترتب عليه
стр. 689
(كبجعل) للضامن من رب الدين أو من المدين أو من أجنبي. وعلة المنع أن الغريم إن أدى الدين لربه كان الجعل باطلاً؛ فهو من أكل أموال الناس بالباطل وإن أداه الحميل لربه ثم رجع به على الغريم كان من السلف بزيادة، فتفسد الحمالة ويرد الجعل لربه. ثم إن كان الجعل من رب الدين للحميل سقطت الحمالة والبيع صحيح؛ لأن المشتري لا غرض له فيما فعل البائع مع الحميل؛ كما لو كان الجعل من المدين أو من أجنبي من علم رب الدين. فإن لم يعلم فالحمالة لازمة ورد الجعل. وإن كان الجعل من رب الدين أو من أجنبي للمدين على أن يأتيه بضامن فإنه جائز. فعلم أن محل البطلان إذا كان الجعل من أجنبي للضامن، إذا علم رب الدين، وإلا رد ولزمت الحمالة.
وبالغ على بطلان الضمان بالجعل بقوله: (وإن) كان الجعل الواصل للضامن (ضمان مضمونه): أي الضامن؛ كأن يتداين رجلان ديناً من رجل أو من رجلين ويضمن كل منهما صاحبه فيما عليه لرب الدين إذا دخلا على ذلك بالشرط. واستثنى من منع ذلك قوله: (إلا أن يشتريا شيئاً) معيناً؛ كعبد على وجه الشركة بينهما بثمن معلوم ويضمن كل منهما صاحبه فيما عليه فيجوز (أو يستلما) من شخص مالاً (في شيء) معين (بينهما) وضمن كل الآخر فيما يخصه فيجوز (أو يقترضا [١]) شيئاً من طعام أو عين أو عرض، ويضمن كل صاحبه فيما عليه؛ فيجوز (للعمل): أي عمل السلف الصالح بذلك - وما عملوا إلا لفهم الجواز من السنة - بشرط أن يضمن كل صاحبه بقدر ما ضمنه الآخر، حتى لو كان على أحدهما الثلث والآخر الثلثان. جاز إن ضمن ذي الثلث نصف ما على صاحبه من الثلثين وإلا منع.
(وإن تعدد حملاء) لشخص (ولم يشترط) عليهم (حمالة بعضهم عن بعض اتبع كل) منهم (بحصته فقط) دون حصة صاحبه. فإذا كانوا ثلاثة ضمنوا إنساناً في ثلاثين وتعذر الأخذ منه، ضمن كل واحد منهم عشرة. ولا يؤخذ بعضهم عن بعض بأن قالوا: نضمنه، أو: ضمانه علينا. وكذا إن تعدد غرماء ولم يشترط
ــ
حكم. وبالفساد: الفساد الشرعي، وهو عدم استيفاء الشروط. فينحل المعنى وإذا كانت الحمالة فاسدة شرعاً غير مستوفية للشروط كانت غير معتد بها.
قوله: [كبجعل]: إنما فسدت بالجعل للضامن لقوله في الحديث: «ثلاثة لا تكون إلا لله: الجعل والضمان والجاه» والحاصل: أن الصور تسع؛ لأن الجعل: إما للضامن من المدين، أو من رب الدين، أو من أجنبي. وإما للمدين من الضامن، أو من رب الدين، أو من أجنبي وإما لرب الدين من المدين أو من الضامن أو من أجنبي فيمتنع حيث كان للضامن في الثلاث ويجوز فيما عداها. إلا أنه إذا كان من أجنبي، أو من الضامن للمدين فلا يقيد الجواز بحلول الدين، بخلاف ما إذا كان من رب الدين للمدين فيشترط حلول أجل الدين، وإلا أدى لضع وتعجل لأن مجيء المدين كالضامن بمنزلة تعجيل الحق - كذا يؤخذ من الحاشية.
قوله: [كان الجعل باطلاً]: أي لعدم تمامه وسواء كان من رب الدين أو من المدين أو أجنبي.
وقوله: [وإن أداه]: أي الدين.
وقوله: [ثم رجع به]: أي بالدين.
وقوله: [كان من السلف بزيادة]: أي كان دفعه الدين وأخذه سلفاً والزيادة هي الجعل الذي أخذه.
قوله: [سقطت الحمالة]: أي لفساد الجعل.
قوله: [كما لو كان الجعل من المدين]: تشبيه في سقوط الحمالة مع صحة البيع والمراد بالمدين المشتري وبرب الدين البائع.
قوله: [فإن لم يعلم فالحمالة لازمة]: أي مع صحة البيع أيضاً.
قوله: [وإن كان الجعل من رب الدين] إلخ: هذا هو مفهوم قوله للضامن.
قوله: [إذا كان الجعل من أجنبي]: أي أو من المدين.
قوله: [إذا علم رب الدين]: هذا هو محل البطلان. وحاصل ما في الشارح: أن الجعل إذا كان للضامن فإنه يرد قولاً واحداً، ويفترق الجواب في ثبوت الحمالة وسقوطها مع لزوم البيع على كل حال؛ فإن كان الجعل من البائع كانت الحمالة ساقطة لأنها بعوض ولم يصح والبيع صحيح؛ لأن المشتري لا غرض له فيما فعل البائع مع الحميل. وإن كان الجعل من المشتري أو من أجنبي والبائع غير عالم به فالحمالة لازمة كالبيع. وإن علم البائع سقطت الحمالة والبيع صحيح - هكذا قال الشارح.
ولكن المنقول عن ابن القاسم: أن البائع بالخيار في سلعته. وقال محمد: الحمالة لازمة وإن علم البائع إذا لم يكن الحق في ذلك سبب، وهذا محصل ما في (بن) نقلاً عن ابن عاصم.
قوله: [ويضمن كل منهما صاحبه فيما عليه]: مثل ذلك ما لو ضمن كل لصاحبه رجلاً آخر فيما له أو أحدهما ضمن صاحبه فيما عليه والآخر ضمن له الغير فيما له؛ فالصور الثلاث كلها ممنوعة.
قوله: [فيجوز للعمل]: جواب عن سؤال قائل علة المنع موجودة وهو السلف الذي جر نفعاً.
قوله: [إن ضمن ذي الثلث]: هكذا نسخة المؤلف الصواب: "ذو" بالواو لأنه فاعل ضمن.
قوله: [وإلا منع]: أي رجع لأصله من المنع لأنه خلاف عمل السلف.
قوله: [وإن تعدد حملاء]: أي غير غرماء أما لو تعدد الحملاء الغرماء فسيأتي.
قوله: [دون حصة صاحبه]: مفرد مضاف فهو صادق بالصاحب الواحد والمتعدد.
قوله: [وكذا إن تعدد غرماء ولم يشترط]: أي بأن كانوا غرماء فقط؛ كما إذا اشترى ثلاثة سلعة على كل ثلث ثمنها.
стр. 690
(إلا أن يقول) رب الحق لهم: (أيكم شئت أخذت بحقي، فله أخذ جميع الحق ممن شاء) منهم ولو كانوا حضوراً أملياء. (ورجع الدافع) للحق (على كل) منهم (بما يخصه) فقط (إن كانوا غرماء) لرب الحق أصالة؛ كأن اشتروا منه سلعة وضمن كل صاحبه، بأن قال لهم ما ذكر.
(وإلا) يكونوا غرماء بل كانوا حملاء على مدين (فعلى الغريم): أي فيرجع الدافع بما أدى لرب الدين على الغريم، ولا يرجع على أحد من أصحابه؛ لأن الموضوع أنه لم يشترط حماية بعضهم عن بعض.
(كترتبهم) في الحمالة، بأن ضمن كل منهم الغريم بانفراده واحداً بعد واحد، أو قال كل منهم: ضمانه علي، أو: أنا ضامن له، فلرب الحق أخذ حقه ممن شاء منهم ولو كان الجميع حاضرين أملياء، علم أحدهم بحمالة الآخر أم لا. ورجع الدافع على الغريم بجميع الحق الذي دفعه عنه، وليس له رجوع على أحد من الحملاء كما هو ظاهر.
(فإن شرط ذلك): أي حمالة بعضهم عن بعض - وهذا مفهوم قوله "ولم يشترط" إلخ - (أخذ كل) من الحملاء (به): أي بجميع الحق، سواء قال: أيكم شئت إلخ، أو لا إلا أنه إن قال: آخذ كلاً ولو حضر الباقي ملياً (ورجع) الدافع على من لقيه من أصحابه (بغير ما أدى عن نفسه بكل): متعلق برجع؛ أي يرجع بجميع (ما على الملقي) بفتح الميم وكسر القاف (ثم ساواه) فيما على غيره ممن لم يلقه إذا كان الحق عليهم، بأن كانوا غرماء؛ كثلاثة اشتروا سلعة بثلثمائة وشرط البائع حمالة بعضهم عن بعض فإذا لقي أحدهم أخذ منه جميع الحق. ثم إذا لقي الدافع واحداً من صاحبيه أخذ منه ما عليه وهي مائة، ثم يساويه في المائة الباقية بأن يأخذ منه أيضاً خمسين، ثم إذا لقي أحدهما الثالث أخذ منه خمسين، بل (ولو كان الحق على غيرهم): بأن كانوا حملاء عن غريم؛ (كثلاثة حملاء بثلثمائة) عن غريم اشترط ربها حمالة بعضهم عن بعض (لقي رب الحق أحدهم أخذ منه الجميع) أي الثلثمائة (فإن لقي) الغارم (أحدهما أخذه) بغير ما أدى عن نفسه وهي مائة فيأخذه (بمائة) وهي ما على الملقي (ثم) ساواه في المائة الثالثة التي على غير الملقي، فيأخذه (بخمسين) فرق المائة، فيكون كل منهما قد غرم مائة وخمسين. فإذا ألقى أحدهما الثالث أخذه بخمسين ثم كل منهم يرجع على الغريم بمائة. وقوله "ولو كان" إلخ: أي بناء على تأويل الأكثر. وقد علمت من جميع ما تقدم أن تعدد الحملاء فيه ثمانية صور؛ لأنه: إما أن يشترط حمالة بعضهم عن بعض أو لا، وفي كل إما أن يقول: أيكم شئت أخذت بحقي أو لا، وفي كل من الأربعة:
ــ
قوله: [إلا أن يقول رب الحق]: هذه المسألة التي تعدد فيها الحملاء من غير ترتيب صورها أربع: أولها: تعددهم ولم يشترط حمالة بعضهم عن بعض ولا أخذ أيهم شاء بحقه، فلا يؤخذ كل إلا بحصته. ثانيها: اشترط حمالة بعضهم عن بعض ولم يقل: أيكم شئت أخذت بحقي، فيؤخذ من وجد بجميع الحق إن غاب الباقي أو أعدم أو مات. ثالثها: اشترط حمالة بعضهم عن بعض، وقال مع ذلك: أيكم شئت أخذت بحقي، فله أخذ أي واحد منهم بجميع الحق ولو كان غيره حاضراً مليئاً. وللغارم في هاتين الصورتين الرجوع على أصحابه أو على الغريم. رابعها: تعدد الحملاء ولم يشترط حمالة بعضهم عن بعض، وقال: أيكم شئت أخذت بحقي، فيؤخذ أي واحد: بجميع الحق ولو كان غيره حاضراً مليئاً، وليس للغارم الرجوع على أحد من أصحابه بل على الغريم. وهذه الأربع حملاء غير غرماء ومثلها في الحملاء الغرماء: وسيأتي الشارح يصرح بحاصل ذلك.
قوله: [كترتبهم في الحمالة]: تشبيه فيما إذا كانوا حملاء غير غرماء ولم يشترط حمالة بعضهم عن بعض وقال لهم: أيكم شئت أخذت بحقي كما بينه الشارح قبل.
قوله: [كما هو ظاهر]: أي لكونه لم يكن بعضهم حميلاً عن بعض.
قوله: [إلا أنه إن قال]: أي أيكم شئت أخذت بحقي.
وقوله: [آخذ كلاً]: أي أي واحد، بخلاف ما إذا اشترط حمالة بعضهم عن بعض ولم يقل أيكم شئت إلخ فإنه يأخذ جميع الحق ممن وجده إن عدم غيره أو مات كما تقدم.
قوله: [بفتح الميم وكسر القاف]: أي اسم مفعول من الثلاثي وأصله ملقوي كمرمى ومبنى، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وقلبت الضمة كسرة.
قوله: [ثم إذا لقي أحدهما الثالث أخذ منه خمسين]: أي فكل يأخذ منه خمسين فيصير المأخوذ منه مائة هي التي عليه بالأصالة.
قوله: [أي بناء على تأويل الأكثر]: أي وأما على تأويل الأقل فيقاسمه في الثلثمائة على كل مائة وخمسون؛ لأنه يقول له إذا أديت ثلثمائة أنت حميل معي بها فيأخذ منه مائة وخمسين، فإذا ألقى أحدهم الثالث قاسمه فيما دفعه وهو المائة والخمسون فيأخذ منه خمسة وسبعين فرجع الأمر في المبدأ إلى توافق القولين، وإنما يختلفان في المنتهى. وتظهر أيضاً فائدة القولين فيما إذا غرم الأول مائة فأقل لعدم وجود غيرها عنده، فعلى قول الأكثر لا رجوع له على من لقيه بشيء إذ لا رجوع له بما يخصه، وعلى قول الأقل: يقاسمه فيما غرم. ولو غرم الأول مائة وعشرين لعدم وجود غيرها فعلى قول الأكثر: يأخذ من الملقى عشرة، وعلى مقابله: يأخذ ستين كذا يؤخذ من الأصل.
