← Фикх малики

Фикх малики · id 150969

حاشية الصاوي على الشرح الصغير ط الحلبي

أحمد الصاوي

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

(وأجبر) الشاري لسلعة (عليها): أي على الشركة أي مشاركة الغير معه فيما اشتراه (إن اشترى شيئاً بسوقه) المعد له ولو لم يكن الشاري من أهله واشتراه للتجارة في البلد (لا) إن اشتراه (لكسفر) به وإن لتجارة (أو قنية) أو إقراء ضيف أو عرس أو إهداء وصدق في ذلك بيمينه (وغيره) أي المشتري من باقي التجار (حاضر) بالسوق لعقد الشراء (لم يتكلم) بمزايدة (من تجارها): أي السلعة المشتراة؛ احترازاً مما لو كان غائباً حين الشراء. أو تكلم بزيادة أو ليس من تجارها بأن لم يكن تاجراً أصلاً أو كان من تجار غيرها؛ فلا جبر، وتقدم أن الشراء بسوقها شرط في الجبر (لا) إن اشتراها (ببيت) اتفاقاً (أو زقاق) على المعتمد. ثم انتقل يتكلم على النوع الثاني من نوعي الشركة الداخل تحت التعريف المتقدم فقال: (وجازت) الشركة (بالعمل) أي فيه أو المعين في المال الحاصل بسبب العمل كالخياطة والحياكة والتجارة، بشروط: أشار لأولها بقوله: (إن اتحد) العمل كخياطين لا كخياط ونجار (أو تلازم) عملهما بأن كان أحدهما ينسج والثاني ينير أو يدور، أو أحدهما يصوغ والثاني يسبك له، أو أحدهما يغوص لطلب اللؤلؤ والثاني يمسك عليه ويجذف؛ فالمراد بالتلازم: توقف أحد العملين على الآخر. وأشار لثانيها بقوله: (و) إن (أخذ كل منهما) من الربح (بقدر عمله): أي دخلا على ذلك. ولا يضر التبرع بعد العقد. وفسدت إن شرطا التفاوت ولا يضر شرط التساوي إن تقاربا في العمل كما يأتي قريباً. ولثالثها بقوله: (و) إن (حصل) التعاون بينهما (وإن بمكانين) بحيث تجول يد كل منهما على ما بيد صاحبه، كخياطين في حانوتين يأخذ كل منهما ما بيد صاحبه. ولرابعها بقوله: (و) إن (اشتركا في الآلة) التي بها العمل، كالفأس والقدوم والمطرقة والقبان والمنوال وغير ذلك، إما (بملك أو إجارة) لهما من غيرهما، أو كان أحدهما يملك الآلة واستأجر صاحبه منه نصفها، فإن كانت الآلة من أحدهما دون الآخر لم يجز وأما لو أخرج كل منهما آلة تساوي آلة الآخر فإن أكرى كل منهما أو اشترى نصف آلة صاحبه بنصف آلة الآخر جاز؛ لأنه صدق عليه الاشتراك فيها، وإن لم يحصل شيء من ذلك ففي الجواز والمنع قولان: الأول لسحنون. والثاني ظاهر المدونة. لكن قال عياض: إن وقع مضى. ومثل للشركة في العمل بقوله: (كطبيبين اشتركا في الدواء ــ قوله: [وأجبر الشاري] إلخ: هو اسم فاعل من شرى، وأما المشتري فهو اسم فاعل اشترى، لأن الفعل يقال فيه شرى واشترى، وهذا شروع في شركة الجبر التي قضى فيها عمر ﵁، وقال بها مالك وأصحابه، وشروطها ستة: ثلاثة في الشيء المشترى: وهو أن يشتري بسوقه، وأن يكون شراؤه للتجارة، وأن تكون التجارة به في البلد. وثلاثة في المشرك - بالفتح - وهي: أن يكون حاضراً في السوق وقت الشراء، وأن يكون من تجار تلك السلعة التي بيعت بحضرته، وألا يتكلم. وقد أفادها المؤلف متناً وشرحاً. قوله: [شرط في الجبر]: اعلم أن محل الجبر - إذا وجدت هذه الشروط - ما لم يبين المشتري للحاضرين من التجار أنه لا يشارك أحداً منهم، ومن شاء أن يزيد فليفعل، وإلا فليس لهم جبره. فهذا الشرط يزاد على الستة ومتى وجدت شروط الجبر لهم جبره ولو طال الأمر حيث كان ما اشترى باقياً كما استظهره بعضهم، وقل: يفصل فيه كالشفعة فلا جبر بعد السنة، وأشعر قول المصنف: وأجبر عليها إلخ أن المشتري لا يجبر الحاضرين على مشاركتهم له وهو كذلك عند عدم تكلمهم، وأما إن حضر والسوم وقالوا له: أشركنا فأجابهم: بنعم أو سكت فإنهم يجبرون على مشاركته إن طلب، كما أنه يجبر على مشاركتهم إن طلبوا. قوله: [الداخل تحت التعريف]: أي في قوله أو على عمل إلخ. قوله: [وجازت الشركة بالعمل]: أي وتسمى شركة أبدان أيضاً، وهذا أحد أقسام الشركة التي تقدمت لنا في الدخول، لأنه تقدم شركة الأموال وتحتها أقسام أربعة: المفاوضة، والعنان، والذمم، والجبر، ويأتي خامس وهو المضاربة التي هي القراض. قوله: [ويجذف]: هكذا بالجيم أي يقذف بالمقذاف. قوله: [بملك أو إجارة] إلخ: اعلم أن صور الخلاف ثلاثة: الأولى: إخراج كل واحد آلة مساوية لآلة الآخر ولم يستأجر كل واحد نصف آلة صاحبه. والثانية: إخراج أحدهما الآلة كلها من عنده وأجر نصفها لصاحبه. والثالثة: إخراج كل آلة مساوية لآلة الآخر وإيجار كل منهما نصف آلته بنصف آلة صاحبة فالمعتمد في الصورة الأولى عدم الجواز، وفي الأخيرتين الجواز، وبقي ثلاث صور صاحبه؛ متفق على جوازها: كون الآلة مملوكة لهما معاً بشراء أو إرث، أو اكترياها معاً، أو أخرج كل آلة وباع نصف آلته بنصف آلة صاحبه. فقوله: بملك أو إجارة هاتان الصورتان متفق على جوازهما. قوله: [أو كان أحدهما يملك الآلة] إلخ: هذه الصورة من محل الخلاف والمعتمد جوازها كما اقتصر عليه الشارح. قوله: [لم يجز]: أي اتفاقاً إن يكن من الآخر استئجار لنصفها. قوله: [جاز]: أي في صور الكراء على الراجح وفي صورة الشراء اتفاقاً. قوله: [اشتركا في الدواء]: أي على التفصيل السابق وفاقاً وخلافاً، ولا يقال: حيث اشتراكا في الدواء كانت شركة أموال لا أبدان، وليس الكلام فيها لأننا نقول: الدواء تابع غير مقصود والمقصود، إنما هو التعاون

стр. 702

واغتفر التفاوت اليسير) في العمل مع كون الربح بينهما بالسوية؛ ككون عمل أحدهما أقل من النصف قليلاً وعمل الآخر أكثر منه قليلاً أو كان عمل أحدهما أكثر من الثلث قليلاً وعمل الآخر أقل من الثلثين قليلاً وقسما على الثلث والثلثين. (ولزم كلاً) من شركاء العمل (ما قبله صاحبه و) لزمه (ضمانه) أي ضمان ما قبله صاحبه بلا إذنه؛ لأنهما صارا كالرجل الواحد، فمتى ضاع شيء عن أحدهما ضمناه معاً. (وإن افترقا) فما قبلاه أو أحدهما حال الاجتماع فهو في ضمانهما. وهذا إذا قبله في حضور صاحبه أو غيبته القريبة كاليومين أو حال مرضه القريب اللذين يلغيان، فإن قبله في غيبته أو مرضه الطويلين فإنه لا يلزم صاحبه ضمانه ولا العمل معه كما قاله اللخمي وإلى ذلك أشار بقوله: (و) إذا مرض أحدهما أو غاب (ألغي مرض كاليومين وغيبتهما) أي اليومين، فما عمله الحاضر الصحيح شاركه فيه الغائب أو المريض ولزمه ما قبله فيهما وضمنه إن تلف. (لا إن كثر) زمن المرض أو الغيبة عن كاليومين فلا يلغى عمله بل يختص بأجرة عمله، وانظر تمام الكلام في المتن وشراحه. (فصل) في بيان أشياء يقضى بها عند التنازع بين شركاء وغيرهم (يقضى على شريك فيما): أي في شيء (لا ينقسم) بين الشركاء كحمام وفرن وحانوت وبرج وطاحون حصل به خلل وأراد البعض أن يعمر وأبى الآخر (أن يعمر) الآبي مع من أراد التعمير (أو يبيع) لمن يعمر معه. فإن باعه لغير الشريك فلا شفعة فيه للشريك كما يأتي إن شاء الله تعالى والمراد: يقضى عليه بالبيع إن امتنع من التعمير فيأمره الحاكم أولاً بالتعمير بلا حكم، فإن امتنع قال له: إن لم تعمر حكمنا عليك بالبيع فإن استمر على الامتناع حكم عليه بالبيع. ــ على صنعة الطب. قوله: [واغتفر التفاوت اليسير]: راجع لشركة العمل من حيث هي كما تقدم التنبيه عليه في قوله ولا يضر شرط التساوي إن تقاربا في العمل. قوله: [فلا يلغى عمله بل يختص بأجرة عمله]: أي والضمان عليه لأن الموضوع أنه قبله وصاحبه غائب أو مريض، وأما لو حدث المرض أو الغيبة بعد القبول، فأفاد حكمه الأصل بقوله: "يرجع بأجرة مثل عمله على صاحبه" وإلا فالأجرة الأصلية بينهما والضمان عليهما، مثاله: لو عاقدا شخصاً على خياطة ثوب بعشرة فغاب أحدهما أو مرض كثيراً فخاطه الآخر فالعشرة بينهما، ثم يقال: ما مثل أجرة من خاطه؟ فإذا قيل: أربعة، رجع على صاحبه باثنين مضمومين لخمسة، فحاصله أنه يختص بأربعة من العشرة ثم يقسمان الستة، وهذا ظاهر في هذا ونحوه، وأما في مثل العمل مياومة كبناءين ونجارين وحافرين فظاهر أنه يختص بجميع أجرة عمله انتهى. قوله: [وانظر تمام الكلام في المتن وشراحه]: من ذلك لو كثرت مدة المرض أو السفر هل يلغى منها اليومان؟ وهو ما قاله بعض القرويين. أو لا يلغى منها شيء؟ وهو ما نسبه أبو الحسن الصغير للخمي. ومن ذلك لو مات أحد الحافرين في الركاز أو المعدن لم يستحق وارثه بقية العمل فيه بل يقطعه الإمام لمن يشاء، وبعضهم قيد عدم استحقاق الوارث بما إذا لم يبد النيل بعمل المورث وإلا استحقه الوارث. والراجح عدم التقييد، ومن ذلك النهي عن شركة الوجوه وهي بيع وجيه مال شخص خامل بجزء من ربحه، فهي فاسدة للجهل بالأجرة وللغرر بالتدليس فعلى هذا تكون جملة أقسام الشركة سبعة. فصل في بيان أشياء لما كانت هذه الأشياء تعم الشركاء وغيرهم عقد لها فصلاً وخالف أصله. قوله: [وغيرهم]: ومثل لغير الشركاء فيما سيأتي بقوله: " كذي سفل إن وهي " وبما بعد. قوله: [يقضي على شريك] إلخ: شمل كلام المصنف ما إذا كان ذلك العقار الذي لا ينقسم بعضه ملك وبعضه وقف وأبى الموقوف عليه أو الناظر من التعمير بعد أمر الحاكم له؛ فإنه يقضى عليه بالبيع على المعتمد خلافاً لمن قال إنه لا يباع ويعمر طالب العمارة ويستوفي ما صرفه على الوقف من غلته، وعلى الأول فيباع منه بقدر الإصلاح لا جميعه حيث لم يحتج له كذا في (عب) وكتب النفراوي بطرته: المعتمد أنه يباع الكل ولو كان ثمن البعض يكفي في العمارة دفعا لضرورة تكثير الشركاء كما صرح به المراغي اهـ. نعم محل البيع إذا لم يكن للوقف ريع يعمر منه ولم يوجد من يستأجره سنين فدفع الأجرة معجلة ليعمر بها وإلا فلا يباع انتهى من حاشية الأصل). قوله: [أن يعمر]: "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف متعلق بـ"يقضي"، ونائب فاعله قوله: "على شريك" فينحل المعنى يقضى على شريك بالتعمير أو بالبيع. قوله: [لمن يعمر معه]: أي لشخص آخر يعمره فإن أبى المشتري من التعمير قضي عليه بمثل ما قضي به على الأول وهكذا. قوله: [كما يأتي إن شاء الله تعالى]: أي في بابها. قوله: [والمراد يقضى عليه بالبيع]: جواب عما يقال ظاهر المصنف أن الحاكم يقول للشريك الممتنع من التعمير من أول الأمر: حكمت

стр. 703

ولو كانت حصته يزيد ثمنها على التعمير. وقيل: يحكم عليه ببيع قدر ما يحصل به التعمير؛ لأن البيع الجبري إنما أبيح للضرورة فيقتصر على قدرها. ورد بأن دفع ضرر كثرة الشركاء إنما يكون ببيع الكل. وقيل: إن كان غنياً جبره بالتعمير وإلا جبره على البيع. والكلام في غير العيون والآبار، فإن الآبي من التعمير لها لا يقضى عليه بالبيع بل يقال لصاحبه: عمر ولك جميع الماء ما لم يدفع لك الآبي ما يخصه من النفقة، فإن لم يدفع فالماء للمعمر ولو زاد على ما أنفق كذا في المواق وقيل: بل له من الماء بقدر ما أنفق. (كذي سفل) عليه بناء لغيره فإنه يقضى عليه (إن وهى) أن يعمر أو يبيع لمن يعمر لدفع ضرر الأعلى، ولو كان الأسفل وقفاً حيث لا ريع له يعمر منه ولم يمكن استئجاره بشيء يعمر به، ولكن لا يباع من الوقف إلا بقدر التعمير. (وعليه): أي على ذي السفل (التعليق) أي تعليق الأعلى بالجوائز والمسمار حتى يفرغ من إصلاحه؛ لأن التعليق بمنزلة البناء؛ والبناء على ذي الأسفل. هذا هو المذهب، وقيل: التعليق على رب العلو؛ فلو سقط الأعلى فهدم الأسفل أجبر رب الأسفل على البناء أو البيع لمن يبني ليبني رب العلو علوه (و) عليه أيضاً (السقف) الساتر لسفله، إذ الأسفل لا يسمى بيتاً إلا بالسقف، ولذا كان يقضى له به عند التنازع. (و) عليه أيضاً (كنس المرحاض) الذي يلقي فيه رب العلو سقطاته (إلا لعرف) بينهم من أنه عليهما أو على الجماجم فيعمل به وقيل: الكنس على الجميع بقدر الجماجم. واستظهر. ولو ماتت دابة بسوق أو بيت غير ربها فهل إخراجها على رب الدار لزوال ملك ربها عنها أو على ربها لأن له أخذ جلدها ليدبغه ولحمها لكلابه؟ استظهر الثاني. (لا سلم) يرقى عليه رب العلو، فليس على ذي الأسفل بل على ذي الأعلى كالبلاط الذي فوق سقف الأسفل. (و) قضي (بالدابة) عند التنازع فيها (للراكب، لا) لقائد (متعلق بلجام) ولا لسائق (إلا لقرينة أو عرف) فيعمل بذلك، كما يقع في مصر كثيراً من دواب المكاري ونحوها. (وإن أقام أحدهم): أي أحد الشركاء في بيت فيه رحى للطحن فيها بالكراء، وقد تعطلت (رحى): أي عمرها أحدهم (إذا أبيا): أي شريكاه من تعميرها معه - قبل حكم حاكم عليهما بالبيع أو التعمير - (فالغلة) الحاصلة من تلك الرحى بعد تعميرها (لهم): أي للثلاثة (بعد أن يستوفي) المعمر (منها): أي من غلتها (ما أنفق) على عمارتها (وإلا) يأبيا بل أذناه في العمارة ــ عليك بأن تعمر أو تبيع، وليس كذلك؛ إذ الحكم إنما يكون بمعين وهو إذا قال له: حكمت عليك أن تعمر أو تبيع لم يكن المحكوم به معيناً، بل الحاكم يأمره أولاً بالعمارة إلى آخر ما قاله الشارح. قوله: [ولو كانت حصته يزيد ثمنها على التعمير]: هذا هو المعتمد، ولو كان في الوقف كما للنفراوي دفعاً لضرورة تكثير الشركاء. قوله: [جبره بالتعمير]: أي حكم عليه به فضمن جبر معنى حكم فعداه بالباء. قوله: [لا يقضى عليه بالبيع] إلخ: أي سواء كان على العيون والآبار زرع أو شجر أم لا. قول: [كذا في المواق]: أي نقلاً عن ابن القاسم وقال ابن نافع: محل جبر الشريك إن كان على البئر أو العين زرع أو شجر فيه ثمر مؤبر، وقد ضعفه ابن رشد ورجح ما قاله ابن القاسم. قوله: [ولكن لا يباع من الوقف إلا بقدر التعمير]: أي في هذه المسألة لأن علة دفع تكثير الشركاء منفية هنا. والحاصل أنه استثنى من عدم جواز بيع الوقف خمس مسائل: هذه والتي قبلها، وبيع العقار الوقف لتوسعة المسجد والطريق والمقبرة إذا كانت الحاجة داعية لتوسيع ما ذكر. قوله: [فلو سقط الأعلى فهدم الأسفل] إلخ: أي ولا ضمان على صاحب الأعلى إلا بشرط الإنذار عند حاكم ومضى مدة يتمكن فيها من الإصلاح، وكذلك العكس كما إذا وهي الأسفل وخيف بانهدامه انهدام الأعلى، فإن صاحب الأسفل لا يضمن هدم الأعلى إلا بتلك الشروط. قوله: [وعليه أيضاً السقف]: أي كما نقله أبو الحسن عن أبي محمد صالح. قوله: [الذي يلقى فيه رب العلو] إلخ: أي سواء كان فمه أعلى أو أسفل. قوله: [إلا لعرف بينهم]: أي وهذا قول ابن القاسم وأشهب وهو المشهور من المذهب. قوله: [وقيل الكنس على الجميع]: أي وهو قول أصبغ، واختلف في كنس كنف الدار المكتراة، فقيل: على ربها، وقيل: على المكتري، وكل هذا ما لم يجر العرف بشيء وإلا عمل به. وعرف مصر أنه على رب الدار، وأما طين المطر الذي ينزل في الأسواق ويضر بالمارين فلا يجب على أرباب الحوانيت كنسه لأنه ليس من فعلهم ما لم يجمعه أرباب الحوانيت أو أهل البيوت في وسط السوق وأضر بالمارة، فإنه يجب عليهم كنسه. وهل على المكتري للحوانيت والبيوت أو على الملاك؟ قال البرزلي: وعندي أنه يخرج على كنس مرحاض الدار المكتراة. قوله: [استظهر الثاني]: أي استظهره ابن ناجي وغيره، كذا في (بن). قوله: [كالبلاط]: أي وأما ما يوضع تحت البلاط من تراب أو طين أو جبس فعلى صاحب الأسفل حكم السقف. قوله: [من دواب المكاري] أي فإن في مصر رب الحمار يسوقه أو يقوده، فإذا تنازع مع الراكب ولا بينة لواحد قضي للسائق أو للقائد. قوله: [وإن أقام أحدهم] إلخ: صورتها ثلاثة مشتركون في بيت فيه رحى

стр. 704

أو عمر وهما ساكتان، (ففي): أي فالرجوع عليهما في (الذمة) لا في الغلة الحاصلة منها. (و) قضى (بهدم بناء في طريق) يمر فيها الناس (ولو لم يضر) بالمارين، إذ لا حق له في ذلك مع كون البناء المذكور شأنه الضرر. وقد كثر ذلك في مصر، فكل من بنى أو جدد له بيتاً يزحف ببنائه أو بحانوته بسكة المسلمين حتى صارت الطرق ضيقة تضر بالناس كما هو مشاهد. (و) قضى (بجلوس باعة بأفنية دور لبيع خف) لا إن كثر لما فيه من الضرر. واحترز بقوله: "لبيع" من جلوسهم للتحدث ونحوه فإنهم يقامون (و) قضى (للسابق) من الباعة للأفنية إن نازعه فيه غيره ولو اشتهر به ذلك الغير. (كمسجد) ــ معدة للكراء، ثم إنها خربت واحتاجت للإصلاح فأقامها أحدهم بعد أن أبيا من الإصلاح ومن الإذن له فيه وقبل أن يقضي عليهم بالعمارة أو البيع، فالمشهور: أن الغلة الحاصلة لهم بالسوية بعد أن يستوفي منها ما أنفقه عليها في عمارتها إلا أن يعطوه النفقة، وإلا فيساويهم من أول الأمر، ومقابل المشهور ما روي عن ابن القاسم: أن الغلة كلها لمن عمر وعليه لشركائه كراء المثل على تقدير أن لو أكريت لمن يعمر. واستشكل الأول: بأن استيفاء ما أنفقه من الغلة فيه ضرر عليه لأنه دفع جملة وأخذ مفرقاً. وأجيب: بأنه هو الذي أدخل نفسه في ذلك إذ لو شاء لرفعهما للحاكم فيجبرهما على الإصلاح أو البيع ممن يصلح. قوله: [أو عمر وهما ساكتان]: اعلم أن فروع هذه المسألة سبعة: الأول: ما إذا استأذنهما في العمارة وأبيا واستمرا على المنع إلى تمام العمارة، والحكم: أنه يرجع بما عمر في الغلة. والثاني: أن يستأذنهما فيسكتا ثم يأبيا حال العمارة. والثالث: عكسه وهو أن يستأذنهما فيأبيا ثم يسكتا عند رؤيتهما للعمارة، والحكم في هذين الرجوع في الغلة كالأول. والرابع: أن يعمر قبل علم أصحابه ولم يطلعوا على العمارة إلا بعد تمامها، سواء رضوا بما فعل أو لا والحكم في هذه أنه يرجع بما أنفقه في ذمتهم لقيامه عنهم بما لا بد منه لهم. والخامس: أن يعمر بإذنهم ولم يحصل منهم ما ينافي الإذن حتى تمت العمارة. والسادس: أن يسكتوا حين العمارة عالمين بها سواء استأذنهم أم وحكمهما كالتي قبلهما. والسابع: أن يأذنوا له في العمارة ثم يمنعاه بعد ذلك، فإن كان المنع قبل شراء المؤن التي يعمر بها ثم عمر فإنه يرجع في الغلة وإن كان بعد شراء المؤن رجع عليهم في ذمتهم ولا عبرة بمنعهم له. تنبيه: يقضى بالإذن في دخول جاره في بيته لإصلاح جدار من جهته ونحوه؛ كغرز خشبة أو أخذ ثوب سقط أو دابة دخلت. ويقضي أيضاً بقسمة الجدار إن طلبت. وصفة القسمة عند ابن القاسم: أن يقسم طولاً من المشرق إلى المغرب مثلاً، فإذا كان طوله عشرين ذراعاً من المشرق إلى المغرب في عرض شبرين مثلاً أخذ كل واحد عشرة أذرع بالقرعة، ولا يقسم عرضاً بأن يأخذ كل واحد منهما شبراً من الجانب الذي يليه بطول العشرين ذراعاً بأن يشق نصفه كما رأى عيسى بن دينار؛ فإن ذلك فساد إن كان بالقرعة. وأما بالتراضي فيجوز طولاً أو عرضاً إذا تراضوا على أن كل واحد يأخذ نصيبه من جهته ويقضى على الجار أيضاً بإعادة جداره الساتر لغيره إن هدمه ضرراً إلا لإصلاح أو هدم بنفسه فلا يقضى على صاحبه بإعادته، ويقال للجار استر على نفسك إن شئت. قوله: [وقضى بهدم بناء في طريق]: أي نافذة أو لا ما لم تكن أصلها ملكاً له، بأن كانت داراً له وانهدمت وصارت طريقاً فله البناء ولا يهدم، وقيده بعضهم بما إذا لم يطل الزمان حتى يظن إعراضه عنها فليس له فيها كلام. قوله: [باعة بأفنية دور]: حاصله أنه يقضى بجلوس الباعة بأفنية الدور بشروط أربعة: إن خف الجلوس ولا يضر بالمارة لاتساع الطريق، وأن تكون الطريق نافذة، وأن يكون جلوسهم للبيع. وباعة: أصله بيعة بفتح الياء: جمع بائع؛ كحاكة وحائك صاغة وصائغ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفاً، وفناء المسجد كفناء الدور، والراجح جواز كراء الأفنية سواء كانت لدور أو حوانيت، فيجوز لصاحب الدور والحانوت أخذ الأجرة من الباعة الذين يجلسون كثيراً في فناء داره أو حانوته. قوله: [كمسجد]: الظاهر أن المراد به المكان المعد للطاعة المباح ليشمل عرفة ومنى ومزدلفة، فحكمها حكم المسجد في التفصيل. فإن قلت: ما الفرق بين المسجد والسوق؟ حيث قلتم في المسجد: يقضى به للسابق ما لم يعتده غيره وفي السوق: يقضى به للسابق ولو اشتهر به غيره، مع أنه كلاً مباح ولكل مسلم فيه حق؟ قلت: الفرق أن المسجد وما في معناه مباح مرغب فيه يمدح التعلق به

стр. 705

فإنه يقضى للسابق بمكان فيه (إلا أن يعتاده) في الجلوس (غيره): أي غير السابق في ذلك المكان لتعليم علم أو إقراء أو فتوى فإنه يقضى له به. وقيل: لا يقضى بل يأمر غيره بالقيام منه له بغير إلزام. (و) قضى على جار (بسد كوة) بفتح الكاف وضمها: أي طاقة (حدثت) وأشرفت على الجار وأما القديمة فلا يقضى بسدها. ويقول للجار: استر على نفسك إن شئت. وكذا إن كانت عالية لا يمكن التطلع على الجار منها إلا بصعود على سلم. والمنقول عن ابن القاسم؛ وبه القضاء: أن من حدث عليه ضرر من فتح كوة أو غيرها وسكت عشر سنين بلا عذر فلا مقال له بعد ذلك (و) إذا قضي بسدها (لا يكفي سد خلفها) مع بقائها على ما هي عليه، لأنه ذريعة في المستقبل لادعاء قدمها وإرادة فتحها بل لا بد من سدها من أصلها وإزالة ما يدل عليها من عتبة أو خشبة ونحوهما. (و) قضى (بمنع دخان كحمام) وفرن ومطبخ وقمين (و) بمنع (رائحة كريهة؛ كدبغ) ورائحة مذبح ومسمط. والمراد: الحادث من ذلك لا القديم. (و) بمنع (مضر بجدار) حدث كدق وطاحون وبئر وغرس شجر. (و) منع إحداث (إصطبل) لما فيه من ضرر رائحة الزبل بالجدار وصوت الدواب. (و) بمنع (حانوت قبالة باب ولو بسكة نفذت) على الأصوب، لأن الحانوت أشد ضرراً من فتح الباب لملازمة الجلوس به، ومحل المنع فيما ذكر (إن حدثت) لا إن كانت قديمة. (و) قضى (بقطع ما أضر من) أغصان (شجرة بجدار) لجاره (مطلقاً) حدثت أو كانت قديمة. وأما الشجرة نفسها قال ابن رشد: فلا سبيل لقلعها إذا كانت قديمة؛ أي لأن الكلام في أغصانها المنتشرة على جدار الجار فهل يقطع ولو كانت قديمة وهو المعتمد أو لا يقضى بقطعه إلا إذا حدثت وهو قول ابن الماجشون (لا) يقضى بمنع بناء (مانع ضوء وشمس وريح الأندر [١]): أي جرين، ومثل الأندر: طاحون الريح إذا حدث ما يمنع الريح عنها فيقضى بمنعه. (و) لا يقضى بمنع (علو بناء) على بناء جاره إلا أن يكون ذمياً بجار مسلم فيمنع (ومنع) الجار إذا علا ببنائه (من الضرر) كالتطلع على جاره بالإشراف من العلو الذي بناه. (ولا) يقضى بمنع (صوت كمد) وهو دق القماش لتحسينه (ونحوه) كحداد ونجار وصائغ لخفة ذلك، ولذا قال بعضهم: هذا ما لم يشتد ويدم وإلا منع (و) لا من إحداث (باب بسكة نفذت) ولو لم تكن السكة واسعة على المعتمد، وسواء نكب عن باب جاره أو لم ينكب؛ لأن شأن النافذة عدم فتح أبواب بيوتها فلا ضرر في إحداث باب قبالة باب جاره. (كغيرها) أي غير النافذة (إن نكب) أي بوعد عن باب جاره أي لم يكن مقابلاً له بحيث لو فتح لم يشرف منه على ما في دار جاره وإلا منع. ــ فيه يتنافس المتنافسون، فلذلك قيد القضاء فيه للسابق بعدم اعتياده للغير، والسوق - وإن كان مباحاً للجلوس فيه - فإنما هو عند الضرورات فلا تتنافس فيه العقلاء ولذلك ورد: «أن خير البقاع المساجد وشرها الأسواق». قوله: [فإنه يقضى للسابق]: وانظر: هل يكفي السبق بالفرش فيه؟ أو لا بد أن يكون بذاته والسبق بالفرش تحجير؟ لا يجوز ذكر (ح) فيه خلافاً. قوله: [إلا أن يعتاده]: أي لما في صحيح مسلم عنه ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به». قوله: [وقيل لا يقضى]: المعتمد القضاء للمشتهر. قوله: [وكذا إن كانت عالية]: مثل العلو ما إذا كان يتراءى منها المزارع والحيوانات، فمحل السد إن كان يتطلع منها على الحريم أو ما في معناه. قوله: [لا يكفي سد خلفها]: المناسب تقدير الفاء لوقوعها في جواب "إذا". قوله: [بمنع دخان كحمام]: أي بمنع إحداث ذي دخان تتضرر الجيران بسببه. وقوله: [وبمنع رائحة]: أي وقضى بمنع إحداث ذي رائحة كريهة. قوله: [كدبغ]: أي مدبغة. والمذبح: المحل المعد للذبح: والمسمط: هو الإناء الذي يسمط فيه السقط لإزالة ما فيه من الأقذار، ومثل المسمط المصلق: وهو الإناء الذي يطبخ فيه السقط. ويمنع الشخص من تنفيض الحصر ونحوها على باب داره إذا أضر الغبار بالمارة، ولا حجة له أنه إنما فعله على باب داره، قاله ابن حبيب. قوله: [وبمنع مضر بجدار]: أي وأما إذا كان الصوت فقط ولا يضر بالجدار فلا يمنع كما يأتي. قوله: [وبمنع إحداث إصطبل]: اعترض بأن هذا مستغنى عنه لأنه إذا كان لمنع الرائحة فهو داخل في قوله: "ورائحة كريهة"، وإن كان للضرر بالجدار فهو داخل فيما قبله، وإن كان للتأذي بالصوت فهو لا يقتضي منع الإحداث كما يأتي في قوله: ولا صوت كمد ونحوه. وأجيب بأن العلة في منع إحداثه الرائحة وضرر الجدار، لكن المصنف أراد التنصيص على عين المسائل. قوله: [ولو بسكة نفذت]: أي خلافاً لابن غازي من التقييد بالسكة غير النافذة. قوله: [لا يقضى بمنع بناء مانع] إلخ: هذا هو المشهور، ومقابله ما رواه ابن دينار عن ابن نافع: أنه يمنع من مانع الضوء والشمس والريح. قوله: [إلا أن يكون ذمياً]: واختلف هل يمنع من مساواته للمسلم أو لا؟ تنبيه: كما لا يمنع الشخص المسلم من علو بنائه على بناء جاره لا يمنع من إحداث ما ينقص الغلة اتفاقاً كإحداث فرن قرب فرن أو حمام قرب حمام أو طاحون قرب طاحون كما في (ح). قوله: [ولذا قال بعضهم]: أي وهو المواق فإنه قال ومحل عدم المنع ما لم يشتد ويدم وإلا منع من ذلك.

