فلا يقسم إلا كيلاً أو وزناً أو يباع فيقسم ثمنه
والما قي [١] قسمه مع أصله من بيع طعام وعرض بطعام وعرض، وهو ممنوع. إلا إذا دخلا على الجذ كما تقدم حلاً للشارع [٢]. فما ذكرناه هنا هو المعول عليه.
(أو) قسمه (قتاً) بعد حصاده (أو ذًرعاً [٣]) وهو على أرضه بقصبة ونحوها فيمنع للشك في التماثل.
(أو) قسم (فيه تراجع) فيمنع في القرعة، كما لو كان بينهما شاتان، أو عبدان أحدهما يساوي عشرة والثاني يساوي عشرين ودخلا بالقرعة على أن من وقع في قسمه ما يساوي عشرين يرد لصاحبه خمسة، إذ لا يدري كل منهما: هل يرجع أو يرجع عليه؟ وهو من الجهالة والغرر. وأما في المراضاة فيجوز، وظاهره: قل ما به التراجع أو كثر. ورجح وقال الشيخ: إلا أن يقل؛ أي ما به التراجع. قال بعضهم: كنصف العشر فدون فيجوز.
(أو لبن) بالرفع عطف على "ما فيه فساد": أي ومنع لبن أي قسم لبن (في ضروع) للغنم أو البقر أو غيرهما - قرعة أو مراضاة - لما فيه من المخاطرة والغرر. ومعناه: أن يكون بينهما شاتان أو أكثر، فيأخذ كل واحد منهما شاة ليأكل لبنها مع بقاء الشركة في الذات (إلا لفضل بين): أي ظاهر بين اللبنين بأن تكون إحداهما تحلب رطلين والأخرى رطلاً أو يأخذ أحدهما ثنتين والثاني واحدة والثلاثة متقاربة في قدر اللبن فيجوز؛ لأنهما حينئذ خرجا من باب المغالبة إلى ساحة المعروف.
(ولا يجمع) في قسمة القرعة أي لا يجوز الجمع (بين عاصبين) أو أكثر ويفرد عاصب أو أكثر (إلا مع ذي فرض) كزوجة وأخوين أو أخ لأم أو أخت لأب وعمين (فلهم): أي للعصبة (الجمع أولاً) أي ابتداء برضاهم ثم يقرع بينهم وبين صاحب الفرض، ثم إن شاءوا قسموا فيما بينهم (كذوي سهم): أي مع غيرهم فإنهم يجمعون أولاً وإن أبى أحدهم الجمع في هذه
ــ
ربا الفضل فيمنع عند بدو الصلاح، ولو دخلا على الجذ.
قوله: [فلا يقسم إلا كيلاً أو وزناً]: أي ولا يجوز قسمه بالتحري في أرضه إلا إذا تبين الفضل من أحد الجانبين كما إذا ترك فدانين في نظير فدان والزرع واحد لا تفاوت فيه فيجوز في جميع الربويات.
قوله: [ولما في قسمه مع أصله]: معطوف على قوله: " لما في قسمه مفرداً " فموضوعه فيما لم يبد صلاحه بدليل قوله: " إلا إذا دخلا على الجذ " إلخ.
قوله: [من بيع طعام وعرض] إلخ: الطعام هو الثمر والعرض هو الأصول، وإنما منع؛ لأن العرض المصاحب للطعام حكمه حكم الطعام فحصلت الجهالة في الطرفين والشك في التماثل كتحقق التفاضل.
قوله: [فيمنع]: أي وإنما يقسم بعد تصفيته بمعياره الشرعي وهو الكيل وإنما امتنع هنا قسم الزرع قتاً أو على أرضه وجاز بيعه قتاً أو في أرضه بشروط الجزاف لكثرة الخطر هنا؛ إذ يعتبر في كل من الطرفين شروط الجزاف لو قيل بجوازه. بخلاف البيع فإنها إنما تعتبر في طرف البيع فقط.
قوله: [وظاهره]: الضمير عائد على كلام المصنف.
قوله: [وقال الشيخ إلا أن يقل] إلخ: ما قاله خليل تبع فيه اللخمي وهو ضعيف، وإن سلمه ابن عبد السلام. وأما القول بالمنع مطلقاً فهو الراجح كما أفاده الشارح، وقال ابن عرفة: ظاهر الروايات منع التعديل في قسم القرعة بالعين مطلقاً. اهـ.
قوله: [أن يكون بينهما شاتان]: أي مثلاً وفي الحقيقة لا فرق بين اتفاق ذوات اللبن أو اختلافهما كبقر وغنم، والحكم ما قاله الشارح.
قوله: [فيأخذ كل واحد منهما شاة]: مثل ذلك البهيمة الواحدة يأخذها كل واحد يوماً.
تنبيه: مما يمنع أيضاً: قسم الشركاء داراً مثلاً بلا مخرج لأحدهما سواء كان بقرعة أو بغيرها؛ لأن هذا ليس من قسم المسلمين، ومحل المنع إذا لم يكن لصاحب الحصة الذي ليس له في المخرج شيء ما يمكن أن يجعل له فيه مخرج، ومثل المخرج المرحاض والمطبخ، وصحت القسمة إن سكتا عنه، وكان للشريك الانتفاع بالمخرج الذي في نصيب صاحبه وليس له منعه، وكذلك لا يجوز قسم مجرى الماء بالقرعة؛ لأنه قد يقوى الجري في محل دون آخر بسبب ريح أو علو محل وخفض آخر فلا يصل لكل ذي حق حقه على الكمال، وأما قسمه مراضاة فجائز أن تجعل القناة المتسعة قناتين أو أكثر. وأما قسمة العين بجعل حاجز فيها بين النصيبين فممنوع مطلقاً قرعة ومراضاة لما فيه من النقص والضرر، والسنة عند المشاحة قسم الماء بالقلد وهو الآلة التي يتوصل بها إلى إعطاء كل ذي حظ حظه كالرملية والساعة والجرة التي تملأ ماء وتثقب ثقباً لطيفاً من أسفلها، ثم يرسل ماء النهر مثلاً إلى أرض أحد الشركاء، فإذا فرغ ماء الجرة أو رمل الرملية أو تمت الساعة أرسل إلى أرض الشريك الآخر مقدار ذلك، وهكذا.
قوله: [أي لا يجوز الجمع بين عاصبين] أي ولو رضيا.
قوله: [كزوجة وأخوين]: أي وتجعل الأقسام فيها أربعة على حسب نصيب الزوجة.
قوله: [وعمين]: راجع إما للأخ أو الأخت للأب فلذلك عطفه بالواو وأقسام العمين مع الأخ للأم ستة ومع الأخت للأب اثنان.
قوله: [وإن أبى أحدهم الجمع]: هذا هو الذي حكى عليه ابن رشد الاتفاق.
والفرق بين ذوي السهم والعصبة حيث قلتم إن العصبة مع أصحاب الفرض لا يجمعون إلا برضاهم، وذوو السهم يجمعون وإن أبى البعض أن أصحاب السهم بمنزلة الواحد؛ لأن
стр. 772
والتي بعدها، فإذا مات عن إخوة لأم وعصبة أو زوجات وعصبة أو عن الجميع، فإن أهل كل ذي سهم يجمعون أولاً ولا عبرة بمن أراد من الزوجات أو من الإخوة للأم عدمه.
فإذا طلبت إحداهن أن تقسم نصيبها ابتداء على حدة لم تجب لذلك؛ ثم إذا قسم كل سهم على حدته كالربع أو الثمن أو الثلث فلأصحابه القسمة فيه بعد حيث أمكن.
(أو ورثة مع شريك): فإذا مات أحد الشريكين في عقار عن ورثته فالورثة يجمعون في القسمة ابتداء، فتقسم الدار نصفين نصفها للشريك ونصفها لهم. ثم إن شاءوا بعد ذلك قسموا فيما بينهم، ولا يجاب أحدهم لقسم نصيبه على حدة ابتداء إلا إذا رضي الجميع.
(و) إذا طلب أحد الشركاء من ورثة أو غيرهم القسمة وامتنع البعض (أجبر لها الممتنع) منهم (إن انتفع كل) منهم بما ينوبه، وإلا لم يجبر. وهذا في غير المشتري - للتجارة، وإلا لم يقسم لما فيه من نقص الثمن، فيما ناب كلاً وهو خلاف ما دخلا عليه.
ثم شرع في بيان صفة القرعة بقوله: (وكتب) القاسم (الشركاء): أي أسماءهم في ورق صغير بعددهم بعد تعديل المقسوم بالقيمة في المقوم والتحري فيما يتحرى فيه (ولف) ما كتبه: أي يلف كل ورقة منها (في كشمع) أو طين أو عجين (ثم رمى) كل واحدة على قسم فمن اسمه على قسم أخذه. (أو كتب المقسوم) بوصفه. بأن يكتب الحد الغربي والشرقي والأوسط في أوراق (لكل): أي لكل واحد من الشركاء، فالتي خرجت فيها جهة أخذها.
وهذا ظاهر إذا استوت الأنصباء أو اختلفت وكانت الأقسام عرضاً فيأخذ صاحب الأكثر الباقي كزوجة وأخ لأم وعاصب. فإن كانت داراً أو حائطاً فإن ذلك يؤدي للاختلاط وعدم الضبط.
وأجيب: بأن من ظهر اسمه في جهة أخذ ما يكمل حقه مما يليه فتأمل.
(ولزم) ما خرج بها؛ فليس لأحدهم نقضها. وكذا يلزم في قسمة التراضي [١] ما رضي
به كل، فمن أراد الفسخ لم يمكن منه.
(ومنع) فلا يصح (اشتراء ما يخرج) بالقرعة من الأقسام قبل رميها. بأن يقول: بعني ما يخرج لك بكذا أو يقول البائع للمشتري: اشتر ما يخرج لي بكذا للجهالة، وإن كانت الأقسام متساوية قيمة ومساحة. وهذا إن وقع البيع على البت.
ــ
الفرض لا يتغير. بخلاف العصبة فإن نصيبهم يدور مع رؤوسهم.
قوله: [والتي بعدها]: أي وهي قوله أو ورثة مع شريك.
قوله: [أو عن الجميع]: أي عن الإخوة للأم والزوجات والعصبة.
قوله: [فإن أهل كل ذي سهم يجمعون أولاً] إلخ: فالمسألة الأولى تجعل من ثلاثة أقسام، والثانية إن كانت العصبة غير بنين تجعل أربعة أقسام، وإن كانت بنين تجعل ثمانية، والمسألة الثالثة تجعل من اثني عشر؛ لأن الثلث يزيد على الربع نصف سدس، وأقل ما يوجد فيه هذا الكسر صحيحاً اثنا عشر، ولا يتصور عصبة بنين مع الإخوة للأم، فتأمل.
قوله: [لم تجب لذلك] أي إلا برضا الجميع.
قوله: [حيث أمكن]: أي قسمه بلا ضرر.
قوله: [ولا يجاب أحدهم لقسم نصيبه] إلخ: ظاهره ولو كانوا كلهم عصبة فقوله: "أولاً برضاهم": مخصوص بما إذا كان معهم ذو سهم، وأما مع الشريك الأجنبي فحكم الورثة مطلقاً حكم ذوي السهم كما يؤخذ من الشارح أولاً وآخراً.
قوله: [إن انتفع كل]: أي إن انتفع كل واحد من الشركاء -الطالب لها وغيره- بما ينوبه في القسمة انتفاعاً تاماً كالانتفاع قبل القسم في مدخله ومخرجه ومربط دابته وغير ذلك. قال في الحاشية فيجبر لها الآبي ولو كانت حصته تنقص قيمتها بالقسمة، ولا يخالف هذا ما يلزم في جبر أحدهما بالبيع إن نقصت حصة الآخر؛ لأن ما هنا حظه لم يخرج عن ملكه مع كونه ينتفع به انتفاعاً مجانساً للأول، وما يأتي خرج عن ملكه بالكلية؛ انظر الأجهوري. انتهى.
قوله: [وإلا لم يقسم]: أي لم يجبر على القسم من أباه.
قوله: [وكتب القاسم الشركاء] إلخ: حاصل ذلك: أن القاسم يعدل المقسوم من دار أو غيرها بالقيمة بعد تجزئته على قدر مقام أقلهم جزءاً، فإذا كان لأحدهم نصف دار وللآخر ثلثها وللآخر سدسها فتجعل ستة أجزاء متساوية القيمة، ويكتب أسماء الشركاء في ثلاث أوراق كل اسم في ورقة وتجعل في كشمع، ثم يرمي بواحدة على طرف قسم معين من طرفي المقسوم ثم يكمل لصاحبها مما يلي ما رميت عليه إن بقي له شيء، ثم ترمى الأخرى على أول ما بقي مما يلي حصة الأول ثم يكمل له مما يلي ما وقعت عليه، ثم يتعين الباقي للثالث، فكل واحد يأخذ جميع نصيبه متصلاً بعضه ببعض، وتبين أن رمي الورقة الأخيرة غير محتاج إليه في تمييز نصيب من هي له لحصول التمييز برمي ما قبلها، فكتابتها إنما هي لاحتمال أن تقع أولاً إذ لا يعلم أنها الأخيرة إلا بعد، فتأمل.
قوله: [والتحري فيما يتحرى فيه]: أي كقسمة الزرع الأخضر فدادين أو الثمرة قبل طيبها بالتحري فيهما إن دخلا على الجذ كما تقدم.
قوله: [فمن اسمه على قسم]: هكذا نسخة المؤلف وعبارة الأصل فمن: " خرج اسمه " فلعلها سقطت من قلمه هنا.
قوله: [الحد الغربي]: أي الجهة الغربية ويزيد المجاورة للمحل المخصوص فيكتب مثل الجهة الغربية المجاورة لفلان وهكذا.
قوله: [أي لكل واحد من الشركاء]: أي فيعطي صاحب النصف في المثال الذي قلناه سابقاً ثلاث أوراق، ولصاحب الثلث ورقتان ولصاحب السدس واحدة.
قوله: [وأجيب] إلخ: قال (بن): حاصله أنه إذا كتب الشركاء في أوراق بعددهم إما أن يرمي أسماءهم التي كتبها على أجزاء المقسوم، أو يقوم مقام رمي أسماء الشركاء على الأجزاء كتابة الأجزاء معينة في أوراق ستة مثلاً ويأخذ لورقة من الأسماء ورقة من
стр. 773
فإن وقع على الخيار جاز؛ لأن بيع الخيار منحل.
(ونظر في دعوى جور) في القسمة (أو غلط) من القاسم فيها (فإن تفاحش) بأن ظهر ما ذكر ظهوراً بيناً (أو ثبت) ما ذكر ببينة (نقضت) القسمة وردت للصواب.
(وإلا) يتفاحش أو لم يثبت بأن لم يتضح الحال من غير ثبوت (حلف المنكر) لهما، فإن حلف أنه لم يحصل فيها جور أو غلط فلا تنقض. فإن نكل أعيدت. وهذا ما لم يطل الزمن كالعام أو مدة تدل على الرضا بما وقع حيث كان ظاهراً لا خفاء به، وإلا فلا كلام للمدعي والمراد بالجور: ما كان عن عمد، والغلط: ما كان عن خطأ.
(كالمراضاة): أي كما ينظر في دعوى الجور والغلط على الوجه المتقدم (إن أدخلا) فيها (مقوماً) يقوم لهما السلع أو الحصص؛ لأنها حينئذ شابهت القرعة، فإن تفاحش أو ثبت الجور أو الغلط نقضت، وإلا حلف المنكر، فإن نكل نقضت بخلاف ما إذا وقعت المراضاة بينهما بلا تقويم وتعديل فلا ينظر في ذلك، وهي لازمة، ولو تفاحش الجور أو الغلط؛ لأنها محض بيع لا يرد فيها بالغبن كما تقدم.
(وأجبر على البيع من أباه) من الشركاء (فيما لا ينقسم من عقار) كحانوت وبيت صغير (وغيره) من عرض كعبد وسيف: أي يجبر الآبي على بيع الشيء بتمامه مع مريد البيع. (إن نقصت حصة شريكه): أي شريك الآبي، وهو من أراد البيع؛ كأنه قال: إن نقصت حصة مريد البيع لو باعها (مفردة) عن حصة شريكه؛ لأن الشأن في السلعة التي تساوي مائة لو بيع نصفها لم يبع بخمسين بل بأقل، فإن لم تنقص لو بيعت مفردة لم يجبر له الآبي على البيع لعدم الضرر. كما لا يجبر فيما ينقسم أو في المثلي؛ لأن القول لمن أراد القسم فيه.
(ولا يلتزم) الآبي (النقص) فإن قال الآبي: بع ما يخصك في هذا الحانوت وإن نقص عن بيعه جملة فعلي ما نقص، فإنه لا يجبر على البيع معه لعدم الضرر.
(ولم تملك) حصة مريد البيع (مفردة) بأن ملكاه معاً بإرث أو شراء أو غيرهما فإن ملكها مفردة وأراد بيعها وأبى صاحبه من البيع معه لم يجبر على البيع معه. (ولم يكن الكل) أي المجموع متخذاً (للغلة) أي الكراء بأن كان للقنية أو اشتروه للانتفاع في غير غلة ولو للتجارة على المعتمد فإن اشتري للغلة (كربع غلة وحانوت) لغلة وحمام وفرن ومجبسة وخان، لم يجبر الآبي على البيع مع من أراده.
فتحصل أن ما لا ينقسم - إذا كان شركة وطلب بعض الشركاء البيع له جملة وأبى البعض - فإن الآبي يجبر على البيع مع من طلبه بشروط أربعة، ذكر المصنف منها ثلاثة.
ولم يذكر شرط ما إذا التزم الآبي النقص، وهو للخمي، ولم يعرج عليه المصنف ولا ابن عرفة لأن ظاهر المدونة وغيرها خلافه إلا أن وجهه ظاهر.
وزاد عياض خامساً: وهو ألا يكون مشترى للتجارة فإن اشتري لها فلا يجبر الآبي على البيع، ورده ابن عرفة.
(وقسم عن المحجور) لصغر أو سفه أو جنون
ــ
الأجزاء، وكمل لصاحبه مما يلي إن بقي له شيء كالعمل الأول، سواء بلا تفريق ولا إعادة قسم. اهـ.
قوله: [فإن وقع على الخيار جاز]: أي على ما ارتضاه اللقاني خلافاً للأجهوري حيث عمم في المنع، وأما لو اشترى حصة شائعة على أن يقاسم بقية الشركاء فإن ذلك جائز ووجه جوازه أنه لما كان الشريك مجبوراً على القسم عند طلب المشتري له لم يكن اشتراطه للقسم مناقضاً لمقتضى العقد، وأيضاً البائع في هذه المسألة قادر على التسليم؛ بخلاف اشتراء الخارج، وذلك لأن المشتري لما دخل على الشيوع صار المبيع معلوماً له ومقدوراً على تسليمه من حيث الشيوع بخلاف مسألة المصنف، فإن المشتري فيها داخل على شراء معين، والتعيين غير حاصل في الحال، كذا يؤخذ من حاشية الأصل.
قوله: [بأن ظهر ما ذكر]: أي الغلط أو الجور وإنما أفرد الضمير؛ لأن العطف بـ "أو".
قوله: [نقضت القسمة]: أي فإن فاتت الأملاك ببناء أو غرس رجع للقيمة ويقسمونها، فإن فات بعضه قسم ما لم يفت مع قيمة ما فات، وظاهره نقض القسمة بثبوت ما ذكر ولو كان يسيراً، وهو قول عياض وأشهب، وقيل: يعفى عن اليسير كالدينار في العدد الكثير، وهو قول ابن أبي زيد كما في (بن).
قوله: [كالعام]: أي كما حد به ابن سهل.
قوله: [أو مدة تدل] إلخ: حدها بعضهم بنصف العام، فأو في كلام الشارح لحكاية الخلاف.
قوله: [وإلا فلا كلام للمدعي]: أي فلا تنقض القسمة بدعوى مدعيه ولو قام بالقرب.
قوله: [كالمراضاة]: تشبيه غير تام؛ لأن الجور الثابت بالبينة ينقض به قسمة القرعة كان كثيراً أو يسيراً على المعتمد، وأما المراضاة فلا تنقض به إلا إذا كان كثيراً.
قوله: [كما تقدم]: أي أول الباب في قوله: "ولا رد فيها بالغبن".
قوله: [فيما لا ينقسم]: أي وأما ما ينقسم فالشأن أنه لا يحصل فيه نقص إذا بيع مفرداً؛ لأن المشتري يرغب فيه لتمكنه من قسمه بعد الشراء فلا يبخس في ثمنه، وأما ما لا ينقسم فلا يرغب فيه المشتري لما يلحقه من الضرر لعدم جبر شريكه على القسمة فكان يبخس في ثمنه كما يؤخذ من الشارح.
قوله: [لم يجبر على البيع معه] أي لكونه أدخله في ملكه مفرداً.
قوله: [ولو للتجارة على المعتمد]: أي خلافاً لعياض كما سيأتي.
قوله: [ذكر المصنف]: أي خليل وأما مصنفنا فقد ذكر الأربعة.
قوله: [إلا أن وجهه ظاهر]: أي وهو عدم الضرر.
قوله: [وقسم عن المحجور] إلخ: أي قسمة قرعة أو مراضاة.
стр. 774
(وليه و) قسم (عن الغائب وكيله) إن كان له وكيل (أو القاضي) إن لم يكن له وكيل.
(لا) يقسم عنه (الأب) إذا لم يكن وكيلاً عنه.
(و) لا (ذو الشرطة) من الأمراء (ولا كأخ) وعم إذا (كنف صغيراً بلا وصاية) من أبيه (بخلاف ملتقط) الصغير فإنه يقسم عنه ما دام محجوراً في كنفه.
(باب)
في القراض وأحكامه
ومناسبته لما قبله: أن فيه قسم الربح بين العامل ورب المال ونوع شركة قبل القسم. وهو بكسر القاف: مأخوذ من القرض وهو القطع؛ لأن رب المال قطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها بقطعة من الربح. ويسمى مضاربة أيضاً. وعرفه بقوله: (القراض) الصحيح عرفاً:
(دفع مالك) من إضافة المصدر لفاعله. (مالاً) مفعوله (من نقد) ذهب أو فضة، خرج به العرض (مضروب) أي مسكوك، وخرج التبر والنقار منهما (مسلم) من المالك، لا بدين عليه أو محال به على أحد (معلوم) قدراً وصفة لا مجهول، (لمن): متعلق: بـ "دفع": أي دفعه لعامل (يتجر به) والتجر: التصرف بالبيع والشراء لتحصيل ربح (بجزء): أي في نظير جزء شائع (معلوم) كربع أو نصف لا مجهول (من ربحه): أي من ربح ذلك المال المدفوع، لا من ربح غيره، ولا بقدر مخصوص؛ كعشرة دنانير من ربحه (قل) ذلك الجزء كعشر (أو كثر) كنصف أو أكثر، (بصيغة) دالة على ذلك، ولو من أحدهما ويرضى الآخر ولا يشترط اللفظ كالبيع والإجارة ولذا عبر ابن الحاجب في تعريفه بإجارة حيث قال: إجارة على التجر في مال بجزء من ربحه، وعبر الشيخ بقوله: توكيل على تجر في نقد إلخ، إشارة إلى أنه ليس من العقود اللازمة بمجرد العقد بل لكل الفسخ قبل العمل كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ــ
قوله: [وليه]: فإن لم يكن له ولي فالحاكم، فإن لم يكن حاكم شرعي فجماعة المسلمين من أهل بلده.
قوله: [وقسم عن الغائب]: أي غيبة بعيدة، فإن كان قريب الغيبة انتظر.
قال في الحاشية: والظاهر كما في غير هذا الموضع أنها ثلاثة أيام مع الأمن. وقال الأجهوري: يقسم القاضي والوكيل عن الغائب ولو قربت الغيبة، قال في الحاشية: والظاهر ما قاله الأجهوري، فلذلك أطلق شارحنا.
قوله: [لا يقسم عنه الأب]: أي ليس للأب أن يقسم عن ولده الكبير الرشيد ولو غائباً ومثله الأم.
قوله: [ولا ذو الشرطة]: بالضم بوزن غرفة سموا بذلك؛ لأن لهم شرطاً في زيهم، ولبسهم يميزهم عن غيرهم.
قوله: [إذا كنف صغيراً]: أي تكفل بالصغير وصانه.
قوله: [بلا وصاية]: أي حقيقة أو حكماً فإن العادة إذا جرت بأن كبير الإخوة أو العم يقوم مقام الأب عمل بذلك وأعطي حكم الوصي، وإن لم يوصه الأب، كما تقدم في باب الحجر.
باب في القراض
قوله: [ونوع شركة]: عطف على قسم.
قوله: [من القرض]: أي بفتح القاف.
قوله: [وهو القطع]: وقيل مأخوذ من القرض: وهو ما يجازى عليه الرجل من خير أو شر؛ لأن المقترضين قصد كل واحد منهما إلى منفعة الآخر، فهو مقارضة من الجانبين.
قوله: [ويسمى مضاربة أيضاً]: أي عند أهل العراق، أخذاً من قوله تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الأرض﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يدفع إلى الرجل ماله على الخروج به إلى الشام وغيرها فيبتاع المتاع على هذا الشرط، ولا خلاف في جوازه بين المسلمين، وكان في الجاهلية فأقره المصطفى ﵊ في الإسلام؛ لأن الضرورة دعت إليه لحاجة الناس إلى التصرف في أموالهم، وليس كل أحد يقدر على التنمية بنفسه، وهو مستثنى للضرورة من الإجارة المجهولة.
قوله: [الصحيح]: دفع به ما يتوهم أن هذا التعريف يشمل الصحيح والفاسد؛ لأن شأن التعاريف أن تكون للماهيات صحيحها وفاسدها، فأفاد أن هذا التعريف لخصوص الصحيح.
قوله: [عرفاً]: أي وأما لغة فقد تقدم في قوله: مأخوذ من القرض إلخ.
قوله: [خرج به العرض]: أي ومنه الفلوس الجدد فلا تكون رأس مال.
قوله: [مضروب]: كان عليه أن يزيد متعامل به ليخرج المضروب الذي لا يتعامل به؛ لأنه بمنزلة غير المضروب كما أفاده زروق. لكن قال (ح): لم أر من صرح به فلذلك شارحنا ترك زيادة هذا القيد.
قوله: [لا بدين عليه]: أي على العامل بأن يقول له: اتجر في الدين الذي عليك والربح بيني وبينك، وكذلك يصح في الرهن أو الوديعة التي عند العامل ما لم يقبض الدين لرب المال ويسلمه للعامل أو يحضره ويشهد عليه كما يأتي.
قوله: [أو محال به]: أي كما إذا قال له اقبض الدين الذي لي على فلان واتجر فيه، فمراده بالحوالة التوكيل في قبض الدين الذي له على الغير، وإلا فالحوالة المصطلح عليها لا تصح هنا؛ لأن المال يأخذه المحال لنفسه ملكاً.
قوله: [معلوم قدراً وصفة]: أي فيشترط علم رأس المال؛ لأن الجهل به يؤدي للجهل بالربح. ويجوز بالنقد الموصوف بما تقدم ولو كان مغشوشاً.
قوله: [كعشرة دنانير]: أي إلا أن ينسبها لقدر سماه من الربح، كـ: لك عشرة إن كان الربح مائة فيجوز؛ لأنه بمنزلة العشر.
стр. 775
وقولنا: "دفع" قد يشير لذلك مع إخراج الدين ابتداء، وإن كان لا يخرج الدين صريحاً إلا بقوله: "مسلم".
ثم ذكر محترز بعض القيود المذكورة. فذكر محترز "نقد" بقوله: (لا بعرض) كعبد أو ثوب، وكذا مثلي غير نقد طعاماً كان أو غيره. فلا يجوز أن يكون رأس مال قراض، ولو ببلاد لا يوجد فيها النقد كالسودان ولا يجوز اعتبار قيمته رأس مال. فإن قال له: بعه واجعل ثمنه رأس مال فسيأتي النص عليه. وذكر محترز "مضروب" بقوله: (ولا تبر) ولا نقار فضة ولا سبيكة منهما، فلا يصح أن يكون رأس مال قراض (إلا أن يتعامل به): أي بالتبر ونحوه (فقط) ولم يوجد عندهم مسكوك يتعامل به (ببلده): أي في بلد القراض، فإنه يجوز حينئذ أن يكون رأس مال. ومفهوم: "فقط" أنه إن وجد مسكوك يتعامل به عندهم أيضاً لم يجز التبر ونحوه لوجود الأصل. (كفلوس): أي الجدد النحاس لا يجوز أن تكون قراضاً ولو تعومل بها، ولو في المحقرات؛ لأن القراض رخصة يقتصر فيها على ما ورد ويبقى ما عداه على الأصل من المنع. وذكر محترز: "مسلم" بقوله: (ولا بدين و) لا (برهن و) لا (وديعة) عند العامل أو غيره كأمين. فلا يجوز أن يكون واحد من هذه الثلاثة قراضاً، أما الدين فلأنه يتهم على أنه أخره ليزيده فيه، وأما الرهن والوديعة فقال ابن القاسم: لأني أخاف أن يكون أنفقها فصارت عليه ديناً انتهى. وكلامنا في المضروب، فيحتمل أن يكون أنفق ما عنده من رهن مسكوك أو وديعة، ثم تواطآ على التأخير بزيادة، وهذا ظاهر فيما إذا كانت تحت يد العامل، وأما لو كانت تحت يد أمين فقيل: علة المنع انتفاع رب المال الرهن أو الوديعة لتخلصهما من الأمين. ولا شك أنها علة ضعيفة فقول الشيخ: ولو بيده، صوابه قلب المبالغة - كما قال ابن غازي - بأن يقول: ولو بيد غيره، واعتراضهم على ابن غازي مما لا وجه له، فتدبر.