قوله: [ثمانية صور]: المناسب ثمان صور.
стр. 691
إما أن يكونوا حملاء أو غرماء. فإن لم يشترط لم يأخذ كلاً إلا بحصته؛ إذا لم يقل: أيكم إلخ. فإن قال ذلك أخذ كلاً بجميع الحق. وإن اشترط فكذلك سواء، قال: أيكم شئت أخذت بحقي أو لا، إلا أنه إذا قال فله أخذ الجميع ولو كان الباقي حاضراً ملياً. وإذا لم يقل يأخذ جميع الحق إلا عند تعسر الأخذ من الباقي بموت أو غيره. والتراجع قد علم مما تقدم. وهذه الثمانية غير مسألة الترتب.
ثم شرع في بيان القسم الثاني من الضمان،
ــ
قوله: [إما أن يكونوا] إلخ: هنا إسقاط إن بعد إما بدليل نصب الفعل.
قوله: [حملاء]: أي فقط.
قوله: [أو غرماء]: أي مع قطع النظر عن كونهم حملاء أو لا.
قوله: [فإن لم يشترط لم يأخذ كلاً] إلخ: راجع لقوله أولا وظاهره لا فرق بين كونهم حملاء وغرماء أو حملاء فقط فرجعت لصورتين فإن قال ذلك أخذ كلاً بجميع الحق أي كانوا حملاء فقط أو حملاء وغرماء فهاتان صورتان.
قوله: [وإن اشترط فكذلك]: راجع لأول الأقسام وتحتها صور أربع كالأربع المتقدمة.
قوله: [لم يأخذ جميع الحق]: أي ممن وجده بل يأخذ حصته.
قوله: [بموت أو غيره]: أي وهو العدم والغيبة.
تنبيه: من ذلك مسألة المدونة - التي أفردها بعضهم بالتأليف - وهي: أن ستة أشخاص اشتروا سلعة بستمائة درهم من شخص على كل واحد منهم مائة بالأصالة والباقي بالحمالة. وقد جمع بعضهم كيفية التراجع فيها على وجه يسهل تناوله على المبتدئ فقال: إذا لقي رب الدين الأول أخذ منه ستمائة: مائة أصالة وخمسمائة حمالة عن أصحابه الخمسة، فإذا لقي الأول الثاني غرم له ثلثمائة أصالة ومائتين حمالة عن أصحابه الأربعة عن كل واحد خمسون، فإذا لقي الأول والثاني الثالث غرم للأول خمسين أصالة وخمسة وسبعين حمالة عن أصحابه الثلاثة عن كل واحد خمسة وعشرون وغرم أيضاً للثاني خمسين أصالة وسبعة وثلاثين ونصفاً حمالة عن أصحابه الثلاثة عن كل واحد اثنا عشر ونصف، فإذا لقي الأول والثاني والثالث الرابع غرم للأول خمسة وعشرين أصالة وخمسة وعشرين حمالة عن صاحبيه عن كل واحد اثنا عشر ونصف وغرم أيضاً للثاني سبعة وثلاثين ونصفاً أصالة وخمسة وعشرين حمالة عن صاحبيه عن كل واحد اثنا عشر ونصف، وغرم أيضاً للثالث سبعة وثلاثين ونصفاً أصالة واثني عشر ونصفاً حمالة عن صاحبيه عن كل واحد ستة وربع، فإذا لقي الأول والثاني والثالث والرابع الخامس غرم للأول اثني عشر ونصفها أصالة وستة وربعاً حمالة عن صاحبه وغرم للثاني أيضاً خمسة وعشرين أصالة وتسعة وثلاثة أثمان حمالة عن صاحبه وغرم أيضاً للثالث أحداً وثلاثين وربعاً أصالة وسبعة وستة أثمان ونصف ثمن حمالة عن صاحبه وغرم للرابع أيضاً أحداً وثلاثين وربعاً أصالة وثلاثة وسبعة أثمان وربع ثمن حمالة على صاحبه، فإذا لقي الأول والثاني والثالث والرابع والخامس السادس غرم للأول ستة وربعاً أصالة وغرم للثاني خمسة عشر وخمسة أثمان أصالة وغرم للثالث ثلاثة وعشرين وثلاثة أثمان ونصف ثمن أصالة وغرم للرابع سبعة وعشرين وأربعاً وثلاثة أرباع ثمن أصالة وغرم للخامس سبعة وعشرين وربعاً وثلاثة أرباع ثمن أصالة؛ فقد وصل لكل ذي حق حقه والسلام. وقد ضبطه على هذا الوجه العلامة (شب) في جدول:
стр. 692
وهو ضمان الوجه فقال:
(وضمان الوجه) هو (التزام الإتيان بالغريم عند) حلول (الأجل وبرئ) من الضمان (بتسليمه): أي المضمون (له): أي لرب الحق (وإن) كان المضمون (عديماً)، لأنه لم يضمن إلا وجهه (أو) كان المضمون (بسجن): أي فيه بأن يقول له: غريمك في هذا السجن فشأنك به (أو) سلمه له (بغير البلد): أي غير بلد رب الحق أو غير البلد التي وقع بها [١] التعامل والضمان (إن كان به): أي بغير البلد (حاكم) يقضي بالحق.
(و) برئ الضامن (بتسليمه): أي المضمون نفسه لرب الحق (إن أمره) الضامن (به) أي بالتسليم بأن قال: اذهب لرب الحق وسلمه نفسك ففعل، فإن لم يأمره به لم يبرأ
ــ
قوله: [وهو ضمان الوجه]: المراد بالوجه الذات وهو مجاز مرسل من إطلاق اسم البعض وإرادة الكل ولا يلزم هذا الضمان إلا أهل التبرع كضمان المال.
قوله: [وبرئ الضمان]: هكذا نسخة المؤلف ولعل "من" ساقطة والأصل من الضمان.
قوله: [أو كان المضمون بسجن]: في حيز المبالغة ومحل البراءة بذلك ما لم يشترط رب الدين على الضامن تسليم المضمون بمجلس الحكم وإلا فلا يبرأ بذلك. وبراءته بتسليمه له في السجن تحصل سواء كان مسجوناً بحق أو باطل لإمكان أن يحاكمه رب الدين عند القاضي الذي حبسه. فإن منع هذا الطالب منه ومن الوصول إليه جرى ذلك مجرى موته وهو يسقط الكفالة وبه العمل قال في نظم العمليات:
وضامن مضمونه قد حضرا ... بموضع إخراجه تعذرا
يكفيه ما لم يضمن الإحضار له ... بمنزل الشرع فتلك المنزلة
اهـ (بن).
قوله: [إن كان به] إلخ: المراد إن كان ذلك البلد الذي أحضر فيه يمكنه خلاص الحق فيه سواء كان بحاكم أو جماعة المسلمين.
قوله: [إن أمره الضامن به]: أي لأنه إذا أمره به وسلم نفسه كان كوكيل الضامن في التسليم.
قوله: [فإن لم يأمره به لم يبرأ] إلخ: محل عدم براءته إذا سلمه نفسه من
стр. 693
(وحل الحق) في جميع ما تقدم. (وإلا) بأن فقد شيء مما تقدم (أغرم) الضامن الحق لربه (بعد تلوم خف) من الحاكم بالنظر لعل الضامن أن يأتي به ومحل التلوم (إن) كان المضمون حاضراً أو (قربت غيبته كاليومين) لا أكثر، فإن بعدت غيبته كالثلاثة فأكثر غرم مكانه. (و) إذا حكم عليه بالغرم بعد التلوم أو بلا تلوم في بعيد الغيبة فأحضر المضمون (لا ينفعه إحضاره بعد الحكم) به عليه (لا) يغرم (إن أثبت عدمه) أي عسره عند حلول الأجل (في غيبته) أي المضمون. وأما الحاضر فلا بد من تسليمه لرب الحق إذ لا بد في ثبوت عسره من يمين من شهدت له البينة بالعدم بخلاف الغائب فيكفي مجرد البينة (أو) أثبت (موته) ولو حكم الحاكم بالضمان، لأنه حكم تبين خطؤه: والمراد ثبت العدم بعد موته قبل الحكم عليه فإن ثبت موته بعد الحكم غرم.
(وللزوج رده): أي ضمان الوجه عن زوجته إذا ضمنت، ولو كان دين المضمون أقل من ثلثها لأنه يقول: قد تحبس أو تخرج للخصومة أو لطلب المضمون وفي ذلك معرة، وهذا إن ضمنت بغير إذن زوجها، وإلا فليس له رده. ومثل ضمان الوجه: ضمان الطلب.
ثم شرع في بيان القسم الثالث، وهو ضمان الطلب فقال:
(وضمان الطلب: التزام طلبه) والتفتيش عليه إن تغيب ثم يدل رب الحق عليه [١] (وإن لم يأت به) لرب الحق، ولذا صح ضمان الوجه في غير المال من الحقوق البدنية كالقصاص والتعازير والحدود، بخلاف ضمان الوجه.
وأشار إلى صيغته المحققة له، وأنها إما بصريح لفظه وإما بضمان الوجه مع شرط نفي ضمان المال بقوله: (كـ: أنا حميل بطلبه) أو على طلبه أو لا أضمن وإلا [٢] طلبه (أو اشترط نفي المال) كأن يقول: أضمن وجهه بشرط عدم غرم المال إن لم أجده (أو) قال: (لا أضمن إلا وجهه): أي دون غرم المال فضمان طلب.
(و) إذا ضمنه كذلك (طلبه بما يقوى عليه) عادة (إن غاب) عند حلول الأجل عن البلد وما قرب منه (وعلم موضعه). وأما الحاضر فيطلبه في البلد وما قاربه إذا جهل موضعه. ومفهوم "وعلم" إلخ: أنه إن غاب ولم يعلم موضعه أنه لا يكلف بالتفتيش عنه، وهو كذلك. فإن ادعى أنه لم يجده صدق. (وحلف ما قصر) في طلبه ولم يعلم موضعه.
(ولا غرم) عليه (إلا إذا فرط) في الطلب حتى لم يتمكن رب الحق منه فإنه يغرم؛ كأن طلبه في المكان الذي يظن أنه لا يكون به وترك ما يظن أنه به. وأولى إن هربه أو علم موضعه ولم يدل رب الحق عليه (وحمل) الضمان (في مطلق) قول الضامن: (أنا حميل أو زعيم أو كفيل وشبهه) كـ أنا ضامن، أو: علي ضمانه، أو: أنا قبيل، أو: عندي وإليّ وعليّ (علي) ضمان (المال، على الأصح) عند ابن يونس وابن رشد وغيرهما.
ــ
غير أمر من الضامن ما لم يقل الضامن: أضمن لك وجهه بشرط أنك إذا قدرت عليه أو جاء بنفسه سقط الضمان عني، فإن قال ذلك عمل بشرطه.
قوله: [وحل الحق]: شرط ثان أي فلا يبرأ بما ذكر إلا إذا كان وقت التسليم حل الحق على المضمون، وسواء حل على الضامن أم لا كما لو أخره رب الحق وحلف أنه لم يقصد بذلك تأخير غريمه، قاله الأجهوري نقلاً عن بعض شيوخه.
قوله: [أغرم الضامن]: أي على المشهور، خلافاً لابن عبد الحكم القائل إنه لا يلزم ضامن الوجه إحضاره فإن لم يحضره لا غرم.
قوله: [بعد تلوم] إلخ: هذا في ضامن الوجه، وأما ضامن المال فهل يتلوم إذا غاب الأصل أو أعدم أو يغرم من غير تلوم قولان لابن القاسم المعتمد الثاني.
قوله: [والمراد ثبت العدم بعد موته قبل الحكم عليه]: صواب العبارة أن يقول: والمراد ثبت عدمه أو موته قبل الحكم عليه إلخ، فإن هذا التركيب فاسد
وقوله: فإن ثبت موته: أي أو عدمه، والمعنى: أن إثبات العدم أو الموت لا ينفع الضامن إلا إذا تبين أن حصولهما كان قبل الحكم عليه بالغرم - فتأمل.
قوله: [ولذا صح ضمان الوجه] إلخ: الصواب ضمان الطلب.
قوله: [كالقصاص]: حاصله أن ضمان الطلب إن كان المضمون فيه مال وفرط الضامن في الإتيان بالمضمون أو هربه فإنه يغرم ما عليه من المال. وإن كان الضمان في قصاص أو جرح أو حد أو تعزير ترتب على المضمون وفرط الضامن في الإتيان به أو هربه، فإنه يعاقب فقط على المذهب. ومقابله: إن لم يأت بالمضمون في القصاص أو الجرح لزمته الدية.
قوله: [وعلم موضعه] إلخ: أي لما في التوضيح والمواق نقلاً عن ابن القاسم: أن معلوم الموضع إن كان مثل الحميل يقدر على الخروج إليه في ذلك الموضع كلف بذلك، وإن تضعف عن ذلك لم يكن عليه أن يخرج
قوله: [وحلف ما قصر]: المتيطي: إذا خرج لطلبه ثم قدم وزعم أنه لم يجده برئ وكان القول قوله إذا مضت مدة يذهب فيها للموضع الذي هو فيه ويرجع، وغاية ما عليه أن يحلف أنه ما قصر في طلبه ولا دلس ولا يعرف له مستقراً وهذا قول ابن القاسم في العتبية، وهو مثل قوله في الأجير على تبلغ الكتاب - كذا في (بن) قوله: [كأن طلبه] إلخ: مثال للتفريط.
