← Фикх малики

Фикх малики · id 150969

حاشية الصاوي على الشرح الصغير ط الحلبي

أحمد الصاوي

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

(ولو شرطه) عليه المعير. (والقول له): أي للمستعير (في التلف أو الضياع) فيما لا يغاب عليه، فيصدق ولا ضمان عليه (إلا لقرينة كذبه) كأن يقول: تلف أو ضاع يوم كذا، فتقول البينة: رأيناه معه بعد ذلك اليوم، أو تقول الرفقة التي معه في السفر: ما سمعنا ذلك ولا رأيناه (وحلف ما فرط) إن ادعى عليه أنه إنما حصل التلف أو الضياع أو العيب الذي قام به بتفريطه، سواء كان مما يغاب عليه أم لا، كسوس وقرض أرضة أو فأر أو بلل أو دهن أو حبر أو نحو ذلك بالمستعار كثوب وكتاب. (و) القول له (في رد ما لم يضمن) لربه وهو ما لا يغاب عليه كالحيوان (إلا لبينة مقصودة) أشهدها المعير عند الإعارة لخوف ادعاء المستعير الرد، فحينئذ لا يقبل قوله بردها إلا لبينة تشهد له بردها لربها. (وفعل) المستعير، أي جاز له أن يفعل الفعل (المأذون) له فيه (و) أن يفعل (مثله) كأن استعارها ليركبها لمكان كذا فركبها إليه من هو مثله، أو ليحمل عليها إردب فول فحمل عليها إردب قمح، وأما الذهاب بها في مسافة أخرى مثل ما استعارها لها فلا يجوز، ويضمن إن عطبت كالإجارة على قول ابن القاسم وهو الأرجح. (لا أضر) مما استعارها له؛ فلا يجوز ثم تارة يحمل عليها ما تعطب بمثله وتارة ما لم تعطب به. وفي كل: إما أن تعطب وإما أن تتعيب وإما أن تسلم (فإن زاد ما تعطب به وعطبت فله): أي لربها (قيمتها) وقت الزيادة عليها؛ لأنه وقت التعدي (أو كراؤه): أي كراء الزائد فقط، وخيرته تنفي ضرره. (وإلا): بأن زاد ما لا تعطب به وعطبت أو تعيبت أو سلمت، أو ما تعطب به وسلمت (فالكراء): أي كراء الزائد فقط في الأربع صور. وبقي السادسة: وهي ما إذا زاد ما تعطب به فتعيبت أشار لحكمها بقوله: (فلو تعيبت) فيما إذا زاد عليها ما تعطب به (فالأكثر من الكراء) للزائد (وقيمة العيب) أي أرشه يلزم المستعير. والكلام في زيادة الحمل، وأما المسافة فكالإجارة، فإن عطبت ضمن قيمتها، وإن سلمت فكراء الزائد، وإن تعيبت فالأكثر من كراء الزائد وأرش العيب. ــ الثاني لابن القاسم أيضاً، وعلى كلا القولين لا يفسد عقد العارية بهذا الشرط، وقيل إن شرط نفي الضمان فيما يغاب عليه يفسد العقد ويكون للمعير أجرة ما أعاره. قوله: [ولو شرطه عليه المعير]: رد ب "لو" على مطرف كما في المواق حيث قال: إذا شرط المعير الضمان لأمر خافه من طريق مخوفة أو نهر أو لصوص أو نحو ذلك، فالشرط لازم إن هلكت بالأمر الذي خافه، وشرط الضمان من أجله. والمعتمد أنه لا ضمان ولا عبرة بشرطه ولو لأمر خافه كما في الحاشية، وحيث لم يضمن الحيوان ضمن لجامه وسرجه. بخلاف ثياب العبد فإنه لا يضمنها؛ لأنه حائز لما عليه كما في التوضيح عن اللخمي، وفي (بن) عن ابن يونس: إذا أرسل المستعير العارية من الدواب مع عبده أو أجيره فعطبت أو ضلت فلا ضمان عليه؛ لأن الناس هكذا يفعلون وإن لم يعلم ضياعها أو تلفها إلا من قول لرسول. قوله: [وحلف ما فرط]: أي ويبرأ ويأخذ منه أنه يجب عليه تعهد العارية، وكذا يجب على المرتهن والمودع تعهد ما في أماناتهم مما يخاف عليه ترك التعهد؛ لأن هذا من باب صيانة المال وإن لم يفعل ذلك عد مفرطاً وضمن كما في الحاشية. قوله: [أي جاز له]: إنما قال ذلك ولم يقل: طلب منه فعل المأذون فيه ومثله؛ لأن المأذون فيه ومثله لا يطلب بفعله، إنما هو حق مباح له إن شاء فعله وإن شاء تركه. قوله: [فلا يجوز]: الحاصل أن المعتمد أن المراد بالمثل الذي يباح للمستعير فعله المثل في المحمول لا في المسافة فإنه ممنوع فعله هنا كالإجارة على المعتمد لما في كل منهما من فسخ المنافع في مثلها وهو فسخ دين في دين. قوله: [لا أضر مما استعارها له]: أي ولو كان ذلك الإضرار أقل في الوزن أو المسافة. قوله: [ثم تارة يحمل عليها] إلخ: اعلم أن الصور ست؛ لأنه؛ إن زاد ما تعطب به، فتارة تعطب، وتارة تتعيب، وتارة تسلم؛ وإن زاد ما لا تعطب به، فكذلك. وقد تكفل بتفصيل أحكامها الشارح. قوله: [أي كراء الزائد فقط]: ومعرفة ذلك أن يقال: كم يساوي كراؤها فيما استعارها له؟ فإذا قيل: عشرة، قيل وكم يساوي كراؤها فيما حمل عليها؟ قيل: خمسة عشر، دفع إليه الخمسة الزائدة على كراء ما استعيرت له. قوله: [والكلام في زيادة الحمل]: الفرق بين زيادة الحمل والمسافة أن زيادة المسافة محض تعد مستقلاً منفصلاً؛ بخلاف زيادة الحمل فإنه مصاحب للمأذون فيه. قوله: [وأما المسافة فكالإجارة] إلخ: أجمل هنا في تفصيل أحكامها، وقد أوضح بعض ما أجمله فيما سيأتي: فإن قوله هنا فإن عطبت ضمن قيمتها. ظاهره تعين القيمة وليس كذلك، بل يخير فيها وفي أخذ كراء الزائد كما يأتي. وقوله: [وإن سلمت فكراء الزائد]: ظاهره كانت تعطب بمثله أم لا مع أنه سيأتي أنه مخصوص باليسير، وأما الكثير فكالعطب. وقوله: [وإن تعيبت فالأكثر] إلخ: نص عليه هنا ولم ينص عليه فيما يأتي. والحاصل: أن المأخوذ من هنا ومن هناك أنه إن تعدى المسافة المستعير أو المستأجر بيسير وسلمت فالكراء، وأما إن عطبت أو تعدى بكثير مطلقاً عطبت أو سلمت

стр. 737

(ولزمت) الاستعارة (المقيدة بعمل): كطحن إردب أو حمله لكذا أو ركوب له (أو أجل): كأربعة أيام أو أقل أو أكثر (لانقضائه) أي العمل أو الأجل، فليس لربها أخذها قبله، سواء كان المستعار أرضاً لزراعة أو سكنى أو لوضع شيء بها أو كان حيواناً لركوب أو حمل أو غير ذلك أو كان عرضاً. (وإلا) يكن تقييد بعمل أو أجل بل أطلقت (فلا) تلزم، ولربها أخذها متى شاء ولا يلزم قدر ما تراد لمثله عادة على المعتمد، وما مشى عليه الشيخ ضعيف. (وإن زعم) شخص (أنه مرسل) بأن قال: أرسلني فلان (لاستعارة نحو حلي) منكم له فصدق ودفع له ما طلب فأخذه (وتلف): أي ادعى أنه تلف منه (ضمنه المرسل) له (إن صدقه) في إرساله. (وإلا) يصدقه (حلف) أنه ما أرسله (وبرئ وضمن الرسول) ولا يحلف (إلا لبينة) تشهد له أنه أرسله فلان فالضمان حينئذ على من أرسله، ولا عبرة بيمينه الذي حلفه (وإن اعترف) الرسول (بالتعدي) وأنه لم يرسله أحد (ضمن إن كان رشيداً) لا صبياً ولا سفيهاً إذ لا ضمان عليهما (أو) كان (عبداً): أي رقيقاً في ذمته فلا يباع لذلك بل يتبع به (إن عتق ما لم يسقطه) عنه (السيد) قبل عتقه وإلا سقط ولا يتبع بعده. (ومؤنة أخذها): أي العارية من محل ربها إن كان يحتاج لمؤنة (و) مؤنة (ردها على المستعير والعلف) وهي عند المستعير (على ربها) لا على المستعير وقيل على المستعير والقولان ذكرهما الشيخ بلا ترجيح. ــ خير في الكراء وفي القيمة، وإن تعيبت بالتعدي الكثير أو اليسير فالأكثر من كشراء الزائد وأرش العيب؛ فالكراء في صورة واحدة، والتخيير بين القيمة والكراء في ثلاث والأكثر من أرش العيب والكراء في صورتين، ولو اقتصر على تلك التفاصيل هنا وتركها مما سيأتي لكان أحسن. تنبيه: لو تعدى المستعير للركوب بنفسه وأردف معه شخصاً آخر فحكمه في التفصيل حكم زيادة الحمل. ثم إن علم الرديف بالتعدي كان لصاحب الدابة غريمان يتبع أيهما شاء حيث كان الرديف رشيداً، وإن لم يعلم بالتعدي فلا يتبع الرديف إلا إن أعدم المردف وكان الرديف رشيداً. قوله: [ولزمت الاستعارة المقيدة] إلخ: ابن عرفة، اللخمي: إن أجلت العارية بزمن أو انقضاء أجل لزمت إليه، وإن لم تؤجل ك: أعرتك هذه الأرض أو هذه الدابة أو الدار، أو هذا العبد، أو الثوب، ففي صحة ردها ولو بقرب قبضها ولزوم قدر ما تعار إليه. وثالثها: إن أعاره لسكن أو غرس أو يبني فالثاني وإلا فالأول، الأول لابن القاسم فيها مع أشهب، والثاني لغيرهما؛ والثالث لابن القاسم في الدمياطية. اهـ. قوله: [على المعتمد]: أي الذي هو قول ابن القاسم مع أشهب. قوله: [وما مشى عليه الشيخ ضعيف]: أي حيث قال: وإلا فالمعتاد، فقد مشى على قول غير ابن القاسم وأشهب. وأجيب عنه بأن محل قوله: وإلا فالمعتاد فيما أعير للبناء أو الغرس فإن المعير يلزمه المعتاد إذا لم يدفع للمستعير ما أنفقه وإلا فله الرجوع إن دفع له ما أنفق من ثمن الأعيان، وفي المدونة أيضاً: إن دفع له قيمة ما أنفقه، وهل ما في الموضعين خلاف أو وفاق بحمل دفع القيمة إن لم يشتر الكلف بأن كانت من عنده أو عند طول زمن البناء أو الغرس، أو إن كان اشتراء الأعيان بغبن كثير؟ تأويلات أربعة: واحد بالخلاف، وثلاثة بالوفاق. قوله: [فصدق]: هكذا نسخة المؤلف من غير ضمير فيكون مبنياً للمفعول. قوله: [ضمنه المرسل له]: أي حيث لم تقم بينة على تلفه بغير تفريطه وإلا فلا ضمان على أحد. قوله: [ولا يحلف]: أي لا يؤمر بحلف مع الضمان خلافاً للخرشي القائل إنه يحلف ولا يضمن. ومحل ضمان الرسول إن كان مما يغاب عليه كما هو الموضوع وإلا فلا ضمان إلا إذا اعترف بالتعدي. قوله: [فلان]: الأولى حذفه. قوله: [ولا عبرة بيمينه الذي حلفه]: هذا الكلام خال من التحرير على مقتضى الدعاوى، فإن مقتضاها كما يأتي في الشهادات أنه يسأل المرسل فإن أنكر الإرسال قيل للرسول: ألك بينة؟ فإن قال: نعم، أقامها وعمل بمقتضاها ويغرم المرسل من غير يمين يحلفها المرسل، وإن عجز الرسول عن البينة حلف المرسل وبرئ وغرم الرسول، فإن ادعى الرسول بينة بعد حلف المرسل فلا تقبل منه إلا بدعوى النسيان أو البعد أو نحو ذلك من المسائل التي تقدمت في باب الصلح فليتأمل. قوله: [إذ لا ضمان عليهما]: أي ويضيع المال على المعير لتفريطه. قوله: [ضمن إن كان رشيداً]: أي كان مما يغاب عليه أولاً. قوله: [أو عبداً]: أي واعترف بالتعدي وهو عبد فلا يكون جناية في رقبته بل في ذمته. قوله: [وقيل على المستعير]: أي؛ لأن ربها فعل معروفاً فلا يليق أن يشدد عليه. والمعتمد من القولين أن علفها على ربها. بخلاف العبد المخدم فإن مؤنته على مخدمه بالفتح كما في الحاشية، وقول المصنف والعلف هو بفتح اللام ما يعلف به وأما بالسكون وهو تقديم الطعام للدابة فهو على المستعير قولاً واحداً.

стр. 738

(باب) في بيان الغصب وأحكامه (الغصب: أخذ مال قهراً تعدياً بلا حرابة): أصل هذا التعريف لابن الحاجب ﵀. فقوله: "أخذ مال" جنس يشمل الغصب وغيره، وهو من إضافة المصدر لمفعوله والفاعل محذوف: أي أخذ آدمي مالاً، والمتبادر من المال: الذات، فخرج به التعدي: وهو الاستيلاء على المنفعة فقط كسكنى دار وركوب دابة من استيلاء على ذات الدار أو الدابة. وقوله: "قهراً" خرج به الأخذ اختياراً كعارية وسلف وهبة، والدين من المدين الوديعة ونحوها من عنده بالاختيار. وقوله: "تعدياً" أخرج به أخذ ما ذكر قهراً حيث أنكر أولاً من هي عنده أو من غاصب ونحوه؛ وخرج به السرقة والاختلاس فإن السارق حال الأخذ لم يكن معه قهر وبقيت الحرابة، فأخرجها بقوله: "بلا حرابة". واعترضه ابن عبد السلام بأن فيه تركيبها، وهو توقف معرفة الحد على معرفة حقيقة أخرى ليست بأخص ولا أعم، أي فلا يعرف الإنسان مثلاً بأنه حيوان غير فرس فلو قال بدله: بلا خوف قتل لسلم من التركيب، ويجاب بأن هذا تعريف رسمي فيكون فيه ما يشعر بتمييز المحدود عن غيره، والمراد بالأخذ: الاستيلاء عليه ولو لم يأخذه بالفعل، فمن استولى على مال شخص بأن منع ربه منه ولو لم ينقله من موضعه فهو غاصب. وحرمته معلومة من الدين بالضرورة ولكن لم يرد فيه حد مخصوص. (وأدب) غاصب (مميز) ولو صبياً بما يراه الحاكم لحق الله. ــ تتمة: إن ادعى الآخذ العارية وادعى المالك الكراء فالقول للمالك بيمين في الكراء وفي الأجرة، إن ادعى أجرة تشبه، وإلا رد لأجرة المثل، فإن نكل فالقول للمستعير بيمين، فإن نكل غرم بنكوله. ومحل كون القول للمالك ما لم يكن مثله يأنف من أخذ أجرة على مثل ذلك الشيء وإلا فالقول للمستعير بيمين، فإن نكل فللمالك بيمين، فإن نكل فالأظهر لا شيء له وكذلك يكون القول للمالك إذا تنازعا في زائد المسافة قبل الشروع فيه؛ فإن كان التنازع بعد سفر للزائد فالقول للمستعير في نفي الضمان والكراء. وهذا إن أشبه وحلف، وإلا فللمعير. فتأمل. باب في بيان الغصب وأحكامه هو لغة أخذ الشيء ظلماً. قال الجوهري: أخذ الشيء ظلماً غصبه منه وغلبه سواء والاغتصاب مثله. اهـ. فمعنى الغصب لغة أعم منه شرعاً. قوله: [أي أخذ آدمي]: مثله الجني إن تشكل بصورة الآدمي وفعل مثل ما يفعل، وإنما خص الآدمي لكونه الشأن، وإلا فلهم ما لنا وعليهم ما علينا. قوله: [والمتبادر من المال الذات]: أي ولذلك قال ابن عرفة في تعريفه: أخذ مال غير منفعة إلخ. قوله: [فخرج به التعدي] إلخ: أي فله أحكام تخصه وستأتي في قوله "والمتعدي غاصب المنفعة" إلخ. قوله: [من استيلاء على ذات الدار] إلخ: أي ولم يكن قاصداً تملك الذات وإلا كان غصباً للذات؛ فمن تعليلية لوجه الاستيلاء على المنفعة. قوله: [خرج به الأخذ اختياراً]: أي كان المأخوذ مال نفسه أو مال المأخوذ منه بدليل التمثيل، فإن قوله: "كعارية" شامل لأخذ المستعير من المعير، ولأخذ المعير من المستعير. وقوله: [وسلف وهبة]: مثالان لأخذ المال من ربه. وقوله: [والدين من المدين والوديعة]: إلخ: مثالان لأخذ مال نفسه. وقوله: [ونحوها]: أي كأخذ الرهن من المرتهن بعد خلاص ما عليه. قوله: [أخذ ما ذكر]: أي من عارية، ودين، ووديعة، ورهن. قوله: [أو من غاصب]: أي بأن قدر على الغاصب وأخذ شيئه من عنده. وقوله: [ونحوه]: أي كالمتعدي على المنفعة. قوله: [وخرج به السرقة] إلخ: المناسب تقديمه على قوله تعدياً؛ لأن هذا من جملة محترزات الآخذ قهراً. قوله: [والاختلاس]: المختلس: هو الذي يأتي خفية ويذهب جهرة، وخرج الخائن أيضاً: وهو الذي يأتي جهرة ويذهب جهرة، وأما السارق: فهو الذي يأتي خفية ويذهب خفية. قوله: [فإن السارق حال الأخذ]: أي ومثله المختلس والخائن. قوله: [لم يكن معه قهر]: أي وإن كان معه تعد. قوله: [وبقيت الحرابة]: أي ولما كانت هذه القيود تشمل الحرابة وتنطبق عليها أخرجها؛ لأنها أخذ المال على وجه يتعذر معه الغوث وأحكامها مخالفة لأحكام الغصب من حيث الجملة؛ لأن المحارب يقتل أو يصلب أو يقطع من خلاف أو ينفى من الأرض ولا كذا الغاصب. قوله: [بأن فيه تركيبها]: هكذا نسخة المؤلف وصوابه: تركيباً، كما هو أصل النص في (بن). قوله: [ليست بأخص ولا أعم]: أي بل مباينة. قوله: [بأنه حيوان غير فرس]: أي فهذا التعريف من حقيقتين متباينتين وهو معيب عندهم. قوله: [لسلم من التركيب]: أي وتخرج الحرابة بهذا القيد، وكذا لو قال على وجه لا يتعذر معه الغوث. قوله: [ويجاب بأن هذا تعريف رسمي]: أي لا حد حقيقي والتركيب معيب دخوله في الحدود لا في الرسوم. قوله: [ولكن لم يرد فيه حد مخصوص]: أي وإنما فيه الأدب بما يراه الحاكم كما أفاده المصنف.

стр. 739

ولو عفا عنه المغصوب منه -بضرب أو سجن أو هما أو مع نفي؛ فإن الغاصب قد يكون مشهوراً بذلك، ذو بغي وطغيان وقد لا يكون كذلك، وقد يكون كبيراً وقد يكون صغيراً، فالحاكم له النظر في ذلك، وقيل: إن الصبي المميز لا يؤدب لحديث: «رفع القلم عن ثلاث»، فذكر فيه «الصبي حتى يحتلم» ويرد بأن تأديبه لإصلاح حاله كما يؤدب للتعليم وكما يؤدب الدابة، لذلك فإن الصبي إذا قصد التخليط في القرآن أو غيره عمداً ولم يمتثل بمجرد النهي فلا شك أنه يؤدب لصلاح حاله، فكذا إذا غصب. (كمدعيه): أي كما يؤدب من ادعى الغصب أو السرقة أو نحوهما. (على صالح) مشهور بذلك لا يشار إليه بهذا، وفي النوادر: إنما يؤدب المدعي على غير المتهم بالسرقة إذا كان على وجه المشاتمة أما على وجه الظلامة فلا. وأما مستور الحال فلا أدب على المدعى عليه. وهل يحلف ليبرأ من الغرم أو لا يمين عليه؟ قولان. وأما من يشار إليه بذلك ولم يشتهر به فلا أدب على المدعى عليه ويحلف ليبرأ، فإن نكل حلف المدعي واستحق، فإن اشتهر بالعداء بين الناس فإنه يحلف ويهدد ويضرب ويسجن، فإن استمر على جحوده ترك وإن اعترف بعد التهديد، فهل يؤخذ بإقراره أو لا؟ في ذلك ثلاثة أقوال: قيل يؤخذ بإقراره مطلقاً، وقيل: إن عين الشيء المدعى به أخذ بإقراره وإلا فلا، والثالث هو المعتمد وقول ابن القاسم في المدونة: إنه لا يؤخذ بإقراره ولو عين الشيء لأنه مكره. (وضمن) الغاصب المميز (بالاستيلاء) على الشيء الذي غصبه: أي بمجرده، ولو تلف بسماوي أو جناية غيره عليه؛ عقاراً أو غيره (ولو مات) حتف أنفه (أو قتل قصاصاً) إن جنى بعد الغصب فقتل عبداً مثله، وأما لو جنى على مثله فقتله قبل الغصب فاقتص منه بعده، فلا ضمان على الغاصب كما يفيده النقل، وهو ظاهر، (أو) قتل (لعداء) منه بحيث لا يمكن التخلص منه إلا بقتله، فيضمنه الغاصب. (كجاحد وديعة) عنده من ربها ثم أقر بها أو قامت عليه بها بينة ثم هلكت ولو بسماوي، فإنه يضمنها لربها؛ لأنه بجحدها صار غاصباً. (وآكل) من طعام مغصوب (علم) بأنه مغصوب فإنه يضمن لربه ما أكله ولربه الرجوع عليه ابتداء لأنه بعلمه بالغصب صار غاصباً (كغيره): أي كما يضمن الآكل غير العالم بالغصب. (و) قد (أعدم المتعدي) أو لم يقدر على تضمينه لظلمه [١]، فإن كان الغاصب ملياً مقدوراً عليه بدئ بتغريمه، فإن أعسر كما أعسر الغاصب اتبع أولهما يساراً، ومن أخذ منه لا يرجع على صاحبه، وكلامنا أتم من كلامه. ــ قوله: [ولو عفا عنه المغصوب منه]: أي خلافاً للمتيطي حيث قال: لا يؤدب إذا عفا عنه المغصوب منه. قوله: [وطغيان]: مرادف لما قبله. قوله: [فذكر فيه الصبي حتى يحتلم]: أي والمجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ. قوله: [فإن اشتهر بالعداء بين الناس]: قد ظهر لك أن الأقسام أربعة؛ لأن المدعى عليه بالغصب إما صالح، أو مستور حال، أو فاسق يشار إليه بالغصب ولم يشتهر به، أو مشهور بالغصب. أفاد الشارح أحكامها تبعاً ل (بن). قوله: [فإنه يحلف ويهدد ويضرب] إلخ: محصل كلام الشارح تبعاً ل (بن) أن التحليف والتهديد والضرب والسجن متفق عليه والأقوال إنما هي في المؤاخذة بالإقرار وعدمها قال (بن) وقول ابن عاصم: وإن تكن دعوى على من يتهم ... فمالك بالسجن والضرب حكم لا يفيد شيئاً من ذلك يعني من تلك الأقوال، وإنما يفيد الضرب وما معه فهو كلام مجمل. قوله: [بالاستيلاء]: أي يتعلق به الضمان بمجرد الحيلولة بينه وبين مالكه، وأما الضمان بالفعل فلا يتحقق إلا إذا حصل مفوت. قوله: [عقاراً أو غيره]: هذا هو المذهب خلافاً لابن الحاجب من أن غير العقار لا يتقرر فيه الضمان بمجرد الاستيلاء، بل حتى ينقل. قوله: [فقتله]: المناسب حذفه. قوله: [كما يفيده النقل]: أي عن النوادر وقرر به ابن فرحون كلام ابن الحاجب. إذا علمت هذا فتوقف عب تبعاً للأجهوري والشيخ أحمد الزرقاني فيه لا وجه له فقول الشارح: وهو ظاهر، تورك عليهم. قوله: [؛ لأنه بجحدها صار غاصباً]: أي حكمه حكم الغاصب في الضمان. قوله: [وآكل]: بالمد اسم فاعل معطوف على جاحد. قوله: [لأنه بعمله]: هكذا نسخة المؤلف بتقديم الميم على اللام، والصواب تقديم اللام على الميم. قوله: [صار غاصباً]: أي حكماً من حيث الضمان. قوله: [أي كما يضمن الآكل غير العالم بالغصب]: أي حيث كان ملياً والحال أنه قد أعدم المتعدي إلخ. قوله: [فإن كان الغاصب ملياً] إلخ: محترز قوله: "أعدم أو لم يقدر على تضمينه". قوله [فإن أعسر]: أي الآكل، وهو محترز ما تقدم من تضمين الآكل حيث كان ملياً والغاصب معدم. قوله: [ومن أخذ منه لا يرجع على صاحبه]: أما إن كان الأخذ من الغاصب فظاهر أنه لا يرجع على الآكل؛ لأنه المباشر للغصب، وأما إن كان الأخذ من الآكل فحيث أكل الجميع أخذ منه الجميع وإن أكل البعض فبقدر أكله. قوله: [أتم من كلامه]: أي لأن كلام

стр. 740

وأما من غصب حيواناً فذبحه، فهل الذبح موجب للضمان؛ لأنه مفوت؟ وهو الذي درج عليه المصنف ورجح، وعليه فلربها تغريمه القيمة أو أخذها مذبوحة دون أرش ما نقصها الذبح، هذا هو المعتمد من المذهب، ونص ابن القاسم وفي المدونة: أن من غصب قمحاً فطحنه فهو مفوت وعليه مثل القمح، ومن أكل من شيء بعد فوته فلا غرم عليه، وهل يجوز بعد الفوات الأكل منه؟ الراجح في المذهب الجواز؛ ولذا أفتى بعض المحققين بجواز الشراء من لحم الأغنام المغصوبة إذا باعها الغاصب للجزارين فذبحوها لأنه بذبحها ترتبت القيمة في ذمة الغاصب، والله أعلم. (وحافر بئر) بالجر عطف على "جاحد وديعة" (تعدياً) بأن حفرها في طريق الناس أو في ملك غيره بلا إذن أو في ملكه بقصد الضرر، فتردى فيها شيء، فإنه يضمن وأما في ملكه بلا قصد ضرر أو في الموات كذلك فهدر. (ومكره) بكسر الراء اسم فاعل (غيره على التلف) فإنه يضمن، وكذا من أغرى ظالماً على تلف شيء أو أخذه من ربه فإنه يضمن. (وقدم المباشر) على المتسبب عند الإمكان، فيقدم المكره، بالفتح في الضمان على المكره بالكسر، ويقدم الظالم على من دله أو أغراه على التلف ونحوه ويقدم المردي في البئر على الحافر لها. (وفاتح حرز على حيوان) طيراً أو غيره (أو غيره) أي غير حيوان، كعسل وسمن من المائعات أو من الجامدات وتلف أو ضاع منه شيء (أو) فتح حرزاً كقيد أو باب على (رقيق) قيد أو غلق عليه (خوف إباقه) فإنه يضمن قيمته لربه. (إلا بمصاحبة ربه) له حين الفتح وعلمه فلا ضمان على الفاتح (إن أمكنه): أي أمكن ربه (حفظه لا) إن لم يمكنه (كطير) فتح عليه أو سائل كماء وعسل فيضمن، إذ لا يمكن عود ما ذكر عادة (ودال لص ونحوه) كظالم وغاصب ومكاس على مال فأخذه أو أتلفه، فإنه يضمن وقدم المباشر. فالأولى تقديم هذا على قوله: "وقدم المباشر". (مثل المثلي) ــ خليل مجمل، فإنه قال أو أكل بلا علم. قوله: [وأما من غصب حيواناً]: محترز قوله: "وأكل من طعام مغصوب علم" فإن موضوع ما تقدم طعام أكله الغاصب ومن معه بهيئته التي كان عليها عند ربه. قوله: [أو أخذها مذبوحة] إلخ: وخيرته تنفي ضرره. قوله: [وفي المدونة أن من غصب قمحاً] إلخ: هذا يعين ما قلناه أولاً من أن الطعام المتقدم أكل بالهيئة التي كان عليها عند صاحبه. قوله: [فلا غرم عليه]: أي لكون الحرام لا يتعلق بذمتين. قوله: [الراجح في المذهب الجواز]: أي كما رجحه ابن ناجي تبعاً لصاحب المعيار، ولو علم الآكل أن الغاصب لا يدفع القيمة؛ لأن دفع العوض واجب مستقل واعتمده في الحاشية، ولكن قال في الأصل: من اتقاه فقد استبرأ لدينه وعرضه أي لكونه من الشبهات وفي الحديث: «ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» الحديث. قوله: [فتردى فيها شيء فإنه يضمن]: أي ولو لم يكن المقصود بالحفر. قوله: [وكذا من أغرى ظالماً] إلخ: ظاهره الضمان وإن قصد بذلك دفع الضرر عن نفسه؛ لأنه لا يجوز له نفع نفسه بضرر غيره. قوله: [ويقدم المردي في البئر على الحافر لها]: أي إلا أن يحفرها لمعين فرداه فيها غيره فسيان الحافر والمردي في القصاص عليهما في الإنسان المكافئ وضمان غيره. قوله: [خوف إباقه]: مفهومه: أنه لو فتح قيد عبد قيد لنكاله فأبق لم يضمن، ولو تنازع ربه مع الفاتح فادعى ربه أنه إنما قيده لخوفه إباقه، وقال الفاتح: إنما قيدته لنكاله - ولم تقم قرينة على صدق واحد منهما - فالظاهر أن القول قول سيده؛ لأن هذا الأمر لا يعلم إلا من جهته، ومفهوم: "عبد" أنه لو فتح قيد حر قيد لئلا يأبق فذهب بحيث تعذر رجوعه فإنه يضمن ديته دية عمد. تنبيه: قال التتائي ما نصه: وفي الذخيرة عن الموازية، إذا قلت له: أغلق باب داري فإن فيها دوابي، قال: فعلت: ولم يفعل متعمداً للترك حيث ذهبت الدواب لم يضمن؛ لأنه لا يجب عليه امتثال أمرك، وكذلك قفص الطائر، ولو أنه هو الذي أدخل الدواب أو الطائر القفص وتركهما مفتوحين وقد قلت له: أغلقهما، لضمن إلا أن يكون ناسياً؛ لأن مباشرته لذلك تصيره أمانة تحت حفظه، ولو قلت له: صب النجاسة من هذا الإناء، قال: فعلت؛ ولم يفعل، فصببت مائعاً فتنجست لا يضمن، إلا أن يصب هو المائع لما تقدم، ولو قلت: احرس ثيابي حتى أقوم من النوم، أو: أرجع من الحاجة، فتركها فسرقت ضمن لتفريطه في الأمانة، ولو غلب عليه نوم قهره لم يضمن، وكذلك لو رأى أحداً يأخذ ثوبه غصباً فإنه لا يضمن إن كان يخافه وهو مصدق في ذلك؛ لأن الأصل براءة ذمته وكذلك يصدق في قهر النوم له. ولو قال لك: أين أصب زيتك؟ فقلت: انظر هذه الجرة إن كانت صحيحة فصب فيها ونسي النظر إليها وهي مكسورة ضمن؛ لأنك لم تأذن له إلا في الصب في الصحيحة، ولو قلت له: خذ هذا القيد فقيد هذه الدابة، فأخذ القيد ولم يفعل حتى هربت الدابة، لم يضمن؛ لأنك لم تدفع إليه الدابة، فلو دفعت إليه الدابة ضمن، وكذا لو دفعت إليه الدابة والعلف فترك علفها ضمنها ولو دفعت إليه العلف وحده فتركها بلا علف حتى ماتت جوعاً وعطشاً لم يضمن. ولو قلت: تصدق بهذا على