(و) لو وقع القراض بدين على العامل، بأن قال ربه: اجعل ما عليك من الدين قراضاً على أن الربح بيننا كذا (استمر) الدين (ديناً) على العامل يضمنه لربه ويختص العامل بالربح وعليه الخسر، ولا عبرة بما وقع منهما (إلا أن يقبض) الدين: بأن يقبضه ربه من المدين ثم يرده على أنه قراض ولو بالقرب (أو يحضر) لربه. (ويشهد عليه) بعدلين أو عدل وامرأتين: على أن هذا المال الذي أحضر هو ما علي من دين لفلان، ثم يدفعه له ربه قراضاً، فيجوز. وكذا الرهن والوديعة إذا قبضا أو أحضرا مع الإشهاد فإنه يجوز دفعهما قراضاً بالقياس الجلي على الدين، فإن لم يقبضا ولم يحضرا وقال ربهما له: اتجر بما عندك من رهن أو وديعة على أن الربح بيننا كذا قراضاً، فالربح لربهما وعليه الخسر وللعامل أجر مثله.
ــ
قوله: [قد يشير لذلك]: أي لما ذكر من عدم اشتراط التلفظ واللزوم حيث عبر بدفع.
قوله: [مع إخراج الدين]: أي بلفظ دفع.
قوله: [القيود المذكورة]: أي وهي ثمان: نقد مضروب مسلم معلوم لمن يتجر به بجزء معلوم من ربحه بصيغة.
قوله: [لا بعرض]: هذا محترز أول القيود.
قوله: [طعاماً كان أو غيره]: تعميم في المثلي غير النقد، وتقدم أن المثلي ما ضبطه كيل أو وزن أو عدد.
قوله: [ولو ببلاد لا يوجد فيها]: أي لأن القراض رخصة يقتصر فيها على ما ورد كما يأتي.
قوله: [فسيأتي النص عليه]: أي في قوله، وإن وكله على خلاص دين ... إلخ.
قوله: [ولو تعومل بها]: ظاهره ولو لم يوجد غيرها.
قوله: [يقتصر فيها على ما ورد]: في (بن) قال بعضهم: والظاهر في نحو هذا الجواز؛ لأن الدراهم والدنانير ليست مقصودة لذاتها حتى يمتنع بغيرها حيث انفرد التعامل به، بل هي مقصودة من حيث التنمية.
قوله: [على أنه أخره]: أي فيكون ربا.
قوله: [أن يكون أنفقها]: الضمير يعود على العين المرهونة أو المودعة.
قوله: [الرهن أو الوديعة]: بدل من المال.
قوله: [واعتراضهم على ابن غازي] إلخ: أي فقد اعترض شراح خليل على ابن غازي حيث اعترض على خليل في المبالغة بالوجه الذي قاله شارحنا، فوجهوا كلام خليل بأن انتفاع رب المال بتخليص العامل الرهن أو الوديعة أمر محقق، وأما احتمال اتفاق العين إن كانت تحت يد العامل فأمر متوهم فالمبالغة عليه صحيحة، وكلام ابن غازي تحامل، فوجه شارحنا كلام ابن غازي بما علمت.
قوله: [ولا عبرة بما وقع منهما]: أي لا يعتبر عقد القراض؛ لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً.
قوله: [إلا أن يقبض الدين]: أي ولو بغير إشهاد.
قوله: [أن هذا المال الذي أحضر]: أي مع علم الشهود بقدره، وحينئذ يخرج بهذا الإحضار من الذمة إلى الأمانة.
قوله: [بالقياس الجلي على الدين]: أي لأن القبض أو الإحضار والإشهاد كاف في الدين مع أنه في الذمة، فكفاية ما ذكر فيما ليس في الذمة أولى، فهو قياس أحروي.
قوله: [فالربح لربهما] إلخ: إن قلت: ما الفرق بين تجارته بالدين قبل القبض والرهن والوديعة، حيث جعلتم الربح والخسر للعامل في الأول ولرب المال في الثاني؟ قلت: إن الدين لم ينتقل عن ذمة العامل ومن عليه الضمان
стр. 776
وما مر في الوديعة من أن المودع بالفتح إذا اتجر في الوديعة فالربح له والخسارة عليه، فذاك فيما إذا اتجر فيها بغير إذن ربها، وهنا أذن له على طريق القراض. وهذا إذا كان الدين عليه، والرهن أو الوديعة تحت يده.
فإن كان على غيره والرهن أو الوديعة بيد أمين، فأشار له بقوله (وإن وكله): أي وكل العامل (على خلاص دين) ثم يعمل فيه قراضاً، وكذا على خلاص رهن أو وديعة عند أمين (أو) على (بيع عرض عنده) أو دفعه (أو) على بيعه (بعد شرائه، أو) وكله على (صرف) بأن دفع له ذهباً ليصرفه بفضة أو عكسه (ثم يعمل) في ثمن العرض أو فيما صرفه قراضاً فقراض فاسد.
وإذا كان قراضاً فاسداً: (فله): أي للعامل (أجر مثله في توليه) ما ذكر من التخليص أو البيع أو الصرف في ذمة رب المال، ربح العامل أو لم يربح. وكذا في التبر والفلوس كما ذكره بعضهم. (و) له (قراض مثله في ربحه): أي ربح المال فإن ربح أعطي منه قراض مثله. وإن لم يربح فلا شيء له لا في ذمة ربه. ومثل هذه المسائل ما لو دفع له مالاً على أن يشتري به سلعة فلان ثم يعمل فيها قراضاً.
ثم شبه بما يمنع، وفيه - إن وقع - قراض المثل قوله: (كلك شرك): أي كما لا يجوز؛ وإن وقع ففيه قراض المثل ما إذا انتفى علم الجزء للعامل، بأن قال له: اعمل فيه ولك في الربح شرك (ولا عادة) الواو واو الحال: أي والحال أنه لا عادة بينهم تعين قدر الجزء، فإن كان لهم عادة تعين إطلاق الشرك على النصف مثلاً عمل عليها، وأما لو قال: والربح مشترك بيننا، أو شركة، فهو ظاهر في أن له النصف؛ لأنه يفيد التساوي عرفاً، بخلاف: لك شرك فإن المتبادر منه لك جزء.
(أو مبهم) بالجر نعت لمقدر مجرور بالكاف: أي وكقراض مبهم بأن قال: اعمل فيه قراضاً، وأطلق، فإنه فاسد، وفيه بعد العمل قراض المثل في الربح. وكذا إذا أبهم الجزء كأن قال: ولك جزء من ربحه أو شيء من ربحه، إذا لم يكن لهم عادة تعين المراد بما ذكر كشرك.
(أو) قراض (أجل) فيه العمل ابتداء أو انتهاء كاعمل فيه سنة من الآن، أو: إذا جاء الوقت الفلاني فاعمل فيه، ففاسد لما فيه من التحجير المنافي لسنة القراض، وفيه – أن [١] عمل - قراض المثل.
(أو) قراض (ضمن) للعامل بضم الضاد وتشديد الميم: أي شرط فيه على العامل ضمان رأس المال إذا أتلف أو ضاع بلا تفريط ففاسد. ولا يعمل بالشرط، وفيه قراض المثل في الربح إن عمل.
(أو) قراض قال فيه للعامل: (اشتر) السلع (بدين) في ذمتك. ثم انتقد أي اشترط عليه ذلك (فخالف) العامل واشترى بنقد، ففيه قراض المثل؛ لأن الشرط فاسد، وقد نقد مال رب المال حالاً، فالسلع لرب المال وللعامل قراض مثله في الربح، فقولنا: "فخالف" قيد لا بد منه زدناه عليه. فإن لم يخالف بأن اشترى بدين كما شرط فيه، فالربح له والخسارة عليه؛ لأن الثمن صار قرضاً في ذمته. وكذا لو شرط عليه أن يشتري بنقد فاشترى بدين. وأما لو شرط عليه الشراء بنقد فاشترى به كما شرط فالجواز ظاهر.
ــ
له الغنم، بخلاف الرهن الوديعة، فإن الأصل فيهما عدم الضمان لمن هما بيده فتأمل.
قوله: [وما مر في الوديعة]: أي فلا ينافي ما هنا؛ لأن ما مر صارت ديناً حيث اتجر فيها بغير إذن ربها فحكمها حكم التجارة في الدين.
قوله [أو على بيع عرض عنده]: أي عند العامل، وقوله: أو دفعه له أي دفع رب المال العروض للعامل موكلاً له على بيعها، وقوله: أو على بيعه بعد شرائه أي أمره بشراء عروض، ثم وكله على بيعها ويتجر في ثمنها.
قوله: [من التخليص]: راجع لقوله على خلاص دين، وقوله: "أو البيع" راجع لقوله: "أو على بيع عرض عنده" إلخ.
وقوله: [أو الصرف]: راجع لقوله: "أو صرف" فهو لف ونشر مرتب.
قوله: [وكذا في التبر والفلوس]: أي أجر مثله في صرف التبر إن دفع له تبراً وأمره أن يبدله بمسكوك وقوله: "والفلوس" أي له أجر مثله في إبدال الفلوس بعين مسكوكة.
قوله: [لا في ذمة ربه]: صوابه حذف لا أو يزيد بعد قوله: لا في ذمة ربه ولا في المال، فتدبر.
قوله: [ومثل هذه المسائل]: أي من حيث ثبوت أجرة المثل في تولية الشراء، وقراض مثله في الربح الحاصل في التجارة بعد ذلك، وقوله المسائل أي التسع المتقدمة في المتن والشرح وتضم لها هذه فتكون عشراً، وإنما فسدت تلك العشر لاختلال بعض الشروط منها تأمل.
قوله: [كلك شرك]: إنما كان فيه قراض المثل؛ لأن هذا اللفظ يحتمل النصف والأقل والأكثر، فيكون مجهولاً كما سيوضحه الشارح في آخر العبارة.
قوله: [أجل فيه العمل ابتداء]: أي بخلاف ما لو قال: اعمل فيه الصيف أو في موسم العيد ونحو ذلك مما فيه زمن معين فإنه فاسد وفيه أجرة المثل. وذلك لشدة التحجير في هذا دون ما قاله المصنف؛ لأن كلما اشتد التحجير قوي الفساد وحيث قوي الفساد خرج عن القراض بالمرة.
قوله: [ضمن للعامل]: أي شرط عليه رب المال الضمان، وأما لو تطوع العامل بالضمان ففي صحة ذلك القراض وعدمها خلاف، وأما إن دفع رب المال للعامل المال واشترط عليه أن يأتيه بضامن يضمنه فيما يتعلق بتعديه فلا يفسد بذلك؛ لأن هذا الشرط جائز، وأما إن شرط عليه أن يأتيه بضامن يضمنه مطلقاً، تعدى في التلف أم لا فسد القراض ولو كان الضمان بالوجه ولا
стр. 777
فالصور أربع.
(أو) شرط عليه (ما يقل وجوده): أي ما يوجد تارة ويعدم أخرى، ففاسد وفيه - إن عمل - قراض المثل في الربح، وسواء خالف واشترى غيره أو اشتراه قال المواق: ونص المدونة قال مالك: لا ينبغي أن يقارض رجلاً على أن لا يشتري إلا البز إلا أن يكون موجوداً في الشتاء والصيف، فيجوز ثم لا يعدوه إلى غيره – الباجي: فإن كان يتعذر لقلته لم يجز، وإن نزل فسخ انتهى. أي: فإن فات بالعمل ففيه قراض المثل، فعلم أن ما يوجد دائماً - إلا أنه قليل وجوده - فصحيح ولا ضرر في اشتراطه.
ثم شبه بما فيه قراض المثل قوله: (كاختلافهما): أي العامل ورب المال (في) قدر (الربح بعد
العمل وادعيا): أي ادعى كل منهما (ما لا يشبه) العادة، كأن يقول رب المال: جعلت لك سدس الربح، ويقول العامل: الثلثين، وكانت عادة الناس الثلث أو النصف فيردان إلى قراض المثل، فإن انفرد أحدهما بالشبه فالقول له.
(فإن أشبها) معاً (فقول العامل): أي القول له لترجح جانبه بالعمل. وأما اختلافهما قبل العمل، فسيأتي أن القول لربه مطلقاً.
(وفي فاسد غيره): أي غير ما تقدم ذكره من المسائل: (أجرة مثله في الذمة): أي ذمة رب المال ربح العامل أو لم يربح، بخلاف المسائل المتقدمة فإن فيها قراض المثل في الربح، فإن لم يحصل ربح فلا شيء للعامل. ويفترقان أيضاً من جهة أخرى: وهي أن ما فيه قراض المثل يفسخ قبل العمل ويفوت بالعمل وما فيه أجرة المثل يفسخ متى اطلع عليه وله أجرة ما عمل:
ثم ذكر أمثلة فاسدة غير ما تقدم مما للعامل فيه أجرة مثله بقوله: (كاشتراط يده): أي يد رب المال مع العامل في البيع والشراء والأخذ والعطاء مما يتعلق بالقراض، ففاسد لما فيه من التحجير، وللعامل أجرة مثله.
(أو) اشتراط (مشاورته): أي مشاورة رب المال في البيع والشراء، ففاسد لما فيه من التحجير، وفيه أجرة المثل.
(أو) اشتراط (أمين عليه): أي على العامل أو اشتراط (كخياطة) لثياب التجارة (أو خرز) لجلودها من كل عمل في سلعها على العامل.
(أو) اشتراط (تعيين محل) للتجر لا يتعداه لغيره (أو) اشتراط تعيين (زمن) له لا يتجار [١] في غيره (أو) تعيين (شخص للشراء) منه بحيث لا يشتري شيئاً من غيره أو البيع له بحيث لا يبيع سلعة لغيره فيفسد القراض لذلك [٢] كله للتحجير المخالف لسنة القراض. وانظر بقية المسائل في ذلك في الأصل.
(وعليه): أي العامل ما جرت العادة به.
ــ
يلزم، كما أفتى به الأجهوري.
قوله [فالصور أربع]: أي فالصورة الأولى: فيها قراض المثل والخسارة على العامل لتعديه بدفع المال بعد منع ربه، والثانية والثالثة: الربح للعامل والخسر عليه، وليس لرب المال إلا رأس ماله، والرابعة: القراض صحيح والربح على ما دخلا عليه.
قوله [إلا البز]: بالباء والزاي المعجمة القماش.
قوله: [أي ادعى كل منهما ما لا يشبه]: أي جزءاً لا يشبه أن يكون جزء قراض.
قوله: [فالقول له]: قال في الحاشية ظاهر عباراتهم بدون يمين في ذلك.
قوله: [فسيأتي أن القول لربه مطلقاً]: أي أشبه أم لا؛ لأنه عقد منحل قبل العمل.
قوله: [أي غير ما تقدم ذكره من المسائل]: أي السبع، وتضم لها المسائل العشر التي تقدم التنبيه عليها من حيث قراض المثل في الربح، وإن كان فيها أجرة المثل في التولية.
قوله: [ويفترقان أيضاً من جهة أخرى]: أي ويفترقان أيضاً من جهة ثالثة، وهي أنه أحق من الغرماء إذا وجب له قراض المثل وأسوتهم إذا وجب له أجرة المثل على ظاهر المدونة والموازية ما لم يكن الفساد باشتراط عمل يده، كأن يشترط عليه أن يخيط فإنه حينئذ يكون أحق به من الغرماء؛ لأنه صانع. وهل أحقيته به فيما يقابل الصنعة فقط أو فيه وفيما يقابل عمل القراض؟ قولان، ومقابل ظاهر المدونة أنه أحق به أيضاً بأجرة المثل إذا كان المال بيده حتى يستوفي أجرة مثله. كذا في الحاشية.
قوله: [أمثلة فاسدة غير ما تقدم]: وضابط ذلك: أن كل مسألة خرجت عن حقيقة القراض من أصلها ففيها أجرة المثل، وأما إن شملها القراض لكن اختل منها شرط ففيها قراض المثل.
قوله: [أو اشتراط أمين عليه]: أي بخلاف اشتراط رب المال عمل غلام غير عين أي رقيب على العامل بنصيب للغلام من الربح، أو بغير شيء أصلاً فجائز، وأما إن كان النصيب للسيد أو كان الغلام رقيباً ففاسد وفيه أجرة المثل.
قوله: [من كل عمل]: بيان لمدخول الكاف والمعنى من كل عمل غير لازم للعامل، وإلا فلا يضر اشتراط كالنشر والطي الخفيفين.
قوله: [على العامل]: متعلق بـ "اشتراط" وليس متعلقاً بمحذوف صفة لعمل؛ لأنه فاسد.
قوله: [أو اشتراط تعيين محل]: أي كقوله: لا تتجر إلا في خصوص البلدة الفلانية؛ أما لو قال له: اتجر في القطر الفلاني ولا تخرج منه فلا يضر.
قوله: [لا يتجار]: هكذا نسخة المؤلف بألف بعد الجيم ثم راء بعدها، والصواب حذف الألف.
قوله: [وانظر بقية المسائل في ذلك في الأصل]: منها أن يشترط عليه مشاركة غيره في مال القراض أو يخلط بماله أو مال قراض عنده أو يبضع بمال القراض أي يرسله أو بعضه مع غيره ليشتري به ما يتجر العامل به، أو أن يزرع بمال القراض حيث جعل عليه العمل في الزرع؛ لأن ذلك زيادة زادها رب المال عليه، وأما لو شرط عليه
стр. 778
(كالنشر والطي) للثياب ونحوها (الخفيفين) لا الكثيرين مما لم تجر العادة به.
(و) عليه (الأجر) من ماله (إن استأجر) على ذلك لا على رب المال ولا من الربح.
(وإن اشترى) إنسان سلعة لنفسه بثمن معلوم فلم يقدر على وفائه (فقال) لغيره: أنا (اشتريت) سلعة بكذا (فأعطني) الثمن لأنقده لربها، وربحها بيننا مناصفة مثلاً، فدفعه له (فقرض) فاسد لا قراض؛ فيجب رده لربه فوراً؛ لأنه لم يقع على وجه معروف. فإن نقده في السلعة فالربح للعامل وحده والخسر عليه.
(بخلاف ما إذا لم يخبر) رب المال بالشراء بل قال له بعد أن اشتراها: ادفع لي عشرة مثلاً على وجه القراض والربح بيننا كذا (فيجوز): ويكون قراضاً على ما دخلا عليه (كادفع لي) كذا على وجه القراض (فقد وجدت رخيصاً أشتريه) به والربح بيننا على كذا، فيجوز (إن لم يسمى السلعة أو البائع): فإن سمى السلعة أو البائع لم يجز، وكان قراضاً فاسداً. ويظهر - كما قيل - أنه إن عين البائع فهي كمسألة: اشتر من فلان، له أجرة تولي الشراء أو قراض المثل، وإن عين السلعة فله أجر المثل.
(وجعل) بالجر أي: وكجعل (الربح) كله (لأحدهما): فيجوز (أو غيرهما): فيجوز.
(وضمنه) العامل: أي يضمن مال القراض لربه لو تلف أو ضاع بلا تفريط (في) اشتراط (الربح له): أي للعامل، بأن قال له ربه اعمل فيه والربح لك؛ لأنه حينئذ صار قرضاً وانتقل من الأمانة إلى الذمة، لكن بشرطين أفادهما بقوله:
(إن لم ينفه): أي الضمان عن نفسه، أو لم ينفه عنه رب المال. فإن نفاه بأن قال: ولا ضمان علي، أو قال له ربه، ولا ضمان عليك، لم يضمن؛ لأنه زيادة معروف (ولم يسم قراضاً) بأن قال: اعمل فيه والربح لك: فإن سمى قراضاً بأن قال له: اعمل فيه قراضاً والربح لك، لم يضمن، ولكن [١] شرط عليه الضمان، فيلغى الشرط. لكنه إن شرطه يكون قراضاً فاسداً يفسخ قبل العمل.
(وخلطه): أي مال القراض فيجوز (وإن) خلطه العامل (بماله) إذا لم يشترط عليه ربه الخلط، وإلا لم يجز، وفسد وفيه أجرة المثل كما قدمه الشيخ وخلطه بمال غيره أو بماله (وهو الصواب، إن خاف) العامل (بتقديم أحدهما) أي المالين (رخصاً)
ــ
أن ينفقه في الزرع من غير أن يعمل بيده فلا يمنع، أو يشترط عليه أن لا يشتري إلى بلد كذا، فهذه ست مسائل تضم للثماني التي ذكرها المصنف، العقد فيها فاسد لخروجها عن حقيقة القراض، وفيها أجرة المثل بعد العمل.
قوله: [كالنشر والطي]: دخل تحت الكاف النقل الخفيف فيلزمه، وإن استأجر عليه فمن ماله.
قوله: [لا الكثيرين مما لا تجري العادة به] أي فإنه لا يتولاه بنفسه، فإذا عمله بنفسه وادعى أنه عمله ليرجع بأجرته قضي له بالأجرة، فإن خالفه رب المال وقال: بل عملته تبرعاً منك صدق العامل بيمين على أحد القولين.
قوله: [وإن اشترى إنسان سلعة] إلخ: حاصله أن المسائل التي تؤخذ من المتن والشرح في هذا المبحث خمس: الأولى: أن يشتري السلعة لنفسه بثمن معلوم ثم يأتي غيره فيخبره بها، ويطلب منه الثمن على وجه القراض، فقرض فاسد والربح للعامل والخسر عليه. الثانية: أن يشتريها ويسأل غيره قراضاً من غير أن يخبره بشرائها فيجوز ويكون قراضاً على ما دخلا عليه.
الثالثة: أن يذهب قبل شرائها، فيقول: ادفع لي فقد وجدت رخيصاً، والربح بيننا فيجوز أيضاً ويكون قراضاً على ما دخلا عليه. الرابعة: أن يسمي السلعة فقط كقوله: وجدت بعيراً بكذا فادفع لي ثمنه والربح بيننا فهذه فاسدة، وفيها للعامل أجرة المثل. الخامسة: أن يسمي البائع بأن يقول وجدت فلاناً يبيع بعيراً فأعطني ثمنه قراضاً فهي فاسدة أيضاً، وفيها قراض المثل في الربح وأجرة تولي الشراء. قوله: [لأنه لم يقع على وجه معروف]: علة لقوله: "فيجب رده فورا" ولا يعمل فيه بعادة القرض؛ لأن بقاءه كالربا.
قوله: [له أجرة تولي الشراء أو قراض المثل]: أي فتكون من جملة المسائل العشر المتقدمة.
قوله: [فله أجر المثل]: أي وتضم للمسائل التي فيها أجرة المثل.
قوله: [لأنه حينئذ صار قرضاً]: أي وإطلاق القراض عليه مجاز لما علمت أن حقيقة القراض دفع مالك مالاً من نقد مضروب مسلم معلوم لمن يتجر به بجزء معلوم من ربحه قل أو كثر بصيغة، وحكم ذلك الربح حكم الهبة متى حازه الموهوب له قضي له به إن كان معيناً، وأما إن كان غير معين كالفقراء وجب من غير قضاء، فإن اشترط لمسجد معين فقال ابن ناجي: إنه يجب من غير قضاء كالفقراء، وقال ابن زرب: يقضي به كالموهوب له المعين وحيث اشترط رب المال للعامل لم يبطل بموت ربه أو فلسه قبل المفاصلة؛ لأن المال كله بيده فكأن الربح هبة مقبوضة، وأما إن اشترط لربه فهل يبطل بموت العامل وتأخذه ورثته لعدم حوز رب المال له أو لا، بل يقضى به لرب المال بناء على أن العامل أجير لرب المال فكأن رب المال حائز له؟ قولان. اهـ ملخصاً من حاشية الأصل.
قوله: [يكون قراضاً فاسداً]: أي وهل يكون الربح للعامل عملاً بما شرطاه أو فيه قراض المثل لكونه قراضاً فاسداً انظره كذا في (عب).
قوله: [إذا لم يشترط عليه ربه الخلط]: بقي ما إذا شرط عليه ربه عدم الخلط، والحكم أنه يلزمه ذلك، فإذا
стр. 779
فيجب إن كان المالان لغيره فإن كان أحدهما له وجب أحد الأمرين. إما الخلط أو تقديم القراض ومنع تقديم ماله، فإن قدمه فخسر مال القراض ضمن. وقيل: معنى الصواب الند [١] فلا يضمن إن قدم ماله فحصل للقراض رخص. ومثل الرخص في البيع الغلاء في الشراء.
(وسفره): أي العامل بمال القراض، فيجوز (إن لم يحجر عليه) رب المال (قبل شغله): أي المال بأن لم يحجر عليه أصلاً أو حجر بعد شغله، فإن حجر عليه قبل شغله ولو بعد العقد، لم يجز. فإن خالف وسافر ضمن بخلاف ما لو خالف وسافر بعد شغله إذ ليس لربه منعه من السفر بعده.
(واشتراطه): أي رب المال على العامل (أن لا ينزل وادياً) ينص له عليه (أو) لا (يمشي) بالمال (ليلاً) خوفاً من نحو لص (أو) لا ينزل (ببحر أو) لا (يبتاع) به (سلعة) عينها له لغرض فيجوز.
(وضمن إن خالف) في جميع ما ذكر وتلف المال أو بعضه.
(كأن عمل) بالمال (بموضع جور له): أي للعامل بأن كان لا حرمة له فيه ولا جاه فإنه يضمن، وإن لم يكن جوراً لغيره. كما أنه لا ضمان عليه فيما لا جور عليه فيه وإن كان جوراً لغيره.
(أو) عمل بالمال (بعد علمه بموت ربه) فإنه يضمن إن كان عيناً؛ لأنه صار لغيره. لا إن لم يعلم بموته لعذره، ولا إن كان عرضاً فباعه بعد علمه فلا يضمن خسره، إذ ليس للورثة أن يمنعوه من التصرف فيه. وظاهره الضمان بعد العلم بموته سواء كان العامل حاضراً ببلد المال أو غائباً به قريباً أو بعيداً وهو الراجح. وقيل: محل الضمان إذا كان حاضراً.
(أو شارك) العامل في مال القراض غيره - ولو عاملاً آخر - لرب ذلك القراض بغير إذن رب المال، فإنه يضمن لأن ربه لم يستأمن غيره فيه.
(أو باع) سلعة من سلع القراض أو أكثر (بدين) بلا إذن، فإنه يضمن.
(أو قارض): أي دفعه أو بعضه قراضاً لآخر (بلا إذن) من ربه؛ فإنه يضمن.
فقوله: "بلا إذن" راجع للأربعة قبله إلا أن الإذن في الأولى من الورثة (والربح) في الأخيرة (بينهما): أي بين رب المال والعامل الثاني الذي حرك المال (ولا ربح للأول) لتعديه بدفعه للثاني بلا إذن من ربه.
(وعليه): أي على العامل الأول (الزيادة) للثاني (إن زاد) له في الربح على ما جعله له رب المال، كما لو جعل له الثلث في الربح، فقارض آخر بالنصف، فالربح بين ربه والعامل الثاني على الثلث والثلثين، وعلى العامل الأول للثاني تمام النصف. فإن دخل معه على أقل - كالربع في المثال - فالزائد لرب المال.
ــ
خالف وخلط كان الربح بينهما والخسر على العامل.
قوله: [فيجب إن كان المالان لغيره]: أي كما لابن ناجي.
قوله: [أو تقديم القراض]: أي الذي هو مال الغير.
قوله: [ضمن]: أي على مقتضى الوجوب.
قوله: [وقيل معنى الصواب الندب]: هو لبعض شيوخ ابن ناجي.
قوله: [فلا يضمن]: أي لكونه لم يخالف واجباً.
قوله: [الغلاء في الشراء]: أي طروّ الغلاء في السلع التي شأن عمل القراض فيها.
قوله: [أو حجر بعد شغله]: أي كلاً أو بعضاً.
قوله: [بعده]: أي بعد شغل المال سواء كان المال قليلاً أو كثيراً كان السفر قريباً أو بعيداً، كان العامل شأنه السفر أم لا.
قوله: [ألا ينزل وادياً]: أي محلاً منخفضاً شأنه يخاف منه.
قوله: [لغرض]: أي لقلة ربحها عادة مثلاً.