قوله: [وحمل الضمان في مطلق]: إلخ حاصله أنه إذا ذكر لفظاً من هذه الألفاظ وقيد بالوجه أو المال أو الطلب أو قامت قرينة على واحد، انصرف الضمان له ولا كلام. وإن قال أردت الوجه أو غيره
стр. 694
ومقابله: يحل على الوجه. والمراد بالمطلق: ما خلا عن التقييد بشيء من لفظ أو قرينة.
(باب)
في بيان الشركة وأحكامها وأقسامها
وهي بكسر الشين المعجمة وسكون الراء وبفتح الأولى وكسر الثانية وفتح فسكون لغة: الاختلاط. وشرعاً، ما أشار له بقوله: (الشركة عقد مالكي مالين) ومالكي: تثنية مالك، وقوله: (فأكثر): أي أكثر من مالك كثلاثة (على التجر) متعلق بعقد (فيهما) أي في المالين (معاً): أي مع أنفسهما أي كل منهما يتاجر في المالين مع صاحبه ولو كان كل واحد في مكان منعزل عن الآخر؛ لأن ما يحصل من ربح أو خسر يكون بينهما. وخرج بذلك الوكالة والقراض من الجانبين؛ إذ كل واحد منهما يتصرف فيما بيده للآخر استقلالاً، والشركة وقع فيها العقد على أن كل واحد يتصرف فيما بيده له ولصاحبه معاً.
وهذا إشارة إلى النوع الأول من الشركة، وهو شركة التجر.
وأشار إلى النوع الثاني: وهو شركة الأبدان بقوله: (أو) عقد (على عمل): كخياطة أو حياكة (بينهما، والربح) في النوعين (بينهما) على حسب ما لكل أو عمله (بما يدل عرفاً) فلا يشترط صيغة مخصوصة بل المدار على ما يحصل به الإذن والرضا من الجانبين، وهذا التعريف قصد به تعريف الشركة المعهودة بين الناس في التعامل، لا شركة الجبر كالإرث والغنيمة وشركة المتبايعين شيئاً بينهما.
(ولزمت به): أي بما يدل عليها من صيغة لفظية أو غيرها لفظية كـ: شاركني، فيرضى الآخر بسكوت أو إشارة أو كتابة فليس لأحدهما المفاصلة قبل الخلط إلا برضاهما معاً على المشهور المعول عليه.
فأركانها ثلاثة:
العاقدان، والمعقود عليه -وهو المال- والصيغة.
ثم بين الشروط المتعلقة بها فقال:
(وصحتها): أن تقع (من أهل التصرف): وهو الحر البالغ الرشيد
ــ
فقولان كما في ابن الحاجب. وإن ادعى أنه لم يرد شيئاً فاختلف هل يحمل على المال أو الوجه؛ اختار ابن يونس وابن رشد أنه يحمل على المال، ونقل المازري أنه يحمل على الوجه، والمعتمد الأول، ولذا اقتصر عليه الشارح ويدل له قوله ﵊ «الحميل غارم والزعيم غارم».
قوله: [ومقابله] إلخ: هو ما للمازري.
تنبيه: إن اختلفا بأن قال الضامن: شرطت الوجه أو أردته، وقال الطالب: بل المال، كان القول قول الضامن بيمين؛ لأن الطالب يدعي عمارة ذمة الأصل براءتها. وأما لو اختلفا في وقوع المضمون فيه حالاً أو مؤجلاً فالقول قول مدعي الحلول ولو كان هو الطالب اتفاقاً، بخلاف اختلافهما في حلول المؤجل، فالقول قول مدعي عدمه.
باب في بيان الشركة
لما أنهى الكلام على ما أراد من مسائل الضمان شرع في الكلام على الشركة لأنها تستلزم الضمان في غالب أقسامها، والمراد بالشركة: تعريفها.
قوله: [وأحكامها]: أي مسائلها المتعلقة بها.
وقوله: [وأقسامها]: أي الستة، وهي: المفاوضة، والعنان، والجبر، والعمل، والذمم، والمضاربة -وهي القراض- وذكرها مرتبة هكذا.
قوله: [وهي بكسر الشين]. . . إلخ: هذه اللغة الأولى أفصحها. قوله: [تثنية مالك]: أي فأصل "مالكي" مالكين لمالين حذفت النون للإضافة واللام للتخفيف. قوله: [أي أكثر من مالك]: صوابه أكثر من مالكين أي وأكثر من مالين إلخ فقوله كثلاثة أي كثلاثة مالكين لأموال ثلاثة. قوله: [أي كل منهما يتاجر في المالين] إلخ: أي فمصب المعية على التجر: أي فهما متحدان في التجر في المال ولو كان كل واحد في مكان منعزل عن الآخر كما قال الشارح، وليس المراد خصوص المعية في المكان. قوله: [لأن ما يحصل من ربح] إلخ: تعليل للمعنى المبالغ عليه بقوله ولو كان كل واحد " إلخ. قوله: [وخرج بذلك الوكالة والقراض]: أي بقوله معاً. وقوله: [من الجانبين]: عائد على كل من الوكالة والقراض، وأما من جانب فقد خرجا بقوله على التجر فيهما. قوله: [وهو شركة التجر]: أي في الأموال. قوله: [على عمل]: معطوف على " التجر " مسلط عليه " عقد " مع ملاحظة تجريد فاعل العقد الأول عن وصفه بالملكية للمالين بأن يزاد منه شخصان فأكثر، ويصير المعنى هكذا: أو عقد شخصين فأكثر على عمل إلخ. قوله: [بما يدل عرفاً]: حاصله أنها تلزم بكل ما دل عرفاً سواء كان قولاً فقط أو فعلاً فقط وأولى إذا اجتمعا. قوله: [لا شركة الجبر كالإرث] إلخ: أي فشركة الإرث والغنيمة وشركة المتبايعين شيئاً لا يقال لها شركة عرفاً، وإن كانت شركة لغة. وشركة الجبر الخارجة غير شركة الجبر الآتية - التي هي أحد الأقسام الستة؛ فإنها معدودة في الشركة العرفية كما يأتي. قوله: [شيئاً بينهما]: أي حصل لهما من غير تجر.
قوله: [ولزمت به] لزومها بما يدل عليها، قاله ابن يونس وعياض وهو مذهب ابن القاسم، ومذهب غيره أنها لا تلزم إلا بخلط المالين انضم لذلك صيغة أم لا. ثم إن ظاهر قوله: "ولزمت به" إلخ ولو كانت شركة زرع وهو أحد قولين. والآخر: لا تلزم إلا بالعمل المخصوص الذي هو البذر ونحوه كما يأتي. الأول لسحنون والثاني لابن القاسم.
قوله: [فأركانها ثلاثة]: أي إجمالاً، وأما تفصيلاً فخمسة: اثنان في العاقد واثنان في المعقود عليه والصيغة.
قوله: [وهو الحر] إلخ: المراد الحر حقيقة أو حكماً ليدخل
стр. 695
الذي يصح منه التوكيل والتوكل؛ فلا يصح من عبد إلا بإذن سيده أو كان مأذوناً من قبل في التجارة. قال في التوضيح: وكذا غيره من المحجور عليهم. (بذهبين) متعلق بصحتها: أي أخرج هذا ذهباً والآخر ذهباً ولو اختلفت السكة (أو ورقين): بأن أخرج هذا ورقاً والآخر ورقاً مثله (إن اتفقا): أي الذهبان أو الورقان (صرفاً) وقت العقد، لا إن اختلفا فيه كيزيدية ومحمدية مختلفي الصرف (وزناً) [١] لا إن اختلفا فيه كصغار من جانب وكبار من الآخر (وجودة أو رداءة) لا نحو يزيدية ومحمدية ولو اتفق الصرف فيهما ولو من الربح لصاحب الكبار أو الجيدة بقدر صرفها لأنه يرجع للتقويم في العين والعين لا تقوم. ولا تصح بتبر ومسكوك ولو ساوت جودة التبر سكة المسكوك للعلة المتقدمة. والحاصل: أن الشركة في النقد يشترط فيها الاتفاق في الأمور الثلاثة لتركبها من البيع والوكالة. فإن اختلفا في واحد منها فسدت الشركة. وعلته في اختلاف صرفهما: التفاوت إن دخلا على إلغاء الزائد، والرجوع للتقويم في النقد إن دخلا على اعتباره. والعلة في اختلاف الوزن: بيع نقد بنقد متفاضلاً، وفي اختلافهما بالجودة والرداءة: دخولهما على التفاوت في الشركة إن عملا على الوزن لا القيمة، وإن دخلا على القيمة فقد صرفا النقد للقيمة، وذلك يؤدي إلى بيع النقد بغير معياره الشرعي الذي هو الوزن. لكن قد يقال: لو أخرج أحدهما عشرين ديناراً كاملة أو عشرين ريالاً كذلك وأخرج الثاني أربعين نصفاً والصرف متحد - بأن كان صرف الدينار عشرة دراهم وصرف النصفين كذلك والوزن والجودة أو الرداءة متحدان لم يظهر للمنع وجه.
(و) تصح (بهما): أي بالذهب والفضة معاً (منهما) أي الشريكين -بأن أخرج أحدهما دنانير ودراهم كعشرة دنانير وعشرة دراهم وأخرج الثاني مثله - فتصح وتعتبر مساواة ذهب كل وفضته لذهب وفضة الآخر في الأمور الثلاثة المتقدمة.
(و) تصح (بعين) من جانب (وبعرض) من الآخر (وبعرضين) من كل جانب عرض (مطلقاً) اتفقا جنساً أو اختلفا كعبد وحمار أو ثوب. ودخل فيه طعام من جهة وعرض من أخرى.
(واعتبر كل) من العرضين أو العرض مع العين (بالقيمة يوم العقد) كالشركة في العين مع العرض بالعين وقيمة العرض، فإن كانت قيمته قدر العين فالشركة بالنصف وإن كانت قدرها مرتين فبالثلث والثلثين، وفي العرضين بقيمة كل فإن تساويا فبالنصف وإن تفاوتا فبحسب كل
ــ
المأذون له في التجارة، فإن شركته صحيحة ولو شارك بغير إذن سيده كما أفاده الشارح.
قوله: [الذي يصح منه التوكيل والتوكل]: أي إنما تصح ممن كان متأهلاً لأن يوكل غيره ويتوكل لغيره، لأن العاقدين للشركة كل واحد منهما وكيل عن صاحبه وموكل لصاحبه، فمن جاز له أن يوكل ويتوكل جاز له أن يشارك ومن لا فلا.
قوله: [فلا يصح من عبد] إلخ: فلو اشترك عبد غير مأذون له مع حر ثم خسر المال أو تلف رجع سيد العبد على الحر برأس المال إن استقل الحر بالعمل، لا إن عملا معاً فلا رجوع للسيد على الحر. وإن عمل العبد وحده فلا ضمان عليه للحر، إلا أن يغر العبد الحر بحريته فتكون خسارة مال الحر جناية في رقبة العبد الذي عمل، فإن كانا عبدين فلا ضمان على كل واحد منهما سواء عملا معاً أو أحدهما.
وينبغي أن يكون الحكم كذلك إذا اشترك صبي مع بالغ أو مع صبي أو اشترك سفيه مع مثله أو مع رشيد، إلا أنه لا يجري في الصغير والسفيه كونها جناية في رقبته وهو ظاهر انظر (عب) نقله محشي الأصل.
قوله: [وكذا غيره من المحجور عليهم]: تشبيه في حكم العبد.
قوله: [ولو اختلفت السكة]: أي فلا يضر كون أحد الذهبين سكته محمدية والآخر يزيدية مع فرض اتفاقهما في الجودة.
قوله: [وقت العقد]: أي فلا يضر الاختلاف في الصرف بعد العقد.
قوله: [مختلفي الصرف]: أي فمتى اختلف صرفهما منع ولو اتحدا وزناً وجودة.
قوله: [كصغار من جانب وكبار من الآخر]: أي وقوبل عدد الصغار بعدد الكبار مع إلغاء الوزن. وأما لو كان التعامل بالوزن وقوبلت أربعون من الصغار بوزن عشرين من الكبار لجاز. وهذا هو الذي يستدرك عليه بقوله: "لكن قد يقال" إلخ. قال في المجموع: لا بصغار وكبار إلا أن يتبع الصرف الوزن فتأمل.
قوله: [ولو من الربح] إلخ: هكذا نسخة المؤلف، والمناسب: ولو جعل من الربح إلخ.
قوله: [في الأمور الثلاثة]: أي التي هي الاتحاد في الوزن والصرف والجودة والرداءة.
قوله: [التفاوت]: أي ويأتي أنها تفسد بشرط التفاوت.
قوله: [والرجوع للتقويم] إلخ: أي لأنهم قد صرفوا النقد للقيمة وذلك يؤدي إلى بيع النقد بغير معياره الشرعي الذي هو الوزن في بيعه بجنسه.
قوله: [بيع نقد بنقد]: أي من نوعه وهو لا يجوز.
قوله: [دخولهما على التفاوت في الشركة]: أي وهو مفسد.
قوله: [لم يظهر للمنع وجه]: قد علمت صحة ذلك.