стр. 706

(و) لا يمنع من إحداث (روشن): وهو الجناح الذي يخرج به جهة السكة في علو الحائط لتوسعة العلو. (و) لا يمنع من إحداث (ساباط) سقف في السكة (لمن له الجانبان) أي بيت قبالة بيته والسكة بينهما (ولو بغير) السكة (النافذة) على المعتمد، فلا يتوقف الإحداث على إذن بقية أهل الزقاق ومشى الشيخ على التفصيل بين النافذة وغيرها تبعاً لجماعة من أهل المذهب ورجح أيضاً. ومحل جواز الروشن والساباط: ما لم يضر بالمارة في النافذة وغيرها، بأن رفعا رفعاً بيناً عن رؤوس الناس والإبل المحملة، وإلا منعا ولذا قال (إلا لضرر بالمارة و) لا يمنع من (صعود نخلة) لأخذ ثمرها أو تقليمها (وأنذر) الراقي عليها وجوباً، وقيل: ندباً (بطلوعه) عليها ليستتر الجار، (بخلاف المنارة) التي يشرف من صعد عليها للأذان على الجار، فإنه يمنع (ولو) كانت المنارة (قديمة): لأن الأذان يتكرر بخلاف النخلة فإن الصعود عليها نادر. (وندب) للجار (تمكين جار) له (من غرز خشب في جدار) لأنه من المعروف ومكارم الأخلاق. (و) ندب للإنسان (إرفاق) لغيره من جار أو قريب أو أجنبي ويتأكد في القريب والجار قال تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل ــ قوله: [ولا يمنع من إحداث روشن] إلخ: حاصله: أن المعتمد في الروشن والساباط جواز إحداثهما مطلقاً كانت السكة نافذة أو غير نافذة، ولا يحتاج لإذن حيث رفع عن رؤوس الركبان رفعاً بيناً ولم يضر بضوء المارة. قوله: [تبعاً لجماعة]: قال ابن غازي: التفصيل بين النافذة وغيرها لأبي عمران، ونقله عن المتيطي، وعليه اقتصر ابن الحاجب وقبله ابن عبد السلام وابن هارون. قوله: [بخلاف المنارة]: محل منع الصعود عليها ما لم يجعل لها ساتر من كل جهة يمنع من الاطلاع على الجيران، وما لم يكن الصاعد أعمى كما عندنا بمصر. قوله: [تمكين جار له من غرز خشب]: أي لما في الموطأ: «لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره» رواه ابن وهب " خشبة " بالإفراد ورواه بعضهم بصيغة الجمع، حمل مالك ذلك على الندب وحمله الشافعي وأحمد على الوجوب. واختلف هل: لجار المسجد غرز خشبة في حائطه؟ وبه أفتى ابن عتاب نقلاً له عن الشيوخ، أو ليس له ذلك؟ وبه قال ابن ناجي. قوله: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ [النساء: ٣٦]: أي وأحسنوا بالوالدين إحساناً وإنما قرن بر الوالدين بعبادته وتوحيده لتأكد حقهما على الولد. عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك: ثم من؟ قال: أمك، ثم أبوك ثم أدناك فأدناك»، وفي رواية عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رغم أنفه رغم أنفه قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ولم يدخل الجنة». قوله: ﴿وبذي القربى﴾ [النساء: ٣٦]: أي وأحسنوا إلى ذوي القربى وهم ذوو رحمه من قبل أبيه أو أمه، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه»، ومعنى ينسأ له في أثره يؤخر له في أجله. قوله: ﴿واليتامى والمساكين﴾ [النساء: ٣٦]: أي وأحسنوا إلى من ذكر وإنما أمر بالإحسان إليهم لأن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز الصغر وعدم النفقة. والمسكين هو الذي ركبه ذل الفاقة والفقر فتمسكن لذلك وفي الحديث: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً»، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله»، وأحسبه قال: «وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذي لا يفطر». قوله: ﴿والجار ذي القربى﴾ [النساء: ٣٦]: أي وأحسنوا إلى الجار الذي قرب جواره منكم، وقيل الجار ذو القربى هو القريب. قوله: ﴿والجار الجنب﴾ [النساء: ٣٦]: أي الذي بعد جواره عنك، أو هو الأجنبي الذي ليس بينك وبينه قرابة. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». «وعن عائشة قالت: قلت يا رسول الله: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال إلى أقربهما باباً لك». وعن أبي ذر قال: «قال رسول الله ﷺ : يا أبا ذر إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه وتعاهد جيرانك» وفي رواية قال: «أوصاني خليلي ﷺ قال: إذا طبخت مرقاً فأكثر ماءه ثم انظر إلى أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف». وقال رسول الله ﷺ : «يا نساء المؤمنات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» معناه: ولو أن تهدي لها الشيء الحقير الذي هو كظلف الشاة. قوله: ﴿والصاحب بالجنب﴾ [النساء: ٣٦]: قال ابن عباس: هو الرفيق في السفر، وقيل هو المرأة تكون معك إلى جنبك، وقيل هو الذي يصحبك رجاء نفعك. قال رسول ﷺ : «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره». قوله: ﴿وابن السبيل﴾ [النساء: ٣٦]: يعني المسافر المجتاز بك الذي قد انقطع به، وقال الأكثرون: المراد بابن السبيل الضيف يمر بك فتكرمه وتحسن إليه. قال ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قدم. قالوا وما جائزته

стр. 707

وما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٦] (بماء) لشرب أو غيره (وماعون) كإناء وفأس وسكين. (و) ندب (إعانة في مهم) كموت وعرس وسفر (و) ندب (فتح باب لمرور) في دار لها بابان وأراد الجار أن يمر في الدار بدخوله من باب ليخرج من الآخر لحاجة، ولا ضرر على رب الدار. (فصل) في المزارعة وأحكامها (المزارعة: الشركة في الزرع)، ويقال: الشركة في الحرث وبه عبر اللخمي، وعقدها غير لازم قبل البذر ونحوه. (ولزمت بالبذر ونحوه) والبذر: إلقاء الحب على الأرض لينبت: ومثل البذر وضع الزريعة بالأرض مما لا بذر لحبه، كالبصل والقصب وهذا هو المراد بـ "نحوه"، وليس المراد بالنحو قلب الأرض وحرثها؛ فإنهم صرحوا أن الراجح أنها لا تلزم بالعمل قبل البذر ولو كان له بال. والشيخ ﵀ أطلق البذر على ما يعم وضع الشتل ونحوه بالأرض لا خصوص الحب. وقيل: إن قلب الأرض يوجب اللزوم، وقيل: إنها تلزم بالعقد كشركة المال والراجح ما ذكرناه. (فلكل) من الشريكين أو الشركاء (فسخها قبله) أي البذر؛ فلو بذر البعض فالنقل عن ابن القاسم في المدونة أنه إن بذر البعض لزم العقد فيما بذر ولكل الفسخ فيما بقي. وظاهره: قل ما بذر أو كثر، فالتنظير الواقع هنا قصور لوجود النص فقوله: "قبله": أي ولو حصل كبير عمل. قال ابن رشد: وكذلك إن كانا قد قلبا الأرض ولم يزرعاها بعد لم يلزم الآبي منهما أن يزرعها معه. اهـ. واعلم أنهما إن تساويا في الأرض والعمل والآلة والزريعة جازت اتفاقاً. وإن اختص أحدهما بالبذر والآخر بالأرض فسدت اتفاقاً لاشتمالها على كراء الأرض بما يخرج منها. وما عدا هذين الوجهين مختلف فيه وسيأتي بيان الراجح. هذا هو النقل؛ فقول من قال: إنه قيل بالمنع مطلقاً أي ولو وجدت الشروط الآتية فيه نظر، إلا أن يحمل كلامه على ما عدا صورة التساوي المتقدمة. ثم أشار لشروط صحتها بقوله: (وصحت) المزارعة بشروط ثلاثة: أولها قوله: (إن سلما): أي الشريكان ــ يا رسول الله؟ قال يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه» زاد في رواية: «ولا يحل لرجل أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه، قالوا: يا رسول الله، كيف يؤثمه قال: يقيم عنده ولا شيء له يقريه به» اهـ. وقيل معنى الجائزة الزاد الذي يعطيه له بعد الضيافة، أي فيقري الضيف ثلاثة أيام ثم يعطيه ما يجوز به من منهل إلى منهل. قوله: ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٦]: يعني المماليك، والإحسان إليهم ألا يكلفهم ما لا يطيقون، ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، وأن يعطيهم من الطعام والكسوة بقدر الكفاية. عن علي بن أبي طالب قال: «كان آخر كلام رسول الله ﷺ : اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم». وفي الحديث أيضاً: «هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم» اهـ. ملخصاً من الخازن. قوله: [وندب إعانة]: أي لأي مسلم لما في الحديث: «الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه». قوله: [ولا ضرر على رب الدار]: الجملة حالية أي فمصب تمكينه من المرور إن لم يكن عليه ضرر وإلا فلا يؤمر بذلك. فصل في المزارعة لما كانت شركة المزارعة قسماً من الشركة ناسب أن يعقبها لها، وإنما أفردها بترجمة لمزيد أحكام وشروط تخصها وإلا فحقها أن تدرج في الشركة. قوله: [المزارعة] إلخ: مأخوذة من الزرع وهو ما تنبته الأرض لقوله تعالى: ﴿أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤] وصيغة المفاعلة شأنها أن تكون من اثنين يفعل كل منهما بصاحبه مثل ما يفعله الآخر به مثل المضاربة، ويتصور هذا في بعض الصور، وهو إذا كان العمل من كل والبذر عليهما واطردت في الباقي. قوله: [وعقدها غير لازم قبل البذر]: أي بخلاف شركة الأموال فإنها تلزم بالصيغة على المعتمد كما مر، وهذا مذهب ابن القاسم. قوله: [وضع الشتل]: أي كشتل البصل والخس والأرز، وقوله ونحوه أي كعقل القصب والشجر. قوله: [وقيل إنها تلزم بالعقد]: هذا قول ابن الماجشون وسحنون، وإنما وقع هذا الاختلاف في المزارعة لأنها شركة عمل وإجارة، فمن غلب العمل قال: غير لازمة بالعقد وشرط فيها التكافؤ والاعتدال إلا أن يتطوع أحدهما بزيادة بعد العقد، ومن غلب الإجارة قال: هي لازمة بالعقد وأجاز فيها التفاضل وعدم التكافؤ، وقيل: إنها تلزم بالعقد إذا انضم له، وهو الذي أفاده بقوله: وقيل: إن قلب الأرض يوجب اللزوم فجملة الأقوال ثلاثة. قوله: [فالتنظير الواقع هنا]: أي من الأجهوري. قوله: [جازت اتفاقاً]: أي كما في التوضيح ومراده اتفاق أهل المذهب، فإن أبا حنيفة يقول بمنعها مطلقاً وإن خالفه صاحباه. قوله: [لاشتمالها على كراء الأرض بما يخرج منها]: أي إلا على قول الداودي والأصيلي ويحيى بن يحيى بجواز كراء الأرض بما يخرج منها. قوله: [فقول من قال] إلخ: القائل بالمنع مطلقاً (عب). قوله: [إلا أن يحمل كلامه] إلخ: أي أو يحمل على قول أبي حنيفة كما تقدم.

стр. 708

(من كراء الأرض بممنوع) أي بأجر ممنوع كراؤها به؛ وهو الطعام ولو لم تنبته الأرض كعسل، وما تنبته ولو غير طعام كقطن وكتان، إلا الخشب كما يأتي في الإجارة. ولما كان هذا الشرط لا يخص المزارعة بل هو عام فيها وفي غيرها فسره بشيء خاص بها بقوله: (بأن لا يقابلها بذر) كلاً أو بعضاً من غير ربها، فلو قابلها بذر كأن يكون البذر من أحدهما والأرض للآخر فسدت كما سيأتي. والثاني قوله: (ودخلا على أن الربح) بينهما (بنسبة المخرج) بفتح الراء: أي ما أخرجه كل منهما؛ كأن يكون كراء الأرض مائة وكراء العمل من بقر أو غيره سوى البذر مائة ودخلا على أن الربح مناصفة، أو أخرج أحدهما ما يساوي خمسين وأخرج الآخر ما يساوي مائة ودخلا على أن لصاحب المائة من الربح الثلثين ولصاحب الخمسين الثلث، وهكذا، فإن دخلا في الأول على الثلث والثلثين وفي الثاني على المناصفة فسدت. (وجاز التبرع) من أحدهما للآخر بالزيادة من عمل أو ربح (بعد اللزوم) أي بعد لزوم الشركة بالبذر بعد العقد الصحيح. والشرط الثالث قوله: (وتماثل البذران) منهما إن أخرجاه من عندهما كما لو كانت الأرض بينهما وأخرج كل منهما منابه في البذر فلا بد من تماثلهما (نوعاً) كقمح أو شعير أو فول (لا) إن اختلفا (كقمح) من أحدهما (وشعير) أو فول من الآخر. ومن التماثل أن يخرج كل منهما منابه فولاً مثلاً ومنابه قمحاً؛ بأن يخرجا معاً إردب فول يزرع على جهة وإردب قمح يزرع في جهة أخرى فإنه صحيح. فإن أخرج أحدهما من البذر غير ما أخرجه الآخر فسدت ولكل ما أنبته بذره، ويتراجعان في الأكرياء، والشيخ لم يذكر هذا الشرط؛ فلعله يرى أنه لا يشترط وتصح الشركة في ذلك، وهو قول، إلا أنه يرده أن الشيخ اشترط خلط البذرين ولو حكماً ولا يتأتى خلط في النوعين، فالظاهر أنه اكتفى بذكر الخلط عن تماثلهما ثم إن مذهب مالك وابن القاسم أنه لا يشترط خلط البذرين حقيقة ولا حكماً بل إذا خرج كل منهما ببذره وبذره في جهة فالشركة صحيحة وهو الراجح الذي به الفتوى، وليس لابن القاسم قول باشتراطه خلافاً لما في بعض الشراح، وإنما القولان لسحنون، وقوله باشتراطه ضعيف لا يعول عليه فكان على الشيخ تركه ولا يتم تفريعه بقوله: فإن لم ينبت بذر أحدهما وعلم، إلخ. إلا على مذهب مالك وابن القاسم، فعلم أن الشروط ثلاثة فقط وبعضهم اقتصر على الأولين فقط. ثم مثل لما استوفى الشروط بخمسة مسائل فقال: (كأن تساويا): أو تساووا إن كانوا أكثر (في الجميع) بأن تكون الأرض بينهما والعمل بينهما والآلة كذلك بكراء أو ملك منهما أو من أحدهما. وهذه [١] مما لا خلاف في جوازها كما تقدم. (أو قابل البذر) من أحدهما عمل من الآخر والأرض بينهما (أو) قابل (الأرض) من أحدهما عمل من الآخر والبذر بينهما. (أو هما): أي قابل البذر والأرض معاً من أحدهما (عمل) من الآخر. فهذه الثلاثة جائزة أيضاً كالأولى لأنه لم يقابل الأرض بذر فيها ولا بد من بقية الشروط بأن يدخلا على أن الربح بينهما على حسب ما أخرج كل، وأن يتماثل البذران في المسألة الثالثة؛ وهي ما إذا قابل الأرض عمل وكان البذر بينهما. وتقدم أن التبرع بزيادة عمل أو ربح بعد لزومها مغتفر. ــ قوله: [من كراء الأرض بممنوع]: أي فإن لم يسلما منعت، وقالت الشافعية: محل منع كراء الأرض بما يخرج منها إذا اشترطا الأخذ من عين ما يخرج من خصوص تلك البقعة صريحاً ولم يكتفوا بالجنس وهي فسحة. قوله: [كعسل]: أي للنحل. قوله: [كقطن وكتان]: أي وحلفاء وحشيش، وأما البوص الفارسي والعود القاقلي والصندل والشب والكبريت ونحوهما [٢] من المعادن فيجوز كراؤها بها لأنها ملحقة بالخشب كما في فتاوى الأجهوري و (شب). قوله: [بعد اللزوم]: أي وأما قبله فمفسد، ولو صرحوا بأنه تبرع. قوله: [أن الشيخ اشترط خلط البذرين ولو حكماً]: أي وهو أحد قولي سحنون قال (ر): هذا الشرط لسحنون وسيأتي ذلك. قوله: [فعلم أن الشروط ثلاثة]: أي وهي سلامتهما من كراء الأرض بممنوع، والتساوي في الربح بأن يأخذ كل واحد قدر ما أخرج. وتماثل البذرين. قوله: [وبعضهم اقتصر على الأولين فقط]: أي وهو الذي اقتصر عليه ابن شاس وأبو الحسن كما قال (بن). قوله: [بخمسة مسائل]: المناسب حذف التاء. قوله: [كأن تساويا أو تساووا]: أي دخلوا على أن كل واحد يأخذ من الربح بقدر ما أخرج وإلا فلا تجوز كما مر للدخول على التفاوت في الربح. قوله: [أو من أحدهما]: أي ملك من أحدهما وكراء من الآخر. قوله: [عمل من الآخر]: المراد به الحرث، وما في معناه كعزق الأرض لا السقي والحصاد والدراس، لأنه مجهول فمتى شرط عليه فسدت الشركة والعرف كالشرط، وليس للعامل عند شرط هذا الزائد إلا أجرة عمله، وأما لو تطوع بزائد عن الحرث وما في معناه بعد العقد فذلك جائز، وما ذكرناه من عدم جواز اشتراط الحصاد والدراس وما معهما هو قول سحنون، وصححه ابن الحاجب والتونسي، وعن ابن القاسم: المراد بالعمل الحرث والحصاد والدراس

стр. 709

فقوله: "عمل" راجع للثلاثة مسائل قبله. (أو) كان (لأحدهما الجميع): الأرض والبذر والآلة من حيوان وغيره (إلا عمل اليد فقط) من حرث وتنقية وحصد ودرس، وهي جائزة بشرط زائد على ما تقدم أشار له بقوله: (إن عقدا بلفظ الشركة) على أن للعامل جزءاً من الخمس أو غيره وتسمى: مسألة الخماس (لا) إن عقد بلفظ (الإجارة): لأنها إجارة بأجر مجهول وهي فاسدة (أو أطلقا): أي لم يقيدا بلفظ شركة ولا إجارة (فتفسد) أيضاً لحمل الإطلاق على الإجارة عند ابن القاسم، وحمله سحنون على الشركة فأجازها. وصرح بالفساد -وإن علم من النفي- لأجل أن يشبه فيه قوله: (كإلغاء أرض لها بال) من أحدهما (وتساويا في غيرها) من بذر وعمل وآلة؛ فتفسد لعدم التساوي مع إلغاء الأرض، فإن دفع لربها نصف كرائها جاز لعدم التفاوت. فإن كانت الأرض لا بال لها جاز كما في المدونة لأن ما لا بال له كالعدم. (أو لأحدهما أرض ولو رخيصة) لا بال لها (وعمل) ومن الآخر البذر، ففاسدة لمقابلة جزء من الأرض ببذر بخلاف مسألة المدونة السابقة فإن فيها التساوي في الجميع، فالأرض الرخيصة كالعدم. وهنا الأرض والعمل من جهة والبذر من أخرى فقد قابل بعض الأرض ببعض البذر وإن رخيصة. وقال سحنون بالجواز في الرخيصة وصوب ابن يونس الأول وهو قول ابن عبدوس فحق قوله على الأصح على الأرجح. (ثم إن فسدت) المزارعة لفقد شرط أو وجود مانع كما لو تلفظا بالإجارة أو أطلقا في مسألة الخماس أو كاللتين بعدها فإما أن يقع العمل منهما أو ينفرد به أحدهما فإن وقع منهما (وعملا معاً) وكان البذر لأحدهما وللآخر الأرض (فبينهما) الزرع (وترادا غيره) فعلى صاحب البذر نصف كراء أرض صاحبه وعلى صاحب الأرض لرب البذر نصف مكيلة الزرع (وإلا) يعملا معاً بل انفرد أحدهما بالعمل، وله مع عمله إما الأرض وإما البذر -وعلى كل حال فهي فاسدة- (فللعامل) الزرع وحده (إن كان له) مع عمله (أرض أو بذر أو بعض كل) منهما بأن كانت الأرض بينهما أو البذر أو هما والعمل في كل من أحدهما وعلة الفساد التفاوت. (وعليه): أي العامل الذي حكم له بجميع الزرع (مثل البذر) إذا كان له مع عمله الأرض وكان البذر من صاحبه أو بعض الأرض؛ كما لو كانت الأرض بينهما وأخرج صاحبه البذر فقد قابل بعض البذر بعض الأرض فالزرع للعامل وعليه مثل البذر لصاحبه (أو) عليه (الأجرة): أي أجرة الأرض أو البقر المنفرد به لآخر [١] إن كان له مع عمله بذر وكانت الأرض أو مع البقر لصاحبه. و "أو" في قولنا: "أو أجرة" لمنع الخلو. فتجوز الجمع كما لو كان كل من الأرض والبذر بينهما والعمل على أحدهما ففاسدة للتفاوت فالزرع للعامل، وعليه لصاحبه أجرة أرضه ومثل بذره، والأرض الخراجية كأرض مصر يراعى فيها أجرة المثل بعد إخراج مال الديوان. ومفهوم قولنا: "إن كان له" إلخ أنه إذا لم يكن للعامل بذر ولا أرض بل كان له عمل يده فقط. كما في مسألة الخماس إذا عقداها بلفظ الإجارة أو أطلقا فلا يكون له شيء من الزرع، وإنما يكون له أجرة عمله فقط والزرع لرب الأرض والبذر. فرجع الأمر إلى ما هو المعتمد من ــ فيجوز اشتراطها على العامل كما يؤخذ من (بن). قوله: [راجع للثلاثة مسائل]: المناسب حذف التاء. قوله: [وحصد ودرس]: هذا مرور على قول ابن القاسم المتقدم. قوله: [لا إن عقدا بلفظ الإجارة]: شروع في ذكر المسائل الفاسدة. قوله: [أو أطلقا]: أي أو عقد بالإطلاق فهو عطف على الإجارة باعتبار المعنى فلا يقال إن فيه عطف الفعل على الاسم غير المشابه للفعل. قوله: [على الإجارة]: أي وهي إجارة بجزء مجهول القدر. قوله: [وإن علم من النفي]: أي في قوله لا الإجارة أو أطلقا. قوله: [أو لأحدهما أرض ولو رخيصة] هذه رابعة المسائل الفاسدة، وبقي ما إذا أخرج أحدهما الأرض وبعض البذر، والآخر العمل وبعض البذر، ويأخذ العامل من الربح أنقص من نسبة بذره، وبقي ما إذا كان كل من البذر والأرض لكل منهما والعمل من أحدهما ومنعها للتفاوت وما إذا تساويا في الجميع وأسلف أحدهما البذر فيمنع للسلف بمنفعة. قوله: [لمقابلة جزء من الأرض ببذر]: المناسب قلب العبارة بأن يقول جزء من البذر بأرض. قوله: [فقد قابل بعض الأرض]: المناسب حذف بعض. قوله: [أو وجود مانع]: عطف لازم على ملزوم وقوله: كما لو تلفظ بالإجارة إلخ مثال لهما. قوله: [نصف مكيلة الزرع]: صوابه البذر. قوله: [فقد قابل بعض البذر بعض الأرض فالزرع للعامل]: هذا التفريع راجع لما إذا كانت الأرض كلها من عند العامل والبذر كله من عند غيره ولم يفرع على ما إذا كانت الأرض بينهما وهو أنه يقال قد قابل البذر العمل وإنما فسدت للتفاوت. قوله: [و"أو" في قولنا أو أجرة]: المناسب أو الأجرة. قوله: [فرجع الأمر إلى ما هو المعتمد] إلخ: لا يظهر موافقته لقول ابن القاسم في جميع الصور، بل يخالفه فيما إذا لم ينفرد صاحب

стр. 710

الأقوال الستة؛ وهو قول ابن القاسم واختاره ابن المواز: أن الزرع في الفاسدة لمن اجتمع له شيئان من أصول ثلاثة البذر والأرض والعمل (ولو كان): أي الشركاء (ثلاثة) فأكثر؛ (فالزرع لمن له شيئان) منها؛ (تعدد) من له الشيئان (أو انفرد) فإن انفرد فظاهر وإن تعدد كان بينهما أو بينهم وأعطي لمن انفرد بشيء [١] مثل بذره إن كان ما انفرد به بذراً أو أجرته إن كان غير بذر. (فلو انفرد كل) منهم (بشيء) واحد من الأصول الثلاثة (فبينهم) الزرع أثلاثاً كما لو كان لكل منهم شيئان. اهـ. مذهب ابن القاسم. القول الثاني: أن الزرع لصاحب البذر، وعليه لأصحابه أجر ما أخرجوه. الثالث لابن حبيب: أن الشركة إن فسدت للمخابرة أي كراء الأرض بما يخرج منها فالزرع لرب البذر وإن فسدت لغيرها كان بينهم على ما شرطوا وتعادلوا فيما أخرجوه. الرابع: أن الزرع لصاحب عمل اليد ولو انفرد به وعليه لأصحابه ما أخرجوه من بذر أو أرض. الخامس: لمن اجتمع له شيئان من أربعة أشياء؛ أرض وبذر وعمل يد وبقر. السادس: لمن له شيئان من ثلاثة أشياء؛ أرض، وبقر وعمل. وكلام الشيخ مع إجماله قاصر فينبغي حله بما لابن القاسم، والله أعلم بالصواب. (باب) في الوكالة وأحكامها (الوكالة): بفتح الواو وكسرها: وهي لغة الحفظ والكفالة والضمان والتفويض. يقال: وكلت أمري لفلان فوضته إليه. وشرعاً: ما أشار له بقوله: "نيابة" إلخ. أركانها أربعة: موكل، ووكيل، وموكل فيه، وصيغة تعلم من قوله: (نيابة): وهي تستلزم منيباً ومناباً (في حق) من الحقوق المالية أو غيرها كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، كأنه قال: نيابة شخص لغيره في حق، وهذا إشارة إلى الموكل فيه، وستأتي الصيغة في قوله: "بما يدل". (غير مشروطة) تلك النيابة (بموته) أي النائب خرج به الوصية (ولا إمارة): عطف على "غير" كأنه قال: وغير إمارة، خرج به نيابة السلطان أميراً أو قاضياً أو نيابة القاضي قاضياً في بعض عمله؛ فلا تسمى وكالة عرفاً. ومثل للحق بقوله: (كعقد) لنكاح أو بيع أو إجارة أو غير ذلك فيجوز توكيل الغير فيه (وفسخ) لعقد مما ذكر إذا جاز كعقد مزارعة قبل البذر أو ولي سفيه أو سيد النكاح أو بيع وشمل الطلاق ــ العمل بشيئين فإن مقتضى ما تقدم يكون الزرع لصاحب العمل، ومقتضى المنسوب لابن القاسم يكون لمن اجتمع له الشيئان مطلقاً كما هو صريح المصنف بعد. قوله: [لمن له شيئان منها]: أي من الأصول الثلاثة. قوله: [فالزرع لرب البذر]: أي كان معه غيره أو لا. قوله: [على ما شرطوا]: أي اجتمع لكل واحد شيئان أو لا. قوله: [ولو انفرد به]: أي هذا إذا صحب عمل اليد شيء آخر من بقر أو بذر أو أرض بل ولو انفرد به. قوله: [لمن اجتمع له شيئان من أربعة أشياء]: أي فإذا كانوا ثلاثة مثلاً واجتمع لكل واحد منهم شيئان من هذه الأربعة فإنهم يشتركون. قوله: [السادس لمن له شيئان]: وقد نظم ابن غازي تلك الأقوال بقوله: الزرع للعامل أو للباذر ... في فاسد أو لذوي المخابر ومن له حرفان من إحدى الكلم ... عاب وعاث ثاعب يا من فهم والمراد بالمخابر هنا: الذي يعطي أرضه بما يخرج منها وإلا عين للعمل، والألفات للأرض، والباءان للبذر، والثاءان للثيران. فقوله " عاب " إشارة للقول الأول، " وعاث " للقول السادس، و " ثاعب " للقول الخامس. قوله: [فينبغي حله بما لابن القاسم]: قد علمت أن حمله على كلام ابن القاسم بعيد لأن كلام مصنفنا نظير كلام خليل. باب في الوكالة باب لما كان بين الوكالة والشركة مناسبة من جهة أن فيها وكالة أتبعها بها . قوله: [موكل]: أي وهو صاحب الحق. وقوله: [ووكيل] فعيل بمعنى فاعل أي متوكل، أو بمعنى مفعول. وقوله: [وموكل فيه]: أي وهو الحق الذي يقبل النيابة. قوله: [تعلم]: أي تلك الأركان. قوله: [منيباً ومناباً] أي موكلاً ووكيلاً. قوله: [من الحقوق المالية أو غيرها]: أي كالتعازير فالمدار على كونه يقبل النيابة. قوله: [كأنه قال نيابة شخص] إلخ: أي فنيابة مصدر منون حذف فاعله على حد: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة - يتيما﴾ [البلد: ١٤ - ١٥] وحذفه قياسي لقول بعضهم: عند النيابة مصدر وتعجب ... ومفرغ ينقاس حذف الفاعل قوله: [أي النائب]: صوابه أي ذي الحق. قوله: [خرج به الوصية]: أي لأنه لا يقال فيها عرفاً وكالة ولذا فرقوا بين فلان وكيل ووصي. قوله: [خرج به نيابة السلطان أميراً]: أي وهي النيابة العاملة. وقوله: [أو نيابة القاضي قاضياً]: أي وهي النيابة الخاصة. قوله: [كعقد لنكاح]: لكن إن كان الموكل الزوج جاز ولو صبياً أو امرأة، وأما إن كان الموكل الزوجة فيشترط فيه شروط الولي كما تقدم في النكاح. قوله: [لنكاح أو بيع]: راجع لولي السفيه أو السيد. قوله: [وشمل الطلاق]: أي يدخل الطلاق في الفسخ بناء على أن المراد بالفسخ مطلق الحل، وفي (شب) أنه داخل في العقد فعلى كل حال يجوز التوكيل على الطلاق، وإن كانت المرأة وقت