قوله: [فيجوز]: مرتبط بقوله: "واشتراطه" إلخ. وقدر هذا ليعلم أن هذه الأشياء مجرورة معطوفة على مدخول الكاف في قوله: "كادفع لي" المشبه بالجواز قبله.
قوله: [في جميع ما ذكر]: أي في شيء من جميع ما ذكر.
قوله: [وتلف المال أو بعضه]: أي زمن المخالفة، وأما لو تجرأ واقتحم النهي وسلم، ثم حصل تلف بعد ذلك من غير الأمر الذي خالف فيه فلا ضمان، وكذا لو خالف اضطراراً بأن مشى في الوادي الذي نهي عنه أو سافر بالليل أو في البحر اضطراراً لعدم المندوحة فلا ضمان ولو حصل تلف - كما في الحاشية.
وإذا تنازع العامل ورب المال في أن التلف وقع زمن المخالفة أو بعدها صدق العامل في دعواه كما في (ح) عن اللخمي.
قوله: [فإنه يضمن]: أي لظهور التفريط منه حيث كان التلف من أجل الجور لا من أمر سماوي.
قوله: [وقيل محل الضمان] إلخ: هذا التقييد لابن يونس قائلاً: إن كان بغير بلد المال فله تحريكه، ولو علم بموته، نظراً إلى أن السفر عمل لشغل المال، واعتمد هذا (بن) نقلاً عن أبي الحسن وابن عرفة وغيرهما.
قوله: [لأن ربه لم يستأمن غيره فيه]: أي فقد عرضه للضياع، ومحل الضمان إذا غاب شريكه العامل الذي شاركه بلا إذن على شيء من المال إن حصل خسر أو تلف، وسواء كان الشريك صاحب مال أو عاملاً، وأما إن لم يغب على شيء لم يضمن إذا تلف كما قاله ابن القاسم واعتمده أبو الحسن.
قوله: [بدين]: أي نسيئة فيضمن؛ لأنه عرضه للضياع، فإن حصل ربح فهو لهما، وإن حصل خسر فعلى العامل وحده على المشهور.
قوله: [راجع للأربعة قبله]: أي وهي قوله أو بعد علمه بموت ربه وما بعده، وأما ما قبلها فمعلوم أنه بلا إذن من قوله وإن خالف.
قوله: [ولا ربح للأول]: إلخ، حاصله: أن عامل القراض إذا دفع المال لعامل آخر قراضاً بغير إذن رب المال فإن حصل تلف أو خسر فالضمان من العامل الأول، وإن حصل ربح فلا شيء للعامل الأول منه، وإنما الربح للعامل الثاني ورب المال، ثم إن دخل العامل الثاني مع الأول على مثل ما دخل عليه الأول مع رب المال فظاهر،
стр. 780
(وإن نهاه): أي نهى رب المال العامل (عن العمل) بماله (قبله): أي قبل العمل، وانحل العقد حينئذ فخالف وعمل (فله) الربح وحده (وعليه) الخسر، وليس لرب المال عليه إلا رأس ماله.
(وإن جنى كل) من رب المال أو العامل على شيء من مال القراض، (أو) جنى (أجنبي) على شيء منه فأتلفه (أو أخذ) منه (شيئاً) قبل العمل أو بعده (فالباقي) بعد الجناية أو الأخذ هو (رأس المال) فالربح له خاصة (ولا يجبره): أي المال الأصلي قبل الجناية أو الأخذ منه (ربح) من الباقي، فليس ما ذكر كالخسر يجبر بالربح؛ لأن الجاني أو الآخذ إن كان رب المال، فقد رضي بأن الباقي هو رأس ماله، وإن كان العامل اتبع به في ذمته كالأجنبي، ولا ربح لما في الذمة.
(وعلى الجاني) منهم (ما جنى): فإن كان رب المال فأمره ظاهر، وإن كان غيره فعليه ما يلزمه شرعاً من أرش أو قيمة أو مثل، وما وقع هنا لبعض الشراح لا يعول عليه.
(ولا يشتري) العامل: أي لا يجوز له أن يشتري سلعاً للقراض (بنسيئة) أي تأخير أي بدين في ذمة ربه (وإن أذن ربه) له في ذلك. وأما شراؤه لنفسه فجائز إذا لم يشغله عن القراض. (ولا) يشتري للقراض (بأكثر من مال القراض) ولو بنقد من عنده.
(فإن اشترى) سلعة بدين للقراض أو بأكثر من ماله (فالربح له): أي للعامل، أي ربح تلك السلعة ولا شيء منه لرب المال. كما أن الخسر عليه. كما لو اشترى بدين لنفسه، ثم إذا اشترى تلك السلعة لنفسه أو للقراض [١] بدين في ذمته منفردة عن سلع القراض وباعها كذلك، فجميع ربحها له وخسرها عليه ولا تعتبر قيمتها.
(و) إن اشترى في جملة سلع التجارة (شارك بقيمته): أي قيمة المؤجل ولو عيناً، فتقوم العين بعرض ثم العرض بعين، ثم ينظر لما يخصه من الربح، فإذا كان مال القراض مائة فاشترى سلعة بمائتين مائة هي مال القراض والأخرى مؤجلة، فتقوم مؤجلة بعرض ثم العرض بنقد. فإذا كانت قيمته خمسين كان شريكاً بالثلث فيختص بربحه وخسره، وما بقي على حكم القراض. وهذا في المؤجل، وأما لو اشترى بنقد فالشركة بعدده واختص بربحه إن اشتراه لنفسه ويصدق.
ــ
وإن دخل معه على أكثر مما دخل عليه، فإن العامل الأول يغرم للثاني الزيادة، وإن دخل معه على أقل فالزائد لرب المال لا للعامل الأول، فإن لم يحصل للعامل الثاني ربح فلا شيء له ولا يلزم العامل الأول لذلك الثاني شيء، كما هو القاعدة أن العامل لا شيء له إذا لم يربح المال.
تنبيه: كل من أخذ مالاً للتنمية لربه بغير قراض كوكيل على بيع شيء ومبضع معه فربح فيه فلا ربح له، بل لرب المال كأن يوكله على بيع سلعة بعشرة فباعها بأكثر فالزائد لربها لا للوكيل، وكأن يبضع معه عشرة ليشتري له بها عبداً أو طعاماً من محل كذا فاشتراه بثمانية فالفاضل من الثمن لرب المال لا للمشتري، وأما لو باعها بعشرة كما أمره، واتجر في العشرة حتى حصل فيها ربح، أو أن المبضع معه اشترى بالعشرة سلعة غير ما أمره بإبضاعها فربح فيها فالربح للوكيل فيهما، كالمودع يتجر في الوديعة، والغاصب والوصي والسارق إذا حركوا المال الربح لهم والخسر عليهم.
قوله: [وإن نهاه] إلخ: صورتها أعطى شخص العامل مالا ليعمل فيه قراضاً، ثم قبل أن يعمل به قال له: يا فلان لا تعمل، فحينئذ ينحل عقد القراض، ويصير المال كالوديعة، فإذا عمل بعد ذلك كان الربح للعامل وحده.
قوله: [وليس لرب المال عليه إلا رأس ماله]: ظاهره: ولو أقر العامل أنه اشترى للقراض بعد ما نهاه، وهو ما اختاره في التوضيح، وقال ابن حبيب: إذا أقر أنه اشترى بعد ما نهاه للقراض فالربح لهما لالتزامه لرب المال نصيبه من الربح فيلزمه الوفاء به.
قوله: [قبل الجناية أو الأخذ]: صفة للمال الأصلي، كأنه قال: لا يجبر بالربح المال الأصلي الكائن قبل حصول الجناية أو قبل حصول الأخذ منه.
قوله: [لأن الجاني أو الآخذ]: علة للنفي.
قوله: [فقد رضي بأن الباقي] إلخ: أي وفسخ عقد القراض فيما أخذه؛ لأن القراض منحل قبل العمل.
قوله: [كالأجنبي]: أي يتبع به في ذمته أيضاً.
قوله: [ولا ربح لما في الذمة]: أي لأن أخذ الربح عليه ربا.
قوله: [وما وقع هنا لبعض الشراح] إلخ: أي فلا فرق بين أن تكون الجناية قبل العمل أو بعده في كون الباقي رأس المال، ولا يجبر ذلك بالربح ويتبع الآخذ بما أخذه والجاني بما جنى عليه كما قاله (ر) خلافاً لتفصيل الخرشي حيث قال: إن كانت قبله يكون الباقي رأس المال وما بعده فرأس المال على أصله؛ لأن الربح يجبره، ومثله في (عب) قال (ر): هو خطأ فاحش فمراد الشارح ببعض الشراح الخرشي و (عب).
قوله: [أي لا يجوز له أن يشتري سلعاُ] إلخ: إنما منع ذلك لأكل رب المال. ربح ما لم يضمن. وقد نهى النبي ﵊ عنه، ثم إن المنع مقيد بما إذا كان العامل غير مدير، وأما المدير فله الشراء للقراض بالدين كما في سماع ابن القاسم، ابن عرفة؛ لأن عروض المدير كالعين في الزكاة، ويجب أن يقيد ذلك بكون ما يشتريه بالدين يفي به مال القراض وإلا لم يجز. اهـ. (بن).
قوله: [وإن أذن ربه]: أي بخلاف بيعه بالدين فإنه يمنع ما لم يأذن له رب المال، وإلا جاز. ولا يقال: إن إتلاف المال لا يجوز؛ لأن التلف هنا غير محقق. على أن إتلاف المال الممنوع رميه في بحر أو نار مثلاً بحيث لا ينتفع به أصلاً.
قوله: [ولا يشتري للقراض بأكثر]: أي لأنه سلف جرَّ نفعاً إذا نقدوا كل ربح ما لم يضمن
стр. 781
وإن اشتراه للقراض خير رب المال بين دفع المائة الثانية فيكون جميع المال له وعدم الدفع فالشركة على النصف.
(وجبر) بالبناء للمفعول (خسره): أي المال نائب الفاعل: أي إذا حصل في المال خسر، كما لو كانت مائة اشترى بها سلعة، فباعها بثمانين ثم اشترى بها شيئاً باعه بمائة وعشرين، فإنه يجبر بالربح. وما زاد بعد الجبر فبينهما على ما شرطا [١]، فالعشرون في المثال هي التي تكون بينهما، ولو باعه بمائة فقط فلا ربح بينهما. ولو دخلا على عدم الجبر بالربح لم يعمل به والشرط ملغى.
(و) جبر أيضاً (ما تلف) من القراض وألحق به ما أخذه لص أو عشار - (وإن) وقع التلف (قبل العمل) بالمال: أي قبل تحريكه - (بالربح): متعلق ب "جبر". ومعنى جبره بالربح: أنه يكمل منه ما نقصه بالخسر أو التلف، ثم إن زاد شيء قسم بينهما كما تقدم (ما لم يقبض) المال من العامل، فإن قبضه ربه ناقصاً عن أصله، ثم رده له فلا يجبر بالربح؛ لأنه حينئذ صار قراضاً مؤتنفاً. ومعلوم أن الجبر إنما يكون إذا بقي شيء من أصل المال، فلو تلف جميعه فأتى له ربه ببدله فلا جبر للأول بربح الثاني.
(ولربه خلفه): أي خلف التالف كلاً أو بعضاً، إلا أنه إذا تلف الكل فأخلفه فربح في الثاني فلا جبر كما قدمنا. وإذا تلف البعض فأخلفه فيجبر الباقي بما ينوبه من الربح، لا بما ينوب الخلف. قال اللخمي: من ضاعت له خمسون من مائة فخلفها رب المال، ثم باع بمائة وخمسين وكان قراضاً بالنصف أن يكون للعامل اثنا عشر ونصف؛ لأن نصف السلعة على القراض الأول ورأس ماله مائة ولا شيء للعامل فيه، ونصفها على القراض الثاني ورأس ماله خمسون وله نصف ربحها ولا يجبر الأول بالثاني انتهى. أي بما ينوب الثاني من الربح، وتقدم أن الجناية وما أخذ ربه أو غيره لا يجبر بربح.
(وأنفق) العامل (منه): أي من مال القراض: أي يجوز له الإنفاق على نفسه من مال القراض، ويقضى له بذلك بشروط أربعة: أشار لأولها وثانيها بقوله: (إن سافر) به (للتجارة): أي شرع في السفر لتنمية المال ولو دون مسافة القصر من طعام وشراب وركوب ومسكن وما يتعلق بذلك من حمام وغسل ثوب على وجه المعروف كما يأتي حتى يرجع لوطنه،
ــ
إذا لم ينقد.
قوله: [وإن اشتراه للقراض]: مقابل قوله: " إن اشتراه لنفسه " ولا فرق في كل بين أن يكون الشراء بحال أو مؤجل. فقوله: " خير رب المال " لا فرق فيه بين الحال والمؤجل، وصور تلك المسألة أربع عند الخلط ومثلها عند عدمه. فحيث خلط وقصد بها نفسه شارك بالعدد إن كانت الزيادة حالة وبالقيمة إن كانت الزيادة مؤجلة. وإن قصد بها القراض خير رب القراض بين الالتزام بتلك الزيادة إن كانت حالة فعلى حلولها، وإن كانت مؤجلة فعلى أجلها، ويصير المال كله للقراض أو يتركها للعامل فيشاركه على ما تقدم، وإن لم يخلط تلك الزيادة كان ربحها للعامل وخسرها عليه مطلقاً، هذا محصل المتن والشرح في هذا المبحث.
قوله: [بين دفع المائة الثانية]: أي عددها حالة أو مؤجلة بحيث يكون رب المال ضامناً لتلك المائة في ذمته متى جاء الأجل دفعها كما يؤخذ من (بن).
قوله: [خسره]: الخسر ما ينشأ عن تحريك كما سيوضحه في المثال.
والتلف ما لا ينشأ عن تحريك كما سيوضحه في المثال أيضاً، وكلام المؤلف في القراض الصحيح أو الفاسد الذي فيه قراض المثل، وأما الذي فيه أجرة المثل فلا يتأتى فيه جبر كما في الحاشية.
قوله: [لم يعمل به]: هذا هو ظاهر ما لمالك وابن القاسم، وحكى بهرام مقابله عن جمع، فقالوا: محل الجبر ما لم يشترطا خلافه وإلا عمل بذلك الشرط. قال بهرام: واختاره غير واحد، وهو الأقرب؛ لأن الأصل إعمال الشروط لخبر: «المؤمنون عند شروطهم» ما لم يعارضه نص. كذا في الحاشية نقلاً عن (عب).
قوله: [بسماوي]: أي وأما ما تلف بجناية فلا يجبره الربح لما مر أنه يتبع به الجاني، سواء كان أجنبياً أو العامل كانت الجناية قبل العمل أو بعده.
قوله: [وألحق به ما أخذه لص أو عشار]: قال (عب): حكم أخذ اللص والعشار حكم السماوي ولو علما وقدر على الانتصاف منهما نقله محشي الأصل.
قوله: [لا بما ينوب الخلف]: أي خلافاً لما في (عب).
قوله: [على القراض الأول]: متعلق بمحذوف خبر إن: أي مفضوض، وكذلك قوله ونصفها على القراض الثاني.
قوله: [وتقدم أن الجناية] إلخ: أي في قوله: "وإن جنى كل أو أجنبي أو أخذ شيئاً فالباقي رأس المال لا يجبره ربح " إلخ.
تنبيه: لا يجبر رب المال على الخلف مطلقاً، تلف كل المال أو بعضه قبل العمل أو بعده. وإذا أراد الخلف ففيه تفصيل؛ فإن تلف جميعه لم يلزم العامل قبوله، وأما إن تلف بعضه فيلزمه قبوله إن تلف البعض بعد العمل لا قبله؛ لأن لكل منهما الفسخ. وحيث كان لا يلزم رب المال الخلف، واشترى العامل سلعة للقراض فذهب ليأتي لبائعها بثمنها فوجد المال قد ضاع، وأبى ربه من الخلف لزمت السلعة العامل فإن لم يكن له مال بيعت وربحها له وخسرها عليه، كما يؤخذ من الأصل.
مسألة: إن تعدد العامل، بأن أخذ اثنان أو أكثر مالاً قراضاً، وعملوا فيه فض الربح على حسب العمل كشركاء الأبدان، فيأخذ كل واحد منهم بقدر عمله، ولا يجوز أن يتساووا في العمل مع اختلافهم في الربح وعكسه.
قوله: [ويقضى له بذلك]: أي عند المنازعة.
قوله: [من طعام] إلخ: من بمعنى
стр. 782
ومفهوم الشرط أنه لا نفقة له بالحضر، قال اللخمي: ما لم يشغله عن الوجوه التي يقتات منها، وإلا فله الإنفاق. ولثالثها بقوله: (ما لم يبن بزوجة) في البلد التي سافر لها [١] للتجارة. فإن بنى بها سقطت نفقته منه لا إن لم يبن ولو دعي للدخول. وهذا الشرط في الحقيقة شرط في استمرار النفقة. ولرابعها بقوله: (واحتمل المال) الإنفاق منه بأن يكون كثيراً عرفاً فلا نفقة في اليسير كالأربعين والخمسين ديناراً خصوصاً في زمن الغلاء. وإذا جاز له النفقة على نفسه أنفق (ذهاباً وإياباً بالمعروف) وجاز أن يكون قوله: "بالمعروف" شرطاً، وبه تكون الشروط خمسة. والمراد بالمعروف: ما يناسب حاله (لا لأهل وكحج) من القرب كغزو ورباط وصلة رحم، والمراد بالأهل: الزوجة، لا الأقارب إلا أن يكون قصد بسفره لهم صلة الرحم فلا نفقة له. وهو داخل تحت الكاف في قولنا: "وكحج" أي: لا إن سافر لزوجة ببلد ولا إن سافر لقربة كحج، وهذا محترز الشرط الثاني أي قولنا: "للتجارة". وإنما لم يكن له الإنفاق في هذا؛ لأنه لله تعالى وما كان لله لا يشرك معه غيره، وفهم من قوله: "ما لم يبن بزوجة" ومن قوله: "لا لأهل"، أنه لو سافر للتجارة بزوجته أن له النفقة أي على نفسه فقط في سفره ذهاباً وإياباً. وأما في إقامته معها في بلد التجارة، فهل له النفقة بناء على أن دوامه معها ليس كالابتداء أم لا بمنزلة ما لو بنى بها في تلك [٢] البلد، بناء على أن الدوام كالابتداء، وظاهر كلامهم الأول، ثم إن كل من سافر لقربة لا نفقة له في رجوعه ببلد لا قربة بها [٣]، بخلاف من سافر لزوجته فله النفقة في رجوعه لبلد ليس بها [٤] أهل. والفرق بينها أن الرجوع في القربة قربة ولا كذلك الرجوع من عند الأهل. وقولنا: "وأنفق منه" فيه إشارة إلى أن النفقة تكون في مال القراض لا في ذمة رب المال، حتى لو ضاع المال لم يكن له على ربه شيء، وهو معنى قول الشيخ: "في المال" فلا إهمال، ثم إذا أنفق العامل على نفسه من غيره فله الرجوع بما أنفقه في المال، وستأتي الإشارة إلى ذلك.
(واستخدم) العامل: أي اتخذ له خادماً يخدمه بأجرة من المال (إن تأهل) للإخدام: أي كان أهلاً لذلك بالشروط المتقدمة، وهي إن سافر لتنمية المال ولم يبن بزوجته، واحتمل المال الإنفاق منه. (واكتسى) منه زيادة على النفقة (إن طال) زمن سفره ولو لم يكن بعيداً. والطول بالعرف. وهو ما يمتهن به ما عليه من الثياب أي مع الشروط السابقة، فالطول شرط زائد
ــ
في متعلق بأنفق.
قوله: [ومفهوم الشرط]: أي الذي هو قوله إن سافر.
قوله: [عن الوجوه التي يقتات منها]: أي كما لو كانت له صنعة ينفق منها فعطلها لأجل عمل القراض، فإن هذا قيد معتبر -كما قال أبو الحسن- خلافاً للتتائي القائل بعدم اعتباره.
قوله: [ما لم يبن بزوجة]: أي فقط لا سرية قال التونسي: إن تزوج في بلد لم تسقط نفقته حتى يدخل فحينئذ تصير بلده، نقله ابن عرفة. والدعوى للدخول ليست مثله في إسقاط النفقة خلافاً (لعب) كذا في (بن).
قوله: [سقطت نفقته]: أي ويأتي هنا قيد اللخمي.
قوله: [فلا نفقة في اليسير]: فلو كان بيد العامل مالان يسيران لرجلين، ويحملان باجتماعهما النفقة ولا يحملانها عند الانفراد، فروى اللخمي: أن له النفقة. والقياس سقوطها لحجة كل منهما بأنه دفع ما لا تجب فيه النفقة. اهـ قال ابن عرفة: ولا أعرف هذه الرواية لغيره، ولم أجدها في النوادر، وهو خلاف أصل المذهب فيمن جنى على رجلين كل واحدة منهما لا تبلغ ثلث الدية -وفي مجموعهما ما يبلغه- أن ذلك في ماله لا على العاقلة. اهـ (بن).
قوله: [وجاز أن يكون قوله بالمعروف شرطاً]: أي مستقلاً وفي الحقيقة هو أمر لا بد منه جعل شرطاً مستقلاً أو لا.
قوله: [لا الأقارب]: أي فالأقارب غير الزوجة -من أم وأب ونحوهما- إن كان قاصداً بلدهم للتجارة لا للصلة فله الإنفاق من المال. بخلاف الزوجة والحج والغزو، ومتى قصد ما ذكر فلا ينفق ولو قاصداً معه التجارة.
قوله: [وما كان لله لا يشرك معه غيره]: أي سواء كان تابعاً أو متبوعاً فلا نفقة له على كل حال، لكن هذا الفرق لا يظهر بالنسبة للسفر للزوجة؛ لأنه لحق مخلوق لا لله.
قوله: [أم لا بمنزلة ما لو بنى بها] إلخ: أي فيكون بمنزلة من بنى بزوجة في أثناء السفر فلا نفقة له كما تقدم.
قوله: [وظاهر كلامهم الأول]: أي أن الدوام ليس كالابتداء فله الإنفاق على نفسه.
قوله: [ليس به أهل]: أي زوجة.
قوله: [ولا كذلك الرجوع من عند الأهل]: أي فلا يقال له قربة؛ لأنه حق مخلوق. قال الخرشي: فيؤخذ من هذا التعليل أن من سافر لبلد ومر بمكة لكونها بطريقه وقصده -الحج أيضاً- فإن له النفقة بعد فراغه من النسك وتوجهه لبلد التجارة. اهـ.
قوله: [فلا إهمال]: أي في كلامنا ولا في كلام الشيخ.
قوله: [وستأتي الإشارة إلى ذلك]: أي في قوله: "أو قال أنفقت من غيره".
قوله: [بالشروط المتقدمة]: ما ذكره من اعتبار الشروط المتقدمة في الاستخدام تبع فيه الشيخ أحمد الزرقاني وهو الظاهر، كما قال (بن) بدليل قول ابن عبد السلام: الخدمة أخص من النفقة وكل ما كان شرطاً في الأعم فهو شرط في الأخص، خلافاً (لعب).
قوله: [إن طال زمن سفره]: أي في الطريق
стр. 783
عليها.
(ووزع) ما ينفقه (إن خرج) العامل (لحاجة) أخرى غير الأهل والقربة مع الخروج للتجارة بالقراض. فإذا كان ما ينفقه على نفسه في عمل القراض مائة، وما ينفقه في ذهابه للحاجة مائة، فأنفق مائة، وزعت على القراض والحاجة مناصفة. ولو كان ما ينفقه في القراض مائة وفي الحاجة خمسين فأنفق مائة، وزعت على الثلث والثلثين وقيل: ينظر ما بين مال القراض، وما ينفقه في الحاجة ويوزع ما أنفق على قدرهما هذا إذا أخذ القراض قبل اكترائه وتزوده للحاجة بل. (ولو) أخذه (بعد تزوده واكترائه لها): أي للحاجة - كما في المدونة - قال فيها: إن خرج في حاجة لنفسه فأعطاه رجل قراضاً فله أن يفض النفقة على مبلغ قيمة نفقته ومبلغ القراض اهـ. ولا يعول على قول اللخمي: من أخذ قراضاً، وكان خارجاً لحاجته فمعروف المذهب لا شيء له كمن خرج إلى أهله اهـ. ولعل الفرق على ما فيها أن في كل من القراض والحاجة قصد تحصيل غرض فيه قربة بخلاف الأهل.
(ولكل) من رب المال والعامل (فسخه قبل) الشروع في (العمل): أي شراء السلع بالمال (ولربه) فقط الفسخ (إن تزود) العامل من مال القراض (ولم يظعن): أي يشرع في السفر. وليس للعامل حينئذ فسخ بل الكلام لرب المال، إلا أن يلتزم له العامل غرم ما اشترى به الزاد. فإن تزود العامل من ماله فله الفسخ لا لرب المال، إلا أن يدفع له ما غرمه في الزاد. (وإلا) بأن عمل في الحضر أو ظعن في السفر (فلنضوضه): أي المال ببيع السلع، ولا كلام لواحد منهما في فسخه.
(وإن استنضه أحدهما) أي طلب نضوضه ببيع سلعة ليظهر المال، وطلب الآخر الصبر لغرض كزيادة ربح (نظر الحاكم) فيما هو الأصلح فإن اتفقا على نضوضه جاز كما لو اتفقا على قسمة العروض بالقيمة (والعامل أمين؛ فالقول له في) دعوى (تلفه) أي المال (و) دعوى (خسره ورده) لربه
ــ
أو طالت إقامته في البلد الذي سافر إليه. قال ابن عرفة وفي كون البضاعة كالقراض في النفقة والكسوة وسقوطهما فيها. ثالثها: الكراهة لسماع ابن القاسم. قال اللخمي: العادة اليوم لا نفقة ولا كسوة فيها، بل إما أن يعمل مكارمة فلا نفقة له أو بأجرة معلومة لا شيء له غيرها. اهـ (بن).
قوله: [عليها]: أي الشروط السابقة.
قوله: [فإذا كان ما ينفقه على نفسه] إلخ: حاصله أن الشارح ذكر طريقتين في التوزيع: الأولى: أن ما ينفقه يوزع على ما شأنه أن ينفق في القراض، وعلى ما شأنه أن ينفق في الحاجة، وهذا ما في الموازية وصححه ابن عرفة والعوفي.
والثانية: أن التوزيع يكون على ما شأنه أن ينفق في الحاجة ومبلغ مال القراض، وهذا ما في العتبية ونحوه في المدونة، لكن نظر فيه ابن عبد السلام والتوضيح كذا في (بن).
قوله: [فمعروف المذهب]: أي وارتضاه ابن عرفة بقوله: ومعروف المذهب خلاف نصها.
قوله: [بخلاف الأهل]: هذا الفرق يقتضي أن المراد بالأهل في كلام اللخمي: الأقارب الذين قصد صلتهم لا الزوجة؛ لأن السفر لها لا يسمى قربة لما تقدم في الفرق السابق، فتأمل.
قوله: [فسخه]: أي فسخ عقد القراض، والمراد بالفسخ: الترك والرجوع عنه، وليس المراد حقيقة الفسخ؛ لأن الفسخ فرع الفساد وهو غير فاسد.
قوله: [قبل الشروع في العمل]: أي وقبل التزود له بدليل ما بعده.
قوله: [ولربه فقط]: إنما كان لربه فقط دون العامل عند التزود؛ لأن التزود من مال القراض بالنسبة للعامل عمل فيلزمه تمامه.
قوله: [ولم يظعن]: هو بالظاء المعجمة المشالة معناه الشروع في السفر كما قال الشارح قال الشاعر:
أقاطن قوم سلمى أم نووا ظعناً ... إن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا
قوله: [إلا أن يلتزم له] إلخ: حاصله: أن تزود العامل من مال القراض يمنعه من حل العقد ما لم يدفع لرب المال عوضه، ولا يمنع رب المال منه، وتزوده من مال نفسه له حل العقد، ويمنع رب المال منه ما لم يدفع له عوضه؛ هذا ما يفيده الشارح تبعاً للتوضيح وابن عرفة كما في (بن) خلافاً لما في (عب).
قوله: [فلنضوضه]: أي: فيبقى المال تحت يد العامل لنضوضه أي خلوصه ببيع السلع.
قوله: [فيما هو الأصلح]: أي من تعجيل أو تأخير فيحكم به، فإن لم يكن له حاكم فجماعة المسلمين، ويكفي منهم اثنان واستظهر في الحاشية كفاية واحد عارف يرضيانه.
تنبيه: إن مات العامل قبل النضوض فلوارثه الأمين أن يكمله على حكم ما كان مورثه، فإن لم يكن أميناً أتى بأمين كالأول، فإن لم يأت سلمه لربه هدراً من غير ربح ولا أجرة كما أفاده الأصل.