قوله: [في الأمور الثلاثة المتقدمة]: أي اتحاد الصرف والوزن والجودة والرداءة.
قوله: [ودخل فيه طعام من جهة]: أي فالمراد بالعرض ما قابل العين فيشمل الطعام.
قوله: [واعتبر كل من العرضين]: أي وهي المسألة الثانية.
وقوله: [أو العرض مع العين]: أي وهي المسألة الأولى.
قوله: [في العين مع العرض]: صفة للشركة وقوله: "بالعين" خير الشركة وقوله: [وقيمة العرض] معطوف على العين.
стр. 696
(إن صحت) الشركة. فإن فسدت - كما لو وقعت على التفاضل في الربح أو العمل - فلا تقويم ورأس مال كل ما بيع به عرضه إن بيع وعرف الثمن، لأن العرض في الفاسدة لم يزل على ملك ربه فإن بيع ولم يعرف ثمن كل اعتبر قيمة كل وقت البيع. وهذا معنى قوله: (وإلا) بأن فسدت (فيوم البيع): أي فتعتبر قيمته يوم البيع حصل خلط أو لا؛ لأنه وقت الفوات. وهذا ظاهر فيما إذا بيع فإن لم يبع أخذ كل عرضه. وفيما إذا لم يعلم ثمن ما بيع به فإن علم أخذ ثمن عرضه المعلوم. (كالطعامين): فإنها فاسدة كما يأتي وتعتبر فيهما القيمة يوم البيع إن بيع (قبل الخلط) ولم يعلم الثمن الذي بيع به، فإن بيع بعد الخلط اعتبرت القيمة فيهما يوم الخلط، لأنه وقت الفوات وفض الربح على القيم وكذا الخسر.
(لا) تصح الشركة (بذهب) من جانب (وبورق) من الجانب الآخر ولو عجل كل منهما ما أخرجه لصاحبه لاجتماع الشركة والصرف " فإن عملا فلكل رأس ماله الذي أخرجه ويفض الربح لكل عشرة دنانير دينار مثلاً، ولكل عشرة دراهم درهم.
(ولا تصح بطعامين) اختلفا جنساً أو صفة بل (وإن اتفقا) قدراً وصفة، خلافاً لابن القاسم في جواز المتفقين. وعللوه ببيع الطعام قبل قبضه لأن كل واحد منهما باع نصف طعامه بنصف طعام الآخر ولم يحصل قبض لبقاء يد كل واحد على ما باع. فإذا باعا لأجنبي كان كل منهما بائعاً لطعام المعاوضة قبل قبضه من بائعه.
ولما قدم أن الشركة تلزم بالعقد، فليس لأحدهما المفاضلة دون الآخر قبل النضوض، بين أن الضمان إذا تلف أحد المالين أو بعضه لا يحصل إلا بخلطهما ولو حكماً بقوله: (وما تلف) من مال الشركة (قبل الخلط) الحقيقي (ولو) الخلط (الحكمي فمن ربه) دون صاحبه؛ أي لا يتوقف الضمان منه
ــ
والمعنى أننا ننظر للعين مع قيمة العرض كما وضحه بالتفريع بعد.
قوله: [إن صحت الشركة] قيد في اعتبار القيمة يوم العقد بالنسبة للعرض مع العين أو العرضين.
قوله: [كما لو وقعت على التفاضل في الربح]: كما لو تساويا في المال وشرط لأحدهما ثلثا الربح.
وقوله: [أو العمل]: أي كما تساويا في المال والربح جعل على أحدهما ثلثا العمل.
قوله: [ما بيع به عرضه]: ما قاله الشارح مفروض في العرضين فقط. وأما الصورة الأولى - وهي عين من جانب وعرض من آخر - فيقال فيها: إذا فسدت إن اطلع على ذلك قبل التصرف في العرض والعين كان لهذا عينه ولهذا عرضه، وإن تصرف في العين والعرض بشيء آخر، فإن علم ما لكل فهو له، وإن جهل؛ نظر لقيمة العرض يوم البيع، وأخذ من هذا العرض لصاحب العرض بقدرها ولمثل الدراهم يوم البيع، وأخذ له بقدرها ويفض الربح أو الخسر عليهما على حسب كل، فتأمل.
قوله: [وفيما إذا لم يعلم] إلخ: المناسب تقديمه على قوله: "فإن لم يبع" إلخ. بأن يقول: وهذا ظاهر فيما إذا بيع ولم يعلم ثمن ما بيع به فإن لم يبع إلخ.
قوله: [كالطعامين]: تشبيه في الفاسد لا غير فإنها في الطعامين فاسدة على كل حال لقوله الآتي: "ولا تصح بطعامين" إلخ.
قوله: [اعتبرت القيمة فيهما يوم الخلط]: قال الناصر اللقاني: الفرق بين خلط الطعامين وخلط العرضين أن خلط العرضين لا يفيتهما لتميز كل واحد منهما، بخلاف خلط الطعامين فيفيتهما لعدم تميز أحدهما من الآخر فهو بمنزلة بيع العرضين في الفوات انتهى. وانظر: إذا لم يعلم يوم البيع في فاسد العرض والطعام حيث لم يحصل خلط أو جهل يوم الخلط ما الحكم؟ قال (شب): والظاهر أنه يعتبر يوم القبض كما هو قاعدة البيع الفاسد - وانظر إذا لم يعلم يوم القبض.
قوله: [لاجتماع الشركة والصرف]: فالشركة - من جهة - بيع كل منهما بعض ماله ببعض مال الآخر بقطع النظر عن كون أحد المالين ذهباً والآخر فضة، والصرف - من جهة - بيع أحدهما بمال الآخر منظور فيه لخصوص كون أحد المالين ذهباً والآخر فضة؛ فآل الأمر إلى أن بيع الذهب بالفضة هو الشركة والصرف لكنهما مختلفان بالاعتبار كما علمت. قال ابن عبد السلام: احتجاجه في المدونة على المنع بهذا التعليل غير بين؛ لأن العقود المتضمنة للشركة إنما يمنع من صحتها إن كانت تلك العقود خارجة عن الشركة، فإن كانت غير خارجة عنها لم تكن مانعة. وأجيب: بأن هذا في العقود المغايرة للصرف، وأما هو فمتى انضم للشركة اقتضى منعها، وإن كان غير خارج عنها لضيقه وشدته اهـ. ملخصاً من (بن).
قوله: [لبقاء يد كل واحد على ما باع]: أي لأن كل واحد صار شريكاً فيما قبضه من صاحبه وفيما دفعه له، فيد كل جائلة في مال كل، ولو حاز كل بالخصوص حصة الآخر فلا يعد ذلك الحوز قبضاً لنفسه، بل كل قابض لنفسه ولشريكه.
قوله: [ولو الخلط الحكمي]: هذا قول ابن القاسم. ورد المصنف ب "لو" على قول غيره في المدونة: لا يكون الخلط إلا بخلط المالين حساً.
قوله: [منه]: أي من رب التالف، المعنى أن: رب التالف يستمر الضمان عليه وحده ما دام لم يحصل خلط حقيقي ولا حكمي، فإن حصل الحقيقي أو الحكمي كان الضمان عليهما
стр. 697
على الخلط الحقيقي، بل على عدمه حقيقة أو حكماً. والحكمي: أن يكون كل مال في صرة على حدة وجعلا في حوز واحد كصندوق أو خزانة تحت أحدهما أو أجنبي (إن كان) مال الشركة (مثلياً) كعين.
(وإلا) بأن حصل التلف بعد الخلط ولو حكماً أو كان المال عرضاً (فمنهما) الضمان معاً، ولا يختص برب المال، فالعرض لا يشترط فيه الخلط كما قيد اللخمي به المدونة، ثم إذا تلف شيء قبل الخلط - وقلنا ضمانه من ربه فقط - فالشركة لم تنفسخ لما علمت أنها لازمة بالعقد.
(و) يكون (ما اشترى بالسالم فبينهما) على ما دخلا عليه من مناصفة أو غيرها (وعلى رب المتلف) بفتح اللام أي المال التالف (ثمن حصته) أي ثمن ما يخصه من الشركة نصفاً أو أقل أو أكثر (إلا أن يشتري) رب السالم بماله السالم (بعد علمه) بالتلف: أي تلف مال صاحبه (فله) الربح (وعليه) الخسر إلا أن يختار من تلف ماله الدخول معه، فله الدخول، إلا أن يدعي المشتري الأخذ لنفسه فلا دخول له معه. فمحل كونه بينهما لزوماً إذا لم يعلم بالتلف. وهذا على تأويل عبد الحق وابن يونس، وتأولها ابن رشد، على أن رب السالم إن اشترى قبل علمه بالتلف كان الخيار بين إدخال صاحبه معه أو يختص به. وإن اشترى بعد علمه بالتلف اختص به وكان له الربح وعليه الخسر. والتأويل الأول أظهر للزومها بالعقد. وكان ابن رشد تأولها على مذهبه من أن الشركة من العقود الجائزة لا اللازمة فلكل منهما أن يفك عن نفسه ما لم يحصل عمل، فتأمل. وقول الشيخ: "وهل" إلخ لا يؤخذ على ظاهره فإنه خلاف النقل. وقوله "تردد" حقه: تأويلان كما بينه شراحه.
(ولا يضر انفراد أحدهما): أي الشريكين (بشيء) من مال الشركة يتجر فيه (لنفسه): أي على حدة في مكان آخر في البلد أو في بلد أخرى [١]، على أن ما حصل من ربح في كل فهو بينهما ما دخلا عليه.
(ثم) الشركة قسمان: شركة مفاوضة وشركة عنان. ويترتب على كل منهما أحكام فأشار إلى الأولى بقوله: (إن أطلقا): أي أطلق كل واحد (التصرف، وإن) كان الإطلاق (بنوع) أي في نوع خاص - كالرقيق لصاحبه بالبيع والشراء والأخذ والعطاء دون توقف على إذن الآخر (فمفاوضة): أي فهي شركة مفاوضة، لأن كل واحد فوض لصاحبه التصرف. إلا أنه إذا لم يقيد بنوع تسمى مفاوضة عامة، وإذا خصت بنوع سميت مفاوضات خاصة أي بنوع الذي أطلق التصرف فيه.
(وله): أي لأحد المتفاوضين (التبرع): في مال الشركة بغير إذن شريكه بشيء كهبة وحطيطة لبعض ثمن بالمعروف (إن استألف به): أي بالتبرع قلوب الناس للتجارة (أو خف) المتبرع به (كإعارة آلة): كحبل ودلو وإناء (ودفع كسرة) لفقير (و) له أن (يبضع) من مال الشركة، بأن يعطي، إنساناً مالاً منه ليشتري له بضاعة من بلد كذا.
(ويقارض): بأن يعطي مالاً لغيره قراضاً حيث اتسع المال وإلا منع. (ويودع) وديعة منه (لعذر) اقتضى الإيداع (وإلا) يكن الإيداع لعذر (ضمن) إن ضاعت الوديعة. (و) له أن (يشارك في) شيء (معين) أجنبياً حيث لا تجول يده في مال للشركة. (و) أن (يقبل المعيب): إذا باعه هو أو شريكه ثم رد بالعيب (وإن أبى الآخر
ــ
وفي عبارة المتن والشرح تعقيد لا يخفى.
قوله: [على الخلط]: أي على عدمه فالكلام على حذف مضاف.
قوله: [فبينهما]: قرنه بالفاء لما فيهما من العموم، لأن المبتدأ إذا كان عاماً فإنه يجوز اقترانه بالفاء.
قوله: [أي ثمن ما يخصه]: أي فإذا اشترى بالسالم سلعة بمائة فعلى الذي تلف ماله نصف المائة حيث كانت الشركة على المناصفة.
قوله: [لا يؤخذ على ظاهره] إلخ: حاصله أن خليلاً قال: وهل إلا أن يعلم بالتلف فله وعليه؟ أو مطلقاً إلا أن يدعي الأخذ له؟ تردد فكلامه يوهم خلاف المراد من التأويلين وقد علمت المراد منهما.
قوله: [ولا يضر انفراد أحدهما]: أي خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في فسادها مطلقا تساويا في عمل الشركة أو لا.
قوله: [ثم الشركة قسمان]: أي المشهورة المعهودة بين الناس وإلا فتقدم أنها ستة أقسام.
قوله: [إن أطلقا]: اعلم أن إطلاق التصرف إما بالنص عليه أو بالقرينة، وأما لو قالا: اشتركنا فقط، وليس هنا قرينة - ولا تقييد بعنان ولا مفاوضة - احتاج كل لمراجعة صاحبه وكانت عناناً.
قوله: [فمفاوضة]: أي تسمى بذلك، وهي بفتح الواو: من تفاوض، الرجلان في الحديث إذا شرعا فيه.
قوله: [أو خف المتبرع به]: أي وإن لم يكن للاستئلاف.
قوله: [بأن يعطي مالاً لغيره قراضاً]: أي بجزء من الربح شركة.
قوله: [حيث اتسع المال]: راجع لمسألة الإبضاع والقراض.
قوله: [وله أن يشارك في شيء معين]: ظاهره كانت الشركة في ذلك المعين مفاوضة أو غيرها، وهو كذلك كما قاله (ر).
قوله: [في مال الشركة]: متعلق بتجول وهو على حذف مضاف أي: في باقي مال الشركة.