стр. 741

معمول لقوله: "ضمن" (ولو بغلاء) فإذا غصبه وهو يساوي عشرة وحين التضمين كان يساوي خمسة أو عكسه أخذ بمثله ولا ينظر للسعر الواقع (و) لو انقطع المثلي كفاكهة وغصبها في إبانها ثم انعدمت (صبر) وجوباً ويقضي عليه به (لوجوده) في القابل (و) صبر (لبلده) أي للبلد التي غصبه فيها [١] فيوفيه مثله فيها إذا لم يكن المغصوب مع الغاصب بل (ولو صاحبه الغاصب) بأن كان الشيء المغصوب مع الغاصب في غير بلد الغصب؛ لأن نقله لبلد آخر فوت يوجب رد المثل لا عينه (وله أخذ الثمن) أي ثمن المثلي من الغاصب في تلك [٢] البلد (إن عجل) دفع الثمن وإلا منع لما فيه من فسخ دين في دين، وليس له أخذ عين شيئه حيث وجده معه؛ لأنه قد فات بنقله، فليس له إلا مثله في بلد الغصب إذا لم يرض الغاصب بدفعه له: ورد بـ "لو" قول أشهب: بأن ربه يخير في أخذه وفي الصبر لبلد الغصب إذا وجده معه، وظاهر ما لابن القاسم: أن نقله لبلد مفوت ولو لم يكن فيه كلفة، بأن كان شيئاً خفيفاً كالعين. قال الخرشي: واعلم أن هنا أمرين، الأول: أن النقل في المثلي فوت وإن لم يكن فيه كلفة، وأما في المقوم فإنما يكون فوتاً إذا احتاج لكبير حمل كما يأتي، وعلى هذا فالمغصوب مخالف للمبيع بيعاً فاسداً؛ إذ المبيع بيعاً فاسداً إنما يفوت بنقل فيه كلفة سواء كان مثلياً أو مقوماً. الثاني: أن فوت المثلي يوجب غرم مثله، وفوت المقوم لا يوجب غرم قيمته بل يوجب التخيير انتهى. وإذا أوجب فوت المثلي غرم المثل، فليس لرب المغصوب أن يلزم الغاصب رد مال صاحبه في غير بلد الغصب إلى بلده كما صرح به المصنف بقوله: "ولا رده" فهو معلوم مما قبله التزاماً وليس بتكرار كما قيل. (و) له (المنع منه): أي منع الغاصب من المغصوب أي من التصرف فيه ببيع أو غيره إذا وجده معه ببلد آخر وإن كان ليس له أخذه لفواته (للتوثق): علة للمنع أي له منعه من التصرف فيه لأجل أن يتوثق منه (بكرهن): يأخذه منه. وأدخلت الكاف: الحميل، خشية أن يضيع حق ربه. ومثله المقوم حيث احتاج لكبير حمل ولم يأخذه بل اختار أخذ قيمته. وإذا منعه للتوثق فتصرفه فيه مردود. ويؤخذ منه أنه لا يجوز لمن وهب له قبوله ولا التصرف فيه بأكل أو غيره حتى يعطي لصاحبه المثل أو القيمة ومنه يؤخذ منع الأكل من مغصوب فات، ولزم الغاصب قيمته أو مثله حيث علم أنه لا يرد القيمة أو المثل لربه، قال بعضهم: بل ولو علم أنه يردها حتى يرد بالفعل وبه جزم بعضهم؛ ومقتضى ما لابن القاسم والمدونة الجواز ورجح وقد قدمناه وعليه فالورع تركه. ثم انتقل يتكلم على ما يفوت المغصوب فقال: (وفات) المثلي وكذا المقوم (بتغير ذاته) عند الغاصب بهزال أو عرج أو عور ونحوها، فأولى ذهاب عينه بموت أو أكل أو شرب أو ضياع ولو بسماوي كما تقدم. (ونقله) لبلد ولو لم ويكن فيه كلفة إن كان مثلياً ومع الكلفة إن كان مقوماً. ــ المساكين، فتصدق به وقال اشهدوا أني تصدقت به عن نفسي أو عن رجل آخر فلا شيء عليه عند أشهب. والصدقة عنك؛ لأنه كالآلة لا تعتبر نيته، ولو قلت: سد حوضي وصب فيه راوية، فصبها قبل السد، ضمن؛ لأنك لم تأذن له في الصب إلا بعد السد، والصب قبله غير مأذون فيه اهـ. (شب). قوله: [معمول لقوله ضمن]: أي ضمن بالاستيلاء المثلي إذا تعيب أو تلف بمثله، وقيدنا بقولنا: إذا تعيب أو تلف، احترازاً عما لو كان المثلي المغصوب موجوداً ببلد الغصب وأراد ربه أخذه وأراد الغاصب إعطاء مثله، فلربه أخذه؛ لأنه أحق بعين شيئه، وإن كانت المثليات لا تراد لأعيانها لكن اتفقوا على أن المثليات تتعين بالنسبة لمن كان ماله حراماً، فمتى تمكن من عين شيئه أخذه وجوباً. قوله: [لأن نقله لبلد آخر فوت]: أي وإن لم يكن فيه كلفة كما يأتي. قوله: [إذا لم يرض الغاصب]: أي فلا يكون إلا بتراضيهما. قوله: [إن نقله لبلد] أي أخرى. قوله: [واعلم أن هنا أمرين] إلخ: الفرق بين المقوم والمثلي: أن المثلي لما كان مثله يقوم مقامه اكتفى فيه بأدنى مفوت، بخلاف المقوم يراد لعينه فلا يفوت إلا بنقل فيه كلفة. قوله: [بل يوجب التخيير]: أي بين أن يأخذ قيمته أو يضمنه المغصوب كذا في الحاشية. قوله: [وله المنع منه]: أي أن الحاكم يجب عليه إذا رفعت له الحادثة أن يمنع الغاصب من التصرف في المثلي ببيع أو غيره حتى يتوثق منه برهن أو حميل. قوله: [بأكل أو غيره]: أي كبيع أو هبة. قوله: [الجواز ورجح]: أي كما لابن ناجي تبعاً لصاحب المعيار؛ لأن دفع القيمة واجب مستقل، واعتمد هذا أيضاً في الحاشية، خلافاً لفتوى الناصر والقرافي وصاحب المدخل من المنع إذا علم أن الغاصب لا يدفع قيمة. لكن محل قول ابن القاسم: ما لم يكن ذلك الغاصب مستغرقاً للذمم وجميع ما بيده أصلها أموال الناس، وإلا فلا يجوز الأكل من طعامه ولا قبول هداياه بإجماع ابن القاسم وغيره كما تقدم لنا ذلك في الحجر نقلاً عن أهل المذهب. قوله: [فالورع تركه]: أي؛ لأنه من الشبهات والورع ترك الشبهات خوف الوقوع في المحرمات. قوله: [ونحوها]: أي كالطحن في المثليات

стр. 742

(ودخول صنعة فيه): أي في المغصوب (كنقرة): أي قطعة من ذهب أو فضة ونحاس أو حديد (صيغت) حلياً أو آنية (وطين لبن) بضم اللام وتشديد الموحدة بالكسر أي جعل لبناً بكسر الموحدة وأولى البناء به (وقمح) مثلاً (طحن) ودقيق عجن وعجين خبز، فإنه فوات هنا. بخلافه في الربويات فلم يجعلوه ناقلاً، فمنعوا التفاضل بينهما كما تقدم احتياطاً للربا، وهنا احتاطوا للغاصب فلم يضيعوا كلفة فعله عليه وهو -وإن ظلم- لا يظلم: وقال أشهب: إنه لا ينقل هنا كالربويات والظالم أحق بالحمل عليه (وحب بذر) وهو المراد بقوله "زرع". ومتى حصل فوات فليس لربه أخذه إن كان مثلياً، بل يتعين أخذ مثله إلا برضا الغاصب، وإن كان مقوماً خير ربه بين أخذه أو أخذ القيمة يوم الغصب كما تقدم (وبيض أفرخ) بعد غصبه، فلربه مثل البيض لا الفراخ (إلا) إن غصب (ما) أي طيراً (بأرض) عند الغاصب ثم أفرخ (إن حضن) الطير المغصوب بيض نفسه فالطير وفراخه لربها وأولى إن غصب الطير وبيضه (وعصير تخمر) بعد غصبه فلربه مثل العصير لفواته بالتخمير: (وإن تخلل) العصير عند الغاصب (خير) ربه في أخذه خلاً أو مثل عصيره إن علم قدره، وإلا فقيمته؛ لأن المثلي الجزاف يضمن بالقيمة إذا فات: فالنقرة إذا فاتت بالصياغة والطين إذا لبن ونحوهما - إذا لم يعلم قدرهما - فإنه يرجع للقيمة، ولا يرجع للمثل إلا إذا علم القدر وزناً وكيلاً أو عدداً والطين مما يعلم قدره بالكيل بنحو قفة. (وقيمة المقوم) عطف على "مثل المثلي": أي وضمن قيمة المقوم من عرض أو حيوان (و) قيمة (ما ألحق به): أي بالمقوم من المثليات إذا فات عند الغاصب (كغزل وحلي وآنية) من معدن، فإنها إذا فاتت بنسج ونحوه أو بكسر أو صياغة أخرى. وأولى إن ضاعت ذاتها فإنه لا يأخذ مثلها بل يأخذ قيمتها يوم غصبها (وإن) كان المغصوب (جلد ميتة لم يدبغ) وأولى إن دبغ (أو) كان (كلباً مأذونا فيه)، ولا يلزم من عدم جواز بيع ما ذكر عدم أخذ القيمة بل تتعين فيها القيمة قياساً على الغرة في الجنين، إن كان لا يجوز بيع الجنين، وأما الكلب غير المأذون فيه فلا قيمة له ومثل الغاصب من أتلفها [١] أو عينها [٢] ولو خطأ فإنه يضمن والعمد والخطأ في أموال الناس سواء. (وخير ربه): أي رب الشيء المغصوب إذا كان أرضاً (إن بنى) الغاصب عليها ــ وسيذكر أمثلة ذلك بعد. قوله: [ودخول صنعة]: عطف خاص بالنسبة لقوله بتغير ذاته. قوله: [حلياً أو آنية]: أي أو ضربت دراهم. قوله: [وقال أشهب] إلخ: كلامه وإن كان وجيهاً غير معول عليه والمعول عليه الأول. قوله: [وحب بذر]: البذر إلقاء الحب على الأرض فمتى حصل وإن لم يغطه طين الأرض كان مفوتاً. قوله: [إلا برضا الغاصب]: أي إن أمكن ذلك، وأما مثل بذر الحب فلا يتأتى فيه ذلك. قوله: [وإن مقوماً]: حذف كان مع اسمها وأبقى خبرها وهو جائز لقول ابن مالك: ويحذفونها ويبقون الخبر ... وبعد إن ولو كثيراً ذا اشتهر قوله: [وبيض أفرخ بعد غصبه]: يعني أن من غصب بيضاً فحضنته دجاجة وأفرخ فعليه مثل البيض لربه والفراخ للغاصب لفوات البيض بخروج الفراخ منه. قوله: [فالطير وفراخه لربها]: أي فلا يعد إفراخ بيضه مفوتاً لتبعته للطير والطير لم يفت. قوله: [وأولى إن غصب الطير وبيضه]: أي وأفرخ ذلك البيض عنده بسبب حضن الطير له فالأم والفراخ لربه وكذا إذا غصب من شخص. دجاجة وبيضاً ليس منها وحضنته تحتها، فإن الأم والفراخ لربها وعليه أجرة المثل للغاصب، فإن كانا لشخصين فلرب البيض مثله وترجع الدجاجة لربها ويلزم الغاصب كراء مثلها في حضنها والفراخ للغاصب. فرع: لو مات حيوان حامل فأخرج رجل ما في بطنه من الحمل وعاش فالولد لرب الحيوان وعليه أجرة علاج المخرج كما في (عب). قوله: [وإن تخلل العصير] إلخ: أي ابتداء أو بعد تخمره. قوله: [خير ربه]: أي سواء كان مسلماً أو ذمياً. قوله: [بل يأخذ قيمتها يوم غصبها]: أي؛ لأن المثلي إذا دخلته صنعة لزمت فيه القيمة فقولهم المثلي ما حصره كيل أو وزن أو عد ولم تتفاوت أفراده يقيد بما إذا لم يكن أصله مثلياً ودخلته صنعة، فإن كان كذلك فهو مقوم. قوله: [وإن كان المغصوب جلد ميتة]: رد بالمبالغة على قول المبسوط إنه لا شيء عليه فيه وإن دبغ؛ لأنه لا يجوز بيعه كذا في (بن). قوله: [مأذوناً فيه]: أي في اتخاذه ككلب الصيد أو الماشية أو الحراثة وفوته على أربابه بقتل وما في معناه فيلزمه قيمته، ولو كان قتل الغاصب له بسبب عدائه عليه ولو لم يقدر على دفعه عنه إلا بالقتل لظلمه بغصبه، فهو المسلط له على نفسه، والظالم أحق بالحمل عليه. قوله: [قياساً على الغرة]: أي على القضاء بأخذ الغرة وهي عشر دية الأم أو عبد أو وليدة تساويه. قوله: [وإن كان لا يجوز بيع الجنين]: إظهار في محل الإضمار. قوله: [من أتلفها أو عيبها]: أي هذه المذكورات المتقدمة، لكن في الإتلاف يلزم القيمة بتمامها إن كان مقوماً، والمثل إن كان مثلياً وفي التعييب يلزم الأرش بأن ينظر

стр. 743

(أو غرس) فيه شجراً وسيأتي الزرع في الفصل بعده فالخيار لربه لا للغاصب (في أخذه): أي أخذ ما غصب منه من الأرض وما فيها من بناء أو غرس (ودفع): أي مع دفع (قيمة نقضه) بضم النون أي منقوضه أي قيمته منقوضاً إن كان له قيمة بعد النقض لا ما لا قيمة له كتراب وجص وزوقه بأحمر أو أخضر (بعد سقوط) أي إسقاط أجرة (كلفة لم يتولها) الغاصب بنفسه أو خدمة، أي إن كان شأنه لا يتولى ذلك مع تسوية الأرض كما كانت؛ فيقال: ما يساوي نقض هذا البناء أو الشجر لو نقض؟ فإذا قيل: عشرة، قيل: وما أجرة من يتولى الهدم وتسوية الأرض؟ فإذا قيل: أربعة، غرم للغاصب ستة، فإذا كان الغاصب شأنه أن يتولى ذلك بنفسه أو خدمه غرم له المالك جميع العشرة (وأمره بتسوية أرضه) مقابل قوله "أخذه": أي خير بين أخذه مع دفع إلخ وبين أمره بتسوية أرضه بعد أن يهدم ما بناه أو يقلع ما غرسه (أو جنى) عطف على "بنى" أي وخير ربه إن جنى على المغصوب (أجنبي): أي غير الغاصب بين أن يتبع الغاصب أو الجاني. (فإن اتبع) ربه (الغاصب بقيمته يوم الغصب، رجع) الغاصب (على الجاني بقيمته يوم الجناية قلت) عن قيمته يوم الغصب (أو كثرت عنها): والزائد يكون له. (وإن اتبع الجاني) بالقيمة يوم الجناية (فأخذ أقل) من قيمته يوم الغصب - كما لو كانت قيمته يوم الجناية عشرة ويوم الغصب خمسة عشر - فأخذ من الجاني العشرة؛ لأنها التي تلزمه (رجع بالزائد) وهو الخمسة في المثال (على الغاصب وله) أي لربه (هدم بناء) بناه الغاصب (عليه): أي على المغصوب، إذا كان عموداً أو خشبة أو حجراً فيأخذ عين شيئه بعد هدم ما عليه وله تركه وأخذ قيمته. فهذا في غير الأرض فجعله شاملاً للأرض - كما في بعض الشراح - غير صحيح؛ لأن غاصب الأرض إذا بنى أو غرس فيها قدمناه وذكره الشيخ فيما بعد هذا. (و) له (غلة) مغصوب (مستعمل): إذا استعمله الغاصب أو أكراه، سواء كان عبداً أو دابة أو أرضاً أو غير ذلك على المشهور. فإذا لم يستعمله فلا شيء عليه ولو فوت على ربه استعماله، إلا إذا نشأ من غير استعمال كلبن وصوف وثمر. قال في المدونة: وما أثمر عند الغاصب من نخل أو شجر أو تناسل - مثل الحيوان أو جز الصوف أو حلب اللبن - فإنه يرد ذلك كله مع ما غصب. وما أكله رد المثل فيما له مثل والقيمة فيما لا يقضى فيه بالمثل، فإن ماتت الأمهات وبقيت الأولاد وما جز وما حلب، خير ربها إن شاء أخذ قيمة الأمهات ولا شيء له فيما بقي من ولد وصوف ولبن ولا من ثمنه إن بيع، وإن شاء أخذ الولد إن كان، أو ثمن ما بيع من صوف ولبن ونحوه ــ ما بين قيمته سليماً ومعيباً ويلزمه ما بينهما. قوله: [أو غرس فيه]: المناسب فيها. قوله: [فالخيار لربه لا للغاصب]: أي خلافاً لابن القصار حيث قال الخيار للغاصب. قوله: [أي مع دفع قيمة نقضه]: أي فلو كان المغصوب أنقاضاً وبناها الغاصب في أرضه فللمغصوب منه هدمها وله إبقاؤها وأخذ قيمتها، وكذا إذا غصب ثوباً وجعله بطانة فلربه أخذه وإبقاؤه وتضمينه القيمة. قوله: [كتراب وجص وزوقه] إلخ: أي فيأخذها المغصوب منه بلا شيء، فإن أزالها الغاصب غرم قيمتها قائمة للمغصوب منه؛ لأنه يملكها. بخلاف هدم المستعير بناءه أو قلع غرسه بعد انقضاء المدة وقبل الحكم به للمعير فلا شيء عليه كما مر، والفرق أن المستعير مأذون له بخلاف الغاصب كذا في (عب). قوله: [إن جنى على المغصوب أجنبي]: أي سواء كان المغصوب مما يجوز بيعه أو لا كجلد ميتة لم يدبغ أو كلب مأذون فيه. قوله: [يوم الغصب]: أي؛ لأنه وقت ضمان الغاصب. قوله: [يوم الجناية]: أي؛ لأنه وقت ضمان الجاني. قوله: [والزائد يقول له]: أي للغاصب، وأما قولهم الشخص لا يربح في مال غيره محله إن لم يكن تعلق بذمته. قوله: [رجع بالزائد]: أي فقط؛ لأن العشرة التي أخذها من الجاني كانت من حق الغاصب فآل الأمر إلى أن الغاصب غارم للخمسة عشر التي هي القيمة يوم الغصب. قوله: [إذا بنى أو غرس]: الضمير يعود على الغاصب المفهوم من الغصب على حد ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨]. قوله: [قدمناه]: أي حكمه، فالمفعول محذوف أي فقد قدمه في قوله وخير ربه إذا بنى أو غرس إلخ. قوله: [وله غلة مغصوب]: الضمير يعود على المغصوب منه. قوله: [على المشهور]: قال في التوضيح: وهذا ما صرح به المازري وشهره صاحب المغني وابن الحاجب، وقال ابن عبد السلام: هو الصحيح عند ابن العربي وغيره من المتأخرين، وقال ابن عاشر: هو المشهور. قوله: [إلا إذا نشأ من غير استعمال]: مستثنى من قوله: "فإذا لم يستعمله فلا شيء عليه". قوله: [فإنه يرد ذلك كله مع ما غصب]: كل من "يرد" و"غصب" مبني للمفعول أو للفاعل وكذلك قوله: أو جز أو حلب. قوله: [فيما يقضى فيه بالمثل]: أي وهي المثليات المجهولة وسائر المقومات. قوله: [وما جز وما حلب]: بالبناء للفاعل أو للمفعول. قوله: [من ولد وصوف ولبن]: راجع للأولاد. والجز والحلب على سبيل اللف والنشر المرتب. قوله: [وإن شاء أخذ الولد]: أي وما معه من صوف ولبن. وقوله: [من صوف ولبن

стр. 744

وما أكل الغاصب أو انتفع به من ذلك فعليه المثل فيما له مثل والقيمة فيما يقوم، ولا شيء عليه في الأمهات ألا ترى أن من غصب أمة فباعها فولدت عند المبتاع ثم ماتت، فليس لربها أن يأخذ أولادها وقيمة الأم من الغاصب، وإنما له أخذ الثمن من الغاصب أو القيمة يوم الغصب أو يأخذ الولد من المبتاع ولا شيء عليه ولا على الغاصب في قيمة الأم، ثم يرجع المبتاع على الغاصب بالثمن اهـ. نقله المحشي فهذا هو المعتمد والمعول عليه لا ما نقله البعض هنا عن الكافي. (و) له (صيد عبد) صاده بعد غصبه (و) صيد (جارح) من كلب أو طير، وللغاصب أجرة عمله وله ترك الصيد وأخذ أجرتهما من الغاصب. (بخلاف آلة؛ كشبكة) أو شرك غصبهما واصطاد بهما، فليس له أخذ الصيد وإذا لم يكن الصيد، (فالكراء): أي أجرة الآلة يأخذها من الغاصب. (كأرض بنيت): أي كما لو غصب أرضاً وبناها أي بنى فيها بناء وسكنها أو أكراها، فلربها كراؤها على الغاصب براحاً لا مبنية، فإن لم يسكن ولم يكرها فلا شيء لربها إذ مجرد البناء لا يوجب كراء. (وما أنفق) الغاصب على المغصوب؛ كعلف الدابة ومؤنة العبد وكسوته وسقي الأرض وعلاجها وخدمة شجر ونحو ذلك مما لا بد للمغصوب منه (ففي الغلة): أي يكون في نظير الغلة التي استغلها الغاصب من يد المغصوب؛ لأنه وإن ظلم لا يظلم، فإن تساويا فواضح، وإن زادت النفقة على الغلة فلا رجوع للغاصب بالزائد. كما أنه إذا كان لا غلة للمغصوب فلا رجوع له بالنفقة لظلمه وإن زادت الغلة على النفقة فلربه الرجوع بزائدها. (وله) أي لرب المغصوب (تضمينه): أي تضمين الغاصب قيمته (إن وجده): أي وجد الغاصب (في غير محله): أي غير محل الغصب، بأن وجده في بلد أخرى [١] (بغيره): أي بغير المغصوب ولا يلزمه الصبر إلى أن يذهب لمحل الغصب، بخلاف المثلي فإنه يلزمه الصبر لمحله كما تقدم وله أن يكلفه الرجوع معه لمحله ليأخذه بعينه، هذا إذا لم يجد المغصوب مع الغاصب (أو) وجده (معه واحتاج) المغصوب في رجوعه لمحله (لكلفة) وله أخذه بلا أجرة حمل له وخيرته تنفي ضرره (وإلا) بأن وجده معه ولا كلفة على ربه في حمله ورجوعه لمحله (أخذه) بعينه وليس له أن يلزمه القيمة ــ أي وولد؛ ففي الكلام احتباك. قوله: [وما أكل الغاصب أو انتفع به] إلخ: ليس هذا تكراراً مع ما تقدم؛ لأن ما تقدم مبين فيه حكم ما نشأ من غير تحريك مع عدم فوات الأمهات وما هنا بيان لحكمه مع فوات الأمهات. قوله: [وإنما له أخذ الثمن أو القيمة]: أي يخير بينهما وقوله يوم الغصب ظرف للقيمة. قوله: [ولا شيء عليه]: أي على المبتاع. قوله: [ثم يرجع المبتاع]: أي حيث اختار المغصوب منه أخذ الولد. قوله: [نقله المحشي]: مراده به (ر) كما هو نص (بن). قوله: [لا ما نقله البعض]: مراده به (عب). قوله: [وللغاصب أجرة عمله]: ظاهر بالنسبة للكلب والطير وأما بالنسبة للعبد فلا يظهر أن له أجرة. قوله: [بخلاف آلة كشبكة]: الفرق بين غصب آلة الصيد وغصب العبد والجارح: أنه لما كان العبد والجارح يباشر الصيد بنفسه كان المصيد لربه، وأما الآلة من شبكة وشرك فلما كان المباشر للصيد بها الغاصب جعل المصيد له. قوله: [وإذا لم يكن الصيد]: أي له فقد حذف خبر يكن. قوله: [براحاً لا مبنية]: أي وأما كراء البناء فهو للغاصب. وهذا بالنسبة لما مضى قبل القدرة عليه، وأما بالنسبة لوقت القيام على الغاصب فتقدم الكلام عليه في قوله: "وخير ربه إن بنى أو غرس" إلخ. قوله: [لا يوجب كراء]: أي فلا يعد استعمالاً موجباً للأجرة خلافاً للناصر اللقاني. تنبيه: يقضى للمغصوب منه بكراء الأرض براحاً إذا بنيت واستعملت سواء كان البناء إنشاء أو ترميماً فيشمل الدار الخربة يصلحها الغاصب فيقوم الأصل قبل البناء أو الإصلاح بما يؤاجر به لمن يصلحه فيلزم الغاصب والزائد له، كمركب نخر يحتاج لإصلاح غصبه شخص فرمه وأصلحه واستعمله، فينظر فيما كان يؤاجر به لمن يصلحه فيغرمه الغاصب والزائد له بأن يقال كم تساوي أجرته نخراً لمن يعمره ويستغله؟ فما قيل لزم الغاصب، فإذا أخذ المالك المركب قضى له بأخذ ما لا عين له قائمة لو انفصل كالقلفطة، وأما ما له عين قائمة فإن كان مسمراً بها أو هو نفس المسامير خير ربها بين أن يعطيه قيمته منقوصاً وبين أن يأمره بقطعه، وإن كان غير مسمر - كالصواري والمجاديف والحبال - خير الغاصب بين أخذها وتركها وأخذ قيمتها، إلا أن يكون بموضع لا غنى عنها ولا يمكن سيرها لمحل أمنه إلا بها فيخير رب المركب بين دفعه قيمته بموضعه كيف كان أو يسلمه للغاصب. اهـ من الأصل. قوله: [لأنه وإن ظلم لا يظلم]: أي كما هو مذهب ابن القاسم في المدونة. وحاصله: أنه يرجع بالأقل مما أنفق والغلة، فإن كانت النفقة أقل من الغلة غرم زائد الغلة للمالك، وإن كانت النفقة أكثر فلا رجوع له بزائد النفقة، وإن تساويا فلا يلزم أحدهما للآخر شيء. قال (بن): محل كون الغاصب له ما أنفق إذا كان ما أنفقه ليس للمغصوب منه بد؛ كطعام العبد وكسوته وعلف الدابة والرعي وسقي الأرض إن كان المالك يستأجر له لو كان في يده، وأما إن كان يتولاه بنفسه أو بمن عنده من العبيد فلا شيء عليه.

стр. 745

بخلاف المثلي فإنه يلزمه الصبر لمحله ولو وجده معه كما تقدم. وجاز أن يأخذ ثمنه بشرط تعجيله كما مر. ثم شبه في أخذه وعدم تغريمه قوله: (كأن هزلت جارية) بفتح الهاء أو ضمها وكسر الزاي: أي حصل لها هزال سمنها، فلا يفيتها فيأخذها ربها. وليس له تضمين الغاصب القيمة، بخلاف غير الجارية لأن الجوار لا تراد للسمن بخلاف غيرها. (أو خصاه) الغاصب: أي خصى العبد المغصوب (فلم ينقص) عن قيمته فإنه يأخذه وليس له إلزام الغاصب القيمة، بخلاف ما لو نقص؛ فأما أن يأخذه مع أرش نقصه أو يأخذ قيمته. (أو نقص سوقها) فليس بفوات ويتعين عليه أخذه. (أو سافر بها): أي بالذات المغصوبة (ورجعت) من السفر (بحالها) من غير نقص في ذاتها، فليس له تضمين القيمة بل يتعين عليه أخذها؛ لأن مجرد السفر ليس بفوات. (أو أعاد) الغاصب (مصوغاً) بعد كسره (لحالته) الأولى فلا ضمان، وتعين أخذه (أو كسره) ولم يعده فلا يفوت. (و) إذا أخذه (ضمن) الغاصب (النقص): أي أرش نقصه، هذا قول ابن القاسم الأول، ثم رجع عنه وقال: إنه مفوت فله تغريمه القيمة ومشى عليه الشيخ ورجح الأول. (و) إن أعاده (لغير حالته) الأولى: (فالقيمة) لفواته حينئذ. (كتغير ذاته) عند الغاصب فإنه مفيت، بخلاف تغير السوق كما مر (ولو قل) التغير (وإن بسماوي) ككسر نهد الجارية أو هزال دابة فأعلى (و) حينئذ (له أخذه وأرش نقصه) وتركه وأخذ القيمة يوم الغصب. (لا) يضمن الغاصب (إن) غصب طعاماً أو شراباً و (أكله ربه) أو شربه (مطلقاً) ضيافة أو لا بإذن الغاصب أو لا. (وملكه) الغاصب أي ملك المغصوب (إن اشتراه) من ربه (أو ورثه) عنه (أو غرم) له (قيمته لتلف) أو ضياع ثم وجده (أو نقص) في ذاته. والمراد: إن حكم عليه بالغرم ولو لم يغرم بالفعل. (والقول له) أي للغاصب؛ لأنه غارم (في) دعوى (تلفه ــ كما قاله أصبغ ونقله ابن عرفة عن اللخمي. قوله: [بخلاف المثلي]: أي الذي يلزم فيه المثل وأما المثل المجهول القدر فهو كالمقوم تقبل منه القيمة في أي محل وجده. والفرق بين المثلي المعلوم القدر وغيره: أن الذي يغرمه في المثلي هو المثل وربما زاد في غير بلد الغصب أو في غيرها؛ لأنه لا زيادة فيه. قوله: [واحتاج المغصوب في رجوعه لمحله لكلفة]: أي بأن كان عرضاً أو رقيقاً أو حيواناً عليه مكس مثلاً فقد جرى على قول ابن القاسم من أن النقل فوت إن احتاج لكبير حمل، خلاف لسحنون حيث قال: إنه غير مفوت مطلقاً وليس لربه إلا أخذه. قوله: [كما تقدم]: أي من أن نقل المثلي فوت مطلقاً. قوله: [كما مر]: أي لما في التأخير من فسخ الدين في الدين. قوله: [وكسر الزاي]: راجع للفتح والضم. قوله: [لأن الجوار]: هكذا نسخة المؤلف بغير ياء بعد الراء، ولعل الياء ساقطة والأصل أو الجواري لقوله تعالى: ﴿وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام﴾ [الرحمن: ٢٤] فلا فرق بين جارية الخدمة وجارية الماء. قوله: [فلم ينقص]: أي بل بقي على ما هو عليه أو زاد ثمنه خلافاً لابن رشد حيث جعل الزيادة مثل النقص فيخير ربه كما قال الشارح. قوله: [أو أعاد الغاصب مصوغاً] إلخ: حاصله أن المصوغ إذا كسره الغاصب وأعاده لحالته فلا يفوت على ربه اتفاقاً، فإن قصره وأعاده على غير حالته الأولى فات اتفاقاً. وأما إن قصره ولم يعده أصلاً فهل يفوت على ربه أو لا يفوت؟ قولان لابن القاسم، فالفوات: هو ما رجع إليه، وعدم الفوات هو ما رجع عنه، ولكنه هو المعتمد. قوله: [وأكله ربه]: أي قبل أن يفوت عند الغاصب بطبخ مثلاً، وإلا فمجرد الفوات موجب للضمان على الغاصب، ولو أكله ربه ضيافة؛ فإن أكله ربه بعد الفوات بغير إذن الغاصب ضمن كل منهما للآخر القيمة، فالغاصب يضمن قيمته وقت الاستيلاء عليه، وربه يضمن قيمته للغاصب وقت الأكل. قوله: [بإذن الغاصب أو لا]: فمتى أكله قبل الفوات لا ضمان على الغاصب، ولو أكرهه الغاصب على أكله فلا مفهوم لقول خليل ضيافة؛ لأنه باشر إتلافه والمباشر مقدم على المتسبب في الضمان إذا ضعف السبب، وما ذكره المصنف من عدم ضمان الغاصب إذا أكله ربه مقيد بما إذا كان الطعام مناسباً لحال مالكه، كما لو هيأه للأكل لا للبيع وإلا ضمنه الغاصب لربه ويسقط عن الغاصب من قيمته قيمة ما شأنه أكله، كما إذا كان الطعام يساوي عشرة دراهم ويكفي مالكه من الطعام اللائق به ما يساوي نصف درهم، فإن الغاصب يغرم له تسعة دراهم ونصفاً، قال في الحاشية: وينبغي أن يكون هذا القيد إذا أكله مكرهاً أو غير عالم، أما إن أكله طائعاً عالماً بأنه ملكه فلا ضمان على الغاصب. قوله: [وملكه الغاصب] إلخ. أي ولو غاب المغصوب ببلد آخر إذ لا يشترط حضوره البلد. وهذا صريح في ضعف القول بأنه يشترط في صحة بيع المغصوب لغاصبه رده لربه وهو أحد شقي التردد في قول خليل أول باب البيوع. وهل إن رده لربه مدة؟ تردد. وقال أشهب: لا يجوز بيع المغصوب لغاصبه إذا كان غائباً؛ لأن ذات المغصوب فاتت بالغيبة عليها وصار