стр. 711

والإقالة والخلع (وأداء) لدين (أو قضاء) له (وعقوبة) لمن له ذلك من أمير أو سيد أو زوج، وشملت التعازير والحدود فيجوز التوكيل فيها (وحوالة) فيجوز أن يوكل من يحيل غريمه على مدين له (وإبراء) من حق (وإن جهله) أي الحق (الثلاث) الموكل والوكيل ومن عليه الحق كأن يوكل إنساناً في إبرائه ذمة من عليه حق من مال أو غيره والإبراء هبة وهي تجوز بالمجهول (وحج) بأن يوكل من يحج عنه غير الفريضة أو من يستنيب له من يحج عنه وكذا الهبة والصدقة والوقف وقبض حق وكل ما يقبل النيابة. (لا في) ما لا يقبلها من الأعمال البدنية نحو (يمين) فلا يصح توكيل من يحلف عنه (وصلاة) فلا يصح توكيل من يصلي عنه فرضاً أو نفلاً، بخلاف توكيل غيره في الإمامة بمحل يؤم فيه الناس أو يخطب عنه فيجوز. (و) لا في (معصية كظهار): فلا يوكل من يظاهر عنه زوجته ولا يلزمه شيء. وكذا سائر المعاصي: فمن أمر غيره أن يشتري له خمراً أو يقتل نفساً بغير حق أو يغصب أو يسرق ونحو ذلك فلا يقال له نيابة، ويقال له أمر. ومن قال لغيره: افعل لي ما يجوز، كاسرق لي مالي الذي بيد فلان أو: اغصبه لي منه، أو: اقتل لي من قتل أبي الثابت شرعاً سمي نيابة ووكالة. ــ عقد التوكيل حائضاً فإن أوقعه الوكيل حالة الحيض جرى على حكم المطلق فيه. قوله: [وأداء لدين]: أي بأن يوكل من عليه الدين شخصاً يؤديه عنه لأربابه. وقوله: [أو قضاء له]: المناسب أو اقتضاء له بأن يوكل شخصاً يقبضه ممن هو عليه وبقاء القضاء على ما هو عليه يكون عين الأداء فيكون غير مفيد شيئاً. قوله: [وشملت التعازير]: أي فللإمام أن يوكل من يباشر ذلك نيابة عنه. قوله: [وحوالة]: زاد ابن شاس وابن الحاجب التوكيل في الحمالة، وفسر ذلك ابن هارون بأن يوكله على أن يتكفل لفلان بما على فلان، وقد كان التزم لرب الدين الذي على فلان أن يأتيه بكفيل عنه. قوله: [وهي تجوز بالمجهول]: أي عندنا خلافاً للسادة الشافعية. قوله: [وحج]: أي فتصح النيابة فيه وإن كان مكروهاً لقول خليل في باب الحج: ومنع استنابة صحيح في فرض وإلا كره. قوله: [وقبض حق]: أي ديناً أو أمانة فهو أعم من قوله فيما تقدم، أو قضاء له. قوله: [وكل ما يقبل النيابة]: أي بناء على تساوي النيابة والوكالة. قوله: [فلا يصح توكيل من يحلف عنه]: اعلم أن الفعل الذي طلبه الشارع في الشخص ثلاثة أقسام: الأول: ما كان مشتملاً على مصلحة منظور فيها لخصوص الفاعل، وهذا لا تحصل مصلحته إلا بالمباشرة، وتمنع النيابة قطعاً؛ وذلك كاليمين والدخول في الإسلام والصلاة والصيام ووطء الزوجة ونحو ذلك؛ فإن مصلحة اليمين للدلالة على صدق المدعي وذلك غير حاصل بحلف غيره، ولذلك يقال: ليس في السنة أن يحلف أحد ويستحق غيره، ومصلحة الدخول في الإسلام إجلال الله وتعظيمه وإظهار العبودية له، وإنما تحصل من جهة الفاعل وكذا الصلاة والصيام ومصلحة الوطء الإعفاف، وتحصيل ولد ينسب إليه وذلك لا يحصل بفعل غيره. الثاني: ما كان مشتملاً على مصلحة منظور فيها لذات الفعل من حيث هو، وهذا لا يتوقف حصول مصلحته على المباشرة وحينئذ فتصح فيه النيابة قطعاً وذلك كرد العواري والودائع والمغصوبات وقضاء الديون وتفريق الزكاة ونحوها. فإن مصلحة هذه الأشياء إيصال الحقوق لأهلها بنفسه أو بغيره، فلذلك يبرأ من كانت عليه بالوفاء وإن لم يشعر. الثالث: ما كان مشتملاً على مصلحة منظور فيها لجهة الفعل ولجهة الفاعل وهو متردد بينهما. واختلف العلماء في هذا بأيهما يلحق؟ وذلك كالحج فإنه عبادة معها إنفاق مال، فمالك ومن وافقه رأوا أن مصلحته تأديب النفس وتهذيبها بعظيم شعائر الله في تلك البقاع وإظهار الانقياد إليه، وهذا أمر مطلوب من كل قادر فإذا فعله إنسان عنه فاتت المصلحة التي طلبها الشارع منه، ورأوا أن إنفاق المال فيه أمر عارض بدليل أن المكي يحج بلا مال فقد ألحقوه بالقسم الأول لأن هذه المصالح لا تحصل بفعل الغير عنه، ولذا كان لا يسقط الفرض عمن حج عنه، وإنما له أجر النفقة والدعاء، والشافعي وغيره رأوا أن المصلحة فيه القربة المالية التي لا ينفك عنها غالباً فألحقوه بالقسم الثاني. اهـ ملخصا من (بن). قوله: [في الإمامة]: اعلم أن الأذان والإمامة وقراءة القرآن والعلم بمكان مخصوص تجوز فيها النيابة حيث لم يشترط الواقف عدم النيابة فيها، فإن شرط الواقف عدمها وحصلت نيابة لم يكن المعلوم للأصل لتركه ولا للنائب لعدم تقرره في الوظيفة أصالة، وإن لم يشترط الواقف عدم النيابة فالمعلوم لصاحب الوظيفة المقرر فيها وهو النائب على ما تراضيا عليه من قليل أو كثير كانت الاستنابة لضرورة أو لا كما قاله

стр. 712

وتنفرد النيابة عن الوكالة في ذي إمرة نيب غيره في إمارة أو قضاء كذا ذكره بعضهم. (ولا يجوز أكثر من) توكيل (واحد في خصومة) لما فيه من كثرة النزاع (إلا برضا الخصم) فيجوز الأكثر كما يجوز الواحد مطلقاً إلا لعداوة بين الوكيل والخصم لما فيه من الإضرار (كأن قاعده) أي قاعد خصمه عند الحاكم (ثلاثاً): أي ثلاث مجالس ولو في يوم واحد فليس له أن يوكل أحداً يخاصم عنه خصمه؛ لأن شأن الثلاثة مجالس انعقاد المقالات بينهما وظهور الحق، فالتوكيل حينئذ يوجب تجديد المنازعة وكثرة الشر (إلا لعذر) من مرض أو سفر فله حينئذ التوكيل. ومن العذر حلفه أن لا يخاصمه لكونه ألد الخصام، لا إن حلف لغير موجب. (بما يدل عرفاً) متعلق بقوله: "نيابة في حق" وهذا هو الركن الرابع من أركانها. والدال عرفاً أعم من أن يكون لفظاً أو غيره ككتابة أو إشارة قال بعضهم: أو عادة كتصرف الزوج لزوجته في مالها وهي عالمة ساكتة أو تصرف لإخوته كذلك فإنه محمول على التوكيل فيمضي فعله والقول قوله حتى يثبت المنع للمصرف من رب المال ولا بد من قبول الوكيل. (لا بمجرد وكلتك) أو: أنت وكيلي، فإنه لا يفيد، وتكون وكالة باطلة وهو قول ابن بشير وقال ابن يونس: تفيد وتعم وعلى قول ابن بشير درج الشيخ. ولذا قال: (بل حتى يفوض) للوكيل بأن يقول الموكل: وكلتك وكالة مفوضة أو في جميع أموري أو في كل شيء ونحو ذلك. (أو يعين) له (بنص أو قرينة) في شيء خاص كنكاح أو بيع أو شراء لخاص أو عام. (وله): أي الوكيل (في) توكيله على (البيع: طلب الثمن) من المشتري (وقبضه) منه لأنه من توابع البيع الذي وكل عليه. (و) له (في) توكيله على (الشراء: قبض المبيع) من بائعه وتسليمه لموكله. (و) له (رده) أي المبيع (بعيب) ظهر فيه (إن لم يعينه موكله) فإن عينه بأن قال له: اشتر لي هذه السلعة أو سلعة فلان الفلانية، فلا رد للوكيل بعيب ظهر فيها. وهذا في غير الوكيل المفوض وإلا فله الرد ولو عين له. (وطولب) الوكيل (بالثمن) لسلعة اشتراها لموكله (وبالثمن) الذي باعه لموكله على بيعه (إلا أن يصرح) الوكيل (بالبراءة) من ذلك، بأن يقول: ولا أتولى دفع الثمن لك، أو لا أتولى دفع المثمن فلا يطالب وإنما يطالب بالثمن أو المثمن موكله. وشبه في مفهوم (إلا أن كبعثني): أي كقوله لبائع: بعثني (فلان لتبيعه) كذا فباعه، فلا يطالب بالثمن، (بخلاف) بعثني (لأشتري له منك) كذا فيطالب الرسول إلا أن يعترف المرسل بأنه أرسله فليتبع أيهما شاء، كما في الحطاب عن التوضيح. والفرق بين هذه والتي قبلها: أنه في هذه أسند الشراء لنفسه وفيما قبلها أسنده لغيره، ولذا لو قال: لتبيعني، كان الطلب على الرسول. ــ المنوفي واختاره (بن) والأجهوري. قوله: [وتنفرد النيابة عن الوكالة] إلخ: اعلم أنه اختلف، فقيل: إن النيابة مساوية للوكالة وهو لابن رشد وعياض، فكل ما صحت فيه النيابة تصح فيه الوكالة. وقيل: النيابة أعم فليس كل ما صحت فيه النيابة تصح فيه الوكالة كالإمرة كما قال الشارح. قوله: [فليس له أن يوكل أحداً]: أي إلا برضاه. قوله: [لأن شأن الثلاثة مجالس انعقاد المقالات]: ظاهره جواز التوكيل في أقل منها وهو مقتضى كلام المتيطي. لكن قال في المقدمات: المرتان كالثلاث على المشهور في المذهب كذا في (بن). قوله: [لا إن حلف لغير موجب]: أي فلا يكون عذراً يبيح له التوكيل بل يتعين أن يخاصم بنفسه ويحنث في يمينه إلا أن يرضى خصمه بتوكيله. قوله: [أو تصرف لإخوته كذلك]: أي كما قال ابن ناجي في ربع بين أخ وأخت، وكان الأخ يتولى كراءه وقبضه سنين متطاولة وادعى أنه كان يدفع لأخته ما يخصها في الكراء، فإن القول قوله لأنه وكيل بالعادة. قوله: [وتكون وكالة باطلة]: أي في كل ما أبهم فيه الموكل عليه بخلاف أنت وصي فإنها صحيحة وتعم كل شيء. قوله: [وقال ابن يونس تفيد وتعم]: أو ووافقه ابن رشد في المقدمات قال: وهو قولهم في الوكالة إن قصرت طالت وإن طالت قصرت، فعلى القول الأول فرق ابن شاس بينها وبين الوصية بوجهين. أحدهما: العادة قال: لأنها تقتضي عند إطلاق لفظ الوصية التصرف في كل الأشياء ولا تقتضيه في الوكالة ويرجع إلى اللفظ وهو محتمل. الثاني: أن الموكل مهيأ للتصرف فلا بد أن يبقي لنفسه شيئاً فيفتقر لتقرير ما أبقى والوصي لا تصرف له بعد الموت فلا يفتقر لتقريره. اهـ. (بن). قوله: [وله أي للوكيل] إلخ: اللام بمعنى على لقول خليل في التوضيح لو سلم الوكيل المبيع ولم يقبض الثمن ضمنه. اهـ وهذا حيث لا عرف بعدم طلبه وإلا لم يلزمه بل ليس له حينئذ قبضه، ولا يبرأ المشتري بدفع الثمن إليه. قال المتيطي نقلاً عن أبي عمران: ولو كانت العادة عند الناس في الرباع أن وكيل البيع لا يقبض الثمن فإن المشتري لا يبرأ بالدفع للوكيل الذي باع، وإنما يحمل هذا على العادة الجارية بينهم. اهـ. (بن). قوله: [قبض المبيع]: أي عليه أيضاً قبض المبيع حيث يجب عليه دفع الثمن وهو الذي لم يصرح بالبراءة من الثمن كما يأتي. قوله: [وله رده]: قد علمت أن اللام بمعنى على أي يجب على الوكيل أن يرد المعيب إذا كان لا يعلم بالعيب حال شرائه ولم يكن ظاهراً لغير المتأمل وإلا فلا رد له، ويكون لازماً للوكيل إن لم يقبله الموكل. قوله: [وشبه في مفهوم إلا]: هكذا نسخة المؤلف وصواب العبارة وشبه في مفهوم إلا أن يصرح

стр. 713

(و) طولب الوكيل (بالعهدة) من عيب فيما باعه لموكله أو استحقاق (ما لم يعلم المشتري) بأنه وكيل، وإلا فالطلب على الموكل (إلا المفوض) فالطلب عليه ولو علم المشتري أنه وكيل. (وفعل) الوكيل (المصلحة) وجوباً أي يتعين عليه أن يفعل ما فيه المصلحة لموكله (فيتعين) عليه في التوكيل المطلق في بيع أو شراء (نقد البلد) من ذهب أو فضة. (و) شراء (لائق) بموكله وإلا لم يلزم الموكل (وثمن المثل) (وإلا) لم يلزم الموكل و (خير) في القبول والرد إلا أن يكون شيئاً يسيراً يقع التغابن به بين الناس فلا كلام للموكل. (كصرف ذهب) دفعه الموكل للوكيل ليسلمه له في طعام أو غيره أو يشتري له به شيئاً فصرفه (بفضة) وأسلمها أو اشترى بها فيخير الموكل بين القبول والرد في غير السلم مطلقاً، وفي السلم إن قبضه الوكيل لا إن لم يقبضه فيتعين وليس له الإجازة لما فيه من فسخ الدين في الدين وبيع الطعام قبل قبضه إن كان طعاماً وقيل التخيير إنما هو بعد القبض في السلم وغيره لا بعده لجريان العلة المذكورة، فتأمله. (إلا أن يكون الشأن) هو الصرف أو كان نظراً فلا خيار للموكل قال في المدونة: إن دفعت إليه دنانير يسلمها في طعام فلم يسلمها حتى صرفها بدراهم فإن كان هو الشأن في تلك السلعة أو كان نظراً فذلك جائز، وإلا كان متعدياً وضمن الدنانير ولزمه الطعام. اهـ. لكنه لا خصوصية للسلم ولا للطعام كما صرحوا به. (ومخالفة مشترى) عطف على "صرف". ومشترى بفتح الراء اسم مفعول: أي وكمخالفة الوكيل موكله في مشترى (عين) للوكيل بأن قال له: اشتر لي هذا الشيء فاشترى غيره، أو قال له: اشتر لي حماراً فاشترى ثوباً. (أو) مخالفة (سوق) عين (أو زمان) عين فيخير الموكل بين القبول والرد لأن تخصيصه معتبر. (أو باع) الوكيل (بأقل مما سمى) له الموكل ولو يسيراً فيخير (أو اشترى) لموكله بأكثر مما سمى له أو من ثمن المثل كثيراً، فيخير لا يسيراً لأن شأن الشراء الزيادة لحصول المطلوب، ولذا استثنى اليسير بقوله: (إلا) زيادة (كدينارين في) تسمية (أربعين) ديناراً فيلزم ولا خيار؛ فاليسارة نصف العشر كواحد في عشرين وثلاثة في ستين. واعتبر بعضهم قيد الكثرة في الشراء والبيع معاً فلا خيار في المخالفة باليسير حتى في الشراء، وما ذكرناه هو المعتمد. (و) حيث خالف الوكيل في شيء مما ذكر وثبت للموكل الخيار (ولزمه [١]) أي الوكيل (ما اشترى إن رده موكله) وليس للوكيل رد المبيع على بائعه إلا أن يعلم البائع بأنه وكيل قد خالف موكله بشيء مما تقدم أو يكون له الخيار ولم تمض أيام الخيار، وسواء كان الخيار للبائع أيضاً أم لا كما تقدم في الخيار، ولا وجه للتنظير فيه ــ بالبراءة كبعثني إلخ. قوله: [وطولب الوكيل بالعهدة]: أي فإذا باع الوكيل سلعة وظهر بها عيب أو حصل فيها استحقاق رجع المشتري على الوكيل. قوله: [ما لم يعلم المشتري بأنه وكيل]: أي كالسمسار وما لم يحلف الوكيل أنه كان وكيلاً في البيع فقط. قوله: [إلا المفوض فالطلب عليه]: أي فللمشتري الرجوع عليه أو على موكله فيصير له غريمان يتبع أيهما شاء كالشريك المفوض. قوله: [في التوكيل المطلق]: المراد بإطلاقه عدم ذكر نوع الثمن أو جنسه عنده. قوله: [نقد البلد] أي التي وقع بها البيع أو الشراء سواء وقع التوكيل فيها أو في غيرها. قوله: [وثمن المثل]: أي فإذا وكله على بيع سلعة فلا بد من بيعها بثمن مثلها لا بأقل، وإذا وكله على شراء سلع فلا بد من شرائها بثمن مثلها لا بأكثر، ومحل تعين ثمن المثل إذا كان التوكيل على البيع أو الشراء مطلقاً لم يسم له ثمناً فإن سماه تعين قوله: [وخير في القبول والرد]: محل الخيار إذا كانت المخالفة لا نزاع فيها. وأما لو أنكر الوكيل المخالفة فهل يكون القول قول الموكل وهو الذي جزم به بعضهم. قوله: [لما فيه من فسخ الدين في الدين]: أي لأنه بمجرد مخالفة الوكيل ترتب الثمن في ذمته ديناً وقد فسخ ذلك في مؤخر وهو المسلم فيه. قوله: [وبيع الطعام قبل قبضه] إلخ: إنما لزم ذلك لأن الطعام لزم الوكيل بمجرد شرائه بالدراهم المخالفة لنقد الموكل، فإذا رضي الموكل بذلك فكأن الوكيل باعه الطعام قبل قبضه من المسلم إليه. قوله: [وقيل التخيير] إلخ: مقابل الإطلاق المتقدم. وقوله: [لا بعده]: صوابه لا قبله. قوله: [إلا أن يكون الشأن]: أي عادة الناس شراء تلك السلعة الموكل على شرائها بالدراهم أو سلم الدراهم فيها. وقوله: [أو كان نظراً]: أي أو كان صرف الدنانير بالدراهم فيه مصلحة للموكل كما لو كانت الدنانير تنقص في الوزن فيتعلل عليها البائع مثلاً. قوله: [بفتح الراء]: ويصح كسرها أيضاً كما إذا قال له: لا تبع هذه السلعة إلا من فلان فلا يبيع لغيره فإن باع لغيره خير الموكل. قوله: [لأن شأن الشراء الزيادة]: علة للفرق بين البيع والشراء. قوله: [حتى في الشراء]: هكذا نسخة المؤلف والصواب حتى في البيع لأن الشراء يغتفر فيه الزيادة اليسيرة اتفاقاً. قوله: [وما ذكرناه هو المعتمد]: أي من اغتفار اليسير خاص بالشراء لا بالبيع. قوله: [وحيث خالف الوكيل] إلخ: يحتمل أنها شرطية فالفعل في محل جزم والجزم بها بدون ما قليل، ويحتمل أن تكون ظرف زمان معمولة للزم وهو الأحسن. قوله: [سواء كان الخيار للبائع أيضاً أم لا] إلخ: أي فإن كان الخيار لهما واختار أحدهما الرد فقد

стр. 714

وفي الأصل هنا مسائل حسنة فراجعها. (ومنع توكيل كافر)، وهو أعم من الذمي (في بيع) لمسلم (أو شراء) له (أو تقاض) لدين ونحوه كغلة وقف أو خراج على مسلم، لأنه لا يتحرى الحلال ولا يعرف شرط المعقود عليه من ثمن ومثمن، وظاهره: ولو رضي من يتقاضى منه الحق، وهو كذلك لحق الله تعالى وربما أغلظ على من يتقاضى منه الحق ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ [النساء: ١٤١]. (و) منع توكيل (عدو على عدوه) ولو عدواً في الدين كيهودي على نصراني وعكسه لما فيه من العنت وزيادة الشر إلا أنه يجوز توكيل مسلم على ذمي بخلاف العكس. (و) منع لوكيل وكل على بيع شيء (شراؤه لنفسه) ما وكل على بيعه ويوقف على إجازة موكله ولو سمى له الثمن لاحتمال الرغبة فيه بأكثر إلا أن تنتهي فيه الرغبات. (و) شراؤه ما وكل على بيعه (لمحجوره) من صغير أو سفيه أو رقيق لأنه مثل الشراء لنفسه (ولو سمى الثمن) للوكيل لما تقدم. وقوله: "ولو" إلخ راجع لهما. (و) منع للوكيل (توكيله) في شيء وكل فيه؛ لأن الموكل لم يرض إلا بأمانته (إلا أن لا يليق به) أي بالوكيل تولي ما وكل عليه بأن يكون من ذوي الهيئات ووكل على مستحقر فيجوز توكيله (أو يكثر) ما وكل عليه، فيوكل من يعينه على تحصيله لا استقلالاً بخلاف الأول. وهذا في غير المفرض، وأما المفوض فلا يمنع أن يوكل على المشهور. ومحل جواز التوكيل ــ تقدم في باب الخيار أن الحق لمن اختار الرد منهما كان البائع أو المشتري، ولا يلزم البيع إلا برضاهما. قوله: [وفي الأصل هنا مسائل حسنة فراجعها]: من ذلك ما لو اشترى الوكيل معيباً مع علمه به فيلزمه إن لم يرض به الموكل أو يقل العيب وهو فرصة؛ كدابة مقطوعة ذنب لغير ذي هيئة وهي رخيصة، أو زاد الوكيل في الثمن الذي سماه له والتزم لتلك الزيادة فيلزم الموكل أيضاً، كذلك يلزم الموكل لو زاد الوكيل في بيع سلعة عما سماه له أو نقص في اشتراء سلعة عما سماه له أو أعطاه دراهم يشتري بها فاشترى في الذمة ونقدها أو عكسه إلا أن يكون للآمر غرض في تعيين الدراهم بالنسبة للأولى، أو في عدمه بالنسبة للثانية فله الخيار، وكذلك لا يكون له الخيار إن أمره أن يشتري شاة بدينار فاشترى به اثنتين على الصفة أو إحداهما في عقد واحد إن أبى البائع من بيع إحداهما مفردة وإلا خير الموكل في رد إحداهما إن كان كل على الصفة، أو في رد التي ليست على الصفة، ومن ذلك لو وكلته على أن يسلم لك في شيء فعقد السلم وأخذ من المسلم إليه حميلاً أو رهناً من غير أن تأمره به فلا خيار لك إن أخذ الرهن أو الحميل بعد العقد، ويكون الرهن في ضمانه قبل علمك به ورضاك. واختلف إذا أمره بالبيع بالذهب فباع بفضة وعكسه هل يثبت للموكل الخيار أو لا؟ قولان. إذا كان نقد البلد والسلعة مما تباع بهما واستوت قيمة الذهب والدراهم، وإلا خير قولاً واحداً. ولو حلف الشخص على شيء أنه لا يفعله فوكل على فعله، كما إذا حلف لا يشتري عبد فلان أو لا يضرب عبده أو لا يبيعه مثلاً، فأمر غيره بفعل ذلك، فإنه يحنث، إلا أن ينوي أنه لا يفعله بنفسه. هذا إذا حلف بالله أو بعتق غير معين، وأما إن كان بطلاق أو بعتق معين ورفع للقاضي فلا يقبل منه نية ويقع عليه الطلاق ويلزمه العتق. اهـ ملخص ما أحال عليه. قوله: [توكيل كافر]: من إضافة المصدر لمفعوله والفاعل محذوف بينه فيما يأتي بقوله لمسلم فإنه متعلق بتوكيل. قوله: [في بيع لمسلم]: أي وأما توكيل الكافر لكافر فإن كان على استخلاص دين له من مسلم منع لأنه ربما أغلظ عليه وشق عليه، وإن كان على غير ذلك فلا منع. فإن قلت: إن العلة جارية حتى في الأصيل. قلت: نعم لكن التوكيل فيه تسلط كافرين بخلاف عدمه فإنه لا تسلط فيه إلا لصاحب الحق. قوله: [كغلة وقف]: بيان للنحو. قوله: [أو خراج]: من ذلك ما اجتمع عليه الملتزمون في قطر مصر من تولية الكتبة على الخراج من أهل الذمة فإنه ضلال. قوله: [على مسلم]: مفهومه أنه لو وكله على تقاضيه من كافر فإنه يجوز لأن العلة لا تأتي هنا. فإن قلت إن لم تأت علة الإغلاط ففيه أن الكافر لا يتحرى الحلال فكان مقتضاه المنع من أجل تلك العلة وقصره منع توكيل للكافر في الأمور الثلاثة التي هي البيع والشراء، والتقاضي يفيد جواز توكيله في غيرها كقبول نكاح ودفع هبة وإبراء ووقف وهو كذلك قال والد (عب): ينبغي إذا وقع البيع أو الشراء أو التقاضي الممنوع على وجه الصحة أن يكون ماضياً. قوله: [ولو عدواً في الدين]: أي عداوة سببها اختلاف الدين. قوله: [إلا أن تنتهي فيه الرغبات]: حاصله أن المنع مقيد بما إذا لم يكن شراؤه بعد تناهي الرغبات، وبما إذا لم يأذن له ربه في البيع لنفسه سواء كان الإذن حقيقياً أو حكمياً كما لو اشتراه لنفسه بحضرة ربه، وما قيل في شرائه لنفسه يقال في شرائه لمحجوره. قوله: [لمحجوره]: أي: بخلاف زوجته وولده الرشيد ورقيقه المأذون له فلا يمنع شراؤه له لاستقلالهم بالتصرف لأنفسهم إن لم يحاب لهم، فإن حابى منع ومضى البيع وغرم الوكيل ما حابى به والعبرة بالمحاباة وقت البيع. قوله: [ومنع للوكيل توكيله] إلخ: اختلف إذا وكل الوكيل وكيلاً من غير إذن

стр. 715

فيما إذا كان الوكيل ذو وجاهة لا يليق به البيع أو الشراء لما وكل فيه إن علم الموكل بذلك وكان الوكيل مشهوراً بذلك ويحمل الموكل على علمه بذلك فلا يصدق إن ادعى عدم العلم وأما إذا لم يعلم بذلك ولم يشتهر الوكيل به فليس له التوكيل وهو ضامن للمال ويحمل الموكل على عدم العلم إن ادعاه وحيث جاز للوكيل التوكيل فوكل (فلا ينعزل) الوكيل (الثاني بعزل الأول) ولا بموته أي إذا عزل الأصيل وكيله فلا ينعزل وكيل الوكيل وينعزل كل منهما بموت الأصيل، وله عزل كل منهما وللوكيل عزل وكيله. (و) منع (رضاك) أيها الموكل (بمخالفته): أي الوكيل (في سلم) أمرته به، بأن أمرته أن يسلم لك في عرض أو طعام عينته له فأسلم في غيره فلا يجوز لك أن ترضى بذلك السلم (إن دفعت له الثمن) أي رأس المال ليسلمه فيما عينته له فخالف وأسلمه في غيره، لأنه لما تعدى ضمن الثمن في ذمته فصار ديناً عليه. فإن رضيت فقد فسخت الدين فيما يتأخر قبضه، وهو فسخ دين في دين. ويزاد في الطعام: بيعه قبل قبضه، لأنه بتعديه صار الطعام للوكيل وقد باعه للموكل قبل قبضه بالدين الذي صار في ذمته. (إلا أن تعلم) أيها الموكل بتعديه (بعد قبضه) من المسلم إليه فيجوز لك الرضا بأخذه لعدم الدين بالدين وعدم بيع الطعام قبل قبضه (أو) تعلم (بعد) حلول الأجل فيجوز الرضا (في غير الطعام) إذا كنت تقبضه بلا تأخير لعدم الدين بالدين. وأما في الطعام فلا يجوز لبيعه قبل قبضه، وكذا في غير الطعام إذا كان قبضه يتأخر ومفهوم: "إن دفعت له الثمن" أنك إذا لم تدفعه له وأمرته أن يسلم لك في شيء معين فخالف وأسلم في غيره فيجوز لك الرضا بما فعل وتدفع له الثمن، لأنه لم يجب لك عليه شيء فتفسخه في شيء لا تتعجله الآن ويجوز لك أن لا ترضى. (أو في بيعه) عطف على "بمخالفته" أي: ومنع رضاك في بيع ما وكلته على بيعه نقداً أو كان العرف بيعها نقداً وسواء سميت له الثمن أم لا (بدين) إن باعه بدين (إن فاتت) السلعة بيد المشتري بما يفوت به البيع الفاسد من حوالة سوق فأعلى؛ لأنه لما تعدى وباعها بالدين لزمه ما سميت له إن سميت له ثمناً والقيمة إن لم تسم له، فإذا رضيت بفعله فقد فسخت ما وجب لك عليه حالاً في شيء لا تتعجله الآن، وهو فسخ ما في الذمة في مؤخر فإن لم تفت السلعة جاز الرضا - لأنه كابتداء بيع- وجاز رد البيع وأخذ السلعة، ومحل المنع فيما إذا فاتت إن باعها بأكثر مما سمي له أو من القيمة فيما إذا لم يسم لما فيه من فسخ قليل في كثير، فإن باعها بمثل التسمية أو القيمة فأقل جاز الرضا. (و) إذا منع الرضا بفوات السلعة (بيع الدين) الذي على المشتري وحينئذ إما أن يوفي ثمنه بالتسمية أو القيمة أو لا (فإن وفى ثمنه بالتسمية أو القيمة) فيما إذا لم يسم له شيئاً بأن ساوى أو زاد فالأمر ظاهر وأخذه الموكل. (وإلا) يوف بأن نقص الثمن عن ذلك (أغرم) الوكيل (التمام) (فإن سأل) الوكيل أي طلب من الموكل (الغرم) أي غرم التسمية أو غرم القيمة لموكله الآن ولا يباع الدين، (و) سأله (الصبر) للأجل (ليقبضه): أي الدين من المشتري (ويدفع الزائد) على التسمية أو القيمة (إن كان) هناك زائد عليهما ــ الأصيل وتصرف الوكيل الثاني ببيع أو شراء على طبق ما أمر به الوكيل الأول، فهل يجوز للأصيل إمضاؤه؟ لأنها لم تقع المخالفة فيما أمر به الأصيل، وإنما وقعت في التعدي بالتوكيل، أو لا يجوز له الرضا؟ لأنه بتعدي الأول صار الثمن ديناً في ذمته، فلا يفسخه فيما تصرف فيه الوكيل الثاني، لأنه فسخ دين في دين ما لم يحل الأجل؟ تأويلان في خليل. قوله: [فيما إذا كان الوكيل ذو وجاهة]: هكذا نسخة الأصل بالواو والمناسب ذا بالألف لأنه خبر كان. قوله: [إن علم الموكل بذلك]: أي بأنه ذو وجاهة أي كان عالماً بها وقت توكيله. قوله: [وهو ضامن للمال]: أي فإن وكل في هذه الحالة وحصل في المال تلف ضمنه لتعديه. قوله: [فأسلم في غيره]: أي فحصل من الوكيل مخالفة في جنس المسلم فيه، ومثله ما لو حصل من الوكيل مخالفة في رأس المال إذا أمره أن يدفع رأس المال عيناً فدفعها عرضاً، والعلة في منع الرضا فيهما واحدة. قوله: [لأنه بتعديه صار الطعام للوكيل]: أي الطعام المسلم فيه صار لازماً للوكيل. قوله: [إلا أن تعلم] إلخ: أي إلا أن يكون علمك ما حصل إلا بعد قبضه. قوله: [ومفهوم إن دفعت له الثمن] إلخ: أي فتحصل أن محل منع الرضا بالمخالف إن دفع الأصيل للوكيل الثمن وعلم الأصل بتعدي الوكيل قبل القبض وقبل حلول الأجل له. قوله: [لأنه لم يجب لك عليه شيء]: هذا ظاهر في غير الطعام، وأما الطعام فلا يجوز له الرضا به لوجود علة أخرى وهي بيع الطعام قبل قبضه. قوله: [أي ومنع رضاك في بيع ما وكلته] إلخ: حاصله أنك إذا وكلته على بيع سلعة بنقد فباعها بدين فإنه يمنع الرضا به سواء كان ذلك الثمن المؤجل عيناً أو عرضاً أو طعاماً والمنع مقيد بكون الثمن المؤجل أكثر مما سماه له إن باع بجنس المسمى، أو بكونه من غير جنس المسمى، والحال أن المبيع قد فات. فلو باع بجنس المسمى وكان أقل أو مساوياً لما سماه جاز الرضا بالدين، وكذا إن كان المبيع قائماً وباع بغير جنس المسمى أو بجنسه بأكثر فيجوز له الرضا بذلك الدين ويبقى لأجله. قوله: [بيع الدين الذي على المشتري]: أي الذي هو الوكيل. قوله: [بأن ساوى أو زاد]: أي بأن ساوى التسمية أو القيمة