قوله: [وأن يقبل المعيب] إلخ: أي لأن كلاً من وكيلي المفاوضة كوكيل عن صاحبه في البيع والشراء والأخذ والعطاء، فيرد على حاضر لم يتول، إن بعدت غيبة شريكه بأن كان على مسافة عشرة أيام مع الأمن أو يومين مع الخوف، وإلا انتظر
стр. 698
و) له أن (يقر بدين) عليه من مال الشركة (لمن لا يتهم عليه)، ويلزم شريكه الآخر، لا لمن يتهم عليه؛ كابن وزوجة وصديق ملاطف فلا يلزم صاحبه.
(و) له أن (يبيع) سلعة من مال الشركة (بدين): أي بثمن لأجل معلوم.
(لا) يجوز له (الشراء به): أي بالدين؛ لأنه إذا اشترى سلعة [١] بدين في ذمته للشركة من غير إذن شريكه، لم يكن لصاحبه شيء من ربحها ولا عليه شيء من خسارتها؛ لأنهما من شركة الذمم وهي لا تجوز، لئلا يأكل شريكه ربح ما لم يضمن أو يغرم ما ليس عليه، لأن ضمان الدين من المشتري وحده. فإن أذن له في سلعة معينة جاز؛ لأنه صار بالإذن له وكيلاً عنه فيما يخصه، فكانا بمنزلة رجلين اشتريا سلعة بينهما بدين فإنه جائز قطعاً. ثم إن اشترط البائع ضمان كل عن صاحبه جاز له أخذ الثمن من أيهما شاء، وإن لم يشترط لم يلزم كل واحد منهما إلا ما يخصه، وقد تقدم هذا. فعلم أن محل المنع إذا اشترى أحد الشريكين بدين في ذمته بلا إذن صاحبه. وأصله للخمي، لكنه قيد المنع بما إذا طال الأجل لا إن كان كاليومين والثلاثة لأنه من ضرورات البيع والشراء، وإذا منع لطول الأجل فصاحبه له الخيار في القبول والرد؛ فإن رد اتبع المشتري خاصة بالثمن وعبارته في التبصرة: ولا يشتري بثمن مؤجل، فإن فعل وكان بغير إذن شريكه فالشريك بالخيار بين الرد والقبول فيكون الثمن على المشتري خاصة، ثم قال: ويجوز لأحد الشريكين أن يشتري ما لا يكون ثمنه معه على النقد بعد اليومين والثلاثة، وهذا مما لا بد منه، ثم الذي مشى عليه ابن الحاجب: أنه يجوز له البيع والشراء بالدين أي نظراً لأن المفاوضة إذن بالشراء مطلقاً وإن لم يصرح بالإذن عند الشراء، وهو قول ابن رشد. وظاهر المدونة في قولها: وما ابتاع أحد المتفاوضين من بيع صحيح أو فاسد لزم الآخر ويتبع البائع بالثمن أو القيمة في فوت الفاسد أيهما اهـ. وهو شامل للشراء بالنقد وبالدين، وإنما يظهر التعليل بشركة الذمم في شركة العنان لا المفاوضة.
وأصل شركة الذمم الممنوعة عند مالك وأصحابه: أن يتفق اثنان مثلاً على أن كل من اشترى منهما سلعة بدين يكون الآخر شريكاً له فيها (واستبد): أي استقل (آخذ قراض) من أحد الشريكين: أي آخذ مال من أحد ليعمل فيه قراضاً بالربح الذي جعله له رب المال وأخذه بإذن شريكه؛ لأن مال القراض خارج عن الشركة. ويجوز إن أذن له شريكه
ــ
ليرد عليه لجواز أن يكون له حجة، ولا يخفى ما في كلام الشارح من الإجمال، وقد علمت تفصيله تأمل.
قوله: [وله أن يقر بدين]: أي في حال المفاوضة قبل التفرق وقبل موت شريكه، وأما إن أقر بعد تفرق أو موت فهو شاهد في غير نصيبه.
قوله: [فلا يلزم صاحبه]: أي وأما هو فيؤخذ به في ذمته مفهوم بدين أنه لو أقر أن هذه السلعة ليست من سلع التجارة، بل وديعة لفلان فإنه يصدق بالأولى من الإقرار بالدين، وهذا واضح إذا شهدت بينة بأصل الوديعة وإلا كان تعيينه للوديعة كإقراره بها، وحكمه أنه يكون شاهداً سواء حصل تفرق أو موت أو لا.
قوله: [بدين] إلخ: فإن باع بالدين وفلس المشتري، أو مات بعدما ضاع الثمن عليهما معاً لا على البائع وحده، لأنه فعل ابتداء ما يسوغ له.
قوله: [لأنهما من شركة الذمم]: هكذا في نسخة المؤلف، والمناسب: " لأنها " وهي عبارة الأصل.
قوله: [لئلا يأكل شريكه] إلخ: هذا راجع للأولى التي هي الربح.
وقوله: [أو يغرم ما ليس عليه]: إلخ راجع للثانية التي هي الخسارة.
قوله: [وقد تقدم هذا]: أي في باب الضمان.
قوله: [وأصله للخمي] إلخ: قصد بهذه العبارة التورك على المتن، حيث مشى على كلام اللخمي ولم يذكر تقييده.
قوله: [وإذا منع لطول الأجل]: أي إذا قلتم بحرمة قدوم الشريك على الشراء بالدين مع طول الأجل فصاحبه له الخيار.
قوله: [وعبارته]: أي اللخمي لأن التبصرة له.
وحاصل ما ذكره الشارح أن أحد شريكي المفاوضة إذا اشترى بالدين، فإما أن يكون بإذن شريكه أو لا، وفي كل: إما أن تكون السلعة معينة أو لا، فإن كان بغير إذن شريكه فالمنع وربحها له وخسرها عليه، إن لم يكن الأجل قريباً كاليومين ولم يحصل من الشريك الآخر إجازة بعد، وإن كان بإذنه جاز إن كانت السلعة معينة وإلا منع، وهذا خلاف ما مشى عليه ابن الحاجب وابن شاس، واختاره ابن عرفة من جواز شراء أحد الشريكين بالدين إذ لا بد للناس من ذلك، وحينئذ فلا فرق بين البيع بالدين والشراء به في شركة المفاوضة، وإنما شركة الذمم الممنوعة مخصوصة بشركة العيان. وأصلها عند مالك وأصحابه أن يتفق اثنان على أن كل من اشترى منهما سلعة بدين يكون الآخر شريكاً له فيها، وقد أفاد (بن) أن هذا الأخير هو الحق.
قوله: [وأصل شركة] إلخ: إنما فسدت لأنها من باب تحمل عني وأتحمل عنك، وهو ضمان بجعل وأسلفني وأسلفك وهو سلف جر منفعة.
تنبيه: لا يجوز لشريك المفاوضة كتابة لعبيد للتجارة، ولا عتق على مال يتعجله من العبد ولو أكثر من قيمته لأن له أخذه منه مجاناً، وأما من أجنبي فإن كان قدر القيمة فأكثر جاز كبيعه، ولا يجوز له أيضاً إذن لعبد من عبيد الشركة في تجارة لما فيه من رفع الحجر عنه.
قوله: [أي آخذ مال]: فيه إشارة إلى أن المراد بالقراض المال.
وقوله: [ليعمل فيه قراضاً]: أي تجراً لأن القراض
стр. 699
أو كان العمل فيه لا يشغله عن العمل في الشركة.
(و) استبد (متجر بوديعة) عنده (بالربح والخسر) دون شريكه (إلا أن يعلم شريكه بتعديه في الوديعة) ويرضى بذلك، فالربح لهما والخسر عليهما.
(والعمل): بينهما في مال الشركة يجب أن يكون بينهما بقدر المالين، (والربح والخسر) يكون بينهما (بقدر المالين) مناصفة وغيرها وصحت الشركة إن دخلا على ذلك أو سكتا ويقضي عليهما بذلك (وفسدت بشرط التفاوت) في ذلك عند العقد ويفسخ إن اطلع على ذلك قبل العمل، فإن اطلع عليه بعده فض الربح على قدر المالين. (ورجع كل) منهما على صاحبه (بما) يثبت (له عند الآخر من أجر عمل أو ربح) فإذا كان لأحدهما ثلث المال كعشرة وللآخر الثلثان كعشرين ودخلا على المناصفة في العمل والربح فصاحب الثلثين يرجع على صاحب الثلث بسدس الربح ويرجع صاحب الثلث على صاحب الثلثين بسدس أجرة عمله. فإن شرط [١] التساوي في الربح فقط وكان العمل بقدر المالين رجع صاحب الثلثين على صاحب الثلث بسدس الربح ولا رجوع لصاحب الثلث بشيء. وإن شرطا التساوي في العمل فقط رجع صاحب الثلث بسدس أجر عمله ولا رجوع لصاحب الثلثين بشيء، وهكذا.
(وله): أي لأحد الشريكين (التبرع) لصاحبه بشيء من الربح أو العمل بعد العقد على الصحة، فإذا عقدا على أن لصاحب ثلث المال الثلث من الربح وعليه ثلث العمل فالعقد صحيح، وله أن يعمل بعد ذلك النصف أو أكثر، ولصاحب الثلثين أن يتبرع له بشيء من ربحه لأنه من باب المعروف والصلة (و) له (الهبة) لصاحبه والسلف بأن يسلف صاحبه شيئاً (بعد العقد) الواقع صحيحاً لا حينه.
(والقول) في تنازعهما في التلف أو الخسر (لمدعي التلف والخسر) لأنه أمين ويحلف إن اتهم،
وهذا إن لم يظهر كذبه وإلا غرم (أو أخذ لائق به) من طعام أو شراب أو كسوة أي أن أحد الشريكين إذا اشترى شيئاً من ذلك يناسبه وادعى أنه اشتراه لنفسه أو لعياله وادعى الآخر أنه اشتراه للشركة، فالقول لمن ادعى أنه اشتراه لنفسه إذا كان لائقاً به لا إن كان غير لائق أو كان عروضاً أو عقاراً أو حيواناً فالقول لمن ادعى أنه للشركة. (و) القول (لمدعي النصف) عند تنازعهما فيه وفي غيره لأنه الأصل إن حلفا، وكذا إن نكلا، ويقضي للحالف على الناكل، هذا قول أشهب. وقال ابن القاسم: إن ادعى أحدهما النصف والآخر الثلثين أعطى مدعي النصف الثلث ومدعي الثلثين النصف وقسم السدس بينهما.
(و) القول لمدعي (الاشتراك فيما): أي في مال (بيد أحدهما) دون مدعيه لنفسه (إلا لبينة) تشهد للجائز (بكارثة) وأنه متأخر عن الشركة، بل (وإن قالت لا نعلم تأخره عنهما): أي عن الشركة فيكون للحائز الذي ادعاه لنفسه، فإن قالت: نعلم تقدمه عليها فهو بينهما إلا أن تشهد بإخراجه عنها.
ــ
يطلق على المال المأخوذ ويطلق على التجر به.
قوله: [أو كان العمل فيه لا يشغله]: أي فيجوز ولو بغير إذن شريكه.
قوله: [عنده]: لا مفهوم له، بل لا فرق بين كونها عنده أو عند شريكه أو عندهما كما هو ظاهر المدونة، ونصها: وإن أودع رجل أحدهما وديعة فعمل فيها تعدياً فربح، فإن علم شريكه بالعداء ورضي بالتجارة فلهما الربح والضمان عليهما، وإن لم يعلم فالربح للمتعدي والضمان عليه خاصة. فظاهرها أن رضا الشريك ينزل منزلة عمله معه سواء علم بالتعدي في الوديعة التي عندهما أو عند أحدهما كان هو المتجر أو غيره، وذكر بعضهما أنه إن رضي الشريك وعمل معه كان له أجر مثله فيما إذا أعانه وعليه الضمان، وإن رضي ولم يعمل فلا شيء له ولا ضمان عليه اهـ. (بن).
قوله: [بعد العقد]: أي ولو كان بأثره، والجواز مبني على أن اللاحق للعقود ليس كالواقع فيها.
قوله: [لا حينه]: ما ذكره الشارح من منع التبرع والهبة والسلف حال العقد هو ما في (شب) والذي في (عب) أنه مسلم في غير السلف، وأما السلف فيمنع قبل العقد مطلقاً، وأما حينه فيفصل بين كون المتسلف ذا بصيرة بالبيع والشراء فيمنع لأنه سلف جر نفعاً، وإلا فيجوز وهو قول ابن القاسم، وقد رجع عنه مالك وقال بالمنع مطلقاً.
قوله: [لمدعي التلف] إلخ: التلف ما نشأ لا عن تحريك بل بأمر سماوي أو لص، وأما الخسر فهو ما نشأ عن تحريك.
قوله: [ويحلف إن اتهم]: أي اتهمه صاحبه وإن كان في ذاته غير متهم.
قوله: [وهذا إن لم يظهر كذبه]: أي بالبينة أو القرائن كدعواه التلف وهو في رفقة لا يخفى عليهم ذلك ولم يعلم به أحد منهم، وكدعواه الخسارة في سلعة مرغوب فيها سعرها مشهور.
قوله: [أو كان عروضاً]: أي من غير جنس ما يكسى به ليغاير ما قبله.
قوله: [والقول لمدعي النصف] إلخ: هذا كله إذا وقع التنازع بين اثنين، وإلا قسم المال على عدد الرؤوس كما قال ابن غازي.