стр. 746

ونعته وقدره وجنسه بيمينه) إذا خالفه ربه (إن أشبه) في دعواه، أشبه ربه أم لا. (وإلا) يشبه (فلربه) القول (به) أي بيمينه. (فإن ظهر كذبه): أي كذب الغاصب في دعواه ما ذكر (فلربه الرجوع) عليه بما أخفاه. (والمشتري منه): أي من الغاصب (ووارثه وموهوبه): أي الغاصب (إن علموا) بالغصب (كهو): أي كالغاصب، يجري فيهم ما جرى في الغاصب من ضمان المثلي بمثله والمقوم بقيمته، ويضمنوا الغلة والسماوي، لأنهم غصاب بعلمهم الغصب ويتبع رأيه [١] أيهما شاء. (وإلا) يعلموا (فالغلة للمشتري): لأنه صاحب شبهة لعدم العلم. والغلة لذي الشبه للحكم به لربه كما يأتي؛ ولا يرجع ربه بها على الغاصب لأنه لم يستعمل. (ولا يضمن السماوي): أي لا يكون غريماً ثانياً للمالك بحيث يتبع أيهما شاء، بل الضمان فيه على الغاصب، أي ضمان قيمته يوم الغصب. وإن كان المشتري يضمن لبائعه الغاصب الثمن الذي اشتراه به. (بخلاف غيره): أي غير السماوي بأن جنى عليه عمداً أو خطأ فإنه يضمن اتفاقاً في العمد، وعلى أحد التأويلين في الخطأ. والثاني: أنه لا ضمان عليه فيه كالسماوي (لكن) عند عدم العلم إذا غرم في غير السماوي (يبدأ بالغاصب) عند وجوده موسراً أو تركته إن مات. (فإن تعذر) الرجوع على الغاصب (فالموهوب) له غير العالم بالغصب، يرجع عليه بمثل المثلي وقيمة المقوم وتعتبر القيمة يوم الجناية وأما الغاصب فيوم الغصب كما تقدم. (ولا رجوع لغارم) من غاصب ــ الواجب على الغاصب إنما هو القيمة لا ذات المغصوب. قوله: [ونعته]: أي فإذا غصب جارية وادعى هلاكها واختلف في صفاتها من كونها بيضاء أو سوداء فالقول قول الغاصب بيمينه إن أتى بما يشبه، وإلا فالقول لسيدها إن انفرد بالشبه، فإن تجاهلا الصفة فإن المغصوب يقدر من أدنى الجنس، ويغرم الغاصب قيمته على ذلك يوم الغصب، وإذا تجاهلا القدر أمرهما الحاكم بالصلح، فإن لم يصطلحا تركا حتى يصطلحا. قوله: [وقدره]: أي من كيل أو وزن أو عدد، قال التتائي ربما يدخل في تخالفهما في القدر مسألتان. الأولى: غاصب صرة ثم يلقيها في البحر مثلاً ولا يدري ما فيها؛ فالقول قول الغاصب بيمينه عند مالك، ابن ناجي وعليه الفتوى لإمكان معرفة ما فيه بعلم سابق أو بجسها، وقال مطرف وابن كنانة وأشهب: القول لربها إن ادعى ما يشبه وكان مثله يملكه؛ لأنه يدعي تحقيقاً والآخر يدعي تخميناً، وهذا ما لم يغب الغاصب عليها قبل ذلك وإلا فالقول قوله بيمينه من غير خلاف. والمسألة الثانية: قول عبد الملك في قوم أغاروا على منزل رجل والناس ينظرون، فنهبوا ما فيه وشهدت الناس بالإغارة والنهب لا بأعيان المغصوب فلا يعطى المنتهب منه بيمينه وإن ادعى ما يشبه إلا ببينة، وقال ابن القاسم: القول قول المغار عليه مع يمينه إن أشبه وكان مثله يملك ذلك. قوله: [فلربه القول]: الأوضح تقديم المبتدأ على الخبر. وكلامه صادق بصورتين: أن يشبه المغصوب منه، أو لا يشبه واحداً منهما. قوله: [فلربه الرجوع عليه]: أي فإن كذب في الصفة أو القدر رجع عليه بزائد ما أخفاه والبيع صحيح وإن كذب في دعوى التلف أو الضياع نقض البيع من أصله ورجع في عين شيئه. قوله: [إن علموا بالغصب]: قال (عب): المعتبر علم المشتري من الغاصب وعلم الناس في موهوب الغاصب كما لأبي عمران، وذكره التتائي، فيتبع وإن كان خلاف ظاهر قول المصنف؛ فإن ظاهره علم الموهوب له لا علم الناس، والفرق بين المشتري والموهوب له أن المشتري له شبهة بالمعاوضة فقوي جانبه. قوله: [ويضمنوا الغلة]: منصوب بحذف النون عطف على "ضمان" من قوله: "من ضمان المثلي"، من باب عطف الفعل على اسم خالص فينصب الفعل بأن مضمرة جوازاً على حد قول الشاعر: ولبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف قوله: [لذي الشبه]: هكذا نسخة المؤلف بالجمع، والمناسب الشبهة بالإفراد. قوله: [لأنه لم يستعمل]: أي والغاصب لا يضمن الغلة إلا إذا حصلت له بتحريك أو بغير تحريك. قوله: [ولا يضمن السماوي]: أي إذا كان مما يغاب عليه وثبت التلف ببينة أو كان مما لا يغاب عليه ولم يظهر كذبه، وأما إذا لم يثبت التلف ببينة في الأول، أو ظهر كذبه في الثاني فإنه يغرم القيمة لآخر رؤية. قوله: [وإن كان المشتري يضمن لبائعه الغاصب الثمن]: إنما كان يضمن الثمن للبائع؛ لأن المشترى فاسداً يضمن بالقبض. قوله: [أي غير السماوي]: ويحتمل عود الضمير على المشتري كما سيأتي. قوله: [فإنه يضمن]: أي المشتري لغير العالم. قوله: [وعلى أحد التأويلين في الخطأ]: إنما قيل بضمانه في الخطأ؛ لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء. قوله: [لكن عند عدم العلم]: أي علم الموهوب له بدليل تفريعه عليه وسيأتي إيضاحه في الشرح. وقوله: [في غير السماوي]: أي العمد والخطأ على التأويلين. قوله: [أو تركته]: معطوف على "وجوده"، والمعنى: يبدأ بالأخذ من الغاصب إن كان حياً موسراً أو تركته إن كان ميتاً موسراً.

стр. 747

أو موهوب (على غيره) ممن لم يغرم منهما. فإذا غرم الغاصب فلا رجوع له على الموهوب، وإذا غرم الموهوب عند تعذر الغاصب فلا رجوع له على الغاصب. وأما المشتري فللمالك أن يرجع عليه ولو غير عالم بالغصب عند وجود الغاصب موسراً مقدوراً عليه، فإن اتبعه رجع على الغاصب بالثمن الذي كان دفعه له، ثم إذا غرم المشتري للمالك الثمن أو القيمة يوم جنايته - وكان ذلك أقل من قيمته يوم غصبه - رجع بالزائد على الغاصب إن تيسر وإلا ضاع عليه. وأما وارث الغاصب فلا يتأتى فيه تبدئة بالغاصب، إذ لا غاصب مع الوارث. فعلم أن قوله: "لكن يبدأ بالغاصب" خاص بمسألة الموهوب دون المشتري والوارث، كأنه قال: بخلاف غير السماوي فإنه يضمنه كل من المشتري من الغاصب أو من وارثه أو موهوبه، إلا أن الغاصب يقدم على الموهوب في الضمان بخلاف المشتري منه فإنه يخير في الرجوع عليه أو على الغاصب. ولا يتأتى في وارثه تبدئة بغاصب لموته ولا في تركته؛ لأن الفرض أن الوارث استولى عليها ومنها المغصوب. ويحتمل أن ضمير "غيره" في قوله: "خلاف غيره" يعود على المشتري: أي فالغلة للمشتري؛ بخلاف غير المشتري من وارث وموهوب فإنه لا غلة له عند عدم العلم بالغصب. أما الوارث فقال في المدونة: لو مات الغاصب وترك هذه الأشياء ميراثاً فاستغلها ولده كانت هذه الأشياء وغلتها للمستحق. وقال في التوضيح: لا غلة للوارث عند عدم العلم اتفاقاً اهـ. وسواء انتفع لنفسه أو أكرى لغيره. وأما موهوب الغاصب فلا غلة له إذا تعذر الرجوع بها على الغاصب فإنه يرجع عليه بها وإذا رجع عليه بها فلا رجوع له بها على الغاصب. وأما لو تيسر الرجوع بها على الغاصب أخذت منه ولا رجوع له بها على الموهوب. وهذا معنى قوله: "لكن يبدأ بالغاصب" إلخ؛ فقولنا: "بخلاف غيره" إلخ من الكلام الموجه. وحاصل المسألة: أن المشتري من الغاصب ووارثه وموهوبه؛ إن علموا بالغصب فغصاب يجري فيهم جميع ما جرى فيه حتى قوله: "والقول له في تلفه" إلخ. ويضمنوا السماوي وغيره. وإن لم يعلموا فلا يضمنوا السماوي وضمنوا غيره يوم الجناية، هذا بالنسبة للمغصوب. وإذا قلنا بضمانهم ففي المشتري يخير المستحق بين الرجوع على الغاصب أو عليه، كما لو علم بالغصب. فإن رجع على المشتري رجع المشتري على الغاصب على ما تقدم. وفي الموهوب يقدم الرجوع على الغاصب، ولا يرجع على الموهوب إلا إذا تعذر الرجوع على الغاصب. وفي الوارث لا يعقل تقديم الغاصب. وأما بالنسبة للغلة فالمشتري غير العالم يختص بها فلا رجوع للمالك بها عليه ولا على الغاصب كما تقدم. وأما الوارث فليس له غلة. وأما الموهوب فلا غلة له إن تعذر الرجوع بها على الغاصب، وإلا أخذت من الغاصب ومن غرمها منهما فلا رجوع له على الآخر. ــ قوله: [أو موهوب]: أي إذا غرم في حال تعذر الرجوع على الغاصب. قوله: [وأما المشتري] إلخ: هذا مفهوم قوله: "لكن يبدأ بالغاصب" إلخ، فإن موضوعه في الموهوب له والمعنى: أن المشتري من الغاصب إذا جنى على الشيء المغصوب عمداً أو خطأ فللمالك أن يرجع؛ عليه إلى آخر ما قال الشارح. قوله: [رجع]: أي المالك. قوله: [فعلم أن قوله لكن يبدأ] إلخ: هذا الحاصل لما تقدم. قوله: [ويحتمل أن ضمير غيره] إلخ: هذا هو الأحسن، فكان الأولى الاقتصار عليه في الحل مع الحاصل الآتي ويترك جميع ما تقدم فإن ما تقدم فيه تعقيد وتكرار لا يخفى. قوله: [فلا غلة له] إلخ: الأوضح في العبارة أن يقول: وأما موهوب الغاصب فلا يفوز بالغلة إذا تعذر الرجوع بها على الغاصب، إلى آخر ما قال. قوله: [ولا رجوع له بها على الموهوب]: أي ففي هذه الحالة يفوز الموهوب له بالغلة. قوله: [من الكلام الموجه]: أي المحتمل لمعنيين على حد سواء على حد قول الشاعر: خاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء والحال أن عمراً كان أعور لكن قد علمت أن الأولى في الاحتمالين الثاني. قوله: [ووارثه وموهوبه]: بالنصب عطف على المشتري. قوله: [ويضمنوا السماوي]: معطوف على مدخول حتى فهو منصوب بأن مضمرة لعطفه على الاسم الخالص. قوله: [فلا يضمنوا السماوي]: الجملة في محل جزم جواب الشرط وحذفت النون تخفيفاً. قوله: [فإن رجع على المشتري]: أي بالقيمة أو الثمن. قوله: [على ما تقدم]: أي في قوله فإن اتبعه رجع على الغاصب بالثمن الذي كان دفعه له. قوله: [وأما بالنسبة للغلة]: مقابل قوله هنا بالنسبة للمغصوب. قوله: [فلا رجوع للمالك بها عليه]: أي؛ لأنه ذو شبهة. وقوله: [ولا على الغاصب]: أي لكونه لم يباشر الأخذ. قوله: [فليس له غلة]: أي لقيامه مقام الغاصب من كل وجه. قوله: [فلا رجوع له على الآخر]: أي كما تقدم، والفرق بين غلة المشتري من الغاصب غير العالم وغلة الموهوب الغير العالم: أن الموهوب خرج من يد الغاصب بغير عوض، فكأنه لم يخرج من يده فضعفت

стр. 748

واعلم أن محل الرجوع بالغلة على غاصب أو موهوب أو وارث حيث كانت السلعة قائمة، فإن ربها إذا أخذها فله أخذ غلتها معها. وأما إن فاتت وأراد بها تضمين من ذكر قيمتها فلا غلة لربها بل للغاصب أو وارثه أو موهوبه. (ولا يجمع) المالك (بين) أخذ (قيمة وغلة): بل إما أن يأخذ القيمة ولا غلة له - وليس له أخذ القيمة إلا إذا فاتت - وإما أن يأخذها مع غلتها إن استغلت لغير مشتر بلا علم، ولا يعول على قول من قال: يجمع بينهما. هذا حكم الغاصب وهو من استولى على ذات شيء تعدياً بنية تملكها بلا مقابلة ومثله السارق والمحارب في الضمان المذكور. وأما المتعدي فله أحكام تخصه (والمتعدي غاصب المنفعة) لا الذات (أو الجاني على بعض): أي جزء الذات؛ كأن يجني على يدها أو رجلها أو عينها (أو) على (كل بلا نية تملك) لذاتها؛ كأن يحرقها أو يقتلها أو يكسرها أو يحبسها، ومنه تعدي المكتري أو المستعير المسافة بلا إذن، وذهابه في طريق غير المأذون فيها. قال ابن عرفة: التعدي هو التصرف في شيء بغير إذن ربه دون قصد تملكه. (ولا يضمن) المتعدي (السماوي) بخلاف الغاصب (بل) يضمن (غلة المنفعة) التي أفاتها على ربه (ولو لم يستعمل): فأولى إن استعمل؛ بأن ركب أو سكن أو نحو ذلك، بخلاف الغاصب فإنه إنما يضمن غلة ما استعمل بالفعل. (إلا الحر) إذا تعدى عليه، فلا يضمن غلته إلا إذا استعمله، لا إن حبسه حتى فاته عمل من تجارة أو خدمة أو صنعة فلا شيء فيه. (و) إلا (البضع) إذا تعدى عليه (فيه): أي فبالاستعمال بالفعل يضمن في وطء الحرة مهر مثلها وفي الأمة ما نقصها الوطء لا إن لم يطأ وحبسها عن عمل أو تزويج بها أو حملها من زوجها أو سيدها فلا شيء عليه (كالغصب): لا يضمن فيه غلة إلا إذا استعمل. (وإن تعدى المسافة) المأذونة (مستعير أو مستأجر) لدابة (بيسير، فالكراء) عليه لذلك الزائد ولا خيار لربها (إن سلمت وإلا) تسلم بأن عطبت أو تعدى بكثير مطلقاً (خير فيه): أي في أخذ كراء الزائد. (وفي) أخذ (قيمته) أي الشيء المستعار أو المستأجر (وقته): أي وقت تعدي المسافة؛ فالكراء في صورة واحدة، والتخيير في ثلاثة إذا تعدى في المسافة. وشبه في الخيار صورة واحدة، إذا تعدى بزيادة الحمل بقوله: (كزيادة حمل تعطب به) أي الشأن العطب به (وعطبت) بالفعل؛ فيخير بين أخذ كراء الزائد وقيمتها وقته. (وإلا) بأن سلمت أو زاد عليها ما لا تعطب به عطبت أم لا (فالكراء): أي كراء الزائد ــ شبهة الموهوب له. قوله: [واعلم] إلخ: دخول على قوله ولا يجمع بين قيمة وغلة. قوله: [ولا يجمع المالك بين أخذ قيمة وغلة]: أي على قول ابن القاسم في المدونة. قوله: [وليس له أخذ القيمة إلا إذا فاتت]: فإن كان فواتها بيد الغاصب تعينت القيمة عليه لا غير، ولا يلزم موهوبه ولا المشتري منه شيء ولو كانا عالمين، وإن فاتت بيد غيره جرت على ما تقدم فتأمل. قوله: [هذا حكم الغاصب]: اسم الإشارة عائد على ما تقدم من أول الباب إلى هنا. قوله: [وأما المتعدي]: عقبه بالغصب لما بينهما من المناسبة من جهة أن في كل تصرفاً في الشيء بغير إذن ربه والمناسب أن يقول شرع فيها فقال: قوله: [أو على كل بلا نية تملك]: أي فحقيقة التعدي ألا يكون معه تملك سواء جنى على الكل أو البعض. قوله: [أو المستعير المسافة]: أي المشترطة، وإنما كان تعدي المسافة تعدياً على الدابة؛ لأن المقصود بالتعدي الركوب والاستعمال الذي هو المنفعة والذات تابعة لا مقصودة بالتعدي. قوله: [بخلاف الغاصب] إلخ: اعلم أن التعدي والغصب يفترقان في أمور: منها: أن الفساد اليسير من الغاصب يوجب لربه أخذ قيمة المغصوب إن شاء والفساد اليسير من المتعدي ليس لربه إلا أخذ أرش النقص الحاصل به، ومنها: أن المتعدي لا يضمن السماوي والغاصب يضمنه، ومنها: أن المتعدي يضمن غلة ما استعمل وما عطل بخلاف الغاصب فإنما يضمن غلة ما استعمل كما مر، واستظهر في الحاشية أن وثيقة الأرياف أقرب للتعدي من الغصب؛ لأنهم لا يقصدون التملك المطلق، لكن المأخوذ من المجموع أنه ليس من التعدي على المنفعة التي لا تضمن فيه الذات بالسماوي، بل تضمن ولا غلة إلا بالاستيفاء، ومحل قولهم: التعدي يوجب ضمان الغلة، وإن لم يستوف إذا كان التعدي على خصوص المنفعة، نعم التعييب اليسير فيه الأرش لا القيمة كما في الغصب فلينظر. اهـ. قوله: [فلا شيء فيه]: أي على المعتمد. تنبيه: من باع حراً وتعذر رجوعه لزمته ديته لأهله دية عمد، وسواء تحقق موته أم لا قال (ح): ويضرب ألف سوط ويحبس سنة فإن رجع الحر رجعت لبائعه الدية. قوله: [فالكراء في صورة واحدة]: هي ما إذا كانت الزيادة يسيرة وسلمت، ولا فرق بين التعدي في العارية والاستئجار، لكن في العارية كراء الزائد فقط، وفي الإجارة كراء الزائد مع الأصل. قوله: [والتخيير في ثلاثة]: هي ما إذا عطبت في اليسير أو زاد كثيراً عطبت أم لا، وقد ترك صورتين تقدم التنبيه عليهما، وهما: إذا تعيبت في التعدي اليسير أو الكثير، وتقدم أن له الأكثر من كراء الزائد وأرش العيب. قوله: [كزيادة حمل تعطب]: هذا التفصيل الذي ذكره الشارح طريقة لابن يونس، وأما طريقة ابن

стр. 749

في الثلاثة. ثم بين أن المتعدي يضمن قيمة السلعة في الفساد الكثير إن شاء مالكها دون اليسير فإنه يضمن نقصها فقط بقوله: (وإن أفات) المتعدي بتعديه (المقصود) من الشيء الذي تعدى عليه عمداً أو خطأ (كقطع ذنب دابة ذي هيئة [١]): أي حشمة ووقار كأمير وقاض. و "دابة " مضاف لذي مروءة والمراد: أن تكون لذي الهيئات، وإن لم يكن ربها في ذلك الوقت ذا هيئة، فقطع ذنبها مفيت للمقصود منها؛ إذ بعد قطعه لا يركبها ذو هيئة: بخلاف قطع ذنب غيرها مما لا يركبها ذو هيئة أو مما لا تركب كبقرة أو قطع بعضه أو نتف شعره فإنه لا يفيت المقصود، فيكون من اليسير الذي فيه أرش النقص (أو) قطع (أذنها أو) قطع (طيلسانه) مثلث اللام: ما يلقى على الرأس والكتف (و) قطع (لبن شاة وبقر هو المقصود) منها كما هو شأن بقر مصر فإن المقصود منها اللبن. (وقلع عيني عبد أو يديه) معاً (أو رجله): فإنه يفيت المقصود فيثبت لربه الخيار. (فله أخذه ونقصه): يصح رفعه على تقدير المضاف: أي وأخذ أرش نقصه، ونصبه على أنه مفعول معه: أي مع أخذ أرش نقصه (أو قيمته) بالرفع: أي أخذ قيمته، ويصح الجر بالعطف على الضمير المضاف إليه على قلة: أي يخير بين أخذه مع أرش نقصه وتركه للمتعدي وأخذ قيمته يوم التعدي. (وإن لم يفته): أي المقصود منه (فنقصه) فقط: أي يتعين أخذ ما ينقصه وليس له تركه للمتعدي وأخذ قيمته. (كيد عبد أو عينه): وأولى أصبع أو عرج ونحو ذلك. (ورفا) المتعدي (الثوب مطلقاً) في العمد والخطأ، أفات المقصود منه حيث أراد ربه أخذه ونقصه أم لم يفته، ثم ينظر إلى أرش النقص بعد رفوه. (وعليه): أي الجاني على الحر والعبد خطأ - وليس فيه مال مقرر شرعاً - أو عمداً لا قصاص فيه ولا مال (أجرة الطبيب): وهذا أحد قولين، والثاني: لا يلزمه أجرته. وأما ما فيه مقرر شرعاً كالجائفة ــ عبد الحق فالتسوية بينهما بجعل زيادة الحمل كزيادة المسافة ومشى عليه في الأصل والمعول عليه ما هنا. قوله: [في الثلاثة]: هي سلامتها فيما إذا زاد ما تعطب به أو زاد ما لا تعطب به عطبت أم لا، ويدخل تحت قوله: "أم لا" صورة أخرى وهي التعييب؛ فتكون الصور أربعاً كما تقدم له تفصيل ذلك في العارية، وسكت عن صورة سادسة: وهي ما إذا زاد ما تعطب به وتعيبت، وتقدم له أن الأكثر من كراء الزائد وأرش العيب. قوله: [مما لا يركبها ذو هيئة]: أي ولو كانت عند ذي هيئة فالعبرة بذات الدابة. قوله: [أو قطع بعضه]: أي بحيث لا يزول جمالها به وإلا فهو كقطع الكل. قوله: [أو قطع أذنها]: أي أذن دابة ذي هيئة. قوله: [كما هو شأن بقر مصر]: أي الذي يقتنى لخصوص اللبن وإن أريد منه شيء آخر كان حاصلاً غير مقصود. قوله: [وقلع عيني عبد]: ضمن القلع معنى الإزالة فعطف ما بعده على معموله نظير: علفتها تبناً وماء بارداً قوله: [على تقدير المضاف]: مراده بالمضاف الجنس؛ لأن المحذوف مضافان قدرهما الشارح وهما أخذ وأرش، وأصل الكلام: فله أخذه وأخذ أرش نقصه؛ حذف المضاف الأول وأقيم المضاف الثاني مقامه ثم حذف المضاف الثاني، وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه تأمل. قوله: [على أنه مفعول معه]: أي وعلى كل حال لا بد من تقدير المضاف الذي هو أرش. قوله: [أو قيمته بالرفع]: أي بالعطف على أخذه. قوله: [على قلة]: أي لقول ابن مالك: وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازماً قد جعلا وليس عندي لازماً إذ قد أتى ... في النظم والنثر الصحيح مثبتا كقوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ [النساء: ١] في قراءة الجر، وقول بعض العرب: ما فيها غيره وفرسه بجر فرس عطفاً على الضمير المخفوض بغير، وقول الشاعر: فاليوم قد جئت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب بجر الأيام عطفاً على الكاف المجرورة بالباء. قوله: [وليس له تركه للمتعدي]: أي جبراً، وأما بتراضيهما فجائز. قوله: [أم لم يفته]: ما ذكره من رفو الثوب مطلقاً هو قول عبد الحق، واعترضه ابن يونس بأنه خلاف ظاهر كلامهم؛ إذ ظاهر كلامهم يقتضي أن الجناية إذا كانت يسيرة لا يلزم الجاني رفو بل أرش النقص فقط. قوله: [ثم ينظر إلى أرش النقص بعد رفوه]: أي فيأخذه ربه مع أخذه الثوب. والحاصل: أن من تعدى على ثوب شخص فأفسده فساداً كبيراً أو يسيراً وأراد ربه أخذه مع أرش النقص فإنه يلزمه أن يرفوه ولو زاد على قيمته، ثم يأخذه صاحبه بعد الرفو ويأخذ أرش النقص إن حصل نقص بعده. هذا ما قاله الشارح تبعاً لابن عبد الحق، وهو خلاف ما تقدم عن ابن يونس من أن الرفو خاص بالكثير. قوله: [لا قصاص فيه ولا مال]: أي إما لإتلافه أو لعدم المساواة أو المماثلة في العضو. قوله: [أجرة الطبيب]: أي وقيمة الدواء، ثم إن برئ على غير شين فلا يلزمه شيء إلا الأدب في العمد وإن برئ على شين غرم النقص وهذا القول هو الراجح. قوله: [والثاني لا يلزمه أجرته]: أي ولا قيمة الدواء ثم ينظر بعد البرء فإن برئ على شين غرم النقص،

стр. 750

فلا يلزمه أجرة. ولما كان الاستحقاق من آثار الغصب ذكره بعده بقوله: (فصل) في الاستحقاق وهو رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله أو حرية وحكمه: الوجود [١] إن توفرت [٢] أسبابه في الحر أو غيره إن ترتب على عدم القيام به مفسدة؛ كالوطء الحرام، وإلا جاز. وسببه: قيام البينة على عين الشيء المستحق: أنه ملك للمدعي لا يعلمون خروجه ولا خروج شيء منه عن ملكه إلى الآن. ويمنعه: عدم قيام المدعي بلا عذر مدة أمد الحيازة أو اشتراؤه من حائزه من غير بينة يشهدها سراً قبل الشراء: بأني إنما قصدت شراء [٣] ظاهراً خوف أن يفيته علي بوجه لو ادعيت به عليه. وبدأ بمسألة الزرع لكثرة وقوعها والتفصيل فيها فقال: (إن زرع متعد) بغصب الأرض أو منفعتها (الأرض) التي استولى عليها (فقدر عليه): بعد أن زرع (فإن لم ينتفع بالزرع) بأن لم يبلغ حد الانتفاع به - سواء برز على الأرض أم لم يبرز - (أخذ بلا شيء) في مقابلة البذر والعمل، وإن شاء أمره بقلعه. (وإلا) بأن بلغ حد الانتفاع به ولو لرعي (فله): أي للمستحق (قلعه): أي أمر ربه بقلعه وتسوية أرضه، فالخيار للمستحق (إن لم يفت وقت ما تراد) الأرض (له) مما شأنه أن يزرع فيها غالباً، لا خصوص الزرع الذي زرعه المتعدي خاصة. وقيل: أبان [٤] ما زرعه خاصة. (وله) أي للمستحق (أخذه): أي [٥]: الزرع (بقيمته مقلوعاً) بعد إسقاط كلفة لم يتولها الغاصب. فحاصله: أنه إذا لم يفت وقت الإبان فالخيار للمستحق؛ إما أن يأمره بقلعه أو يدفع له قيمته مقلوعاً على ظاهر المدونة واختاره اللخمي. (وإلا) بأن فات وقت ما تراد له (فكراء سنة) يلزم المعتدي، وليس لربها كلام والزرع للغاصب. هذا هو الراجح، وقيل: للمستحق قلعه أيضاً وأخذ أرضه كما إذا لم يفت وقت الإبان، واختاره ابن يونس وقيل الزرع لرب الأرض فله أخذه ولو طاب وحصد واختاره غير واحد، فكل من الأقوال رجح. ورجح الشيخ الأول تبعاً للخمي. وشبه في وجوب الكراء وتبقية الزرع لزارعه قوله: (كأن استحقت): الأرض التي زرعت (من ذي شبهة): كوارث أو مشتر أو مكتر من غير غاصب أو من غاصب ولم يعلموا بالغصب (أو) من (مجهول) لم يعلم هل هو متعد أو لا، إذ الأصل عدم العداء فاستحقها ربها (قبل فوات الإبان): فليس للمستحق الإكراء [٦] تلك السنة، وليس له قلع الزرع؛ لأن الزارع غير متعد، فإن فات الإبان فليس للمستحق على الزارع شيء؛ لأنه قد استوفى منفعتها، والغلة لذي الشبهة أو المجهول للحكم كما يأتي. ــ وإن برئ على غير شين فلا شيء عليه غير الأدب في العمد. قوله: [فلا يلزمه أجرة]: أي اتفاقاً، فإن كان فيه القصاص فإنما يلزمه القصاص ولا يلزمه شيء زائد على ذلك. فصل في الاستحقاق هو لغة إضافة الشيء لمن يصلح له، وله فيه حق؛ كاستحقاق هذا من الوقف مثل فصل: بوصف الفقر أو العلم. قوله: [بثبوت ملك]: أخرج به رفع الملك بالعتق حالاً. وقوله: [قبله]: أخرج به رفع الملك بثبوت ملك بعده كما في الهبة والصدقة والبيع والإرث. قوله: [أو حرية]: أي أو رفع ملك بحرية فحرية عطف على ملك من قوله بثبوت ملك إلخ، وزاد ابن عرفة في التعريف بغير عوض قال الخرشي وقوله بغير عوض أخرج به ما وجد في المغانم بعد بيعه أو قسمه فإنه لا يؤخذ إلا بثمنه فلولا زيادة هذا القيد لكان الحد غير مطرد. قوله: [وحكمه الوجوب]: أي كما قال ابن عرفة. قوله: [إن توافرت أسبابه]: مراده بالأسباب الجنس الصادق بواحد بدليل قوله فيما سيأتي وسببه قيام البينة. قوله: [وسببه قيام البينة]: أي وأما شروطه فثلاثة: الأول: الشهادة على عينه إن أمكن وإلا فحيازته، والثاني: الإعذار في ذلك للحائز، فإذا ادعى مدفعاً أجله فيه بحسب ما يراه، والثالث: يمين الاستبراء. قوله: [ويمنعه عدم قيام المدعي]: إلخ أي أحد أمرين سكوت أو فعل؛ فالسكوت أشار له الشارح بقوله: عدم قيام المدعي، والفعل أشار له بقوله: أو اشتراه من حائزه إلخ. قوله: [وإن شاء أمره بقلعه]: أي فالخيار له لا للزارع، ولا يجوز أن يتفقا على إبقائه في الأرض بكراء؛ لأنه يؤدي لبيع الزرع قبل بدو صلاحه. قوله: [فالخيار للمستحق]: حقه التأخير بعد قوله وله أخذه بقيمته مقلوعاً إن لم يفت وقت ما تراد الأرض له أي وقت زرع تراد الأرض له، وهذا شرط في قوله أخذ بلا شيء، وفي قوله فله قلعه. قوله: [الذي زرعه المتعدي خاصة]: أي كقمح مثلاً. قوله: [بقيمته مقلوعاً]: قال (عب): وكما له أخذه بقيمته له إبقاؤه لزارعه وأخذ كراء السنة منه في الفرض المذكور وهو بلوغ الزرع حد الانتفاع به، ولم يفت وقت ما تراد له الأرض دون القسم الأول، وهو ما إذا لم يبلغ الذرع حد الانتفاع به فليس له إبقاؤه وأخذ كرائها منه، والفرق أن في الأول بيع الزرع قبل بدو صلاحه؛ لأن صاحب الأرض لما مكنه الشرع من أخذه بلا شيء فإبقاؤه لزارعه بكراء كان ذلك الكراء عوضاً عنه فهو بيع له قبل بدو صلاحه. قوله: [واختاره اللخمي]: قال ابن رشد: هو ظاهر المدونة في كراء الأرضين. قوله: [فليس للمستحق على الزارع شيء]: أي في غير وارث الغاصب لما سيأتي في قوله: "بخلاف وارث