стр. 716

(أجيب) الوكيل لذلك. ولا ضرر (إن كانت قيمته) الآن لو بيع (قدرها): أي قدر التسمية أو القيمة (فأقل) إذ ليس للوكيل في ذلك نفع بل فعل معروفاً مع الموكل. (فإن كانت قيمته الآن أكثر لم يجز الصبر ولا بد من بيع الدين)؛ لأن الموكل قد فسخ ما زاد على التسمية أو القيمة فيما بقي؛ كما لو أمره أن يبيعها بعشرة نقداً أو القيمة كذلك فباعها الوكيل بخمسة عشر إلى أجل، وقيمة الدين الآن لو بيع اثنا عشر، فإذا رضي بالصبر إلى الأجل فكأنه فسخ دينارين في خمسة إلى الأجل. وقولنا: "إذ ليس للوكيل في ذلك نفع" ظاهر فيما إذا كانت قيمة الدين قدر التسمية أو القيمة لا أقل، فإن كانت أقل فالنفع للوكيل حاصل لأنه لو كان قيمة الدين الآن لو بيع ثمانية في المثال المتقدم كان فيه سلف من الوكيل جر نفعاً له، وبيانه أن الوكيل تلزمه التسمية عشرة وهي أكثر من قيمته الآن فإذا بيع الدين بقيمته ثمانية غرم تمام التسمية فيعطي التسمية الآن ليقبضها عند الأجل، فكأنه سلف موكله اثنين، فإذا جاء الأجل أخذ عنها عشرة؛ ثمانية منها في نظير قيمة الدين الآن والاثنان في نظير الاثنين السلف وفيه نفع له إذ لو بيع الدين الآن بثمانية لغرم الوكيل اثنين تمام التسمية ولا رجوع له بها؛ ولذا منع أشهب ما إذا كانت قيمته أقل ولم يراع ذلك ابن القاسم وأجازه كما ذكرنا، لأن البيع لا يكون إلا برضاهما فلا يتحقق السلف، فالبيع لا يلزم الوكيل بل إذا سأل الصبر وغرم التسمية أجيب وأجبر له الموكل ولا يتحقق له سلف إلا إذا لزمه البيع فتدبر. (وإن أمرته): أي أمرت الوكيل أن يبيعها أي السلعة نقداً (فأسلمها في طعام، تعين الغرم) على الوكيل حالاً: أي غرم التسمية أو القيمة إذا لم تسم له ثمناً (إن فاتت) السلعة، وإلا فلربها ردها وله الإمضاء كما تقدم (واستؤني بالطعام) المسلم فيه (لأجله) ولا يباع قبله لما فيه من بيع الطعام قبل أجله (فبيع) الطعام بعد قبضه، فإن بيع بقدر التسمية أو القيمة فواضح (و) إن بيع بأقل (غرم) الوكيل (النقص) وقد كان دفعه، فالمعنى: لا رجوع له بما غرم أو لا بالزائد عما نقص من ثمن الطعام، (والزيادة) أن يبيع بأزيد من التسمية أو القيمة (لك) أيها الموكل لا للتوكيل المتعدى إذ لا ربح لأحد في مال غيره. (وضمن) الوكيل ولو مفوضاً (إن أقبض) ديناً على موكله أو أقبض مبيعاً وكله على بيعه لمشتريه (ولم يشهد) على الإقباض حيث أنكره القابض أو مات أو غاب بعيداً أي: لم تقم له بينة عليه وإن لم يقصدها، وسواء جرت العادة بالإشهاد أو بعدمه ــ أو زاد عليهما، وإنما أخذ الموكل الزيادة لأن الوكيل متعد ولا ربح له. قوله: [أجيب الوكيل]: أي أجابه الموكل جبراً عليه. قوله: [أو القيمة كذلك]: أي بأن أمره أن يبيعها ولم يقيد، والقيمة بين الناس عشرة. قوله: [فكأنه فسخ دينارين في خمسة]: أي أن الموكل ترك الآن الدينارين الزائدين في قيمة الدين لو بيع الآن للوكيل فلم يغرمه تمام الاثني عشر لأجل أن يأخذ خمسة عند الأجل، وهذا عين فسخ الدين في الدين. قوله: [فكأنه سلف موكله اثنين]: المناسب أن يقول عشرة. قال في الحاشية: حاصله أن أشهب يقول: إذا كانت القيمة أقل من التسمية وسأل غرم التسمية والصبر ليقبضها فإنه لا يجوز لأنه سلف من الوكيل، أي أن الوكيل أسلف تلك العشر للموكل ويأخذ بدلها في المستقبل من الدين، وانتفع بإسقاط الدرهمين عنه اللذين كان يغرمهما على تقدير لو بيع الدين بثمانية فكان يغرم اثنين كمال العشرة التي هي التسمية فهي زيادة جاءته من أجل السلف. وحاصل الرد أنا لا نسلم أن تلك العشرة سلف إنما هو معروف صنعه إلا أنك خبير بأن كلام أشهب هو الظاهر. اهـ ملخصاً. قوله: [في نظير قيمة الدين الآن]: المناسب أن يقول فيما مضى. قوله: [في نظير الاثنين السلف]: أي باقي العشرة. قوله: [فلا يتحقق السلف]: أي السلف لأجل النفع، وأما أصل السلف فهو محقق. قوله: [ولا يتحقق سلف]: أي يجر له نفعاً. قوله: [فتدبر] أمر بالتدبر لدقة التعاليل. قوله: [قبل أجله]: أي المستلزم أمراً ممنوعاً وهو بيعه قبل قبضه. قوله: [فالمعنى لا رجوع له]: هو معنى قول غيره استمر على غرمه. قوله: [إذ لا ربح لأحد في مال غيره]: أي وقولهم إن من عليه الغرم له الغنم مفروض في مال تعلق بذمته، فإن ما هنا لم يتعلق بذمته إلا خصوص النقص لا جميع المال. قوله: [وضمن الوكيل] إلخ: محل الضمان إن لم يكن الدفع بحضرة الموكل فإن كان بحضرته فلا ضمان على الوكيل بعد الإشهاد، ومصيبة ما أقبض على الموكل لتفريطه بعدم الإشهاد. بخلاف الضامن يدفع الدين بحضرة المضمون حيث أنكر رب الدين القبض فإن مصيبة ما دفع على الضامن ولا رجوع له به على المضمون، والفرق بين المسألتين حيث جعل الدافع في الأولى غير مفرط، وفي الثانية مفرطاً مع أن الدفع من كل بحضرة من عليه الدين أن ما يدفعه الوكيل مال الموكل، فكان على رب المال أن يشهد بخلاف الضامن فإن ما يدفع من مال نفسه فعليه الإشهاد فهو

стр. 717

على المذهب (أو أنكر) الوكيل (القبض) لما وكله على قبضه (فشهد) بالبناء للمفعول أي قامت (عليه) بينة (به): أي بأنه قبض (فشهدت له بينة بتلفه): أي المقبوض، فإنه يضمن ولا تنفعه بينة التلف بلا تفريط لأنه أكذبها بإنكاره القبض (كالمديان) ينكر ما عليه من الدين فتشهد البينة به عليه فيقيم بينة بأنه دفعه لربه فيضمن، ولا تنفعه بينته بالدفع لأنه أكذبها بإنكاره، بخلاف ما لو قال: لا حق لك عليّ فأقيم عليه بينة به فأقام بينة بالدفع فتنفعه كما يأتي في القضاء. (وصدق) الوكيل بيمينه (في دعوى التلف) لما وكل عليه لأنه أمين (و) في دعوى (الدفع) لثمن أو مثمن أو دفع ما وكل عليه لموكله (ولزمك) أيها الموكل إذا وكلته على شراء سلعة فاشتراها لك (غرم الثمن) ولو مراراً إن ادعى تلفه بلا تفريط (إلى أن يصل) الثمن (لربه) بائع السلعة (إلا أن تدفعه له): أي للوكيل (أولاً) قبل الشراء، فإنه إذا ضاع لم يلزم الموكل دفعه ثانية، سواء تلف قبل قبض السلعة أو بعده، وتلزم السلعة الوكيل بالثمن الذي اشتراها به إذا أبى الموكل من دفعه ثانياً، ما لم يكن الثمن معيناً وأمره أن يشتري بعينه ففعل وتلف الثمن أو استحق فينفسخ البيع. (ولأحد الوكيلين) على بيع أو شراء أو قبض مال أو دفعه (الاستبداد) مبتدأ مؤخر: أي الاستقلال (إلا لشرط) من الموكل بعدم الاستبداد فإن شرط عدمه فلا استبداد ويتعلق به الضمان ولا يلزم الموكل ما استبد به، ومحل جواز الاستبداد (إن رتبا) بأن وكل أحدهما بعد الآخر، سواء علم أحدهما بالآخر أم لا، فإن وكلهما معاً فلا استبداد لأنهما صارا كالواحد إلا أن يجعل لهما ذلك وإذا كان لهما الاستبداد. (فإن باع كل) منهما السلعة التي وكلا على بيعها (فالأول) هو الذي يمضي بيعه إن علم (وإن بعت) أيها الموكل (وباع) وكيلك (فكالوليين) ينفذ بيع الأول إن علم، ما لم يقبضه الثاني بلا علم ببيع من الأول (وإن جهل الزمن اشتركا)، وكذا إذا باع في زمن واحد لإمكان الشركة هنا بخلاف النكاح، فقوله: "فكالوليين" أي ذات الوليين في النكاح أي في الجملة، وهو راجع لكل من المسألتين قبله كما أن قوله: "فالأول" قيد في الثانية أيضاً؛ أي فقد حذفه من الثانية لدلالة الأول عليه، ففيه احتباك، والأصل فإن باع كل أو بعت وباع، ــ مفرط بعدمه. قوله: [على المذهب]: وقيل لا ضمان عليه إذا جرت العادة بعدم الإشهاد، وعلى المذهب فيستثنى هذا من قاعدة العمل بالعرف، أما لو اشترط الوكيل على الموكل عدم الإشهاد فلا غرم عليه جزماً. قوله: [ينكر ما عليه من الدين]: المناسب ينكر المعاملة، بأن يقول: ليس بيني وبينك معاملة، وأما لو قال: لا دين لك علي، فهو مثل: لا حق لك علي، من غير فارق. قوله: [لأنه أكذبها بإنكاره]: قد علمت أنه لا يظهر تكذيبه لها إلا بإنكار أصل المعاملة لا بنفي الدين عن ذمته. قوله: [وصدق الوكيل بيمينه] إلخ: يعني أن الوكيل غير المفوض إذا وكل على قبض حق فقال: قبضته وتلف مني، فإنه يبرأ لموكله من ذلك لأنه أمين. وأما الغريم الذي عليه الدين فإنه لا يبرأ من الدين إلا إذا أقام بينة تشهد له أنه دفع الدين إلى الوكيل المذكور، ولا تنفعه شهادة الوكيل لأنها شهادة على فعل نفسه، وإذا غرم الغريم فإنه يرجع على الوكيل إلا أن يتحقق تلفه من غير تفريط منه. وقولنا: غير المفوض، أما لو كان مفوضاً - ومثله الوصي إذا أقر كل منهما بأنه قبض الحق لموكله أو ليتيمه وتلف منه - فإنه يبرأ من ذلك، وكذلك الغريم، ولا يحتاج إلى إقامة بينة لأن المفوض والوصي جعل لكل منهما الإقرار. قوله: [وفي دعوى الدفع]: أي إلا أن يكون القبض ببينة توثق، فإن كان كذلك فلا يصدق إلا بها كالوديعة. قوله: [إلا أن تدفعه له]: إنما ضمن الموكل عند عدم دفع الثمن قبل الشراء لأن الوكيل إنما اشترى على ذمة الموكل فالثمن في ذمته حتى يصل للبائع، ومفهوم قوله: "إن لم تدفعه" عدم غرم الموكل إن دفع الثمن للوكيل قبل الشراء وتلف بعده، وظاهره: سواء تلف قبل قبض السلعة أو بعده. قال: (عب) وهذا حيث لم يأمره بالشراء في الذمة ثم ينقده وإلا لزم الموكل إلا أن يصل لربه، ففي المفهوم تفصيل. قوله: [فينفسخ البيع]: أي لأنه بمنزلة استحقاق المثمن المعين. قوله: [مبتدأ مؤخر]: أي وخبره الجار والمجرور قبله. قوله: [فإن وكلهما معاً فلا استبداد]: الحاصل أنهما إن وكلا مرتبين فلأيهما الاستبداد إلا لشرط من الموكل بعدمه، وإن وكلا معاً فليس لأحدهما الاستبداد إلا لشرط من الموكل به هذا هو المعتمد في المسألة. قوله: [فالأول]: مبتدأ خبره محذوف قدره الشارح بقوله هو الذي يمضي بيعه إلخ. قوله: [ما لم يقبضه الثاني بلا علم]: أي وإلا قضى به للثاني. قوله: [بخلاف النكاح]: أي فإن الوكيلين إذا عقدا عليها في وقت واحد فإن النكاحين ينفسخان لعدم قبول النكاح للشركة. قوله: [أي في الجملة]: أي لما علمت أنه عند اتحاد الزمن أو جهله يشتركان هنا وينفسخ في النكاح لكون النكاح لا يقبل الشركة. قوله: [وهو راجع] إلخ: أي قوله فكالوليين وفيه الحذف من

стр. 718

فالأول كذات الوليين وقوله: "اشتركا" أي: ما لم يقبضه أحدهما. (ولك) أيها الموكل إن وكلته على أن يسلم لك في شيء (قبض سلمه) أي الوكيل (لك) جبراً على المسلم إليه ويبرأ بدفعه لك (إن ثبت ببينة) أن السلم لك ولو بشاهد ويمين، فإن لم يثبت لم يلزمه الدفع لك ولو أقر الوكيل بأن السلم لك؛ لاحتمال كذبه لأمر اقتضى ذلك. (والقول لك إن) تصرف في مالك ببيع أو غيره وادعى الإذن في ذلك (وخالفته في الإذن) له في ذلك (بلا يمين) عليك لأن الأصل عدم الإذن وهذا ظاهر في غير المفوض (أو) وافقته في الإذن وخالفته (في صفته) بأن قلت: أذنتك في رهنه، وقال الوكيل: في بيعه، أو تصادقا على البيع وتخالفا في جنس الثمن أو حلوله (إن حلفت، وإلا) تحلف (حلف) الوكيل وكان القول له. واستثنى من ذلك قوله: (إلا أن) تدفع له ثمناً ليشتري لك به سلعة و (يشتري بالثمن) سلعة كعبد، وخالفته وقلت: أمرتك لتشتري به بعيراً مثلاً (وادعى) الوكيل (أن المشترى) بالثمن كالعبد في المثال (هو المأمور به وأشبه) في دعواه (وحلف، فالقول له) و (إلا) بأن لم يشبه في دعواه أو أشبه ولم يحلف (حلفت) وكان القول لك وغرم لك الثمن. فإن نكلت كان القول له. وفي الأصل مسائل كثيرة هنا فلتراجع فيه. (وانعزل) الوكيل مفوضاً أولا (بموت موكله أو بعزله إن علم) الوكيل بالموت أو العزل فليس له التصرف بعد العلم بما ذكر، وإلا كان ضامناً. وما تصرف فيه قبل العلم فهو ماض على المذهب. وكذا ينعزل غير المفوض بتمام ما وكل فيه، والله أعلم. ــ الأول لدلالة الثاني عليه. قوله: [فالأول كذات الوليين]: أي فيجاب بهذه الجملة على كل من الشرطين، وهذا خلاف ما في الخرشي والمجموع من تخصيص ذات الوليين بالثانية على ما اختاره الخرشي. والمجموع بين المسألتين: أن الموكل ضعف تصرفه في ماله بتوكيل غيره عليه، والوكيلان متساويان في التصرف، فاعتبر عقد السابق منهما مطلقاً انظر (عب). قوله: [ولو أقر الوكيل] إلخ: صواب العبارة: ولو أقر المسلم إليه بأن السلم راجع لاتهامه على تفريغ ذمته، وهذا أحد قولين، والآخر: يقيل إقراره لأنه قادر على دفع التهمة بالدفع للحاكم، وأما إقرار الوكيل فلا شك أنه مغن عن البينة لأن المكلف يؤاخذ بإقراره وإن لم يكن صادقاً فيه فتأمل. قوله: [وهذا ظاهر في غير المفوض]: أي وأما المفوض فتصرفاته ماضية إلا الطلاق والنكاح بكره وبيع دار سكناه وعبده القائم بأموره لقيام العرف، على أن تلك الأمور لا تندرج تحت عموم الوكالة وإنما يفعلها الوكيل بإذن خاص بها. قوله: [إلا أن تدفع له ثمناً] إلخ: صورتها وكلته على شراء سلعة ودفعت له الثمن فاشترى به سلعة وزعمت أنك أمرته بشراء غيرها فالقول للوكيل مع يمينه، فإذا حلف لزمت السلعة الموكل وسواء كان الثمن المدفوع باقياً بيد البائع أو لا مما يغاب عليه أو لا خلافاً لتقييد الخرشي. و (عب) بكون الثمن مما يغاب عليه. قوله: [فإن نكلت كان القول له]: أي للوكيل فصار قول الوكيل في ثلاث فيما إذا أشبه وحلف، أو لم يشبه ونكلت، أو أشبه ونكل ونكلت. قوله: [وفي الأصل مسائل كثيرة هنا]: منها لو قال الوكيل: أمرتني ببيع السلعة بعشرة وقد بعتها بها وقلت: يا موكل بل بأكثر، وفات المبيع بيد المشتري بموت ونحوه؛ فإن القول قول الوكيل إن أشبهت العشرة ثمناً وحلف، وإلا فالقول قول الموكل بيمينه ويرد المبيع إن لم يفت بزوال عينه. ومنها لو وكلته على شراء جارية من بلد كذا فبعث بها إليك فوطئت منك أو من غيرك بسببك، ثم قدم الوكيل بأخرى وقال: هذه لك والأولى وديعة، فإن لم يبين لك حين بعث الأولى وحلف على طبق دعواه أخذها وأعطاك الثانية، وإن بين أخذها بلا يمين وطئت أم لا كأن لم يبين ولم توطأ. إلا أن تفوت في جميع المسائل بكولد أو تدبير أو عتق إلا لبينة أشهدها الوكيل عند الشراء أو الإرسال أنها له فيأخذها الوكيل. ولو أعتقها الموكل أو استولدها ولزمتك يا موكل الأخرى فيما إذا لم يبين وحلف وأخذها. وما إذا قامت بينة وأخذها. ومنها لو أمرته أن يشتري لك جارية بمائة فبعث بها إليك ووطئت عندك، ثم قدم وقال لك: أخذتها بمائة وخمسين فإن لم تفت خيرت في أخذها بما قال الوكيل إن حلف وردها، ولا شيء عليك في وطئها وإن لم يحلف فليس له إلا المائة، وإن فاتت بكولد أو تدبير فليس له إلا المائة، ولو أقام بينة على ما قال لتفريطه بعدم إعلامه حتى فاتت، وفيها لو ردت دراهمك التي دفعتها للوكيل ليسلمها لك في شيء بسبب عيب فيها كلها أو بعضها، فإن عرفها وكيلك لزمك بدلها فإذا اتهمت الوكيل فلك تحليفه. وهل اللزوم للموكل إن قبض ما وقعت فيه الوكالة أو اللزوم إن لم يقبضه؟ تأويلان في غير المفوض. وأما هو فيقبل قوله على موكله مطلقاً، وأما إن لم يعرفها الوكيل فلا يخلو إما أن يقبلها أو لا، فإن قبلها حلفت يا موكل أنك لم تعرفها من دراهمك وما أعطيته إلا جياداً في علمك وتلزم الوكيل لقبوله إياها، وإن لم يقبلها الوكيل فإنه يحلف الموكل أنه ما دفع إلا جياداً في علمه ويزيد الوكيل ولا يعلمها من دراهم موكله وبرئ كل منهما. قوله: [بموت موكله]: أي وكذا بفلسه الأخص لانتقال الحق للغرماء. قوله: [فهو ماض على المذهب]: أي من التأويلين، والثاني يقول لا يمضي.

стр. 719

(باب) في الإقرار وهو الاعتراف بما يوجب حقاً على قائله بشرطه. (يؤاخذ مكلف) لا صبي ومجنون ومكره (غير محجور [١]): أي في المعاملات لا سفيه حجر عليه، وكذا سكران في المعاملات فإنه محجور عليه فيها ودخل في كلامه الرقيق المأذون له في التجارة والمكاتب والسفيه المهمل على قول مالك والزوجة والسكران والرقيق غير المأذون في غير المال (و) غير (متهم): خرج المريض فيما يتهم عليه كابنه البار وزوجته التي يميل إليها والصحيح المفلس بالنسبة لما فلس فيه لا [٢] بما تجدد له في المستقبل (بإقراره): متعلق بيؤاخذ. (لأهل) أي: لقابل للإقرار له ولو باعتبار المآل أو الحال كحمل وكمسجد وحبس يقر على نفسه بمال له يصرف في إصلاحه وبقاء عينه كأن يقول ناظر على مسجد أو حبس ترتب في ذمتي مثلاً للمسجد أو للحبس كذا، وخرج غير الأهل كالدابة والحجر (لم يكذبه) صفة لـ "أهل": أي لأهل غير مكذب للمقر في إقراره بأن قال للمقر: ليس لي عليك شيء، وكذا إذا قال: لا علم لي واستمر التكذيب فلا يؤاخذ بإقراره وإنما يعتبر التكذيب من بالغ رشيد. ثم شرع في أمثلة من يؤاخذ بإقراره فقال: (كرقيق) ذكر أو أنثى أقر (بغير مال) كجرح أو قتل مما فيه القصاص وكذا السرقة بالنسبة للقطع فقط دون المال. (ومريض) أقر (لملاطف، أو) أقر (بقريب) أي لقريب (لم يرث كخال، أو) أقر (لمجهول حاله) هل هو قريب أو ملاطف أو لا، فيصح إقراره لمن ذكر (إن ورثه ولد) ذكر أو أنثى. (أو) أقر (لأبعد) كعم (مع) وجود (أقرب) كولد أو أب أو أخ فيلزم الإقرار، وأما الإقرار لأجنبي غير ملاطف فيصح مطلقاً، كإقرار الصحيح. ــ خاتمة: هل عقد الوكالة غير لازم مطلقاً -وقعت بأجرة أو جعل أو لا- إذ هي من العقود الجائزة كالقضاء؟ أو إن وقعت بأجرة - كتوكيله على عمل معين بأجرة معلومة أو جعل - بأن يوكله على تقاضي دينه ولم يعين له قدره أو عينه، ولكن لم يعين من هو عليه فحكمهما ففي الإجارة تلزمهما بالعقد، وفي الجعالة لم تلزم الجاعل فقط بالشروع؟ تردد في ذلك أهل المذهب. ثم حيث لم تلزم إن ادعى الوكيل أن ما اشتراه لنفسه قبل قوله، والله أعلم. باب في الإقرار اعلم أن الإقرار خبر كما لابن عرفة، ولا يتوهم من إيجابه حكماً على المقر أنه إنشاء كبعت، بل هو خبر كالدعوى والشهادة. والفرق بين الثلاثة: أن الإخبار إن كان حكمه مقصوراً على قائله فهو الإقرار، وإن لم يقصر على قائله فإما أن يكون للمخبر فيه نفع وهو الدعوى أو لا يكون فيه نفع وهو الشهادة، ولما كان إقرار الوكيل يلزم الموكل إن كان مفوضاً، أو جعل له الإقرار، ناسب ذكر الإقرار عقبه. قوله: [بشرطه]: مفرد مضاف فيعم؛ لأن المراد الشروط الآتية في قوله: " مكلف غير محجور ومتهم " إلخ. قوله: [ومكره]: أي لأنه غير مكلف حالة الإكراه. قوله: [حجر عليه]: هذا القيد له مفهوم باعتبار قول مالك، وأما باعتبار قول ابن القاسم فالسفيه المهمل والمحجور سواء في عدم المؤاخذة بالإقرار في المعاملات. قوله: [والزوجة]: أي فيصح إقرارها في غير المال وفي المال لغير متهم عليه وإن زاد على ثلثها وفي ثلثها إن اتهمت. فقول الشارح في غير المال راجع للسكران والرقيق فقط. قوله: [خرج المريض فيما يتهم عليه]: أي ذكراً أو أنثى، زوجة أو غيرها، وأما إقراره لغير متهم عليه فيصح ولو بأزيد من الثلث. قوله: [والصحيح المفلس]: أي فلا يقبل إقراره لأحد حيث كان الدين الذي فلس فيه ثابتاً بالبينة لأنه يتهم على ضياع مال الغرماء. قوله: [إلا بما تجدد له في المستقبل]: أي لتعلق الإقرار بذمته. قوله: [كحمل]: مثال لما يقبل الملك باعتبار المآل كما إذا قال: إن لهذا الحمل عندي الشيء الفلاني من ميراث أبيه مثلاً، فالحمل قابل لملك ذلك باعتبار المآل. وقوله: [وكمسجد وحبس] مثال: للقابل في المآل، لأن المسجد قابل لملك المقر به باعتبار ما يتعلق به من الإصلاح والحبس قابل لملك المقر به من حيث أخذ المستحقين له. قوله: [كالدابة والحجر]: أي فلا يؤاخذ بإقراره لهما، بل هو باطل إلا أن يكون إقراره للحجر من أجل وضعه في كسبيل أو للدابة من حيث علفها في جهاد، وحينئذ يرجع للحبس. قوله: [واستمر التكذيب]: أي وأما إن رجع المقر له إلى تصديق المقر فيصح الإقرار ويلزم، ما لم يرجع المقر، فإن رجع المقر في الأولى عقب تصديق المقر له فهل يلزم إقراره أو يبطل؟ قولان. وأما إنكار المقر عقب تصديق المقر له في الثانية فالإقرار صحيح ولا عبرة بإنكار المقر بعد ذلك باتفاق. قوله: [من البالغ الرشيد]: أي وأما الصبي والسفيه فلا يعتبر تكذيبهما ما لم يرشدا ويستمرا على التكذيب. قوله: [أقر بغير مال]: أي وأما إقراره بالمال، فباطل لأنه محجور عليه بالنسبة للمال. قوله: [دون المال]: أي المسروق فلا يلزمه قيمته إن تلف ولا يؤخذ منه إن كان قائماً ما لم تشهد لصاحب الحق بينة. قوله: [ومريض أقر لملاطف]: حاصله أن المريض إذا أقر إما أن يقر لوارث قريب أو بعيد، أو لقريب غير وارث أصلاً أو لصديق ملاطف أو لمجهول حاله لا يدرى هل هو قريب أو ملاطف أو أجنبي أو يقر لأجنبي

стр. 720

(أو) أقر مريض (لزوجته علم بغضه لها) فيؤاخذ به. وإن لم يرثه ولد أو انفردت بالصغير على المعتمد، ومثله زوجة مريضة أقرت لمن علم بغضها له، وأما الصحيح فيصح مطلقاً (أو جهل) بغضه لها فلم يعلم (وورثه ابن) منها أو من غيرها انفرد الابن أو تعدد فيصح إقراره لها (إلا أن تنفرد) من جهل حاله معها (بالصغير) من أولاده ذكر أو أنثى، فإن انفردت به فلا يصح إقراره لها لقوة التهمة وسواء كان هناك ولد كبير منها أو من غيرها أم لا. (و) في إقرار المريض لمن جهل معها (مع بنات) كبار له منها أو من غيرها أو صغار من غير (وعصبته) كأب وأخ (قولان) بالصحة، نظراً إلى أنها أبعد من البنت وعدمها نظراً إلى أنها أقرب من العاصب والموضوع أنها لم تنفرد بصغير، وإلا منع قطعاً، وشبه في القولين: (كإقراره): أي المريض (لعاق) أي لولد عاق (مع) وجود ولد (بار) فيه قولان، هل يصح للعاق نظراً لعقوقه، فكأنه أبعد من أخيه البار، أو لا نظراً لمساواته لأخيه في الولدية. (أو) إقراره (لوارث) له كأخت (مع) وجود وارث (أقرب) من المقر له كأم (وأبعد) منه كعم فهل يصح للأخت مثلاً نظراً لأنها أبعد من الأم أو لا يصح نظراً لبعد العم، قولان. (لا) يصح إقرار (للمساوي) مع وجود مساويه؛ كولدين أو أخوين أو عمين فأولى أقرب مع أبعد لظهور التهمة. ثم شرع في بيان صيغته الدالة عليه وهي أحد أركانه الأربعة: مقر، ومقر له وبه، وصيغة. فقال: (بعلي) كذا أو قال له إنسان: عليك لي كذا، فقال: علي (وفي ذمتي) له كذا (وعندي، وأخذت منك) كذا (وأعطيتني كذا، أو) قال لمن قال أعطني حقي ونحوه: (اصبر عليّ به) فإنه إقرار (أو) قال لمن ادعى عليه بشيء: أنت (وهبته لي، أو: بعته) لي، فإقرار، وعليه إثبات الهبة أو البيع، فإن لم يثبت حلف أنه ما باعه ولا وهبه له واستحقه، وقيل: لا يحلف في الهبة (أو) قال لمن طالبه بشيء: (وفيته لك) فإقرار وعليه بيان الوفاء (أو) قال له: (ليست لي) على الوفاء (ميسرة) فإنه مثل اصبر عليّ به (أو) قال: (نعم، أو: بلى أو: أجل) بفتح الهمزة والجيم وسكون اللام بمعنى: نعم (جواباً) في الثلاثة (لـ أليس لي عندك كذا)، وكذا كل ما دل بوضع أو عرف أو قرينة ظاهرة. (لا) يثبت إقرار (بأقر): بضم الهمزة أي بقوله للمدعي: أقر؛ لأنه وعد (أو) بقوله: (عليّ أو على [١] فلان) ــ غير صديق، فإن أقر لوارث قريب مع وجود الأبعد أو المساوي كان ذلك الإقرار باطلاً، وإن أقر لوارث بعيد كان صحيحاً إن كان هناك وارث أقرب منه، سواء كان ذلك الأقرب حائزاً للمال أم لا، وإن أقر لقريب غير وارث كالخال أو لصديق ملاطف أو مجهول حاله صح الإقرار إن كان لذلك المقر ولد أو ولد ولد وإلا فلا، وإن أقر لأجنبي غير صديق كان الإقرار لازماً كان له ولد أم لا. قوله: [أو أقر مريض لزوجته]: من فروع إقرار الزوج أن يشهد أن جميع ما تحت يدها ملك لها، فإن كان مريضاً جرى على ما ذكره المصنف من التفصيل، وإن كان صحيحاً كان إقراره لازماً على مذهب ابن القاسم وغيره من المصريين من غير تفصيل، وللوارث تحليفها إن ادعى تجدد شيء كما في (ح) كذا في حاشية الأصل. قوله: [وسواء كان هناك ولد كبير منها أو من غيرها]: أي كما اعتمده اللقاني. قوله: [أو صغار من غير]: هكذا نسخة المؤلف فيكون التنوين عوضاً عن المضاف إليه. قوله: [نظراً إلى أنها]: أي الزوجة المجهول حاله معها. قوله: [مقر]: أي وهو الذي قدمه بقوله: "يؤاخذ المكلف" إلخ. وقوله: [ومقر له]: هو الذي قدمه بقوله: "لأهل" إلخ. والمقر به المال أو غيره كالجنايات. قوله: [بعلي كذا]: الباء للتصوير، وكذا كناية عن العدد، وهو كناية عن قوله: له علي ألف أو: في ذمتي ألف أو: له عندي ألف أو: أخذت منك ألفاً. قوله: [اصبر علي به]: أي وأما لو قال: أخرني سنة وأنا أقر؛ فلا يعد إقراراً. قوله: [وقيل لا يحلف في الهبة]: هذا الخلاف مبني على الخلاف في اليمين، هل تتوجه في دعوى المعروف أم لا؟ وسواء كان الشيء الذي ادعيت فيه الهبة في يد المقر أم لا؟ وهناك قول ثالث: وهو توجه اليمين على المدعي إن كان المدعي حائزاً وإلا فلا، ومحل كون دعوى الهبة أو البيع إقراراً بالشيء إن لم تحصل الحيازة المعتبرة شرعاً فإن مضت مدة الحيازة المعتبرة، وقال المدعى عليه إنه باعه لي أو وهبه لي، فإنه يصدق في ذلك بيمينه، ولا يكون هذا إقراراً بالملك. ففي (ح) في آخر الشهادات ما نصه: قال ابن رشد: إذا حاز الرجل مال غيره في وجهه مدة تكون الحيازة فيها حاصلة وادعاه ملكاً لنفسه - بابتياع أو هبة أو صدقة - كان القول قوله في ذلك بيمينه. قال (ح) عقبه: وسواء ادعى صيرورة ذلك ملكاً من غير المدعي أو ادعى أنه صار إليه ملكاً من المدعي، أما في البيع فلا أعلم في ذلك خلافاً، وأما في الهبة والصدقة ففيه خلاف اهـ. (بن). قوله: [وكذا كل ما دل بوضع]: أي من باقي أحرف الجواب كجير وأيوه. وقوله: [أو عرفاً]: كقول المدعى عليه: حاضر أو: على رأسي أو: خذ من عيني أو وصل جميلك. قوله: [أو قرينة ظاهرة]: أي كقوله في الجواب: جزاك الله عنا في صبرك علينا خيراً، وما في معناه. قوله: [لأنه وعد]: أي بالإقرار وكذا إذا قال: لا أقربها، فليس إقراراً ولا وعداً به. وأما إذا