قوله: [والقول لمدعي الاشتراك]: حاصله: أن الشركة إذا انعقدت بينهما ثم ادعى أحدهما على شيء رآه بيد شريكه أنه للشركة، وادعى الآخر الاختصاص فالقول قول من ادعى الشركة إذا شهدت البينة
стр. 700
(وألغيت نفقتهما) على أنفسهما (وكسوتهما) فلا يحسبان عند النضوض أو المفاوضة (وإن) كانا كله [١] (ببلدين): أي كان كل واحد منهما ببلد غير التي بها [٢] الآخر (مختلفي السعر) ولو اختلافاً بيناً بشرط أن يتساويا أو يتقاربا في النفقة
وأن يتساويا في المال بأن كانت الشركة على النصف فإن لم يتساويا فكل واحد على قدر ماله. (كعيالهما): أي كما تلغى النفقة والكسوة على عيالهما (إن تقاربا) عيالاً ونفقة. (وإلا) يتقاربا (حسبا) ما أنفقه كل واحد ورجع ذو القليل على ذي الكثير بما يخصه. (كانفراد أحدهما بها): أي بالنفقة على نفسه أو العيال فإنه يحسب، وما قيل من أن من انفرد بالنفقة على نفسه لا يحسب فيه نظر.
ثم أشار إلى القسم الثاني من قسمي الشركة بقوله:
(وإن شرط [٣] نفي الاستبداد) بالتصرف؛ بل كل واحد يتوقف تصرفه على إذن الآخر (فعنان): أي فهي شركة عنان.
فإن تصرف أحدهما بلا إذن فللثاني رده وضمن إن ضاع ما تصرف فيه؛ مأخوذ من عنان الدابة كأنّ كل واحد أخذ بعنان صاحبه. فإن اشترط نفي الاستبداد من أحدهما فقط فهل صحيحة - وتكون مطلقة من جهة دون جهة - أو فاسدة؟ لأن الشركة يقتصر فيها على ما ورد، واستظهره بعضهم.
(و) لو قال إنسان لآخر: (اشتر) كذا (لي ولك) والثمن بيننا (فوكالة أيضاً): أي فهي وكالة فقط بالنسبة لتولي الشراء كما أنها بالنسبة لذات السلعة المشتراة شركة. وإذا كان وكيلاً في الشراء كان له طلبه بالثمن الذي أداه عنه لبائعها (فليس له حبسها) عنده في نظير الثمن سواء قال له: وانقد عني، أو لم يقل. (إلا أن يقول له): اشترها لي ولك (واحبسها) عندك حتى أوفيك الثمن (فكالرهن) فله حبسها حتى يوفيه الثمن ويكون أحق بها في فلس أو موت حيث حبسها وعليه ضمانها ضمان الرهان.
(وجاز): اشتر لي ولك (وانقد عني) ما يخصني من الثمن لأنه من المعروف، إذ هو سلف له ووكالة عنه في الشراء، ومحل الجواز (إن لم يقل: وأنا أبيعها عنك): أي أتولى بيعها عنك، وإلا منع لأنه سلف جر نفعاً. فإن وقع كانت السلعة بينهما ولا يتولى البيع فإن تولاه كان له جعل مثله.
(و) جاز: اشتر لي ولك وأنا (أنقد عنك)؛ لأنه معروف (إلا لخبرة المشتري) بالشراء فلا يجوز لما فيه من السلف بمنفعة.
ــ
بتصرفهما تصرف المتفاوضين، إلا أن تشهد بينة لمدعي الاختصاص أنه ورثه أو وهب له فإنه يختص به ولا يكون للشركة؛ لأن الأصل عدم خروج الأملاك عن يد أربابها، وسواء قالت البينة: إن ذلك متأخر أو قالت: لا علم لنا، وأما لو قالت: نعلم تقدمه فهو للشركة. وزاد في الحاشية رابعة: وهي ما إذا لم يحصل من البينة قول أصلاً زيادة على قولها ورث أو وهب، وحكمه أنه لمدعي الاختصاص. فتحصل أنها متى قالت: نعلم تقدمه فهو للشركة، إلا أن يخرجوه، ومتى قالت: نعلم تأخره أو لا علم لنا، أو سكتت، فهو لمدعي الاختصاص، إلا أن يدخلوه.
قوله: [وأن يتساويا في المال] إلخ: أي كما لابن عبد السلام حيث قال محل إلغاء النفقة على أنفسهما إن تساوى المالان، فإن لم يتساويا وكانت الشركة أثلاثاً حسبت نفقة كل منهما عليه، وقال الأجهوري: تلغى مطلقاً تقارب الإنفاق أو لا، تساوى المالان أو لا. قال في الحاشية وهو الأوجه.
قوله: [إن تقاربا عيالاً]: أي في السن والعدد.
قوله: [وإلا يتقاربا]: أي بأن اختلفا عدداً أو سناً.
قوله: [فيه نظر]: أي لأن النقل يخالفه.
قوله: [بل كل واحد] إلخ: بيان لحقيقة نفي الاستبداد.
قوله: [أي فهي شركة عنان]: أي تسمى بذلك.
قوله: [مأخوذ من عنان الدابة]: أي ما تقاد به.
قوله: [أخذ بعنان صاحبه]: أي فلا يطلقه يتصرف حيث شاء.
تنبيه: يجوز لذي طير ذكر وذي طيرة أن يتفقا على الشركة في الفراخ الحاصلة بينهما مناصفة لا في البيض، ونفقة كل على ربه إلا أن يتبرع أحدهما بها، ومحل جواز الاشتراك المذكور إن كان من الطير الذي يشترك في الحضن الذكر مع الأنثى كحمار لا دجاج وأوز، ولا غير طير كحمر وخيل ورقيق، كذا في الأصل.
قوله: [فوكالة أيضاً]: أي كما أنها شركة، فقول الشارح بعد: فقط، الأولى حذفها لإيهامها خلاف المراد، أو يؤخرها بعد قوله لتولي الشراء ويكون معناها حينئذ أنه وكيل في الشراء فقط لا في البيع.
قوله: [أي فهي وكالة فقط]: فائدة كون المأمور وكيلاً في شراء النصف للآمر أن يطالب ذلك المأمور ابتداء بالثمن من جهة البائع، وهذا لا ينافي أن كلاً ينقد ما عليه.
قوله: [وعليه ضمانها ضمان الرهان]: أي إذا ادعى تلفها، فإن كانت مما يغاب عليه ضمنها إلا أن تقوم بينة بما ادعاه من التلف أو الضياع، وإن كانت مما لا يغاب عليه فالقول قوله بيمين إلا أن يظهر كذبه كما مر في الرهن، لكن قوله فكالرهن مشكل لأن فيه تشبيه الشيء بنفسه. وأجيب: بأن المراد تشبيه هذا الفرع بالرهن المصرح فيه بلفظ الرهنية فلا ينافي أن هذا من جزئيات الرهن.
وأجيب أيضاً: بأن هذا مبني على أن الرهن يشترط فيه التصريح بلفظ الرهنية وهذا لم يصرح فيه وحينئذ فالتشبيه ظاهر.
قوله: [لأنه سلف جر نفعاً]: أي حيث كان المأمور هو المسلف أو أجنبياً من ناحية كصديقه.
قوله: [إلا لخبرة المشتري بالشراء]: أي لكون المشتري خبيراً أو ذا وجاهة.
стр. 701
(وأجبر) الشاري لسلعة (عليها): أي على الشركة أي مشاركة الغير معه فيما اشتراه (إن اشترى شيئاً بسوقه) المعد له ولو لم يكن الشاري من أهله واشتراه للتجارة في البلد (لا) إن اشتراه (لكسفر) به وإن لتجارة (أو قنية) أو إقراء ضيف أو عرس أو إهداء وصدق في ذلك بيمينه (وغيره) أي المشتري من باقي التجار (حاضر) بالسوق لعقد الشراء (لم يتكلم) بمزايدة (من تجارها): أي السلعة المشتراة؛ احترازاً مما لو كان غائباً حين الشراء. أو تكلم بزيادة أو ليس من تجارها بأن لم يكن تاجراً أصلاً أو كان من تجار غيرها؛ فلا جبر، وتقدم أن الشراء بسوقها شرط في الجبر (لا) إن اشتراها (ببيت) اتفاقاً (أو زقاق) على المعتمد.
ثم انتقل يتكلم على النوع الثاني من نوعي الشركة الداخل تحت التعريف المتقدم فقال:
(وجازت) الشركة (بالعمل) أي فيه أو المعين في المال الحاصل بسبب العمل كالخياطة والحياكة والتجارة، بشروط: أشار لأولها بقوله:
(إن اتحد) العمل كخياطين لا كخياط ونجار (أو تلازم) عملهما بأن كان أحدهما ينسج والثاني ينير أو يدور، أو أحدهما يصوغ والثاني يسبك له، أو أحدهما يغوص لطلب اللؤلؤ والثاني يمسك عليه ويجذف؛ فالمراد بالتلازم: توقف أحد العملين على الآخر.
وأشار لثانيها بقوله: (و) إن (أخذ كل منهما) من الربح (بقدر عمله): أي دخلا على ذلك. ولا يضر التبرع بعد العقد. وفسدت إن شرطا التفاوت ولا يضر شرط التساوي إن تقاربا في العمل كما يأتي قريباً.
ولثالثها بقوله: (و) إن (حصل) التعاون بينهما (وإن بمكانين) بحيث تجول يد كل منهما على ما بيد صاحبه، كخياطين في حانوتين يأخذ كل منهما ما بيد صاحبه.
ولرابعها بقوله: (و) إن (اشتركا في الآلة) التي بها العمل، كالفأس والقدوم والمطرقة والقبان والمنوال وغير ذلك، إما (بملك أو إجارة) لهما من غيرهما، أو كان أحدهما يملك الآلة واستأجر صاحبه منه نصفها، فإن كانت الآلة من أحدهما دون الآخر لم يجز وأما لو أخرج كل منهما آلة تساوي آلة الآخر فإن أكرى كل منهما أو اشترى نصف آلة صاحبه بنصف آلة الآخر جاز؛ لأنه صدق عليه الاشتراك فيها، وإن لم يحصل شيء من ذلك ففي الجواز والمنع قولان: الأول لسحنون. والثاني ظاهر المدونة. لكن قال عياض: إن وقع مضى. ومثل للشركة في العمل بقوله: (كطبيبين اشتركا في الدواء
ــ
قوله: [وأجبر الشاري] إلخ: هو اسم فاعل من شرى، وأما المشتري فهو اسم فاعل اشترى، لأن الفعل يقال فيه شرى واشترى، وهذا شروع في شركة الجبر التي قضى فيها عمر ﵁، وقال بها مالك وأصحابه، وشروطها ستة: ثلاثة في الشيء المشترى: وهو أن يشتري بسوقه، وأن يكون شراؤه للتجارة، وأن تكون التجارة به في البلد. وثلاثة في المشرك - بالفتح - وهي: أن يكون حاضراً في السوق وقت الشراء، وأن يكون من تجار تلك السلعة التي بيعت بحضرته، وألا يتكلم. وقد أفادها المؤلف متناً وشرحاً.
قوله: [شرط في الجبر]: اعلم أن محل الجبر - إذا وجدت هذه الشروط - ما لم يبين المشتري للحاضرين من التجار أنه لا يشارك أحداً منهم، ومن شاء أن يزيد فليفعل، وإلا فليس لهم جبره. فهذا الشرط يزاد على الستة ومتى وجدت شروط الجبر لهم جبره ولو طال الأمر حيث كان ما اشترى باقياً كما استظهره بعضهم، وقل: يفصل فيه كالشفعة فلا جبر بعد السنة، وأشعر قول المصنف: وأجبر عليها إلخ أن المشتري لا يجبر الحاضرين على مشاركتهم له وهو كذلك عند عدم تكلمهم، وأما إن حضر والسوم وقالوا له: أشركنا فأجابهم: بنعم أو سكت فإنهم يجبرون على مشاركته إن طلب، كما أنه يجبر على مشاركتهم إن طلبوا.
قوله: [الداخل تحت التعريف]: أي في قوله أو على عمل إلخ.
قوله: [وجازت الشركة بالعمل]: أي وتسمى شركة أبدان أيضاً، وهذا أحد أقسام الشركة التي تقدمت لنا في الدخول، لأنه تقدم شركة الأموال وتحتها أقسام أربعة: المفاوضة، والعنان، والذمم، والجبر، ويأتي خامس وهو المضاربة التي هي القراض.
قوله: [ويجذف]: هكذا بالجيم أي يقذف بالمقذاف.
قوله: [بملك أو إجارة] إلخ: اعلم أن صور الخلاف ثلاثة: الأولى: إخراج كل واحد آلة مساوية لآلة الآخر ولم يستأجر كل واحد نصف آلة صاحبه.
والثانية: إخراج أحدهما الآلة كلها من عنده وأجر نصفها لصاحبه. والثالثة: إخراج كل آلة مساوية لآلة الآخر وإيجار كل منهما نصف آلته بنصف آلة صاحبة فالمعتمد في الصورة الأولى عدم الجواز، وفي الأخيرتين الجواز، وبقي ثلاث صور صاحبه؛ متفق على جوازها: كون الآلة مملوكة لهما معاً بشراء أو إرث، أو اكترياها معاً، أو أخرج كل آلة وباع نصف آلته بنصف آلة صاحبه. فقوله: بملك أو إجارة هاتان الصورتان متفق على جوازهما.