قوله: [فالقول له في دعوى تلفه]: وكذا القول له في أنه لم يعمل بمال القراض إلى الآن كما استظهره (ح) كذا في (بن) وما ذكره المصنف من أن القول للعامل في التلف والخسر يجري
стр. 784
بيمين في الكل ما لم تقم على كذبه قرينة أو بينة (إن قبضه بلا بينة توثق): هذا شرط في دعوى رده فقط؛ أي ادعى رده لربه فالقول للعامل بيمين إن لم يكن قبضه ببينة مقصودة للتوثق بها خوف دعوى الرد بأن قبضه بلا بينة أصلاً أو بينة لم يقصد بها التوثق، فإن قبضه ببينة قصد رب المال بها التوثق خوفاً من دعواه الرد فلا يقبل قوله إلا ببينة تشهد به.
(أو قال) العامل: هو (قراض و) قال (ربه): هو (بضاعة) عندك لتشتر [١] لي به سلعة كذا (بأجر معلوم. وعكسه): فالقول للعامل فيهما. والواو بمعنى " أو ".
(أو قال) العامل (أنفقت) على نفسي في السفر (من غيره) فلي الرجوع به في المال، فالقول للعامل ويرجع بما ادعى، ربح أو لم يربح، كان يمكنه الإنفاق منه أم لا بيمين حيث أشبه.
(و) القول له (في جزء الربح) بأن ادعى النصف فيه، وادعى ربه الثلث مثلاً فالقول له بيمين (إن أشبه)، أشبه ربه أم لا. (والمال): أي والحال أن المال الذي يدعيه - ولو ذلك الجزء خاصة - (بيده أو وديعة) عند أجنبي بل (وإن عند ربه) ثبت إيداعه عنده ببينة أو إقرار منه، فإن أنكر ولا بينة فينبغي أن يكون القول لرب المال. وهذان الشرطان يرجعان لمسألة الإنفاق أيضاً. (و) القول (لربه): أي المال (إن انفرد) في دعوى جزء الربح (بالشبه). وتقدم أنهما إذا لم يشبها معاً ففيه قراض المثل (أو قال) رب المال: إنه (قرض): أي سلف عندك (في) ادعاء (قراض أو وديعة) من الآخر، فالقول لربه بيمين؛ لأن الأصل تصديق المالك في كيفية خروج ماله من يده.
(أو) تنازعا (في جزء) من الربح (قبل العمل) الذي يحصل به اللزوم. فالقول لربه بلا يمين؛ لأن له فسخه عن نفسه (مطلقاً) أشبه أم لا. (و) القول (لمدعي الصحة) منهما: أي قول من ادعى ما يقتضي صحة العقد، إذ هو الأصل. وظاهره: ولو غلب الفساد - وقيل: إن غلب الفساد فالقول لمن ادعى الفساد: فإذا قال أحدهما: كان رأس المال عرضاً. أو: شرطنا ما يقل وجوده، وقال الآخر: بل كان نقداً، أو: ما يكثر وجوده فالقول له دون الآخر وهكذا في جميع ما تقدم من الشروط.
(ومن مات وقبله): أي جهته وعنده (قراض أو وديعة): أو بضاعة، فإن وجد في تركته بعينه وثبت أخذ بعينه و (أخذ من تركته) المثل أو القيمة (إن لم يوجد) بعينه، لاحتمال إنفاقه أو تلفه بتفريطه. فإن ادعى وارثه أن الميت قد رده أو تلف بسماوي أو بغير تفريط: فقال العوفي: قبل قوله: وقال أبو علي: هذا خطأ، ومجرد قول الوارث ما ذكر لا يقبل كما هو ظاهر القول. (وتعين بوصية) بأن أفرزه، وقال: هذا قراض فلان، أو وديعة.
ــ
في القراض الصحيح والفاسد.
قوله: [بيمين]: هذا هو الراجح. وقيل: بغير يمين. والخلف جار على الخلاف في أيمان التهمة، وفيها أقوال ثلاثة: قيل: تتوجه مطلقاً وهو المعتمد وقيل: لا مطلقاً، وقيل: تتوجه إن كان متهماً عند الناس وإلا فلا كذا في الحاشية.
قوله: [في دعوى رده]: محل كون القول في دعوى رده بالشرط المذكور مقيد بما إذا ادعى العامل رد رأس المال وجميع الربح حيث كان فيه ربح، فإن ادعى رأس المال فقط مقراً ببقاء ربح جميعه بيده أو ببقاء ربح العامل فقط لم يقبل على ظاهر المدونة، وقبل عند اللخمي وقال القابسي: يقبل إن ادعى رد رأسه مع حظ رب المال من الربح، وأما لو ادعى رد رأس المال فقط مع بقاء جميع الربح بيده فلا يقبل وفاقاً للمدونة.
قوله: [قرينة]: أي بأن سئل تجار بلد تلك السلع هل خسرت في زمان كذا التجارة الفلانية فقالوا لا نعلم خسارة تجار في تلك السلع.
قوله: [فالقول للعامل فيهما]: أي إن كانت المنازعة بعد العمل الموجب للزوم القراض، وأن يكون مثله يعمل في القراض، ومثل المال يدفع قراضاً وأن يزيد جزء الربح على أجرة البضاعة، وإنما قبل قول العامل في هاتين المسألتين؛ لأن الاختلاف بينه وبين رب المال يرجع للاختلاف في جزء الربح، وسيأتي أنه يقبل فيه قول العامل إذا كان اختلافهما بعد العمل.
قوله: [والقول له في جزء الربح]: أي إن كان التنازع بعد العمل لا قبله كما يأتي.
قوله: [لأن الأصل تصديق المالك]: أي ولأن العامل يدعي عدم ضمان ما وضع عليه يده، والأصل في وضع اليد على مال الغير الضمان.
والحاصل: أن القول قول من ادعى القرض منهما.
قوله: [وظاهره ولو غلب الفساد]: أي؛ لأن هذا الباب ليس من الأبواب التي يغلب فيها الفساد وهذا هو المعول عليه.
قوله: [في جميع ما تقدم من الشروط]: أي فمتى ادعى أحدهما مسألة مستوفية للشروط وادعى الآخر اختلال بعض الشروط كان القول قول مدعي الصحة إلا لبينة من الآخر على دعواه.
قوله: [ومن مات]: أي أو أسر أو فقد ومضت عليه مدة التعمير.
قوله: [قبل قوله]: أي لأنه نزل منزلة مورثه، ومحل الخلاف إن ادعى أن مورثه ردها، وأما لو ادعى الوارث أن الرد منه فلا يقبل اتفاقاً، وتقدم في الوديعة زيادة بيان في ذلك، وأن المعول عليه قول العوفي على التفصيل الذي تقدم هناك.
قوله: [بأن أفرزه]: أي عينه، فقوله: "وقال هذا قراض فلان"
стр. 785
(وقدم) إذا أوصى به (على الغرماء) أي على ديونهم الثابتة (في الصحة والمرض) بإقرار أو بينة فقوله: "في الصحة والمرض" متعلق بمحذوف: تقديره: الثابتة، ذكره الشيخ في التوضيح.
(وليس لعامل): أي يحرم عليه (هبة) لغير ثواب، ولو لاستئلاف إن كثر (أو تولية) لسلعة من مال القراض، بأن يعطيها لغيره بمثل ما اشترى إذا لم يخف رخصها، وإلا جاز ولا بأس أن يأتي بطعام كغيره للأكل ما لم يقصد التفضيل على غيره بزيادة لها بال، وإلا منع وتحلل رب القراض. فإن لم يسامحه كافأه وفي هذا القدر كفاية، والله أعلم.
(باب)
في المساقاة
(المساقاة) عرفاً وهي مأخوذة من سقي الثمرة لأنه معظمها: (عقد) من رب الحائط أو الزرع مع غيره، (على القيام بمؤنة) أي خدمة (شجر أو نبات): مقثأة أو غيرها كما يأتي بيانه، أي على التزام خدمته من سقي وتنقية وتقليم وغير ذلك مما يأتي. (بجزء من غلته) لا مكيلة، ولا بجزء من غلة غيره. هذا هو الأصل فلا ينافي قولها: لا بأس بالمساقاة، على أن كل الثمرة للعامل. (بصيغة: ساقيت أو) لفظ (عاملت) عند سحنون. وقال ابن القاسم: لا تنعقد إلا بساقيت (فقط) أي: لا بلفظ إجارة أو شركة أو بيع فلا تنعقد بذلك، أي من البادئ منهما، ويكفي من الثاني أن يقول: قبلت أو رضيت ونحو ذلك.
ــ
بيان لمعنى الإفراز.
قوله: [وقدم إذا أوصى به] إلخ: هذا إذا وجد ذلك المال المفرز وكان الميت الذي عينه غير مفلس، كان التعيين في الصحة أو المرض قامت بينة بأصله أم لا. وأما إن كان مفلساً قبل تعيينه له إن قامت بينة بأصله سواء عين في حال الصحة أو المرض، وإن لم تقم بأصله لا يقبل تعيينه كان صحيحاً أو مريضاً وأما إن عينه بالوصية، ولم يوجد ذلك الذي عينه، فلا شيء لربه؛ بخلاف ما أوصى به مجملاً، ولم يعينه فإنه إن وجده ربه أخذه وإلا حاصص به مع الغرماء. وفي الأجهوري: لو أقر العامل بكراء حانوت أو أجرة أجير أو دابة أو ببقية ثمن أو نحو ذلك فيلزم مال القراض إن كان إقراره قبل المفاضلة لا بعدها ففي جزئه ما عليه فقط. وسئل الأجهوري: عن عامل قراض أرسل سلعاً لأبيه فأخذها رب المال ببينة تشهد أن أباه أخبر أنها من سلع القراض، وأسر العامل فجاء منه كتاب بأن مال القراض عنده، وأن السلع من غيره؟ فأجاب بأن العامل يصدق لكونه أميناً ولا ينظر للتهمة وإقرار أبيه لا يلزمه؛ لأن إقرار الإنسان لا يسري على غيره. اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [إن كثر]: أي وأما هبة القليل -كدفع لقمة لسائل ونحوها- فجائز. كما يجوز هبة الثواب؛ لأنها بيع. والفرق بين الشريك وعامل القراض حيث جاز للأول هبة الكثير للاستئلاف كما تقدم في بابه دون الثاني أن العامل رجح فيه أنه أجير، والقول بأنه شريك مرجوح، وحينئذ فالشريك أقوى من العامل.
قوله: [ما لم يقصد التفضيل على غيره] ظاهره أنها لو كانت الزيادة لها بـ "الـ"، ولم يقصد بها التفضيل الجواز؛ وليس كذلك، بل المدار على زيادة لا تسمح بها النفوس عادة.
قوله: [كافأه]: أي يعوضه على قدر ما أكله زيادة على حقه.
باب في المساقاة
هي مستثناة من أصول أربعة، كل واحد منها يدل على المنع:
الأول: الإجارة بالمجهول؛ لأن نصف الثمرة مثلاً مجهول.
الثاني: كراء الأرض بما يخرج منها فيما إذا جعل للعامل جزء من البياض والبذر عليه.
الثالث: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بل قبل وجودها.
الرابع: الغرر لأن العامل لا يدري أتسلم الثمرة أم لا وعلى تقدير سلامتها لا يدري كيف يكون مقدارها. وبعضهم زاد بيع الطعام بالطعام نسيئة إذا كان العامل يغرم طعام الدواب والأجراء؛ لأنه يأخذ عن ذلك الطعام طعاماً بعد مدة: والدين بالدين؛ لأن المنافع والثمار كلاهما غير مقبوض فتكون مستثناة من أصول ستة. والأصل فيها معاملة النبي ﷺ أهل خيبر، ولداعية الضرورة إلى ذلك ولفظها: مفاعلة إما من التي تكون للواحد -وهو قليل - نحو سافر وعافاه الله، أو يلاحظ العقد -وهو منهما- فيكون من التعبير بالمتعلق -بالفتح- وهو المساقاة على المتعلق -بالكسر- وهو العقد، وهو لا يكون إلا من اثنين، وإلا فهذه الصيغة تقتضي أن كل واحد من العامل والمالك يسقي لصاحبه كالمضاربة والمقاتلة ونحوها.
وأركانها أربعة:
الأول: متعلق العقد وهو الأشجار وسائر الأصول المشتملة على الشروط الآتي بيانها. الثاني: الجزء المشترط للعامل من الثمرة. الثالث: العمل. الرابع: ما ينعقد به وهو الصيغة.
قوله: [لأنه معظمها]: أي معظم عملها وأصل منفعتها. قوله: [على القيام] إلخ: أخرج به العقد على حفظ المال والتجر.
قوله: [أو نبات]: أي أي نبات كان سقياً أو بعلاً.
قوله: [هذا هو الأصل]: أي الغالب في عقودها أن تكون هكذا، والتعاريف مبنية على الغالب.
قوله: [لا تنعقد إلا بساقيت]: أي بلفظ من تلك المادة. وجميع الألفاظ الخارجة عنها لا تنعقد بشيء منها عنده.
قوله: [أي لا بلفظ إجارة] إلخ: ظاهره أن الإجارة كالألفاظ التي بعدها متفق على عدم الانعقاد بها عند الشيخين وليس كذلك،
стр. 786
(وهي لازمة) أي من العقود اللازمة، فليس لأحدهما فسخها بعد العقد دون الآخر ما لم يتراضيا عليه - هذا هو المذهب (يستحق) العامل (الثمار فيها) أي المساقاة (بالظهور): أي ظهورها على الشجر أو الزرع، فيكون شريكاً بجزئه من حينه، لا قبله ولا بالجذاذ ولا بالطيب. وإذا وقع العقد وهي بارزة استحقه من حين العقد، فإذا طرأ دين على رب الحائط فلا يوفى فيه جزء العامل؛ لأنه شريك له به.
(وشرط) صحة (المعقود عليه) من شجر أو زرع:
(ألا يخلف) بضم الياء: من أخلف، فإن كان يخلف كالموز مما يخلف قبل قطع البطن الأول ولا ينتهي، وكالبقل وكالقضب -بسكون الضاد المعجمة- والقرط -بضم القاف- والريحان والكراث، فلا تصح فيه مساقاة إلا تبعاً لغيرها.
(وأن لا يبدو صلاحه): أي وأن لا يكون بدا صلاحه أي صلاح ثمر ذلك الشجر. فإن بدا صلاحه وهو في كل شيء بحسبه لم تصح مساقاته لانتهائه واستغنائه إلا تبعاً. (وكون الشجر) أي المساقى عليه (ذا ثمر): أي ويثمر في عام المساقاة، لا إن كان لا ثمر له كالأثل، أو لم يبلغ حد الإثمار كالودي، فلا تصح المساقاة عليه إلا تبعاً.
ثم ذكر محترز الشروط الثلاثة بقوله: (لا) تصح مساقاة (كقضب): بفتح القاف وسكون الضاد المعجمة: نبت معلوم، (و) لا (قرط) بضم القاف (و) لا (موز)؛ لأنها تخلف ولا تنتهي لأجل معلوم؛ لأن الذي لم ينته منه يناله من سقي العامل، فكأنه شرط زيادة عليه.
(ولا ما حل بيعه) ببدو صلاحه (و) لا ما لا ثمر، إما لكونه لا يثمر أصلاً كالأثل والطرفاء، وإما لكونه لم يبلغ حد الإثمار مما يثمر لصغره (نحو ودي) بفتح الواو وكسر الدال المهملة: صغار النخل (إلا تبعاً) لغيره مما يصح فيه المساقاة: وهذا راجع
ــ
بل هو محل الخلاف، كلفظ عاملت. قال (بن): ولفظ ابن رشد: والمساقاة أصل في نفسها لا تنعقد إلا بلفظ المساقاة على مذهب ابن القاسم، فلو قال رجل: استأجرتك على عمل حائطي هذا بنصف ثمرته لم تجز على مذهبه كما لا تجوز الإجارة عنده بلفظ المساقاة، بخلاف قول سحنون فإنه يجيزها ويجعلها إجارة، وكلام ابن القاسم أصح. اهـ باختصار.
قوله: [أي من العقود اللازمة]: أي عند جمهور الفقهاء خلافاً لأبي حنيفة فإنه منعها، وأما صاحباه فقد وافقا الجمهور.
قوله: [فليس لأحدهما فسخها بعد العقد]: أي وقبل العمل، فليست كالقراض بل كالإجارة كما في (بن) نقلا عن الأبهري.
قوله: [يستحق العامل الثمار فيها أي المساقاة بالظهور] إلخ: عبارة المتن هنا وشرحها غير ظاهرة المعنى؛ لأن هذا الكلام يوهم أن المساقى -بالفتح- لا حق له في البستان بعد العقد وقبل ظهور الثمار، وأنه لو قام أصحاب الديون على صاحبه يأخذونه ويطردون العامل بغير شيء، وهذا ينافي لزومها بالعقد وخلاف المنصوص، فإن الأصل قال في شرح خليل: ولم تنفسخ المساقاة بفلس ربه أي الحائط الطارئ على عقدها، وإذا لم تنفسخ بالفلس الطارئ بيع الحائط على أنه مساقى، ولو كانت المساقاة سنين، كما تباع الدار على أنها مستأجرة والموت كالفلس؛ لأن المساقاة كالكراء لا تنفسخ بموت المتكاريين، وأما لو تأخرت المساقاة عن الفلس لكان للغرماء فسخها. اهـ، ومثله في الخرشي.
قوله: [ولا بالجذاذ ولا بالطيب]: هذا غير ضروري؛ لأنه إذا استحق بالظهور فلا يتوهم توقفه على الجذاذ والطيب.
قوله: [المعقود عليه]: أي الأصل المعقود عليه، فلذلك عمم بقوله: "من شجر أو زرع".
قوله: [كالموز]: مثال للشجر الذي يخلف والكاف فيه استقصائية، وقوله وكالبقل إلخ تمثيل للزرع.
قوله: [فلا تصح فيه]: أي فيما يخلف من هذه المذكورات.
قوله: [إلا تبعاً لغيرها]: أي وإذا دخل تبعاً كان لهما ولا يجوز إبقاؤه للعامل ولا لرب الحائط؛ لأنه زيادة إما على رب الحائط أو على العامل يناله بسقيه مشقة، والفرق بينه وبين البياض ورود السنة في البياض.
قوله: [وألّا يبدو صلاحه]: أي خلافاً لسحنون فإنه أجاز المساقاة بعد بدو الصلاح على حكم الإجارة بناء على مذهبه من انعقاد الإجارة بلفظ المساقاة، وإنما منعت على المذهب المشهور الذي هو مذهب ابن القاسم؛ لأن فيه منفعة لرب الحائط، وهو سقوط الجائحة عنه؛ لأن الثمرة إذا أجيحت في المساقاة لم يكن له بالجائحة شيء، وكان له الخيار بين التمادي أو الخروج بخلاف الإجارة، فإن للأجير أن يرجع فيها إذا أجيحت الثمرة بإجارة مثله فيما عمل. اهـ ملخصاً من (بن).
قوله: [وهو في كل شيء بحسبه]، أي ففي البلح باحمراره أو اصفراره وفي غيره بظهور الحلاوة فيه ومثله البلح الخضراوي.
قوله: [ذا ثمر]: أي شأنه الإثمار.
قوله: [أو لم يبلغ حد الإثمار]: المعنى أو كان ذا ثمر، ولم يبلغ حد الإثمار لأن الشارح أدخل تحت قوله ذا ثمر شرطين محترز الأول منهما ألا يكون شأنه الإثمار كالأثل، ومحترز الثاني قوله: ولم يبلغ حد الإثمار كالودي أي لم يبلغ حد الإثمار في عامه.
قوله: [محترز الشروط الثلاثة]: بل الأربعة كما علمت وكما يأتي في الشارح.
قوله: [نبت معلوم]: أي يشبه البرسيم.
قوله: [ولا قرط]: هو نوع من المرعى ومثل القضب والقرط البرسيم وباقي البقول من ملوخية ونحوها.
قوله: [مما يثمر]:
стр. 787
لجميع ما قبله كما أشرنا له في الشرح.
(وشرط الجزء) المساقى به أمران: (شيوعه) في ثمر الحائط، فلا يصح بشجر معين ولا بكيل.
(وعلمه) كربع أو ثلث أو أقل أو أكثر. (وإلا) يكن شائعاً ولم يعلم كما لو قال: ولك من الثمر جزء أو بعض (فسدت) المساقاة، وشبه في الفساد قوله:
(كشرط نقص) بالصاد المهملة: أي إخراج (ما في الحائط من نحو دواب): كبقر وإبل مما يحتاج الحال إليها.
وشمل قوله: "نحو" العبيد والأجراء والآلة الموجودة يوم العقد. فإن شرط ذلك فسدت؛ لأنه يصير كزيادة شرطها على العامل، إلا أن يكون قد أخرجها قبل عقدها ولو قصد المساقاة فلا يضر.
(أو) شرط (تجديد): لشيء في الحائط لم يكن موجوداً وقت العقد على العامل أو رب الحائط مما تقدم فتفسد.
(أو) شرط (زيادة شيء لأحدهما يختص به عن صاحبه): أي خارج عن الحائط، كأن يعمل له عملاً في حائط أخرى أو يخيط له ثوباً أو يبني له بيتاً أو يزيده عيناً أو عرضاً أو منفعة كسكنى أو ركوب أو نحو ذلك.
(أو) شرط (عمل شيء) من العامل (يبقى) في الحائط (بعد انقضائها) أي المساقاة (كحفر بئر أو إنشاء شجر) أو بناء حائط بها أو تسوية أرض. فإذا لم يشترط شيئاً من ذلك فلا يضر وفعله من المعروف.
(وعلى العامل) وجوباً (جميع ما يفتقر) الحائط (إليه عرفاً كآبار [١]): وهو تعليق طلع الذكر على الأنثى من النخل [٢] (وتنقية) لمنافع الشجر وتقليم للنخل وإزالة ما يضر بالشجر من نبات وغيره (ودواب) وأحبال (وأجراء): أي خدمة بأجرة (و) عليه (خلف) أي بدل (ما رث) قال فيها: وعلى العامل إقامة الأدوات كالدلاء والمساحي والأجراء والدواب، أي إذا لم يكن فيها ذلك أو بلي.
(لا ما مات أو مرض) من الحيوان العاقل أو غيره (مما كان) في الحائط أولاً قبل العقد، فليس عليه بدله.
(ولا أجرته بل) ذلك (على ربه): أي الحائط، بخلاف ما رث من الدلاء والحبال ونحوها كالقواديس والمساحي وسائر الآلات كما تقدم. (بخلاف نفقتهم): أي إجراء النفقة على من في الحائط من عبيد وأجراء ودواب (وكسوتهم): فعلى العامل، كانوا لرب الحائط أو له. قال فيها: وتلزمه نفقة نفسه ونفقة دواب الحائط ورقيقه كانوا له أو لرب الحائط اهـ.
ثم ذكر ما هو كالمستثنى من قوله: "أو زيادة شيء لأحدهما" بقوله: (وجاز شرط ما قل): من العمل على العامل: (كإصلاح جدار) بالحائط، بخلاف اشتراط بنائه من أصله
ــ
أي شأنه يثمر.
وقوله: [لصغره]: متعلق بقوله: "لم يبلغ حد الإثمار".
قوله: [لجميع ما قبله]: أي محترزات الشروط الأربعة.
قوله: [بشجر معين]: أي كقوله: ساقيتك على العمل في هذا الحائط بثلث ثمر هذه النخلة أو هذه النخلات.
قوله: [ولا بكيل]: إن عين قدره سواء كان تعيينه باللفظ أو بالعادة.
قوله: [وعلمه]: أي علم نسبته بجميع الحائط، ويشترط في الجزء المأخوذ ألا يكون مختلفاً، فلو كان في الحائط أصناف من الثمر وشرط عليه أن يأخذ من صنف منها النصف ومن صنف آخر الثلث لم يجز.
قوله: [فسدت المساقاة]: أي وفيها مساقاة المثل.
قوله: [كشرط نقص]: أي فإن حصل هذا الشرط، وتم العمل عليه كان للعامل مساقاة المثل أيضاً ووقوع ذلك من غير شرط لا يضر كما يفيده الشارح في آخر العبارة، وأما لو شرط العامل على ربه شيئاً لم يكن عليه فلا يجوز أيضاً، فإن وقع ونزل كان للعامل أجر مثله، والثمر لربه وحصول ذلك من غير شرط لا يضر.
قوله: [فإن شرط ذلك]: أي نقص شيء من ذلك.
وقوله: [فسدت]: كلام معلوم من سياق المصنف.
قوله: [فتفسد]: قد علمت أن الزيادة المشترطة سواء كانت على رب الحائط أو على العامل كان فيها مساقاة المثل، ومحل الفساد باشتراط تلك الزيادة إن كانت لها بال وإلا لغت كما في (بن) وغيره.
قوله: [وفعله من المعروف]: أي يثاب عليه فاعله.
قوله: [وهو تعليق طلع الذكر]: أي وكذا ما يلقح به على المذهب.
قوله: [لمنافع الشجر]: أي تنقية الحياض التي حول الشجر، وأما تنقية العين فهو على رب الحائط، ويجوز اشتراطها على العامل كما يأتي في قوله، وكنس عين هكذا في الحاشية. وعبارة (بن): سوّى في المدونة بين تنقية العين –أي: كنسها وتنقية منافع الشجر- في أنهما على رب الحائط إلا أن يشترطهما على العامل كما في نقل المواق.
قوله: [والمساحي]: جمع مسحاة وهي الفأس.
قوله: [فليس عليه بدله]: ظاهره: ولو شرط رب الحائط عليه ذلك لمخالفة السنة ولا مفهوم لما مات أو مرض، بل مثله من غاب أو أبق أو سرق.
قوله: [بل ذلك على ربه]: أي تجديد الحيوانات التي وجدها العامل في الحائط على ربه إذا عدمت.
قوله: [بخلاف ما رث]: إلخ: إنما كان الذي رث خلفه على العامل دون العبيد والدواب؛ لأنه إنما دخل على انتفاعه بها حتى تهلك أعيانها، وتجديد ذلك معلوم بالعادة والشأن فيه الخفة.
стр. 788
فإنه من زيادة العمل الذي له بال (وكنس عين) أو بئر للحائط (وشد حظيرة) من الحظر وهو المنع، والمراد بها: الأعواد ذات الشوك غالباً تجعل فوق الحائط لمنع من يتسور على الحائط ومعنى شدها: ربطها إذا وهت أو وقع منها شيء (وإصلاح ضفيرة) وهي مجمع الماء الذي يرسل على الأشجار. فإن لم تشترط هذه الأربعة على العامل فعلى ربها إلا لعادة فالعادة كالشرط.
(و) جاز (مساقاة سنين) في عقد ولو كثرت (ما لم تكثر جداً) فإن كثرت جداً (بلا حد) مخصوص للكثرة بل المدار السنين التي لا تتغير فيها الأصول عادة - وذلك يختلف باختلاف الأصول وأمكنتها وقدمها وجدتها - لم تجز، قيل لمالك: العشرة؟ فقال: لا أدري عشرة ولا عشرين ولا ثلاثين اهـ. (و) ما (لم يختلف الجزء) في السنين، فإن اختلف - بأن كان في سنة يخالف غيره في أخرى - لم يجز.
وكذا يجوز مساقاته على حوائط متعددة في عقد واحد إن اتفق الجزء، وإلا لم يجز. وأما في عقود فيجوز مع اختلافه واتحاده. ثم إن المساقاة إن وقعت في سنة أو أكثر فلا بد من توقيتها بوقت ينتهي به الجذاذ سواء وقع بلفظ الجذاذ أو بشهر يقتضي ذلك. ولا يجوز أن توقت بزمان يزيد على الجذاذ عادة لما فيه من الزيادة على العامل، وهو يقتضي الفساد.
(فإن لم توقت) بوقت (فالجذاذ) أي فانتهاؤها الجذاذ. فإذا كانت الأنواع لا تختلف كالنخل والرمان فظاهر (و) إذا كانت تختلف وتتميز البطن الأولى عن الثانية (حملت على أول بطن) إلا أن يشترط دخول الثانية. فإذا كانت بطونه لا تتميز - كالنبق والجميز والتوت - حملت على آخر بطن.
(وشرط) صحة مساقاة (الزرع) زيادة على ما تقدم (والقصب) الحلو بفتح الصاد المهملة (والبصل والمقثاة): بكسر الميم وسكون القاف ومنها الباذنجان والقرع ثلاثة: الأول: (عجز ربه) عن القيام به (و) الثاني: (خوف هلاكه) لو لم يقم بشأنه من سقي وعمل (و) الثالث (بروزه) من أرضه ليشابه الشجر. وأما إذا شرط ألا يبدو صلاحه، وألا يكون مما لا يخلف احترازاً عن نحو القضب بالضاد المعجمة والقرط فمعلوم مما تقدم فلا حاجة لزيادتهما هنا.