стр. 721

لأنه تهكم أو استفهام (أو) بقوله: (من أي ضرب تأخذها؟ ما أبعدك منها) لأنه ظاهر في التهكم، فلو حذف ما أبعدك منها فلا يكون إقراراً أيضاً لكنه يحلف أنه لم يرد الإقرار قاله ابن عبد السلام. (أو) علق إقراره على شرط كقوله (له علي ألف إن استحلها) فليس بإقرار (أو) إن (أعارني كذا) فلا يلزمه شيء (أو) قال له: عليّ ألف (إن حلف) فحلف فلا يلزمه؛ لأن له أن يقول ظننت أنه لا يحلف باطلاً وهذا إذا كان (في غير دعوى) عند حاكم أو محكم وإلا لزمه (أو) قال له: عليّ كذا (إن شهد فلان) فلا يكون إقراراً لكنه إن شهد وكان عدلاً عمل بشهادته فلا بد من ثان أو يمين (أو): له علي كذا (إن شاء) فلان فلا يلزمه شيء (أو) قال: (اشتريت منه خمراً بألف) فلا يلزمه لأنه لم يقر بشيء يلزمه في ذمته (أو) اشتريت منه (عبداً) بكذا (لم أقبضه) منه لم يلزمه شيء؛ لأن الشراء لا يوجب عمارة الذمة إلا بالقبض، واستشكله الشيخ في التوضيح: بأن مجرد العقد الصحيح يوجب الضمان على المشتري وأجيب: بحمله على عبد غائب بيع على الصفة، أي فلا يدخل في ضمان المشتري إلا بالقبض وفيه بعد، لأن عبارتهم مطلقة. وأجاب بعض: بأنه لما كان المشتري يجبر على تسليم الثمن أولاً عند التنازع فيمن يبدأ بالتسليم اقتضى أن يقبل قوله في عدم القبض؛ لأنه يقول: حق البائع أن يمتنع من تسليم المبيع لي حتى يقبض الثمن مني، وأما لو قال له: عليّ، أو: في ذمتي كذا من ثمن عبد ولم أقبضه فإنه يلزمه الإقرار. ولو قال: له عليّ ألف من ثمن خمر مما لا يصح بيعه، وقال المدعي: بل من ثمن عبد مثلاً فيلزمه الإقرار أيضاً لأنه قد أقر بعمارة ذمته، ويعد قوله من خمر ندماً لا ينفعه. (أو) قال لمن ادعى عليه بأنه أقر له بكذا ليأخذه منه (أقررت به) لك (وأنا صبي أو) وأنا (مبرسم) والبرسام: نوع من الجنون فلا يلزمه شيء (إن علم تقدمه) أي البرسام (له) وعلى المدعي إثبات أنه أقر له بعد البلوغ أو حال عقله. (أو أقر) لمن طلب منه شيئاً إعارة أو شراء (اعتذاراً) بأنه لابني أو زوجتي أو لفلان ليتخلص من إعطائه للطالب إذا كان مثله يعتذر له ككونه ذا وجاهة أو صاحب ولاية وإلا لزمه. (أو) أقر (شكراً) كما لو قال: أقرضني فلان مائة جزاه الله خيراً وقضيته له (أو ذماً) كما لو قال: أقرضني فلان كذا ثم ضايقني حتى قضيته لا جزاه الله خيراً. (وقبل) عند التنازع في الحلول والتأجيل ــ قال له: لي عليك مائة، فسكت فحكى (ح) الخلاف في كون السكوت إقراراً أو ليس بإقرار وأن الأظهر إنه ليس بإقرار، وذكر أيضاً: أن مما ليس بإقرار إذا قال له: لي عندك عشرة، فقال: وأنا الآخر لي عندك عشرة، وهو مستغرب إلا أن يقال: معناه وأنا أكذب عليك بأن لي عندك عشرة كما كذبت علي بمثل ذلك. قوله: [لأنه تهكم أو استفهام]: أي لا يخلو من واحد منهما. قوله: [لكنه يحلف]: أي لأنه غير ظاهر في التهكم. قوله: [لأن له أن يقول ظننت أنه لا يحلف]: ويقال مثل هذا التعليل في الاستحلال والعارية. قوله: [وهذا إذا كان في غير دعوى]: المراد بالدعوى المطالبة، ومن ذلك لو قال له علي كذا إن حكم بها فلان لرجل سماه فحكم بها عليه فإنها تلزمه. بخلاف ما لو قيد بمشيئة زيد فشاء فلا يلزمه كما قال الشارح. قوله: [لكنه إن شهد]: إن قيل إذا كان عدلاً فشهادته مقبولة سواء أقر بذلك أم لا فما فائدة الإقرار المذكور؟ فالجواب أنه أفاد تسليمه لشهادته فلا يحتاج فيه لإعذار، وقد يقال ينبغي: أن يكون له الإعذار لأنه يقول ظننت أنه لا يشهد. قوله: [بأن مجرد العقد الصحيح]: أي اللازم الذي ليس لي فيه حق توفية. قوله: [لأن عبارتهم] إلخ: علة للبعد. قوله: [وأجاب بعض]: المراد به (ح) كما قال (بن). قوله: [يجبر على تسليم الثمن أو لا] إلخ: أي حيث كان الثمن عيناً والمثمن عرضاً كما هو الموضوع. قوله: [وأما لو قال له علي أو في ذمتي كذا من ثمن عبد] إلخ: الفرق بين هذه ومسألة المتن أن هذا إقرار عرفاً بسبب تصريحه بقوله: علي أو في ذمتي. بخلاف قوله اشتريت عبداً لم أقبضه فإنه لم يصرح بشيء في ذمته؛ لأن قوله اشتريت لا يقتضي قبضاً بخلاف علي وفي ذمتي فإنه مقتض للقبض. قوله: [ويعد قوله من خمر ندماً]: أي كما يعد قوله من ثمن عبد ولم أقبضه ندماً لا ينفعه. قوله: [أقررت به لك وأنا صبي] إلخ: أي حيث قال ذلك نسقاً ولم تكذبه البينة، ومثله، لو قال: أقررت بكذا قبل أن أخلق، لأنه خارج مخرج الاستهزاء. فلو قال: أقررت ولم أدر أكنت صبياً أو بالغاً، فلا يلزمه شيء أيضاً حيث لم يثبت بلوغه حين الإقرار؛ لأن الأصل عدم البلوغ بخلاف لو قال: لا أدري أكنت عاقلاً أم لا، فيلزمه لأن الأصل العقل. قوله: [إذا كان مثله يعتذر له]: هذا القيد للشيخ أحمد الزرقاني، واعترضه (ر): بأن الذي في السماع الإطلاق، فمتى أقر اعتذاراً فلا يأخذه المقر له إلا ببينة كان السائل ممن يعتذر له أم لا، ولا يتوقف ذلك على ثبوت الاعتذار فلا يلزمه وإن لم يدعه بأن مات كما يفيده نقل المواق اهـ (بن) قال الأجهوري: وقد يقول الرجل للسلطان: هذه الأمة ولدت مني وهذا العبد مدبر، لئلا يأخذهما، فلا يلزمه ولا شهادة فيه، ومثله ما يقوله الإنسان حماية كأن يقول صاحب سفينة أو فرس

стр. 722

(أجل مثله): وهو الذي لا يتهم فيه المبتاع عادة لجريانها في مثله (في بيع) وفاتت فيه السلعة، وإلا تحالفا وتفاسخا كما تقدم ولا ينظر لشبه. فإن اتهم المبتاع فالقول للبائع بيمينه. (لا) في (قرض) بل القول فيه للمقرض أنه على الحلول بيمينه حصل فوت أو لا حيث لا شرط ولا عرف، وإلا عمل به، وذلك لأن الأصل في القرض الحلول أي بعد مدة الانتفاع به فلا بد منها. والحاصل: أن من أقر بمال في ذمته وادعى تأجيله فإنه يقبل قوله إن كان من بيع وأشبه في دعوى الأجل بيمينه وإلا يشبه أو كان من قرض فالقول للمقر له بيمينه، هذا نص المدونة. ولا التفات لقول ابن عرفة وغيره: إنه لا فرق بين البيع والقرض في أن القول لرب المال فإنه غفلة عما في المدونة. (و) قبل (تفسير الألف في) قوله له: علي (ألف ودرهم) بأي شيء يذكره وللمدعي تحليفه على ما فسر به ألف إن اتهمه أو خالفه ولا يكون الدرهم معيناً لكون الألف من الدراهم وقوله: "ألف ودرهم" أي مثلاً فيهما. (و) قبل تفسير (الشيء و) تفسير (كذا) في قوله له: علي شيء، أو: له علي كذا (وسجن له) أي للتفسير إن امتنع منه. (لا) يقبل تفسيره (بجذع أو باب في) قوله: (من هذه الدار) شيء أو حق أو كذا (أو) له من هذه (الأرض) شيء أو حق بـ "من " (كـ: في): أي كما لا يقبل تفسيره بالجذع أو الباب إذا قال: له في هذه الدار، أو: في هذه الأرض شيء (على الأصح) عند الشيخ؛ إذ لا فرق بين "من" و "في"، وهو قول سحنون فلا بد من التفسير بشيء منها كربعها أو قيراط منها. وقال ابن عبد الحكم: يقبل تفسيره بالجذع والباب في "في" دون "من" لأن "من" للتبعيض و"في" للظرفية. (ولزم في مال): أي قوله: له عندي أو في ذمتي مال (نصاب): أي نصاب زكاة من مال المقر من ذهب أو ورق أو غنم أو بقر أو إبل وقيل: يقبل تفسيره كالشيء ولو بدرهم أو أقل. (و) لزمه في (بضع أو دراهم): أي في قوله: له في ذمتي بضع، أو: له علي دراهم (ثلاثة) ولزمه في قوله: بضعة عشر ثلاثة عشر (و) في قوله: له عندي (دراهم كثيرة) لزمه أربعة لأنها أول مبادئ الكثرة بعد مطلق الجمع (أو) قال: (لا كثيرة ولا قليلة) لزمه (أربعة و) لزمه في قوله: له عندي (دراهم): الدرهم (المتعارف) بينهم ولو نحاساً ــ عند إرادة ذي شوكة أخذها: أنها لفلان، ويريد شخصاً يحمي ما ينسب إليه، فإنه لا يكون إقراراً له. قوله: [أجل مثله]: حاصله أنه إذا ادعى عليه بمال حال من بيع فأجاب بالاعتراف، وأنه مؤجل، فإن كان العرف والعادة جارية بالتأجيل له كان القول قول المقر بيمين، وإن كانت العادة عدم التأجيل أصلاً كان القول قول المقر له بيمين، وإن لم يكن عرف بشيء، فإن ادعى المقر أجلاً قريباً يشبه أن تباع السلعة له، كان القول قول المقر له بيمين، وإن ادعى أجلاً بعيداً لا يشبه التأجيل له عادة، كان القول قول المقر له بيمين. هذا إذا فاتت السلعة، فإن كانت قائمة تحالفا وتفاسخا ولا ينظر لشبه ولا لعدمه، وأما القرض فالقول للمقر له بيمينه حيث لم يكن شرط بالتأجيل ولا عادة ومضت مدة يمكن الانتفاع به. قوله: [فإن اتهم المبتاع]: أي بأن ادعى أجلاً لا يشبه. قوله: [بل القول فيه للمقرض]: أي ولو ادعى المقترض فيه أجلاً قريباً. قوله: [فلا بد منها]: أي لا بد من زمن يمضي يتمكن من الانتفاع بالقرض فيه. قوله: [على ما فسر به ألف]: هكذا بالتنكير والرفع في نسخة المؤلف على سبيل حكاية لفظ المتن، وإلا فحق التعبير: على ما فسر به الألف. قوله: [ولا يكون الدرهم مثلاً معيناً]: أي عطف الدرهم على الألف بل له أن يفسر الألف بعبيد أو دنانير مثلاً. قوله: [وسجن له]: أي ولا يخرج منه حتى يقر، فإن مات ولم يقر قبل قول المقر له إن أشبه وحلف كما هو الظاهر. قوله: [وهو قول سحنون]: مقابله قول ابن عبد الحكم الآتي. قوله: [ولزم في مال]: أي وسواء قال عظيم أم لا وهذا هو الراجح من أقوال ذكرها ابن الحاجب بقوله: وله علي مال قيل: نصاب وقيل: ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وقيل: تفسيره ومال عظيم قبل كذلك، وقيل: ما زاد على النصاب وقيل: قدر الدية اهـ (بن). قوله: [من مال المقر]: أي ولا ينظر لمال المقر له عند التخالف، فإن كان المقر من أهل الذهب لزمه نصاب من الذهب، وإن كان من أهل الفضة لزمه نصاب منها، وإن كان من أهل الماشية لزمه نصاب منها، وإن كان من أهل الحب لزمه نصاب منه، فلو كان من أهل الكل لزمه أقل الأنصباء قيمة لأن الأصل براءة الذمة فلا تلزم بمشكوك فيه، ولذا لو قال له: علي نصاب لزمه نصاب السرقة لأنه المحقق إلا أن يجري العرف بنصاب الزكاة وإلا لزمه. قوله: [ولزمه في بضع] إلخ: إنما لزمه الثلاثة في البضع لأن البضع أقله ثلاثة وأكثره تسعة فيلزمه المحقق. قوله: [بعد مطلق الجمع]: أي لأن الصحيح مساواة جمع الكثرة للقلة في المبدأ والذمة لا تلزم إلا بمحقق والمحقق من الجمع ثلاثة وأيضاً محل افتراق مبدئهما على القول به حيث كان لكل صيغة وإلا استعمل أحدهما في الآخر. قوله: [أو قال لا كثيرة ولا قليلة]: إنما لزمه الأربعة في هذا لحمل الكثرة المنفية على ثاني مراتبها وهو الخمسة، وحمل القلة المنفية على أول مراتبها

стр. 723

كما في عرف مصر (وإلا) يكن بينهم درهم متعارف (فالشرعي): أي يلزمه الدرهم الشرعي، لكنه إنما يظهر إذا كان لهم معرفة بالشرعي، وإلا فالواجب ما فسر به المقر مع يمينه (وقبل غشه ونقصه إن وصل) ذلك بإقراره بأن قال له علي درهم مغشوش أو ناقص. فإن سكت ثم قال ذلك لم يقبل ولزمه درهم خالص كامل ولا يضر الفصل بسعال أو عطاس بخلاف سلام أو رده. (و) لزمه (الألف في) قوله له: عليّ ألف (من ثمن خمر) لأن قوله: من ثمن خمر، من باب رفع الواقع فيعد ندماً فلا يعتبر بخلاف اشتريت منه خمراً بألف كما تقدم (ونحوه) أي الخمر من كل ما لا يصح بيعه لنجاسته أو غيره (أو) قال له علي ألف من ثمن (عبد ولم أقبضه وإن نوكر) في ذلك بأن قال المدعي في الأول: بل من ثمن ثوب، أو قال في الثاني: بل قبضته. (كدعوى أنها): أي الألف الذي عليه (من ربا): وقال المدعي: بل من بيع أو قرض (وأقام) المقر (بنية [١]) تشهد له (بأنه): أي المقر له (راباه بألف) فيلزمه ولا تنفعه بينته لاحتمال أنه راباه في غير ما أقر به (إلا أن يقيمها على إقرار المدعي) وهو المقر له (أنه لم يعامله إلا بالربا، فرأس المال) يلزمه لا ما زاد عليه. (والاستثناء هنا) أي في الإقرار (كغيره) فيفيد، فإذا قال: له ألف إلا مائة لزمه تسعمائة. وإذا قال: عليّ عشرة إلا ثمانية لزمه اثنان (وصح) هنا الاستثناء المعنوي نحو قوله: (له الدار والبيت لي أو) له (الخاتم وفصه لي إن وصل) ذلك بإقراره، لا إن لم يصله كما تقدم. (وإن أشهد في ذكر) بضم الذال المعجمة: الوثيقة (بمائة، وفي أخرى بمائة) وحاصله: أن المدعي أتى بوثيقتين، كل فيها مائة، وأشهد بهما (فالمائتان): لأن الأذكار أموال عند ابن القاسم وأصبغ وما مشى عليه الشيخ ضعيف، بخلاف الإقرار المجرد عن الكتابة فمال واحد على التحقيق، كما إذا أقر عند جماعة بأن عليه لفلان مائة ثم أقر عند آخرين بأن لفلان عليه مائة، فمائة فقط، وهذا إذا لم يذكر اختلاف السبب واتفقا قدراً وصفة وإلا فالمائتان، نحو: له علي مائة من بيع، ثم قال: له علي مائة من قرض أو قال: مائة محمدية، ثم: مائة يزيدية. (وإن أبرأ) إنسان (شخصاً مما له قبله، أو) أبرأه (من كل حق) له عليه (أو أبرأه) وأطلق، (برئ مطلقاً) مما في الذمة وغيرها معلوماً أو مجهولاً (حتى من السرقة و) من (حد القذف): إن كان سرق منه شيئاً أو قذفه ولم يبلغ الإمام، وأما قطع اليد فلا يبرأ منه لأنه حق لله، وحينئذ (فلا تقبل دعواه) عليه (بشيء، وإن) كان حقاً مكتوباً (بصك) أي وثيقة (إلا ببينة) تشهد (أنه) أي الحق المدعى به وقع (بعد الإبراء) فله القيام حينئذ به. (وإن أبرأه مما معه، برئ من الأمانة) التي عنده كالوديعة والقراض (لا) من (الدين) الذي في ذمته. (و) إن أبرأ (مما في ذمته فالعكس) أي فيبرأ من الدين لا الأمانة؛ لأن الأمانة ليست في الذمة. وإن أبرأه ــ وإلا لزم التناقض لأنه يصير نافياً لها بقوله لا كثيرة ومثبتاً لها بقوله ولا قليلة. قوله: [كما في عرف مصر]: أي فإن المتعارف في بعض القرى وبين كثير من العوام أنه الفلس من النحاس. قوله: [وإلا يكن بينهم درهم متعارف فالشرعي]: إنما أخر الشرعي لأن العرف القولي مقدم في باب اليمين وباب الإقرار. قوله: [وقبل غشه ونقصه]: أي يقبل قوله مغشوش وناقص سواء جمعهما أو اقتصر على أحدهما فلا يلزمه درهم كامل أو خالص. ويقبل تفسيره في قدر النقص أو الغش. قوله: [كغيره]: أي من الأبواب التي يعتبر فيها الاستثناء كالعتق والطلاق بشرطه وهو أن يتصل المستثنى بالمستثنى منه إلا لعارض، وأن ينطق به ولو سراً في غير هذا الباب. وأما هذا فلا بد أن يسمع به غيره لأنه حق لمخلوق ولا بد أن يقصد الاستثناء، وألا يكون مستغرقاً ولا مساوياً فاستثناء الأكثر والمساوي باطل، ويجوز استثناء الأكثر من المستثنى منه، وإبقاء أقله نحو له علي عشرة إلا تسعة خلافاً لعبد الملك، وإذا تعدد الاستثناء فكل واحد مخرج مما قبله، فإذا قال له: علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين إلا واحداً فالواحد مستثنى من الاثنين يبقى منهما واحد مستثنى من الأربعة يبقى منها ثلاثة مستثناة من العشرة يبقى سبعة هي المقر بها. قوله: [نحو قوله له الدار والبيت لي]: أي فهو في قوة قوله جميع الدار له إلا البيت، فإن تعددت بيوتها ولم يعين أمر بتعيينه وقبل منه. قوله: [وحاصله أن المدعي] إلخ: المناسب أن يقول: بمعنى أن المدعي إلخ لأن شأن الحاصل أن يكون بعد تتميم الكلام لا في أثناء الحل. قوله: [لأن الأذكار أموال عند ابن القاسم] إلخ: حاصل المعتمد عند الشيخين أن المقر إذا كتب الوثيقتين أو أمر بكتبهما وأشهد على ما فيهما ولم يبين السبب أو بينه فيهما وكان متحداً فالمعتمد أنه يلزمه ما في الوثيقتين، سواء اتحد القدر أو اختلف، وأما الإقرار المجرد عن الكتابة أو المصاحب لكتابة المقر له إذا تعدد فإن كان المقر به أولاً وثانياً متحد القدر لزمه أحد الإقرارين، وإن كان مختلف القدر لزمه الأكثر منها على المعتمد. قوله: [وإلا فالمائتان]: أي بأن اختلف السبب أو اختلف القدر أو الصفة. قوله: [نحو له علي مائة من بيع]: مثال لاختلاف السبب. وقوله: [أو قال مائة محمدية]: مثال لاختلاف الصفة ولم يمثل لاختلاف القدر وهو ظاهر كما إذا قال: مائة، وفي مجلس آخر قال: مائتان، فإنه يلزمه الأكثر. قوله: [برئ مطلقاً]: أي حيث كانت البراءة بواحدة من تلك الصيغ الثلاث، وأما غيرها فسيأتي. قوله: [ولم يبلغ الإمام]: أي فإن بلغه فلا يصح إبراؤه ولا بد من إقامة

стр. 724

مما عنده برئ منهما عند المازري ومن الأمانة فقط عند ابن رشد وهذا ظاهر إذا كان عليه دين وعنده أمانة، وأما إذا لم يكن عنده إلا أحدهما برئ منه. (وعمل بالعرف وقوة القرائن) فإذا كان العرف مساواة "مع" لـ "علي" و "عندي"، برئ مطلقاً كما لو قامت القرائن على شيء من تخصيص أو إطلاق فإنه يعمل بها، والله أعلم. (فصل) في الاستلحاق وأحكامه (الاستلحاق) في العرف (إقرار ذكر) لا أنثى فلا استلحاق لأم (مكلف) ولو سفيهاً خرج المجنون والمكره كالصبي (أنه أب لمجهول نسبه) ولو كذبته أمه لتشوف الشارع للحوق النسب لا لمقطوع نسبه كولد الزنا المعلوم أنه من زنى، ولا لمعلوم نسبه، ويحد من ادعى أنه أبوه حد القذف، إلا أن يقر بالزنا، فحد الزنا أيضاً. وإذا أقر أن مجهول النسب ابنه لحق به الولد (إن لم يكذبه عقل لصغره) أي مدعي الأبوة (أو عادة) كاستلحاقه من ولد ببلد بعيدة جداً يعلم أنه لم يدخلها أو شرع (فلو كان) مجهول النسب المستلحق بالفتح (رقاً، أو مولى): أي عتيقاً (لمكذبه): أي لشخص كذب الأب المستلحق له (لم يصدق) مدعي أبوته؛ لأنه يتهم على نزعه من مالكه أو الحائز لولائه قال ابن القاسم في المدونة: من استلحق صبياً في ملك غيره فلا يلحق به إذا كذبه الحائز. اهـ. وظاهره: أنه لا يلحق به أصلاً لا ظاهراً ولا باطناً. وقال فيها أيضاً: من باع صبياً ثم استلحقه به لحق به وينقض [١] البيع والعتق، وقال في موضع ثالث منها: من ابتاع أمة فولدت عنده فاستلحقه البائع أنه يلحق به وينقض البيع إن لم يقع عتق، وإلا مضى العتق والولاء للمبتاع. اهـ. فكلامه يخالف بعضه بعضاً في الثلاثة مواضع، ففهم الشيخ ﵀ أن الأول يحمل على ما إذا لم يكن باع الولد ولا الأم وقوله: لا يلحق به، أي: في ظاهر الحال حتى ينزعه من المالك المكذب له، فمعنى: لا يلحق به: أنه لا يصدق في استلحقاقه [٢] حتى ينزعه من مالكه أو معتقه بنقض البيع أو العتق (لكنه يلحق به) باطناً (فيحرم فرع كل) منهما (على الآخر) عملاً بإقراره. (وإن ملكه) مستلحقه بشراء أو غيره (عتق) الابن عليه (وتوارثا) توارث النسب. (فإن صدقه) المالك أو من أعتقه نقض البيع والعتق وتم الاستلحاق، ــ الحد إلا أن يريد الستر على نفسه فإذا أراد ذلك كان له إبراؤه ولو بلغ الإمام. تتمة: ظاهر النصوص أن البراءة تنفع حتى في الآخرة فلا يؤاخذ العبد عند الله بحق جحده وأبرأه صاحبه منه، وهو أحد قولين ذكرهما القرطبي في شرح مسلم، والقول الآخر: لا يسقط عنه مطالبة الله في الآخرة بحق خصمه. ولا يجوز للوصي أن يبرئ الناس من حق المحجور البراءة العامة، وإنما يبرئ عنه في المعينات. وكذلك المحجور بقرب رشده، ولا يبرئ وصيه إلا من المعينات ولا تنفعه البراءة العامة حتى يطول رشده كستة أشهر فأكثر. وكذلك لا يبرئ القاضي الناظر في الأحباس والمباراة العامة وإنما يبرئه من المعينات. وإبراؤه عموماً جهل من القضاة. فصل في الاستلحاق أتبع الاستلحاق بالإقرار بالمال لشبهه به وإن خالفه في بعض الصور فقوله: [في الاستلحاق]: أي في تعريفه، والمراد بأحكامه: مسائله. قوله: [فلا استلحاق لأم]: أي اتفاقاً لأن الاستلحاق من خصائص الأب دنية ولذلك لا يصح الاستلحاق من الجد على المشهور. وقال أشهب: يستلحق الجد. وتأوله ابن رشد على ما إذا قال: أبو هذا ولدي، لا إن قال: هذا ابن ولدي، فلا يصدق. قوله: [لمجهول نسبه]: يستثنى منه اللقيط فإنه لا يصح استلحاقه إلا ببينة أو بوجه كما يأتي في اللقطة. قوله: [ولو كذبته أمه]: أي ولا يشترط أن يعلم تقدم ملك أم هذا الولد أو نكاحها لهذا المستلحق على المشهور، وقال سحنون: يشترط ذلك ابن عبد السلام وهو قول لابن القاسم ووجه الأول أنهم اكتفوا في هذا الباب بالإمكان فقط لتشوف الشارع للحوق النسب ما لم يقم دليل على كذب المقر. قوله: [لصغره]: أي فلو كان صغير السن والمستلحق بالفتح كبيراً فإن ذلك يحيله العقل لما فيه من تقدم المعلول على علته. قوله: [يعلم أنه لم يدخلها]: فإن شك في دخوله فمقتضى ابن يونس أنه كذلك، ومقتضى البراذعي صحة استلحاقه، ومن المستحيل عادة استلحاق من علم أنه لم يقع منه نكاح ولا تسر أصلاً فإن العادة تحيل أن يكون له ولد؛ لأن كون الولد إنما يكون بين ذكر وأنثى عادي لا عقلي ولذا قيل في قوله تعالى: ﴿أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة﴾ [الأنعام: ١٠١] إن هذه حجة عرفية لا عقلية. قوله: [فلو كان مجهول النسب] إلخ: مفرع على قوله أو شرع، وإنما كانت الرقية والمولية مانعاً شرعياً؛ لأنه يتهم على نزعه من مالكه أو مولاه كما يفيده الشارح. قوله: [لأنه يتهم على نزعه] إلخ: اعترض بأنه لا يلزم من اللحوق نزعه من الرقية، إذ قد يتزوج الحر الأمة ويولدها، فالولد لاحق بأبيه ورقيق لسيد أمه، ولذا قال ابن رشد: الظاهر من جهة النظر قول أشهب باللحوق، بلى وقع مثله لابن القاسم في سماع عيسى، فكان ابن القاسم في قوله المشهور -وهو عدم اللحوق- رأى أن السيد قد تلحقه مضرة في المستقبل لو ثبت اللحوق، إذ قد يعتق هذا العبد ويموت عن مال فتقدم عصبة نسبه على سيده، فلتلك المضرة قيل بعدم اللحوق اهـ (بن). قوله: [وظاهره] إلخ: لكن هذا الظاهر غير مسلم لما يأتي. قوله: [حتى ينزعه من مالكه]: مفرع

стр. 725

وهذا مفهوم قول ابن القاسم: إذا كذبه الحائز وهو ظاهر وأما قوله الثاني: من باع صبياً إلخ، فهو صريح في أنه باعه فيكون غير الأول فلا يناقضه، وإليه أشار بقوله: وفيها أيضاً إلخ. وأشرنا له بقولنا: (أو علم) عطف على "صدقه" أي وإن علم (تقدم ملكه له) أي ملك المستلحق بالكسر للمستلحق بالفتح، كأن باعه وحده أو مع أمه لحق به، صدقه المالك أو كذبه، و (نقض البيع) ورد الثمن للمشتري -وكذا العتق على الراجح- كما بالغ عليه بقوله: وإن أعتقه عملاً بقول ابن القاسم الثاني، فإن ابن رشد رجحه وضعف الثالث في العتق، وكان الأولى التعبير بـ "أو" بدل "إن" جرياً على قاعدته في الرد بـ "لو"، فقولنا: "نقض البيع"، أي والعتق [١]، وهو جواب "إن" فهو راجع للمسألتين واستلزم النقض الاستلحاق. (و) إذا لحق الولد ونقض البيع أو العتق (رجع) المشتري على البائع المستلحق (بنفقته) عليه مدة إقامته عنده (كالثمن) أي كما يرجع عليه بالثمن، ومحل الرجوع بالنفقة: (إن لم يكن له خدمة) فإن استخدمه فلا رجوع بالنفقة؛ لأنها صارت في نظير الخدمة، ولا رجوع للبائع إن زادت الخدمة على النفقة، ويلحق الولد المذكور وينقض البيع فيرد الثمن ويرجع مشتريه بالنفقة إن لم يكن له خدمة (ولو مات) أي الولد: أي استلحقه بعد موته (وورثه) أبوه المستلحق له بعد موته (إن ورثه ولو ولد [٢]) أنثى فله منه السدس إن كان الولد ذكراً، وله النصف إن كان أنثى فقط، فإن لم يكن له ولد فلا يرثه؛ لأنه متهم على أنه إنما استلحقه ليأخذ ماله ما لم يكن المال قليلاً لا بال له فإنه يرثه أيضاً، فقوله: "إن ورثه ولد" أي أو قل المال، ومثل الاستلحاق بعد الموت: الاستلحاق في مرضه، وإلا فالإرث ثابت في كل حال. (وإن باع أمة) حاملاً (فولدت) عند المشتري (فاستلحقه) بائعه (لحق) الولد له مطلقاً، كذبه المشتري أو لا أعتقه أو لا اتهم البائع فيها بمحبة أو لا كما تقدم، ويبقى الكلام في أمه، أشار له بقوله: (ولا يصدق فيها): أي في الأم فلا ينقض البيع فيها (إن اتهم) البائع فيها (بمحبة أو وجاهة) أي عظمة وجمال (أو عدم ثمن) عند بائعها -بأن كان عديماً- فيتهم على أنه بعد أن قبض ثمنها وصرفه أراد أن يرجع في الأمة وولدها بدعوى الاستلحاق ولا يرد الثمن لعدمه فلا يصدق فيها. (و) إذا لم يصدقه فيها فيما إذا اتهم بشيء مما ذكر (لا يرد الثمن) أي لا يلزمه رده للمشتري، وقيل: يرده لاعترافه بأنها أم ولد وإن لم يصدق، ومشى عليه الشيخ لكنه ضعيف. (كأن) باعها بلا ولد و (ادعى استيلادها به بسابق) أي بولد سابق على البيع، فلا يصدق ولا ينقض البيع؛ لأنه متهم على رده، وقيل: يصدق فيرد البيع إذا [٣] لم يتهم بنحو محبة، وهما قولان ذكرهما الشيخ. (وإن استلحق) إنسان (غير ولد) بأن استلحق أخاً أو عماً أو أباً بأن فلان أخي، أو، أبي، أو عمي، أو ابن عمي، وتسمية هذا استلحاقاً مجاز -لأنه مجرد إقرار لما علمت- (لم يرثه) أي لم يرث المقر به المستلحق بالكسر (إن كان) هناك (وارث) للمقر كأخ أو أب أو عم معلوم. ــ على نفي التصديق. والمعنى أنه لا يصدق في استلحاقه تصديقاً يوجب نزعه من مالكه إلخ. قوله: [وهذا مفهوم قول ابن القاسم]: أي موافق لمفهوم قول ابن القاسم، وإلا ففي الحقيقة هو مفهوم قول المتن: فلو كان رقاً أو مولى لمكذبه إلخ. قوله: [عطف على صدقه]: أي والعطف يقتضي المغايرة فلذلك كان ينقض في هذه البيع والعتق صدقه المالك أو كذبه. قوله: [وضعف الثالث في العتق]: إنما خص العتق بالتضعيف لأنه موضع الخلاف، وأما نقض البيع فمتفق عليه في الثاني والثالث. قوله: [فهو راجع للمسألتين]: أي جواب عنهما وهما إذا صدقه سيده في عدم علم تقدم ملكه له أو علم تقدم ملكه له صدقه أو كذبه. قوله: [فلا رجوع بالنفقة]: أي قلت قيمة الخدمة على النفقة أو لا. قوله: [ولا رجوع للبائع إن زادت الخدمة]: أي على الراجح. ومقابله: الرجوع بالنفقة مطلقاً عدمه مطلقاً. قوله: [ولو مات الولد]: مبالغة في محذوف قدره الشارح قبل ذلك بقوله: " ويلحق الولد المذكور " إلخ. وقوله: [وورثه أبوه]: مرتب على قوله ولو مات. والمعنى أن له الاستلحاق ولو بعد الموت وحيث قلتم باستلحاقه بعد الموت فأبوه المستلحق يرثه إن ورثه ولد أو كان المال قليلاً، وما قيل في الاستلحاق بعد الموت يقال في الاستلحاق في المرض كما يفيده الشارح. قوله: [وإلا فالإرث ثابت]: أي وإلا بأن كان الاستلحاق في حياة المستلحق بالفتح، وصحته. وقوله: [في كل حال]: أي كان له ولد أم لا، كان المال قليلاً أو كثيراً. قوله: [كما تقدم]: أي من ترجيح ابن رشد. قوله: [وأن يصدق]: صوابه وإن لم يصدق. قوله: [وقيل يصدق]: هذا هو الراجح كما في المجموع والأصل، وعلى القول بتصديقه فيرد الثمن إن ردت له حقيقة أو حكماً بأن ماتت أو أعتقها المشتري كما يفيده النقل اهـ خرشي. قوله: [وهما قولان]: أي في المدونة. قوله: [بأن فلان أخي]: هكذا نسخة المؤلف بغير تنوين، والمناسب تنوينه بالنصب لكونه اسماً لأن لا وجه لمنعه من الصرف. قوله: [لما علمت]: أي من أن الاستلحاق مخصوص بالولد. قوله: [إن كان هناك وارث]: أي حائز لجميع المال وإنما لم يرث المقر به في هذه الحالة؛ لأن المقر يتهم على خروج الإرث لغير من كان يرث ولا يعكر