قوله: [أو كان أحدهما يملك الآلة] إلخ: هذه الصورة من محل الخلاف والمعتمد جوازها كما اقتصر عليه الشارح.
قوله: [لم يجز]: أي اتفاقاً إن يكن من الآخر استئجار لنصفها.
قوله: [جاز]: أي في صور الكراء على الراجح وفي صورة الشراء اتفاقاً.
قوله: [اشتركا في الدواء]: أي على التفصيل السابق وفاقاً وخلافاً، ولا يقال: حيث اشتراكا في الدواء كانت شركة أموال لا أبدان، وليس الكلام فيها لأننا نقول: الدواء تابع غير مقصود والمقصود، إنما هو التعاون
стр. 702
واغتفر التفاوت اليسير) في العمل مع كون الربح بينهما بالسوية؛ ككون عمل أحدهما أقل من النصف قليلاً وعمل الآخر أكثر منه قليلاً أو كان عمل أحدهما أكثر من الثلث قليلاً وعمل الآخر أقل من الثلثين قليلاً وقسما على الثلث والثلثين.
(ولزم كلاً) من شركاء العمل (ما قبله صاحبه و) لزمه (ضمانه) أي ضمان ما قبله صاحبه بلا إذنه؛ لأنهما صارا كالرجل الواحد، فمتى ضاع شيء عن أحدهما ضمناه معاً. (وإن افترقا) فما قبلاه أو أحدهما حال الاجتماع فهو في ضمانهما. وهذا إذا قبله في حضور صاحبه أو غيبته القريبة كاليومين أو حال مرضه القريب اللذين يلغيان، فإن قبله في غيبته أو مرضه الطويلين فإنه لا يلزم صاحبه ضمانه ولا العمل معه كما قاله اللخمي وإلى ذلك أشار بقوله: (و) إذا مرض أحدهما أو غاب (ألغي مرض كاليومين وغيبتهما) أي اليومين، فما عمله الحاضر الصحيح شاركه فيه الغائب أو المريض ولزمه ما قبله فيهما وضمنه إن تلف.
(لا إن كثر) زمن المرض أو الغيبة عن كاليومين فلا يلغى عمله بل يختص بأجرة عمله، وانظر تمام الكلام في المتن وشراحه.
(فصل)
في بيان أشياء يقضى بها عند التنازع بين شركاء وغيرهم
(يقضى على شريك فيما): أي في شيء (لا ينقسم) بين الشركاء كحمام وفرن وحانوت وبرج وطاحون حصل به خلل وأراد البعض أن يعمر وأبى الآخر (أن يعمر) الآبي مع من أراد التعمير (أو يبيع) لمن يعمر معه.
فإن باعه لغير الشريك فلا شفعة فيه للشريك كما يأتي إن شاء الله تعالى والمراد: يقضى عليه بالبيع إن امتنع من التعمير فيأمره الحاكم أولاً بالتعمير بلا حكم، فإن امتنع قال له: إن لم تعمر حكمنا عليك بالبيع فإن استمر على الامتناع حكم عليه بالبيع.
ــ
على صنعة الطب.
قوله: [واغتفر التفاوت اليسير]: راجع لشركة العمل من حيث هي كما تقدم التنبيه عليه في قوله ولا يضر شرط التساوي إن تقاربا في العمل.
قوله: [فلا يلغى عمله بل يختص بأجرة عمله]: أي والضمان عليه لأن الموضوع أنه قبله وصاحبه غائب أو مريض، وأما لو حدث المرض أو الغيبة بعد القبول، فأفاد حكمه الأصل بقوله: "يرجع بأجرة مثل عمله على صاحبه" وإلا فالأجرة الأصلية بينهما والضمان عليهما، مثاله: لو عاقدا شخصاً على خياطة ثوب بعشرة فغاب أحدهما أو مرض كثيراً فخاطه الآخر فالعشرة بينهما، ثم يقال: ما مثل أجرة من خاطه؟ فإذا قيل: أربعة، رجع على صاحبه باثنين مضمومين لخمسة، فحاصله أنه يختص بأربعة من العشرة ثم يقسمان الستة، وهذا ظاهر في هذا ونحوه، وأما في مثل العمل مياومة كبناءين ونجارين وحافرين فظاهر أنه يختص بجميع أجرة عمله انتهى.
قوله: [وانظر تمام الكلام في المتن وشراحه]: من ذلك لو كثرت مدة المرض أو السفر هل يلغى منها اليومان؟ وهو ما قاله بعض القرويين. أو لا يلغى منها شيء؟ وهو ما نسبه أبو الحسن الصغير للخمي. ومن ذلك لو مات أحد الحافرين في الركاز أو المعدن لم يستحق وارثه بقية العمل فيه بل يقطعه الإمام لمن يشاء، وبعضهم قيد عدم استحقاق الوارث بما إذا لم يبد النيل بعمل المورث وإلا استحقه الوارث. والراجح عدم التقييد، ومن ذلك النهي عن شركة الوجوه وهي بيع وجيه مال شخص خامل بجزء من ربحه، فهي فاسدة للجهل بالأجرة وللغرر بالتدليس فعلى هذا تكون جملة أقسام الشركة سبعة.
فصل في بيان أشياء
لما كانت هذه الأشياء تعم الشركاء وغيرهم عقد لها فصلاً وخالف أصله.
قوله: [وغيرهم]: ومثل لغير الشركاء فيما سيأتي بقوله: " كذي سفل إن وهي " وبما بعد.
قوله: [يقضي على شريك] إلخ: شمل كلام المصنف ما إذا كان ذلك العقار الذي لا ينقسم بعضه ملك وبعضه وقف وأبى الموقوف عليه أو الناظر من التعمير بعد أمر الحاكم له؛ فإنه يقضى عليه بالبيع على المعتمد خلافاً لمن قال إنه لا يباع ويعمر طالب العمارة ويستوفي ما صرفه على الوقف من غلته، وعلى الأول فيباع منه بقدر الإصلاح لا جميعه حيث لم يحتج له كذا في (عب) وكتب النفراوي بطرته: المعتمد أنه يباع الكل ولو كان ثمن البعض يكفي في العمارة دفعا لضرورة تكثير الشركاء كما صرح به المراغي اهـ. نعم محل البيع إذا لم يكن للوقف ريع يعمر منه ولم يوجد من يستأجره سنين فدفع الأجرة معجلة ليعمر بها وإلا فلا يباع انتهى من حاشية الأصل).
قوله: [أن يعمر]: "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف متعلق بـ"يقضي"، ونائب فاعله قوله: "على شريك" فينحل المعنى يقضى على شريك بالتعمير أو بالبيع.
قوله: [لمن يعمر معه]: أي لشخص آخر يعمره فإن أبى المشتري من التعمير قضي عليه بمثل ما قضي به على الأول وهكذا.
قوله: [كما يأتي إن شاء الله تعالى]: أي في بابها.
قوله: [والمراد يقضى عليه بالبيع]: جواب عما يقال ظاهر المصنف أن الحاكم يقول للشريك الممتنع من التعمير من أول الأمر: حكمت
стр. 703
ولو كانت حصته يزيد ثمنها على التعمير. وقيل: يحكم عليه ببيع قدر ما يحصل به التعمير؛ لأن البيع الجبري إنما أبيح للضرورة فيقتصر على قدرها. ورد بأن دفع ضرر كثرة الشركاء إنما يكون ببيع الكل. وقيل: إن كان غنياً جبره بالتعمير وإلا جبره على البيع.
والكلام في غير العيون والآبار، فإن الآبي من التعمير لها لا يقضى عليه بالبيع بل يقال لصاحبه: عمر ولك جميع الماء ما لم يدفع لك الآبي ما يخصه من النفقة، فإن لم يدفع فالماء للمعمر ولو زاد على ما أنفق كذا في المواق وقيل: بل له من الماء بقدر ما أنفق.
(كذي سفل) عليه بناء لغيره فإنه يقضى عليه (إن وهى) أن يعمر أو يبيع لمن يعمر لدفع ضرر الأعلى، ولو كان الأسفل وقفاً حيث لا ريع له يعمر منه ولم يمكن استئجاره بشيء يعمر به، ولكن لا يباع من الوقف إلا بقدر التعمير. (وعليه): أي على ذي السفل (التعليق) أي تعليق الأعلى بالجوائز والمسمار حتى يفرغ من إصلاحه؛ لأن التعليق بمنزلة البناء؛ والبناء على ذي الأسفل. هذا هو المذهب، وقيل: التعليق على رب العلو؛ فلو سقط الأعلى فهدم الأسفل أجبر رب الأسفل على البناء أو البيع لمن يبني ليبني رب العلو علوه (و) عليه أيضاً (السقف) الساتر لسفله، إذ الأسفل لا يسمى بيتاً إلا بالسقف، ولذا كان يقضى له به عند التنازع. (و) عليه أيضاً (كنس المرحاض) الذي يلقي فيه رب العلو سقطاته (إلا لعرف) بينهم من أنه عليهما أو على الجماجم فيعمل به وقيل: الكنس على الجميع بقدر الجماجم. واستظهر. ولو ماتت دابة بسوق أو بيت غير ربها فهل إخراجها على رب الدار لزوال ملك ربها عنها أو على ربها لأن له أخذ جلدها ليدبغه ولحمها لكلابه؟ استظهر الثاني. (لا سلم) يرقى عليه رب العلو، فليس على ذي الأسفل بل على ذي الأعلى كالبلاط الذي فوق سقف الأسفل.
(و) قضي (بالدابة) عند التنازع فيها (للراكب، لا) لقائد (متعلق بلجام) ولا لسائق (إلا لقرينة أو عرف) فيعمل بذلك، كما يقع في مصر كثيراً من دواب المكاري ونحوها.
(وإن أقام أحدهم): أي أحد الشركاء في بيت فيه رحى للطحن فيها بالكراء، وقد تعطلت (رحى): أي عمرها أحدهم (إذا أبيا): أي شريكاه من تعميرها معه - قبل حكم حاكم عليهما بالبيع أو التعمير - (فالغلة) الحاصلة من تلك الرحى بعد تعميرها (لهم): أي للثلاثة (بعد أن يستوفي) المعمر (منها): أي من غلتها (ما أنفق) على عمارتها (وإلا) يأبيا بل أذناه في العمارة
ــ
عليك بأن تعمر أو تبيع، وليس كذلك؛ إذ الحكم إنما يكون بمعين وهو إذا قال له: حكمت عليك أن تعمر أو تبيع لم يكن المحكوم به معيناً، بل الحاكم يأمره أولاً بالعمارة إلى آخر ما قاله الشارح.
قوله: [ولو كانت حصته يزيد ثمنها على التعمير]: هذا هو المعتمد، ولو كان في الوقف كما للنفراوي دفعاً لضرورة تكثير الشركاء.
قوله: [جبره بالتعمير]: أي حكم عليه به فضمن جبر معنى حكم فعداه بالباء.
قوله: [لا يقضى عليه بالبيع] إلخ: أي سواء كان على العيون والآبار زرع أو شجر أم لا.
قول: [كذا في المواق]: أي نقلاً عن ابن القاسم وقال ابن نافع: محل جبر الشريك إن كان على البئر أو العين زرع أو شجر فيه ثمر مؤبر، وقد ضعفه ابن رشد ورجح ما قاله ابن القاسم.
قوله: [ولكن لا يباع من الوقف إلا بقدر التعمير]: أي في هذه المسألة لأن علة دفع تكثير الشركاء منفية هنا. والحاصل أنه استثنى من عدم جواز بيع الوقف خمس مسائل: هذه والتي قبلها، وبيع العقار الوقف لتوسعة المسجد والطريق والمقبرة إذا كانت الحاجة داعية لتوسيع ما ذكر.
قوله: [فلو سقط الأعلى فهدم الأسفل] إلخ: أي ولا ضمان على صاحب الأعلى إلا بشرط الإنذار عند حاكم ومضى مدة يتمكن فيها من الإصلاح، وكذلك العكس كما إذا وهي الأسفل وخيف بانهدامه انهدام الأعلى، فإن صاحب الأسفل لا يضمن هدم الأعلى إلا بتلك الشروط.
قوله: [وعليه أيضاً السقف]: أي كما نقله أبو الحسن عن أبي محمد صالح.
قوله: [الذي يلقى فيه رب العلو] إلخ: أي سواء كان فمه أعلى أو أسفل.
قوله: [إلا لعرف بينهم]: أي وهذا قول ابن القاسم وأشهب وهو المشهور من المذهب.
قوله: [وقيل الكنس على الجميع]: أي وهو قول أصبغ، واختلف في كنس كنف الدار المكتراة، فقيل: على ربها، وقيل: على المكتري، وكل هذا ما لم يجر العرف بشيء وإلا عمل به. وعرف مصر أنه على رب الدار، وأما طين المطر الذي ينزل في الأسواق ويضر بالمارين فلا يجب على أرباب الحوانيت كنسه لأنه ليس من فعلهم ما لم يجمعه أرباب الحوانيت أو أهل البيوت في وسط السوق وأضر بالمارة، فإنه يجب عليهم كنسه. وهل على المكتري للحوانيت والبيوت أو على الملاك؟ قال البرزلي: وعندي أنه يخرج على كنس مرحاض الدار المكتراة.
قوله: [استظهر الثاني]: أي استظهره ابن ناجي وغيره، كذا في (بن).