(و) إذا وجدت هذه الشروط وجازت المساقاة على الزرع ونحوه، وكان في الأرض شجر قليل متفرق (دخل) في المساقاة (شجر تبع زرعاً): بأن كانت قيمته قدر ثلث قيمة الزرع فأقل، فيدخل الشجر لزوماً على الجزء المشترط في الزرع، ولا يجوز إلغاؤه للعامل أو لربه، وعكسه كذلك: أي يدخل لزوماً، ولا يجوز إلغاؤه لواحد منهما زرع تبع شجر [١].
(وجاز إدخال بياض شجر أو) بياض (زرع) في عقد المساقاة؛ والبياض: الأرض الخالية من الشجر أو الزرع؛ سمي بياضاً لأن أرضه مشرقة بالنهار بضوء الشمس وبالليل بضوء الكواكب، فإذا استترت بالزرع أو الشجر سميت سواداً: يعني أن بياض الشجر أو بياض الزرع الذي تجوز فيه المساقاة
ــ
قوله: [فإنه من زيادة العمل الذي له بال]: أي فتفسد باشتراطه.
قوله: [وجاز مساقاة سنين]: أي أو شهوراً.
قوله: [لم تجز]: جواب الشرط الذي هو قوله: "فإن كثرت".
قوله: [قيل لمالك] إلخ: هذا سؤال عن الكثير جدّاً الذي لم يجز.
قوله: [فقال لا أدري]: المقصود من جوابه عدم التحديد بعدد، وإنما المدار على تغير الأصول وهو يختلف باختلاف الأشجار والأمكنة.
قوله: [وكذا يجوز]: تشبيه في قوله: "وجاز مساقاة سنين" إلخ أي: فلا فرق بين كون السنين في حائط واحد أو حوائط بالشرطين اللذين ذكرهما المصنف.
قوله: [إن اتفق الجزء]: أي وإن كانت مختلفة في النوع والصفة، وكلام الشارح صادق بما إذا اتحد العامل ورب الحائط أو تعدد كل منهما أو اتحد أحدهما وتعدد الآخر، وهو صحيح مطابق لما في أبي الحسن كما في الخرشي.
قوله: [ينتهي به الجذاذ]: مثلاً، إذا كانت المدة ثلاث سنين أو ثلاثين شهراً فلا بد أن يكون الانتهاء شهراً يكون فيه الجذاذ.
قوله: [عجز ربه]: ومن العجز اشتغاله عنه بالسفر كما في التوضيح عن الباجي.
قوله: [خوف هلاكه]: أي ولا يلزم من عجز ربه خوف هلاكه؛ لأنه قد يعجز ربه والسماء تسقي الزرع وكلام المدونة صريح في اشتراط هذا الشرط كما في نقل المواق، فسقط اعتراض البساطي: بأن هذا الشرط ليس صريحاً في كلامهم.
قوله: [بروزه من أرضه]: إن قيل: لا معنى لاشتراط هذا الشرط؛ إذ لا يسمى زرعاً أو قصباً أو بصلاً مثلاً إلا بذلك، وقبله لا يسمى بهذا الاسم حقيقة؟ والجواب: أن هذا الاسم يطلق على البذر مجازاً باعتبار ما يؤول إليه، فاشتراط الشرط المذكور لدفع توهم أن المراد بالزرع وما معه ما يشمل البذر.
قوله: [وإذا وجدت هذه الشروط]: أي الخمسة: الثلاثة المذكورة هنا وعدم بدوِّ الصلاح، وعدم الخلف المعلومان مما تقدم.
قوله: [وجازت المساقاة]: أي باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع.
تنبيه: هل الورد والياسمين والقطن ونحوه من كل ما يجنى ثمرته ويبقى أصله فيثمر مرة أخرى كالزرع؟ فيشترط فيه الشروط الخمسة، أو كالشجر فيجوز مساقاته بشروطه فقط؟ قولان في خليل، وذكر ابن رشد: أن الورد والياسمين كالشجر بلا خلاف، وأن القطن، ومثله العصفر فيهما الخلاف، والراجح أنهما كالزرع فيشترط فيه الشروط الخمسة.
قوله: [زرع]: فاعل يدخل.
قوله: [سميت سواداً]: أي لحجب ما ذكر بهجة الإشراق فيصير ما تحته سواداً.
стр. 789
يجوز إدخاله في مساقاة ما ذكر، بشروط ثلاثة: أشار لأولها بقوله: (إن وافق الجزء) في البياض الجزء في الشجر أو الزرع، فإن اختلفا لم يجز وفسدت. ولثانيها بقوله: (وبذره العامل) من عنده. فإن دخلا على أن بذره على ربه لم يجز وفسدت. ولثالثها بقوله: (وقل) البياض أي كان قليلاً بالنسبة للشجر أو الزرع (كثلث) فدون: أي بأن تكون قيمته أي أجرته بالنسبة لقيمة الثمرة الثلث فأقل (بعد إسقاط كلفة الثمرة) كما لو كان كراؤه مفرداً مائة، وقيمة الثمرة بعد إسقاط ما ينفق عليها مائتان، فيعلم أن كراءه ثلث. فإن كان أكثر من الثلث لم يجز وفسدت.
(وألغي) البياض المذكور للعامل (إن سكتا) عند عقد المساقاة (عنه) بأن لم يدخل في المساقاة بشروطه المتقدمة، ولم يجعل لربه، فيكون للعامل وحده. (أو اشترطه العامل) لنفسه فيكون له أيضاً (فإن اشترطه ربه) لنفسه (فسد) عقد المساقاة لنيله من سقي العامل فيكون زيادة اشترطها عليه. ولذا لو كان بعلاً أو كان لا يسقى بماء الحائط بأن كان منعزلاً على حدة لجاز اشتراطه لنفسه. وهذا كله في البياض اليسير كما هو الموضوع. وأما الكثير الزائد قيمته على الثلث فلا يجوز إلغاؤه للعامل ولا إدخاله في عقد المساقاة، بل يكون لربه. وإلى ذلك أشار بقوله:
(كاشتراط العامل ما) أي بياضاً (كثر) لنفسه أو إدخاله في عقد المساقاة [١] (الفاسدة قبل العمل مطلقاً) سواء وجبت فيها أجرة المثل أو وجبت مساقاة المثل.
(أو) تفسخ (في أثنائه): أي العمل (إن وجبت) فيها (أجرة المثل) لا إن وجبت مساقاة المثل فلا تفسخ إن اطلع عليها بعد الشروع في العمل. وبين ما يجب فيه أجرة المثل بقوله:
(بأن خرجا عنها): أي عن المساقاة إلى إجارة فاسدة أو بيع فاسد كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها. وإنما فسخت في أثناء العمل؛ لأن للعامل فيها أجر ما عمل قل أو كثر فلا ضرر عليه في الفسخ.
وأما ما تجب فيه مساقاة المثل فإنما يفسخ ما لم يعمل، فإن عمل فقد فاتت بالعمل ووجب التمادي فيها إلى تمام سنة أو أكثر، ورد إلى مساقاة مثله للضرورة؛ لأنه لا يدفع للعامل نصيبه إلا من الثمرة فلو فسخت في الأثناء لزم ألا يكون له شيء وهو ضرر عليه فيما عمله، ومثل لما فيه أجرة المثل بالخروج عنها بقوله: (كاشتراطه زيادة عين أو عرض) من أحدهما للآخر، فيوجب أجرة المثل لخروجهما عنها؛ لأن الزيادة إن كانت من رب الحائط فقد خرجا عنها إلى الإجارة الفاسدة؛ لأنه كأنه استأجره على أن يعمل له في حائطه [٢] بما أعطاه من عين أو عرض وبجزء من ثمرته، وذلك إجارة فاسدة توجب الرد لأجرة مثله، ويحسب منها تلك الزيادة، ولا شيء له من الثمرة ولو بعد تمام العمل، وإن كانت الزيادة من العامل فقد خرجا عنها إلى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها؛
ــ
قوله: [يجوز إدخاله في مساقاة ما ذكر]: حاصله أن للبياض أربعة أحوال: الأولى: إدخاله في المساقاة وتجوز بالشروط الثلاثة. الثانية: أن يشترطه رب الحائط لنفسه، فيمنع إن قل ويفسد العقد إن لم يكن منعزلاً على حدة.
الثالثة: أن يسكتا عنه، فبقي للعامل إن قل.
الرابعة: أن يشترطه العامل لنفسه، وهي جائزة أيضاً إن قل.
قوله: [إن وافق الجزء]: هذا هو المشهور ولم يشترط أصبغ موافقة الجزء، وقد جرى العرف عندنا أن البياض لا يعطى إلا بجزء أكثر فله مستند فلا يشوش على الناس إذ ذاك بذكر المشهور. قاله المسناوي. اهـ (بن).
قوله: [وبذره العامل من عنده]: أي واشترط بذره عليه؛ لأن الكلام في صحة العقد.
قوله: [ولا إدخاله في عقد المساقاة]: الحاصل: أن البياض إن كان كثيراً تعين أن يكون لربه، ولا يجوز اشتراطه للعامل ولا إدخاله في عقد المساقاة ولا يلغى للعامل عند السكوت عنه، وإن كان قليلاً ففيه الأحوال الأربعة المتقدمة.
قوله: [بل يكون لربه]: ظاهره كان منعزلاً عن الشجر أو لا. إن قلت: إذا كان كثيراً، وقلتم يقضى به لرب الحائط يلزم عليه الزيادة على العامل في سقي ما لا يعود عليه منه منفعة إن كان غير منعزل، وتقدم أن شرط زيادة لأحدهما على الآخر تفسد العقد؟ فلينظر ما الجواب.
قوله: [فإنه يفسد به العقد]: أي ويرد العامل إن عمل إلى مساقاة مثله في الحائط وإلى أجرة مثله في البياض.
قوله: [وتفسد المساقاة الفاسدة] إلخ: حاصله: أن المساقاة إذا وقعت فاسدة -لفقد شرط أو وجود مانع- فإذا اطلع عليها قبل العمل فسخت ولا علقة لأحد، سواء كان يجب فيها بعد التمادي أجرة المثل أو مساقاة المثل. وإن اطلع عليها بعد العمل، فإن وجب فيها أجرة المثل فسخت أيضاً وحاسب العامل بأجرة ما عمل، وإن كان الواجب فيها مساقاة المثل لم تفسخ بعد الشروع في العمل، وتبقى لانقضاء أمدها؛ لأن حق العامل في الثمرة، فلو فسخ العقد قبل طيبها لزم أن لا يكون للعامل شيء؛ لأن المساقاة كالجعل لا تستحق إلا بتمام العمل.
قوله: [كاشتراطه زيادة عين أو عرض]: هذا إذا كان لا ضرورة فإذا كانت ضرورة كألّا يجد ربه عاملاً إلا مع دفعه شيئاً زائداً على الجزء فيجوز كما ذكره ابن سراج كذا في الحاشية.
قوله: [فقد خرجا عنها]: أي عن حقيقة المساقاة.
стр. 790
لأنه كأنه اشترى الجزء المسمى بما دفعه لرب الحائط وبأجرة عمله فوجب له أجرة مثله، ويأخذ ما دفعه ولا شيء له من الثمرة.
(وإلا) يخرجا عنها، بأن كان الفساد لضرر أو لفقد شرط غير الزيادة المتقدمة أو وجود مانع (مضت) المساقاة بالعمل كلاً أو بعضاً (بمساقاة المثل)، وذكر لذلك ثمان مسائل فقال: (كمساقاة مع ثمر أطعم): أي بدا صلاحه ولم يكن تبعاً (أو) مع (اشتراط عمل ربه) في الحائط (معه).
(أو) مع اشتراط (دابة، أو) مع اشتراط، (غلام) لرب الحائط يعمل معه فيها (وهو) أي الحائط (صغير) فإن اشترط الدابة أو الغلام، وهو كبير جاز وقد قدمه الشيخ في كلامه في الجائزات.
(أو) مساقاة (مع بيع) لسلعة: أي ساقاه بجزء معلوم، وباعه سلعة بثمن معلوم في صفقة؛ لأن جمع البيع والمساقاة ممنوع. ومثل البيع: الإجارة والجعالة والنكاح والصرف والشركة فتكون فاسدة وفيها مساقاة المثل.
(أو) مساقاة مع (اختلاف الجزء) الذي للعامل (في) مساقاة (سنين) وقع العقد عليها صفقة، وهي المسألة المتقدمة. والمراد بالجمع: ما فوق الواحد، فإذا عاقده على سنتين فأكثر صفقة واحدة واختلف الجزء كأن يكون النصف في سنة والثلث في أخرى مثلاً - كانت فاسدة كما تقدم، وفيها بعد العمل مساقاة المثل. (أو) مع اختلاف الجزء (في حوائط) متعددة ساقاه عليها (في صفقة) واحدة. والمراد بالجمع: ما فوق الواحد أيضاً، فإذا ساقاه على حائطين أو أكثر في صفقة على أن له في أحدهما الثلث وفي الأخرى النصف مثلاً فسدت وردت بعد العمل لمساقاة المثل.
(أو) مع اشتراط أن (يكفيه) فهو بالنصب على المصدر المتقدم، أعني عمل أي إذا شرط رب الحائط على العامل في حائط بجزء معلوم أن يكفيه (مؤنة) حائط (آخر) بلا شيء فإنه يفسد، وفيه بعد العمل مساقاة المثل.
(و) كما وجب مساقاة المثل في هذه المسائل - حيث اطلع عليه في أثناء العمل، وقلنا بعدم الفسخ
ــ
قوله: [الجزء المسمى]: أي المسمى له من الثمرة من ثلث أو ربع أو نصف.
قوله: [وإلا يخرجا عنها]: أي عن حقيقتها بل حصل اختلال شرط أو وجد مانع كما قال الشارح والحقيقة باقية.
قوله: [بمساقاة المثل]: اعلم أن العامل متى وجبت له مساقاة المثل في الفاسدة كان حقه في الحائط في الموت أو الفلس بخلاف أجرة المثل فإنها في الذمة فلا يكون العامل أحق بها في موت ولا فلس. ونقل عن (ح): أن العامل أحق بما فيه أجرة المثل في الفلس لا الموت في المساقاة. وأما في القراض فليس أحق بما فيه أجرة المثل لا في فلس ولا موت اتفاقاً.
قوله: [كمساقاته مع ثمر أطعم]: أي والآخر لم يطعم إذ لم يطلع على فساد هذه المساقاة إلا بعد العمل، والعلة في فساد هذه المساقاة احتواؤها على بيع ثمر مجهول وهو الجزء المسمى للعامل بشيء مجهول وهو العمل، ولا يقال أصل المساقاة كذلك؛ لأننا نقول المساقاة خرجت عن أصل فاسد، ولا يتناول خروجها هذا الفرع لخروجه عن سنة المساقاة من كونها قبل الإطعام فبقي هذا الفرع على أصله.
قوله: [أو مع اشتراط عمل ربه في الحائط]: أي بجزء أو مجاناً.
قوله: [أو مع اشتراط دابة] إلخ: قال (عب): الظاهر في هذه المسألة وما بعدها الفساد ولو أسقط الشرط.
قوله: [وهو]: أي والحائط صغير أي لأنه ربما كفاه ذلك فيصير كأنه اشترط جميع العمل على ربه.
قوله: [جاز]: قال الخرشي: يعني أنه يجوز أن يشترط العامل على رب الحائط دابة أو غلاماً في الحائط الكبير، وحيث اشترط لم يجز إلا بشرط الخلف حيث كان كل منهما معيناً.
قوله: [أي ساقاه بجزء معلوم] إلخ: أي كأن يقول رب الحائط للعامل: ساقيتك حائطي وبعتك سلعة كذا بدينار وثلث الثمرة.
قوله: [ومثل البيع الإجارة] إلخ: أي وضابطه ما ذكره بعضهم بقوله:
نكاح شركة صرف وقرض ... مساقاة قراض بيع جعل فجمع
اثنين منها الحظر فيه ... فكن فطنا فإن الحفظ سهل
قوله: [كانت فاسدة كما تقدم]: أي للغرر كذا قرر في الحاشية.
قوله: [أو مع اختلاف الجزء في حوائط]: أي وأما مع اتفاق الجزء بأن وقع عقد المساقاة على حوائط بجزء متفق صفقة واحدة أو في صفقات أو على حوائط بجزء مختلف في صفقات فجائز.
قوله: [على المصدر]: متعلق بمحذوف، أي عطف على المصدر من عطف الفعل على الاسم الخالص لقول ابن مالك:
وإن على اسم خالص فعل عطف ... تنصبه إن ثابتا أو منحذف
على حد قوله تعالى: ﴿أو يرسل رسولاً﴾ [الشورى: ٥١] عطف على (وحياً).
قوله: [مئونة حائط آخر]: لا مفهوم لحائط بل متى شرط عليه خدمة في شيء آخر حائط أو غيره وإن بأجرة فسدت المساقاة وكان فيها مساقاة المثل، فالأولى للشارح أن يجعل آخر صفة لشيء لا لحائط كذا في حاشية الأصل.
قوله: [وفيه بعد العمل مساقاة المثل]: أي في الحائط الأصلي، أما الحائط الآخر أو الشيء الآخر ففيه أجرة المثل.
стр. 791
(وجب) إذا عثر عليه (بعد الفراغ) منه (مساقاة المثل) أيضاً (في هذا): أي المذكور بعد إلا في الثمان مسائل. وهناك مسائل أخرى، ذكر منها الشيخ: ما إذا شرط [١] أحدهما على الآخر حمل نصيبه إلى منزله، أي إذا كان فيه مشقة، وإلا فلا تفسد. وشبه بالتسع مسألة ما إذا كانت صحيحة واختلفا بعد العمل في الجزء ولم يشبها معاً فيرد العامل إلى مساقاة المثل، فإن أشبه أحدهما فالقول له بيمينه، فإن أشبها معاً فالقول للعامل بيمينه. وإن اختلفا قبل العمل تحالفا وتفاسخا ولا ينظر فيه لمشبه، ونكولهما كحلفهما، ويقضى للحالف على الناكل. فلم يكن في هذا كالقراض للزوم عقدها. (وأجرته): أي المثل: أي ووجب بعد الفراغ من العمل أجرة مثله (في الأول) وهو: ما قبل: وإلا: أي كما إذا وجبت فيما إذا عثر عليه في أثناء العمل وفسخت. وهذا زيادة في الإيضاح؛ لأن الحكم قد يعلم مما تقدم.
(والقول) عند اختلافهما فيما يقتضي الصحة والفساد (لمدعي الصحة): أي لمن ادعى منهما ما يقتضي الصحة بيمينه دون ما يقتضي دعواه الفساد، كما لو ادعى أحدهما أن الجزء كان معلوماً، وادعى الآخر أنه كان مجهولاً، أو ادعى أحدهما وقوعها مع زيادة عين أو عرض، أو أنها وقعت بعد بدو صلاح الثمرة وخالفه الثاني، فالقول لمدعي الصحة بيمينه ما لم يغلب الفساد، فإن غلب بين الناس وقوعها فاسدة فالقول لمدعيه لشهادة العرف له. هذا هو المعتمد قياساً على البيع خلافاً لمن قال: القول لمدعي الصحة مطلقاً، بل الشأن في المساقاة بين الناس وقوعها فاسدة أكثر من البيع لكثرة شروطها. والحاصل أن ابن رشد واللخمي اتفقا على أن القول لمدعي الصحة مطلقاً والأكثر على خلافهما وهو الراجح، والله أعلم.
ــ
قوله: [وجب إذا عثر عليه بعد الفراغ] إلخ: أي فلا فرق فيما فيه مساقاة المثل بين أن يطلع عليه في الأثناء أو بعد الفراغ من حيث إنه يلزم فيه تمام العمل وفيه مساقاة المثل. وأما ما فيه أجرة المثل فلا يتمم فيه العمل إذا اطلع عليه في الأثناء، بل يتعين الفسخ من حين الاطلاع وفي الماضي أجرة المثل. وأما إن اطلع على الفاسد قبل الشروع في العمل فيتعين رده ولا شيء فيه لا فرق بين ما يمضي بأجرة المثل أو مساقاة المثل.
قوله: [حمل نصيبه إلى منزله]: وإنما منع لما فيه من الزيادة المشترطة على أحدهما. قال في الحاشية: وينبغي دفع أجرة الحمل له مع مساقاة مثل الحائط. اهـ. وفي هذه المسائل مساقاة المثل مطلقاً كان أكثر من الجزء الذي شرط للعامل أو أقل كما هو مذهب ابن القاسم خلافاً لتفصيل الخرشي.
قوله: [وشبه بالتسع]: أي خليل.
قوله: [فلم يكن في هذا كالقراض]: أي لأن العامل في القراض يرد المال من غير تحالف حيث وقع التنازع قبل العمل.
قوله: [أي كما إذا وجبت]: أي أجرة المثل وقوله: [وفسخت]: أي تحتم فسخها من حين العثور وفي الماضي أجرة المثل.
قوله: [لمدعي الصحة]: أي كان التنازع بعد العمل أو قبله كما جزم بذلك اللخمي وابن رشد وفي الشامل. وصدق مدعي الصحة إذا تنازعا بعد العمل وإلا تحالفا وفسخ. قال الأجهوري: وهو غير معول عليه. واعترضه الشيخ أبو علي المسناوي بأن ما في الشامل هو الذي لابن القاسم في العتبية وابن يونس والتونسي وأبي الحسن وابن عرفة وغير واحد؛ فهما طريقتان يؤخذان من (بن). وأشعر قوله: لمدعي الصحة، أنهما لو اختلفا فقال رب الحائط: لم تدفع لي الثمرة، وقال العامل: بل دفعتها لك، صدق العامل؛ لأنه أمين، ابن المواز: ويحلف كان التنازع قبل جذاذ الناس أو وقته كما في حاشية الأصل.
قوله: [ما لم يغلب الفساد]: أي بخلاف القراض فإن القول قول مدعي صحته، ولو غلب الفساد على المشهور.
قوله: [هذا هو المعتمد]: قال (بن): وهو الصواب وتعليل ابن يونس المتقدم ترجيح قول مدعي الصحة بالعرف كالصحيح في ذلك، أي فإذا انعكس العرف علل به أيضاً ترجيح قول مدعي الفساد. قال في المتيطية: فإذا ادعى أحدهما فساداً صدق مدعي الصحة مع يمينه إلا أن يكون العرف الفساد فيكون القول قول مدعيه لشهادة العرف له كما في البيوع. اهـ.
قوله: [قياساً على البيع]: أي فإنه ينظر فيه، فإن كانت تلك البياعات يغلب فيها الصحة فالقول لمدعيها، وإن كانت تلك البياعات يغلب فيها الفساد كالسلم والصرف والمبادلة، فالقول لمدعي الفساد.
تتمة: إن قصر عامل المساقاة فيما يلزمه من العمل الذي شرط عليه أو جرى به العرف حط من نصيبه بنسبته فينظر في قيمة ما عمل مع قيمة ما ترك فإن كان قيمة ما ترك الثلث مثلاً حط من جزئه المشترط له ثلثه، وأما إذا لم يقصر بأن شرط عليه السقي بثلاث مرات فسقى مرتين وأغناه المطر أو السيح عن الثالثة لم يحط من حصته شيء، وكان له جزؤه بالتمام ابن رشد بلا خلاف قال بخلاف الإجارة بالدنانير أو الدراهم على سقاية حائطه زمن السقي -وهو معلوم عند أهل المعرفة- فجاء ماء السماء فأقام به حيناً حط من إجارته بقدر إقامة الماء فيه، والفرق أن الإجارة مبنية على المشاحة بخلاف المساقاة كذا في شرح خليل.
стр. 792
ولما أنهى الكلام على البيع وما يتعلق به وما يناسبه انتقل يتكلم على الإجارة كذلك.
وهو أول الربع الرابع من هذا الكتاب فقال:
(باب)
في الإجارة وأحكامها
(الإجارة): مأخوذة من الأجرة وهو العوض، وهي بكسر الهمزة أفصح من ضمها. وهي والكراء شيء واحد في المعنى، غير أنهم أطلقوا على العقد على منافع الآدمي وما ينقل من غير السفن والحيوان إجارة، وعلى العقد على منافع ما لا ينقل كالأرض والدور، وما ينقل من سفينة وحيوان: كراء غالباً فيهما. وهي عرفاً: (عقد معاوضة): خرج الوقف والعمرى والاستخدام والإيصاء والإعارة، (على تمليك منفعة): خرج البيع فإنه معاوضة على تمليك ذات، (بعوض) متعلق بمنفعة: أي تمليك لمنفعة في نظير ومقابلة عوض، وفي الحقيقة متعلق بمحذوف صفة لمنفعة: أي كائنة ومجعولة في نظير العوض، وقصد بذلك إخراج النكاح والجعالة. فالمنفعة في الإجارة تكون في نظير العوض حتى لو حصل مانع [١] من إتمامه رجع للمحاسبة، ولا كذلك النكاح والجعالة، (بما يدل) على تمليك المنفعة: متعلق بـ "عقد": أي عقد على ما ذكر بما يقتضي التمليك
ــ
خاتمة: إذا قال شخص لآخر: خذ هذه الأرض فاغرسها نوعاً معيناً فإذا بلغت أوان الإثمار كان الشجر والأرض بيننا، صحت وكانت مغارسة شرعية، فإن انخرم شرط من تلك الشروط الثلاثة التي هي: تعيين الأرض، والشجر، وكونها ملكاً لهما من وقت الإثمار، بحيث لا يجعل للعامل ثمراً يستقل به بعد الإثمار فسدت. فإن اطلع عليها قبل العمل فسخت، وإلا مضت بينهما، وعلى الغارس نصف قيمة الأرض يوم الغرس براحاً، وعلى رب الأرض نصف قيمة الغرس يوم بلغ وهو بينهما على ما شرطاً، وأما لو أعطاه أرضاً ليغرس فيها شجراً من عنده، فإذا بلغت حد الإثمار كانت الحائط بيده مساقاة سنين سماها له، ثم يكون الغرس بعد المدة ملكاً لرب الأرض، فلا يجوز وفسخت أيضاً ما لم يثمر الشجر. فإن أثمر وعمل لم تنفسخ المساقاة ويكون له فيما تقدم إجارة مثله وفي سنين المساقاة مساقاة مثله. قال فضل: وله قيمة الأشجار يوم غرسها اهـ ملخصاً من الخرشي.
قوله: [على البيع]: أي على تعريفه وأركانه وشروطه وموانعه.
وقوله: [وما يتعلق به]: أي من مسائله الصحيحة والفاسدة.
وقوله: [وما يناسبه]: أي من باقي الأبواب التي احتوى عليها ذلك الربع، فإن جميعها بينها وبين البيع مناسبة.
قوله: [انتقل يتكلم على الإجارة كذلك]: أي على تعريفها وأركانها وشروطها وموانعها وما يتعلق بها وما يناسبها.
قوله: [وهي أول الربع الرابع من هذا الكتاب]: أي من هذا المتن كخليل.
باب في الإجارة
المراد بها حقيقتها وأركانها وشروطها وموانعها، والمراد بقوله: "وأحكامها" مسائلها المتعلقة بها من صحيحة وفاسدة.
قوله: [مأخوذة من الأجر]: دائرة الأخذ أعم من دائرة الاشتقاق فلا يقال: إن الأجر ليس مصدراً.
قوله: [أفصح من ضمها]: أي ومن فتحها.
وحاصله أن الإجارة مثلثة الهمزة والكسر أشهر وهي مصدر أجر بالقصر ككتب. ويقال: آجر إيجاراً كأكرم إكراماً ويستعمل الممدود أيضاً من باب المفاعلة فيكون مصدره المؤاجرة والإجار بالقصر كالمقاتلة والقتال، وأما الإجارة من السوء ونحوه فهو من أجار إجارة كأعاذ إعاذة وأقام إقامة.
قال الخرشي: وقد غلب وضع الفعالة بالكسر للصنائع نحو الخياطة والنجارة، والفعالة بالفتح لأخلاق النفوس الجبلية نحو السماحة والفصاحة، والفعالة بالضم لما يطرح من المحقرات نحو الكناسة والقلامة.
والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦].
وقوله تعالى حكاية عن نبيه شعيب مع موسى عليهما الصلاة والسلام: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج﴾ [القصص: ٢٧].
وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ فذكر تأجيل الإجارة وسمى عرضها، وقال ﵊: «من استأجر أجيراً فليعلمه أجره». اهـ.
قوله: [غالبا فيهما]: أي ومن غير الغالب قد يتسمحون بإطلاق الإجارة على الكراء، والكراء على الإجارة فيسمون العقد على منافع الآدمي، ومنافع ما ينقل غير السفن والحيوان كراء ويسمون العقد على منافع ما لا ينقل ومنافع السفن والرواحل إجارة.
قوله: [خرج الوقف] إلخ: أي بقوله معاوضة لأن الوقف وما معه ليس فيه معاوضة.
قوله: [خرج البيع]: أي وهبة الثواب.