стр. 751

(فإن حرث) الأرض ذو الشبهة ولم يزرع فاستحقها ربها (أخذها المستحق) لها (ودفع) لحارثها ذي الشبهة أو المجهول (كراء الحرث) وأما المتعدي فلا يلزم ربها شيء لحرث ولا غيره. (وإن أكراها) ذو الشبهة لغيره (سنين): المراد ما فوق الواحد فاستحقها مالكها بعد الإجارة (فللمالك الفسخ) أي فسخ الإجارة (بعد الحرث) فأولى قبله وله الإمضاء (وقيل له) إن اختار الفسخ بعد الحرث وقبل الزرع (ادفع) للمكتري (أجرته): أي أجرة الحرث (إن لم يزرع، فإن أبى) من دفع الأجرة (قيل للمكتري) الذي حرثها: (ادفع) للمستحق (كراء سنة) وازرعها (وإلا) تدفع له كراء سنة (أسلمها) له (بلا شيء) تأخذه منه، ومثل ذلك فيما لو أكراها ذو الشبهة سنة فقط أو استحقت بعد حرث ذي الشبهة منه. (وإن زرع) المكتري (تعين الكراء) عليه للمالك ولا خيار له للفوات بالزرع هذا (إن بقي الإبان) فإن فات الإبان فليس للمالك كلام في الكراء؛ لأن ذا الشبهة أو المجهول يفوز بأجرة تلك السنة. (وله): أي للمالك (الإمضاء): أي إمضاء الإجارة للمكتري من ذي الشبهة (في المستقبل) من السنين (إن عرفا): أي المستحق والمكتري (النسبة): أي نسبة ما ينوب الباقي من الأجرة لتكون الإجارة بشيء معلوم، كما لو كان لكل سنة دينار. (وإلا) بأن لم تعلم النسبة بأن كانت الأجرة تختلف لاختلاف الأرض بالقوة والضعف في المستقبل، ولم يوجد من يعرف التعديل (فالفسخ): في المستقبل متعين للجهل بالأجرة. (ولا خيار للمكتري) إذا أمضى المستحق، بل يلزمه العقد. ومثل أرض الزراعة غيرها من عقار أو حيوان إذا استحق فالخيار للمستحق على الوجه السابق ولا خيار للمكتري. (وانتقد) المستحق: أي يقضى له بانتقاد ما بقي في المستقبل في أرض الزراعة وغيرها من دار أو دابة بشرطين: أشار للأول بقوله: (إن انتقد المكري) ذو الشبهة أو المجهول جميع الكراء من المكتري وحينئذ فيلزمه أن يرد أجرة ما بقي للمستحق، وقيل، يأخذها من المكتري ثم هو يرجع على من أكراه (أو شرطه) المكري أو جرى به عرف وإن لم ينتقد بالفعل. وأشار للثاني بقوله: (وأمن هو): أي المستحق: أي كان مأموناً في نفسه ودينه، بأن لا يكون عليه دين محيط ولا يخشى منه الفرار أو المطل أو الظلم خوفاً من طروء استحقاق آخر فيتعذر الرجوع عليه؛ إلا أن يأتي بحميل ثقة. فإن لم يكن مأموناً ولا حميل له فليس له أن ينتقد بل يوضع ما بقي من الأجرة تحت يد أمين حتى تنقضي المدة، وذكر هذا الشرط في المدونة، وتوقف فيه ابن يونس - انظر الخرشي وغيره. (والغلة): أي غلة ما استحق من أجرة أو استعمال أو لبن أو صوف أو ثمرة (لذي الشبهة أو المجهول) حاله (للحكم) ــ غاصب مطلقاً"؛ فتعميم الشارح في أول الحل بالنسبة لعدم قلع الزرع ولزوم كراء السنة لا بالنسبة للغلة فهو ذو شبهة بالنظر للأول دون الثاني كما في الحاشية. قوله: [فإن حرث الأرض ذو الشبهة]: أي والمجهول بدليل، ما يأتي. قوله: [ودفع لحارثها ذي الشبهة]: أي فإن أبى من الدفع قيل لذي الشبهة الحارث لها ادفع له كراء سنة وازرعها، فإن لم يدفع له كراء سنة لزمه أن يسلمها بغير شيء وسيأتي في الشارح ما يفيد ذلك بقوله: أو استحقت بعد حرث ذي الشبهة منه، وما قيل في ذي الشبهة يقال في المجهول. قوله: [أو استحقت بعد حرث ذي الشبهة]: أي أو المجهول كما تقدم التنبيه عليه. قوله: [يفوز بأجرة تلك السنة]: أي التي يستحقها مالك الأرض، وأما الخراج السلطاني الذي يلزم مالك الأرض فالظاهر أنه يلزم صاحب الشبهة لتنزيله منزلة المالك تأمل. قوله: [ولم يوجد من يعرف التعديل]: أما لو وجد فلا فسخ كما لو كان اكترى الأرض ثلاث سنين بتسعين ديناراً، وقال أهل المعرفة: كراؤها في السنة الأولى يساوي أربعين لقوة الأرض، وفي السنتين الباقيتين خمسين. قوله: [على الوجه السابق]: أي له الإمضاء في المستقبل إن عرفا النسبة وإلا فلا. قوله: [وانتقد المستحق]: أي حيث أمضى الإجارة فيما بقي من المدة بعد الاستحقاق فإنه يقضى له بأخذ أجرة ذلك الباقي حالاً. قوله: [جميع الكراء]: أما لو انتقد البعض ففيه تفصيل، فإن عينه بمدة، فإن كانت ماضية فللمكري، وإن كانت مستقبلة فللمستحق، وإن جعله عن بعض مبهم كان بينهما على حسب ما لكل، وكذا يقال فيما إذا اشترط نقد بعضه أو كان العرف نقد بعضه. قوله: [ما بقي]: أي للأيام المستقبلة. قوله: [وقيل يأخذها]: أي المستحق. قوله: [ثم هو]: أي المكتري. قوله: [وأمن هو]: إنما أبرز الضمير لمخالفة فاعل الفعلين المتعاطفين؛ لأن فاعل المعطوف عليه المكري وفاعل المعطوف المستحق. قوله: [ولا حميل]: لا نافية للجنس وحميل اسمها وخبرها محذوف تقديره موجود. قوله: [وتوقف فيه ابن يونس]: أي بقوله لعل هذا الشرط الثاني في دار يخاف عليها الهدم، وأما إن كانت صحيحة فإنه ينتقد ولا حجة للمكتري من خوف الدين؛ لأنه أحق بالدار من جميع الغرماء. قوله: [والغلة]: مبتدأ ولذي الشبهة صفة له، وقوله للحكم خبره. قوله: [أو المجهول حاله]: قضيته أن المجهول حاله ليس ذا شبهة؛ لأن العطف يقتضي المغايرة وهو ما تحرر

стр. 752

أي لوقت الحكم بالاستحقاق، فليس للمستحق قبل الاستحقاق شيء منها وأما الغاصب أو المتعدي فلا غلة له كما تقدم. ثم مثل لذي الشبهة بقوله: (كوارث غير غاصب، وموهوب، ومشتر ولو منه) أي من الغاصب (إن لم يعلما): أي الموهوب والمشتري بأن الواهب أو البائع له غاصب (بخلاف وارث غاصب مطلقاً) علم بأن مورثه غاصب أو لم يعلم، فلا غلة له كما تقدم في الغصب فليس بذي شبهة. فإن علم الموهوب أو المشتري بأن الواهب أو البائع غاصب فغاصبان كما تقدم، كالوارث إن علم، فإن لم يعلم فله حكم الغاصب من أنه لا غلة له. (و) بخلاف (موهوبه): أي موهوب الغاصب ولم يعلم فلا غلة له (إن عدم الغاصب) فإن وجد موسراً مقدوراً عليه فله الغلة والرجوع حينئذ على الغاصب كما تقدم في الغصب. (ومحيي أرضاً ظنها مواتاً) فتبين أنها مملوكة فلا غلة له، بل لمستحقها ذكره ابن يونس، ولم يحك فيه خلافاً، ولذا قال أبو الحسن: الغلة لا تكون لكل ذي شبهة. (و) بخلاف (وارث طرأ عليه ذو دين): فلا غلة للوارث المطروّ عليه بل يأخذ منه رب الدين الموروث وغلته. أي أن الوارث إذا ورث عقاراً كدار مثلاً - واستغله بسكنى أو كراء ثم طرأ عليه من له دين على الميت، فإن الوارث يرد الموروث وغلته لرب الدين إذا كان الدين يستوفيها وليس له إلا ما فضل عن الدين. وما هلك من ذلك بسماوي لا ضمان عليهم فيه. (أو) طرأ عليه (وارث) مثله، فإن الأول لا يستقل بالغلة، فالأخ الطارئ يقاسم الأخ الأول فيما ترك الميت من عقار أو غيره وفيما استغله. (إلا أن ينتفع) المطروّ عليه بما ترك الميت (بنفسه) من غير كراء؛ كأن يسكن الدار ويركب الدابة ويزرع الأرض فلا يرجع عليه الطارئ بشرط أن لا يكون عالماً بالطارئ، ــ لبعض الشيوخ كذا في الحاشية. قوله: [أي لوقت الحكم]: " اللام " للغاية بمعنى إلى، والمعنى: أن الغلة تكون لذي الشبهة والمجهول حاله من يوم وضع يده إلى يوم الحكم به لذلك المستحق، وكان القياس أن تكون النفقة على صاحب الشبهة لكن سيأتي في باب القضاء أن النفقة تكون على المقضي له كما هو مذهب المدونة وهو خلاف القياس؛ لأن القياس أن من له الغنم عليه الغرم. قوله: [علم بأن مورثه غاصب أو لم يعلم]: أي كان الغاصب موسراً أو معسراً، فإذا مات الغاصب عن سلعة مغصوبة استغلها مورثه أخذها المستحق وأخذ غلتها أيضاً منه. قوله: [فغاصبان]: أي حكماً. قوله: [كالوارث]: أي وارث كل من الموهوب له والمشتري. قوله: [فإن لم يعلم] أي من ذكر من الموهوب له والمشتري والوارث لأحدهما، هذا هو المتبادر من العبارة. وقوله: [فله حكم الغاصب] إلخ: صوابه فله الغلة إلى يوم الحكم. قوله: [بل لمستحقها]: أي مستحق الأرض بالملكية ويجري فيه حكم قوله أول الباب إن زرع متعد فقدر عليه إلخ. قوله: [ومحيي أرضاً فظنها مواتاً] إلخ: انظر هل من زرع أرضاً ظنها ملكه فتبين خلافه، حكمها حكم من أحيا أرضاً ظنها مواتاً أو حكم صاحب الشبهة القوية؟ قوله: [فلا غلة للوارث المطرو عليها]: أي بل يأخذها رب الدين إذا كان الدين يستوفيها، وظاهره ولو كانت ناشئة عن تجر الوارث أو تجر الوصي للوارث، وهو كذلك. فإذا مات شخص وترك ثلاثمائة دينار وترك أيتاماً واتجر وصيهم في القدر المذكور حتى صار ستمائة فطرأ على الميت دين قدرها أو أكثر، فلأصحاب الدين أخذها عند ابن القاسم، خلافاً للمخزومي القائل: إن رب الدين الطارئ إنما يأخذ الغلة من الوارث إذا كانت غير ناشئة عن تحريكه أو تحريك وصيه، وقولنا: واتجر وصيهم في القدر المذكور: أي للأيتام، وأما إن اتجر لنفسه فالظاهر أن ربح المال له؛ لأنه متسلف " ولا يقال: قد كشف الغيب أن المال للغريم؛ لأننا نقول: الوصي المتجر لنفسه أولى ممن غصب مالاً واتجر فيه فإن ربحه له، وأما لو طرأ الغريم بعد إنفاق الولي التركة على الأيتام وهو غير عالم بالغريم فلا شيء على الولي ولا على الأيتام؛ لأنه أنفق بوجه جائز كما في المدونة. بخلاف إنفاق الورثة الكبار نصيبهم فإنهم يضمنون للغريم الطارئ بلا خلاف. وقرر في الحاشية في هذا المحل ما محصله: لو عمل أولاد رجل في ماله في حال حياته معه أو وحدهم ونشأ من عملهم غلة كانت تلك الغلة للأب، وليس للأولاد إلا أجرة عملهم يدفعها لهم بعد محاسبتهم بنفقتهم وزواجهم إن زوجهم، فإن لم تف أجرتهم بذلك رجع عليهم بالباقي إن لم يكن تبرع لهم بما ذكر، وهذا ما لم يكن الأولاد بينوا لأبيهم أولاً أن ما حصل من الغلة لهم أو بينهم وبينه، وإلا عمل بما دخلوا عليه. وقرر أيضاً أنه: إذا اتجر بعض الورثة في التركة فما حصل من الغلة فهو تركة وله أجرة عمله إن لم يبين أولا أنه يتجر لنفسه: فإن بين كانت الغلة له والخسارة عليه وليس للورثة إلا القدر الذي تركه مورثهم. قوله: [أو طرأ عليه وارث]: أشعر قوله طرأ عليه وارث أنه لو طرأ مستحق وقف على مستحق آخر استغله أو سكنه وهو يرى أنه منفرد به لم يرجع عليه بالغلة ولا بالسكنى وهو كذلك رواه ابن القاسم عن مالك، وأما إن استغله وهو عالم بالطارئ رجع عليه بما يخصه في الغلة. قوله: [إلا أن ينتفع المطرو عليه]: شروع في شروط عدم رجوع الطارئ

стр. 753

وأن يكون في نصيبه ما يكفيه واقتصر على قدر نصيبه في السكنى، فإن زاد غرم، تأمل: وأن لا يكون الطارئ يحجب المطروّ عليه، وأن يفوت الإبان فيما له إبان فطروّ وارث على غيره قبل الإبان لا يمنع قيام الطارئ في تلك السنة. (وإن بنى) ذو الشبهة (أو غرس) فاستحق (قيل للمالك) الذي استحق الأرض: (ادفع قيمته قائماً) منفرداً عن الأرض؛ لأن ربه بناه بوجه شبهة، (فإن أبى قيل للباني: ادفع) لمستحق الأرض (قيمة الأرض) براحاً (فإن أبى) أيضاً (فشريكان بالقيمة): هذا بقيمة أرضه براحاً وهذا بقيمة بنائه أو غرسه قائماً (يوم الحكم) لا يوم الغرس أو البناء (إلا المستحقة بحبس) على معينين أو غيرهم (فالنقض) بضم النون: أي المنقوض متعين لربه بأن يقال له: انقض بناءك أو غرسك وخذه ودع الأرض لمن وقفت عليه، إلا أن يكون في بقائه منفعة للوقف ورأى الناظر إبقاءه فله دفع قيمته منقوضاً من ريع الوقف إن كان له ريع، فإن لم يكن له ريع ودفعه من عنده متبرعاً لحق بالوقف وليس له أن يتملكه؛ كما لو بنى هو أو غيره بإذنه فلا يكون مملوكاً له ولا لغيره بل هو ملحق بالوقف على ما نصوا عليه. واعلم أن الواقع الآن بمصر أن النظار يبيعون أوقاف المساجد أو غيرها والمشتري منهم عالم عارف بأن هذا وقف على مسجد الغوري أو الأشرف أو غيرهما أو على بني فلان، ثم يجعلون لجهة الوقف دراهم قليلة يسمونها حكراً ويسمون استيلاء البغاة على تلك الأوقاف خلواً وانتفاعاً، يباع ويشترى ويورث، وبعضهم يرفع ذلك الحكر بتوجيه الناظر على نحو جامكية أو وظيفة ويبطلون الوقف من أصله ثم ينسبون جواز ذلك للمالكية، وصار قضاة مصر يحكمون بصحة ذلك معتمدين على جواز ذلك عند المالكية، وحاشا المالكية أن يقولوا بذلك: كيف؟ ومذهبهم هو المبني على سد الذرائع وإبطال الحيل؟ وسندهم: فتوى وقعت من الناصر اللقاني ليست من هذا القبيل فانظرها في المطولات. ــ بالغلة، وهي ستة تؤخذ من المتن والشرح. قوله: [وأن يكون في نصيبه ما يكفيه]: في الأصل والخرشي زيادة "لا"، والصواب ما قاله الشارح هنا. قوله: [تأمل]: إنما أمر بالتأمل؛ لأن قوله واقتصر على قدر نصيبه في السكنى مشكل لما قالوه في مسألة الشريكين الآتية في التنبيه الذي ذكرناه: من أن العلم بالطارئ لا يضر حيث اقتصر على نصيبه. قوله: [وأن يفوت الإبان فيما له إبان]: أي كالأرض التي تراد للزراعة، فإن كان الإبان باقياً فلا يفوز المطرو عليه بما انتفع به بل يحاسبه الطارئ بقدر ما يخصه. تنبيه: إذا كانت الدار مشتركة بين شخصين فاستغلها أحدهما مدة، فإن كان بكراء رجع عليه شريكه بحصته، وإن استغلها بالسكنى فلا شيء عليه لشريكه إن سكن في قدر حصته، فإن سكن أكثر منها رجع عليه شريكه. ولا يشترط في عدم اتباع شريكه له إلا هذا الشرط وباقي الشروط المتقدمة لا تعتبر كما يؤخذ من (بن). قوله: [وإن بنى ذو الشبهة أو غرس]: أو مانعة خلو تجوز الجمع، والمراد بذي الشبهة المشتري أو المكتري من الغاصب أو الموهوب له منه أو المستعير ولم يعلم واحد منهم بالغصب. وقوله: "بنى أو غرس": فرض مسألة إذ لو صرف مالاً على تفصيل عرض أو خياطته أو عمر سفينة فالحكم كذلك كما في الحاشية، واحترز بذي الشبهة مما لو بنى أحد الشركاء أو غرس بغير إذن شريكه، فما لا بد منه يرجع به وإلا فلا يلزم بقلعه، بل إن اقتسموا ووقع في قسم غيره دفع له قيمته منقوضاً، وإن أبقوا الشركة على حالها فلهم أن يأمروه بأخذه أو يدفعوا له قيمته منقوضاً. قوله: [ادفع قيمته قائماً]: أي ولو من بناء الملوك؛ لأنه وضعه بوجه شبهة كذا في الخرشي، ورده (بن) بأن ابن عرفة قيده بما إذا لم يكن من بناء الملوك وذوي السرف، فإن كان ذلك فالمنصوص أن فيه قيمته منقوضاً؛ لأن شأنهم الإسراف والتغالي، واحتج لذلك بسماع القرينين. قوله: [يوم الحكم]: أي بالشركة وكيفية التقويم أن يقال: ما قيمة البناء قائماً على أنه في أرض الغير؟ فيقال: كذا، وما قيمة الأرض مفردة عن الغرس أو البناء الذي فيها؟ فيقال: كذا، فيكونا شريكين بقيمة ما لكل، فلو قيل للمستحق: أعطه قيمته قائماً فقال: ليس عندي ما أعطيه الآن، ولكن يسكن وينتفع حتى يرزقني الله ما أؤدي منه قيمة البناء أو الغرس، لم يجز ذلك ولو رضي المستحق منه؛ لأنه سلف جر نفعاً، وكذا لا يجوز أن يتراضيا على أن المستحق منه يستوفي ما وجب له من قيمة البناء أو الغرس من كراء الشيء المستحق لفسخ الدين في الدين عند ابن القاسم، وأجازه أشهب بناء على أن قبض الأوائل كقبض الأواخر. قوله: [إلا المستحقة بحبس فالنقض]: ما مر فيما إذا لم تستحق الأرض بحبس، والمعنى أن من بنى أو غرس في الأرض توجب شبهة ثم استحقت بحبس فليس للباني أو الغارس إلا نقضه، إذ لا يجوز له أن يدفع قيمة البقعة؛ لأنه يؤدي إلى بيع الحبس، وليس لنا أحد معين نطالبه بدفع قيمة البناء أو الغرس قائماً فيتعين النقض بضم النون، وظاهره سواء كان الحبس على معينين أو غيرهما. خلافاً لما ذكره ابن الحاجب عن بعض الأصحاب. قوله: [فانظرها في المطولات]: حاصلها أنه قال في فتواه: اللهم إلا أن يتعطل الوقف بالمرة ولم يكن هناك ريع له يقيمه ولم يمكن إجارته بما يقيمه فأذن الناظر لمن يبني فيه أو يغرس

стр. 754

والرسالة التي ألفها الغرقاوي في جواز ذلك لا توافق قواعد المذهب. (ولمن استحق) بالملك (أم ولد) ممن أولدها بشبهة، كأن اشتراها من غاصب بلا علم فأولدها فاستحق مالكها (قيمتها وقيمة ولدها) منه (يوم الحكم) بالاستحقاق، لا يوم الوطء ولا يوم الشراء والولد حر نسيب باتفاق إذا كان سيدها الواطئ حراً، هذا هو المشهور الذي رجع إليه مالك، وكان أولاً يقول: لربها أخذها إن شاء مع قيمة الولد يوم الحكم، ثم رجع عنه أيضاً، إلا أنه يلزم قيمتها فقط يوم الوطء وبه أفتي لما استحقت أم ولده إبراهيم، وقيل: أم ولده محمد. (و) له (الأقل منها): أي من قيمة يوم قتله (ومن الدية في) القتل (الخطأ) ولو لم يأخذها الأب من عاقلة القاتل له (أو) الأقل منها أو (مما صالح به) أبوه القاتل (في) القتل (العمد) إن صالح بقدر الدية أو أقل أو أكثر، إلا أن يصالح بأقل منهما، فله أخذه والرجوع على الجاني بالأقل من باقي القيمة أو الدية، فإن اقتص الأب فلا شيء للمستحق. (لا إن عفا) الأب عن القاتل في العمد، فلا شيء عليه للمستحق، وللمستحق الرجوع على القاتل بالأقل من قيمة الولد والدية. (ولا شيء لمستحق بحرية): لا صداق ولا غلة أي أن من اشترى أمة أو عبداً فوطئها أو استخدمها أو استخدم العبد فاستحقت حريتها فلا صداق في وطئها ولا غلة في استعمالها أو استعمال العبد. (وإن استحق بعض) من متعدد اشتري في صفقة واحدة كأن يشتري عشرة أثواب بمائة فاستحق منها واحد أو أكثر (فكالمعيب) فإن كان مستحق وجه الصفقة تعين نقض البيع، لما تقدم أنه لا يجوز التمسك بالأقل إذا استحق الأكثر أو ظهر معيباً، وإن كان غير وجه الصفقة جاز التمسك بالباقي. ويعرف ذلك بالتقويم لا بالثمن الذي وقع به البيع. ــ في مقابلة شيء يدفعه لجهة الوقف، أو لا يقصد إحياء الوقف على أن ما بناه أو غرسه يكون له ملكاً ويدفع عليه حكراً معلوماً في نظير الأرض الموقوفة لمن يستحقه من مسجد أو آدمي، فلعل هذا يجوز إن شاء الله تعالى، ويسمى البناء والغرس حينئذ خلواً يملك ويباع ويورث. اهـ من الأصل. ولذلك قال الأجهوري: وملك الخلو من قبيل ملك المنفعة لا من قبيل ملك الانتفاع، وحينئذ فلمالك الخلو بيعه وإجارته وهبته وإعارته ويورث عنه ويتحاصص فيه غرماؤه، حكاه (بن) عن جملة من أهل المذهب وهو اسم لما يملكه دافع الدراهم من المنفعة التي وقعت في مقابلة الدراهم، ولذا يقال أجرة الوقف كذا وأجرة الخلو كذا. قوله: [والرسالة التي ألفها] إلخ: تنويع في التعبير كأنه قال: إن كان استنادهم فتوى الناصر فهي ليست من هذا القبيل، وإن كان استنادهم الرسالة المذكورة فهي لا توافق قواعد المذهب. قوله: [إذا كان سيدها الواطئ حراً]: مفهومه لو كان رقيقاً لأخذ وبقي على رقة؛ لأنه ليس خيراً من أبيه. قوله: [مع قيمة الولد يوم الحكم]: أي وتعتبر قيمته بدون ماله كما أن الأم تقوم بدون مالها؛ لأن مالها لمستحقها كما في الأجهوري. قوله: [وبه أفتي]: عبر عنه ابن رشد بقوله: وبه حكم عليه في استحقاق أم ولده اهـ. قال (بن): وفيه دليل على أن " أفتي " في كلام غيره مبني للمفعول، وأن غيره أفتاه في هذا، لا أنه أفتى به لنفسه والله أعلم. وفي كلام الفاكهاني ما يقتضي أنه هو الذي أفتى بذلك لنفسه. اهـ. قوله: [أو مما صالح]: المناسب الواو أي: فإذا كانت القيمة يوم القتل مائتين ووقع الصلح بخمسمائة أخذ المستحق القيمة مائتين؛ لأنها أقل مما صالح به، وإن وقع الصلح بمائتين قدر القيمة أخذهما المستحق، فإن صالح بمائة تعين أن يأخذها المستحق لا القيمة التي هي أكثر من ذلك، فإذا أخذ المستحق تلك المائة من الأب رجع ذلك المستحق على الجاني أيضاً بمائة باقي القيمة إن كانت القيمة مائتين كما فرضنا. قوله: [لا صداق ولا غلة]: أي لما مر من أن الغلة لذي الشبهة والمشتري ذو شبهة، وهذا بخلاف مستحق مدعي حرية استعمله إنسان، فلمن استحقه برق الرجوع على من استعمله بأجرة استعماله إلا القليل؛ كسقي الدابة وشراء شيء تافه فلا رجوع له به. قوله: [وإن استحق بعض] إلخ: هذه المسألة تقدمت في باب الخيار مفصلة، وإنما ذكرها هنا؛ لأن ما هنا محلها. قوله: [فكالمعيب]: حاصل استحقاق البعض أن تقول: لا يخلو إما أن يكون شائعاً، أو معيناً. فإن كان شائعاً بما لا ينقسم - وليس من رباع الغلة - خير المشتري في التمسك والرجوع بحصة المستحق من الثمن، وفي رده لضرر الشركة سواء استحق الأقل أو الأكثر، وإن كان مما ينقسم أو كان متخذاً للغلة خير في استحقاق الثلث ووجب التمسك فيما دونه، وإن استحق جزء معين، فإن كان مقوماً كالعروض والحيوان رجع بحصة البعض المستحق بالقيمة لا بالقسمة، وإن استحق وجه الصفقة تعين رد الباقي، ولا يجوز التمسك بالأقل وإن كان مثلياً، فإن استحق الأقل رجع بحصته من الثمن، وإن استحق الأكثر خير في التمسك والرجوع بحصته من الثمن وفي الرد. وكذلك يخير في التمسك والرد في جزء شائع مما لا ينقسم إن كانت حصته من الثمن معلومة. اهـ (بن). قوله: [جاز التمسك بالباقي]: مقتضى الحاصل المتقدم وجوب التمسك بالباقي.

стр. 755

(و) من اشترى شيئاً فاستحق من يده (رجع) المشتري (المستحق منه) ذلك الشيء (بالثمن) الذي خرج من يده (على بائعه، إلا أن يعلم صحة ملكه): أي ملك البائع لما استحق منه وأن مدعي الاستحقاق هو الظالم فلا رجوع له على البائع، وصارت المصيبة منه. (باب) في الشفعة وأحكامها وهي شبيهة بالاستحقاق، فلذا أعقبه بها فقال: (الشفعة) بسكون الفاء، قال عياض: أصلها من الشفع ضد الوتر؛ لأن الشفيع يضم حصة شريكه إلى حصته فيصير حصتين فيكون شفعاً بعد أن كان وتراً، والشافع، هو الجاعل الوتر شفعاً (استحقاق شريك) من إضافة المصدر لفاعله، وخرج "بشريك" استحقاق غيره شيئاً كدين أو وديعة أو منفعة بوقف أو سلعة ونحو ذلك، فالشفعة هي استحقاق الشريك أخذ أو لم يأخذ. وتطلق على نفس الأخذ بالفعل، والأظهر ما ذكرنا (أخذ ما عاوض به شريكه من عقار بثمنه أو قيمته بصيغة) ــ قوله: [بالثمن الذي خرج من يده]: أي فإن كان عرضا معيناً رجع به أو قيمته إن فات. وأما غير المعين فليس فيه إلا الرجوع بالمثل. واستثني من الرجوع في عين شيئه النكاح والخلع وصلح العمد عن إقرار أو إنكار، والمقاطع به عن عبد والمدفوع عن مكاتب والمصالح به عن عمرى فمن أصدق امرأة عبداً واستحق من يدها رجعت في قيمة العبد لا في البضع، ومن خالع امرأة على عبد فاستحق من يده رجع عليها بقيمة العبد لا في العصمة، ومن صالح على دم عمد بعبد على إقرار أو إنكار فاستحق العبد رجع ولي الدم بقيمته، وإذا قاطع العبد سيده بأن أعتقه على عبد فاستحق العبد من يد السيد فإنه يرجع بقيمته لا في الحرية. هذا إذا قاطعه على عبد في غير ملكه، وأما مقاطعته على عبد في ملكه فاستحق فإن السيد لا يرجع بشيء والعتق ماض لا يرد؛ لأنه كمال انتزعه من عبده ثم أعتقه. وكذا المكاتب إذا قاطع سيده على عبد فاستحق العبد من يد السيد بقيمة العبد لا بالحرية. ولا فرق بين كون العبد في ملك المكاتب أو في ملك غيره؛ لأن المكاتب أحرز نفسه وماله، وكذلك من أعمر داره لشخص مدة معلومة ثم إن رب الدار صالح المعمر على عبد دفعه رب الدار إليه في نظير منفعتها ثم استحق ذلك العبد من يد المعمر -بالفتح- فإنه يرجع بقيمة العبد على صاحب الدار ولا يرجع بالمنافع التي خرجت من يده، وهذه المسائل السبع تجري في الشفعة وفي الرد بالعيب كالاستحقاق فتكون الصور الجارية فيها إحدى وعشرين، قائمة من ضرب سبع في ثلاث وهي الاستحقاق والأخذ بالشفعة والرد بالعيب. خاتمة: إن اشتهر عبد بحرية وصار له أملاك وحضرته الوفاة وأوصى بوصايا ثم نفذها الوصي فجاء سيده بعد ذلك واستحقه لم يضمن وصي صرف المال فيما أمر بصرفه فيه ولا حاج حج عنه من تركته كما أوصى، ويأخذ السيد ما كان باقياً من تركته لم يبع، وما بيع وهو قائم بيد المشتري لم يفت بالثمن الذي اشتراه به المشتري. وكذلك من شهد بموته وعذرت بينته بأن رأته صريعاً في المعركة فظنت موته فتصرف ورثته ووصيه في تركته وتزوجت زوجته ثم قدم حيّاً فإنه يأخذ ما وجد من ماله، ويأخذ ما بيع بالثمن إن كان قائماً بيد المشتري لم يفت وأما إن لم يعرف العبد بالحرية ولم تعذر البينة في الثاني فالتصرف في أمواله كتصرف المشتري من الغاصب فيأخذ ربه ما وجده فات أو لم يفت وترد له زوجته ولو دخل بها غيره، والله أعلم. باب في الشفعة أي حقيقتها، وقوله: "وأحكامها": أي مسائلها التي تثبت فيها وما لا تثبت فيها. قوله: [فلذا أعقبه بها]: أي جعلها عقبه وتالية له. قوله: [أصلها من الشفع] إلخ: هذا هو المعنى اللغوي، واصطلاحاً ما قاله المصنف. قوله: [والشافع]: أي المأخوذ من الشفعة لا من الشفاعة التي هي سؤال الخير للغير فليست مرادة هنا. قوله: [شريك]: أي بجزء شائع لا بأذرع معينة فلا شفعة لأحدهما على الآخر لأنهما جاران، ولا بغير معينة عند مالك ورجحه ابن رشد ولأشهب فيها الشفعة. فإن قلت: كل من الجزء -كالثلث والأذرع غير المعينة- شائع، قلت: شيوعهما مختلف؛ إذ الجزء شائع في كل جزء من الكل ولو قل ولا كذلك الأذرع؛ لأن الأذرع إن كانت خمسة فإنما تكون شائعة في قدرها أي في كل خمسة من الأذرع لا في أقل منها. اهـ من حاشية الأصل، ومراده بالاستحقاق المعنى اللغوي وهو الطلب وليس المراد الاستحقاق المعهود الذي هو رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله أو حرية؛ لأنه لا يصح هنا. قوله: [والأظهر ما ذكرنا]: أي لأن ماهية الاستحقاق إنما هي طلب الشريك أخذ مبيع شريكه وعدمه، والأخذ والترك عارضان