قوله: [كالبلاط]: أي وأما ما يوضع تحت البلاط من تراب أو طين أو جبس فعلى صاحب الأسفل حكم السقف.
قوله: [من دواب المكاري] أي فإن في مصر رب الحمار يسوقه أو يقوده، فإذا تنازع مع الراكب ولا بينة لواحد قضي للسائق أو للقائد.
قوله: [وإن أقام أحدهم] إلخ: صورتها ثلاثة مشتركون في بيت فيه رحى
стр. 704
أو عمر وهما ساكتان، (ففي): أي فالرجوع عليهما في (الذمة) لا في الغلة الحاصلة منها.
(و) قضى (بهدم بناء في طريق) يمر فيها الناس (ولو لم يضر) بالمارين، إذ لا حق له في ذلك مع كون البناء المذكور شأنه الضرر. وقد كثر ذلك في مصر، فكل من بنى أو جدد له بيتاً يزحف ببنائه أو بحانوته بسكة المسلمين حتى صارت الطرق ضيقة تضر بالناس كما هو مشاهد.
(و) قضى (بجلوس باعة بأفنية دور لبيع خف) لا إن كثر لما فيه من الضرر. واحترز بقوله: "لبيع" من جلوسهم للتحدث ونحوه فإنهم يقامون (و) قضى (للسابق) من الباعة للأفنية إن نازعه فيه غيره ولو اشتهر به ذلك الغير.
(كمسجد)
ــ
معدة للكراء، ثم إنها خربت واحتاجت للإصلاح فأقامها أحدهم بعد أن أبيا من الإصلاح ومن الإذن له فيه وقبل أن يقضي عليهم بالعمارة أو البيع، فالمشهور: أن الغلة الحاصلة لهم بالسوية بعد أن يستوفي منها ما أنفقه عليها في عمارتها إلا أن يعطوه النفقة، وإلا فيساويهم من أول الأمر، ومقابل المشهور ما روي عن ابن القاسم: أن الغلة كلها لمن عمر وعليه لشركائه كراء المثل على تقدير أن لو أكريت لمن يعمر. واستشكل الأول: بأن استيفاء ما أنفقه من الغلة فيه ضرر عليه لأنه دفع جملة وأخذ مفرقاً. وأجيب: بأنه هو الذي أدخل نفسه في ذلك إذ لو شاء لرفعهما للحاكم فيجبرهما على الإصلاح أو البيع ممن يصلح.
قوله: [أو عمر وهما ساكتان]: اعلم أن فروع هذه المسألة سبعة:
الأول: ما إذا استأذنهما في العمارة وأبيا واستمرا على المنع إلى تمام العمارة، والحكم: أنه يرجع بما عمر في الغلة.
والثاني: أن يستأذنهما فيسكتا ثم يأبيا حال العمارة.
والثالث: عكسه وهو أن يستأذنهما فيأبيا ثم يسكتا عند رؤيتهما للعمارة، والحكم في هذين الرجوع في الغلة كالأول.
والرابع: أن يعمر قبل علم أصحابه ولم يطلعوا على العمارة إلا بعد تمامها، سواء رضوا بما فعل أو لا والحكم في هذه أنه يرجع بما أنفقه في ذمتهم لقيامه عنهم بما لا بد منه لهم.
والخامس: أن يعمر بإذنهم ولم يحصل منهم ما ينافي الإذن حتى تمت العمارة.
والسادس: أن يسكتوا حين العمارة عالمين بها سواء استأذنهم أم وحكمهما كالتي قبلهما.
والسابع: أن يأذنوا له في العمارة ثم يمنعاه بعد ذلك، فإن كان المنع قبل شراء المؤن التي يعمر بها ثم عمر فإنه يرجع في الغلة وإن كان بعد شراء المؤن رجع عليهم في ذمتهم ولا عبرة بمنعهم له.
تنبيه: يقضى بالإذن في دخول جاره في بيته لإصلاح جدار من جهته ونحوه؛ كغرز خشبة أو أخذ ثوب سقط أو دابة دخلت. ويقضي أيضاً بقسمة الجدار إن طلبت. وصفة القسمة عند ابن القاسم: أن يقسم طولاً من المشرق إلى المغرب مثلاً، فإذا كان طوله عشرين ذراعاً من المشرق إلى المغرب في عرض شبرين مثلاً أخذ كل واحد عشرة أذرع بالقرعة، ولا يقسم عرضاً بأن يأخذ كل واحد منهما شبراً من الجانب الذي يليه بطول العشرين ذراعاً بأن يشق نصفه كما رأى عيسى بن دينار؛ فإن ذلك فساد إن كان بالقرعة. وأما بالتراضي فيجوز طولاً أو عرضاً إذا تراضوا على أن كل واحد يأخذ نصيبه من جهته ويقضى على الجار أيضاً بإعادة جداره الساتر لغيره إن هدمه ضرراً إلا لإصلاح أو هدم بنفسه فلا يقضى على صاحبه بإعادته، ويقال للجار استر على نفسك إن شئت.
قوله: [وقضى بهدم بناء في طريق]: أي نافذة أو لا ما لم تكن أصلها ملكاً له، بأن كانت داراً له وانهدمت وصارت طريقاً فله البناء ولا يهدم، وقيده بعضهم بما إذا لم يطل الزمان حتى يظن إعراضه عنها فليس له فيها كلام.
قوله: [باعة بأفنية دور]: حاصله أنه يقضى بجلوس الباعة بأفنية الدور بشروط أربعة: إن خف الجلوس ولا يضر بالمارة لاتساع الطريق، وأن تكون الطريق نافذة، وأن يكون جلوسهم للبيع. وباعة: أصله بيعة بفتح الياء: جمع بائع؛ كحاكة وحائك صاغة وصائغ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفاً، وفناء المسجد كفناء الدور، والراجح جواز كراء الأفنية سواء كانت لدور أو حوانيت، فيجوز لصاحب الدور والحانوت أخذ الأجرة من الباعة الذين يجلسون كثيراً في فناء داره أو حانوته.
قوله: [كمسجد]: الظاهر أن المراد به المكان المعد للطاعة المباح ليشمل عرفة ومنى ومزدلفة، فحكمها حكم المسجد في التفصيل. فإن قلت: ما الفرق بين المسجد والسوق؟ حيث قلتم في المسجد: يقضى به للسابق ما لم يعتده غيره وفي السوق: يقضى به للسابق ولو اشتهر به غيره، مع أنه كلاً مباح ولكل مسلم فيه حق؟ قلت: الفرق أن المسجد وما في معناه مباح مرغب فيه يمدح التعلق به
стр. 705
فإنه يقضى للسابق بمكان فيه (إلا أن يعتاده) في الجلوس (غيره): أي غير السابق في ذلك المكان لتعليم علم أو إقراء أو فتوى فإنه يقضى له به. وقيل: لا يقضى بل يأمر غيره بالقيام منه له بغير إلزام.
(و) قضى على جار (بسد كوة) بفتح الكاف وضمها: أي طاقة (حدثت) وأشرفت على الجار وأما القديمة فلا يقضى بسدها. ويقول للجار: استر على نفسك إن شئت. وكذا إن كانت عالية لا يمكن التطلع على الجار منها إلا بصعود على سلم.
والمنقول عن ابن القاسم؛ وبه القضاء: أن من حدث عليه ضرر من فتح كوة أو غيرها وسكت عشر سنين بلا عذر فلا مقال له بعد ذلك (و) إذا قضي بسدها (لا يكفي سد خلفها) مع بقائها على ما هي عليه، لأنه ذريعة في المستقبل لادعاء قدمها وإرادة فتحها بل لا بد من سدها من أصلها وإزالة ما يدل عليها من عتبة أو خشبة ونحوهما.
(و) قضى (بمنع دخان كحمام) وفرن ومطبخ وقمين (و) بمنع (رائحة كريهة؛ كدبغ) ورائحة مذبح ومسمط. والمراد: الحادث من ذلك لا القديم. (و) بمنع (مضر بجدار) حدث كدق وطاحون وبئر وغرس شجر. (و) منع إحداث (إصطبل) لما فيه من ضرر رائحة الزبل بالجدار وصوت الدواب.
(و) بمنع (حانوت قبالة باب ولو بسكة نفذت) على الأصوب، لأن الحانوت أشد ضرراً من فتح الباب لملازمة الجلوس به، ومحل المنع فيما ذكر (إن حدثت) لا إن كانت قديمة.
(و) قضى (بقطع ما أضر من) أغصان (شجرة بجدار) لجاره (مطلقاً) حدثت أو كانت قديمة. وأما الشجرة نفسها قال ابن رشد: فلا سبيل لقلعها إذا كانت قديمة؛ أي لأن الكلام في أغصانها المنتشرة على جدار الجار فهل يقطع ولو كانت قديمة وهو المعتمد أو لا يقضى بقطعه إلا إذا حدثت وهو قول ابن الماجشون (لا) يقضى بمنع بناء (مانع ضوء وشمس وريح الأندر [١]): أي جرين، ومثل الأندر: طاحون الريح إذا حدث ما يمنع الريح عنها فيقضى بمنعه.
(و) لا يقضى بمنع (علو بناء) على بناء جاره إلا أن يكون ذمياً بجار مسلم فيمنع (ومنع) الجار إذا علا ببنائه (من الضرر) كالتطلع على جاره بالإشراف من العلو الذي بناه.
(ولا) يقضى بمنع (صوت كمد) وهو دق القماش لتحسينه (ونحوه) كحداد ونجار وصائغ لخفة ذلك، ولذا قال بعضهم: هذا ما لم يشتد ويدم وإلا منع (و) لا من إحداث (باب بسكة نفذت) ولو لم تكن السكة واسعة على المعتمد، وسواء نكب عن باب جاره أو لم ينكب؛ لأن شأن النافذة عدم فتح أبواب بيوتها فلا ضرر في إحداث باب قبالة باب جاره. (كغيرها) أي غير النافذة (إن نكب) أي بوعد عن باب جاره أي لم يكن مقابلاً له بحيث لو فتح لم يشرف منه على ما في دار جاره وإلا منع.
ــ
فيه يتنافس المتنافسون، فلذلك قيد القضاء فيه للسابق بعدم اعتياده للغير، والسوق - وإن كان مباحاً للجلوس فيه - فإنما هو عند الضرورات فلا تتنافس فيه العقلاء ولذلك ورد: «أن خير البقاع المساجد وشرها الأسواق».
قوله: [فإنه يقضى للسابق]: وانظر: هل يكفي السبق بالفرش فيه؟ أو لا بد أن يكون بذاته والسبق بالفرش تحجير؟ لا يجوز ذكر (ح) فيه خلافاً.
قوله: [إلا أن يعتاده]: أي لما في صحيح مسلم عنه ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به».
قوله: [وقيل لا يقضى]: المعتمد القضاء للمشتهر.
قوله: [وكذا إن كانت عالية]: مثل العلو ما إذا كان يتراءى منها المزارع والحيوانات، فمحل السد إن كان يتطلع منها على الحريم أو ما في معناه.
قوله: [لا يكفي سد خلفها]: المناسب تقدير الفاء لوقوعها في جواب "إذا".
قوله: [بمنع دخان كحمام]: أي بمنع إحداث ذي دخان تتضرر الجيران بسببه.
وقوله: [وبمنع رائحة]: أي وقضى بمنع إحداث ذي رائحة كريهة.
قوله: [كدبغ]: أي مدبغة. والمذبح: المحل المعد للذبح: والمسمط: هو الإناء الذي يسمط فيه السقط لإزالة ما فيه من الأقذار، ومثل المسمط المصلق: وهو الإناء الذي يطبخ فيه السقط. ويمنع الشخص من تنفيض الحصر ونحوها على باب داره إذا أضر الغبار بالمارة، ولا حجة له أنه إنما فعله على باب داره، قاله ابن حبيب.
قوله: [وبمنع مضر بجدار]: أي وأما إذا كان الصوت فقط ولا يضر بالجدار فلا يمنع كما يأتي.
قوله: [وبمنع إحداث إصطبل]: اعترض بأن هذا مستغنى عنه لأنه إذا كان لمنع الرائحة فهو داخل في قوله: "ورائحة كريهة"، وإن كان للضرر بالجدار فهو داخل فيما قبله، وإن كان للتأذي بالصوت فهو لا يقتضي منع الإحداث كما يأتي في قوله: ولا صوت كمد ونحوه. وأجيب بأن العلة في منع إحداثه الرائحة وضرر الجدار، لكن المصنف أراد التنصيص على عين المسائل.
قوله: [ولو بسكة نفذت]: أي خلافاً لابن غازي من التقييد بالسكة غير النافذة.
قوله: [لا يقضى بمنع بناء مانع] إلخ: هذا هو المشهور، ومقابله ما رواه ابن دينار عن ابن نافع: أنه يمنع من مانع الضوء والشمس والريح.
قوله: [إلا أن يكون ذمياً]: واختلف هل يمنع من مساواته للمسلم أو لا؟
تنبيه: كما لا يمنع الشخص المسلم من علو بنائه على بناء جاره لا يمنع من إحداث ما ينقص الغلة اتفاقاً كإحداث فرن قرب فرن أو حمام قرب حمام أو طاحون قرب طاحون كما في (ح).
قوله: [ولذا قال بعضهم]: أي وهو المواق فإنه قال ومحل عدم المنع ما لم يشتد ويدم وإلا منع من ذلك.