стр. 726

(وإلا) يكن له وارث (ورث، وإن لم يطل الإقرار) قال: وخصه المختار بما إذا لم يطل الإقرار، أي: خص الخلاص [١] الذي ذكره بما إذا لم يطل. أما إن طال فلا خلاف في الإرث. والراجح الإرث عند عدم الوارث. (وإن أقر عدلان) مات أبوهما مثلاً (بثالث ثبت النسب) للثالث (وإلا) يكونا عدلين بل مجروحين، أو كان عدل واحد، لم يثبت نسب و (ورث) المقر به (من حصة المقر ما نقصه الإقرار) من حصة المقر، كان عدلاً أم لا، ولا يمين، والتفصيل الذي ذكره الشيخ ضعيف. (فلو ترك شخص أماً وأخاً فأقرت) الأم (بأخ) ثان للميت وأنكره الأخ (فله) أي للمقر به (منهما السدس) لحجبها بهما من الثلث إلى السدس، فلو تعدد الأخ الثابت النسب فلا شيء للمقر به إذ لا تنقص الأم عن السدس. ــ على هذا اعتبار الوارث يوم الموت لا يوم الإقرار؛ لأن الشخص قد يترقب يوم موته فيعمل عليه بالاحتياط. قوله: [وإلا لم يكن له وارث]: أي حائز كالأخ وما معه بأن لم يكن وارث أصلاً أو وارث غير حائز كأصحاب الفروض. قوله: [ورث وإن لم يطل الإقرار]: أي فيرث جميع المال إن لم يكن هناك وارث أو الباقي إن كان هناك ذو فرض، وهذا هو الراجح بناء على أن بيت المال ليس كالوارث المعروف الذي يحوز جميع المال، ومقابل الراجح مبني على أنه كالوارث الحائز لجميع المال، فعليه لا يتأتى إرث المقر به؛ لأن بيت المال وارث حائز دائماً ويجري هذا التفصيل في إرث المستلحق بالكسر من المستلحق بالفتح حيث صدقه على استلحاقه؛ لأن كلاً منهما حينئذ مقر بصاحبه فلو كذبه فلا إرث، وإن سكت فهل هو كالتصديق أو يرث المستلحق بالفتح فقط على تفصيل المصنف تردد. قوله: [أما إن طال] إلخ: الطويل معتبر بالسنتين. تنبيه: يستثنى من محل الخلاف ما إذا أقر شخص بمعتقه بأن قال: أعتقني فلان، فإنه كالإقرار بالبنوة فيرث المقر به من غير خلاف حيث لم يكن له وارث حائز؛ لأنه إقرار على نفسه فقط؛ لأن المعتوق يورث غيره ولا يرث هو فهو داخل في قول المصنف: "يؤاخذ المكلف بإقراره" بخلاف الإقرار بنحو الأخوة فهو إقرار على الغير أيضاً؛ لأن كلاً منهما يرث الآخر، والإقرار على الغير في المعنى دعوى. قوله: [بثالث]: أي بالنسبة لهما وإلا فقد يكون رابعاً أو خامساً. قوله: [ثبت النسب]: أي ويأخذ من التركة كواحد منهم ويحرم عليه نكاح أم الميت وابنته إن كان المقر به ابناً أو أخاً للميت. قوله: [لم يثبت نسب]: أي وحيث لم يثبت نسب فلا يحرم على المقر به على أنه أخ للميت أو ابن تزوج ببنته أو أمه، وإنما لم يثبت النسب في هذه الحالة لإجماع أهل العلم أنه لا يثبت النسب بغير العدول، ولو كانوا حائزين للميراث كما لابن يونس، وقال المازري بثبوت النسب بإقرار غير العدول إذا كانوا ذكوراً وحازوا الميراث كله والمعتمد الأول. قوله: [والتفصيل الذي ذكره الشيخ]: أي حيث قال وعدل يحلف معه ويرث ولا نسب وإلا فحصة المقر كالمال. قوله: [فلو ترك شخص أماً وأخاً]: من ذلك أيضاً ما إذا كان الميت خلف ثلاثة أولاد أقر اثنان منهم غير عدلين بأخ آخر وأنكره الثالث فإنه يقسم على الإنكار وعلى الإقرار، فمسألة الإقرار أربعة، ومسطحهما اثنا عشر لتباينهما؛ فاقسمها على الإنكار يخص كل واحد أربعة وعلى الإقرار يخص كل واحد ثلاثة، فالذي نقصه إقرار كل واحد من المقرين واحد فيعطى الاثنان للمقر به. قوله: [فلا شيء للمقر به]: أي فقولهم للمقر به ما نقصه الإقرار إن كان الإقرار منقصاً. تتمة: إن قال رجل: أحد أولاد الأمة الثلاثة ولدي، ومات ولم يعينه؛ عتق الأصغر كله على كل حال؛ لأنه إن كان ولده فظاهر، وإن كان ولد غيره فهو ولد أم ولد عتقت بموت سيدها فيعتق معها، وثلثا الأوسط؛ لأنه حر بتقديرين، وهما كونه المقر به أو الأكبر ورقيق بتقدير واحد وهو كون المقر به الأصغر، وثلث الأكبر؛ لأنه حر بتقدير واحد وهو كونه المقر به ورق بتقديرين وهما كون المقر به الأوسط أو الأصغر وإن افترقت أمهاتهم فواحد يعتق بالقرعة ولا إرث لواحد منهم افترقت أمهاتهم أم لا. مسألة: إن أقر شخص، عند موته بأن فلانة جاريته ولدت منه فلانة ولها ابنتان أيضاً من غيره ونسيتها الورثة والبينة فلم يعلموا اسمها الذي سماه لهم؛ فإن أقر بذلك الورثة مع نسيانهم اسمها فهن أحرار ولهن ميراث بنت يقسم بينهن ولا نسب لواحدة منهن، وإلا يقر الورثة بذلك لم يعتق منهن شيء؛ لأن الشهادة حينئذ كالعدم، وأما إذا لم تنس البينة اسمها فهي حرة ولها الميراث، أنكرت الورثة أو اعترفت.

стр. 727

(باب) في الوديعة وأحكامها (الوديعة) مأخوذة من الودع بفتح الواو بمعنى الترك، وفعيلة: بمعنى مفعولة، وحقيقتها عرفاً: (مال) فمن استحفظ ولده أو زوجته غيره فلا يسمى وديعة عرفاً (موكل) اسم مفعول أي وكل ربه غيره (على حفظه) أي مجرد حفظه، فخرج القراض والإبضاع والمواضعة والوكالة. ولما كانت الوديعة أمانة، وكل أمانة لا يضمنها الأمين إلا إذا فرط من يصح توكيله فيها، أشار لذلك بقوله [١]: (تضمن بتفريط رشيد، لا) بتفريط (صبي و) لا (سفيه) كذا عبد لم يأذن له سيده، لعدم صحة وكالتهم كما تقدم، فمن استودع واحداً منهم فهو المفرط في ماله إلا أن في العبد تفصيلاً سيذكر قريباً (وإن أذن أهله) أي: ولي الصبي والسفيه فلا ضمان إلا فيما صون به ماله وهو مليء كما تقدم وأشار للتفصيل في العبد بقوله: (ويضمنها) العبد (غير المأذون) إذا قبلها بغير إذن سيده وفرط (في ذمته إن عتق) لا إن لم يعتق (إلا أن يسقطها) أي يسقط ضمانها (عنه سيده قبله) أي قبل العتق فلا ضمان عليه. وأما المأذون له في التجارة فيضمنها في ذمته عاجلاً في ماله لا مال السيد، ولا يتوقف الضمان على عتقه. وكذا الصبي إذا نصبه وليه للتجارة فقولهم: لا ضمان على صبي فرط وإن أذن له وليه: أي ما لم ينصبه للتجارة والمعاملات بين الناس. ثم بين وجوه التفريط بقوله: (فتضمن) الوديعة (بسقوط شيء عليها منه): أي من يد المودع ولو خطأ؛ لأن الخطأ كالعمد في الأموال وزدنا عليه لفظ منه لبيان مراده إذ هو محل التفريط (لا) يضمن (إن انكسرت) الوديعة منه (في نقل مثلها المحتاج إليه) من مكان إلى آخر فإذا لم تحتج إلى النقل فنقلها، أو احتاجت ونقلها نقل غير مثلها ــ مسألة أخرى: لو استلحق رجل ولداً ولحق به شرعاً ثم أنكره ثم مات الولد بعد الإنكار فلا يرثه أبوه المنكر ووقف ماله، فإن مات الأب فلورثته؛ لأن إنكاره لا يقطع حقهم وقضي به دينه إن مات وعليه دين، وإن قام غرماؤه عليه وهو حي أخذوه في دينهم، وأما لو مات الأب أولاً فإن الولد يرثه ولا يضر إنكار أبيه، ويلغز بهذه المسألة: ابن ورث أباه ولا عكس وليس بالأب مانع، ويقال أيضاً: مال يرثه الوارث ولا يملكه مورثه، ويقال أيضاً: مال يوقف لوارث الوارث دون الوارث ويقال أيضا: مال يقضى منه دين الشخص ولا يأخذه هو. باب في الوديعة حكمها كما قال (شب) عن ابن عرفة: من حيث ذاتها للفاعل والقابل مباحة، وقد يعرض وجوبها: كخائف فقدها الموجب هلاكه أو فقره إن لم يودعها مع وجود قابل لها يقدر على حفظها. وحرمتها: كمودع شيء غصبه ولا يقدر القابل على جحدها ليردها إلى ربها أو للفقراء إن كان المودع مستغرق الذمة، ولذا ذكر عياض في مداركه عن بعض الشيوخ: أن من قبل وديعة من مستغرق ذمة ثم ردها إليه ضمنها للفقراء، ثم قال: وندبها حيث يخشى ما يوجبها دون تحققه، وكراهتها حيث يخشى ما يحرمها دون تحققه اهـ. قوله: [بمعنى للترك]: أي ومنه قوله تعالى: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ٣] أي ما ترك عادة إحسانه في الوحي إليك؛ لأن المشركين ادعوا ذلك لما تأخر عنه الوحي. قوله: [وفعيلة بمعنى مفعولة]: المناسب التفريع بالفاء. قوله: [وحقيقتها عرفاً]: أي وأما لغة: فهي الأمانة، وتطلق على الاستنابة في الحفظ. وذلك يعم حق الله وحق الآدمي. قوله: [أي وكل ربه غيره على حفظه]: أي فالإيداع نوع خاص من التوكيل؛ لأنه وكيل على خصوص حفظ المال. وإذا علمت أن الإيداع توكيل خاص تعلم أن كل من جاز له أن يوكل وهو البالغ العاقل الرشيد جاز له أن يودع، ومن جاز له أن يتوكل جاز له أن يقبل الوديعة. قوله: [فخرج القراض]: أي؛ لأنه موكل على حفظه والتجر فيه والإبضاع؛ لأنه موكل على حفظه والتصرف فيه بما أمره المالك، وخروج الأمة التي تتواضع؛ لأنه ليس المقصود منها حفظ ذات الأمة من حيث هي، بل المحافظة عليها لأجل رؤية الدم. وقوله: [والوكالة]: أي مطلقاً على نكاح أو طلاق أو اقتضاء دين أو مخاصمة؛ لأنه ليس توكيلاً على مجرد حفظ مال. قوله: [من يصح توكيله]: أي وهو البالغ العاقل الرشيد. قوله: [سيذكر قريباً]: أي في قوله ويضمنها العبد غير المأذون إلخ قوله: [إلا فيما صون به ماله]: أي يضمن قدر المال الذي صون كما لو كان يصرف من ماله كل يوم عشرة فانتفع بتلك الوديعة في يوم من الأيام، فإنه لا يؤخذ من ماله إلا مقدار عشرة ولو كانت الوديعة مائة. قوله: [غير المأذون]: أي وغير المكاتب. قوله: [إلا أن يسقطها]: أي؛ لأن للسيد إسقاط الحقوق المالية التي تعلقت بالعبد غير المأذون قبل عتقه ويصير لا تبعة عليه بعد ذلك. قوله: [وأما المأذون له في التجارة]: أي ومثله المكاتب. قوله: [أي ما لم ينصبه للتجارة]: أي كالصبيان الجالسين في الدكاكين بمصر: فضمانهم كضمان الحر الرشيد؛ لأن يدهم بمنزلة يد أوليائهم. قوله: [ولو خطأ]: أي هذه إذا كان السقوط عمداً، بل ولو كان خطأ كمن أذن له في تقليب شيء فسقط من يده فكسر غيره فلا يضمن الساقط؛ لأنه

стр. 728

ضمن إن انكسرت. ونقل مثلها: ما يرى الناس أنه ليس فيه بمفرط فزيادتنا عليه: "المحتاج إليه" لا بد منها. (و) تضمن (بخلطها): أي الوديعة بغيرها إذا تعذر تمييزها عما خلطت فيه (إلا كقمح) وفول من سائر الحبوب (بمثله) نوعاً وصفة، فإن خلط سمراء بمحمولة ضمن، وكذا جيد برديء أو نقي بغلث ودخل تحت الكاف دنانير بمثلها، أو دراهم بمثلها؛ لأنها لا تراد لعينها. (أو دراهم بدنانير) لتيسر التمييز فلا يضمن إذا خلطها (للإحراز أو الرفق) راجع للصورتين فإن لم يكن الخلط للصون ولا للارتفاق ضمن؛ لاحتمال عدم تلفها أو ضياعها لو كانت على حدة، ويعلم ذلك بقرائن الأحوال التي تقتضي التفريط وعدمه. وكون القيد راجعاً للمسألتين ظاهر. فالاعتراض على الشيخ بأن القيد إنما ذكروه في الأولى دون الثانية مما لا يلتفت إليه. (ثم إن تلف بعضه) بعد الخلط (فبينكما) على حسب الأنصباء من النصف أو الثلث أو غيرهما، فإذا ضاع اثنان من أربعة لأحدهما واحد وللثاني ثلاثة فالاثنان الباقيان لصاحب الثلاثة منهما واحد ونصف ولصاحب الواحد نصف وهكذا (إلا أن يتميز) التالف من السالم كما في خلط الدنانير والدراهم فما تلف فعلى ربه خاصة. (و) يضمن (بانتفاعه بها) بلا إذن من ربها، فتلفت أو تعيبت بسبب ذلك؛ كركوب الدابة واستخدام العبد ولبس الثوب. واختلف فيما إذا هلك في استعماله بأمر من الله تعالى فقال سحنون: يضمن؛ لأنه كالغاصب وقال ابن القاسم: لا يضمن بناء على أن الغالب فيما تعطب بمثله السلامة؛ كما لو أرسل العبد أو ركب الدابة لنحو السوق فمات من الله. (أو سفره) بها: أي إذا سافر فأخذ الوديعة معه فضاعت أو تلفت فإنه يضمن (إن وجد أميناً) يتركها عنده؛ لأنه حينئذ صار مفرطاً بأخذها معه. ــ مأذون له فيه، ويضمن الأسفل بجنايته عليه خطأ والعمد والخطأ في أموال الناس سواء كما أفاده الشارح، وفي (ح) لا يجوز للمودع إتلاف الوديعة ولو أذن له ربها في إتلافها، فإن أتلفها ضمنها لوجوب حفظ المال كمن قال لرجل اقتلني أو ولدي. قوله: [ضمن إن انكسرت]: أي في الصور الثلاث. والحاصل: أن الصور أربع؛ لا ضمان في صورة المصنف: وهي ما إذا احتيج للنقل ونقلها نقل مثلها فانكسرت، والضمان فيما عداها: وهو ما إذا لم تحتج لنقل ونقلها فانكسرت؛ كأن نقل مثلها أم لا أو احتاجت للنقل ونقلها غير نقل أمثالها فانكسرت. قوله: [ونقل مثلها ما يرى الناس] إلخ: أي وهو يختلف باختلاف الأشياء؛ فبعض الأشياء شأنه أن يحمل على جمل، وبعضها على حمار، وبعضها على الرجال، وبعضها يناسبه المشي بسرعة، وبعضها على مهل. قوله: [إذا تعذر تمييزها]: أي كما لو كانت الوديعة سمناً وخلطها بدهن أو زيت فتضمن وإن لم يحصل فيها تلف. قوله: [فإن خلط سمراء بمحمولة]. إلخ: مثال لما اختلفت صفته. وإنما ضمن لتعذر التمييز بعد ذلك، وكذلك خلط مختلفي النوع كقمح بأرز. قوله: [ودخل تحت الكاف]: أي التي في قول المصنف: "لا كقمح" أي: فلا ضمان في ذلك أيضاً؛ لأنها لا تراد لعينها كما أفاده الشارح. قوله: [وكون القيد راجع للمسألتين]: أي مسألة خلط الحبوب بمثلها والدراهم بالدنانير والمناسب نصب راجع؛ لأنه خبر الكون. قوله: [فالاعتراض على الشيخ]: أصل الاعتراض لابن غازي قائلاً: هذا القيد للأولى خاصة؛ لأنه الذي في المدونة، وأما الثانية فلا ضمان فيها ولو فعل ذلك لغير الإحراز. ورد عليه بأن أبا عمران وأبا الحسن قيدا الثانية أيضاً بذلك كذا في (عب). ورد عليه (بن): بأن تقييدهما إنما وقع لمسألة خلط الدراهم بمثلها والدنانير بمثلها وهو مما أدخلته الكاف الأولى، وأما خلط الدنانير بالدراهم فلم يقع من أحد تقييدها بذلك. اهـ فعلم من هذا أن كلام ابن غازي لا غبار عليه من رجوع القيد للصورة الأولى، وأما الثانية فلا ضمان فيها مطلقاً فعله للإحراز أو لا. قوله: [على حسب الأنصباء]: هذا هو المعتمد ومقابله أن ما تلف يكون على حسب الدعاوى. قوله: [فعلى ربه خاصة]: قال في الحاشية: يؤخذ من هذا أن المركب إذا وسقت بطعام لجماعة غير شركاء وأخذ الظالم منهم شيئاً فإن كان الطعام مخلوطاً بعضه على بعض فمصيبة ما أخذ من الجميع تقسم على حسب أموالهم، وأما إذا كان غير مختلط فما أخذ مصيبته من ربه، وأما ما جعله الظالم على المركب بتمامها فيوزع على جميع ما فيها كان هناك اختلاط أو لا كالمجعول على القافلة. قوله: [ويضمن بانتفاعه بها]: أي على وجه العارية، وأما على وجه السلف فسيأتي. قوله: [وقال ابن القاسم لا يضمن]: قال (عب): إذا انتفع بالوديعة انتفاعاً لا تعطب به عادة فتلفت بسماوي أو غيره فلا ضمان، فإن تساوى الأمران - العطب وعدمه - فالأظهر كما يفيده أول كلام ابن ناجي الضمان ولو بسماوي، وكذا إن جهل الحال للاحتياط. قال في حاشية الأصل: والحاصل أن الصور ثمان فإذا ركبها لمحل تعطب في مثله غالباً أو استوى الأمران وتلفت ضمن كان التلف بسماوي أو بتعديه، وإن ركبها فيما يندر فيه العطب فلا ضمان عطبت بسماوي أو بغيره من غير تعديه كما قال ابن القاسم خلافاً لسحنون

стр. 729

فإن لم يوجد أميناً يتركها عنده - بأن لم يجد أميناً أصلاً، أو وجده ولم يرض بأخذها عنده- فلا ضمان عليه إذا سافر بها فتلفت؛ لأنه أمر تعين عليه (إلا أن ترد) بعد الانتفاع بها أو بعد سفر بها (سالمة) لموضع إيداعها ثم تلفت أو ضاعت بعد ذلك بلا تفريط فلا يضمن (والقول له) أي لمن انتفع بها أو سافر بها عند وجود أمين (في ردها سالمة) لمحل إيداعها إذا خالفه ربها في ذلك وهذا (إن أقر بالفعل) أي بأنه انتفع بها أو سافر (لا إن) أنكر ذلك، و (شهد عليه) به، فادعى رجوعها سالمة لمحل إيداعها فلا يقبل قوله ويضمن. (وحرم) على المودع بالفتح (سلف مقوم) أودع عنده كثياب وحيوان بغير إذن ربه؛ لأن المقومات تراد لأعيانها وسواء كان المتسلف ملياً أو معدماً. (و) حرم تسلف (معدم): أي معسر ولو لمثلي؛ لأنه مظنة عدم الوفاء. والشأن عدم رضا ربها بذلك. (وكره) للملي (النقد والمثلي) من عطف العام على الخاص: أي تسلفهما؛ لأن الملي مظنة الوفاء مع كون مثل المثل كعينة، إذ المثليات لا تراد لأعيانها. ومحل الكراهة إذا لم يكن سيئ القضاء ولا ظالماً وإلا حرم. (كالتجارة) بالوديعة؛ فإنها تحرم إن كان مقوماً أو مثلياً والتاجر معدماً، وإلا كره فالتشبيه تام على الصواب. (والربح) الحاصل من التجارة (له): أي المودع بالفتح. ورد على ربها مثل المثلي وقيمة المقوم. (وبرئ) متسلف الوديعة وكذا تاجر فيها بلا إذن (إن رد المثلي لمحله) الذي أخذه منه سواء كان المثلي نقداً أو غيره، وسواء كان السلف له مكروهاً كالملي أو محرماً كالمعدم، فإن تلف بعد رده فلا ضمان عليه. بخلاف المقوم فلا يبرأ بذلك؛ لأنه بتصرفه فيه وفواته لزمته قيمته لربه. (وصدق) المتسلف (في رده) لمحله إذا لم تقم له بينة (إن حلف) فالقول له بيمينه أنه رده. (إلا) أن يكون تسلفها تسلفاً جائزاً بأن تسلفها (بإذن) من ربها (أو يقول) له ربها: (إن احتجت فخذ) فأخذ به [١]، (فيردها [٢]): أي فلا يبرأ إلا بردها (لربها): ولا يبرئه ردها لمحلها؛ لأنها بالإذن انتقلت من الأمانة إلى الدين في الذمة. (كالمقوم) فإنه إذا تسلفه فلا يبرأ إلا برده لربه كما تقدم. (و) إذا أخذ البعض منها بإذن أو بلا إذن (ضمن المأخوذ فقط) على التفصيل المتقدم، وما لم يأخذه لم يضمنه رد إليه ما أخذه أم لا. ــ إذا علمت ذلك فكلام الشارح في غاية الإجمال. قوله: [فإن لم يوجد أميناً]: هكذا نسخة المؤلف، وحق العبارة بناء الفعل للمجهول ورفع أميناً على أنه نائب فاعل، ومثله يقال في قوله: "بأن لم يوجد أميناً". أو يحذف الواو ويبنى الفعل للفاعل ويبقى أميناً على نصبه؛ لأن وجد كوعد يقال في مضارعه يجد كيعد فتأمل. قوله: [عند وجود أمين]: أي لا يمتنع من قبولها. قوله: [في ردها سالمة]: أي وحيث كان القول له إذا ردت سالمة بعد انتفاعه بها فلربها أجرتها إن كان مثله يأخذ ذلك وإلا فلا، هذا هو الحق خلافاً لما ذكره (ح) في أول الغصب من إطلاق لزوم الأجرة كذا في الحاشية. قوله: [فادعى رجوعها سالمة]: مفهومه لو شهدت له بينة على الرجوع سالمة أنه يقبل ولا ضمان عليه. قوله: [: سلف مقوم]: حاصل ذلك أن الوديعة إما من المقومات أو المثليات. وفي كل إما أن يكون المودع بالفتح ملياً أو معدماً. فالصور أربع؛ فإن كانت من المقومات حرم تسلفها بغير إذن ربها مطلقاً كان المودع المتسلف لها ملياً أو معدماً، وإن كانت من المثليات حرم أيضاً إن كان معدماً وكره إن كان ملياً محل الكراهة حيث لم يبح له ربها ذلك أو يمنعه بأن جهل الحال وإلا أبيح في الأول. ومنع في الثاني ومنعه لها إما بالمقال أو القرائن. قوله: [أما إذا لم يكن سيئ القضاء]: المناسب حذف "ما وإذا"، والمعنى: أنه إذا كان يعلم من نفسه سوء القضاء فإنه يحرم عليه ولا يفتى له بكراهة ذلك بل بالحرمة والظالم المستغرق الذمم كذلك؛ لأنه لو رد لرد لنا حراماً فمراده بالظالم المستغرق الذمم والمناسب للشارح نصب ظالم؛ لأنه معطوف على خبر يكن. قوله: [والتاجر معدماً] قيد في المثلي. قوله: [وإلا كره]: أي وإلا بأن كان المال مثلياً والتاجر مليئاً غير سيئ القضاء ولا مستغرق الذمم. قوله: [فالتشبيه تام على الصواب]: ومقابله أن التشبيه في الكراهة فقط في جميع المسائل. قوله: [والربح الحاصل]: أي بعد البيع كانت التجارة حراماً أو مكروهة. قوله: [وقيمة المقوم]: أي حيث فات فإن كان قائماً فربه مخير بين أخذه ورد البيع وإمضائه وأخذ ما بيع به. وأما في الفوات فليس له إلا القيمة ولو أبدله بعرض آخر مماثلاً له كما هو مفاد كلام الأشياخ خلافاً لما في الخرشي. قوله: [بخلاف المقوم فلا يبرأ بذلك]: أي سواء تسلفه مليء أو غيره، فإذا تسلف المقوم شخص فلا يبرأ منه إلا بالإشهاد على الرد لربه ولا تكفي الشهادة على الرد لمحل الوديعة. قوله: [فالقول له بيمينه]: أي ولا بد أن يدعي أنه رد عينه أو صفته، فإن نكل عن اليمين غرم. قوله: [كما تقدم]: أي من أنه بمجرد تصرفه وفواته لزمته قيمته لربه. قوله: [على التفصيل المتقدم]: أي فإن كان مكروهاً ورده فلا ضمان عليه لما أخذه ولا لما لم يأخذه وإن كان

стр. 730

(و) تضمن (بقفل) عليها (نهي عنه) بأن قال له ربها لا تقفل عليها الصندوق مثلاً، لكونه خاف عليها من لص؛ لأن شأن اللص أن يقصد ما قفل عليه، فقفل عليها فسرقت بخلاف ما لو تلفت بسماوي أو حرق بلا تفريط فلا يضمن؛ لأنها لم تتلف من الجهة التي خاف منها (و) تضمن (بوضع) لها (في نحاس، في أمره) بوضعها (بفخار فسرقت) فإن لم يأمره [١] بشيء لم يضمن حيث وضعها بمحل يؤمن عادة كما لا يضمن إذا تلفت بغير سرقة. (لا إن زاد قفلاً) على قفل أمره به فلا يضمن، إلا إذا كان فيه إغراء للص (أو أمر بربطها بكم فأخذها بيده أو جيبه) فلا ضمان إن غصبت أو سقطت؛ لأن اليد أحرز منهما إلا أن يكون شأن السارق أو الغاصب قصد الجيب. (و) تضمن (بنسيانها بموضع إيداعها) فأولى غيره؛ لأن عنده نوعاً من التفريط (و) تضمن (بدخول حمام) بها، أو دخول سوق بها فضاعت (و) تضمن (بخروجه بها يظنها له فتلفت) راجع لجميع ما قبله، وإنما ضمن فيما إذا خرج بها يظن أنها له؛ لأنه من الخطأ وهو كالعمد في المال. (لا) يضمن (إن نسيها) مربوطة (في كمه) فضاعت إن أمره بوضعها فيه (أو شرط عليه الضمان) فيما لا ضمان فيه، بأن كان مما لا يغاب عليه، أو قامت على هلاكه بينة، فلا يعمل بالشرط ولا ضمان. (و) تضمن (بإيداعها لغير زوجة وأمة اعتيداً) للوضع عندهما، فإذا اعتيدا فلا ضمان عليه، وألحق بهما الخادم المعتاد للإيداع والمملوك والابن كذا مع التجربة وطول الزمان وغيرهما: شامل للزوجة والأمة غير معتادين، ــ جائزاً بأن تسلفه بالإذن تعلق البعض الذي أخذه بذمته فلا يبرأ إلا بتسليمه لربه وإن كان حراماً فلا يبرأ إلا بتسليمه لربه إن كان مقوماً، وإن كان مثلياً صدق بيمينه أنه رده بعينه أو صفته. قوله: [وتضمن بقفل]: بفتح القاف بمعنى الفعل كما يقتضيه مزج الشارح لا بالضم بمعنى الآلة، وإن صح أيضاً من جهة الفقه. قوله: [بخلاف ما لو تلف بسماوي أو حرق]: أي والموضوع أنه خالف وقفل عليها. ومفهوم قوله نهي عنه أنه لو قفل عليها من غير نهي من صاحبها لا ضمان أو ترك القفل مع عدم النهي وعدم الأمر لا ضمان، وذكر ابن راشد أنه لو جعلها في بيته من غير قفل وله أهل يعلم خيانتهم فإنه يضمن لمخالفته العرف. قوله: [فأخذها بيده]: أي فلا ضمان عليه ما لم يكن المودع قصد إخفاءها عن عين الغاصب. وقوله: [أو جيبه]: ظاهره كان الجيب بصدره أو جنبه وهو مقتضى كلام بهرام، واستظهر في الحاشية قصره على الأول، وأنه يضمن بوضعها في جيبه إذا كان بجنبه، ولو جعلها في وسطه وقد أمره بجعلها في عمامته لم يضمن وضمن في العكس، وكذا لو أمره بالوسط فجعلها في جيبه أو كمه كما في (بن). قوله: [لأن اليد أحرز منهما]: هكذا نسخة المؤلف، وصوابه؛ لأن اليد أو الجيب أحرز منه فتأمل. قوله: [نسيانها بموضع إيداعها]: أي وأولى في غيره، كما لو حمل مالاً لإنسان يشتري له به بضاعة من بلد آخر حتى أتى لموضع نزل ليبول مثلاً فوضعه بالأرض ثم قام ونسيه فضاع ولا يدري محل وضعه، فإنه يضمن؛ لأن نسيانه جناية وتفريط كما أفتى به ابن رشد خلافاً لفتوى الباجي بعدم الضمان في هذه المسألة. قوله: [بدخول حمام بها]: أي أو دخوله الميضأة لرفع حدث أصغر أو أكبر، ومحل الضمان حيث كان يمكن وضعها في محله، أو عند أمين ولو كان المودع غريباً في البلد لقدرته على سؤاله فيها عن أمين يجعلها عنده حتى يقضي حاجته. وأعلم أن قبوله لها وهو ذاهب للسوق كقبوله لها وهو يريد الحمام، فإذا قبلها وضاعت في السوق أو الحمام ضمنها إن كان يمكنه وضعها عند أمين، ومحل الضمان أيضاً ما لم يعلم ربها أن المودع ذاهب للسوق أو الحمام عند الإعطاء، فإن علم بذلك فلا ضمان إذا ضاعت في الحمام أو السوق قياساً على ما إذا أودعه وهو عالم بعورة منزله كذا قرر شيخ مشايخنا العدوي. قال (عب): والظاهر أنه إذا دخل الحمام بها لعدم من يودعها عنده فإنه يؤمر بوضعها عند رئيس الحمام، فإن لم يودعها عنده وضاعت ضمنها كما هو عرف مصر. قوله: [مربوطة]: أي وأما لو كانت غير مربوطة ونسيها فضاعت فإنه يضمنها؛ لأنه ليس بحرز حينئذ. قوله: [بأن كان مما لا يغاب عليه] إلخ: خروج عن الموضوع. والصواب أن يقول: بأن ضاعت بغير تفريط؛ لأن الضمان هنا تابع للتفريط لا لما يغاب عليه إلى آخر ما قال، فإن ما قاله مخصوص بالرهان والعواري تأمل. قوله: [وغيرهما شامل] إلخ: رجوع لمنطوق المتن. والحاصل أن المستفاد من المتن والشرح أن الضمان لا ينتفي عنه إلا إذا وضعها عند زوجة أو أمة أو خادم أو مملوك أو ابن اعتيد هؤلاء الخمسة لذلك مع التجربة وطول الزمان، فإن لم يعتد هؤلاء الخمسة أو وضعها عند غيرهم من أب أو أم، أو وضعت الزوجة عند زوجها أو عند أجانب فإنه يضمن اعتيد من ذكر للوضع أم لا، إلا لعذر حدث كسفر وعجز عن