стр. 756

قوله "أخذ" مفعول المصدر وإضافته لـ "ما" من إضافة المصدر لمفعوله، وخرج بـ "ما عاوض به": الهبة والصدقة والوصية بشقص، فلا شفعة فيها وقوله: "من عقار" بيان لـ "ما"، وخرج به غير العقار من الحيوان والعروض، فلا شفعة فيه. وقوله [١]: "بثمنه" أي الذي وقع به البيع كما هو الغالب. وقوله: "أو قيمته" لإدخال بعض الصور التي لم تقع المعاوضة فيها بثمن كالخلع والنكاح كما يأتي، فالمراد بالمعاوضة: ما يشمل المالية وغيرها وقوله: " بصيغة " أراد بها ما يدل على الأخذ. فأركانها أربعة: آخذ؛ ومأخوذ منه، وبائع له، وصيغة. ثم فرع على التعريف المذكور قوله: (فللشريك) المستحق (أو وكيله الأخذ) بالشفعة لما عاوض عليه شريكه من العقار (جبراً) شرعياً (ولو) كان الشريك المستحق (ذمياً) باع شريكه المسلم أو الذمي نصيبه لذمي أو مسلم، فللذمي الأخذ من المشتري بالشفعة: لكن إن كان الشريكان ذميين باع أحدهما لذمي فشرط القضاء بها أن يترافعا إلينا. فمتى كان أحد الثلاثة مسلماً فهي ثابتة ترافعا أو لم يترافعا، وإلا فلا تثبت إلا بالترافع. (أو) كان الشريك (محبساً) لحصته قبل بيع شريكه، فله الأخذ بالشفعة (ليحبس) في مثل ما حبس فيه الأول، لا إن لم يقصد التحبيس فليس له الأخذ. كما أن المحبس عليه ليس له أخذ بها ولو ليحبس كما يأتي. (والولي) بالشفعة والولي بالجر، عطفاً على "الشريك": أي له الأخذ بالشفعة (لمحجوره) السفيه أو الصبي أو المجنون إذا باع شريكه المحجور. (والسلطان) له أخذ بالشفعة (لبيت المال): فإذا مات أحد الشريكين ولا وارث له فأخذ السلطان نصيبه لبيت المال ثم باع الشريك، فللسلطان الأخذ بالشفعة لبيت المال. وكذا لو مات إنسان عن بنت مثلاً فأخذت النصف، ثم باعته فللسلطان الأخذ من المشتري لبيت المال. (لا محبس عليه) فليس له أخذه بالشفعة (أو ناظر) على وقف فليس له أخذ بها (ولو ليحبس) بها فيما حبس الأول؛ لأنه ليس له أصل يأخذ به، وقيل: إن أراد الأخذ ليلحقه بالأول فله ذلك. (إلا أن يكون له) أي لمن ذكر من محبس عليه أو ناظر (المرجع): أي مرجع الوقف، أي رجوعه، كمن حبس على جماعة مدة معلومة ثم بعد ذلك يكون لفلان ملكاً، فله حينئذ الأخذ بها. وكذا إن جعل المحبس له الأخذ ليحبس في مثل الأول فله ذلك؛ لأنه جعله وكيلاً عنه في ذلك. ــ لها، والعارض شيء غير ذلك الشيء المعروض كذا وجهه في الأصل. قوله: [مفعول المصدر]: أي الذي هو استحقاق. قوله: [من إضافة المصدر]: أي الذي هو أخذ فصار معمولاً لاستحقاق وعاملاً في ما. قوله: [من الحيوان]: أي فلا شفعة في الحيوانات استقلالاً، فلا ينافي ما يأتي من أن الشفعة تكون في الحيوان تبعاً للحائط وما في معناه. قوله: [كما هو الغالب]: أي فالغالب أن الشفيع يأخذ الشقص بالثمن الذي اشترى به ومن غير الغالب يأخذه بالقيمة كالنكاح والخلع وباقي الصور السبع. قوله: [بثمن]: أي بمتمول؛ لأن البضع والعصمة وما معهما غير متمول فلا يقال له ثمن عرفاً. قوله: [كالخلع والنكاح]: أدخلت الكاف باقي الصور السبع التي تقدم لنا التنبيه عليها في الاستحقاق. قوله: [أراد بها ما يدل على الأخذ]: أي لفظاً أو غيره. قوله: [آخذ]: أي وهو الشفيع. وقوله: [ومأخوذ منه]: أي وهو المشتري. قوله: [وبائع له]: المناسب أن يقول: وشيء مأخوذ وهو المبيع؛ لأن البائع من أسبابها لا من أركانها. وترك خامساً: وهو المأخوذ به من ثمن أو قيمة، فأفاد الأول منها بقوله: "فللشريك أو وكيله الأخذ" إلخ، والثاني منها بقوله ممن طرأ ملكه، والثالث بقوله: " لعقار ولو مناقلاً به" إلخ؛ والخامس الذي زدناه بقوله: " بمثل " الثمن إلخ. والصيغة مأخوذة من قوله فيما يأتي: " ولزمه إن قال أخذت ". قوله: [لما عاوض عليه]: أي كانت المعاوضة مالية أو غيرها. قوله: [شرعياً]: أي بحكم الشرع فلا ظلم فيه. قوله: [ولو كان الشريك المستحق ذمياً]: بالغ عليه رداً على ابن القاسم في المجموعة. واعلم أن صور المسألة ثمان؛ لأن الشريك والبائع إما مسلمان أو كافران، أو الشريك مسلم والبائع كافر أو العكس، وفي كل من الأربع: المشتري إما مسلم أو كافر؛ فمهما كان الشفيع مسلماً فالشفعة اتفاقاً، وإن كان الشفيع كافراً والمشتري مسلماً فمحل الخلاف، وإن كان الجميع ذميين فلا نحكم بينهم بالشفعة إلا إذا ترافعوا إلينا، فإذا علمت ذلك فالمناسب في الرد على المخالف أن يقول في الحل: ولو كان الشريك المستحق ذمياً باع شريكه المسلم أو الذمي نصيبه لمسلم. قوله: [في مثل ما حبس فيه الأول]: الظاهر أنه لا مفهوم لمثل بل المدار على مطلق تحبيس كما يؤخذ من المجموع. قوله: [فللسلطان الأخذ بالشفعة]: قال سحنون في المرتد يقتل وقد وجبت له شفعة: إن للسلطان أن يأخذها إن شاء لبيت المال. قوله: [أو ناظر على وقف]: أي كدار موقوف نصفها على جهة وله ناظر، فإذا باع الشريك نصفه فليس للناظر أخذ بالشفعة، ولو ليحبس إلا أن يجعل له الواقف الأخذ ليحبس، وإلا كان له ذلك كما قال الشارح. قوله: [وقيل إن أراد] إلخ: القائل له المواق عن ابن رشد. قوله: [كمن حبس على جماعة]: أي مدة حياتهم. وقوله: [ثم بعد ذلك]: أي بعد

стр. 757

(و) لا (جار) فلا شفعة له (وإن ملك تطرقاً): أي طريقاً إلى الدار التي بيعت، بأن كانت الطريق الموصلة إلى دار كل واحدة فباع أحد الجارين داره فلا شفعة فيها للآخر. (ممن طرأ): أي تجدد متعلق بالأخذ: أي للشريك الذي لم يعاوض الأخذ ممن طرأ (ملكه) على من أراد الأخذ؛ فلو ملكا العقار معاً بشراء أو نحوه فلا شفعة لأحدهما على الآخر (اللازم) نعت لملكه، احترز به عمن طرأ ملكه بمعاوضة لكن بملك غير لازم: كبيع الخيار فلا شفعة فيه إلا بعد مضيه، وكبيع محجور بلا إذن فلا شفعة فيه إلا بعد إمضاء الولي (اختياراً) فلا شفعة في ملك طرأ بلا اختيار كالإرث (بمعاوضة): ولو غير مالية، كنكاح وخلع، وهذا يغني عن قوله: اختياراً، ولا يغني عن هذا قوله في التعريف "بما عاوض به" لأن هذا من التفريع على التعريف؛ فكأنه كالشرح له ليرتب عليه ما سيذكره. (لعقار): وهو الأرض وما اتصل بها من بناء وشجر فلا شفعة في غيره إلا تبعاً كما يأتي (ولو) كان العقار (مناقلاً به): بأن يباع العقار بمثله: وله صور: منها: أن يكون لشخص حصة من دار مثلاً ولآخر حصة من أخرى، فناقل كل منهما الآخر، فلشريك كل أن يأخذ بالشفعة ممن ناقل شريكه ويخرجان معاً من الدارين. (أو) كان العقار (شجراً أو بناء) مملوكاً (بأرض حبس) على البائع وشريكه أو غيرهما، كما لو اقتضت المصلحة إجارة أرض محبسة سنين فبنى فيها المستأجر أو غرس بإذن ناظرها على أن ذلك له، فإذا كان المستأجر متعدداً وباع أحدهم فللآخر الشفعة (إن انقسم) العقار: أي أن محل جواز الأخذ بالشفعة فيما ينقسم من العقار على المشهور، فإن لم يقبل القسمة أو قبلها بفساد، كالحمام والفرن فلا شفعة فيه (وقضي بها): أي بالشفعة: أي وقع القضاء بها من بعض القضاة (في غيره): أي في غير ما لا ينقسم، وهو حمام؛ فيقاس عليه غيره كفرن ودار صغيرة ونخلة ونحوها وهو قول لمالك في المدونة: والأول رواية ابن القاسم عنه فيها أيضاً وهو المشهور. فما ينقسم فيه الشفعة قولاً واحداً، وما لا ينقسم فيه قولان مشهورهما عدم الشفعة فيه، فمن قال: علة الشفعة دفع ضرر الشركة، أجازها مطلقاً إذ ضرر الشركة حاصل فيما ينقسم وفيما لا ينقسم. ومن قال: علتها دفع ضرر القسمة، منعها فيما لا ينقسم لعدم تيسرها فيه فلا يجاب فيه لها إذا أرادها المشتري حتى يلزم ضرر الشريك بها ويأخذ الشفيع ــ انقراض الجماعة أو انقضاء المدة المذكورة. قوله: [ولا جار]: أي خلافاً لأبي حنيفة. قوله: [ممن طرأ]: هذا هو الركن الثاني وهو المشتري. قوله: [كبيع الخيار]: اعترض بأن المعتمد أن الملك في زمن الخيار للبائع، وحينئذ فلم يتجدد ملك للمشتري حين الخيار فهو خارج بقوله ممن طرأ وليس خارجاً بقوله اللازم. وأجيب أن إخراجه بقوله اللازم بناء على القول الضعيف من أن المبيع زمن الخيار على ملك المشتري فيصدق أنه تجدد ملكه إلا أن ذلك الملك غير لازم. قوله: [فلا شفعة فيه إلا بعد مضيه] أي ويثبت الشفعة لمشتري الخيار إن باع شخص داره مثلاً نصفين نصفاً خياراً أولاً، ثم النصف الثاني بتاً لشخص آخر فأمضى بيع الخيار الأول من له الخيار فالمشتري بالخيار متقدم على المشتري بتاً؛ لأن الإمضاء حقق ملكه يوم الشراء فالشفعة له على ذي البت، وهذا مشهور مبني على ضعيف من أن بيع الخيار منعقد، وأما على أنه منحل الذي هو المشهور فالشفعة لمشتري البت لكنه ضعيف. قوله: [وكبيع محجور]: مثل بيعه شراؤه، فإذا اشترى يقال فيه قد تجدد ملكه لكن ذلك الملك غير لازم فلا شفعة فيه حتى يجيزه وليه. قوله: [كالإرث]: أي فإذا كانت دار بين شريكين ومات أحدهما عن وارث أخذ حصته منها فليس لشريكه أن يأخذ من وارثه بالشفعة. قوله: [كنكاح وخلع] أي وباقي المسائل السبع الآتية. قوله: [فكأنه كالشرح له]: أي لأن التعريف ضابط إجمالي. قوله: [العقار]: هذا هو الركن الثالث. قوله: [وله صور]: مراده بالجمع: ما فوق الواحد، فإنه ذكر صورة ليس فيها شريك ثالث. وبقيت صورة: وهي أن يكون زيد مشاركاً عمراً في بيت وبكراً في بيت آخر، فيبادل عمراً في حصته التي بينه وبين بكر، فلبكر أن يأخذ بالشفعة من عمرو. قوله: [فللآخر الشفعة]: أي لما تقدم لنا من أن الخلوات مملوكة لأهلها، ويجوز بيعها والشفعة فيها. قوله: [أي غير ما لا ينقسم]: هكذا نسخة المؤلف والصواب إسقاط لا. قوله: [وهو حمام]: أي في حمام. كان بين أحمد بن سعيد الفقيه وشريك له فيه، فباع أحمد الفقيه حصته فيه لمحمد بن إسحاق فرفعه شريكه لقاضي الجماعة بقرطبة منذر بن سعيد، وأحضر الفقهاء وشاورهم فأفتوا بعدمها على قول ابن القاسم، فذهب الشريك للأمير الناصر لدين الله فقال له: نزلت بي نازلة، حكم علي فيها بغير قول مالك: فأرسل الأمير للقاضي يقول له احكم له بقول مالك: فأحضر الفقهاء وسألهم عن قول مالك فقالوا: مالك يرى الشفعة، فحكم له به. قوله: [لعدم تيسرها]: أي القسمة. وقوله: [فيه]: أي فيما لا ينقسم. وقوله: [فلا يجاب فيه]: أي فيما لا ينقسم. وقوله:

стр. 758

(بمثل الثمن) الذي أخذ به المشتري حيث كان مثلياً (ولو) كان الثمن الذي اشترى به الشقص (ديناً بذمة بائعه أو قيمته) إن كان مقوماً كعبد ويعتبر القيمة (يوم البيع) لا يوم الأخذ بالشفعة (أو قيمة الشقص فيـ) ـما إذا كانت المعاوضة بشيء غير متمول (نحو نكاح) جعل المهر فيه ذلك الشقص (وخلع) خالعت زوجها به (وصلح عمد) على نفس أو طرف الواجب فيه القود؛ فإذا صالح الجاني بشقص فالشفعة بقيمته يوم الصلح، بخلاف الخطأ، فإن الشفعة فيه بالذمة من إبل أو غيرها تنجم كالتنجيم على العاقلة (و) أخذ الشقص (بما يخصه) من الثمن (إن صاحب) في البيع (غيره) في صفقة، كأن يبيع الشريك الشقص وعبداً بعشرة فيقوم الشقص منفرداً ثم ينظر لقيمته مع صاحبه كالعبد. فإذا كانت قيمته منفرداً النصف أخذه بنصف الثمن قل أو كثر، وإن كانت الثلث أخذه بثلثه وهكذا، وقيل: يقوم كل منهما على انفراده ثم ينظر للنسبة بعد ذلك. (ولزم المشتري) لهما (الباقي): وهو ما صاحب الشقص في الشراء كالعبد (وإن قل): أي ولو كانت قيمته أقل من قيمة الشقص. واعترض: بأن الأخذ بالشفعة من الاستحقاق، ولا يجوز فيما استحق أكثره أو ظهر [١] معيباً التمسك بالباقي في الأقل. وأجيب: بأنه هنا إنما يأخذ الباقي بما ينوبه بعد أن عرف ما ينوبه من الثمن، فلم يلزم التمسك بمجهول. بخلاف الاستحقاق والعيب فإن التمسك بالباقي وقع قبل التقويم والتمسك قبله ابتداء بيع بثمن مجهول، إذ لا يعلم إلا بعد التقويم. ويأخذه (بأجله): أي أجل الثمن أي يأخذه بالثمن المؤجل بأجله (إن أيسر) الشفيع: أي إن كان موسراً يوم الأخذ ولا ينظر ليساره في المستقبل (أو) لم يوسر، و (ضمنه مليء، وإلا) يكن موسراً ولا ضمنه مليء (عجل الثمن): أي يعجله للبائع، وإلا فلا شفعة له قاله اللخمي (إلا أن يتساويا عدماً): أي في العدم بفتح العين: أي في الفقر والحاجة، فله الأخذ بالثمن لأجله ولا يلزمه الإتيان بضامن مليء إذ لا فرق بينه وبين المشتري حينئذ. فإن كان الشفيع أشد عدماً لزمه الإتيان بضامن وإلا سقطت شفعته. (و) أخذه (برهنه وضامنه) الباء بمعنى مع: أي إذا اشتراه المشتري بثمن في الذمة ودفع لبائعه رهناً أو ضمنه أحد، فالشفيع لا يأخذه إلا برهن كرهن المشتري أو ضامناً كضامنه وإلا فلا شفعة له (وأجرة دلال و) أجرة (كاتب) للوثيقة (ومكس) توقف البيع عليه من ظالم على أظهر القولين. (أو لثمرة) عطف على قوله: "لعقار": أي أن أحد الشريكين في ثمر على أصوله إذا باع نصيبه لأجنبي فللشريك الآخر أن يأخذه بالشفعة من المشتري إلحاقاً للثمرة وما بعدها بالعقار (ما لم تيبس) الثمرة وينتهي طيبها؛ فإن يبست بعد العقد، وكذا إن اشتراها الأجنبي يابسة فلا شفعة فيها. واعلم أن مسألة الشفعة في الثمار وما عطف عليها إحدى مسائل الاستحسان الأربع التي قال فيها مالك: إنه لشيء استحسنته وما علمت أن أحداً قاله قبلي، الثانية الشفعة في البناء بأرض محبسة أو معارة وقد تقدمت. الثالثة: القصاص بشاهد ويمين في الجرح. الرابعة: في الأنملة من الإبهام خمس من الإبل ــ [لها]: أي للقسمة. وقوله: [حتى يلزم] إلخ: غاية في النفي. قوله: [بمثل الثمن]: هذا هو الركن الخامس الذي زدناه. قوله: [الذي أخذ به المشتري]: أي الذي وقع العقد عليه، وإن نقد المشتري خلافه وهذا هو الراجح وهو قول ابن القاسم، وقيل: المراد بالثمن ما نقده المشتري ولو عقد على خلافه، وهو ما مشى عليه الخرشي. قوله: [جعل المهر فيه ذلك الشقص]: أي هذا إذا جعله لها قبل الدخول، وأما لو دفعه لها في نكاح التفويض بعد الدخول فإن الشفيع يأخذ ذلك الشقص بمهر المثل لا بقيمة الشقص. قوله: [وصلح عمد]: أي عن إقرار أو إنكار. قوله: [من إبل]: أي إذا كانت عاقلة الجاني أهل إبل. وقوله: [أو غيرها]: أي إذا كانت عاقلته أهل ذهب وهكذا. قوله: [تنجم كالتنجيم على العاقلة]: أي فتنجم على الشفيع في ثلاث سنين كما تنجم على العاقلة لو أخذت منها. تنبيه: أدخل المصنف في نحو النكاح في المسائل السبعة المتقدمة في الباب السابق وهي: المقاطع به عن عبد، والمدفوع من مكاتب، والمصالح به عن عمري؛ فهذه ثلاث، والمأخوذ من المصنف أربع؛ لأن الصلح إما عن إقرار أو إنكار كما تقدم التنبيه عليه. قوله: [وقيل يقوم كل منهما على انفراده]: هذا القول للتتائي وهو ضعيف، ولكن قال في الأصل: الوجه مع التتائي، فتدبره. قوله: [أي يأخذه بالثمن المؤجل بأجله]: أي ولو كان الأخذ بالشفعة بعد انقضاء الأجل؛ لأن الأجل له حصة من الثمن كما في (عب). قوله: [ولا ينظر ليساره في المستقبل]: أي لا يكفي تحقق يسره يوم حلول الأجل بنزول جامكية أو معلوم وظيفة في المستقبل إذا كان يوم الأخذ معسراً مراعاة لحق المشتري؛ لأنه يحصل للشفيع بعدم الاكتفاء بذلك ضيق فيكون وسيلة لترك الأخذ بالشفعة، وكما لا يراعى يسره في المستقبل لا يراعى خوف طروِّ عسره قبل حلول الأجل، فالعبرة بالحالة الراهنة. قوله: [وإلا فلا شفعة له]: أي فيسقط الحاكم شفعته. قوله: [على أظهر القولين]: أي فإذا جرت العادة أن من اشترى عقاراً يدفع مكساً للحاكم أو لشيخ الحارة فالأظهر أن الشفيع يلزمه ذلك كما هو المفتى به الآن.

стр. 759

نظمهم بعضهم بقوله: وقال مالك بالاختيار ... في شفعة الأنقاض والثمار والجرح مثل المال في الأحكام ... والخمس في أنملة الإبهام وقوله: "مثل المال" أي يثبت بالشاهد واليمين كالمال. والحاصل: أن الأربعة [١] مسائل: اثنتان منها في الشفعة، واثنتان في الجناية. (ومقثأة) من بطيخ أصفر أو أخضر أو خيار ونحوها، فيها الشفعة إذا باع أحد الشريكين (وباذنجان) بفتح المعجمة وكسرها (وقرع وبامية ونحوها) مما له أصل تجنى ثمرته وأصله باق كالقن والفول الأخضر الذي يزرع ليباع أخضر (ولو) بيعت (مفردة) عن أصلها، وانظر تمام المسألة في الأصل. (لا زرع): كقمح وكتان وفول زرع ليحصد وبرسيم فلا شفعة فيه (و) لا (بقل) مما ينزع من أصله كفجل وجزر وبصل وقلقاس وملوخية (ولو بيع) الزرع أو البقل (مع أرضه) فلا شفعة فيه، وإنما هي في الأرض فقط بما ينوبها من الثمن. (ولا) شفعة في (عرصة): وهي ساحة الدار التي بين بيوتها أو على جهة من بيوتها تسمى في عرف العامة بـ "الحوش". (و) لا في (ممر) أي طريق وهو المعروف بالمجاز الذي يتوصل منه إلى ساحة الدار (قسم) بين الشريكين أو الشركاء (متبوعهما) من البيوت وبقيت الساحة أو الممر مشتركاً بينهما. فإذا باع أحدهما حصته منهما مع ما حصل له من البيوت، أو باعها مفردة فلا شفعة فيها للآخر؛ لأنها لما كانت تابعة لما لا شفعة فيه - وهو البيوت المنقسمة - كان لا شفعة فيها. وقيل: إن باعها وحدها وجبت الشفعة. (و) لا في (حيوان، إلا) حيواناً (في كحائط): أي بستان. وأدخلت الكاف: المعصرة والمجبسة. فإذا كانت الحائط مشتركة وفيها حيوان كبقر أو آدمي مشترك [٢] بينهما فباع أحدهما نصيبه من الحائط فللآخر الأخذ بالشفعة في الحائط والحيوان. وذكر الكاف لإدخال ما ذكر من القياس الجلي، فلا وجه لتوقف ابن غازي فيه واعتراضه على المصنف. ــ قوله: [نظمهم بعضهم]: أي الذي هو (ح)، وأورده خامسة ذكرها في المدونة وهي: هلكت المرأة ولها ولد يتيم لا وصي له فأوصت عليه لم يجز ذلك إلا إن كان المال يسيراً نحو الستين ديناراً فلا ينزع من الوصي، استحسنه مالك وليس بقياس، وقد عدها ابن ناجي خمساً في شرح الرسالة فذكر هذه، ولذلك زاد (ح) على البيتين: وفي وصي الأم باليسير ... منها ولا ولي للصغير فإن قلت: كيف تكون مستحسنات الإمام قاصرة على هذه المسائل مع أن الاستحسان في مسائل الفقه أكثر من القياس؟ كما قال المتيطي، وقال مالك إنه تسعة أعشار العلم؟ وأجيب: بأنه إنما خص الإمام بهذه المسائل مع أنه وقع منه غيرها لانفراده بها. قوله: [ولو بيعت مفردة عن أصلها]: شملت هذه المسألة ثلاث صور: الأولى: إذا باع الأصل دون الثمرة ثم باع أحدهما نصيبه فيها. الثانية: أن يكون الأصل باقياً وباع أحدهما نصيبه من الثمرة. الثالثة: أن يشتريا معاً الثمرة ويبيع أحدهما نصيبه منها، وردّ بـ "لو" على أصبغ وعبد الملك القائلين: لا شفعة فيها مطلقاً، وعلى أشهب القائل: لا شفعة فيها إذا لم يكن الأصل لهما. قوله: [وانظر تمام المسألة في الأصل]: حاصله أن الثمرة تؤخذ بالشفعة ما لم تيبس بعد العقد وقبل الأخذ بالشفعة، وإلا فلا شفعة فيها، وكذا إذا وقع العقد عليها وهي يابسة كما في المدونة: ولو باع أحد الشريكين الأصول، وعليها ثمرة قد أزهت أو أبرت قبل البيع واشترطها المشتري لنفسه، ولم يأخذ الشفيع بالشفعة حتى يبست وقلنا بسقوط الشفعة حينئذ فيها وأخذت الأصول بالشفعة حط عن الشفيع ما ينوب الثمرة من الثمن، وأما لو اشترى الأصول ولم يكن فيها ثمرة أبرت أخذت بالشفعة مع الأصول ما لم تيبس أو تجذ، وإلا فاز بها المشتري وأخذ الشفيع الأصول بالثمن، ولا يحط عنه شيء من الثمن في نظير الثمار. وفي الحالة التي يفوز الشفيع فيها بالثمرة يرجع المشتري عليه بالمؤنة من سقي وعلاج، ولو زادت قيمة الكلف على الثمار. قوله: [ولو ببيع]: رد بـ "لو" على من قال: إن فيه الشفعة إذا بيع بأرضه تبعاً. قوله: [ولا شفعة في عرصة]: سميت عرصة لتعرص الصبيان فيها أي تفسحهم. قوله: [وقيل إن باعها وحدها] إلخ: أي كما نقله المواق عن اللخمي. قوله: [إلا حيواناً في كحائط]: أي ينتفع به فيه، وأما الذي لا ينتفع به فيه فلا شفعة فيه. قوله: [في الحائط والحيوان]: أي فإذا وقع الشراء في الحائط بما فيه هلاك بشيء من الله، ثم أراد الشريك أن يأخذ بالشفعة ألزم بجميع الثمن ولا يسقط لما هلك شيء كذا في (عب). قوله: [فلا وجه لتوقف ابن غازي] اعلم أن توقف ابن غازي في الكاف نظراً إلى أن المعصرة والمجبسة مما لا ينقسم في الشفعة على المشهور لا تكون فيه، ومن رد عليه كشارحنا نظر إلى القول الآخر. قال (شب): أدخلت الكاف: الرحى والمعصرة والمجبسة على القول بالشفعة فيما لا يقبل القسم، وأما على القول الآخر فالكاف استقصائية. وقال سيدي أحمد بابا: أدخل بالكاف أرض الزرع ونحوها إن كان بها دابة وحيوان

стр. 760

(و) لا شفعة في (بيع فاسد) لأنه منحل، (إلا أن يفوت) فتثبت الشفعة بالقيمة في المتفق على فساده وبالثمن في المختلف فيه. (و) لا في (كراء): فمن أكرى نصيبه منهما فليس للآخر أخذ بالشفعة. وقيل: فيه الشفعة بشرطين: أن يكون مما ينقسم، وأن يسكن الشفيع بنفسه. (وسقطت) الشفعة (بتنازعهما في سبق الملك) فقال كل منهما: أنا ملكي سابق على ملك الآخر فالشفعة لي، فلا شفعة لأحدهما على الآخر عند عدم البينة الشهادة لأحدهما، وحلفا معاً أو نكلا. (إلا أن يحلف أحدهما فقط) على دعواه وينكل الآخر فالقول للحالف وله الشفعة. (أو قاسم) الشفيع المشتري فتسقط شفعته، وكذا إن طلب القسمة ولم يقسم بالفعل فتسقط شفعته على ما رجحه بعضهم. (أو اشترى) الشفيع الشقص من المشتري فتسقط شفعته. (أو ساوم) الشفيع المشتري، فتسقط ولو لم يشتر بالفعل، لأن مساومته دليل على إعراضه عن الآخذ بالشفعة. (أو استأجر) الشفيع الحصة من المشتري. (أو باع حصته) فتسقط شفعته؛ لأنها شرعت لدفع الضرر وقد انتفى الضرر بالبيع. (أو سكت) الشفيع بلا مانع مع علمه (بهدم أو بناء) من المشتري (ولو للإصلاح)؛ لأن سكوته دليل على إعراضه عن أخذه بها. (أو) سكت بلا مانع (سنة) كاملة بعد العقد (لا أقل) من السنة (ولو) حضر العقد ــ محتاج إليه للعمل. فعلى قول سيدي أحمد بابا يظهر رد الشارح على ابن غازي فتأمل. قوله: [ولا شفعة في بيع فاسد]: أي لانعدامه شرعاً فالشقص لم ينتقل عن ملك بائعه فلو أخذ الشفيع من المشتري بالشفعة، وعلم بالفساد بعد ذلك فسخ بيع الشفعة؛ لأن المبني على الفاسد فاسد. قوله: [إلا أن يفوت] الفوات هنا بغير حوالة الأسواق كتغير الذات بالهدم، وكالبيع من غير علم الشفيع؛ لأن حوالة الأسواق لا تفيت الرباع. قوله: [فتثبت الشفعة بالقيمة] إلخ: محل ذلك إذا كان الفوات بغير بيع صحيح، فإن حصل من المشتري شراء فاسد أو بيع صحيح، فإن للشفيع أن يأخذ من المشتري بالثمن سواء كان البيع الأول متفقاً على فساده أو مختلفاً فيه، وسواء وجد عند المشتري الأول مفوت قبل البيع الصحيح أم لا. قوله: [ولا في كراء]: أي لأن الشفعة لا تكون إلا عند انتقال الملك للذات، ولم يحصل في الكراء. قوله: [عند عدم البينة الشهادة]: هكذا نسخة المؤلف بالمصدر وهو صفة للبينة على حذف مضاف، أو تؤول الشهادة بمعنى الشاهد، على حد ما قيل في زيد عدل. قوله: [على ما رجحه بعضهم]: أي كما هو لابن القاسم الجزيري ومن وافقه من الموثقين. قوله: [أو اشترى]: أي ولو كان شراؤه جهلاً منه بحكم الشفعة فلا يعذر بالجهل كما في (ح) فإن قلت: إن الشفيع المشتري للشقص قد ملكه بالشراء كما يملكه بالشفعة وما معنى سقوطها؟ أجيب: بأن فائدته إذا اختلف الثمن الذي أخذ به المشتري والذي أخذ به الشفيع، كما لو كان البائع باع الشقص بمائة ثم اشتراه من له الشفعة من المشتري بمائة وخمسين، فليس له أن يرجع على بائعه، ويأخذ منه بالمائة التي هي ثمن الشفعة، وتظهر أيضاً فيما إذا اشترى من له الشفعة من المشتري بغير جنس الثمن الأول فليس له أن يرجع عليه ويغرم له من جنس الثمن الأول. قوله: [أو ساوم]: أي ما لم يرد بالمساومة الشراء بالأقل من ثمن الشفعة، وإلا فلا تسقط بها الشفعة ويحلف كما في التوضيح كذا في (بن). قوله: [أو باع حصته]: أي ويصير للمشتري الأول الشفعة على المشتري الثاني، ثم إن ظاهر المصنف سقوطها ببيع حصته، ولو فسد ورد المبيع على الشفيع وليس كذلك، بل الظاهر أن له الشفعة إذا ردت عليه حصته في البيع الفاسد كما له ذلك إذا باع حصته بالخيار وردت له، ثم المراد بقوله: "أو باع حصته" أي كلها، فإن باع بعضها لم تسقط، واختلف: هل له شفعة بقدر ما بقي وهو -المأخوذ من المدونة- أو له الكامل؟ واختاره اللخمي، والمعتمد الأول: ومحل هذا الخلاف إذا تعدد الشركاء كثلاثة شركاء في دار لكل واحد ثلثها باع أحدهم نصيبه، ثم باع الثاني النصف من نصيبه فاختلف هل يشفع هذا الثاني فيما باعه الأول بقدر ما باع وما بقي له أو بقدر ما بقي له فقط؟ وأما لو لم يكن معه شريك آخر فله الكامل من غير خلاف، وظاهر المصنف أيضاً سقوط الشفعة ببيع حصته ولو غير عالم ببيع شريكه، وهو ظاهر المدونة، وقيل: محل السقوط إذا باع عالماً ببيع شريكه فإن باع غير عالم ببيع شريكه فلا تسقط شفعته قال بعضهم: وهو أظهر. قوله: [ولو للإصلاح]: أي فليست كمسألة الحيازة فإنه لا يفيت العقار على مالكه إذا سكن دون مدتها إلا الهدم والبناء لغير إصلاح. قوله: [أو سكت بلا مانع سنة] أي والموضوع أن الآخذ بها بالغ عاقل رشيد أو ولي سفيه أو صغير، وأما الصبي والسفيه المهمل فلا يسقط شفعته شيء من ذلك. قوله: [كاملة]: أي بل وشهرين قال في الأصل: والمعول عليه -وهو مذهب المدونة- أنها لا تسقط إلا