قوله: [ولا كذلك النكاح والجعالة]: محصل هذا أن الإجارة هي عقد معاوضة على تمليك منفعة كائنة ومجعولة في نظير عوض أمداً معلوماً أو قدراً معلوماً، فإن حصل مانع قبل تمام الأمد أو القدر رجع للمحاسبة، وأما النكاح فهو التمكين من البضع شرعاً والجعالة التمكين من المجاعل عليه في نظير عوض فيهما، وكل من البضع والمجاعل عليه هو ذو المنفعة تحققت المنفعة أم لا استمرت أم لا فيثبت العوض بتمامه على كل حال، وهذا التعريف شامل للكراء. بخلاف تعريف ابن عرفة فمخرج
стр. 793
من لفظ أو غيره.
(فركنها): أي فعلم من التعريف أن أركانها أربعة الأول:
(عاقد) من مؤجر ومستأجر، كالبيع، فشرط صحتهما العقل والطوع.
وشرط اللزوم: التكليف والرشد؛ فالصبي المميز يتوقف لزوم إجارته لنفسه أو ماله على إذن وليه، ومثله العبد، وكذا السفيه في سلعة، فإن أجر نفسه فلا كلام لوليه إلا إذا حابى. ولا تصح من مجنون ومعتوه ومكره.
(و) الثاني: (صيغة) كالبيع فتنعقد بما يدل على الرضا وإن معاطاة.
(و) الثالث: (أجركالبيع) من كونه طاهراً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه معلوماً ذاتاً وأجلاً أو حلولاً.
(و) الرابع: (منفعة)، وهي المعقود عليها. وأخرها عن قوله: "كالبيع" لأنها يشترط فيها شروط زائدة على ما تقدم في البيع. أفاد الجميع بقوله:
(تتقوم) صفة: لـ "منفعة": أي لها قيمة بأن تكون مملوكة على وجه خاص، بحيث يمكن منعها، ووهن الذات المستوفى منها، احترازاً من استظلال أو تشمس بفلاة، فلا تقوم المنفعة لعدم ملكها، ومن شم الرياحين فإن رب الرياحين لا يمكنه منع رائحتها، وكذا الاستضاءة بنور مصباح خرج عن ملك ربه، أو استدفاء بنار كذلك أو زينة بدنانير مسكوكة، إذ لا يحصل باستيفائها وهن لذات الدراهم، كذا قيل، وفيه نظر.
(معلومة) بالنصب على الحال من ضمير "تتقوم" احترازاً عن المجهولة ولو باعتبار الأجل.
(مقدوراً على تسليمها) للمستأجر
ــ
له وكان عليه أن يزيد بعد قوله: "بعوض غير ناشئ عنها" ليخرج القراض والمساقاة فإن العوض ناشئ عن المنفعة ويزيد أيضاً بعد ذلك العوض يتبعض بتبعيضها كما فعل ابن عرفة ليدخل في الحد قوله تعالى: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ [القصص: ٢٧] الآية لأن هذه الصورة أجمعوا على أنها إجارة عوضها البضع وهو لا يتبعض إذا لم تتم المنفعة التي جعل البضع في نظيرها فتأمل قوله: [من لفظ أو غيره]: أي كالإشارة والكتابة والمعاطاة والعرف الجاري بين الناس، وذلك في الأعمال التي يعملها الشخص لغيره ومثله يأخذ عليها أجرة كتخليص دين؛ لأن من قواعد الفقه أن العرف كالشرط والعادة محكمة ولا يدخل في صيغة الإجارة لفظ المساقاة فلا تنعقد به عند ابن القاسم، لأن المساقاة رخصة يقتصر فيها على ما ورد وتقدم أن سحنوناً يرى انعقاد أحدهما بالآخر.
قوله: [من مؤجر ومستأجر]: المؤجر بائع المنفعة والمستأجر مشتريها.
قوله: [فشرط صحتهما]: أي المؤجر والمستأجر والكلام على حذف مضاف أي عقدهما، وكذا يقدر في قوله وشرط اللزوم والمؤجر هو مالك المنفعة، والمستأجر هو دافع العوض، ويقال في الأول مكر والثاني مكتر.
قوله: [العقل والطوع]: الصواب عد الطوع من شروط اللزوم كما تقدم له ولغيره في البيع.
قوله: [التكليف والرشد]: كان عليه أن يزيد والطوع كما علمت.
قوله: [فالصبي المميز] إلخ: تفريع على شرط اللزوم.
قوله: [فلا كلام لوليه] إلخ: أي فالرشد شرط لزوم في الجملة لما علمت من هذا التفصيل.
قوله: [ولا تصح من مجنون ومعتوه]: محترز شرط الصحة الذي هو العقل ففي الكلام لف ونشر مشوش وهو الأولى عند البلغاء، وقوله ومكره قد علمت ما فيه.
قوله: [بما يدل على الرضا]: تقدم الكلام على ذلك.
قوله: [أجر كالبيع]: راجع للأركان الثلاثة فلذلك قدره الشارح أولاً وثانياً.
قوله: [من كونه]: أي الأجر أي لكونه بمنزلة الثمن فيشترط فيه شروطه المتقدمة في البيع.
قوله: [طاهراً]: فلا يصح بنجس ولا متنجس لا يقبل التطهير فإن قبله صح ووجب البيان كما تقدم في البيع.
قوله: [منتفعاً به]: أي انتفاعاً شرعياً فلا يصح بما لا نفع فيه أصلاً أو منفعة غير شرعية كآلة اللهو إذا جعلت أجراً من حيث إنها آلة لهو.
قوله: [مقدوراً على تسليمه]: فلا يصح بعبد آبق ولا بعير شارد ولا طير في الهواء أو سمك في الماء أو بما فيه خصومة.
قوله: [معلوماً ذاتاً]: أي إما برؤية أو بوصف كالبيع.
قوله: [وأجلاً]: أي إن أجل فلا بد من علم الأجل وجهله مفسد للعقد.
قوله: [أو حلولاً]: أي بأن يدخل على الحلول أو يسكتا ولم يكن العرف التأجيل وسيأتي التفصيل في تعجيل الأجر وعدمه.
قوله: [لأنها يشترط فيها شروط زائدة]: أي فيشترط فيها شروط الثمن ويزاد عليها ما سيذكره ونسخة المؤلف شروطاً بالنصب والأولى رفعه على أنه نائب فاعل يشترط.
قوله: [أفاد الجميع بقوله تتقوم]: أي إلخ وهذا الشرط الذي هو قوله: "تتقوم" من جملة الزائد على شروط الثمن؛ لأن الثمن يكون في نظير ذات لا منفعة كانت تتقوم أم لا، وهو بفتح التاءين معاً لأن الفعل لازم لا يبنى للمجهول.
قوله: [ووهن الذات]: أي ضعفها وتغيرها كالدابة التي تركب.
قوله: [بفلاة]: أي بمكان خارج عن ملك ربه وهو راجع للظلال وللشمس، فإن التشمس والاستظلال بالجدار لا يمكن ربه منع الشمس ولا الظل ولا يحصل به وهن للجدار.
قوله: [خرج عن ملك ربه]: أي منزل رب المصباح وأما الجلوس في ملكه الذي فيه المصباح فله استئجاره ومثله الجلوس داخل البستان الذي فيه الرياحين.
قوله: [كذلك]: أي إدفاؤها خارج عن ملك ربها.
قوله: [كذا قيل]: راجح للتعليل.
وقوله: [وفيه نظر]: أي بل ربما حصل لها وهن بالاستعمال، فالأحسن أن منع التزين بالدنانير المسكوكة حيث لم يكن فيه منفعة شرعية كتزين الحوانيت والجدران بها وكذا آلات اللهو
стр. 794
احترازاً من منفعة آبق أو شارد أو مغصوب.
(غير حرام) احترازاً من استئجار آلات الملاهي والمغنيات. ومن الحرام: الرقص والمشي على حبل أو أعواد أو نحو ذلك من اللعب الذي يقع في الأفراح. (ولا متضمنة) تلك المنفعة (استيفاء عين): أي ذات (قصداً): احترازاً من استئجار شاة مثلاً لشرب لبنها، أو شجرة لأكل ثمرها؛ فإن المقصود إنما هو شرب اللبن وأكل الثمر. واستثنوا الرضاع كما يأتي.
(ولا متعينة): على المؤجر كالصلاة، وحمل ميت أو دفنه على من تعينت عليه، أو فتوى تعينت على عالم: لا إن لم تتعين كما يأتي.
ثم بين محترز بعض ما تقدم من القيود بقوله: (لا نحو تفاحة للشم) من سائر الرياحين وهذا محترز "تتقوم". (أو دنانير للزينة): إن كانت الزينة لرجال، فالمنع لحرمة المنفعة. وإن كانت لنساء فلا فرق بين الدنانير والحلي.
(ولا آلة) للهو (أو جارية للغناء. أو) نحو استئجار (حائض) أو نفساء (لكنس مسجد)، وهذا محترز "غير حرام" (ولا لركعتي الفجر): وأولى الفرض لتعين ذلك.
(بخلاف الكفاية): كتغسيل الميت ودفنه حيث لا يتعين على أحد، فيجوز الإجارة عليه (وكفتوى لم تتعين): فإن تعينت لعدم وجود غيره أو لعدم قبوله لم يجز، وهذا محترز: "ولا متعينة".
ولما كانت قاعدة ابن القاسم: أن الثمن في البيع الأصل فيه الحلول وأن الأجرة في الإجارة الأصل فيها التأجيل، إلا في أربع مسائل يجب فيها تعجيل الأجرة بينها بقوله:
(وعجل الأجر) وجوباً في الإجارة (إن شرط) التعجيل (أو اعتيد)
ــ
وتعليم الأنغام إذ لا قيمة لها شرعاً فلا تصح إجارة ما ذكر، وتفسخ إن وقعت ولا أجرة. ومثل ذلك كراء الشمع للمشي به في الزفاف من غير وقود كالمسمى في مصر بشمع القاعة، وقد نص ابن يونس أن من قال ارق هذا الجبل ولك كذا أنه لا شيء له.
قوله: [احترازا من منفعة آبق]: ومن ذلك الاستئجار على إخراج الجان وحل المربوط وفي (ح) عن الأبي: لا يحل ما يأخذه الذي يكتب البراءة لرد الضائع؛ لأنه من السحر، ثم قال: وما يؤخذ على المعقود فإن كان يرقيه بالرقى العربية جاز، وإن كان بالرقى العجمية امتنع وفيه خلاف، وكان الشيخ يعني ابن عرفة يقول إن تكرر منه النفع فذلك جائز. اهـ (بن).
قوله: [ومن الحرام الرقص]: أي حيث كان حراماً فالاستئجار عليه حرام ودفع الدراهم لهم حرام.
قوله: [ولا متضمنة تلك المنفعة استيفاء عين] إلخ: صادق بأن لا يكون هناك استيفاء عين أصلاً أو كان هناك استيفاء عين من غير قصد، فالأول كإجارة دابة لركوب أو حمل، والثاني كإجارة الشجر للتجفيف عليه والثياب للبس فإن فيه استيفاء عين وهو ذهاب شيء منها بالاستعمال لكن ذلك غير مقصود.
قوله: [واستثنوا الرضاع كما يأتي]: أي وكذلك استثنوا إيجار أرض فيها بئر أو عين، واستئجار شاة للبنها إذا وجدت الشروط، فإن فيها استيفاء عين قصداً وهو الماء في الأولى واللبن في الثانية.
قوله: [كالصلاة]: أي فلا يجوز له أخذ أجرة على صلاة الصبح مثلاً، وأما على كونه إماماً في مسجد أو مكان مخصوص فجائز.
وقوله: [وحمل ميت أو دفنه]: أي فلا يجوز له أخذ الأجرة على هذا الأمر المتعين.
وقوله: [أو فتوى تعينت على عالم]: فلا يجوز له أخذ الأجرة أيضاً.
قال اللخمي: ويجوز للمفتي إن لم يكن له رزق من بيت المال والأجرة على الفتيا والقضاء رشوة.
قال ابن عرفة بعد نقله: في الأجر على الشهادة خلاف، وكذا في الرواية ومن شغله ذلك عن جل تكسبه فأخذه الأجر من غير بيت المال لتعذره عندي خفيف. اهـ.
وقوله: [لا إن لم يتعين] أي فيجوز له الأخذ وإن كان غير محتاج.
قوله: [من سائر الرياحين]: بيان لنحو التفاحة.
قوله: [ولا آلة للهو]: أي غير ما تقدم جوازه في النكاح فكل ما جاز من آلات اللهو في النكاح يجوز استئجارها فيه.
قوله: [أو جارية للغناء]: وأما استئجار، نحو المنشدين الذين يقولون القصائد النبوية والكلام المشتمل على المعارف فلا شك في جوازه، وتقدم لنا مبحث طويل في الوليمة في حكم الملاهي فراجعه إن شئت.
قوله: [وهذا محترز غير حرام]: اسم الإشارة عائد إلى قوله ولا آلة للهو إلى هنا.
قوله: [ولا لركعتي الفجر]: أي فلا فرق في المتعين بين أن يكون فرضاً أو مندوباً كركعتي الفجر وسائر المندوبات من الصلاة والصوم، وأما المندوبات من غيرهما كالذكر والقراءة فإنه يجوز الإجارة عليها، وذكر ابن فرحون أن جواز الإجارة على قراءة القرآن مبني على وصول ثواب القرآن لمن قرئ لأجله كالميت، ثم استدل على أن الراجح وصول ذلك بكلام ابن رشد وغيره.
قوله: [كتغسيل الميت ودفنه]: أي وأما الصلاة عليه فقد نص ابن عبد السلام وغيره على منع الاستئجار عليها، قال ابن فرحون فإن قلت: صلاة الجنازة عبادة لا يتعين فعلها على أحد لم لا يجوز الاستئجار عليها؟ قلت: لما كانت عبادة من جنس الصلاة المتميزة بصورتها للعبادة والصلاة لا تفعل لغير العبادة منع الاستئجار عليها، وأما الغسل فيكون للعبادة والنظافة، وكذا الحمل للميت تشاركه في الصورة أشياء كثيرة من غير أنواع العبادة فلم يتمحض بصورته للعبادة. اهـ (بن).
قوله: [فإن تعينت لعدم وجود غيره] إلخ: أي ما لم يشغله ذلك عن جل تكسبه فيأخذه بقدر ضرورته كما تقدم.
قوله: [أو لعدم قبوله]: أي لجهله أو لعدم ديانته.
قوله: [وهذا محترز ولا متعينة]: اسم الإشارة يعود على
стр. 795
ولم يكن الأجر معيناً كـ أكرني دارك سنة مثلاً لأسكنها، أو: أرضك لأزرعها أو: دابتك لأسافر عليها لمكة مثلاً بكذا كعشرة دنانير أو ثوب أو عبد موصوف في الذمة. إلا أن وجوب تعجيل الأجر في هذين لحق الآدمي يقضى به عند التنازع فإن تراضيا على تأخيره جاز والعقد صحيح (أو عين) الأجر كـ هذا الثوب أو العبد فإنه يجب تعجيله، أي إن شرط التعجيل أو كان العرف تعجيله أخذاً من قوله الآتي: "وفسدت إن انتفى عرف تعجيل المعين". والتعجيل في هذه والتي بعدها حق لله تعالى؛ لأنه يلزم على تأخيره بيع معين يتأخر قبضه، لابتداء [١] الدين بالدين كالسلم كما قيل، لأن المعين ليس في الذمة. وإنما أخرنا قوله: "أو عين" عن قوله: "إن شرط" إلخ لكون التعجيل فيه وفيما يليه من حق الله تعالى كالسلم. وأما ما قبلهما الحق في تعجيلهما للآدمي كما تقدم. وعلى كل حال يرد عليه بحث الحطاب من أن قوله: "أو عين" مستغنى عنه بقوله: "إن شرط أو اعتيد"، أي: عين أم لا، فإن لم يشترط تعجيله ولم يعتد ففاسدة كما سينص عليه. ويجاب بأن يحمل الأولان على غير المعين لبيان أن التعجيل حق لغير الله، ويفرد المعين عما قبله لبيان أنه وما يليه حق التعجيل فيه لله تعالى، إلا أن هذا الجواب إنما يظهر لو أخره وضمه لما بعده كما فعلنا.
(أو) لم يعين (في مضمونة): أي ويجب تعجيل الأجر إذا لم يعين إذا كان في منافع مضمونة في ذمة المؤجر (لم يشرع فيها): أي في المنافع المضمونة. كـ: استأجرتك على فعل كذا في ذمتك، أي بنفسك أو غيرك، أو: على أن تحملني على دابة من دوابك لبلد كذا بدنانير مثلاً. فإن شرع فلا ضرر، وإن لم يشرع فيها - أي تأخر الشروع أكثر من ثلاثة أيام - فلا يجوز إلا إذا عجل جميع الأجرة، وإلا لأدى إلى ابتداء الدين بالدين؛ لأن ذمته مشغولة لك بمنافع الدابة مثلاً وذمتك مشغولة له [٢] بالدراهم أي الأجرة. وأما لو شرع في العمل أو السير لجاز تأخير الأجر لانتفاء الدين بالدين، بناء على أن قبض الأوائل
ــ
قوله: "بخلاف الكفاءة" إلخ.
قوله: [ولم يكن الأجر معيناً]: أي والحال أنه لم يكن الأجر معيناً؛ لأن الأجر المعين سيأتي بعد كانت المنافع معينة أم لاً.
قوله: [في هذين]: أي في شرط التعجيل أو اعتياده والحال أن الأجر غير معين، وإنما كان لحق الآدمي فقط لعدم المانع الشرعي في التأخير وظاهره لا فرق بين كون المنافع معينة أو مضمونة فصورها أربع، ولكن سيأتي أنه إذا كانت المنافع مضمونة والأجر غير معين يجب أحد أمرين إما التعجيل أو الشروع، وإن لم يشترط التعجيل ولم يعتد لحق الله، وهو ابتداء الدين بالدين المنهي عنه شرعاً ففي المفهوم تفصيل الكل فيه على ما سيأتي.
قوله: [فإن تراضيا على تأخيره جاز] إلخ: أي في غير المسألة التي يلزم فيها ابتداء الدين بالدين كما علمت.
قوله: [فإنه يجب تعجيله]: أي ولو حكماً ويغتفر التأخير ثلاثة أيام.
وحاصل ما في المقام أولاً وآخراً: أنه إن عين الأجر فلا بد من شرط التعجيل أو جريان العرف به، فإن لم يجر عرف ولم يشترط كان العقد فاسداً ولو عجل بالفعل ولا فرق بين كون المنافع المعقود عليها معينة أو مضمونة شرع فيها أم لا؛ فهذه أربع صحيحة وأربع فاسدة، إن كان عقد الإجارة على البت فإن كانت على الخيار فسد في الجميع كما في الحاشية، وإنما فسد في الجميع للتردد بين السلفية والثمنية؛ فهذه ست عشرة صورة، وإن كان الأجر غير معين وجب التعجيل إن شرط أو اعتيد كالمنافع معينة أو مضمونة شرع أم لا، فهذه أربع أيضاً صحيحة إن كان على البت فإن كان على الخيار فسدت الأربع للتردد فهذه ثمان، وإن لم يكن شرط ولا عادة بالتعجيل في هذه الأربع فإن كانت المنافع مضمونة لم يشرع فيها وجب التعجيل لحق الله، وإن كانت المنافع معينة شرع فيها أم لا أو مضمونة، وشرع فيها فلا يجب التعجيل للأجر، بل يجوز تأخيره هذا إذا كان على البت فإن كانت على الخيار فصحيحة أيضاً إلا في الصورة التي يجب فيها تعجيل الأجر لحق الله فجملة الصور اثنتان وثلاثون قد علمت أحكامها فتأمل.
قوله: [والتي بعدها]: أي وهي قوله أو لم يعين في مضمونة لم يشرع فيها وهي التي نبهنا عليها أولا.
قوله: [بيع معين يتأخر قبضه] أي في هذه، وأما التي بعدها فابتداء الدين بالدين كما سينبه عليه.
قوله: [كالسلم]: مثال للمنفي.
قوله: [لأن المعين ليس في الذمة]: علة للنفي.
قوله: [من حق الله تعالى كالسلم] أي: من حيث أن العلة في المنع إما بيع معين يتأخر قبضه أو ابتداء الدين بالدين؛ لأن هاتين العلتين من موانع السلم.
قوله: [يرد عليه]: أي على خليل.
قوله: [من أن قوله أو عين] إلخ: ليس هذا لفظ خليل، بل لفظه وعجل إن عين أو بشرط أو عادة.
قوله: [بأن يحمل الأولان]: المناسب لترتيب خليل أن يقول الأخيران.
قوله: [ويفرد المعين عما قبله]: المناسب عما بعده.
قوله: [لو أخره]: هذا مما يعين أن كلامه أولاً لا سبق قلم.
قوله: [أي ويجب تعجيل الأجر إذا لم يعين]: أي والحال أنه لم يجر عرف بالتعجيل ولا اشترط.
قوله: [في ذمتك] إلخ: ليس هذا التصريح لازماً، بل إن حصل العقد على الإطلاق فالمنافع مضمونة في الذمة سواء صرح بذلك أم لا.
قوله: [وإلا لأدى إلى ابتداء الدين بالدين]: أي لما فيه من
стр. 796
قبض الأواخر [١]. وقيل: لا بد من تعجيل جميع الأجرة ولو شرع، لأن قبض الأوائل ليس قبضاً للأواخر. وظاهر قوله: "لم يشرع": أي فلا بد من تعجيل جميع الأجرة سواء كان السفر قريباً أو بعيداً، وقع عقد الإجارة في إبان السفر أو في غيره، فاستثنى من ذلك مسألة بقوله:
(إلا لبعد المسافة): أي مسافة السفر، حجاً كان أو غيره إذا وقع العقد (في غير الإبان): أي وقت سفر الناس عادة، كما لو وقع عقد الكراء لحاج مع جمال في مصر في رمضان أو في أوائل شوال، فإن شأن المصري إنما يسير في آخر شوال (فاليسير): أي فيكفي تعجيل اليسير من الأجر، ولا يتعين تعجيل الجميع للضرورة؛ لأن تعجيل جميع الأجرة في مثل ذلك يؤدي إلى ضياع أموال الناس بسبب هروب الجمالين إذا قبضوا الأجرة فعلم أنه إن تأخر الشروع أكثر من ثلاثة أيام فلا بد من تعجيل الأجرة وإلا فسدت، إلا أن يكون بعيداً فيكفي، تعجيل اليسير منه للضرورة. وأما إن لم يتأخر الشروع فيجوز تأخير الأجرة. لكن قال ابن رشد: إن كان العمل يسيراً فإن كان كثيراً فلا بد من التعجيل، وأقره في التوضيح. وعليه: فلا يكون قبض الأوائل كقبض الأواخر إلا في اليسير انتهى. ذكره بعض المحققين.
(وإلا) يكن الأجر معيناً ولا شرط تعجيله ولا العادة تعجيله ولا المنافع مضمونة، فإن انتفت الأربعة فلا يجب تعجيل الأجر. وإذا لم يجب التعجيل (فمياومة): أي كلما استوفى منفعة يوم أو تمكن من استيفائها لزمه أجرته.
والمراد باليوم: القطعة من الزمن الصادقة [٢] بالأكثر والأقل، وهذا عند المشاحة في نحو أكرية الدور أو إجارة بيع سلعة أو بناء (أو بعد) تمام (العمل) كما لو أجره بشيء على بيع جميع السلع أو على خياطة ثوب أو خرز نعل أو حمل شيء بسفينة. وجاز عند عدم المشاحة التعجيل والتأخير، وهو الأصل في الإجارة كما تقدم.
(وفسدت) الإجارة (إن) وقعت بأجر معين و (انتفى عرف تعجيل المعين) وانتفاؤه صادق بجريان عرفهم بتأخيره وبعدم عرفهم بتعجيل أو تأخير. وعلة الفساد أن فيه بيع معين يتأخر قبضه كما في المدونة. وأما التعليل بلزوم الدين بالدين كالسلم فلا يصح هنا؛ لأن المعينات لا تقبلها الذمم، ومثل هذا في الفساد ما اشترط تأخيره للعلة المذكورة. ومفهوم: "انتفى عرف" إلخ أنه لو كان العرف تعجيلهم المعين صحت ووجب التعجيل أو اشتراط التعجيل كما مر في قوله: "أو عين"، فإن معناه عين وكان العرف تعجيله أو شرط تعجيله عند عدم العرف بشيء أو عرف التأخير.
فإذا انتفى العرف بتعجيله فسدت (ولو عجل) بالفعل بعد العقد، ولا تصح إلا إذا شرط تعجيله وعجل.
ثم شبه في الفساد قوله: (كمع جعل): أي كما تفسد الإجارة إذا وقعت مع جعل صفقة واحدة، كأجرني دابتك وائتتي [٣] بعبدي الآبق بكذا؛ فيفسدان معاً
ــ
تعمير الذمتين بدليل تعليله بقوله؛ لأن ذمته مشغولة إلخ.
قوله: [قبض، للأواخر]: هذا قول أشهب.
قوله: [وقيل لا بد من تعجيل جميع الأجرة]: أي بناء على قول ابن القاسم إن قبض الأوائل ليس قبضاً للأواخر، فيجب تعجيل النقد في المنافع المضمونة شرع فيها أم لا، والأول مشهور مبني على ضعيف.
قوله: [ولا يتعين تعجيل الجميع]: أي إذا كانت الأجرة فيكفي تعجيل الدينار والدينارين. فإن كانت يسيرة في نفسها فلا بد من تعجيلها كلها كما قال.
قوله: [ذكره بعض المحققين]: مراد به (بن).
قوله: [وإلا يكن الأجر معيناً]: مفهوم قوله أو عين.
وقوله: [ولا شرط تعجيله ولا العادة تعجيله]: مفهوم قوله إن شرط أو اعتيد.
وقوله: [ولا المنافع]: مضمونة راجع لقوله أو في مضمونة لم يشرع فيها فهو لف ونشر مخلبط.
قوله: [فإن انتفت الأربعة]: أي التي هي تعيين الأجر أو شرط تعجيله أو العادة بتعجيله أو المنافع مضمونة ولم يشرع فيها.
قوله: [وعلة الفساد أن فيه بيع معين يتأخر قبضه]: مقتضاه أن محل الفساد إذا كان تأخيره أكثر من خمسة أيام إن كان المعين حيواناً وأكثر من عام إن كان المعين داراً وأكثر من عشرة أعوام إن كان المعين أرضاً، فإن كان عرفهم تأخيره أقل من ذلك لا منع كما يأتي في قوله في الجائزات وبيع دار لتقبض بعد عام وأرض بعد عشر وحيوان بعد ثلاثة أيام لا عشر، وكره المتوسط والظاهر أن المعين إن كان كثوب أو نحاس يمنع التأخير فيه نصف شهر لتأديته للسلم في معين، وأما دون ذلك فيجوز لعدم التغير عادة فتدبر.
قوله: [للعلة المذكورة]: أي وهو السلم في معين.
قوله: [تعجيلهم المعين]: أي بأن كان يقبض في أمده الذي يسوغ تأخيره إليه على مقتضى ما تقدم.
قوله: [عند عدم العرف بشيء] إلخ: أي فمحل اشتراط التعجيل إن لم يكن عرف بشيء أو العرف التأخير.
قوله: [فإذا انتفى العرف بتعجيله] إلخ: توطئة لكلام المصنف.
قوله: [ولا تصح إلا إذا شرط تعجيله]: أي قبل مضي نصف شهر، ومثله اشتراط الخلف في الدنانير أو الدراهم؛ لأن شرط الخلف يقوم مقام التعجيل كما إذا استأجره على شيء بالدراهم المعينة الموضوعة تحت يد فلان في الموضع الفلاني فلا يصح إلا بشرط التعجيل، أو العرف التعجيل، أو بشرط الخلف كما في الحاشية.
قوله: [أي كما تفسد الإجارة] إلخ: في الكلام حذف تقديره أي: وكما تفسد الإجارة إن انتفى عرف تعجيل المعين تفسد الإجارة إذا وقعت إلخ، والكاف عند الفقهاء يدخلونها على المشبه لأن المقصود
стр. 797
لتنافرهما؛ لأن الجعالة غير لازمة بالعقد ولجواز الغرر فيها وعدم الأجل، بخلاف الإجارة. وكذا لا يصح اجتماع بيع مع جعل في صفقة.
(لا) إجارة مع (بيع): صفقة واحدة، فلا تفسد بل يصحان معاً سواء كانت الإجارة في نفس المبيع؛ كشرائه ثوباً أو جلوداً على أن يخيطه أو يخرزها البائع بكذا، أو في غيره كشرائه ثوباً بدراهم معلومة على أن ينسج له ثوباً آخر.
ثم عطف على قوله: "كمع جعل" مسائل تفسد فيها الإجارة للغرر بقوله: (وكجلد): جعل أجرة (لسلاخ): وأدخلت الكاف: اللحم كلاً أو بعضاً؛ فالإجارة فاسدة وقعت قبل الذبح أو بعده؛ لأنه لا يستحق جلدها إلا بعد السلخ. ولا يدري هل يخرج سليماً أو مقطعاً؛ هذا هو المشهور. وقيل بالجواز.