стр. 731

وللأب والأم وغيرهما مطلقاً ولو أراد سفراً مع إمكان الرد (إلا لعذر حدث) بعد الإيداع للمودع بالفتح، كهدم الدار وطرو جار سوء أو ظالم و (كسفر) أراده (وعجز عن الرد) لربها لغيبته أو سجنه، فيجوز الإيداع لغير الزوجة والأمة المعتادين ولا ضمان إن تلفت واحترز بقوله: "حدث" عما إذا كان حاصلاً قبل الإيداع وعلم ربها به فليس له إيداعها وإلا ضمن فإن لم يعلم ربها بالعذر فليس للمودع قبولها فإن قبلها وضاعت ضمن مطلقاً أودعها أو لا (ولا يصدق) المودع بالفتح (في العذر) إن أودعها وضاعت وادعى أنه إنما أودعها لعذر (إلا ببينة) تشهد له (بالعذر): أي بعلمهم به لا بقوله: اشهدوا أني أودعتها لعذر من غيرها به (وعليه استرجاعها) وجوباً (إن) زال العذر المسوغ لإيداعها أو (نوى الإياب): أي الرجوع من سفره عند إرادته ثم رجع فإن لم يسترجعها ضمن. فإن لم ينو الإياب بأن نوى الإقامة أو لم ينو شيئاً، ثم رجع لم يجب عليه استرجاعها ولا ضمان عليه. (و) تضمن (بإرسالها) لربها (بلا إذن) منه فضاعت أو تلفت من الرسول، وكذا لو ذهب هو بها لربها بلا إذن فضاعت منه. (كأن ادعى الإذن ولم يثبته) فيضمن والقول قول ربها إنه لم يأذن (إن حلف ربها: ما أذنت) فإن نكل، حلف المودع أنه إنما أرسلها له لكونه أذن له، فإن نكل ضمن وهذا معنى قوله: (وإلا) يحلف ربها (حلف) المودع بالفتح (وبرئ وإلا) يحلف بل نكل كما نكل ربها (غرم ولا يرجع) المودع بالفتح (على) الرسول (القابض) لها منه (إن تحقق الإذن) له من ربها وادعى عدمه عناداً منه. (و) تضمن (بجحدها) من المودع عند طلبها بأن قال لربها لم تودعني شيئاً، ثم اعترف وأقام عليه ربها بينة بالإيداع (ثم أقام) المودع بالفتح (بينة على الرد): أي ردها لربها (أو) على (الإتلاف) لها بلا تفريط، وإنما ضمن؛ لأنه أكذبها أولاً بجحده قياساً على ما تقدم في الدين وقيل: لا يضمن؛ لأنه أمين، وقد ذكر الشيخ الخلاف، فهما قولان مشهوران مثل [١] الوديعة في الخلاف الإبضاع والقراض. وقولنا: "أو الإتلاف" زدناه عليه وقد نص عليه في التوضيح وأن الخلاف جار فيهما معاً نعم هناك قول ثالث بالتفصيل وهو: قبول بينة في الضياع دون الرد ولكنه ضعيف، إلا أن الذي في المواق أن المشهور قبول بينته على ضياعها أو ردها بعد إقراره. ــ الرد وهذا هو المعول عليه. قوله: [وغيرهما مطلقاً]: أي اعتيد أم لا. قوله: [من غيرها به] فيه حذف مضاف تقديره من غير علمها به، والمعنى: من غير علمها بالعذر، فالضمير في "به" يعود على العذر. قوله: [إن زال العذر] إلخ: حاصل كلام المصنف: أن المودع بالفتح إذا أودع لعورة حدثت أو طرو سفر وجب عليه استرجاعها إذا رجع من سفره أو زالت العورة. ومحل وجوب ذلك عند رجوعه من السفر إن كان قد نوى الإياب منه، فإن لم يكن نوى الإياب عند سفره ندب له إرجاعها فقط إذا رجع، والقول له أنه لم ينوه فلا يضمن إذا لم يرجعها وهلكت، إلا أن يغلب الإياب من ذلك السفر وإلا لم يقبل. قوله: [فإن لم يسترجعها ضمن]: فلو طلبها المودع بالفتح ممن هي عنده وامتنع من دفعها له فينبغي القضاء بدفعها، له فإن حصل تنازع في نية الإياب وعدمها فالظاهر أنه ينظر إلى سفره، فإن كان الغالب فيه الإياب فالقول قول المودع الأول فيقضى له بأخذها، وإن كان الغالب فيها عدمه أو استوى الأمران كان القول قول المودع الثاني فلا يقضى على الأول بأخذها، وحينئذ فلا يضمنها في تلك الحالة وصارت متعلقة بالثاني. قوله: [وتضمن بإرسالها]: يستثنى من كلامه من أودعت معه وديعة يوصلها لبلد فعرضت له إقامة طويلة في الطريق كالسنة فله أن يبعثها مع غيره ولا ضمان عليه إذا تلفت؛ لأن بعثها في هذه الحالة واجب ويضمنها إن حبسها، وأما إن كانت الإقامة التي عرضت له قصيرة كالأيام فالواجب إبقاؤها معه، فإن بعثها ضمنها إن تلفت، فإن كانت الإقامة متوسطة كالشهرين خير في إرسالها وإبقائها ولا ضمان عليه في كل حال، هذا ما ارتضاه ابن رشد كما في (ح) كذا في (بن). قوله: [وكذا لو ذهب هو بها لربها]: مثل ذهابه بها في الضمان وصي رب المال يبعث المال للورثة أو يسافر هو به إليهم من غير إذنهم، فإنه يضمن إذا ضاع كما نص عليه في التوضيح والمدونة، خلافاً لما في كبير الخرشي من عدم الضمان. وكذا القاضي يبعث المال لمستحقه من ورثة أو غيرهم بغير إذنه عند ابن القاسم، خلافاً لقول أصبغ بعدم ضمانه، وإن مشى عليه غير واحد كذا في (عب). قوله: [إن تحقق الإذن]: هذا الشرط لا يعتبر مفهومه إلا إذا كان الرسول من عند المودع بالكسر تأمل. قوله: [ثم أقام المودع بالفتح]: أي بينة فقد حذف المفعول. قوله: [نعم هناك قول ثالث]: قال (بن): وقد جمع في التوضيح بينة الرد وبينة التلف وحكى فيهما الخلاف ونصه، وقد حكى صاحب البيان في باب الصلح وابن زرقون في باب القراض فيمن أنكر أمانة، ثم ادعى ضياعها أو ردها لما قامت عليه البينة ثلاثة أقوال: الأول لمالك من سماع ابن القاسم يقبل قوله فيهما. والثاني لمالك أيضاً لا يقبل قوله فيهما. والثالث لابن القاسم يقبل قوله في الضياع دون الرد. قال المواق عقبه: المشهور أنه إذا أقام بينة على ضياعها أو ردها فإن تلك البينة تنفعه بعد إقراره. اهـ. وعلى المشهور الآخر جرى

стр. 732

وقال بعضهم: المعتمد الضمان وعدم قبول بينته لأنه بجحدها صار كالغالب فيضمن إذا تلفت ولو بسماوي ويقبل دعواه الرد كما تقدم. (وأخذت) الوديعة (من تركته) حيث ثبت أن عنده وديعة (إذا لم توجد) بعينها (ولم يوص بها) قبل موته لاحتمال أنه تسلفها. (إلا لعشرة أعوام) تمضي من يوم الإيداع فلا تؤخذ من تركته إذا لم توجد ولم يوص بها ويحمل على أنه ردها لربها (إن لم تكن) أودعت (ببينة توثق) أي بينة مقصودة للتوثق [١]، فإن أودعت ببينة [٢] مقصودة للتوثق أخذت من تركته مطلقاً ولو زاد الزمن على العشرة سنين (وأخذها) ربها (بكتابة) أي بسبب كتابة: (أنها، إن ثبت أنها) أي الكتابة (خطه): أي المالك (أو خط الميت و) تؤخذ (من تركة الرسول) إذا لم توجد بعينها (إذا لم يصل) الرسول بأن مات قبل وصوله (لبلد المرسل إليه) لاحتمال أنه تسلفها، فإن مات بعد وصوله فلا يضمن: أي لا تؤخذ من تركته لاحتمال أنه دفعها لربها بعد الوصول إليه: ومثل الوديعة: الدين والقراض والإبضاع. وحاصل المسألة: أن الرسول إن كان رسول رب المال فالدافع يبرأ بمجرد الدفع إليه ويصير الكلام بين رب المال وورثة رسوله، فإن مات الرسول قبل الوصول أخذها من تركته وإن مات بعده فلا رجوع له، وإن كان الرسول رسول من عنده المال فلا يبرأ إلا بوصوله لربه ببينة أو إقراره منه، فإن مات قبل الوصول رجع مرسله في تركته، وإن مات بعده فلا رجوع، وهي مصيبة نزلت بمن أرسله إن ادعى رب المال عدم الدفع له ولا بينة. (وصدق) المودع -بالفتح- (في) دعوى (التلف والضياع كالرد) أي كما يصدق في دعواه أنه ردها لربها؛ لأنه استأمنه عليها والأمين يصدق (إلا لبينة توثق) راجع لما بعد الكاف: أي إن ادعى الرد صدق إلا أن يودعها ربها عنده ببينة قصد بها التوثق بأن يقصد بها أن لا تقبل دعواه الرد إلا ببينة به، فلا يقبل إن ادعى الرد حينئذ إلا ببينة، ويشترط علم المودع بذلك فلا يكفي غير المقصودة ولا مقصودة [٣] لشيء آخر غير التوثق، فيفيده دعوى الرد (وحلف المتهم) دون غيره في دعوى التلف أو الضياع أنها تلفت أو ضاعت وما فرط. ــ المصنف يعني خليلاً في باب الوكالة. قوله: [وقال بعضهم المعتمد الضمان]: أي وهو الذي اعتمده في الحاشية أيضاً واقتصر عليه في المجموع. قوله: [وأخذت الوديعة من تركته] إلخ: مثل الوديعة من تصدق على ابنه الصغير بثياب أو غيرها وأراها للشهود وحازها للولد تحت يده ثم مات ولم توجد في تركته فيقضى له بقيمتها من التركة ومعنى الأخذ أنه يأخذ عوضها من قيمة أو مثل ويحاصص صاحبها بذلك مع الغرماء. قوله: [ولم يوص بها]: مفهومه أنه لو وصى بها لم يضمنها، فإن كانت باقية أخذها ربها، وإن تلفت فلا ضمان، ومثل إيصائه ما لو قال: هي بموضع كذا ولم توجد، فلا يضمن كما قال أشهب، وتحمل على الضياع؛ لأنه بقوله هي بموضع كذا كأنه إقرار بأنه لم يتسلفها وهو مصدق لكونه أميناً. قوله: [لاحتمال أنه تسلفها]: أي وهو الأقرب، وأما احتمال ضياعها فهو بعيد إذ لو ضاعت لتحدث بضياعها قبل موته. قوله: [إن لم تكن أودعت ببينة توثق]: مثلها البينة الشاهدة بها بعد جحده لها. قوله: [على العشرة سنين]: المناسب إسقاط التاء. قوله: [وأخذها ربها بكتابة]: يعني أن من مات وعنده وديعة مكتوب عليها هذه وديعة فلان بن فلان، فإن صاحبها يأخذها بشرط أن يثبت بالبينة أن الكتابة بخط صاحب الوديعة أو بخط الميت. ولو وجدت أنقص مما كتب عليها كان النقص في مال الميت، إن علم أنه يتصرف في الوديعة - وإلا لم يضمن. ومثل الكتابة البينة بل هي أولى لا بأمارة لاحتمال أنه رآها سابقاً. قوله: [ومثل الوديعة الدين] إلخ: أي أن التفصيل المذكور في الوديعة يجري بعينه فيما ذكر. قوله: [إن كان رسول رب المال]: كان المال قراضاً أو وديعة أو أبضاعاً قوله: [فلا رجوع له]: أي لحمله على إيصالها لربها. قوله: [أو إقرار منه]: أي من رب المال. قوله: [وهي مصيبة نزلت بمن أرسله]: أو لكونه يغرم المال مرة ثانية. قوله: [في دعوى التلف والضياع]: أي وكذا في دعوى عدم العلم بالتلف أو الضياع. قوله: [إلا لبينة توثق]: قال في حاشية الأصل الظاهر أن مثل البينة المذكورة أخذ ورقة على المودع بالفتح بخطه كما يقع الآن. قوله: [ويشترط علم المودع بذلك]: أي بتلك البينة. قوله: [ولا مقصود لشيء آخر]: أي كما لو أشهدها خوفاً من موت المودع - بالفتح - ليأخذها من تركته أو يقول المودع - بالفتح: أخاف أن تدعي أنها سلف، فأشهد بينة أنها وديعة؛ فإنه في تلك المسائل يصدق في دعوى الرد كما إذا تبرع المودع - بالفتح - بالإشهاد على نفسه بالقبض كما قال عبد الملك، وقال ابن زرب وابن يونس: لا يبرأ بالإشهاد؛ لأنه ألزم نفسه حكم الإشهاد. قوله: [وحلف المتهم]: قيل: هو من يشار إليه بالتساهل في الوديعة وقيل: هو من ليس من أهل الصلاح. قوله: [في دعوى التلف أو الضياع]: وكذا في دعوى عدم العلم بالتلف أو الضياع، وأما دعوى

стр. 733

(ولو شرط) المتهم عند أخذها (نفيها) أي نفي اليمين عنه، فإنه لا يفيده ويحلف، فإن نكل غرم بمجرد نكوله ولا تتوجه اليمين على ربها؛ لأنها دعوى اتهام. (كمن حقق عليه الدعوى) تشبيه في اليمين: أي أن رب الوديعة إذا حقق الدعوى على المودع بأن علم بأنه فرط أو أنها لم تتلف وادعى المودع الرد أو التلف أو عدم التفريط فلربها تحليفه وإن لم يكن متهماً. (فإن) حلف برئ ظاهراً وإن (نكل حلف ربها) وأغرمه؛ لأن يمين التحقيق ترد (لا) يصدق في الرد (على الوارث) أي وارث ربها إذا ادعى أنه ردها عليه إلا ببينة (ولا) يصدق (وارث) للمودع بالفتح (في الرد على مالك) أي مالكها الذي هو المودِع بالكسر (أو) في الرد (على وارثه) أي وارث مالكها إلا ببينة. والحاصل: أن صاحب اليد المؤتمنة إذا ادعى الرد على صاحب اليد الذي ائتمنه صدق ولا ضمان، وأن الوارث إذا ادعى الرد على ربها أو على وارثه أو ادعى صاحب اليد المؤتمنة الرد على وارث ربها فلا يصدق ويضمن. (ولا) يصدق (رسول في الدفع لمنكر) أي لمن أرسل إليه المال إذا أنكر (إلا ببينة) قال فيها: ومن بعثت معه بمال ليدفعه لرجل صدقة أو صلة أو سلفاً أو ثمن مبيع أو يبتاع لك به سلعة، فقال: قد دفعته إليه، وأكذبه الرجل، لم يبرأ الرسول إلا ببينة. اهـ. (إلا إن شرط الرسول) على من دفع له المال (عدمها) أي عدم البينة عند الدفع فتنفعه (و) ضمن (بقوله) لربها (ضاعت قبل أن تلقاني بعد امتناعه من دفعها) له ولو لعذر كاشتغاله بأمر؛ لأن سكوته عن بيان تلفها دليل على عدمه إلا أن يدعي أنه إنما علم بالتلف بعد أن لقيه فيصدق بيمين (وكذا) يضمن إن قال: تلفت (بعده) أي بعد أن لقيتني (إن منع) دفعها له (بلا عذر) ثابت، فإن امتنع من دفعها لعذر قام به وثبت، لم يضمن. (لا) يضمن (إن قال: لا أدري متى تلفت): أي قبل أن تلقاني أو بعده، كان هناك عذر من الدفع أم لا. ويحلف المتهم. (وله): أي للمودع - بالفتح - (أجرة محلها): أي الذي توضع فيه إن كان مثله تؤخذ أجرته (لا) أجرة (حفظها) لأن حفظها من قبيل الجاه؛ لا أجرة له كالقرض والضمان (إلا لشرط) فيعمل به؛ لأنه ليس من الجاه حقيقة وإنما هو يشبهه في الجملة. (وله): أي للمودع -بالفتح- (الأخذ منها) أي من الوديعة بقدر حقه (إن ظلمه) ربها (بمثلها) من سرقة أو خيانة أو غصب لقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤] ومحل جواز الأخذ بمثل حقه (إن أمن) الآخذ (الرذيلة) بالنسبة إلى الخيانة (و) أمن (العقوبة) على نفسه وإلا لم يجز؛ لأن حفظ الأعراض والجوارح واجب (على الأرجح) من القولين، والثاني: لا يجوز الأخذ لقوله ﷺ : «أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك» (والترك) للأخذ منها (أسلم) أي من الوديعة بقدر حقه للنفس والدين، والله أعلم. ــ الرد فقط أو في قوله: لا أدري هل تلفت أو رددتها، فإنه يحلف كان متهماً أم لا حقق عليه الدعوى أم لا. قوله: [ولو شرط المتهم] إلخ: أي؛ لأن هذا الشرط يقوي التهمة. قوله: [حلف ربها وأغرمه]: أي فإن لم يحلف ربها صدق المودع. قوله: [ولا يصدق وارث] إلخ: أي وأما دعوى ورثة المودع - بالفتح - على ورثة المودع أو على المودع أن مورثهم ردها قبل موته فلا ضمان عليهم في هاتين الصورتين، وكذا لو ادعى المودع - بالفتح - على ورثة المودع - بالكسر - أنه ردها لمورثهم قبل موته وقد تضمنت تلك الصور الحاصل الذي ذكره الشارح. قوله: [ولا يصدق رسول] إلخ: حاصله أن المودع مثلاً إذا أرسل الوديعة مع رسوله إلى ربها بإذنه فأنكر ربها وصولها إليه ولا بينة تشهد عليه بقبضها من الرسول فإن الرسول يضمنها لتفريطه بعدم الإشهاد. قوله: [لم يبرأ]: هكذا نسخة المؤلف بألف بعد الراء، ومقتضى الجازم حذفها إلا أن يقال إن الألف للإشباع. قوله: [فتنفعه]: أي فيعمل بشرطه من جهة عدم تضمينه، وأما المرسل فإنه باق على ضمانه المرسل إليه. قوله: [بلا عذر ثابت]: صادق بأن يكون هنا عذر ولم يثبت. قوله: [لا يضمن إن قال لا أدري] إلخ: أي لحمله على أنها تلفت قبل اللقاء ولم يعلم به إلا بعده. قوله: [؛ لأنه ليس من الجاه حقيقة]: أي كما قال ابن عبد السلام، فالأولى أن يقال: إنما منع أخذ الأجرة على الحفظ؛ لأن عادة الناس أنهم لا يأخذون لحفظ الودائع أجرة. والحاصل: أنه لا فرق بين أجرة المحل وأجرة الحفظ في الحكم على المعتمد، بل يقال فيهما إن شرط الأخذ أو كان العرف عمل به وإلا فلا. قوله: [بمثلها]: متعلق بظلمه والباء سببية بعدها مضاف محذوف: أي بأخذ مثلها في القدر والجنس والصفة إن أمكن ذلك وإلا فالعبرة بالقيمة. قوله: [وأمن العقوبة على نفسه]: أي من ضرب أو حبس أو قطع أو قتل كما يفعله أهل الجور. قوله: «أد الأمانة لمن ائتمنك» إلخ: أجاب ابن رشد مؤيداً للقول الأول بأن معنى "ولا تخن" إلخ أي: لا تأخذ أزيد من حقك فتكن خائناً، وأما من أخذ حقه فليس بخائن. قوله: [والترك للأخذ منها أسلم]: أي؛ لأن في الأخذ ريبة وفي الحديث: «دع ما يريبك إلى ما يريبك».

стр. 734

(باب) في الإعارة وأحكامها (الإعارة): أي حقيقتها عرفاً، وهي مأخوذة من التعاور بمعنى التداول أو من العرو بمعنى الإصابة والعروض، يقال: اعتراه كذا: بمعنى أصابه وعرض له أو بمعنى الخلو، يقال: عرا عنه بمعنى خلا وأنكر على من قال: إنها من العار. (تمليك منفعة): خرج البيع؛ لأنه تمليك ذات، وكذا الهبة والصدقة والقرض (مؤقتة) بزمن أو فعل نصاً أو عرفاً (بلا عوض): خرجت الإجارة والحبس المطلق. وأما المؤقت بناء على المشهور من أنه يجوز في الحبس التوقيت، فهو وارد عليه إلا أن يقال: المراد مؤقتة أصالة؛ فالأصل في العارية التوقيت، فلذا جعل فصلاً منها، والأصل في الحبس الدوام؛ ولذا اختلف فيه إذا وقت هل يصح؟ والراجح الصحة (وهي مندوبة) أي الأصل فيها الندب؛ لأنها من التعاون على الخير والمعروف. (والعارية) بتشديد الياء: هي الشيء (المعار): أي المملك منفعته. (وركنها): أي أركانها أربعة: معير، ومستعير، ومستعار، وما دل عليها من لفظ أو غيره. فالأول (معير وهو مالك المنفعة) ولو لم يملك الذات (بلا حجر) عليه خرج الصبي والسفيه والرقيق ولو مأذوناً له في التجارة؛ لأنه إنما أذن له في التصرف بالعوض خاصة: نعم يجوز له إعارة ما قل عرفاً إن استأنف به للتجارة؛ لأنه من توابعها على ما سيأتي، ــ تتمة: إن تنازع الوديعة شخصان فقال المودع -بالفتح- هي لأحدكما ونسيته قسمت بينهما إن حلفا أو نكلا، وقضي للحالف على الناكل وإن أودع شخصين وغاب المودع بالكسر وتنازعا فيمن تكون عنده جعلت بيد الأعدل والضمان عليه إن فرط فإن تساويا في العدالة قسمت بينهما إن قبلت القسم وإلا فالقرعة. باب في الإعارة لما كان بين العارية الوديعة مناسبة، من جهة أن كلاً يثاب فاعله؛ لأن المودع - بالفتح - يثاب على الحفظ والمعير - بالكسر - يثاب على الفعل؛ لأن كلاً فعل معروفاً وهو صدقة أعقبها بها. قوله: [وهي مأخوذة]: أي العارية - لا بالمعنى الأول - بل بالمعنى اللغوي؛ ففي كلام الشارح استخدام. قوله: [من التعاور] إلخ: أي فهي واوية فأصل عارية عورية بفتحات تخفف باؤها وتشدد تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفاً. قوله: [أو من العرو]: أي كما قال الشاعر: وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر فأصلها عارووة بوزن فاعولة؛ قلبت الواو الثانية ياء لتطرفها والتاء في نية الانفصال فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء هذا في المشددة وأصل المخففة عاروة فاعلة أبدلت الواو ياء لتطرفها. قوله: [وأنكر على من قال إنها من العار]: إنما أنكر عليه؛ لأن فعلها أمر مندوب والمستعير إن كان محتاجاً فليس عليه عار، والعار في المستقبح شرعاً وهذه ليست كذلك، ولأنها لو كانت من العار لكانت يائية، وقيل: القوم يتعيرون مع أنهم قالوا يتعاورون أي يعير بعضهم بعضاً، وأصلها عليه عيرة على وزن فعلة تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفاً. قوله: [خرج البيع؛ لأنه تمليك ذات] إلخ: أي وخرج أيضاً تمليك الانتفاع؛ لأن ملك المنفعة أعم من ملك الانتفاع، كأن توقف بيتاً على طلبة العلم يسكنونه ففيه تمليك انتفاع وليس فيه تمليك منفعة؛ لأن الانتفاع يكون بنفسه فقط وليس له أن يؤاجره ولا أن يعيره لغيره، والمنفعة أعم من الانتفاع؛ لأن له فيها الانتفاع بنفسه أو بغيره كأن يعيره أو يؤاجره. قوله: [خرجت الإجارة]: أي بقوله بلا عوض. وقوله: [والحبس المطلق]: أي بقوله: "مؤقتة"، ففي كلامه لف ونشر مشوش. قوله: [إلا أن يقال المراد] إلخ: أي أو يقال إنه خارج بتمليك المنفعة، فإن الحبس فيه تمليك انتفاع لا منفعة. قال في الحاشية: فإن قلت إذا حبس بيوتاً على طلبة العلم لأجل أن ينتفعوا بأجرتها فهل هو من تمليك المنفعة أو الانتفاع؟ قلت: الظاهر أنه من تمليك الانتفاع، فحينئذ يراد بالانتفاع ما يشمل الانتفاع بالبيوت أو بأجرتها اهـ. قوله: [وهي مندوبة]: أي إن وقعت من مالك الذات والمنفعة، أو من مالك المنفعة إن جعل ذلك له. قال (شب): وقد يعرض وجوبها: كغنى عنها لمن يخشى بعدمها هلاكه. وحرمتها: ككونها تعينه على معصية، وكراهتها ككونها تعينه على مكروه، وتباح لغنى عنها وفيه نظر لاحتمال كراهتها في حقه. قال سيدي أحمد بابا: ولو قال: وتباح لغني عنها في الحال، ولكن بصدد الاحتياج إليها ثانياً لانتفي النظر. قوله: [والعارية بتشديد الياء]: لأن ياءها للنسبة لأحد المعاني المتقدمة. قوله: [أي أركانها]: إنما قال ذلك إشارة إلى أن ركنه مفرد مضاف فيعم. قوله: [ولو لم يملك الذات]: أي والندب وعدمه شيء آخر كما سيوضحه الشارح عند قول المتن وإن بإعارة. قوله: [خرج الصبي والسفيه]: أي وكذا يخرج المريض إذا أعار عارية قيمة منافعها أزيد من ثلثه. قوله: [على ما سيأتي]: المناسب على ما تقدم، فإن هذه المسألة تقدمت

стр. 735

وخرج أيضاً من حجر عليه المالك صريحاً أو ضمناً كما لو قامت قرينة على ذلك، نحو قوله: لولا أخوتك ما أعرتك إياه، وخرج الفضولي فإنه ليس بمالك لشيء، (وإن) كان مالكاً لها (بإعارة) ولا حجر عليه كما تقدم، فتصح إعارته وإن كان لا ينبغي له ذلك (أو إجارة) فتصح إعارته لها في مثل ما استأجرها له ركوباً أو حملاً أو غيرهما. (و) الثاني: (مستعير: وهو من تأهل): أي إن كان أهلاً (للتبرع عليه) بتلك المنفعة (لا مسلم) ولو عبداً لكافر (أو مصحف) أو كتب أحاديث (لكافر) إذ الكافر ليس أهلاً لأن يتبرع عليه بذلك وكذا آلة الجهاد إذا كان حربياً. (و) الثالث: (مستعار: وهو ذو منفعة مباحة) من عرض أو حيوان أو عقار ينتفع به (مع بقاء عينه) ليرد لربه بعد الانتفاع به لإطعام أو شراب ليؤكل أو يشرب فإن فيه ذهاب عينه بذلك. (لا) تعار جارية (للاستمتاع بها) من وطء أو غيره لعدم إباحة ذلك أو خدمتها لغير محرم؛ لأنه يؤدي إلى ذلك. ولا يعار رقيق لمن يعتق عليه. (والعين): أي النقد من دنانير أو دراهم (والطعام) والشراب إن وقعت وأعطيت للغير وإن بلفظ العارية (قرض) لا عارية؛ لأن حقيقة العارية ما ردت عينها لربها بعد الانتفاع بها، وفي الانتفاع بما ذكر ذهاب العين فيضمنه ولو قامت بينة بهلاكه. (و) الرابع: (ما يدل عليها) من صيغة لفظية كأعرتك أو غيرها، كإشارة ومناولة مما يدل على الرضا. (وجاز) أن يقول: (أعني بغلامك) مثلاً في هذا اليوم أو الشهر (لأعينك) في غد مثلاً بغلامي أو دابتي (وهي) حينئذ (إجارة) لا إعارة؛ لأنها منافع بمنافع وسواء اتحد نوع المعار فيه أو اختلف، كبناء وحصاد، وسواء اتحد الزمن فيهما أو اختلف، فيشترط فيها تعين الزمن أو العمل كالإجارة. (وضمن) المستعير (ما يغاب عليه) كالحلي والثياب مما شأنه الخفاء إن ادعى ضياعه إلا لبينة على ضياعه بلا سببه، بخلاف ما لا يغاب عليه كالحيوان والعقار (ولو شرط نفيه): أي نفي الضمان عن نفسه (على الأرجح) وقيل: إن شرط نفيه أفاده فلا ضمان عليه وأشار الشيخ لهما بالتردد (لا غيره) أي لا يضمن غير ما يغاب عليه كالحيوان. ــ في الحجر. قوله: [من حجر عليه المالك]: أي ويسمى بالحجر الجعلي. قوله: [لولا أخوتك]: بضم الهمزة والخاء وتشديد الواو مفتوحة. قوله: [وإن كان لا ينبغي له]: أي يكره إن لم يكن حجر عليه ولا أباح له بأن سكت. قوله: [لا مسلم]: أي لما فيه من الإذلال. قوله: [أو مصحف أو كتب أحاديث]: أي وكذلك الأواني يستعملها أهل الفسوق كخمر، والدواب تركب لإيذاء المسلمين ونحو ذلك من كل ما استلزم أمراً ممنوعاً. قوله: [لإطعام أو شراب]: محترز قوله مع بقاء عينه. قوله: [لا تعار جارية]: أي لا يجوز إعارة جارية للوطء، فإن وقعت كانت باطلة ويجبر على إخراجها، فإن وطئها بالفعل قبل إخراجها فلا يحد للشبهة وتقوم على الواطئ جبراً عليه. قوله: [أو خدمتها لغير محرم]: بفتح فسكون. أي فلا يجوز أيضاً، ويجبر المستعير على إخراجها من تحت يده بإجارة. قوله: [ولا يعار رقيق لمن يعتق عليه]: أي لخدمة من يعتق عليه، سواء كان الرقيق ذكراً أو أنثى، وإنما منع إعارته لذلك؛ لأن ملك المنفعة يتبع ملك الذات، وهو لا يملك الذات، وهذا في غير الإعارة للرضاع، وأما له فتجوز الإعارة والإجارة. والحاصل: أن الرضاع تستوي فيه الإعارة والإجارة في الجواز لا فرق بين حرة وأمة. وأما الخدمة في غير الرضاع فتمتنع الإعارة والإجارة فيها لا فرق بين حر ورقيق؛ فلا يجوز للولد استخدام والده أو والدته في غير الرضاع كما هو مأخوذ من كلام ابن عرفة كما في (بن). قوله: [مما يدل على الرضا]: أي فكل ما يدل على تمليك المنفعة بغير عوض كاف، لكن لا تلزم العارية بما يدل عليها إلا إذا قيدت بعمل أو أجل كما يأتي للمصنف، أو لم تقيد وجرت العادة فيها بشيء وإلا لم تلزم. قوله: [فيشترط فيها تعيين الزمن] إلخ: أي فيجوز للشخص أن يقول لآخر: أعني بغلامك اليوم مثلاً على أن أعينك بغلامي مثلاً غداً، ويكون ذلك إجارة لا عارية؛ أجاز ذلك ابن القاسم ورآه من الرفق بشرط أن يكون ما يقع به التعاون معلوماً بينهم وأن يقرب العقد من زمن العمل، فلو قال له أعني: بغلامك أو بثورك غداً على أن أعينك بغلامي أو بثوري بعد شهر ونصف مثلاً لم يجز، بخلاف ما لو كان التأخير نصف شهر فأقل فيجوز، وإنما منع في أزيد من شهر؛ لأنه نقد في منافع معينة يتأخر قبضها وذلك غير جائز، ولا يقال إن هذه العلة موجودة فيما إذا كان بين العقد والعمل أقل من ذلك؛ لأننا نقول اغتفر ذلك للضرورة، وإن كانت العلة موجودة كما يؤخذ من الخرشي والحاشية. قوله: [وضمن المستعير ما يغاب عليه]: أي فالعارية كالرهن في التفصيل. قوله: [إلا لبينة على ضياعه]: أي لأن ضمان العواري ضمان تهمة ينتفي بإقامة البينة على المشهور، خلافاً لأشهب حيث قال: إن ضمان العواري ضمان عداء لا ينتفي بإقامة البينة. قوله: [وأشار الشيخ لهما بالتردد]: أي فهو تردد في النقل؛ فقد عزا في العتبية الأول لابن القاسم وأشهب، وعزا المازري واللخمي