стр. 761

و (كتب شهادته) في الوثيقة (على الأرجح) مما درج عليه الشيخ (كأن علم) ببيع شريكه (فغاب) بعد علمه فتسقط شفعته إن مضت سنة لا أقل (إلا أن يظن الأوبة): أي الرجوع من سفره (قبلها) أي قبل السنة (فعيق): أي حصل أمر عاقه قهراً عنه، فإنه يبقى على شفعته ولو طال الزمن، إن شهدت بينة بعذره أو قامت القرينة على ذلك. واعلم أنه إن بعد الزمن - كسبعة أشهر - فلا يمكن من الأخذ بالشفعة، إلا إذا حلف أنه ما أسقط شفعته، وأنه للآن باق عليها، هذا إذا لم يكتب شهادته في وثيقة البيع. فإن كتبها فالبعد عشرة أيام بعد كتبه، فلا يمكن من الأخذ بالشفعة إلا بيمين، ذكره ابن رشد، وحمل عليه المدونة: نقله الحطاب قال: ويؤخذ منه أنه إذا علم وغاب وطال يحلف بالأولى. وهذا معنى قول الشيخ: "وحلف إن بعد" (وصدق) الشفيع الحاضر زمن البيع سواء غاب بعد ذلك أم لا (إن أنكر العلم) بالبيع، قال، في التوضيح: لو أنكر الشفيع العلم وهو حاضر، فنقل أبو الحسن عن ابن القاسم وأشهب أنه يصدق ولو طال؛ لأن الأصل عدم العلم. والحاصل أنه لا تسقط شفعته إلا بعد عام من علمه فإن قام بعد مدة طويلة وادعى عدم العلم صدق بيمينه. (لا إن غاب قبل علمه) بالبيع (أو لم يعلم) وهو حاضر فلا تسقط شفعته، وله القيام بها أبداً حتى يقدم من سفره ويعلم، أو يعلم الحاضر فله سنة بعد علمه كما تقدم. والأنسب تأخير قوله وصدق إن أنكر العلم عن قوله أو لم يعلم. (أو أسقط) الشفيع شفعته (لكذب في الثمن) بزيادة بأن قيل: اشترى بعشرة، فأسقط، فتبين بخمسة، فله الأخذ بالشفعة ولو طال الزمن (وحلف) أنه إنما أسقط للكذب. فإن نكل فلا شفعة له. (أو) أسقط لكذب في الشقص (المبيع) بأن قيل له: باع بعضه فأسقط فتبين أنه باع الكل فله القيام بشفعته. (أو في المشتري) بأن قيل له: فلان الصالح أو قريبك، فأسقط، فتبين خلافه فله القيام. (أو) لكذب في (انفراده) فتبين أنه متعدد. (أو أسقط وصي) على يتيم الشفعة لليتيم (أو) أسقط (أب) شفعة ابنه القاصر (بلا نظر) منهما، وثبت ذلك فلا تسقط وله أو للقاصر، إذا بلغ، القيام بها. فإن أسقطا النظر سقطت، وحملا عليه عند الجهل بخلاف الحاكم فلا يحمل عليه عنده. (وطولب) الشفيع: أي للمشتري أن يطالبه (بالأخذ) بالشفعة أو الترك (بعد اشترائه) الشقص (لا قبله) فليس له طلبه بالأخذ إذا لم يجب له استحقاقه، ولو طالبه قبل الشراء فأسقط (فلا يلزمه) الإسقاط (ولو علق) الإسقاط على الشراء، بأن قال إن اشتريت فقد أسقطت شفعتي فله القيام بها؛ لأنه أسقط شيئاً قبل وجوبه. (واستعجل) الشفيع: أي للمشتري أن يستعجله بالأخذ أو الترك بعد الشراء (إن قصد) الشفيع (تروياً) في الأخذ وعدمه، ولا يمهل لذلك بأيوقفه عند حاكم ويستعجله. فإن قال: أخروني حتى أتروى، فلا يؤخر فإن أجاب بشيء وإلا أسقطها الحاكم وسقطت. (أو) قصد (نظرا في) الشقص (المشترى) بفتح الراء بالمشاهدة ليعلم حقيقته، فلا يجاب لتأخير حتى يذهب إليه فينظره بل يوصف له بالحضرة لصحة البيع، ويقال له: إما أن تأخذ أو تسقط. فإن أجاب بشيء، وإلا أسقطها الحاكم (إلا لبعده): أي محل الشقص عن محل الشفيع فيما إذا طلب النظر فيه بعداً قليلاً لا ضرر في الذهاب إليه ــ بمضي سنة وما قاربها كشهر بعدها مطلقاً، ولو كتب شهادته في الوثيقة. قوله: [وكتب شهادته في الوثيقة]: أي كما هو مذهب المدونة. قوله: [فإنه يبقى على شفعته]: أي ويحسب له سنة بعد الحضور والعلم. قوله: [أنه إذا علم وغاب وطال يحلف] إلخ: قال في الأصل: فلا يحلف المسافر إلا إن زاد على شهرين بعد السنة زيادة بينة، سواء كتب شهادته قبل سفره أو لا، فإن قدم بعدها بشهر أو شهرين أو أكثر بأيام قليلة أخذ بلا يمين. اهـ. قوله: [حتى يقدم من سفره ويعلم]: أي ويسكت عاماً بعد العلم لغير عذر. قوله: [فله سنة بعد علمه]: أي فالحاضر يحسب له سنة بعد العلم، والغائب يحسب له سنة بعد القدوم والعلم. قوله: [والأنسب تأخير قوله وصدق]: إلخ: أي ويكون قوله وصدق إن أنكر العلم قيداً في الجميع. قوله: [بأن قيل]: بني الفعل للمجهول إشارة إلى أنه لا فرق بين كون القائل له المشتري أو غيره. قوله: [بأن قيل له باع بعضه] أي وأما لو أخبر أن شريكه باع الكل فأسقط، ثم علم أنه باع النصف فأراد الأخذ، وقال: إنما سلمت لعدم قدرتي على أخذ الجميع، فقال أشهب: تسقط الشفعة وليس للشريك الأخذ في تلك الصورة. قوله: [فتبين أنه متعدد]: وكذا الكذب في التعدد فتبين الانفراد إن كان له في التعدد غرض. قوله: [بلا نظر منهما]: هذا هو الراجح. ومقابله أنها تسقط بإسقاط الأب والوصي ولو بلا نظر، قال أبو الحسن: وبه قال أبو عمران، وسبب الخلاف هل الشفعة استحقاق أو بمنزلة الشراء، فعلى الأول لا يعتبر إسقاطهما إن كان غير نظر، وعلى الثاني يعتبر إذ لا يلزم الوصي والأب إلا حفظ مال المحجور لا تنميته. قوله: [فلا يحمل عليه عنده]: أي لكثرة أشغاله لا لطعن فيه. قوله: [وطولب الشفيع]: أي عند حاكم. وقوله: [بالأخذ بالشفعة أو الترك]: أي فإن أجاب بواحد منهما فظاهر، وإلا أسقط الحاكم شفعته. قوله: [قبل وجوبه]: أي قبل ثبوته وتحققه. قوله: [بأن يوقفه عند حاكم]:

стр. 762

(كساعة فأقل) فإنه يجاب لذلك، لا إن كانت المسافة أكثر من ذلك فلا يجاب إلى الذهاب إليه، فعلم أن قولهم: له الشفعة ولو بعد عام محله إذا لم يوقفه عند حاكم ويستعجله ولم يسقط حقه إذا طالبه عند غيره. (وهي): أي الشفعة تفض (على حسب الأنصباء) عند تعدد الشركاء، لا على الرؤوس، فإذا كانوا ثلاثة - لأحدهم النصف وللثاني الثلث وللثالث السدس. فإذا باع صاحب النصف فلذي الثلث منه ثلثاه وهو ثلث الجميع ولذي السدس ثلثه وهو سدس الجميع فيصير معه ثلث جميع الدار ومع ذي الثلث ثلثاها، وإذا باع صاحب الثلث فض على أربعة سهام فلذي النصف ثلاثة منها ولذي السدس سهم وإذا باع صاحب السدس فض على خمسة أسهم لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث اثنان وسواء فيما ينقسم وما لا ينقسم على القول به، خلافاً لمن فرق وهو اللخمي وإذا كانت على الأنصباء وباع أحد الشركاء لواحد منهم كما لو باع صاحب النصف لصاحب الثلث (فيترك للمشتري حصته) سهمين من ثلاثة هما ثلثا الجميع وأخذ صاحب السدس سهماً هو سدس الجميع (وملكه): أي الشفيع، أي ملك الشقص المباع بأحد أمور ثلاثة: (بحكم) من حاكم به بعد ثبوت البيع عنده. (أو دفع ثمن) أو قيمة للشقص لمشتريه. (أو إشهاد بالأخذ) بشفعته ولو في غيبة المشتري فإذا لم يوجد واحد من هذه الثلاثة لم يدخل الشقص في ملك الشفيع فلا تصرف له فيه بوجه من وجوه الملك. (ولزمه) الأخذ (إن قال: أخذت) بالماضي لا بالمضارع ولا باسم الفاعل. (وعرف الثمن) الواو للحال: أي في حال معرفته الثمن - لا إن لم يعرفه - فلا يلزمه الأخذ، وإن كان صحيحاً. وقيل: بل فاسد لأن الأخذ بالشفعة ابتداء بيع فلا بد من علم الثمن وإلا لزم البيع بثمن مجهول فيرد وله الأخذ بعد ذلك؛ والحاصل أنه إن عرف الثمن وقال أخذت، أو ما في معناه، لزمه الأخذ وسواء حكم له الحاكم به بعد الرفع له أو دفع الثمن أو شهد عليه بذلك فالمدار على إنشاء الأخذ بعد معرفة الثمن فلا كبير فائدة في قولنا: "وملكه" إلخ. وأصله لابن شاس تبعه فيه ابن الحاجب والشيخ. ولزم المشتري تسليمه الشقص (إن سلم) له الأخذ، بأن قال - بعد قول الشفيع: أخذت، وأنا قد سلمت لك ذلك فيتبعه بالثمن المعجل فإن وفى، وإلا (فيباع) الشقص ــ هكذا نسخة المؤلف ولعلها: بل يوقفه إلخ أو سقطت النون، والأصل بأن يوقفه. قوله: [كساعة]: أي فلكية وهي خمس عشرة درجة. قوله: [إذا لم يوقفه عند حاكم]: أي ويحكم الحاكم بإسقاط شفعته. وقوله: [ولم يسقط حقه]: معطوف على قوله لم يوقفه: "عند حاكم" والمعنى: أنه تبطل شفاعته بأحد أمرين: إما بإسقاط الحاكم لها أو بشهادة البينة عليه بالإسقاط إن لم يكن حاكم. قوله: [فيصير معه ثلث جميع الدار] إلخ: أي بانضمام المأخوذ بالشفعة للأصلي. قوله: [فلذي النصف ثلاثة منها]: أي تضم لنصفه يصير له أربعة أسداس الجميع ونصف سدسه. وقوله: [ولذي السدس سهم]: أي يضم لسدسه فيصير له سدس الجميع ونصف سدسه. قوله: [لصاحب النصف ثلاثة]: أي تضم لنصفه فيصير له ثلاثة أسداس الجميع، وثلاثة أخماس السدس. وقوله: [ولصاحب الثلث اثنان]: أي يضمان لثلثه فيصير له سدساً الجميع وخمساً السدس. قوله: [خلافاً لمن فرق]: أي حيث قال: إنها على الأنصباء فيما يقبل القسمة، وعلى الرؤوس فيما لا يقبلها، والمعتبر في الأنصباء يوم قيام الشفيع لا يوم شراء الأجنبي خلافاً للخمي أيضاً. تنبيه: للشفيع نقص وقف أحدثه المشتري -ولو مسجداً- كهبة وصدقة، والثمن الذي يأخذه المشتري من الشفيع للموهوب له أو المتصدق عليه إن علم المشتري أن له شفيعاً؛ لأنه حينئذ دخل على هبة الثمن، فإن لم يعلم فالثمن للمشتري لا للموهوب له. هكذا في الأصل. قوله: [كما لو باع صاحب النصف]: أي في المثال المتقدم. وقوله: [ثلث الجميع]: أي يضم لما عنده فيصير له ثلثا الجميع. وقوله: [هو سدس الجميع]: أي يضم لسدسه الأصلي فيصير له ثلث الجميع. قوله: [وملكه أي الشفيع] إلخ: سيأتي أنه لا كبير فائدة في هذه الأمور، بل المدار على قوله أخذت مع معرفة الثمن كما يأتي في الشارح. قوله: [أو قيمة]: أي كما في المسائل السبع المتقدمة، وفي البيع الفاسد إذا مضى بالقيمة. قوله: [أو إشهاد بالأخذ]: أي وأما الإشهاد بأنه باق على شفعته فلا يملكه بذلك سواء أشهد بذلك خفية أو جهرة، فلو أشهد أنه باق على شفعته، ثم سكت حتى جاوز الأمد المسقط حق الحاضر، ثم قام بطلبها فلا ينفعه ذلك وتسقط شفعته. قوله: [ولو في غيبة المشتري]: أي عند ابن عرفة، خلافاً لابن عبد السلام حيث قيد بكون الإشهاد بحضرة المشتري ولا يعرف ذلك لغيره. قال بعضهم: ولعل هذا الخلاف مخرج على الخلاف في أن الشفعة شراء أو استحقاق، فكلام ابن عرفة على الثاني، وكلام ابن عبد السلام على الأول. قوله: [فلا تصرف له فيه بوجه]:

стр. 763

أو غيره (للثمن): أي لأجل وفائه (فإن لم يسلم) بأن امتنع أو سكت بعد قوله: أخذت، (فإن عجل) الشفيع (الثمن) أخذه قهراً عنه (وإلا) يعجله (أسقطها) أي الشفعة (الحاكم) ولا يباع الشقص. وهذا إنما يكون في الثمن الحال لا المؤجل، وحاصله: أنه إذا عجل الثمن فلا كلام للمشتري وأخذ منه جبراً وإن لم يسلم، وإن لم يعجله فإن سلم أجل للوفاء باجتهاد الحاكم، ولا نقض للشفعة ثم يبيع من ماله ما يوفي به الثمن ولو الشقص، والأولى تقديم ما هو الأولى بالبيع وإن لم يسلم ولم يعجل أجل بالاجتهاد فإن مضى الأجل ولم يأت به فله البقاء على طلب الثمن فيباع له مال الشفيع للوفاء، وله أن يبطل أخذه: بالشفعة. (وإن قال) الشفيع: (أنا آخذ) بالمضارع أو باسم الفاعل (أجل ثلاثة [١]) أي ثلاثة أيام (للنقد): أي لإحضاره، فإن أتى به فيها (وإلا سقطت) شفعته ولا قيام له بها بعد ذلك. (وقدم) في الأخذ بالشفعة (الأخص) في الشركة على غيره: (وهو المشارك في السهم): أي الفرض كالثلث بالنسبة للإخوة لأم والثلثين بالنسبة للأختين (وإن كأخت لأب مع شقيقة)؛ لأنهما شريكتان في الثلثين وإن كانت الشقيقة لها النصف؛ إذ هو ليس بفرض مستقل عند الاجتماع. فإذا باعت إحدى الأختين نصيبها فالشفعة للأخرى دون غيرها من الشركاء الوارثين أو غير الوارثين. ودخل تحت الكاف: بنت ابن مع بنت فأولى التساوي كأختين شقيقتين أو لأب أو بنتين أو بنتي ابن وهو ما قبل المبالغة. (ودخل) الأخص (على الأعم): وهو غير المشارك في السهم، فيشمل العاصب [٢] وغيره. فإذا مات عن بنت فأكثر وعن أخوين أو عمين فباع أحد الأخوين، فإن البنات يدخلن في الشفعة ولا يختص بالأخ أو العم الذي لم يبع. وكذا إذا مات عن بنات ماتت إحداهن عن أولاد، فإذا باعت إحدى البنتين دخل مع الأخرى أولاد الميتة. وإذا باع واحد من أولاد الميتة لم يدخل في حصته واحدة من الخالات؛ لأن الأعم لا يدخل مع الأخص. وإنما كان أصحاب الوراثة أخص لأنهم أقرب للميت الثاني. قال في التوضيح: لو حصلت شركة بوراثة عن وراثه لكان أهل الوراثة السفلى أولى - نص عليه في المدونة. كما إذا ورث ثلاثة بنين داراً ثم مات أحدهم عن أولاد، فإنه إذا باع أحد الأولاد، كان إخوته أولى ثم الأعمام اهـ. أي ولو باع الأعمام لدخل أولاد أخيهم معهم ولا يختص بقية الأعمام. (كوارث) ذي سهم ــ أي فلو باع الشفيع الشقص مثلاً كان بيعه باطلاً. قوله: [أو غيره]: أي مما هو أولى بالبيع. قوله: [بأن امتنع أو سكت]: أي المشتري. وقوله: [بعد قوله أخذت]: أي الشفيع. قوله: [لا المؤجل]: أي فالمطالبة والإسقاط لا يكونان في المؤجل، بل يسلم له الشقص ويمهل للأجل إن كان مليئاً أو ضمنه مليء. قوله: [وأخذ]: أي الشقص. وقوله: [منه]: أي المشتري. قوله: [وإن قال الشفيع أنا آخذ]: أي والحال أن المشتري سلم له الأخذ. وأما إن سكت المشتري أو أبى، فإن عجل الشفيع الثمن أخذه من المشتري جبراً، وإلا أبطلت شفعته حالاً فيهما، ورجع الشقص للمشتري. تنبيه: إن اتحدت الصفقة وتعددت الحصص المشتراة في أماكن مختلفة، واتحد المشتري، كأن يكون لثلاثة شركة مع رابع -هذا في بستان وهذا في دار وهذا في دار أخرى- فباع الثلاثة أنصباءهم لأجنبي صفقة واحدة، وأراد الرابع الأخذ بالشفعة لم تتبعض؛ بل إما أن يأخذ الجميع أو يترك الجميع إذا امتنع المشتري من ذلك كتعدد المشترى على الأصح، والمسألة بحالها من اتحاد الصفقة كما إذا وقع الشراء لجماعة في صفقة واحدة، وتميز لكل ما يخصه تعدد البائع أو اتحد فليس للشفيع إلا أخذ الجميع أو ترك الجميع إلا أن يرضى من يريد الأخذ منه، وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة. وكما إذا أسقط بعض الشفعاء حقه من الأخذ أو غاب فيقال للباقي إما أن تأخذ الجميع أو تترك الجميع، وليس له أخذ حقه فقط إلا برضا المشتري، وكذلك لو أراد المشتري التبعيض وأبى الشفيع فالقول للشفيع فعلم أن القول لمن أراد عدمه، فإن رضي به جاز وعمل به، وإذا قلنا بأخذ الجميع في مسألة الغائب وحضر الغائب فله حصته على تقدير لو كان حاضراً مع الآخذ فقط لا حصته على تقدير حضور الجميع فلا ينظر لنصيب من بقي غائباً، فإن حضر ثالث أخذ منهما على تقدير أن الشفعة لثلاث ويقطع النظر عن الغائب الرابع، فإذا قدم أخذ منهم على تقدير أن الشفعة لأربع وهكذا. اهـ من الأصل. قوله: [على غيره]: أي كان ذلك الغير صاحب سهم أو لا. قوله: [وهو المشارك في السهم]: لا مفهوم له بل قد يكون أخص بالنسبة لقربه من الميت كما في مثال التوضيح الآتي فتأمل. قوله: [وإن كأخت لأب]: أي خلافاً لأشهب. قوله: [وغيره]: أي وهو الموصى لهم والأجانب. قوله: [وكذا إذا مات]: إلخ: مثال آخر قصد به بيان دخول الأخص على الأعم، وعدم دخول الأعم على الأخص. قوله: [عن بنات]: أي ثلاث بدليل ما بعده. وقوله: [عن أولاد]: أي اثنين فأكثر.

стр. 764

أو عاصب فإنه يدخل (على موصى لهم) بعقار باع أحدهم، فلا يختص بالشفعة بقية الموصى لهم بل يدخل معهم الوارث، ومفهومه أن الموصى لهم لا يدخلون مع الوارث إذا باع أحد الورثة وهو قول ابن القاسم؛ لأنهم كأعم مع أخص. (ثم) قدم (الوارث مطلقاً) كان ذا فرض أو عاصباً على أجنبي؛ كثلاثة شركاء في عقار مات أحدهم عن ورثة فباع أحد الورثة ما نابه فإن الوارث يقدم على الأجنبي. فإذا كان البائع مشاركاً لغيره في سهم قدم مشاركه على غيره وإلا كانت الورثة فيه سواء. (ثم الأجنبي): إن أسقط الوارث حقه؛ فإذا كانت دار بين اثنين مات أحدهما عن زوجتين وأختين وعمين [١] فإذا باعت إحدى الزوجتين أو الأختين اختصت الأخرى بالشفعة فإن أسقطت حقها فالشفعة للأختين أو الزوجتين والعمين دون الموصى لهم والأجنبي. فإن أسقطوا حقهم فللموصى لهم دون الأجنبي، فإن أسقطوا فللأجنبي فالمراتب أربعة على الراجح، وقيل: خمسة، المشارك في السهم فذو [٢] الفرض فالعاصب فالموصى له فالأجنبي - وعليه فلو أسقطت إحدى الزوجتين حقها انتقل الحق للأختين فإن أسقطا فللعمين فإن أسقطا فللموصى له فإن أسقط فالأجنبي. (و) لو تعدد البيع (أخذ) الشفيع (بأي بيع شاء) منها، (وعهدته): أي درك المبيع من عيب أو استحقاق طرأ (على من أخذ) الشفيع (ببيعه) فكتب الوثيقة عليه، ويرجع عليه عند ظهور عيب أو استحقاق. وقيد كلامه بقوله: (إلا إذا حضر) الشفيع (عالماً بالبيع) الثاني أو الثالث إن حضر عالماً (فبالأخير) يأخذه [٣] لا بغيره؛ لأن حضوره عالماً يسقط شفعته من الأول (ودفع الثمن لمن أخذ) الشفيع (من يده) الشقص وإن أخذ ببيع غيره (ولو) كان ما أخذ به (أقل) ثمناً، فلو باعه الأول بعشرة والثاني بخمسة عشر فإذا أخذ بالأول دفع له عشرة (ثم يرجع) من أخذ منه (بالزائد له) وهو الخمسة (على بائعه) يقول له: دفعت لك ثمن الشقص خمسة عشر أخذت من الشفيع عشرة فرد لي الخمسة (كما يرد) من أخذ الشقص منه (ما زاد) على ما غرمه (إن كان) الثمن الذي دفع له (أكثر) مما اشترى به كعكس المثال المتقدم؛ كما لو باعه الأول بخمسة عشر وباعه الثاني بعشرة، وأخذ الشفيع بالبيع الأول، فإنه يدفع للثاني لكونه أخذ من يده خمسة عشر يأخذ منها لنفسه عشرة التي دفعها لبائعه ويرد له ما زاد وهو الخمسة؛ فإن أخذ الشفيع في هذا المثال بالبيع الثاني دفع له العشرة التي اشترى بها وهو ظاهر كما لو تساوى الثمنان. وعلى كل حال يدفع الشفيع الثمن الذي أخذ به لمن أخذ الشقص من يده قل أو كثر ولو أخذ ببيع غيره كما تقدم. (ونقض ما بعده): أي ما بعد البيع الذي أخذ به. ومعنى نقضه: تراجع الأثمان ويثبت ما قبله اتفقت الأثمان أو اختلفت. فإن أخذ بالأخير ثبتت البياعات كلها ولا تراجع، وإن أخذ بالأول نقض جميع ما بعده وإن أخذ: بالوسط ثبت ما قبله ونقض ما بعده. فإن اتفقت الأثمان فالأمر ظاهر، وإن اختلفت فوجه التراجع ما ذكرنا والله أعلم. ــ قوله: [أو عاصب]: هكذا بالجر والأظهر نصبه عطفاً على ذا وجره محوج لتكلف. قوله: [وإلا كانت الورثة]: أي سواء كانوا أصحاب فرض أو تعصيب. قوله: [اختصت الأخرى]: أي الزوجة الأخرى في المسألة الأولى، أو الأخت الأخرى في المسألة الثانية. وقوله: [فإن أسقطت حقها]: الضمير يعود على من ذكر من إحدى الزوجتين أو الأختين. وقوله: [فالشفعة للأختين] إلخ: مفرع على ما قبله على سبيل اللف والنشر المرتب، والمعنى: أنه إذا أسقطت إحدى الزوجتين حقها فالشفعة للأختين مع العمين، وإن أسقطت إحدى الأختين حقها فالشفعة للزوجتين مع العمين. وقوله: [دون الموصى لهم والأجنبي]: أي فالشفعة لمن ذكر غير الموصى لهم والأجنبي فلا شفعة للموصى لهم والأجنبي مع وجود من ذكر. قوله: [فالمراتب أربعة]: المناسب أربع أي وهي: ذو السهم، والوارث كان ذا فرض أو عاصباً والموصى لهم والأجنبي، أي وأن كلاً منهم يدخل على من بعده دون العكس، وقد نصوا على أن وارث كل ينزل منزلته وكذا المشتري من كل منهما ينزل منزلة البائع. قوله: [فكتب الوثيقة عليه]: يقرأ بالمصدر مفرع على قوله: "وعهدته"، أي يكتب في وثيقة الشراء اشترى فلان من فلان الشقص الكائن من محل كذا، ومن لوازم الشراء منه ضمانه للثمن إذا استحق أو ظهر به عيب. قوله: [إلا إذا حضر الشفيع عالماً]: حاصله أن محل كون الشفيع يأخذ بأي بيع شاء إذا تعددت البياعات إذا لم يعلم بتعددها أو علم وهو غائب، وأما إذا علم بها وكان حاضراً فإنما يؤخذ بالأخير؛ لأن سكوته مع علمه بتعدد البيع دليل على رضاه بشركة ما عدا الأخير. قوله: [كما لو تساوى الثمنان]: أي أو الأثمان. قوله: [وثبت ما قبله]: أي من البياعات بإجازة الشفيع له، وهذا بخلاف الاستحقاق إذا تداول الشيء المستحق الأملاك، فإن المستحق إذا أجاز بيعاً صح ما بعده من البياعات، ونقض ما قبله: والفرق أن المستحق إذا أجاز بيعاً أخذ ثمنه، وسلم في الشيء المستحق فمضى ما انبنى على ما أجازه، وأما الشفيع إذا اعتبر بيعاً وعول عليه

стр. 765

(والغلة قبلها): أي قبل الشفعة أي الأخذ بها (للمشتري)؛ لأن الضمان منه والغلة بالضمان. (وتحتم عقد كرائه): أي المشتري: أي كرائه الشقص قبل الأخذ بالشفعة فليس للشفيع فسخه (على الأرجح) من التردد. وعليه: (فالكراء له): أي للمشتري بعد الأخذ بالشفعة لا للشفيع، وهذا ظاهر فيما إذا كان وجيبة أو نقد المكري الكراء. وظاهره: ولو طالت المدة كعشرة أعوام وبه وقعت الفتوى؛ لأنها كعيب طرأ. وقيل: إن كانت المدة قليلة كالسنة والسنتين، لما في الطويلة من الضرر. ومقابل الأرجح: له فسخه مطلقاً، فإن أمضاه الشفيع فالأجرة في المستقبل له. قال بعضهم: والخلاف فيما إذا علم أن له شفيعاً وإلا فسخ له قطعاً. (ولا يضمن) المشتري (نقصه): أي نقص الشقص إذا طرأ عليه بعد الشراء بلا سبب منه بل بسماوي، أو بسبب منه لمصلحة، كهدم لمصلحة من غير بناء، بدليل ما سيأتي. وسواء علم أن له شفيعاً أم لا، فإن هدم لا لمصلحة ضمن. فإن هدم وبنى فله قيمته على الشفيع قائماً لعدم تعديه. قال في المدونة: فإن بنى قيل للشفيع: خذه بجميع الثمن وقيمة ما عمر فيها، أشهب: وتعتبر يوم القيام وله قيمة النقص الأول منقوضاً يوم الشراء، فيقال: كم قيمة العرصة بلا بناء، وكم قيمة النقض؟ ثم يقسم الثمن على ذلك فإن وقع منه النقض - نصفه أو ثلثه - فهو الذي يحسب به للشفيع على المشتري ويحط عنه من الثمن ويغرم ما بقي مع قيمة البناء قائماً اهـ. وانظر الأجوبة عن السؤال الوارد هنا في كلام المصنف. (وإن اختلفا): أي الشفيع والمشتري (في الثمن) الذي اشترى به الشقص فقال المشتري: بعشرة وقال الشفيع: بثمانية (فالقول للمشتري بيمين إن أشبه) أشبه الشفيع أم لا (وإلا) يشبه، بأن ادعى ما الشأن أن لا يكون ثمناً لذلك الشقص (فللشفيع) القول، أي: إن أشبه بدليل قوله: (وإن لم يشبها) معاً (حلفا): أي حلف كل على مقتضى دعواه، ورد دعوى صاحبه ــ أخذ نفس الشقص لنفسه فنقض ما بعده ظاهر. قوله: [والغلة قبلها] إلخ: أي: فغلة الشقص الذي استغلها المشتري قبل الأخذ بالشفعة يفوز بها، ولو علم أن له شفيعاً كما يأتي وأنه يأخذ بالشفعة؛ لأنه مجوز لعدم أخذه فهو ذو شبهة. قوله: [وتحتم عقد كرائه]: أي بناء على أن الأخذ بالشفعة بيع. ومن المعلوم أن من اشترى داراً مكتراة فلا ينفسخ كراؤها، والأجرة لبائعها ولا يقبضها المشتري إلا بعد مضي الكراء على ما أفاده الشارح. قوله: [ومقابل الأرجح له فسخه] إلخ: أي بناء على أن الأخذ بالشفعة استحقاق، ومن المعلوم أن من استحق داراً فوجدها مكتراة كان له أخذها ونقض الكراء، ويرجع المكتري بأجرته على المكري، وله إمضاء الكراء، وتكون الأجرة له. قوله: [قال بعضهم والخلاف] إلخ: قال (بن): هذا إذا علم المبتاع أن له شفيعاً، وإلا فلا يفسخ إلا في الوجيبة الطويلة، وأما فيما يتقارب كالسنة ونحوها فذلك نافذ؛ لأنه فعل ما كان له جائزاً. قوله: [كهدم لمصلحة]: أي بأن هدم ليبني أو لأجل توسعة. قوله: [بدليل ما سيأتي]: المناسب حذفه؛ لأن هذه العبارة لا تقال إلا إذا كان الآتي في المتن. قوله: [لا لمصلحة]: أي بل عبثاً. قوله: [ضمن]: أي فيحط عن الشفيع من الثمن بنسبة ما نقصته قيمة الشقص بالهدم عن قيمته سليماً سواء علم أن له شفيعاً أم لا، ولا يقال: كيف يضمنه مع أنه لم يتصرف إلا في ملكه؟ لأنه -لما أخذ الشفيع بشفعته- آل الأمر إلى أنه تصرف في غير ملكه. قوله: [وله قيمة النقض]: أي للشفيع. قوله: [فيقال كم قيمة العرصة بلا بناء]: فيقال خمسون مثلاً. وقوله: [وكم قيمة النقض]: أي فيقال خمسون أيضاً. قوله: [فهو الذي يحسب به للشفيع] إلخ: فلو كان الثمن في المثال مائة، وقيمة البناء قائماً ستون مثلاً فإنه يدفع قيمة البناء قائماً، وهو ستون وخمسون التي تنوب العرصة، ويسقط عنه ما يخص النقض من الثمن، وهو خمسون لا يطالب بها الشفيع لكون المشتري جعله في البيت مثلاً، فيصير الشفيع غارماً مائة وعشرة. قوله: [وانظر الأجوبة عن السؤال]: إلخ: أي عن سؤال سأله بعض الأشياخ لمحمد بن المواز حيث كان يقرأ في جامع عمرو بن العاص فقال له السائل: كيف يمكن إحداث بناء في مشاع مع ثبوت الشفعة والحكم بقيمة البناء قائماً؟ لأن الشفيع إما أن يكون حاضراً ساكتاً عالماً فقد أسقط شفعته أو غائباً فالباني متعد في بنائه فليس له إلا قيمة بنائه منقوضاً، فمن الأجوبة: أن الأمر محمول على أن الشفيع كان غائباً، والعقار لشركائه فباع أحدهم حصته لشخص أجنبي وترك الحاضرون الأخذ بالشفعة وطلبوا المقاسمة مع المشتري، فقاسم وكيل الغائب الغير المفوض عنه أو القاضي بعد الاستقصاء وضرب الأجل، وذلك لا يسقط شفعة الغائب، فهدم المشتري وبنى ثم قدم الغائب فله الأخذ بالشفعة، ويدفع قيمة بناء المشتري قائماً؛ لأنه غير متعد. ومنها: أن يترك الشفيع شفعته لإخبار من أخبره بكثرة الثمن، فلما هدم المشتري وبنى تبين الكذب في الثمن فإنه يستمر على شفعته ويدفع للمشتري قيمة البناء قائماً. والموضوع أن المخبر بكثرة الثمن غير المشتري وإلا فقيمة البناء