(ونخالة) جعلت أجرة (لطحان) لجهل قدرها، فلو استأجره بقدر معلوم من نخالة جاز، كما لو استأجره بجلد مسلوخ معلوم على أن يسلخ له شاة. فلو قال: "لسالخه وطاحنه" لكان أبين.
(أو جزء ثوب أو) جزء (جلد) كربع وثلث جعل أجرة (لنساج): أي لناسج ذلك الثوب (أو دباغ): أي لدابغ ذلك الجلد، ففي كلامه لف ونشر مرتب؛ أي: فيمنع ويفسخ لجهل صفة خروجه.
(وله) أي للأجير المتقدم (أجر مثله إن عمل) بأن سلخ الجلد أو طحن القمح أو نسج الثوب أو دبغ الجلد، وليس له الجلد الذي سلخه. وكذا ما بعده، ولا شيء له إن فسخ قبل العمل. قال في المدونة: وإن واجره على دبغ جلود أو عملها أو نسج ثوب على أن له نصفها إذا فرغ لم يجز. قال ابن القاسم: لأنه لا يدري كيف تخرج؛ ولأن مالكاً قال: ما لا يجوز بيعه لا يجوز أن يستأجر به. أصبغ؛ فإن نزل فله أجر عمله والثوب والجلود لربها.
(أو جزء رضيع): آدمي أو غيره جعل أجراً لمن يرضعه على أن يملكه بعد الرضاع بل (وإن) كان يملكه (من الآن)
ــ
إلحاق الحكم اللاحق بالحكم السابق لا تشبيه المتقدم بالمتأخر.
قوله: [لتنافرهما]: أي لتنافي أحكامهما.
قوله: [بخلاف الإجارة]: أي فإنها تلزم بالعقد، ويجوز فيها الأجل ولا يجوز فيها الغرر.
قوله: [وكذا لا يصح اجتماع بيع مع جعل]: أي لتنافي أحكامهما فالتعليل الذي تقدم في الإجارة مع الجعل يأتي هنا.
قوله: [بل يصحان معاً]: أي لتوافق أحكام البيع مع أحكام الإجارة في الأركان والشروط غالباً.
قوله: [كشرائه وثوباً أو جلوداً] إلخ: أي ويشترط في هذه الصورة شروعه وضرب أجل الإجارة ومعرفة خروجه عين عامله أم لا، أو إمكان إعادته كالنحاس على أن يصنعه قدحاً كما تقدم في السلم، فإن انتفى الأمران كالزيتون على أن يعصره فلا، وأما المسألة الثانية فتجوز من غير شرط.
قوله: [على أن ينسج له ثوباً آخر]: أي والحال أن الغزل من عند المشتري كما إذا قال له: آخذ منك هذا المقطع وانسج لي هذا الغزل مقطعاً آخر بهذين الدينارين.
قوله: [ثم عطف على قوله: كمع جعل] إلخ: أي وأما قوله لا بيع فهو معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
قوله: [كلاً أو بعضاً]: من ذلك الأكارع وظاهره كان الاستئجار على السلخ وحده أو عليه وعلى الذبح، لكن قال في الحاشية: والحاصل أن الاستئجار على السلخ بالأكارع مثل الرأس إن كان قبل الذبح لا يجوز وبعده يجوز بخلاف الإجارة بجلدها أو قطعة من لحمها على سلخها فلا يجوز سواء كان قبل الذبح أو بعده، وكذلك لا تجوز الإجارة على ذبحها بقطعة من لحمها. اهـ.
فائدة: يجوز بيع جلود نحو السباع من كل مكروه أكله على ظهرها قبل ذبحها وسلخها، بخلاف جلود نحو الغنم فلا يجوز قبل ذبحها وسلخها على المذهب، والفرق أن ما يؤكل لحمه لا يحتاط في حفظ الجلد، بخلاف ما يكره أكله فيحتاط في حفظ الجلد كما يؤخذ من الخرشي والحاشية، ومقتضى هذا الفرق جواز الاستئجار على ذبح السبع لجلده كما في (عب).
قوله: [ونخالة جعلت أجرة لطحان]: قال في الحاشية: الأصل من هذا القبيل ما يقع في بلاد الريف من دفع الزرع لمن يدرسه بنورجه وبهائمه ويأخذ تبنه في مقابلة درسه فهي إجارة فاسدة، وأما لو قال ادرسه ولك حملان تبنا من تبنه أو من غير تبنه جاز ذلك كذا كتب (بن) (عب). اهـ.
قوله: [فلو قال لسالخه وطاحنه] إلخ: أي ويصير المعنى ولا يجوز الإجارة بجلد المسلوخ لسالخه والمطحون لطاحنه.
قوله: [أجر مثله إن عمل]: أي والمصنوع لربه ما لم يفت بيد الصانع، فإن فات بيد الصانع بعد الدبغ أو النسج ببيع أو تلف أو حوالة سرق لزم صاحب الجلد أو الغزل أجرة المثل في دباغ جميع الجلد ونسج كل الغزل للصانع، ويغرم الصانع لصاحب الثوب أو الجلد قيمة النصف الذي جعل له لوقوع البيع فيه فاسداً وقد فات فيغرم قيمته مدبوغاً والنصف الآخر ملك لربه، وهذا كله إذا جعل له النصف بعد العمل وأما لو جعل له النصف في الغزل أو في الجلد من وقت العقد فإن شرط عليه أن يدبغه أو ينسجه مجتمعاً فلا يجوز أيضاً لأنه حجر عليه ومنعه من أخذ ما جعل له إلا بعد الدبغ أو النسج، فإن أفاتها بالشروع في الدبغ أو النسج فعلى الصانع قيمة النصف يوم القبض لأن البيع فاسد، وقد فات والنصف الآخر لربه، وعليه أجرة عمله فيه، وأما إن جعل له النصف من وقت العقد يفعل به ما شاء بلا حجر عليه
стр. 798
لأن الرضيع قد يتغير وقد يتعذر رضاعه لموت أو غيره ولا يلزمه خلفه فيصير نقد الأجرة فيها كالنقد في الأمور المحتملة، وهو ممتنع.
(وكـ: احصده وادرسه ولك نصفه)، أو ثلثه: ففاسد وكذا ادرسه فقط وله أجرة عمله إن عمل. وأما احصده فقط فصحيح وسيأتي.
(وكراء الأرض): أي للزراعة (بطعام) أنبتته كقمح أو لم تنبته كلبن وسمن وعسل (أو بما أنبتته) من غير الطعام كقطن وكتان وعصفر وزعفران وتبن وبوص (لا [١] كخشب) مما يطول مكثه حتى يعد كأنه أجنبي منها؛ كالعود الهندي والصندل والحطب والقصب الفارسي فيجوز. كما يجوز كراؤها لغير الزراعة بطعام وبما يخرج منها وبيعها به. وعلة المنع في كرائها بطعام: أنه يؤدي إلى بيع الطعام بطعام إلى أجل. وعلته في كرائها بما تنبته: المزابنة؛ إذ لا يعلم قدر ما يخرج منها، وهي علة ضعيفة.
(وحمل شيء): طعام أو غيره (لبلد) بعيد لا يجوز تأخير قبض المعين إليه (بنصفه) مثلاً؛ لما فيه من بيع معين يتأخر قبضه؛ فإن وقع فأجر مثله والطعام كله لربه، قاله ابن يونس. (إلا أن يقبضه): أي الجزء المستأجر به (الآن): أي من حين العقد أي وقع بشرط تعجيله، أو كان العرف تعجيله فيجوز. فإن لم يكن العرف التعجيل ولم يشترط التعجيل فسدت ولو عجل. والحاصل أن هذه المسألة من أفراد قوله المتقدم: "أو عين" وأن علة المنع ما فيه من بيع معين يتأخر قبضه فيجري فيها التفصيل المتقدم، فيكون معنى: "إلا أن يقبضه الآن" أي بشرط أو عرف.
(وكـ: إن خطته) مثلاً أي خرزته أو نجرته أو كتبته (اليوم) مثلاً أو في هذه الجمعة أو هذا الشهر (فلك كذا): أي من الأجر كعشرة
ــ
في دبغه أو نسجه فجائز فالأقسام ثلاثة كما يؤخذ من حاشية الأصل والخرشي.
قوله: [لأن الرضيع قد يتغير] إلخ: قال (شب): فإن مات الرضيع في أثناء المدة فإن ملكه من الآن فعليه نصف قيمته يوم قبضه يدفعها لربه وله أجرة رضاع نصفه أي له نصف أجرة المثل في المدة التي رضعها، وإن ملكه له بعد الفطام فله أجرة المثل فيما أرضعه ومصيبته من ربه، ولا شيء على الأجير لأنه على ملك ربه قاله في التوضيح، وهذا واضح إذا مات قبل الفطام، وأما إن مات بعده فعليه نصف قيمته يوم الفطام وله أجرة رضاع مثله كذا يفيده كلام (بن). اهـ.
قوله: [فيصير نقد الأجرة فيها]: أي في هذه المسألة التي هي جعل له فيها الجزء من الآن.
وقوله: [كالنقد في الأمور المحتملة]: أي للسلامة وعدمها.
قوله: [وهو ممتنع]: أي للتردد بين السلفية والثمنية في المثليات وللغرر في المقومات.
قوله: [ففاسد]: أي للجهل بما يخرج لأنه استأجره بنصف ما يخرج من الحب وهو مغيب لا يدري كم يخرج وكيف يخرج.
قوله: [وأما احصده فقط فصحيح]: أي لأنه استأجره بنصف الزرع وهو مرئي.
قوله: [أي للزراعة]: سيأتي مفهومه ومن كراء أرض الزراعة بالطعام الغلال التي يأخذها الملتزمون خراجاً عن أرض الزراعة سواء كان جاعلاً عليها غلالاً من أول الأمر أم لا، بل ولو أخذت بدلاً عن الدراهم المجعولة خراجاً كما يفيده نص المدونة.
قوله: [أو لم تنبته كلبن] إلخ: أي وكذلك الشاة المذبوحة والحيوان الذي لا يراد إلا للذبح كخصي المعز والسمك وطير الماء، وكذلك الحيوان الذي يراد للبن بخلاف كرائها بالحيوان الذي يراد للقنية لغير اللبن فيجوز كجوازها بالماء ولو ماء زمزم.
قوله: [كقطن وكتان]: المراد شعرهما وأما ثيابهما فجائز كما في (ح) ومقتضى آخر كلامه أنه لا يجوز كراؤها بالغزل ولعله لكونه هين الصنعة وإن كان لا يعود. اهـ (عب).
قوله: [وبوص]: المراد به حطب الذرة، وأما البوص الفارسي فسيأتي أنه كالخشب.
قوله: [إلا كخشب]: شمل كراءها بشجر ليس به ثمر أو به وهو مؤبر لأنه يبقى لربه لا به غير مؤبر.
قوله: [مما يطول مكثه]: يتناول الذهب والفضة والرصاص والنحاس والكبريت والمغرة ونحوها من سائر المعادن، لأن شأنها تنبت بنفسها في الأرض ويطول مكثها فيها ويستثنى من ذلك الملح فلا يجوز كراء أرض الزراعة به ويجوز كراء أرض الملاحة به كما نصوا عليه.
قوله: [كما يجوز كراؤها لغير الزراعة]: أي وإن كان شأنها أن تزرع كما هو ظاهر كلام أهل المذهب خلافاً لما أفتى به بعض شيوخ الشيخ أحمد الزرقاني من المنع كذا في (بن).
قوله: [وبيعها به]: أي يجوز بيع الأرض بالطعام وبما يخرج منها وإن لم يكن طعاماً فالنهي قاصر على الكراء لا على البيع.
قوله: [المزابنة]: أي حيث باع المستأجر معلوماً وهو الأجر الذي يدفعه بمجهول وهو ما يخرج منها ووجه ضعفه أن هذا لا يتجه إلا إذا كان من جنس واحد.
وقوله: [لا يجوز تأخير قبض المعين إليه]: أي بأن كان على مسافة يمنع تأخير ذلك المعين لها على ما تقدم تفصيله.
قوله: [والطعام كله لربه]: هذا أحد قولين، وقيل: نصفه للجمال ويضمن مثله في الموضع الذي حمل منه وله كراء مثله في النصف الآخر نظير ما مر في دبغ الجلود إذا استأجره بشيء منها عند الفراغ، واختار هذا القول ابن عرفة وأبو الحسن. اهـ (بن) ملخصاً.
قوله: [أي بشرط أو عرف]: أي وإن لم يقبض بالفعل قال (بن) حكاية عن الشيخ أحمد الزرقاني حيث وقع الشرط أو كان العرف النقد فالجواز وإن لم يقبض إلا بعد تمام العمل. اهـ، فإذا علمت ذلك تعلم أن حرمة بيع معين يتأخر قبضه إن دخلا
стр. 799
وإلا تخطه اليوم، بل أزيد (فكذا) من الأجر أي أقل كثمانية؛ ففاسدة للجهل بقدر الأجرة. فإن وقع
فله أجر مثله ولو زاد على المسمى خاطه في اليوم أو أكثر.
(واعمل على دابتي) ولم يقيد باحتطاب أو غيره (أو) اعمل (في حانوتي) أو في حمامي أو سفينتي، ونحو ذلك (وما حصل [١]) من ثمن أو أجرة (فلك نصفه) مثلاً ففاسدة للجهل بقدر الأجرة فتفسخ. (فإن عمل فللعامل): أي فجميع ما تحصل يكون له (وعليه) لربها (أجرة مثلها): ظاهره أن هذا عام في الدابة وغيرها، وهو ما في كثير من الشراح. وقال بعضهم: "فإن عمل" إلخ خاص بالدابة والسفينة، وأما الحمام والدار والحانوت فما حصل من الأجرة يكون للأجير، وعليه لرب الحانوت أو الدار أو الحمام أجرة مثله، مثل "لتكريها" الآتي. قال عياض: لأن ما لا يذهب فيه ولا عمل فيه لمتوليه كالرباع فهو فيه أجير والكسب لربه ويستوي فيه اعمل وأجر [٢]. ونقله أبو الحسن وقبله، وقاله اللخمي. انظر المحشي.
(عكس) قوله: (أكرها): أي الدابة لمن يعمل عليها (ولك) من الكراء (النصف) فإنه يفسخ، فإن أكراها وعمل العامل عليها فما حصل من الأجر فهو لربها وعليه لمن أكراها أجرة مثله في تولية ما ذكر وإن قال ربها: اعمل عليها ولك نصفه فأكراها، فقال ابن القاسم: ما أكريت به للأجير ولربها أجرة المثل انتهى. فيكون لربها أجرة المثل وما حصل فللأجير سواء عمل بنفسه أو أكراها. وأما لو قال له: أكرها، فأكراها فالعكس وهو أن ما حصل من الأجر فلربها وعليه للأجير أجرة مثله، وبقي ما إذا قال: أكرها، فعمل عليها بنفسه، فهو مثل: اعمل عليها؛ لأن الإجارة فاسدة وقد عمل عليها، فما حصل فهو له، وعليه لربها أجرة مثلها كما تقدم. وهذا كله في الدابة، ومثلها السفينة. وأما الحانوت والرباع والحمام، فهل هي مثل الدابة في التفصيل المتقدم؟ وعليه بعض الشراح كالخرشي والزرقاني أم لا؛ بل ما حصل منها لربها مطلقاً وعليه للأجير أجرة مثله؟ مثل: لتكريها، فأكراها؛ وهو الذي ذكره المحشي عن الحطاب ناقلاً له عن عياض واللخمي، ونقله أبو الحسن كما تقدم، واعترض به على الشراح فانظره، والله أعلم.
(بخلاف نحو) قول ربها: (احتطب) عليها (ولك نصفه): أي الحطب، فيجوز إن علم ما يحتطبه عليها بعادة أو شرط. فعلة الجواز العلم وسواء قيد بزمن كيوم لي ويوم لك أم لا،
ــ
على ذلك أو كان العرف ذلك، وأما إن كان التأخير غير مدخول عليه فجائز خلافاً لمن يفهم غير ذلك.
قوله: [وإلا تخطه] إلخ: ويقال في الخرز والنجارة والكتابة ما قيل في الخياطة.
قوله: [ففاسدة للجهل بقدر الأجرة]: اعلم أن محل فساد هذه الصورة إذا وقع العقد على الإلزام ولو لأحد المتعاقدين، فإن كان الخيار لكل منهما جاز؛ وذلك لأن الغرر لا يعتبر مع الخيار؛ لأنه إذا اختار أمراً فكأنه ما عقد إلا عليه؛ لأن عقد الخيار منحل، وأما دفع دراهم بعد العقد زيادة على الأجرة ليسرع له بالعمل فذلك جائز كما في (ح)، ويقال بعد ذلك إن أسرع فاز بالزيادة وإلا فله الرجوع عليه لأنه على شرط لم يتم.
قوله: [ولم يقيد باحتطاب أو غيره]: بل ولو قيد إنما الفرق بين ما هنا وبين قوله الآتي، بخلاف نحو: احتطب ولك نصفه، أن ما هنا أريد به قسمة الأثمان وما يأتي أريد به قسمة نفس الحطب كما نقل عن أبي الحسن.
قوله: [وعليه لربها أجرة مثلها]: أي لأن العامل كأنه اكترى ذلك كراء فاسداً ابن يونس ولو عمل ولم يجد شيئاً كان مطالباً بالكراء؛ لأنه متعلق بذمته، وخالفه ابن حبيب، فقال إن عاقه عن العمل عائق وعرف ذلك العائق فلا شيء عليه.
قوله: [وهو ما في كثير من الشراح]: منهم الشيخ (عب)، والخرشي كما يأتي.
قوله: [يكون للأجير]: صوابه لربها كما يأتي في آخر السوادة. وقوله: [وعليه لرب الحانوت] إلخ: صوابه للأجير كما يأتي أيضاً.
قوله: [انظر المحشي]: المراد به (بن).
قوله: [عكس قوله أكرها]: المراد العكس في الحكم بعد الوقوع لأن في الأولى ما حصل يكون للعامل وهذه لربها.
قوله: [ما أكريت به للأجير]: قال في المدونة: وإن دفعت إليه دابة أو ابناً أو داراً أو سفينة أو حماماً على أن يكري ذلك وله نصف الكراء لم يجز، فإن نزل كان لك جميع الكراء وله أجرة مثله، كما لو قلت له بع سلعتي فما بعت به من شيء فهو بيني وبينك، أو قلت له فما زاد على مائة فبيننا فذلك لا يجوز والثمن لك وله أجرة مثله.
قوله: [فيكون لربها] إلخ: هذا شروع في حاصل فقه المسألة.
قوله: [وبقي ما إذا قال له أكرها] إلخ: اعلم أن الصور أربع؛ لأن رب الدابة إما أن يقول له: اعمل على دابتي ولك نصف ما عملت به أو يقول له: خذ دابتي أكرها ولك نصف كرائها وفي كل إما أن يعمل عليها بنفسه أو يكريها لمن يعمل عليها، وكلها فاسدة والحكم فيها كما قال الشارح وهو أن ثلاث صور جميع ما جاء فيها للعامل، وعليه لربها أجرة مثلها، وصورة جميع ما جاء فيها لربها، وعليه للعامل أجرة مثله.
قوله: [فيجوز إن علم ما يحتطبه عليها]: أي بشرط أن لا يزيد في الصيغة المذكورة ولا تأخذ نصفك إلا بعد نقله مجتمعاً بموضع كذا فإن زاد ذلك منع للحجر عليه كما ذكره ابن عرفة والمراد علم نوعه
стр. 800
كنقلة لي ونقلة لك؛ فالأجرة هنا معلومة بخلاف ما تقدم. وقوله: "ولك نصفه": أي الحطب احترازاً من قوله: "ولك نصف ثمنه"، فلا يجوز للغرر. ومثل الدابة السفينة والشبكة ونحوهما فيجوز بنصف ما يحمله عليها إذا كان معيناً من مكان معين كما أفاده بقوله: "نحو" ودخل في استق عليها ولك نصف الماء.
(و) بخلاف نحو: (احصده ولك نصفه) مثلاً (فيجوز). أو: جذ نخلي هذا ولك نصفه، أو: القط زيتوني هذا ولك نصفه. أو: جز صوفي هذا ولك نصفه؛ كل ذلك جائز للعلم بالأجرة وما أوجر عليه، وأما: أحصد [١] وما حصدت فلك نصفه، أو: القط وما لقطت فلك نصفه، فجائز أيضاً إلا أنه من باب الجعالة فله الترك متى شاء بخلاف ما قبله فهو من الإجارة اللازمة. ويكون الدرس والتذرية عليهما، وتقدم أنه إن قال: احصده وادرسه ولك نصفه، أو. ادرسه فقط، ففاسد وله أجرة مثله لشدة الغرر. ثم الجواز مقيد بعدم تعيين الزمن، فإن عينه فسدت، قال فيها: وإن قال احصد اليوم أو القط اليوم وما اجتمع فلك نصفه، فلا خير فيه؛ إذ لا يجوز بيع ما يحصد اليوم، وما لم يجز بيعه لم يجز أن يستأجر به مع ضرب الأجل في الجعل، ولا يجوز في الجعل إلا أن يشترط أن يترك متى شاء فيجوز.
ثم شبه في الجواز قوله: (كإجارة)، أي كما يجوز إجارة (دابة لكذا): أي لمكان معلوم كمكة (على) أنه إن (استغنى فيها): أي في المدة أو المسافة المعينة لظفره بحاجته في أثناء الطريق (حاسب) ربها: أي كان له بحساب ما سار صعوبة وسهولة. ومحل الجواز (إن لم ينقد) الأجرة، فإن نقدها لم يجز لترددها بين السلفية والثمنية. وهذا القيد ذكره في المدونة والعتبية وذكره المصنف في التوضيح فكان عليه ذكره هنا.
(وإيجار): أي وكما يجوز إيجار شيء (مؤجر) بفتح الجيم: أي أن من أجر حيواناً أو غيره مدة معلومة كشهر أو سنة يجوز له أن يواجره قبل انقضائها مدة تلي مدة الإجارة الأولى للمستأجر الأول أو لغيره.
(أو) إيجار (ما): أي شيء بيع و (استثنيت منفعته): أي استثناها البائع؛ بأن باع عبداً أو داراً أو غير ذلك واستثنى منفعتها مدة معلومة، فللمشتري منه أن يؤاجر ما ذكر مدة تلي مدة الانتفاع أي على أن يقبضها المستأجر بعد مضي مدة الانتفاع. وسيأتي أنه يجوز استثناء السنة في الدار والسنتين في الأرض وثلاثة أيام في الدابة لا جمعة، وكره المتوسط.
(والنقد) بالجر، عطف على مدخول الكاف: أي وكجواز النقد (فيهما):
ــ
وإن لم يعلم قدره بدليل كلام ابن القاسم في مسألة الشبكة.
قوله: [كنقلة لي، ونقلة لك]: مثل ذلك لو قال له كل نقلة نصفها لي ونصفها لك.
قوله: [مثل الدابة السفينة والشبكة]: ابن القاسم يجوز دفع الشبكة لمن يصيد بها يوماً لنفسه ويوماً لصاحبه وفي الشهرين كثير لظهور الجهالة.
قوله: [إذا كان معيناً]: أي كما إذا كان يحمل عليها تبناً أو حطباً أو خشباً معيناً من بلد معينة.
تنبيه: لو تلفت الدابة بعد أخذ العامل ما يخصه وقبل أخذ ربها فلربها أن يأتي له بأخرى يعمل عليها ولابن القاسم في العتبية لربها كراؤها وهو أبين وأما لو تلفت بعد أخذ ربها ما يخصه وقبل أخذ العامل فعلى ربها أجرة عمله، وليس للعامل أن يخلف ربها دابة أخرى.
قوله: [للعلم بالأجرة وما أوجر عليه]: أي لكون كل منهما محصوراً مرئياً.
قوله: [إلا أنه من باب الجعالة]: أي والجعالة يجوز فيها الغرر لكونها منحلة من طرف العامل.
قوله: [ويكون الدرس والتذرية عليهما]: أي لأنهما صارا شركاء من حين الحصاد ويمنع قسمه قتاً لأنه خطر ويدخله التفاضل.
قوله: [لشدة الغرر]: أي في قدر الأجرة وصفتها؛ لأنه لا يعلمها إلا بعد التصفية.
قوله: [ثم الجواز مقيد بعدم تعيين الزمن] إلخ: هذا البحث يغني عنه ما سيأتي في قوله وفسدت إن جمعها وتساويا، ومحله هناك مع ما فيه من الركة.
قوله: [وهذا القيد]: أي الذي هو قوله إن لم ينقد قال ابن عاشر: تأمل ما وجه جواز هذه المسألة مع أن المؤجر لا يدري ما باع من المنفعة واستشكله الخرشي في كبيره بهذا أيضاً. وأجاب بأن الغرر هنا يسير يغتفر؛ لأن العادة أن من اكترى إلى موضع لا يستغنى قبل ذلك الموضع، وقول المصنف إن استغنى فيها أي ويصدق في دعواه الاستغناء لأنه أمين، وأما إن استأجره لهذا المكان وإن زاد فله بحساب ما اكترى لم يجز إلا إن عين غاية ما يزيد وما قيل في الدابة يقال في الدار والسفينة كما أفاده في الأصل.
قوله: [للمستأجر الأول أو لغيره]: أي ما لم يجر عرف بعدم إيجارها إلا للأول كالأحكار الموقوفة بمصر وإلا عمل به لأن العرف كالشرط وصورة ذلك أن يستأجر إنسان داراً موقوفة مدة معينة وأذن له الناظر بالبناء فيها ليكون له خلو في تلك المدة وجعل عليها حكراً كل سنة من تلك المدة لجهة الوقف فليس للناظر أن يؤاجرها لغير مستأجرها مدة تلي مدة إيجار الأول لجريان العرف باختصاص الأول بذلك ومحله إذا أراد أن يدفع الأول من الأجرة مثل ما يدفعه الغير وإلا جاز إيجارها للغير كذا يؤخذ من الحاشية.
قوله: [وثلاثة أيام في الدابة]: أي وعشرة في الرقيق.
стр. 801
أي في إيجار المؤجر والمبيع المستثنى منفعته. ومحل جواز الإيجار والنقد فيهما: (إن لم يتغير غالباً): أي لم يغلب تغيره بأن كان الشأن عدم تغيره. وهو صادق بصورتين: ما إذا كان الغالب سلامته، أو احتمل السلامة وعدمها. لكن الصورة الأولى متفق عليها، والثانية فيها خلاف. هذا بالنسبة للإيجار فيهما. وأما النقد فيهما فإنما يجوز إن غلبت السلامة فيهما لا إن لم تغلب بأن كان الشأن عدمها لطول المدة أو ضعف البناء أو نحو ذلك واحتمال الأمر فعلم أن الصور ثلاث:
الأولى: الشأن السلامة فيجوز العقد والنقد قطعاً.
الثانية: عدمها فلا يجوز عقد ولا نقد.
الثالثة: احتمال الأمرين، فيجوز العقد لا النقد عند بعضهم. وقيل: لا يجوز العقد فلا نقد.
وإن قوله: "إن لم يتغيرغالباً " راجع للعقد والنقد إلا أنه يوهم أن الصورة الثالثة يجوز فيها النقد، وليس كذلك لما علمت. والمراد: إن لم يتغير؛ أي في المدة الثانية التي تلي الأولى، لأن الكلام فيها. فتقييد بعضهم له بقوله: "قبل تسليمه" فيه نظر، ولذا شطبناه من أصل المبيضة.
(و) كجواز إيجار (على طرح نجاسة؛ كميتة) وعذرة بأجر معلوم وإن استلزم ذلك مباشرة النجاسة للضرورة.
(و) استئجار على (القصاص): من قتل أو قطع حكم به الحاكم وسلمه للمجني عليه أو لوليه.
(و) على (الأدب) لابن أو عبد إذا ثبت عند الأب أو السيد موجبه.
(و) على (عبد خمسة عشر عاماً)، ولو بشرط النقد قال في المدونة: ولا أرى به بأساً، والدور أبين، ويجوز تقديم الأجر فيه بشرط انتهى.
(و) على (دار نحو ثلاثين) عاماً ولو شرط النقد، قاله ابن يونس.
(و) على (أرض) للزراعة مأمونة الري (خمسين عاماً) لا أكثر فإن لم يؤمن من ربها جاز العقد عليها ما ذكر دون النقد. وكذلك الدار إذا كانت قديمة يحتمل بقاؤها ثلاثين، وعدمه فإذا كانت قديمة جداً لا تبقى الثلاثين عادة لم يجز كراؤها الثلاثين، وكذا يقال في العبد.
(و) كجواز (بيع دار لتقبض): أي ليقبضها مشتريها (بعد عام) من يوم بيعها فيجوز استثناء منفعتها سنة.