стр. 736

(ولو شرطه) عليه المعير. (والقول له): أي للمستعير (في التلف أو الضياع) فيما لا يغاب عليه، فيصدق ولا ضمان عليه (إلا لقرينة كذبه) كأن يقول: تلف أو ضاع يوم كذا، فتقول البينة: رأيناه معه بعد ذلك اليوم، أو تقول الرفقة التي معه في السفر: ما سمعنا ذلك ولا رأيناه (وحلف ما فرط) إن ادعى عليه أنه إنما حصل التلف أو الضياع أو العيب الذي قام به بتفريطه، سواء كان مما يغاب عليه أم لا، كسوس وقرض أرضة أو فأر أو بلل أو دهن أو حبر أو نحو ذلك بالمستعار كثوب وكتاب. (و) القول له (في رد ما لم يضمن) لربه وهو ما لا يغاب عليه كالحيوان (إلا لبينة مقصودة) أشهدها المعير عند الإعارة لخوف ادعاء المستعير الرد، فحينئذ لا يقبل قوله بردها إلا لبينة تشهد له بردها لربها. (وفعل) المستعير، أي جاز له أن يفعل الفعل (المأذون) له فيه (و) أن يفعل (مثله) كأن استعارها ليركبها لمكان كذا فركبها إليه من هو مثله، أو ليحمل عليها إردب فول فحمل عليها إردب قمح، وأما الذهاب بها في مسافة أخرى مثل ما استعارها لها فلا يجوز، ويضمن إن عطبت كالإجارة على قول ابن القاسم وهو الأرجح. (لا أضر) مما استعارها له؛ فلا يجوز ثم تارة يحمل عليها ما تعطب بمثله وتارة ما لم تعطب به. وفي كل: إما أن تعطب وإما أن تتعيب وإما أن تسلم (فإن زاد ما تعطب به وعطبت فله): أي لربها (قيمتها) وقت الزيادة عليها؛ لأنه وقت التعدي (أو كراؤه): أي كراء الزائد فقط، وخيرته تنفي ضرره. (وإلا): بأن زاد ما لا تعطب به وعطبت أو تعيبت أو سلمت، أو ما تعطب به وسلمت (فالكراء): أي كراء الزائد فقط في الأربع صور. وبقي السادسة: وهي ما إذا زاد ما تعطب به فتعيبت أشار لحكمها بقوله: (فلو تعيبت) فيما إذا زاد عليها ما تعطب به (فالأكثر من الكراء) للزائد (وقيمة العيب) أي أرشه يلزم المستعير. والكلام في زيادة الحمل، وأما المسافة فكالإجارة، فإن عطبت ضمن قيمتها، وإن سلمت فكراء الزائد، وإن تعيبت فالأكثر من كراء الزائد وأرش العيب. ــ الثاني لابن القاسم أيضاً، وعلى كلا القولين لا يفسد عقد العارية بهذا الشرط، وقيل إن شرط نفي الضمان فيما يغاب عليه يفسد العقد ويكون للمعير أجرة ما أعاره. قوله: [ولو شرطه عليه المعير]: رد ب "لو" على مطرف كما في المواق حيث قال: إذا شرط المعير الضمان لأمر خافه من طريق مخوفة أو نهر أو لصوص أو نحو ذلك، فالشرط لازم إن هلكت بالأمر الذي خافه، وشرط الضمان من أجله. والمعتمد أنه لا ضمان ولا عبرة بشرطه ولو لأمر خافه كما في الحاشية، وحيث لم يضمن الحيوان ضمن لجامه وسرجه. بخلاف ثياب العبد فإنه لا يضمنها؛ لأنه حائز لما عليه كما في التوضيح عن اللخمي، وفي (بن) عن ابن يونس: إذا أرسل المستعير العارية من الدواب مع عبده أو أجيره فعطبت أو ضلت فلا ضمان عليه؛ لأن الناس هكذا يفعلون وإن لم يعلم ضياعها أو تلفها إلا من قول لرسول. قوله: [وحلف ما فرط]: أي ويبرأ ويأخذ منه أنه يجب عليه تعهد العارية، وكذا يجب على المرتهن والمودع تعهد ما في أماناتهم مما يخاف عليه ترك التعهد؛ لأن هذا من باب صيانة المال وإن لم يفعل ذلك عد مفرطاً وضمن كما في الحاشية. قوله: [أي جاز له]: إنما قال ذلك ولم يقل: طلب منه فعل المأذون فيه ومثله؛ لأن المأذون فيه ومثله لا يطلب بفعله، إنما هو حق مباح له إن شاء فعله وإن شاء تركه. قوله: [فلا يجوز]: الحاصل أن المعتمد أن المراد بالمثل الذي يباح للمستعير فعله المثل في المحمول لا في المسافة فإنه ممنوع فعله هنا كالإجارة على المعتمد لما في كل منهما من فسخ المنافع في مثلها وهو فسخ دين في دين. قوله: [لا أضر مما استعارها له]: أي ولو كان ذلك الإضرار أقل في الوزن أو المسافة. قوله: [ثم تارة يحمل عليها] إلخ: اعلم أن الصور ست؛ لأنه؛ إن زاد ما تعطب به، فتارة تعطب، وتارة تتعيب، وتارة تسلم؛ وإن زاد ما لا تعطب به، فكذلك. وقد تكفل بتفصيل أحكامها الشارح. قوله: [أي كراء الزائد فقط]: ومعرفة ذلك أن يقال: كم يساوي كراؤها فيما استعارها له؟ فإذا قيل: عشرة، قيل وكم يساوي كراؤها فيما حمل عليها؟ قيل: خمسة عشر، دفع إليه الخمسة الزائدة على كراء ما استعيرت له. قوله: [والكلام في زيادة الحمل]: الفرق بين زيادة الحمل والمسافة أن زيادة المسافة محض تعد مستقلاً منفصلاً؛ بخلاف زيادة الحمل فإنه مصاحب للمأذون فيه. قوله: [وأما المسافة فكالإجارة] إلخ: أجمل هنا في تفصيل أحكامها، وقد أوضح بعض ما أجمله فيما سيأتي: فإن قوله هنا فإن عطبت ضمن قيمتها. ظاهره تعين القيمة وليس كذلك، بل يخير فيها وفي أخذ كراء الزائد كما يأتي. وقوله: [وإن سلمت فكراء الزائد]: ظاهره كانت تعطب بمثله أم لا مع أنه سيأتي أنه مخصوص باليسير، وأما الكثير فكالعطب. وقوله: [وإن تعيبت فالأكثر] إلخ: نص عليه هنا ولم ينص عليه فيما يأتي. والحاصل: أن المأخوذ من هنا ومن هناك أنه إن تعدى المسافة المستعير أو المستأجر بيسير وسلمت فالكراء، وأما إن عطبت أو تعدى بكثير مطلقاً عطبت أو سلمت

стр. 737

(ولزمت) الاستعارة (المقيدة بعمل): كطحن إردب أو حمله لكذا أو ركوب له (أو أجل): كأربعة أيام أو أقل أو أكثر (لانقضائه) أي العمل أو الأجل، فليس لربها أخذها قبله، سواء كان المستعار أرضاً لزراعة أو سكنى أو لوضع شيء بها أو كان حيواناً لركوب أو حمل أو غير ذلك أو كان عرضاً. (وإلا) يكن تقييد بعمل أو أجل بل أطلقت (فلا) تلزم، ولربها أخذها متى شاء ولا يلزم قدر ما تراد لمثله عادة على المعتمد، وما مشى عليه الشيخ ضعيف. (وإن زعم) شخص (أنه مرسل) بأن قال: أرسلني فلان (لاستعارة نحو حلي) منكم له فصدق ودفع له ما طلب فأخذه (وتلف): أي ادعى أنه تلف منه (ضمنه المرسل) له (إن صدقه) في إرساله. (وإلا) يصدقه (حلف) أنه ما أرسله (وبرئ وضمن الرسول) ولا يحلف (إلا لبينة) تشهد له أنه أرسله فلان فالضمان حينئذ على من أرسله، ولا عبرة بيمينه الذي حلفه (وإن اعترف) الرسول (بالتعدي) وأنه لم يرسله أحد (ضمن إن كان رشيداً) لا صبياً ولا سفيهاً إذ لا ضمان عليهما (أو) كان (عبداً): أي رقيقاً في ذمته فلا يباع لذلك بل يتبع به (إن عتق ما لم يسقطه) عنه (السيد) قبل عتقه وإلا سقط ولا يتبع بعده. (ومؤنة أخذها): أي العارية من محل ربها إن كان يحتاج لمؤنة (و) مؤنة (ردها على المستعير والعلف) وهي عند المستعير (على ربها) لا على المستعير وقيل على المستعير والقولان ذكرهما الشيخ بلا ترجيح. ــ خير في الكراء وفي القيمة، وإن تعيبت بالتعدي الكثير أو اليسير فالأكثر من كشراء الزائد وأرش العيب؛ فالكراء في صورة واحدة، والتخيير بين القيمة والكراء في ثلاث والأكثر من أرش العيب والكراء في صورتين، ولو اقتصر على تلك التفاصيل هنا وتركها مما سيأتي لكان أحسن. تنبيه: لو تعدى المستعير للركوب بنفسه وأردف معه شخصاً آخر فحكمه في التفصيل حكم زيادة الحمل. ثم إن علم الرديف بالتعدي كان لصاحب الدابة غريمان يتبع أيهما شاء حيث كان الرديف رشيداً، وإن لم يعلم بالتعدي فلا يتبع الرديف إلا إن أعدم المردف وكان الرديف رشيداً. قوله: [ولزمت الاستعارة المقيدة] إلخ: ابن عرفة، اللخمي: إن أجلت العارية بزمن أو انقضاء أجل لزمت إليه، وإن لم تؤجل ك: أعرتك هذه الأرض أو هذه الدابة أو الدار، أو هذا العبد، أو الثوب، ففي صحة ردها ولو بقرب قبضها ولزوم قدر ما تعار إليه. وثالثها: إن أعاره لسكن أو غرس أو يبني فالثاني وإلا فالأول، الأول لابن القاسم فيها مع أشهب، والثاني لغيرهما؛ والثالث لابن القاسم في الدمياطية. اهـ. قوله: [على المعتمد]: أي الذي هو قول ابن القاسم مع أشهب. قوله: [وما مشى عليه الشيخ ضعيف]: أي حيث قال: وإلا فالمعتاد، فقد مشى على قول غير ابن القاسم وأشهب. وأجيب عنه بأن محل قوله: وإلا فالمعتاد فيما أعير للبناء أو الغرس فإن المعير يلزمه المعتاد إذا لم يدفع للمستعير ما أنفقه وإلا فله الرجوع إن دفع له ما أنفق من ثمن الأعيان، وفي المدونة أيضاً: إن دفع له قيمة ما أنفقه، وهل ما في الموضعين خلاف أو وفاق بحمل دفع القيمة إن لم يشتر الكلف بأن كانت من عنده أو عند طول زمن البناء أو الغرس، أو إن كان اشتراء الأعيان بغبن كثير؟ تأويلات أربعة: واحد بالخلاف، وثلاثة بالوفاق. قوله: [فصدق]: هكذا نسخة المؤلف من غير ضمير فيكون مبنياً للمفعول. قوله: [ضمنه المرسل له]: أي حيث لم تقم بينة على تلفه بغير تفريطه وإلا فلا ضمان على أحد. قوله: [ولا يحلف]: أي لا يؤمر بحلف مع الضمان خلافاً للخرشي القائل إنه يحلف ولا يضمن. ومحل ضمان الرسول إن كان مما يغاب عليه كما هو الموضوع وإلا فلا ضمان إلا إذا اعترف بالتعدي. قوله: [فلان]: الأولى حذفه. قوله: [ولا عبرة بيمينه الذي حلفه]: هذا الكلام خال من التحرير على مقتضى الدعاوى، فإن مقتضاها كما يأتي في الشهادات أنه يسأل المرسل فإن أنكر الإرسال قيل للرسول: ألك بينة؟ فإن قال: نعم، أقامها وعمل بمقتضاها ويغرم المرسل من غير يمين يحلفها المرسل، وإن عجز الرسول عن البينة حلف المرسل وبرئ وغرم الرسول، فإن ادعى الرسول بينة بعد حلف المرسل فلا تقبل منه إلا بدعوى النسيان أو البعد أو نحو ذلك من المسائل التي تقدمت في باب الصلح فليتأمل. قوله: [إذ لا ضمان عليهما]: أي ويضيع المال على المعير لتفريطه. قوله: [ضمن إن كان رشيداً]: أي كان مما يغاب عليه أولاً. قوله: [أو عبداً]: أي واعترف بالتعدي وهو عبد فلا يكون جناية في رقبته بل في ذمته. قوله: [وقيل على المستعير]: أي؛ لأن ربها فعل معروفاً فلا يليق أن يشدد عليه. والمعتمد من القولين أن علفها على ربها. بخلاف العبد المخدم فإن مؤنته على مخدمه بالفتح كما في الحاشية، وقول المصنف والعلف هو بفتح اللام ما يعلف به وأما بالسكون وهو تقديم الطعام للدابة فهو على المستعير قولاً واحداً.

стр. 738

(باب) في بيان الغصب وأحكامه (الغصب: أخذ مال قهراً تعدياً بلا حرابة): أصل هذا التعريف لابن الحاجب ﵀. فقوله: "أخذ مال" جنس يشمل الغصب وغيره، وهو من إضافة المصدر لمفعوله والفاعل محذوف: أي أخذ آدمي مالاً، والمتبادر من المال: الذات، فخرج به التعدي: وهو الاستيلاء على المنفعة فقط كسكنى دار وركوب دابة من استيلاء على ذات الدار أو الدابة. وقوله: "قهراً" خرج به الأخذ اختياراً كعارية وسلف وهبة، والدين من المدين الوديعة ونحوها من عنده بالاختيار. وقوله: "تعدياً" أخرج به أخذ ما ذكر قهراً حيث أنكر أولاً من هي عنده أو من غاصب ونحوه؛ وخرج به السرقة والاختلاس فإن السارق حال الأخذ لم يكن معه قهر وبقيت الحرابة، فأخرجها بقوله: "بلا حرابة". واعترضه ابن عبد السلام بأن فيه تركيبها، وهو توقف معرفة الحد على معرفة حقيقة أخرى ليست بأخص ولا أعم، أي فلا يعرف الإنسان مثلاً بأنه حيوان غير فرس فلو قال بدله: بلا خوف قتل لسلم من التركيب، ويجاب بأن هذا تعريف رسمي فيكون فيه ما يشعر بتمييز المحدود عن غيره، والمراد بالأخذ: الاستيلاء عليه ولو لم يأخذه بالفعل، فمن استولى على مال شخص بأن منع ربه منه ولو لم ينقله من موضعه فهو غاصب. وحرمته معلومة من الدين بالضرورة ولكن لم يرد فيه حد مخصوص. (وأدب) غاصب (مميز) ولو صبياً بما يراه الحاكم لحق الله. ــ تتمة: إن ادعى الآخذ العارية وادعى المالك الكراء فالقول للمالك بيمين في الكراء وفي الأجرة، إن ادعى أجرة تشبه، وإلا رد لأجرة المثل، فإن نكل فالقول للمستعير بيمين، فإن نكل غرم بنكوله. ومحل كون القول للمالك ما لم يكن مثله يأنف من أخذ أجرة على مثل ذلك الشيء وإلا فالقول للمستعير بيمين، فإن نكل فللمالك بيمين، فإن نكل فالأظهر لا شيء له وكذلك يكون القول للمالك إذا تنازعا في زائد المسافة قبل الشروع فيه؛ فإن كان التنازع بعد سفر للزائد فالقول للمستعير في نفي الضمان والكراء. وهذا إن أشبه وحلف، وإلا فللمعير. فتأمل. باب في بيان الغصب وأحكامه هو لغة أخذ الشيء ظلماً. قال الجوهري: أخذ الشيء ظلماً غصبه منه وغلبه سواء والاغتصاب مثله. اهـ. فمعنى الغصب لغة أعم منه شرعاً. قوله: [أي أخذ آدمي]: مثله الجني إن تشكل بصورة الآدمي وفعل مثل ما يفعل، وإنما خص الآدمي لكونه الشأن، وإلا فلهم ما لنا وعليهم ما علينا. قوله: [والمتبادر من المال الذات]: أي ولذلك قال ابن عرفة في تعريفه: أخذ مال غير منفعة إلخ. قوله: [فخرج به التعدي] إلخ: أي فله أحكام تخصه وستأتي في قوله "والمتعدي غاصب المنفعة" إلخ. قوله: [من استيلاء على ذات الدار] إلخ: أي ولم يكن قاصداً تملك الذات وإلا كان غصباً للذات؛ فمن تعليلية لوجه الاستيلاء على المنفعة. قوله: [خرج به الأخذ اختياراً]: أي كان المأخوذ مال نفسه أو مال المأخوذ منه بدليل التمثيل، فإن قوله: "كعارية" شامل لأخذ المستعير من المعير، ولأخذ المعير من المستعير. وقوله: [وسلف وهبة]: مثالان لأخذ المال من ربه. وقوله: [والدين من المدين والوديعة]: إلخ: مثالان لأخذ مال نفسه. وقوله: [ونحوها]: أي كأخذ الرهن من المرتهن بعد خلاص ما عليه. قوله: [أخذ ما ذكر]: أي من عارية، ودين، ووديعة، ورهن. قوله: [أو من غاصب]: أي بأن قدر على الغاصب وأخذ شيئه من عنده. وقوله: [ونحوه]: أي كالمتعدي على المنفعة. قوله: [وخرج به السرقة] إلخ: المناسب تقديمه على قوله تعدياً؛ لأن هذا من جملة محترزات الآخذ قهراً. قوله: [والاختلاس]: المختلس: هو الذي يأتي خفية ويذهب جهرة، وخرج الخائن أيضاً: وهو الذي يأتي جهرة ويذهب جهرة، وأما السارق: فهو الذي يأتي خفية ويذهب خفية. قوله: [فإن السارق حال الأخذ]: أي ومثله المختلس والخائن. قوله: [لم يكن معه قهر]: أي وإن كان معه تعد. قوله: [وبقيت الحرابة]: أي ولما كانت هذه القيود تشمل الحرابة وتنطبق عليها أخرجها؛ لأنها أخذ المال على وجه يتعذر معه الغوث وأحكامها مخالفة لأحكام الغصب من حيث الجملة؛ لأن المحارب يقتل أو يصلب أو يقطع من خلاف أو ينفى من الأرض ولا كذا الغاصب. قوله: [بأن فيه تركيبها]: هكذا نسخة المؤلف وصوابه: تركيباً، كما هو أصل النص في (بن). قوله: [ليست بأخص ولا أعم]: أي بل مباينة. قوله: [بأنه حيوان غير فرس]: أي فهذا التعريف من حقيقتين متباينتين وهو معيب عندهم. قوله: [لسلم من التركيب]: أي وتخرج الحرابة بهذا القيد، وكذا لو قال على وجه لا يتعذر معه الغوث. قوله: [ويجاب بأن هذا تعريف رسمي]: أي لا حد حقيقي والتركيب معيب دخوله في الحدود لا في الرسوم. قوله: [ولكن لم يرد فيه حد مخصوص]: أي وإنما فيه الأدب بما يراه الحاكم كما أفاده المصنف.

стр. 739

ولو عفا عنه المغصوب منه -بضرب أو سجن أو هما أو مع نفي؛ فإن الغاصب قد يكون مشهوراً بذلك، ذو بغي وطغيان وقد لا يكون كذلك، وقد يكون كبيراً وقد يكون صغيراً، فالحاكم له النظر في ذلك، وقيل: إن الصبي المميز لا يؤدب لحديث: «رفع القلم عن ثلاث»، فذكر فيه «الصبي حتى يحتلم» ويرد بأن تأديبه لإصلاح حاله كما يؤدب للتعليم وكما يؤدب الدابة، لذلك فإن الصبي إذا قصد التخليط في القرآن أو غيره عمداً ولم يمتثل بمجرد النهي فلا شك أنه يؤدب لصلاح حاله، فكذا إذا غصب. (كمدعيه): أي كما يؤدب من ادعى الغصب أو السرقة أو نحوهما. (على صالح) مشهور بذلك لا يشار إليه بهذا، وفي النوادر: إنما يؤدب المدعي على غير المتهم بالسرقة إذا كان على وجه المشاتمة أما على وجه الظلامة فلا. وأما مستور الحال فلا أدب على المدعى عليه. وهل يحلف ليبرأ من الغرم أو لا يمين عليه؟ قولان. وأما من يشار إليه بذلك ولم يشتهر به فلا أدب على المدعى عليه ويحلف ليبرأ، فإن نكل حلف المدعي واستحق، فإن اشتهر بالعداء بين الناس فإنه يحلف ويهدد ويضرب ويسجن، فإن استمر على جحوده ترك وإن اعترف بعد التهديد، فهل يؤخذ بإقراره أو لا؟ في ذلك ثلاثة أقوال: قيل يؤخذ بإقراره مطلقاً، وقيل: إن عين الشيء المدعى به أخذ بإقراره وإلا فلا، والثالث هو المعتمد وقول ابن القاسم في المدونة: إنه لا يؤخذ بإقراره ولو عين الشيء لأنه مكره. (وضمن) الغاصب المميز (بالاستيلاء) على الشيء الذي غصبه: أي بمجرده، ولو تلف بسماوي أو جناية غيره عليه؛ عقاراً أو غيره (ولو مات) حتف أنفه (أو قتل قصاصاً) إن جنى بعد الغصب فقتل عبداً مثله، وأما لو جنى على مثله فقتله قبل الغصب فاقتص منه بعده، فلا ضمان على الغاصب كما يفيده النقل، وهو ظاهر، (أو) قتل (لعداء) منه بحيث لا يمكن التخلص منه إلا بقتله، فيضمنه الغاصب. (كجاحد وديعة) عنده من ربها ثم أقر بها أو قامت عليه بها بينة ثم هلكت ولو بسماوي، فإنه يضمنها لربها؛ لأنه بجحدها صار غاصباً. (وآكل) من طعام مغصوب (علم) بأنه مغصوب فإنه يضمن لربه ما أكله ولربه الرجوع عليه ابتداء لأنه بعلمه بالغصب صار غاصباً (كغيره): أي كما يضمن الآكل غير العالم بالغصب. (و) قد (أعدم المتعدي) أو لم يقدر على تضمينه لظلمه [١]، فإن كان الغاصب ملياً مقدوراً عليه بدئ بتغريمه، فإن أعسر كما أعسر الغاصب اتبع أولهما يساراً، ومن أخذ منه لا يرجع على صاحبه، وكلامنا أتم من كلامه. ــ قوله: [ولو عفا عنه المغصوب منه]: أي خلافاً للمتيطي حيث قال: لا يؤدب إذا عفا عنه المغصوب منه. قوله: [وطغيان]: مرادف لما قبله. قوله: [فذكر فيه الصبي حتى يحتلم]: أي والمجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ. قوله: [فإن اشتهر بالعداء بين الناس]: قد ظهر لك أن الأقسام أربعة؛ لأن المدعى عليه بالغصب إما صالح، أو مستور حال، أو فاسق يشار إليه بالغصب ولم يشتهر به، أو مشهور بالغصب. أفاد الشارح أحكامها تبعاً ل (بن). قوله: [فإنه يحلف ويهدد ويضرب] إلخ: محصل كلام الشارح تبعاً ل (بن) أن التحليف والتهديد والضرب والسجن متفق عليه والأقوال إنما هي في المؤاخذة بالإقرار وعدمها قال (بن) وقول ابن عاصم: وإن تكن دعوى على من يتهم ... فمالك بالسجن والضرب حكم لا يفيد شيئاً من ذلك يعني من تلك الأقوال، وإنما يفيد الضرب وما معه فهو كلام مجمل. قوله: [بالاستيلاء]: أي يتعلق به الضمان بمجرد الحيلولة بينه وبين مالكه، وأما الضمان بالفعل فلا يتحقق إلا إذا حصل مفوت. قوله: [عقاراً أو غيره]: هذا هو المذهب خلافاً لابن الحاجب من أن غير العقار لا يتقرر فيه الضمان بمجرد الاستيلاء، بل حتى ينقل. قوله: [فقتله]: المناسب حذفه. قوله: [كما يفيده النقل]: أي عن النوادر وقرر به ابن فرحون كلام ابن الحاجب. إذا علمت هذا فتوقف عب تبعاً للأجهوري والشيخ أحمد الزرقاني فيه لا وجه له فقول الشارح: وهو ظاهر، تورك عليهم. قوله: [؛ لأنه بجحدها صار غاصباً]: أي حكمه حكم الغاصب في الضمان. قوله: [وآكل]: بالمد اسم فاعل معطوف على جاحد. قوله: [لأنه بعمله]: هكذا نسخة المؤلف بتقديم الميم على اللام، والصواب تقديم اللام على الميم. قوله: [صار غاصباً]: أي حكماً من حيث الضمان. قوله: [أي كما يضمن الآكل غير العالم بالغصب]: أي حيث كان ملياً والحال أنه قد أعدم المتعدي إلخ. قوله: [فإن كان الغاصب ملياً] إلخ: محترز قوله: "أعدم أو لم يقدر على تضمينه". قوله [فإن أعسر]: أي الآكل، وهو محترز ما تقدم من تضمين الآكل حيث كان ملياً والغاصب معدم. قوله: [ومن أخذ منه لا يرجع على صاحبه]: أما إن كان الأخذ من الغاصب فظاهر أنه لا يرجع على الآكل؛ لأنه المباشر للغصب، وأما إن كان الأخذ من الآكل فحيث أكل الجميع أخذ منه الجميع وإن أكل البعض فبقدر أكله. قوله: [أتم من كلامه]: أي لأن كلام

стр. 740

وأما من غصب حيواناً فذبحه، فهل الذبح موجب للضمان؛ لأنه مفوت؟ وهو الذي درج عليه المصنف ورجح، وعليه فلربها تغريمه القيمة أو أخذها مذبوحة دون أرش ما نقصها الذبح، هذا هو المعتمد من المذهب، ونص ابن القاسم وفي المدونة: أن من غصب قمحاً فطحنه فهو مفوت وعليه مثل القمح، ومن أكل من شيء بعد فوته فلا غرم عليه، وهل يجوز بعد الفوات الأكل منه؟ الراجح في المذهب الجواز؛ ولذا أفتى بعض المحققين بجواز الشراء من لحم الأغنام المغصوبة إذا باعها الغاصب للجزارين فذبحوها لأنه بذبحها ترتبت القيمة في ذمة الغاصب، والله أعلم. (وحافر بئر) بالجر عطف على "جاحد وديعة" (تعدياً) بأن حفرها في طريق الناس أو في ملك غيره بلا إذن أو في ملكه بقصد الضرر، فتردى فيها شيء، فإنه يضمن وأما في ملكه بلا قصد ضرر أو في الموات كذلك فهدر. (ومكره) بكسر الراء اسم فاعل (غيره على التلف) فإنه يضمن، وكذا من أغرى ظالماً على تلف شيء أو أخذه من ربه فإنه يضمن. (وقدم المباشر) على المتسبب عند الإمكان، فيقدم المكره، بالفتح في الضمان على المكره بالكسر، ويقدم الظالم على من دله أو أغراه على التلف ونحوه ويقدم المردي في البئر على الحافر لها. (وفاتح حرز على حيوان) طيراً أو غيره (أو غيره) أي غير حيوان، كعسل وسمن من المائعات أو من الجامدات وتلف أو ضاع منه شيء (أو) فتح حرزاً كقيد أو باب على (رقيق) قيد أو غلق عليه (خوف إباقه) فإنه يضمن قيمته لربه. (إلا بمصاحبة ربه) له حين الفتح وعلمه فلا ضمان على الفاتح (إن أمكنه): أي أمكن ربه (حفظه لا) إن لم يمكنه (كطير) فتح عليه أو سائل كماء وعسل فيضمن، إذ لا يمكن عود ما ذكر عادة (ودال لص ونحوه) كظالم وغاصب ومكاس على مال فأخذه أو أتلفه، فإنه يضمن وقدم المباشر. فالأولى تقديم هذا على قوله: "وقدم المباشر". (مثل المثلي) ــ خليل مجمل، فإنه قال أو أكل بلا علم. قوله: [وأما من غصب حيواناً]: محترز قوله: "وأكل من طعام مغصوب علم" فإن موضوع ما تقدم طعام أكله الغاصب ومن معه بهيئته التي كان عليها عند ربه. قوله: [أو أخذها مذبوحة] إلخ: وخيرته تنفي ضرره. قوله: [وفي المدونة أن من غصب قمحاً] إلخ: هذا يعين ما قلناه أولاً من أن الطعام المتقدم أكل بالهيئة التي كان عليها عند صاحبه. قوله: [فلا غرم عليه]: أي لكون الحرام لا يتعلق بذمتين. قوله: [الراجح في المذهب الجواز]: أي كما رجحه ابن ناجي تبعاً لصاحب المعيار، ولو علم الآكل أن الغاصب لا يدفع القيمة؛ لأن دفع العوض واجب مستقل واعتمده في الحاشية، ولكن قال في الأصل: من اتقاه فقد استبرأ لدينه وعرضه أي لكونه من الشبهات وفي الحديث: «ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» الحديث. قوله: [فتردى فيها شيء فإنه يضمن]: أي ولو لم يكن المقصود بالحفر. قوله: [وكذا من أغرى ظالماً] إلخ: ظاهره الضمان وإن قصد بذلك دفع الضرر عن نفسه؛ لأنه لا يجوز له نفع نفسه بضرر غيره. قوله: [ويقدم المردي في البئر على الحافر لها]: أي إلا أن يحفرها لمعين فرداه فيها غيره فسيان الحافر والمردي في القصاص عليهما في الإنسان المكافئ وضمان غيره. قوله: [خوف إباقه]: مفهومه: أنه لو فتح قيد عبد قيد لنكاله فأبق لم يضمن، ولو تنازع ربه مع الفاتح فادعى ربه أنه إنما قيده لخوفه إباقه، وقال الفاتح: إنما قيدته لنكاله - ولم تقم قرينة على صدق واحد منهما - فالظاهر أن القول قول سيده؛ لأن هذا الأمر لا يعلم إلا من جهته، ومفهوم: "عبد" أنه لو فتح قيد حر قيد لئلا يأبق فذهب بحيث تعذر رجوعه فإنه يضمن ديته دية عمد. تنبيه: قال التتائي ما نصه: وفي الذخيرة عن الموازية، إذا قلت له: أغلق باب داري فإن فيها دوابي، قال: فعلت: ولم يفعل متعمداً للترك حيث ذهبت الدواب لم يضمن؛ لأنه لا يجب عليه امتثال أمرك، وكذلك قفص الطائر، ولو أنه هو الذي أدخل الدواب أو الطائر القفص وتركهما مفتوحين وقد قلت له: أغلقهما، لضمن إلا أن يكون ناسياً؛ لأن مباشرته لذلك تصيره أمانة تحت حفظه، ولو قلت له: صب النجاسة من هذا الإناء، قال: فعلت؛ ولم يفعل، فصببت مائعاً فتنجست لا يضمن، إلا أن يصب هو المائع لما تقدم، ولو قلت: احرس ثيابي حتى أقوم من النوم، أو: أرجع من الحاجة، فتركها فسرقت ضمن لتفريطه في الأمانة، ولو غلب عليه نوم قهره لم يضمن، وكذلك لو رأى أحداً يأخذ ثوبه غصباً فإنه لا يضمن إن كان يخافه وهو مصدق في ذلك؛ لأن الأصل براءة ذمته وكذلك يصدق في قهر النوم له. ولو قال لك: أين أصب زيتك؟ فقلت: انظر هذه الجرة إن كانت صحيحة فصب فيها ونسي النظر إليها وهي مكسورة ضمن؛ لأنك لم تأذن له إلا في الصب في الصحيحة، ولو قلت له: خذ هذا القيد فقيد هذه الدابة، فأخذ القيد ولم يفعل حتى هربت الدابة، لم يضمن؛ لأنك لم تدفع إليه الدابة، فلو دفعت إليه الدابة ضمن، وكذا لو دفعت إليه الدابة والعلف فترك علفها ضمنها ولو دفعت إليه العلف وحده فتركها بلا علف حتى ماتت جوعاً وعطشاً لم يضمن. ولو قلت: تصدق بهذا على
следующие страницы →