стр. 766

(ورد) الثمن (إلى) القيمة (الوسط) بين الناس (كأن نكلا معاً) ونكولهما كحلفهما وقضي للحالف على الناكل. قال ابن رشد: وإن أتى بما لا يشبه؛ لأن صاحبه قد أمكنه بنكوله من دعواه، وقال غيره: أعدل الأقوال: سقوط الشفعة كنسيان الثمن. ولما كانت القسمة من تعلقات الشركة كالشفعة ناسب أن يذكرها عقبها فقال: (باب) في القسمة وأقسامها وأحكامها (القسمة): أي حقيقتها عرفاً: (تعيين): أي تمييز (نصيب كل شريك) من الشركاء - كثروا أو قلوا (في مشاع) عقار أو غيره، (ولو) كان التعيين المذكور (باختصاص تصرف) فيما عين له مع بقاء الشركة في الذات؛ كأن يختص كل بدابة من الدواب المشتركة أو بجهة من الدار مع كونها بينهم، فإنه من القسمة الشرعية ولذا قال: (وهي) أي القسمة أقسام (ثلاثة): الأول: (مهايأة): أي قسمة مهايأة؛ لأن كل واحد هيأ لصاحبه ما ينتفع به. ويقال: تهايؤ بياء تحتية قبل الهمزة، وبه عبر المصنف. ويقال: أيضاً تهانؤ بنون قبل الهمزة ويحتمله كلامه من المهانأة؛ لأن كل واحد هنأ صاحبه بما دفعه له للانتفاع به، وهذا القسم هو ما بعد المبالغة كما بينه بقوله: (وهي) أي قسمة المهايأة (اختصاص كل شريك عن شريكه) في شيء متحد - كعبد أو دار - أو متعدد - كعبدين أو دارين - (بمنفعة) شيء (متحد) كعبد بينهما يستخدمه أحدهما شهراً والثاني شهراً مثلاً، أو دار يسكنها أحدهما مدة والثاني مثلها (أو متعدد) كدارين أو عبدين يأخذ واحد منهما داراً أو عبداً والثاني يأخذ الآخر، أو دار وعبد بينهما يأخذ أحدهما الدار يسكنها، ويأخذ الثاني العبد يستخدمه (في زمن) معلوم. فتعيين الزمن شرط: إذ به يعرف قدر الانتفاع، وإلا فسدت اتفاقاً في المتحد وعلى طريقة ابن عرفة في المتعدد، ويظهر من كلام بعضهم ترجيحها. وطريقة ابن الحاجب وابن عبد السلام: أنه لا يشترط تعيينه في المتعدد ــ منقوضاً. قال الخرشي: وينبغي أن يكون الكذب في المشترى -بالفتح- أو الكسر أو انفراده كالكذب في الثمن. ومنها: أن المشتري اشترى الدار كلها فهدم وبنى، ثم استحق شخص نصفها مثلاً وأخذ النصف الآخر بالشفعة فإنه يدفع للمشتري قيمة بنائه قائماً. قوله: [ورد الثمن إلى القيمة الوسط]: أي وهي قيمة الشقص يوم البيع. خاتمة: إن استحق الثمن المعين من البائع أو رد بعيب بعد الأخذ بالشفعة رجع البائع على المشتري بقيمة شقصه لا بقيمة الثمن المستحق أو المردود بالعيب، ولو كان الثمن المعين مثلياً، إلا النقد المسكوك فمثله. وإن وقع البيع بغير معين رجع بمثله ولو مقوماً لا بقيمة الشقص وعلى كل لا ينتقض ما بين الشفيع والمشتري. وإن وقع الاستحقاق أو الرد بالعيب في الثمن المعين قبل الأخذ بالشفعة بطلت لفسخ البيع. قوله: [ناسب أن يذكرها]: أي القسمة. وقوله: [عقبها]: أي الشفعة، ومعنى هذا الدخول أنه لما كان كل من القسمة والشفعة تابعاً للشركة ذكرهما متواليين بعدها. باب في القسمة باب: أي حقيقتها، وبينها بقوله: القسمة تعيين نصيب كل شريك إلخ. وقوله: [وأقسامها]: أي الثلاثة، وبينها بقوله: "وهي ثلاثة" إلخ، والمراد بأحكامها مسائلها. قوله: [أي حقيقتها عرفاً]: أي وأما لغة فقال الجوهري: قاسمه المال وتقاسماه واقتسماه بينهما بمعنى واحد، والاسم القسمة مؤنثة، وإنما ذكرت في قوله تعالى: ﴿فارزقوهم منه﴾ [النساء: ٨] بعد قوله: ﴿وإذا حضر القسمة﴾ [النساء: ٨]؛ لأنها في الميراث والمال، فالتذكير باعتبار متعلقها أو الضمير يرجع للقسمة لا بالمعنى المتقدم، بل بمعنى المقسوم. وقال في المغرب: القسم -بالفتح- قسم القسام المال بين الشركاء فرقه بينهم، وعين أنصباءهم، ومنه القسم بين النساء والقسم -بالكسر-: النصيب. قوله: [في مشاع]: متعلق بتعيين والمعنى: في مشترك مشاع أي: لكل واحد جزء شائع في جميع أجزاء الشيء المملوك فيصير ذلك الجزء معيناً، إما في جهة إن كان عقاراً، أو في ذات إن كان غيره، أو في أيام إن كانت القسمة مهايأة. قوله: [ولذا قال]: أي ولأجل أن التعريف شامل للتعيين باختصاص التصرف مع بقاء الذات قسمها ثلاثة أقسام بقوله وهي إلخ. قوله: [مهايأة]: أي وهي الإعداد بكسر الهمزة والتجهيز، ويقال هيأ الشيء لصاحبه أعده وجهزه له. قوله: [وبه عبر المصنف]: أي خليل. قوله: [بنون]: أي مضمومة، ويجوز قلب الهمزة بعدها ياء، وحينئذ تقلب ضمة النون كسرة، ويقال أيضاً بالباء؛ لأن كل واحد وهب لصاحبه الاستمتاع بحقه في ذلك الشيء مدة معلومة، ويجوز قلب الهمزة ياء بعد الباء الموحدة كما تقلب بعد النون، ويقال فيها ما قيل في النون. فتحصل أن جملة الصور ثمان: مهايأة بالياء التحتية ومهانأة بالنون، ومهابأة بالباء الموحدة، وتهايؤ بالياء مع الهمزة، وتهانؤ بالنون المضمومة مع الهمزة أو المكسورة مع الياء، وتهايؤ بالباء الموحدة المضمومة مع الهمزة أو المكسورة مع الياء فتأمل. قوله: [ويحتمله كلامه]: أي كلام خليل؛ لأن الرسم واحد.

стр. 767

وعليها فإن عين فلازمة، وإلا فلكل الفسخ متى شاء. وهل يشترط اتحاد الزمن كشهر وشهر أو لا؟ قولان. ثم شرع في أمثلة ذلك مع بيان ما يشترط فيها من عدم طول الزمن في الحيوان بقوله: (كخدمة عبد وركوب دابة) في زمن معين يوماً أو جمعة بل (ولو كشهر) لا أكثر، لأن الحيوان يسرع له التغير بخلاف العقار (وسكنى دار) يسكنها كل مدة معينة (وزرع أرض) مأمونة بينهما يزرعهما كل مدة معينة (ولو سنين) كثيرة، بخلاف غير المأمونة فلا يجوز قسمها مهايأة؛ لأنها كالإجارة يمنع فيها الغرر، فعلم أن شرطها تعيين الزمن وانتفاء الغرر. ولذا لم يجز طول الزمن في الحيوان ونحوه كالثوب، ولم يجز في أرض الزراعة الغير المأمونة. وهي من العقود اللازمة، فليس لأحدهما فسخها إذا تراضيا على شيء وقعت صحيحة إلا برضاهما أو رضاهم إن كانوا جماعة، وإلى ذلك أشار بقوله: (ولزمت) وقوله (كالإجارة): أي في تعيين الزمن واللزوم. وشرطها أيضاً أن تكون في منفعة كركوب وسكنى كما تقدم في تعريفها. (لا) في (غلة): أي كراء، كأن يأخذ كل منهما كراء الدابة أو الدار مدة معينة (وإن يوماً) لكل واحد، فلا يجوز للغرر، إذ يحتمل ألا تكرى في ذلك الزمن أو يقل كراؤها فيه. (و) القسم الثاني: (مراضاة): بأن يتراضيا على أن كل واحد يأخذ شيئاً مما هو مشترك بينهم يرضى به بلا قرعة. وقوله: (فكالبيع): أشار به إلى أن من رضي بشيء منه ملك ذاته وليس له رده إلا بتراضيهما كالإقالة، ولا رد فيها بالغبن إلا إذا أدخلا مقوماً. وقد يتسامح فيها ما لا يتسامح في البيع كما يؤخذ مما يأتي (اتحد الجنس): كثياب أو عبيد (أو اختلف): كثوب وعبد كما يظهر بالأمثلة. (فيجوز) فيها (صوف): أي الرضا بأخذ صوف (على ظهر) [١]: الغنم في نظير شيء آخر يأخذه صاحبه صوفاً أو غيره (إن جز) الصوف: أي إن دخلوا على جزه (بقرب كنصف شهر) فأقل، وإلا منع لما فيه من معين يتأخر قبضه فيكون من السلم في معين وهو ممنوع. (و) جاز (أخذ أحدهما): أي الشريكين كوارثين (عرضاً) حاضراً، كثوب وعبد (وآخر ديناً) على مدين يتبع به المدين إن كان حاضراً مقراً به تأخذه الأحكام وهو معنى قوله: "إن جاز بيعه" أي الدين، لا إن لم يجز. (و) جاز (أخذه قطنية) كفول (والآخر) قمحاً أو شعيراً إذا كان يداً بيد، وإلا منع لما فيه من ربا النسيئة. ولا يجوز ذلك في القرعة؛ لأنها لا يجمع فيها بين صنفين كما يأتي وكذا التي قبلها، وأما أخذ كل دينار على غريم فلا يجوز في المراضاة ولا في القرعة لما فيه من بيع دين بدين، وأما المسألة الأولى فيجوز في القرعة، ولو تأخر الجز أكثر من نصف شهر بناء على أنها تمييز حق إذا قابل الصوف صوفاً مثله إذ لا بد فيها من اتحاد الصنف. (و) جاز (خياره): أي خيار أحدهما أو خيارهما معاً كالخيار في البيع المتقدم ذكره في باب الخيار من المدة المذكورة هناك، وهي تختلف باختلاف المبيع من عقار وغيره ــ قوله: [وعليها فإن عين فلازمة]: أي فالتعيين شرط في لزومها. فتحصل مما قال الشارح إنه إن عين الزمن صحت ولزمت في المقسوم المتحد والمتعدد، وإن لم يعين فسدت في المتحد اتفاقاً وفي المتعدد خلاف، فابن الحاجب يقول بصحتها وإن كانت غير لازمة، وابن عرفة يقول بفسادها. قوله: [لأن الحيوان يسرع له التغير]: أي ولأن المدة التي يقع القبض بعدها هنا كالمدة في الإجارة، فكما لا يجوز إجارة عبد معين على أن يقبض أكثر من شهر لا يجوز في المهايأة أن يستعمله أكثر من شهر. قوله: [يزرعهما]: هكذا نسخة المؤلف بالتثنية، والمناسب إفراد الضمير. قوله: [أي في تعيين الزمن واللزوم]: الأولى أن يقول في اللزوم عند تعيين الزمن. قوله: [لا في غلة]: معطوف على محذوف قدره الشارح بقوله: وشرطها أيضاً أن تكون في منفعة ... إلخ، ويستثنى من قوله: لا في غلة اللبن فيجوز إن حصل فضل بين وسيأتي ذلك. قوله: [إلا إذا أدخلا مقوماً]: أي فإن أدخلا مقوماً رد فيها بالغبن إلحاقاً لها بالقرعة ما لم يطل الزمان، وإلا فلا رد. قوله: [وقد يتسامح فيها ما لا يتسامح في البيع]: أي ولذلك شبهها بالبيع ولم يطلق عليها بيعاً حقيقة. وقوله: [كما يؤخذ مما يأتي]: أي في مسائل الباب التي ذكرها خليل وشراحه، وإن لم يصرح بها شارحنا؛ كجواز قسم القفيز ليأخذ أحدهما ثلثيه والآخر ثلثه بالتراضي منهما، فلو كانت بيعاً حقيقة لما جاز ذلك وأيضاً يجوز فيها قسمة ما أصله أن يباع مكيلاً كصبرة قمح مع ما أصله أن يباع جزافاً كفدان من أرض مع خروج كل منهما عن أصله، ويجوز قسم ما زاد غلته على الثلث على أحد القولين ولم يجيزوا بيعه. قوله: [إن كان حاضراً] إلخ: أي إلى آخر شروط بيع الدين، وهي كما قاله المصنف فيما تقدم: وشرط بيع الدين: حضور المدين، وإقراره، وتعجيل الثمن، وكونه من غير جنسه أو بجنسه واتحد قدراً وصفة، وليس ذهباً بفضة، وعكسه ولا طعام معاوضة. اهـ. قوله: [وكذا التي قبلها]: أي وهي أخذ أحدهما عرضاً والآخر ديناً. قوله: [أي خيار أحدهما أو خيارهما]: أخذ التعميم من إضافة خيار للضمير، والضمير عائد على الأحد الدائر. قوله: [من عقار وغيره]: أي وتقدم أنها في العقار منتهاها ستة وثلاثون يوماً وفي الرقيق عشرة وفي العروض خمسة كالدواب

стр. 768

ومما يعد رضا وغير ذلك كما تقدم، فقوله: (كالبيع) راجع للثلاث مسائل قبله فيفيد القيود المذكورة في كل، فقوله: "وآخر ديناً" أي إن جاز بيعه كالبيع، وقوله: "قطنية" إلخ أي إن كان مناجزة كالبيع، وقوله "خياره" أي إن وجد شرطه المتقدم كالبيع. على أن قوله أولاً: "فكالبيع" يفيدها عند التأمل إلا أنه لما كان الشأن أنه قد يغفل عنه أتى به زيادة للإيضاح والخيار المذكور كما يجوز في المراضاة يجوز في القرعة أيضاً. (و) جاز (أخذ كل) من الشريكين (أحد مزدوجين) كخف ونعل لما في الرضا من التسامح. (و) القسم الثالث: (قرعة): أي قسمة قرعة، وهي المقصودة من هذا الباب؛ لأن المهايأة في المنافع كالإجارة، وقسمة المراضاة في الذات كالبيع، ولكل من الإجارة والبيع باب يخصه وقسمة القرعة: تميز [١] حق في مشاع بين الشركاء، لا بيع؛ فلذا يرد فيها بالغبن ولا بد فيها من مقوم ويجبر عليها من أباها، ولا تكون إلا فيما تماثل أو تجانس ولا يجوز فيها الجمع بين حظ اثنين. (فيفرد) فيها (كل نوع أو صنف) ليقسم على حدته من عقار أو حيوان أو عرض، احتمل القسمة في ذاته أو لا. قال ابن رشد: لا يجمع في القسمة بالسهم الدور مع الحوائط، ولا مع الأرضين، ولا الحوائط مع الأرض؛ بل يقسم كل شيء من ذلك على حدته؛ كما أشار له بقوله: (كدور وأقرحة): يفرد كل منهما على حدته ليقسم، والأقرحة جمع قراح بالفتح وتخفيف الراء: أرض الزراعة. (فإن لم يمكن) قسمه كنخلة وعبد ودار صغرت وحمام، (بيع) وقسم ثمنه. (ويقسم العقار والمقوم بالقيمة) لا بالمساحة ولا بالعدد، فقد يكون فدان أو عبد أو ثوب قيمته عشرة وقيمة الآخر مائة لجودته والرغبة فيه، فقد يقابل شيء بمثله أو أكثر، إلا أن يكون أرض أو غيرها مستوية جودة أو رداءة ورغبة فلا يحتاج لتقويم بل تقسم بالمساحة أو العدد - وأما المثلي - كالدراهم والدنانير والحبوب والقطن والحديد - فإنها تقسم بالعدد أو الكيل أو الوزن ولا تحتاج لقرعة. وقيل: يجوز قسمة بالقرعة أيضاً، ولا وجه له إلا في نحو حلي. (وكفى قاسم) واحد؛ لأن طريقه الإخبار كالقائف والطبيب والمفتي (بخلاف المقوم) للمتلفات فلا بد فيه [٢] من التعدد؛ لأنه يترتب على تقويمه قطع أو غرم، وليس المراد المقوم للسلع المقسومة بالقرعة، فإن المقوم فيها هو القاسم ويكفي فيه الواحد وهو ظاهر كما ذكره الحطاب والخرشي. وما قيل بل الذي يفيده كلامهم - أنه لا بد من تعدد المقوم في القسمة بخلاف القاسم فيكفي الواحد وأن المقوم غير القاسم فبعيد جداً، فتأمل. (وأجره) أي القاسم (بالعدد) ــ إلا ركوبها في البلد فاليومان وخارجه فالبريدان. قوله: [ومما يعد رضا]: أي لقول المصنف فيما تقدم: وانقطع، بما دل على الإمضاء أو الرد وبمضي زمنه، فيلزم المبيع من هو بيده، وله الرد في كالغد ولا يقبل منه بعده أنه اختار أو رد إلا ببينة؛ فالكتابة والتدبير والتزويج والتلذذ والرهن والبيع والتسوق والوسم وتعمد الجناية والإجارة من المشتري رضا ومن البائع رد إلا الإجارة. اهـ. قوله: [يجوز في القرعة أيضاً] أي بخلاف المسألتين قبلها. قوله: [كخف ونعل]: أي يأخذ أحدهما فردة خف والآخر الفردة الأخرى والنعل كذلك، وأدخلت الكاف المصراعين والقرطين، بخلاف قسم الأم العاقلة من ولدها قبل الإثغار فلا يجوز التراضي على ذلك لا في البيع ولا في القسمة. قوله: [فلذا يرد فيها بالغبن]: أي ولو كانت بيعاً لم يرد فيها بالغبن؛ لأن الغبن لا يرد به. قوله: [من مقوم]: بكسر الواو اسم فاعل: وهو المعدل للأنصباء. قوله: [ويجبر عليها من أباها]: أي ولو كانت بيعاً فلا يجبر عليها من أباها؛ لأن البيع لا بد فيه من رضا المتبايعين. قوله: [بالسهم]: المراد به القرعة. قوله: [يفرد كل منهما]: أي من الدور أو الأقرحة. قوله: [ويقسم العقار والمقوم بالقيمة]: أي ويشترط لجمع الدور مع بعضها، أو الأقرحة مع بعضها شرطان سيأتي الكلام عليهما. وعطف "المقوم" على "العقار" من عطف العام على الخاص. قوله: [ورغبة]: إنما عطفها بالواو؛ لأنها تجامع الجودة والرداءة، بخلاف الرداءة فلا تجامع الجودة فلذلك عطفها بأو. قوله: [فإنها تقسم بالعدد أو الكيل أو الوزن]: راجع لقوله: "كالدراهم والدنانير والحبوب والقطن والحديد" على سبيل اللف والنشر المرتب. قوله: [وقيل يجوز قسمه بالقرعة]: قائله ابن عرفة. قوله: [ولا وجه له]: أي لأنه لا بد فيها من مقوم والتقويم منتف هنا. وقوله: [إلا في نحو حلي]: أي لاختلاف الرغبة في أصنافه فيدخله التقويم. قوله: [وكفى قاسم]: المراد الكفاية في الإجزاء وأشعر كلامه أن الاثنين أولى، وبه صرح ابن الحاجب. ولا يشترط فيه عدالة بل يجري ولو عبداً أو كافراً إلا أن يكون مقاماً من القاضي فلا بد فيه من العدالة. قوله: [بل الذي يفيده كلامهم] إلخ: مقول القول. وقوله: [فبعيد]: خبر المبتدأ الذي هو "ما"، والحاصل: أن المعول عليه أن المقوم لا يشترط فيه التعدد إلا إذا كان يترتب على تقويمه حد كسرقة، أو غرم كتقويم المسروق وأرش الجناية والمغصوب. وإنما اشترط فيه التعدد؛ لأنه كالشاهد على القيمة، وأما القاسم والمقوم للقسم فهو نائب عن الحاكم فاكتفي فيه بالواحد على المعول عليه، كما يؤخذ من الحاشية.

стр. 769

أي عدد الورثة ممن طلب القسم أو أباه؛ لأن تعب القاسم في الجزء اليسير كتعبه في الكثير، وكذا كاتب الوثيقة. (وكره) أخذ الأجر ممن قسم لهم؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق ولا شأن الناس (ومنع) الأخذ (إن رزق عليه): أي على القسم (في بيت المال). (وأفرد) في القرعة وجوباً (شجر كل صنف) ليقسم على حدته، فإذا كان في الحائط شجر نخل وتفاح ورمان وخوخ، فكل صنف يفرد على حدته، ويقسم (إن احتمل): أي أمكن إفراده وقسمه بأن يحصل لكل واحد من الشركاء واحد كامل أو أكثر ينتفع به، وإلا ضم لغيره للضرورة، ولا يباع؛ لأنه أضر في الحوائط (إلا إذا اختلطت) الأنواع في الحائط - كنخلة ويليها شجرة رمان فشجرة تفاح وهكذا - فلا يفرد للضرورة، بل يقسم ما فيه بالقيمة، ويجمع لكل واحد من الشركاء حظه في مكان بالقرعة ولا يضر حينئذ ما تحصل له من أصناف الشجر دون صاحبه. (و) إلا (أرضا تفرق): أي تباعد (شجرها) من نوع أو أنواع (فيجمع) في القسم فيها مع شجرها بالقيمة ولا تقسم الأرض على حدة والأشجار على حدة، وإلا أمكن أن يكون شجرك في أرض صاحبك وبالعكس وهو ضرر؛ فهذا الاستثناء الثاني منظور إخراجه من قوله آنفاً: "فيفرد كل نوع" إلخ. والمقصود في هذا قسمة الأرض. وأما الشجر. فهو تبع لها؛ لأنه متفرق فيها. والمقصود من قوله "وأفرد شجر كل صنف" قسمة الشجر؛ لأنها حائط والأرض تبع له. ثم شبه في مطلق الجمع قوله: (كالدور): أي فإنه يجوز جمعها في قسمة القرعة. فإذا مات عن دارين أو أكثر في أمكنة فلا يتعين قسم كل دار على حدتها وإن أمكن، بل يجوز أن تجعل هذه الدار في مقابلة الأخرى بالقيمة، ثم يقرع بشرطين أفادهما بقوله: (إن تقاربا كميل): أو ميلين، أي [١] بحيث [٢] يكون الميل أو الميلان جامعاً لأمكنتهما حتى يصح ضم بعضها لبعض في القسمة. فإن تباعدت لم يجز جمعها، بل يتعين قسم كل دار على حدتها؛ لأن شأن التباعد يؤدي إلى اختلاف الأغراض؛ لأن أكثر من الميلين يؤدي إلى كونها في بلدين أو بلد كبيرة إحداهما في الوسط والأخرى في طرفها وهذا مانع من الجمع لما تقدم. (وتساوت) الدور قيمة و (رغبة) لا إن اختلفا في ذلك فلا يجوز الجمع. وبقي شرط ثالث: وهو أن يتعينا ولو بالوصف رفعاً للجهالة. (والأقرحة): أي أراضي الزراعة من الأفدنة (والحوائط) المتعددة (كذلك) ــ قوله: [أي عدد الورثة]: المناسب الشركاء المقسوم لهم والمراد عدد الرؤوس لا عدد الأنصباء. قوله: [وكذا كاتب الوثيقة]: أي أجرة الكاتب، ومثله المقوم تكون على عدد رؤوس المقسوم لهم. قوله: [وكره أخذ الأجر] إلخ: في (بن) تقييد الكراهة بمن كان مقاماً من طرف القاضي للقسمة، أما من استأجره الشركاء على القسم لهم فلا كراهة في أخذه الأجرة. قوله: [ومنع الأخذ إن رزق عليه] إلخ: مثله إذا كان يأخذ مطلقاً قسم أو لم يقسم كالمسمى في زماننا بالقسام، ولا فرق بين كون المال لأيتام أو لكبار، كان له أجر من بيت المال على القسم أو لا، فتحصل أن الصور ثمان؛ لأنه إن كان يأخذه مطلقاً فالمنع في أربع وهي: كان القسم لكبار، أو لصغار، كان له أجر من بيت المال أم لا. وإن كان الأخذ مقيداً بالقسم منع إن كان له أجر من بيت المال، كان القسم لكبار، أو لصغار. وإن لم يكن له أجر كره كان القسم لكبار، أو لصغار، فالمنع في ست، والكراهة في اثنتين، وقد علمت أن محل الكراهة ما لم يقمه الشركاء. قوله: [وأفرد في القرعة وجوباً] احترز عن قسمة المراضاة فإنه يجوز فيها الجمع بين تلك الأصناف. قوله: [واحد كامل]: أي فيصير لكل واحد حظه كاملاً من جميع الأنواع. قوله: [ولا يباع]: أي إلا برضا الشركاء. قوله: [ولا يضر حينئذ]: أي لا يقدح في قسمة القرعة حين الاختلاط؛ لأنه ضرورة. قوله: [وإلا أمكن] إلخ: أي وإلا بأن قسم بالقرعة الشجر وحده والأرض وحدها أمكن إلخ أي ويمكن عدم المخالفة ففيه مخاطرة وهي ضرر كما قال الشارح. قوله: [منظور إخراجه]: أي ملاحظ إخراجه والمعنى أن قوله فيما تقدم: "فيفرد فيها كل نوع أو صنف" إلى آخر ما تقدم في شرحها: إن لم تكن أرض فيها شجر مفرق، وإلا فلا يفرد الشجر عن الأرض في القسمة، بل تقسم الأرض مع الشجر. والتعويل على قسمة الأرض، والشجر تابع لها. قوله: [لأنها حائط]: أي لأن الفرض أنها حائط في المسألة الأولى بخلاف قوله: أو أرضاً تفرق شجرها فإن المقسوم أرض فيها شجر مفرق. قوله: [إن تقاربا كميل]: ذكر هذا الشرط في التوضيح في الدور والأقرحة، وقاله ابن فرحون واعترضه (ر) بأن المدونة لم تجعل الميل حدّاً للقرب إلا في الأرضين والحوائط، وأما الدور فقالت فيها: وإن كان بين الدور مسافة اليومين واليوم لم يجمع. اهـ. قوله: [ورغبة]: المراد بالرغبة في كلام المصنف رغبة الشركاء. ولا يلزم من تساوي الدور في القيمة اتفاق الشركاء في الرغبة فيها فأحد الأمرين لا يغني عن الآخر، وقولهم: إن القيمة تابعة للرغبة، المراد رغبة أهل المعرفة بالتقويم، فلا يرد أنه يلزم من اتحاد القيمة اتحاد الرغبة. قوله: [ولو بالوصف]: محل كفاية التعيين به إذا لم تبعد الغيبة عن تلك الأماكن بحيث يؤمن تغير ذاتها أو سوقها إذا ذهب إليها. قوله: [المتعدد]: أي ما ذكر من الأقرحة

стр. 770

أي يجوز جمعها في القرعة بالقيمة إن تعينت وتقاربت كالميل وتساوت قيمة ورغبة. ويزاد في الحوائط: أن تكون من نوع واحد كما تقدم. (والبز) بالجر عطف على دور: أي وكالبز، فإنه يجوز جمعه في القرعة، ويجوز رفعه على الأقرحة. والخبر محذوف: أي كذلك يجوز جمعه والأول أولى. البز بالفتح: ما يلبس من قطن أو كتان أو صوف أو حرير أو خز، مخيطاً أو غير مخيط. ولذا بالغ على ذلك بقوله: (ولو كصوف وحرير مخيط وغيره [١]) وإنما جاز جمعه؛ لأنه كالصنف الواحد؛ لأن المقصود منهما اللبس والزينة لا تعتبر شرعاً، وسواء احتمل كل القسمة على حدته أم لا. (بعد تقويم كل) على حدته، وإلا لم يجز الجمع. (لا) تجمع أرض (ذات آلة) لسقيها كساقية [٢] وشقدف ودلو (مع غيرها) كأرض تسقى بلا آلة؛ (كبعل) أو سيح أو نيل أو مطر لاختلاف زكاة ما يخرج منهما فكانا كالنوعين. (ومنع ما فيه فساد): أي قسمة قرعة أو مراضاة لما فيه من إضاعة المال بغير حق (كياقوتة) وحجر أعلى وأسفل لرحى. وقلنسوة مما لا ينتفع به إذا قسم، بل يباع ويقسم ثمنه. (و) منع (زرع) أي قسمه بأرضه قبل بدو صلاحه بالخرص أي التحري إن لم يدخلا على جذه (وثمر) بالمثلثة: أي قسمه على رؤوس الشجر سواء كان ثمر نخل -وهو البلح الصغير- أو ثمر غيره على الصحيح خلافاً لمن قصره على الأول (منفرداً) كل منهما عن أصله، وهو الأرض في الزرع والشجر في الثمر. (أو مع أصله) منهما، فهو ممنوع مطلقاً إلا إذا دخلا على جذه عاجلاً. قال في المدونة: قال مالك: إذا ورث قوم شجراً أو نخلاً وفيهما ثمر فلا تقسم الثمار مع الأصل، قال ابن القاسم، وإن كان الثمار طلعاً أو بلحاً إلا أن يجذاه مكانه. وقال في المعين: أو اقتسما الزرع الأخضر فدادين على التحري أو اقتسما الثمرة قبل طيبها فذلك لهما إن دخلا على جذ ذلك مكانهما، ولا يجوز ذلك على التأخير لهما أو لأحدهما اهـ. لما في قسمته مفرداً من بيع طعام بطعام تحرياً على التبقية وهو لا يجوز - وأولى إن بدا صلاحها؛ لأنه ربوي. والشك في التماثل كتحقق التفاضل ــ والحوائط. قوله: [أي يجوز جمعها في القرعة]: أي لجمع الأقرحة وحدها والحوائط وحدها، فمتى وجدت الشروط المذكورة يجوز جمعها ولو كانت بعلاً -وهو ما يشرب بعروقه من رطوبة الأرض، كالذي يزرع بأرض النيل بمصر- وسيحاً وهو -ما يسقى بماء يجري على وجهها كالعيون والأنهار والمطر، وإنما جاز جمعهما لاشتراكهما في جزء الزكاة وهو العشر، وأما ما يسقى بالآلات فلا يجمع مع واحد منهما كما يأتي لاختلافه في جزء الزكاة. قوله: [على دور]: الأولى على الدور؛ لأنه لفظ المتن. قوله: [على الأقرحة]: متعلق بمحذوف أي عطفاً على "الأقرحة" على أنه مبتدأ بدليل قول الشارح والخبر محذوف. قوله: [والأول أولى]: وجه الأولوية أن عطفه على الأقرحة يوهم تقييده بالشروط المتقدمة بسبب أن الأصل في التشبيه أن يكون تاماً، بخلاف عطفه على "الدور" فإن العطف يفيد التشريك في أصل الحكم. قوله: [أو خز]: هو ما كان قيامه حريراً ولحمته قطناً أو صوفاً أو كتاناً. وقوله: [أو غير مخيط]: أي كالأحرمة والشيلان. قوله: [والزينة لا تعتبر]: أي الاختلاف في التزين لا يعتبر. قوله: [وإلا لم يجز الجمع]: أي لما فيه من الجهالة. قوله: [وشقدف]: مراده به الشادوف ونحوه كالنطالة. قوله: [أي قسمة قرعة] إلخ: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: أي قسمه قسمة قرعة إلخ، فهو مصدر مبين لنوعه على حد: سرت سير ذي رشد. قوله: [كياقوتة] إلخ: أي وأما نحو الخفين والمصراعين مما لا فساد في قسمه، وإنما تتوقف منفعة إحداهما على الأخرى ونظيره كالحجر الأعلى والأسفل فيجوز مراضاة لا قرعة. قوله: [وحجر أعلى]: إلخ أي كسره بأن يأخذ كل منها قطعة. قوله: [إن لم يدخلا على جذه]: أي بأن دخلا على التبقية أو سكتا؛ لأن قسمه من البيع وهو يمتنع بيعه منفرداً بالتحري قبل بدوِّ صلاحه على التبقية. فإن دخلا على جذه عاجلاً جاز سواء مع أصله أو منفرداً إن أبر لا إن لم يؤبر، فلا يجوز قسمها لا وحدها ولا مع ثمرها؛ لأن قسمها وحدها فيه استثناء ما لم يؤبر والمشهور منعه، وقسمها مع ثمرها فيه طعام وعرض بطعام وعلى عرض، وجعل الثمر الذي لم يؤبر طعاماً؛ لأنه يؤول إليه ابن سلمون، وإن كان في الأرض زرع مستكن وفي الأصول ثمرة غير مأبورة فلا يجوز القسمة في الأرض والأصول بحال حتى تؤبر الثمرة، ويظهر الزرع؛ لأن ذلك مما لا يجوز استثناؤه، حكى ذلك سحنون في الثمرة قال ابن أبي زمنين: وهو بين صحيح والزرع عندي مثله. اهـ (بن). قوله: [وقال في المعين]: بضم الميم وبالعين المهملة المكسورة بعدها ياء اسم كتاب لأب [٣] إسحاق. وأما المغني بالغين المعجمة بعدها نون: فهو اسم كتاب في الفقه للبساطي. قوله: [أو اقتسما الثمر قبل طيبها]: أي ولا فرق بين كونها ثمرة نخل أو غيرها. قوله: [من بيع طعام بطعام]: أي باعتبار ما يؤول إليه؛ لأنه حين البيع لا يسمى طعاماً. ومقتضى هذه العلة أن مثل البرسيم مما ليس بطعام يجوز قسمه تحرياً على التبقية، وانظر النص. قوله: [وهو لا يجوز]: أي لما فيه من ربا الفضل والنسيئة. قوله: [والشك في التماثل] إلخ: هذا هو

стр. 771

فلا يقسم إلا كيلاً أو وزناً أو يباع فيقسم ثمنه والما قي [١] قسمه مع أصله من بيع طعام وعرض بطعام وعرض، وهو ممنوع. إلا إذا دخلا على الجذ كما تقدم حلاً للشارع [٢]. فما ذكرناه هنا هو المعول عليه. (أو) قسمه (قتاً) بعد حصاده (أو ذًرعاً [٣]) وهو على أرضه بقصبة ونحوها فيمنع للشك في التماثل. (أو) قسم (فيه تراجع) فيمنع في القرعة، كما لو كان بينهما شاتان، أو عبدان أحدهما يساوي عشرة والثاني يساوي عشرين ودخلا بالقرعة على أن من وقع في قسمه ما يساوي عشرين يرد لصاحبه خمسة، إذ لا يدري كل منهما: هل يرجع أو يرجع عليه؟ وهو من الجهالة والغرر. وأما في المراضاة فيجوز، وظاهره: قل ما به التراجع أو كثر. ورجح وقال الشيخ: إلا أن يقل؛ أي ما به التراجع. قال بعضهم: كنصف العشر فدون فيجوز. (أو لبن) بالرفع عطف على "ما فيه فساد": أي ومنع لبن أي قسم لبن (في ضروع) للغنم أو البقر أو غيرهما - قرعة أو مراضاة - لما فيه من المخاطرة والغرر. ومعناه: أن يكون بينهما شاتان أو أكثر، فيأخذ كل واحد منهما شاة ليأكل لبنها مع بقاء الشركة في الذات (إلا لفضل بين): أي ظاهر بين اللبنين بأن تكون إحداهما تحلب رطلين والأخرى رطلاً أو يأخذ أحدهما ثنتين والثاني واحدة والثلاثة متقاربة في قدر اللبن فيجوز؛ لأنهما حينئذ خرجا من باب المغالبة إلى ساحة المعروف. (ولا يجمع) في قسمة القرعة أي لا يجوز الجمع (بين عاصبين) أو أكثر ويفرد عاصب أو أكثر (إلا مع ذي فرض) كزوجة وأخوين أو أخ لأم أو أخت لأب وعمين (فلهم): أي للعصبة (الجمع أولاً) أي ابتداء برضاهم ثم يقرع بينهم وبين صاحب الفرض، ثم إن شاءوا قسموا فيما بينهم (كذوي سهم): أي مع غيرهم فإنهم يجمعون أولاً وإن أبى أحدهم الجمع في هذه ــ ربا الفضل فيمنع عند بدو الصلاح، ولو دخلا على الجذ. قوله: [فلا يقسم إلا كيلاً أو وزناً]: أي ولا يجوز قسمه بالتحري في أرضه إلا إذا تبين الفضل من أحد الجانبين كما إذا ترك فدانين في نظير فدان والزرع واحد لا تفاوت فيه فيجوز في جميع الربويات. قوله: [ولما في قسمه مع أصله]: معطوف على قوله: " لما في قسمه مفرداً " فموضوعه فيما لم يبد صلاحه بدليل قوله: " إلا إذا دخلا على الجذ " إلخ. قوله: [من بيع طعام وعرض] إلخ: الطعام هو الثمر والعرض هو الأصول، وإنما منع؛ لأن العرض المصاحب للطعام حكمه حكم الطعام فحصلت الجهالة في الطرفين والشك في التماثل كتحقق التفاضل. قوله: [فيمنع]: أي وإنما يقسم بعد تصفيته بمعياره الشرعي وهو الكيل وإنما امتنع هنا قسم الزرع قتاً أو على أرضه وجاز بيعه قتاً أو في أرضه بشروط الجزاف لكثرة الخطر هنا؛ إذ يعتبر في كل من الطرفين شروط الجزاف لو قيل بجوازه. بخلاف البيع فإنها إنما تعتبر في طرف البيع فقط. قوله: [وظاهره]: الضمير عائد على كلام المصنف. قوله: [وقال الشيخ إلا أن يقل] إلخ: ما قاله خليل تبع فيه اللخمي وهو ضعيف، وإن سلمه ابن عبد السلام. وأما القول بالمنع مطلقاً فهو الراجح كما أفاده الشارح، وقال ابن عرفة: ظاهر الروايات منع التعديل في قسم القرعة بالعين مطلقاً. اهـ. قوله: [أن يكون بينهما شاتان]: أي مثلاً وفي الحقيقة لا فرق بين اتفاق ذوات اللبن أو اختلافهما كبقر وغنم، والحكم ما قاله الشارح. قوله: [فيأخذ كل واحد منهما شاة]: مثل ذلك البهيمة الواحدة يأخذها كل واحد يوماً. تنبيه: مما يمنع أيضاً: قسم الشركاء داراً مثلاً بلا مخرج لأحدهما سواء كان بقرعة أو بغيرها؛ لأن هذا ليس من قسم المسلمين، ومحل المنع إذا لم يكن لصاحب الحصة الذي ليس له في المخرج شيء ما يمكن أن يجعل له فيه مخرج، ومثل المخرج المرحاض والمطبخ، وصحت القسمة إن سكتا عنه، وكان للشريك الانتفاع بالمخرج الذي في نصيب صاحبه وليس له منعه، وكذلك لا يجوز قسم مجرى الماء بالقرعة؛ لأنه قد يقوى الجري في محل دون آخر بسبب ريح أو علو محل وخفض آخر فلا يصل لكل ذي حق حقه على الكمال، وأما قسمه مراضاة فجائز أن تجعل القناة المتسعة قناتين أو أكثر. وأما قسمة العين بجعل حاجز فيها بين النصيبين فممنوع مطلقاً قرعة ومراضاة لما فيه من النقص والضرر، والسنة عند المشاحة قسم الماء بالقلد وهو الآلة التي يتوصل بها إلى إعطاء كل ذي حظ حظه كالرملية والساعة والجرة التي تملأ ماء وتثقب ثقباً لطيفاً من أسفلها، ثم يرسل ماء النهر مثلاً إلى أرض أحد الشركاء، فإذا فرغ ماء الجرة أو رمل الرملية أو تمت الساعة أرسل إلى أرض الشريك الآخر مقدار ذلك، وهكذا. قوله: [أي لا يجوز الجمع بين عاصبين] أي ولو رضيا. قوله: [كزوجة وأخوين]: أي وتجعل الأقسام فيها أربعة على حسب نصيب الزوجة. قوله: [وعمين]: راجع إما للأخ أو الأخت للأب فلذلك عطفه بالواو وأقسام العمين مع الأخ للأم ستة ومع الأخت للأب اثنان. قوله: [وإن أبى أحدهم الجمع]: هذا هو الذي حكى عليه ابن رشد الاتفاق. والفرق بين ذوي السهم والعصبة حيث قلتم إن العصبة مع أصحاب الفرض لا يجمعون إلا برضاهم، وذوو السهم يجمعون وإن أبى البعض أن أصحاب السهم بمنزلة الواحد؛ لأن

стр. 772

والتي بعدها، فإذا مات عن إخوة لأم وعصبة أو زوجات وعصبة أو عن الجميع، فإن أهل كل ذي سهم يجمعون أولاً ولا عبرة بمن أراد من الزوجات أو من الإخوة للأم عدمه. فإذا طلبت إحداهن أن تقسم نصيبها ابتداء على حدة لم تجب لذلك؛ ثم إذا قسم كل سهم على حدته كالربع أو الثمن أو الثلث فلأصحابه القسمة فيه بعد حيث أمكن. (أو ورثة مع شريك): فإذا مات أحد الشريكين في عقار عن ورثته فالورثة يجمعون في القسمة ابتداء، فتقسم الدار نصفين نصفها للشريك ونصفها لهم. ثم إن شاءوا بعد ذلك قسموا فيما بينهم، ولا يجاب أحدهم لقسم نصيبه على حدة ابتداء إلا إذا رضي الجميع. (و) إذا طلب أحد الشركاء من ورثة أو غيرهم القسمة وامتنع البعض (أجبر لها الممتنع) منهم (إن انتفع كل) منهم بما ينوبه، وإلا لم يجبر. وهذا في غير المشتري - للتجارة، وإلا لم يقسم لما فيه من نقص الثمن، فيما ناب كلاً وهو خلاف ما دخلا عليه. ثم شرع في بيان صفة القرعة بقوله: (وكتب) القاسم (الشركاء): أي أسماءهم في ورق صغير بعددهم بعد تعديل المقسوم بالقيمة في المقوم والتحري فيما يتحرى فيه (ولف) ما كتبه: أي يلف كل ورقة منها (في كشمع) أو طين أو عجين (ثم رمى) كل واحدة على قسم فمن اسمه على قسم أخذه. (أو كتب المقسوم) بوصفه. بأن يكتب الحد الغربي والشرقي والأوسط في أوراق (لكل): أي لكل واحد من الشركاء، فالتي خرجت فيها جهة أخذها. وهذا ظاهر إذا استوت الأنصباء أو اختلفت وكانت الأقسام عرضاً فيأخذ صاحب الأكثر الباقي كزوجة وأخ لأم وعاصب. فإن كانت داراً أو حائطاً فإن ذلك يؤدي للاختلاط وعدم الضبط. وأجيب: بأن من ظهر اسمه في جهة أخذ ما يكمل حقه مما يليه فتأمل. (ولزم) ما خرج بها؛ فليس لأحدهم نقضها. وكذا يلزم في قسمة التراضي [١] ما رضي به كل، فمن أراد الفسخ لم يمكن منه. (ومنع) فلا يصح (اشتراء ما يخرج) بالقرعة من الأقسام قبل رميها. بأن يقول: بعني ما يخرج لك بكذا أو يقول البائع للمشتري: اشتر ما يخرج لي بكذا للجهالة، وإن كانت الأقسام متساوية قيمة ومساحة. وهذا إن وقع البيع على البت. ــ الفرض لا يتغير. بخلاف العصبة فإن نصيبهم يدور مع رؤوسهم. قوله: [والتي بعدها]: أي وهي قوله أو ورثة مع شريك. قوله: [أو عن الجميع]: أي عن الإخوة للأم والزوجات والعصبة. قوله: [فإن أهل كل ذي سهم يجمعون أولاً] إلخ: فالمسألة الأولى تجعل من ثلاثة أقسام، والثانية إن كانت العصبة غير بنين تجعل أربعة أقسام، وإن كانت بنين تجعل ثمانية، والمسألة الثالثة تجعل من اثني عشر؛ لأن الثلث يزيد على الربع نصف سدس، وأقل ما يوجد فيه هذا الكسر صحيحاً اثنا عشر، ولا يتصور عصبة بنين مع الإخوة للأم، فتأمل. قوله: [لم تجب لذلك] أي إلا برضا الجميع. قوله: [حيث أمكن]: أي قسمه بلا ضرر. قوله: [ولا يجاب أحدهم لقسم نصيبه] إلخ: ظاهره ولو كانوا كلهم عصبة فقوله: "أولاً برضاهم": مخصوص بما إذا كان معهم ذو سهم، وأما مع الشريك الأجنبي فحكم الورثة مطلقاً حكم ذوي السهم كما يؤخذ من الشارح أولاً وآخراً. قوله: [إن انتفع كل]: أي إن انتفع كل واحد من الشركاء -الطالب لها وغيره- بما ينوبه في القسمة انتفاعاً تاماً كالانتفاع قبل القسم في مدخله ومخرجه ومربط دابته وغير ذلك. قال في الحاشية فيجبر لها الآبي ولو كانت حصته تنقص قيمتها بالقسمة، ولا يخالف هذا ما يلزم في جبر أحدهما بالبيع إن نقصت حصة الآخر؛ لأن ما هنا حظه لم يخرج عن ملكه مع كونه ينتفع به انتفاعاً مجانساً للأول، وما يأتي خرج عن ملكه بالكلية؛ انظر الأجهوري. انتهى. قوله: [وإلا لم يقسم]: أي لم يجبر على القسم من أباه. قوله: [وكتب القاسم الشركاء] إلخ: حاصل ذلك: أن القاسم يعدل المقسوم من دار أو غيرها بالقيمة بعد تجزئته على قدر مقام أقلهم جزءاً، فإذا كان لأحدهم نصف دار وللآخر ثلثها وللآخر سدسها فتجعل ستة أجزاء متساوية القيمة، ويكتب أسماء الشركاء في ثلاث أوراق كل اسم في ورقة وتجعل في كشمع، ثم يرمي بواحدة على طرف قسم معين من طرفي المقسوم ثم يكمل لصاحبها مما يلي ما رميت عليه إن بقي له شيء، ثم ترمى الأخرى على أول ما بقي مما يلي حصة الأول ثم يكمل له مما يلي ما وقعت عليه، ثم يتعين الباقي للثالث، فكل واحد يأخذ جميع نصيبه متصلاً بعضه ببعض، وتبين أن رمي الورقة الأخيرة غير محتاج إليه في تمييز نصيب من هي له لحصول التمييز برمي ما قبلها، فكتابتها إنما هي لاحتمال أن تقع أولاً إذ لا يعلم أنها الأخيرة إلا بعد، فتأمل. قوله: [والتحري فيما يتحرى فيه]: أي كقسمة الزرع الأخضر فدادين أو الثمرة قبل طيبها بالتحري فيهما إن دخلا على الجذ كما تقدم. قوله: [فمن اسمه على قسم]: هكذا نسخة المؤلف وعبارة الأصل فمن: " خرج اسمه " فلعلها سقطت من قلمه هنا. قوله: [الحد الغربي]: أي الجهة الغربية ويزيد المجاورة للمحل المخصوص فيكتب مثل الجهة الغربية المجاورة لفلان وهكذا. قوله: [أي لكل واحد من الشركاء]: أي فيعطي صاحب النصف في المثال الذي قلناه سابقاً ثلاث أوراق، ولصاحب الثلث ورقتان ولصاحب السدس واحدة. قوله: [وأجيب] إلخ: قال (بن): حاصله أنه إذا كتب الشركاء في أوراق بعددهم إما أن يرمي أسماءهم التي كتبها على أجزاء المقسوم، أو يقوم مقام رمي أسماء الشركاء على الأجزاء كتابة الأجزاء معينة في أوراق ستة مثلاً ويأخذ لورقة من الأسماء ورقة من

стр. 773

فإن وقع على الخيار جاز؛ لأن بيع الخيار منحل. (ونظر في دعوى جور) في القسمة (أو غلط) من القاسم فيها (فإن تفاحش) بأن ظهر ما ذكر ظهوراً بيناً (أو ثبت) ما ذكر ببينة (نقضت) القسمة وردت للصواب. (وإلا) يتفاحش أو لم يثبت بأن لم يتضح الحال من غير ثبوت (حلف المنكر) لهما، فإن حلف أنه لم يحصل فيها جور أو غلط فلا تنقض. فإن نكل أعيدت. وهذا ما لم يطل الزمن كالعام أو مدة تدل على الرضا بما وقع حيث كان ظاهراً لا خفاء به، وإلا فلا كلام للمدعي والمراد بالجور: ما كان عن عمد، والغلط: ما كان عن خطأ. (كالمراضاة): أي كما ينظر في دعوى الجور والغلط على الوجه المتقدم (إن أدخلا) فيها (مقوماً) يقوم لهما السلع أو الحصص؛ لأنها حينئذ شابهت القرعة، فإن تفاحش أو ثبت الجور أو الغلط نقضت، وإلا حلف المنكر، فإن نكل نقضت بخلاف ما إذا وقعت المراضاة بينهما بلا تقويم وتعديل فلا ينظر في ذلك، وهي لازمة، ولو تفاحش الجور أو الغلط؛ لأنها محض بيع لا يرد فيها بالغبن كما تقدم. (وأجبر على البيع من أباه) من الشركاء (فيما لا ينقسم من عقار) كحانوت وبيت صغير (وغيره) من عرض كعبد وسيف: أي يجبر الآبي على بيع الشيء بتمامه مع مريد البيع. (إن نقصت حصة شريكه): أي شريك الآبي، وهو من أراد البيع؛ كأنه قال: إن نقصت حصة مريد البيع لو باعها (مفردة) عن حصة شريكه؛ لأن الشأن في السلعة التي تساوي مائة لو بيع نصفها لم يبع بخمسين بل بأقل، فإن لم تنقص لو بيعت مفردة لم يجبر له الآبي على البيع لعدم الضرر. كما لا يجبر فيما ينقسم أو في المثلي؛ لأن القول لمن أراد القسم فيه. (ولا يلتزم) الآبي (النقص) فإن قال الآبي: بع ما يخصك في هذا الحانوت وإن نقص عن بيعه جملة فعلي ما نقص، فإنه لا يجبر على البيع معه لعدم الضرر. (ولم تملك) حصة مريد البيع (مفردة) بأن ملكاه معاً بإرث أو شراء أو غيرهما فإن ملكها مفردة وأراد بيعها وأبى صاحبه من البيع معه لم يجبر على البيع معه. (ولم يكن الكل) أي المجموع متخذاً (للغلة) أي الكراء بأن كان للقنية أو اشتروه للانتفاع في غير غلة ولو للتجارة على المعتمد فإن اشتري للغلة (كربع غلة وحانوت) لغلة وحمام وفرن ومجبسة وخان، لم يجبر الآبي على البيع مع من أراده. فتحصل أن ما لا ينقسم - إذا كان شركة وطلب بعض الشركاء البيع له جملة وأبى البعض - فإن الآبي يجبر على البيع مع من طلبه بشروط أربعة، ذكر المصنف منها ثلاثة. ولم يذكر شرط ما إذا التزم الآبي النقص، وهو للخمي، ولم يعرج عليه المصنف ولا ابن عرفة لأن ظاهر المدونة وغيرها خلافه إلا أن وجهه ظاهر. وزاد عياض خامساً: وهو ألا يكون مشترى للتجارة فإن اشتري لها فلا يجبر الآبي على البيع، ورده ابن عرفة. (وقسم عن المحجور) لصغر أو سفه أو جنون ــ الأجزاء، وكمل لصاحبه مما يلي إن بقي له شيء كالعمل الأول، سواء بلا تفريق ولا إعادة قسم. اهـ. قوله: [فإن وقع على الخيار جاز]: أي على ما ارتضاه اللقاني خلافاً للأجهوري حيث عمم في المنع، وأما لو اشترى حصة شائعة على أن يقاسم بقية الشركاء فإن ذلك جائز ووجه جوازه أنه لما كان الشريك مجبوراً على القسم عند طلب المشتري له لم يكن اشتراطه للقسم مناقضاً لمقتضى العقد، وأيضاً البائع في هذه المسألة قادر على التسليم؛ بخلاف اشتراء الخارج، وذلك لأن المشتري لما دخل على الشيوع صار المبيع معلوماً له ومقدوراً على تسليمه من حيث الشيوع بخلاف مسألة المصنف، فإن المشتري فيها داخل على شراء معين، والتعيين غير حاصل في الحال، كذا يؤخذ من حاشية الأصل. قوله: [بأن ظهر ما ذكر]: أي الغلط أو الجور وإنما أفرد الضمير؛ لأن العطف بـ "أو". قوله: [نقضت القسمة]: أي فإن فاتت الأملاك ببناء أو غرس رجع للقيمة ويقسمونها، فإن فات بعضه قسم ما لم يفت مع قيمة ما فات، وظاهره نقض القسمة بثبوت ما ذكر ولو كان يسيراً، وهو قول عياض وأشهب، وقيل: يعفى عن اليسير كالدينار في العدد الكثير، وهو قول ابن أبي زيد كما في (بن). قوله: [كالعام]: أي كما حد به ابن سهل. قوله: [أو مدة تدل] إلخ: حدها بعضهم بنصف العام، فأو في كلام الشارح لحكاية الخلاف. قوله: [وإلا فلا كلام للمدعي]: أي فلا تنقض القسمة بدعوى مدعيه ولو قام بالقرب. قوله: [كالمراضاة]: تشبيه غير تام؛ لأن الجور الثابت بالبينة ينقض به قسمة القرعة كان كثيراً أو يسيراً على المعتمد، وأما المراضاة فلا تنقض به إلا إذا كان كثيراً. قوله: [كما تقدم]: أي أول الباب في قوله: "ولا رد فيها بالغبن". قوله: [فيما لا ينقسم]: أي وأما ما ينقسم فالشأن أنه لا يحصل فيه نقص إذا بيع مفرداً؛ لأن المشتري يرغب فيه لتمكنه من قسمه بعد الشراء فلا يبخس في ثمنه، وأما ما لا ينقسم فلا يرغب فيه المشتري لما يلحقه من الضرر لعدم جبر شريكه على القسمة فكان يبخس في ثمنه كما يؤخذ من الشارح. قوله: [لم يجبر على البيع معه] أي لكونه أدخله في ملكه مفرداً. قوله: [ولو للتجارة على المعتمد]: أي خلافاً لعياض كما سيأتي. قوله: [ذكر المصنف]: أي خليل وأما مصنفنا فقد ذكر الأربعة. قوله: [إلا أن وجهه ظاهر]: أي وهو عدم الضرر. قوله: [وقسم عن المحجور] إلخ: أي قسمة قرعة أو مراضاة.

стр. 774

(وليه و) قسم (عن الغائب وكيله) إن كان له وكيل (أو القاضي) إن لم يكن له وكيل. (لا) يقسم عنه (الأب) إذا لم يكن وكيلاً عنه. (و) لا (ذو الشرطة) من الأمراء (ولا كأخ) وعم إذا (كنف صغيراً بلا وصاية) من أبيه (بخلاف ملتقط) الصغير فإنه يقسم عنه ما دام محجوراً في كنفه. (باب) في القراض وأحكامه ومناسبته لما قبله: أن فيه قسم الربح بين العامل ورب المال ونوع شركة قبل القسم. وهو بكسر القاف: مأخوذ من القرض وهو القطع؛ لأن رب المال قطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها بقطعة من الربح. ويسمى مضاربة أيضاً. وعرفه بقوله: (القراض) الصحيح عرفاً: (دفع مالك) من إضافة المصدر لفاعله. (مالاً) مفعوله (من نقد) ذهب أو فضة، خرج به العرض (مضروب) أي مسكوك، وخرج التبر والنقار منهما (مسلم) من المالك، لا بدين عليه أو محال به على أحد (معلوم) قدراً وصفة لا مجهول، (لمن): متعلق: بـ "دفع": أي دفعه لعامل (يتجر به) والتجر: التصرف بالبيع والشراء لتحصيل ربح (بجزء): أي في نظير جزء شائع (معلوم) كربع أو نصف لا مجهول (من ربحه): أي من ربح ذلك المال المدفوع، لا من ربح غيره، ولا بقدر مخصوص؛ كعشرة دنانير من ربحه (قل) ذلك الجزء كعشر (أو كثر) كنصف أو أكثر، (بصيغة) دالة على ذلك، ولو من أحدهما ويرضى الآخر ولا يشترط اللفظ كالبيع والإجارة ولذا عبر ابن الحاجب في تعريفه بإجارة حيث قال: إجارة على التجر في مال بجزء من ربحه، وعبر الشيخ بقوله: توكيل على تجر في نقد إلخ، إشارة إلى أنه ليس من العقود اللازمة بمجرد العقد بل لكل الفسخ قبل العمل كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ــ قوله: [وليه]: فإن لم يكن له ولي فالحاكم، فإن لم يكن حاكم شرعي فجماعة المسلمين من أهل بلده. قوله: [وقسم عن الغائب]: أي غيبة بعيدة، فإن كان قريب الغيبة انتظر. قال في الحاشية: والظاهر كما في غير هذا الموضع أنها ثلاثة أيام مع الأمن. وقال الأجهوري: يقسم القاضي والوكيل عن الغائب ولو قربت الغيبة، قال في الحاشية: والظاهر ما قاله الأجهوري، فلذلك أطلق شارحنا. قوله: [لا يقسم عنه الأب]: أي ليس للأب أن يقسم عن ولده الكبير الرشيد ولو غائباً ومثله الأم. قوله: [ولا ذو الشرطة]: بالضم بوزن غرفة سموا بذلك؛ لأن لهم شرطاً في زيهم، ولبسهم يميزهم عن غيرهم. قوله: [إذا كنف صغيراً]: أي تكفل بالصغير وصانه. قوله: [بلا وصاية]: أي حقيقة أو حكماً فإن العادة إذا جرت بأن كبير الإخوة أو العم يقوم مقام الأب عمل بذلك وأعطي حكم الوصي، وإن لم يوصه الأب، كما تقدم في باب الحجر. باب في القراض قوله: [ونوع شركة]: عطف على قسم. قوله: [من القرض]: أي بفتح القاف. قوله: [وهو القطع]: وقيل مأخوذ من القرض: وهو ما يجازى عليه الرجل من خير أو شر؛ لأن المقترضين قصد كل واحد منهما إلى منفعة الآخر، فهو مقارضة من الجانبين. قوله: [ويسمى مضاربة أيضاً]: أي عند أهل العراق، أخذاً من قوله تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الأرض﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يدفع إلى الرجل ماله على الخروج به إلى الشام وغيرها فيبتاع المتاع على هذا الشرط، ولا خلاف في جوازه بين المسلمين، وكان في الجاهلية فأقره المصطفى ﵊ في الإسلام؛ لأن الضرورة دعت إليه لحاجة الناس إلى التصرف في أموالهم، وليس كل أحد يقدر على التنمية بنفسه، وهو مستثنى للضرورة من الإجارة المجهولة. قوله: [الصحيح]: دفع به ما يتوهم أن هذا التعريف يشمل الصحيح والفاسد؛ لأن شأن التعاريف أن تكون للماهيات صحيحها وفاسدها، فأفاد أن هذا التعريف لخصوص الصحيح. قوله: [عرفاً]: أي وأما لغة فقد تقدم في قوله: مأخوذ من القرض إلخ. قوله: [خرج به العرض]: أي ومنه الفلوس الجدد فلا تكون رأس مال. قوله: [مضروب]: كان عليه أن يزيد متعامل به ليخرج المضروب الذي لا يتعامل به؛ لأنه بمنزلة غير المضروب كما أفاده زروق. لكن قال (ح): لم أر من صرح به فلذلك شارحنا ترك زيادة هذا القيد. قوله: [لا بدين عليه]: أي على العامل بأن يقول له: اتجر في الدين الذي عليك والربح بيني وبينك، وكذلك يصح في الرهن أو الوديعة التي عند العامل ما لم يقبض الدين لرب المال ويسلمه للعامل أو يحضره ويشهد عليه كما يأتي. قوله: [أو محال به]: أي كما إذا قال له اقبض الدين الذي لي على فلان واتجر فيه، فمراده بالحوالة التوكيل في قبض الدين الذي له على الغير، وإلا فالحوالة المصطلح عليها لا تصح هنا؛ لأن المال يأخذه المحال لنفسه ملكاً. قوله: [معلوم قدراً وصفة]: أي فيشترط علم رأس المال؛ لأن الجهل به يؤدي للجهل بالربح. ويجوز بالنقد الموصوف بما تقدم ولو كان مغشوشاً. قوله: [كعشرة دنانير]: أي إلا أن ينسبها لقدر سماه من الربح، كـ: لك عشرة إن كان الربح مائة فيجوز؛ لأنه بمنزلة العشر.

стр. 775

وقولنا: "دفع" قد يشير لذلك مع إخراج الدين ابتداء، وإن كان لا يخرج الدين صريحاً إلا بقوله: "مسلم". ثم ذكر محترز بعض القيود المذكورة. فذكر محترز "نقد" بقوله: (لا بعرض) كعبد أو ثوب، وكذا مثلي غير نقد طعاماً كان أو غيره. فلا يجوز أن يكون رأس مال قراض، ولو ببلاد لا يوجد فيها النقد كالسودان ولا يجوز اعتبار قيمته رأس مال. فإن قال له: بعه واجعل ثمنه رأس مال فسيأتي النص عليه. وذكر محترز "مضروب" بقوله: (ولا تبر) ولا نقار فضة ولا سبيكة منهما، فلا يصح أن يكون رأس مال قراض (إلا أن يتعامل به): أي بالتبر ونحوه (فقط) ولم يوجد عندهم مسكوك يتعامل به (ببلده): أي في بلد القراض، فإنه يجوز حينئذ أن يكون رأس مال. ومفهوم: "فقط" أنه إن وجد مسكوك يتعامل به عندهم أيضاً لم يجز التبر ونحوه لوجود الأصل. (كفلوس): أي الجدد النحاس لا يجوز أن تكون قراضاً ولو تعومل بها، ولو في المحقرات؛ لأن القراض رخصة يقتصر فيها على ما ورد ويبقى ما عداه على الأصل من المنع. وذكر محترز: "مسلم" بقوله: (ولا بدين و) لا (برهن و) لا (وديعة) عند العامل أو غيره كأمين. فلا يجوز أن يكون واحد من هذه الثلاثة قراضاً، أما الدين فلأنه يتهم على أنه أخره ليزيده فيه، وأما الرهن والوديعة فقال ابن القاسم: لأني أخاف أن يكون أنفقها فصارت عليه ديناً انتهى. وكلامنا في المضروب، فيحتمل أن يكون أنفق ما عنده من رهن مسكوك أو وديعة، ثم تواطآ على التأخير بزيادة، وهذا ظاهر فيما إذا كانت تحت يد العامل، وأما لو كانت تحت يد أمين فقيل: علة المنع انتفاع رب المال الرهن أو الوديعة لتخلصهما من الأمين. ولا شك أنها علة ضعيفة فقول الشيخ: ولو بيده، صوابه قلب المبالغة - كما قال ابن غازي - بأن يقول: ولو بيد غيره، واعتراضهم على ابن غازي مما لا وجه له، فتدبر. (و) لو وقع القراض بدين على العامل، بأن قال ربه: اجعل ما عليك من الدين قراضاً على أن الربح بيننا كذا (استمر) الدين (ديناً) على العامل يضمنه لربه ويختص العامل بالربح وعليه الخسر، ولا عبرة بما وقع منهما (إلا أن يقبض) الدين: بأن يقبضه ربه من المدين ثم يرده على أنه قراض ولو بالقرب (أو يحضر) لربه. (ويشهد عليه) بعدلين أو عدل وامرأتين: على أن هذا المال الذي أحضر هو ما علي من دين لفلان، ثم يدفعه له ربه قراضاً، فيجوز. وكذا الرهن والوديعة إذا قبضا أو أحضرا مع الإشهاد فإنه يجوز دفعهما قراضاً بالقياس الجلي على الدين، فإن لم يقبضا ولم يحضرا وقال ربهما له: اتجر بما عندك من رهن أو وديعة على أن الربح بيننا كذا قراضاً، فالربح لربهما وعليه الخسر وللعامل أجر مثله. ــ قوله: [قد يشير لذلك]: أي لما ذكر من عدم اشتراط التلفظ واللزوم حيث عبر بدفع. قوله: [مع إخراج الدين]: أي بلفظ دفع. قوله: [القيود المذكورة]: أي وهي ثمان: نقد مضروب مسلم معلوم لمن يتجر به بجزء معلوم من ربحه بصيغة. قوله: [لا بعرض]: هذا محترز أول القيود. قوله: [طعاماً كان أو غيره]: تعميم في المثلي غير النقد، وتقدم أن المثلي ما ضبطه كيل أو وزن أو عدد. قوله: [ولو ببلاد لا يوجد فيها]: أي لأن القراض رخصة يقتصر فيها على ما ورد كما يأتي. قوله: [فسيأتي النص عليه]: أي في قوله، وإن وكله على خلاص دين ... إلخ. قوله: [ولو تعومل بها]: ظاهره ولو لم يوجد غيرها. قوله: [يقتصر فيها على ما ورد]: في (بن) قال بعضهم: والظاهر في نحو هذا الجواز؛ لأن الدراهم والدنانير ليست مقصودة لذاتها حتى يمتنع بغيرها حيث انفرد التعامل به، بل هي مقصودة من حيث التنمية. قوله: [على أنه أخره]: أي فيكون ربا. قوله: [أن يكون أنفقها]: الضمير يعود على العين المرهونة أو المودعة. قوله: [الرهن أو الوديعة]: بدل من المال. قوله: [واعتراضهم على ابن غازي] إلخ: أي فقد اعترض شراح خليل على ابن غازي حيث اعترض على خليل في المبالغة بالوجه الذي قاله شارحنا، فوجهوا كلام خليل بأن انتفاع رب المال بتخليص العامل الرهن أو الوديعة أمر محقق، وأما احتمال اتفاق العين إن كانت تحت يد العامل فأمر متوهم فالمبالغة عليه صحيحة، وكلام ابن غازي تحامل، فوجه شارحنا كلام ابن غازي بما علمت. قوله: [ولا عبرة بما وقع منهما]: أي لا يعتبر عقد القراض؛ لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً. قوله: [إلا أن يقبض الدين]: أي ولو بغير إشهاد. قوله: [أن هذا المال الذي أحضر]: أي مع علم الشهود بقدره، وحينئذ يخرج بهذا الإحضار من الذمة إلى الأمانة. قوله: [بالقياس الجلي على الدين]: أي لأن القبض أو الإحضار والإشهاد كاف في الدين مع أنه في الذمة، فكفاية ما ذكر فيما ليس في الذمة أولى، فهو قياس أحروي. قوله: [فالربح لربهما] إلخ: إن قلت: ما الفرق بين تجارته بالدين قبل القبض والرهن والوديعة، حيث جعلتم الربح والخسر للعامل في الأول ولرب المال في الثاني؟ قلت: إن الدين لم ينتقل عن ذمة العامل ومن عليه الضمان
следующие страницы →