(و) بيع (أرض) لتقبض (بعد عشر) من الأعوام فيجوز استثناء منفعتها عشراً.
(و) بيع (حيوان) ليقبض (بعد ثلاثة أيام) ونحوها (لا) بعد (عشر)
ــ
قوله: [أي في إيجار المؤجر]: بفتح الجيم اسم مفعول.
قوله: [المستثنى منفعته]: راجع للمبيع.
قوله: [أو ضعف]: مصدر معطوف على طول.
قوله: [أو نحو ذلك]: أي كالطاحون والساقية من كل ما شأنه التغير لكثرة العلاج فيه كالمدق والمعصرة.
قوله: [فعلم أن الصور ثلاث] أي من قوله: إن لم يتغير غالباً باعتبار المنطوق والمفهوم.
قوله: [عند بعضهم]: هو ابن عرفة وابن شاس.
قوله: [وقيل: لا يجوز العقد]: هو لابن الحاجب والتوضيح.
قوله: [إلا أنه]: أي كلام المصنف.
قوله: [يوهم أن الصورة الثالثة]: إلخ: أي فلو قال المصنف والنقد فيهما إن سلم غالباً لسلم ويمكن أن يجاب عنه بأن معناه إن انتفى التغير غالباً: أي إن كان الغالب انتفاءه فيكون الحال قيداً في النفي لا في المنفي فتأمل.
قوله: [لما علمت]: أي من النقد لا يجوز فيها اتفاقاً وإنما الخلاف في أصل العقد.
قوله: [لأن الكلام فيها]: أي لأنها التي يستوفى منها المنافع لا الأولى.
قوله: [على طرح نجاسة]: أي وكذا حملها للانتفاع بها على الوجه الجائز كحملها لأكل الكلاب أو تسبيخ أرض أو لأكل مضطر وجلد ميتة مدبوغ لاستعماله في اليابسات والماء.
قوله: [واستئجار على القصاص]: أي وأما الإجارة على القتل ظلماً فلا تجوز، فإن نزل اقتص من الأجير ولا أجرة له ولا يقتص من المؤجر لأن المباشر مقدم على المتسبب.
قوله: [إذا ثبت عند الأب أو السيد موجبه]: ظاهره أنه لا بد من ثبوت الموجب كان الطالب للتأديب الأب أو السيد كان الولد صغيراُ أو كبيراُ وليس كذلك، بل يصدق الأب في ابنه الصغير والسيد والزوج في دعوى ما يوجب الأدب كما في (ح)، وأما الولد الكبير فلا يؤدبه الأب بل يؤدبه الحاكم بالثبوت، وإلا أب الأب أو المتولي للأب. كذا في الحاشية.
قوله: [وعلى عبد خمسة عشر عاماً]: أي وأما الدابة فحد إجارتها سنة إلا لسفر فالشهر كما في التوضيح، ونقله (بن) وهذا في إجارتها التي يجوز النقد فيها، وأما بغير نقد فيجوز أكثر من سنة، والفرق بين الدابة والعبد أن العبد إذا حصل له مشقة يخبر عن حال نفسه بخلاف الدابة.
قوله: [كذا يقال في العبد]: حاصل ما يستفاد من كلام الأجهوري أن غلبة الظن في الأمن تسوغ القدوم على العقد وعلى شرط النقد واستواء الأمرين يسوغ القدوم على العقد دون النقد، وأما غلبة ظن عدم الأمن فلا تجوز عقداً ولا نقداً كما في الحاشية
قوله: [وكجواز بيع دار]: اعترض بأن هذه المسألة ليست من باب الإجارة فحقها أن تذكر في البيوع. وأجيب بأن المنفعة المستثناة إجارة حكماً فإذا باع الدار بمائة مثلاً على، أن تقبض بعد عام فقد باعها بالمائة والانتفاع بتلك الدار تلك المدة، فكان البيع بمائة وعشرة مثلاً دفع المشتري بدل العشرة منفعة الدار فيتأمل، ويقال في استثناء الأرض والحيوان ما قيل هنا.
قوله: [وبيع حيوان ليقبض] إلخ: ظاهره العموم كان الحيوان رقيقاً أو غيره، والذي في الحاشية أن هذا مخصوص بالدابة قيل لا فرق بين دابة الركوب والعمل.
стр. 802
لأن الغالب فيها تغيره.
(وكره المتوسط) كاستثناء خمسة أيام.
(و) كجواز (كراء دابة لتقبض): أي ليقبضها المكتري (بعد شهر) من يوم الكراء فيجوز (إن لم يشترط) مكريها (النقد): أي نقد الأجرة، فإن اشترطه لم يجز لتردده بين السلفية والثمنية. والنقد بلا شرط لا يضر.
(و) كجواز (تحديد صنعة، كخياطة) أو خرز وحصد زرع ودرس ونحو ذلك (بعمل) نحو: خط هذا الثوب، أو: احصد هذا الفدان، أو: احفر لي بئراً بكذا (أو: زمن) كخط عندي يوماً أو شهراً، أو: ابن لي بيتاً، ونحو ذلك، كل يوم أو كل جمعة أو شهر أو جميع الشهر أو السنة بكذا.
(وفسدت) الإجارة (إن جمعهما): أي العمل والزمن (وتساويا): بأن كانت العادة أن الزمن لا يزيد على الفعل ولا ينقص، قال ابن رشد: اتفاقاً. وقال ابن عبد السلام: على المشهور.
وأما إذا كان الزمن ينقص عن العمل فالفساد بالأولى وأما لو كان الزمن أكثر فقال ابن عبد السلام: يجوز اتفاقاً، وقال ابن رشد: بل تفسد على المشهور لاحتمال طارئ على الأجير يمنعه من العمل، وهذا معنى قول الشيخ: "وهل تفسد إن جمعهما وتساويا أو مطلقاً؟ خلاف". وعلى الفساد فاللازم أجرة المثل زادت على المسمى أو قلت، والله تعالى أعلم.
(و) كجواز (إيجار مرضع) لترضع طفلاً وإن كان فيه استيفاء عين قصداً للضرورة، وسواء كانت آدمية أم لا، كانت الأجرة طعاماً أو غيره.
(وغسل خرقة ونحوها): أي الخرقة كبدنه (على أبيه) لا عليها (إلا لعرف) أو شرط فيعمل به.
(ولزوجها): أي المرضع (فسخه إن لم يأذن لها) فيه، فإن أذن فليس له الفسخ.
(كأهل الطفل): لهم فسخ العقد (إن حملت) المرضع من زوجها أو غيره زمن الرضاع (ولها) هي الفسخ (إن مات أبوه): أي الطفل (ولم تقبض الأجرة) منه قبل موته (ولم يترك) له (مالاً) ولا مال للولد تأخذ أجرتها منه (ولم يتطوع بها): أي بالأجرة (أحد) من قريب أو بعيد، وإلا فلا فسخ لها. (ومنع) الزوج (إن أذن) لها في الإرضاع (من وطء) لها؛ لأنه مما يضر بالطفل ولو لم يحصل له ضرر بالفعل.
ــ
وقال بعضهم إنه في دابة الركوب وأما دابة العمل فيجوز استثناء منفعتها كالرقيق عشرة أيام فأقل.
قوله: [لأن الغالب فيها تغيره]: أي فيتردد الثمن بين السلفية والثمنية.
قوله: [وكره المتوسط]: أي لاحتمال تغيره، وبقي مثل الثوب المعين والنحاس، ومقتضى ما تقدم أنه يجوز بيعه واستثناء منفعته مدة دون نصف شهر لا أزيد لما فيه من السلم في معين، ولا يرد على هذا تأجير الدور والأراضي الزمن الطويل؛ لأن السلم لا يكون فيها لأن من شرطه أن يكون في الذمة وهذه الأشياء لا تقبلها الذمم بحال.
قوله: [والنقد بلا شرط لا يضر]: أي لأن علة المنع للتردد لا تكون إلا في شرط النقد كما تقدم في الربويات.
قوله: [بكذا]: تنازعه كل من خط واحصد واحفر فأعمل الأخير وأضمر في الأولين وحذف لأنه فضلة.
قوله: [وتساويا]: الواو للحال.
قوله: [فالفساد بالأولى]: أي على كل من الطريقتين.
قوله: [لاحتمال طارئ]: أي فيدخله الغرر.
قوله: [وعلى الفساد]: أي حيث قلنا به اتفاقاً أو على المشهور.
قوله: [وسواء كانت آدمية أم لا]: فلو كان الرضيع محرم الأكل كجحش جاز أن تكرى له أتان لترضعه.
قوله: [كانت الأجرة طعاماً أو غيره]: أي ولو شرطت عليهم طعامها ولا يكون هذا من بيع طعام بطعام للضرورة، ولأن النهي إنما ورد في الأطعمة التي جرت العادة باقتياتها.
قوله: [فسخه إن لم يأذن] إلخ: فإن طلقها قبل علمه فلا كلام له، فإن أجرت نفسها وهي في عصمته ولم يعلم بذلك إلا بعد مضي مدة فأجرة ما مضى تكون لها وله الفسخ في المستقبل.
قوله: [إن حملت المرضع] إلخ: إنما كان لهم الفسخ لأن الحمل مظنة تضرر الولد بلبنها، قال الخرشي ولها بحساب ما أرضعت فلو كانت أكلت الأجرة لم تحسب عليها لأنهم تطوعوا بدفعها لها قاله ابن عبد السلام ونظر فيه (بن).
قوله: [ولم يترك له مالاً]: مفهومه أنه إن ترك مالاً لم يكن لها الفسخ وتقبض أجرتها من نصيب الولد في تركة أبيه.
ومفهوم قوله: (ولم تقبض) أنها إذا قبضت لا تنفسخ، ولو كان الأب عديماً ويتبع الورثة الولد بما زاد على يوم موت الأب من الأجرة التي عجلها؛ لأن الزائد يكون ميراثاً بينهم وبين الولد فيرجعون به على مال الرضيع لا على الظئر، فليس إعطاء الأب أجرة رضاعه هبة منه له، وإنما إرضاعه عليه فرض انقطع بموته، ومحل رجوع الورثة على الولد بما زاد على يوم الموت ما لم يعجل الأب الأجرة خوفاً من موته الآن، وإلا كانت هبة ليس للورثة منها شيء، كما نقله الأجهوري عن (ح).
قوله: [ومنع الزوج] إلخ: فلو تزوجها ووجدها مرضعاً قال ابن عرفة: الأظهر أنه عيب يوجب له الخيار، وبحث فيه البدر القرافي بأن ذلك لم يذكر في عيوب الفرج.
قال بعض الأفاضل: الظاهر ما قاله ابن عرفة لأنه وإن لم يكن من عيوب الفرج إلا أنه يتضرر بعدم الوطء، اللهم إلا أن يبقى من مدة الرضاع يسير فلا خيار للزوج نظير من اشترى دارا فوجدها مكتراة فيخير ما لم يكن الباقي من مدة الكراء يسيرا.
قوله: [ولو لم يحصل له ضرر بالفعل]: رد بلو على أصبغ ومثل الزوج السيد على ما استظهره في الحاشية فلو تعدى
стр. 803
(و) من (سفر بها): أي بزوجته المرضع فإن لم يأذن فله ذلك وتقدم أن له الفسخ.
(وكره حلي): أي إجارته، لأنه ليس من شأن الناس، والأولى إعارته لأنها من المعروف.
(و) كره (إيجار مستأجر دابة) ليركبها (لمثله) في الأمانة أو الخفة أو الثقل (ولو) كان المثل (فظاً): أي غليظاً مثل الأول، ولا ضمان عليه حينئذ إن تلفت الدابة أو ماتت بلا تفريط؛ فإن كان الأول هو الفظ فلا ضمان بالأولى. وإن كان الثاني هو الفظ ضمن. ومحل الكراهة إذا لم يعلم حال ربها، فإن علم أنه يرضى جاز وإن علم عدم الرضا لم يجز
(و) كره (أجرة على تعليم فقه وفرائض) كذا في المدونة (كبيع كتبه) أي ما ذكر من فقه وفرائض فإنه يكره، وأما علم الفرائض بالرسم فلا يكره أخذ الأجرة عليه؛ لأنه صنعة من الصنائع. لكن قال بعضهم: يجوز بيع الكتب الآن لأن حفظ الناس له وأفهامهم نقصت كثيراً حتى أن صاحب الكتاب قد ينسى ما كتبه فيراجع كتابه. وفي بيع الكتب انتشار العلم وسبب لحفظه وصونه فتأمل.
(و) كره أجرة (على قراءة) لقرآن (بلحن): أي تطريب وأنغام لأن القراءة على هذا الوجه مكروهة إذا لم يخرج عن حده وإلا حرمت كالقراءة بالشاذ.
(و) كره أجرة على (دف) بضم الدال: طبل مغشى من جهة كالغربال يسمى في العرف بالطار (ومعزف) واحد المعازف: وهو آلة اللهو فيشمل المزمار (لعرس): أي نكاح. ولا يلزم من جوازها فيه جواز الأجرة.
ــ
الزوج أو السيد ووطئها ولم تحمل فقيل لأهل الطفل فسخ الإجارة وقيل: لا.
قوله: [ومن سفر بها]: أي وأما لو أراد أهل الطفل السفر فلا يمكنون من أخذ الولد إلا إذا دفعوا للظئر جميع أجرتها حيث كانت وجيبة.
تنبيه: قال في المدونة ومن واجر ظئرين فماتت واحدة فللباقية أن ترضع وحدها، ومن واجر واحدة، ثم واجر أخرى فماتت الثانية فالرضاع للأولى لازم كما كانت، وإن ماتت الأولى فعليه أن يأتي بمن ترضع مع الثانية. اهـ.
قوله: [وكره حلي] بفتح الحاء وسكون اللام مفرداً وبضم الحاء، وكسر اللام جمعاً.
قوله: [أي إجارته]: أي وسواء كان ذلك الحلي ذهباً أو فضة أوجر بذهب أو فضة أو غيرهما كعرض أو طعام وظاهره كان محرم الاستعمال أم لا، وإنما لم تحرم إذا كان محرماً لأنه ليس محقق الاستعمال، وقيل: تحرم إن كان محرماً فهما طريقتان.
قوله: [فإن علم أنه يرضى جاز]: أي كما إذا أكراها بحضرته وهو ساكت من غير عذر، ومثله في الجواز أن تبدو له الإقامة وعدم الركوب للمحل الذي أكراها إليه ولو كان غير مضطر للإقامة، ومثل الدابة الثوب فيكره لمن استأجر ثوباً للبسه أن يكريه لمثله، ويقال فيه ما قيل في الدابة إلا أنهما يفترقان في الضمان فإن الدابة لا ضمان عليه فيها إن ضاعت بلا تفريطه أو ماتت، وأما الثوب فيضمنه إلا لبينة على تلفه بلا تفريط من الثاني لأن ضمان التهمة يزول بالبينة.
قوله: [كذا في المدونة]: مقابله الجواز لابن يونس، وإنما كره أخذ الأجرة عليه مخافة أن يقل طلاب العلم الشرعي ولأن الإجارة عليه خلاف ما عليه السلف الصالح، بخلاف القرآن فإنه تجوز الإجارة على تعلمه لرغبة الناس فيه ولو بأجرة ولأخذ السلف الأجرة على تعلمه ولقوله ﵊: «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله تعالى».
قوله: [كبيع كتبه]: أي: وكذا إجارتها.
قوله: [بالرسم]: أي بالغبار والشباك.
قوله: [لكن قال بعضهم]: مراده به اللخمي.
قوله: [فتأمل]: إنما أمر بالتأمل لتضارب العلل التي ذكرها فإن قوله لأن حفظ الناس. . . إلخ مما يناسب الكراهة.
وقوله وفي بيع الكتب إلخ، مما يناسب الجواز.
قوله: [أي تطريب] إلخ: إنما كره ذلك؛ لأن المقصود من القراءة التدبر والتفهم والتطريب ينافي ذلك، والمراد بالتطريب تقطيع الصوت بالأنغام والأهوية، وأما الإجارة على أصل التلاوة فتقدم جوازه وكذا على تعليمه مشاهرة ومقاطعة على جميعه أو على بعضه ووجيبة لمدة معلومة، فالمشاهرة غير لازمة لواحد منهما، وأما الوجيبة والمقاطعة فلازمتان لكل منهما، قال مالك: يجوز أن يشارط المعلم على الحذقة ضبطاً أو نظراً ولو سميا أجلاً، أصبغ إن تم الأجل ولم يحذقه فله أجر مثله، القابسي ففرق أصبغ بين ضرب الأجل للمعلم والخياط إذا كان الفعل يمكن الفراغ منه فيه، ابن عرفة سوى اللخمي وابن رشد بينهما.
فوائد: الأول: قوله ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، يشمل الوالد بتعليمه ولده ولو بأجرة، وقد أجاب سحنون أبا ولد كان يطلب العلم عنده إذا توليت العمل بنفسك ولم تشغل ولدك عما هو فيه فأجرك في ذلك أعظم من الحج والرباط والجهاد.
الثانية: ذكر ابن عرفة عن القابسي أن على المعلم زجر الولد في تكاسله بالوعيد والتقريع لا بالشتم نحو يا قرد، فإن لم يفد فالضرب بالسوط من واحد إلى ثلاثة ضرب إيلام دون تأثير في العضو، فإن لم يفد زاد إلى العشرة فإن لم يفد فلا بأس بالزيادة عليها.
الثالثة: القابسي أما تعليمهم في المسجد فروى ابن القاسم إن بلغ الصبي مبلغ الأدب فلا بأس، وإن كان صغيراً يعبث فلا أحب ذلك.
الرابعة: سئل أنس كيف كان المؤدبون على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃؟ قال كان للمؤدب إناء فيه ماء طاهر
стр. 804
والراجح أن الدف والكبر والمزمار جائزة في العرس وتكره الأجرة عليها، وأن ما عداها حرام في العرس وغيره فتحرم الأجرة عليها.
(و) كره (إيجار مسلم) عبد أو حر (لكافر فيما يحل) كخياطة وبناء ويحرم فيما لا يحل كعصر خمر ورعاية خنزير (بلا إهانة) للمسلم وإلا حرم ككونه خادم بيت يقدم له الطعام ويغسل يديه منه ويجري خلفه، وهذا ما لم يكن المسلم ماكثاً في حانوته كخياط ويرد عليه ما يصنعه به من المسلمين وغيرهم، وإلا فيجوز.
(وعين) وجوباً في الإجارة (متعلم) لقراءة أو صنعة لاختلاف حاله بالذكاء والبلادة
(و) عين (رضيع) لاختلاف حاله بكثرة الرضاع وقلته (ودار) للسكنى بها مثلاً (وحانوت و) عين (بناء على جدار) استؤجر للبناء عليه، بأن يذكر طول ما يبنى عليه وعرضه وكونه من حجر أو لبن أو غير ذلك. بخلاف كراء الأرض للبناء عليها فلا يشترط بيان وصف ما يبنى عليها.
(و) عين (محمل) للركوب فيه وهو بفتح الميم الأولى وكسر الثانية: ما يركب فيه من شقدف ومحفة وجعفة، لأنه يختلف بحسب السعة والضيق والطول والقصر والمتانة وغيرها. وأما محمل بكسر الميم الأولى وفتح الثانية: فعلاقة السيف.
(و) عين (مسكن) من دار أو غيرها لاختلاف أحواله (إن لم توصف) المذكورات وصفاً شافياً. فالواجب، إما التعيين أو الوصف الشافي المفيد للمراد وإلا كانت إجارة فاسدة.
(و) عينت (دابة) لركوب أو حمل ولا يكفي الوصف فيها (إلا) الدابة (المضمونة) في الذمة ليتوصل بها إلى محل كمكة وذلك بأن لم تقصد عينها: (فنوع) أي: فالواجب تعيين نوعها كإبل أو بغال (وصنف) كعراب أو بخت (وذكورة وأنوثة). فالحاصل أن الدابة أو غيرها لركوب أو غيره لا بد في صحة العقد عليها من التعيين بالذات أو الوصف. لكن إن عينت بالإشارة كدابتك هذه، أو: التي كانت معك بالأمس، انفسخت الإجارة بتلفها، وإلا فلا، وعلى ربها بدلها. ولو قال: دابتك البيضاء - وليس له غيرها - فغير المعينة بالإشارة مضمونة على ربها بدلها إن تلفت، وإلا انفسخت بتلفها. وعبارته لا تفيد ذلك فكان الأحسن أن يقول: وهي مضمونة إلا إذا عينت بالإشارة فتأمل.
(ولراع) استؤجر على رعي غنم أو غيرها عينت له، كهذه، أم لا؛ كعشرة من الغنم (رعي أخرى) معها (إن قوي) على رعي الأخرى (ولو بمشارك) بعينه على رعي الأخرى (إن لم يشترط) رب الأولى (عدمه): أي عدم رعي أخرى مع غنمه (وإلا) بأن اشترط عليه أن لا يرعى معها أخرى لم يجز له فإن خالف ورعى معها غيرها (فأجره) الذي أخذه في نظير الأخرى (لمستأجره) وهذه العبارة أسهل من عبارته.
(كأجير لخدمة أجر نفسه) في خدمة أخرى أو في عمل شيء حتى فوت على المستأجر ما استأجر عليه أو بعضه، فأجرته تكون لمستأجره الأول. وإن شاء أسقط عن نفسه أجرة ما فوته عليه،
ــ
يمحو به الصبيان ألواحهم ثم يصبون ذلك الماء في حفرة من الأرض فتنشف. اهـ، قال القابسي: وينبغي أن يصب ذلك الماء في المواضع البعيدة عن النجاسة وكان معلمنا يأمرنا بصبه في حفرة بين القبور. اهـ ملخصاً من (بن).
قوله: [والراجح] إلخ: حاصله أن الدف والكبر في النكاح فيه قولان الجواز والكراهة، وفي المعازف ثلاثة أقوال بزيادة الحرمة وهو أرجحها، وأما في غير النكاح فالحرمة في الجميع قولاً واحداً ولو كان في عقيقة أو ختان أو حج أو قدوم من سفر.
قوله: [وكره إيجار مسلم]: حاصله أنه يكره للمسلم أن يكري نفسه أو ولده أو عبده لكافر حيث كان يستبد بعمله ولم يكن تحت يده ولم يكتره في فعل محرم، فإن لم يستبد الكافر بعمل المسلم كخياط يرد عليه المسلم والكافر فيجوز، وإن كان تحت يده كأجير خدمة بيته ومرضعة ولده حرم وفسخ وله أجر ما عمل، وكذا إن استأجره في محرم كعصر خمر ورعي خنزير، ولكن يتصدق بالأجرة عليه أدباً له. اهـ من الأصل.
قوله: [وعين وجوباً في الإجارة متعلم]: أي فإن لم يعين فسدت.
قوله: [ودار للسكنى بها]: أي إذ لا يصح العقار أن يكون في الذمة فلا بد من التعيين بالإشارة إلى الدار أو بأل العهدية من ذكر موضعها وحدودها، ونحو ذلك مما يختلف به الأجرة.
قوله: [فلا يشترط بيان وصف ما يبنى عليها]: لأنه لا يتعلق به غرض بل يكفي علم المساحة.
قوله: [لأنه يختلف بحسب السعة]: علة للزوم التعيين.
قوله: [فالواجب إما التعيين أو الوصف]: لكن البناء على الجدار لا يمكن فيه إلا الوصف.
قوله: [وعلى ربها بدلها]: راجع لما بعد وإلا.
قوله: [ولو قال دابتك البيضاء] إلخ: مبالغة فيما بعد وإلا قال في الأصل ولو قال دابتك البيضاء أو الحمراء وليس له غيرها لاحتمال إبدالها ما لم يقل هذه أو التي رأيتها معك بالأمس بعينها. اهـ.
قوله: [وعبارته لا تفيد ذلك]: الضمير يعود على المتن وهذا الاعتراض بعينه يرد على خليل.
وقوله: [فكان الأحسن أن يقول]: وهي مضمونة إلخ. أي بعد قوله وذكورة وأنوثة، وفي الحقيقة لا حاجة لهذا البحث؛ لأن تفصيل المضمونة والمعينة سيأتي موضحاً.
قوله: [أو غيرها]: أي كإبل وبقر.
قوله: [ولو بمشارك]: مبالغة في القوة، أي هذا إذا كانت قوته على رعي الأخرى معها بنفسه، بل ولو بمشارك يأتي به.
قوله: [وإن شاء أسقط عن نفسه]: إلخ، راجع للمسألتين وحاصله أنه يخير المستأجر إما أن ينقصه من الأجرة التي سماها له أو يعطيها له ويأخذ منه جميع الأجر.
وطريق معرفة التنقيص
стр. 805
فإن لم يفوت عليه شيئاً بأن وفى بجميع ما استأجره عليه فلا كلام لمستأجره ومفهوم: "أجر نفسه" أنه لو عمل عملاً مجاناً فإنه يسقط من أجره بقدر ما فوته.
(ولا يلزمه): أي الراعي (رعي الولد) الذي ولدته بعد الإجارة، فعلى ربها أن يأتي له براع آخر لرعيها أو يجعل للأول أجرة في نظير رعيها (إلا لعرف) أو شرط فيعمل به.
(وعمل به)؛ أي بالعرف (في الخيط) في كونه على الخياط أو على رب الثوب.
(و) في (نقش الرحى) المستأجرة للطحن عليها، في كونها على المالك أو المستأجر.
(و) عمل به (في آلة بناء) في كونها على البناء أو على رب الحائط (وإلا) يكن عرف (فعلى ربه): أي رب الشيء المصنوع، وهو الثوب والدقيق، لا الرحى - كما قيل والجدار.
(و) عمل بالعرف أيضاً في (إكاف): برذعة صغيرة (وقتب ونحوهما) سرج ولجام ومقود.
(وإلا [١]) بأن لم يكن عرف (فعلى رب الدابة) وصرحنا بهذا لأن قوله: "عكس إكاف وشبهه" يوهم خلاف المراد.
(و) عمل بالعرف في (السير) ليلاً أو نهاراً ولا كلام لرب الدابة ولا للمستأجر مع العرف (والمنازل) التي ينزل بها في سير المسافة وقدر الإقامة بهما [٢].
(و) عمل به أيضاً في (المعاليق): جمع معلوق بضم الميم كعصفور وعصافير: أي ما يعلق بجنب الرحل مما يحتاج له المسافر. وكسمن وزيت وعسل.
(و) في (الزاملة): ما يضع المسافر فيه حاجته كخرج كيس [٣] ونحوهما. فإن لم يكن عرف فلا بد في السير والمنازل من البيان وإلا فسد الكراء وفسخ. وأما المعاليق والزاملة فلا يفسخ ولا يلزم المكري حملها (و) عمل بالعرف في (فراش المحمل) هل هو على رب الدابة أو على المكتري، فإن لم يكن عرف لم يلزم المكري أي رب الدابة.
(و) عمل به في (بدل الطعام المحمول) على الإبل إذا نقص بأكل أو بيع، فإن لم يكن عرف فعليه وزن الحمل الأول. (و) عمل به في (توفيره) أي الطعام المحمول بالكراء إذا أراد ربه [٤] أن يوفره من أكل أو بيع ونازعه رب الدابة، فإن لم يكن عرف فلا كلام لرب الدابة وعليه حمله إلى غاية المسافة، ولو زاد الطعام ثقلاً كنزول مطر عليه فقال سحنون: لم يلزم المكري إلا زنة الحمل المشترط.
(و) عمل به أيضاً في (نزع ثوب) من قميص أو عمامة أو طيلسان استأجره ليلبسه (في نحو ليل) كقائلة: أي فيجب عليه نزعه في الأوقات التي جرى العرف بنزعه فيها فإن لم يكن عرف حمل على دوام اللبس وإن اختلف العرف
ــ
أن يقال ما أجرته على رعيها وحدها فإذا قيل عشرة مثلاً قيل: وما أجرته إذا كان يرعاها مع غيرها فإذا قيل ثمانية فقد نقص الخمس فيخير حينئذ إما أن ينقصه خمس المسمى أو يدفعه له بتمامه ويأخذ منه الأجرة التي أخذها من غيره ويجري مثل هذا في أجير الخدمة.
قوله: [فإن لم يفوت عليه شيئاً]: مخصوص بأجير الخدمة وأما أجير الغنم متى خالف الشرط كان أجره لمستأجره ولو قوي على الجميع ولم يفوت شيئاً كما تقدم.
قوله: [بقدر ما فوته]: أي فإن لم يفوت شيئاً فلا يسقط من أجره شيء.
قوله: [رعى الولد]: الفرق بين ولد الغنم فلا يلزمه رعيه وولد المرأة الذي وضعته في السفر يلزم الجمال حمله أن الحاصل من أولاد الغنم طرو مشقة الرعي وحين العقد لم تكن، وأما الضرر الحاصل للجمال مشقة حمل الولد وهو كان محمولاً قبل الوضع فاستصحب.
قوله: [فعلى ربها أن يأتي له براع آخر]: أي ويلزم الراعي الذي يأتي به أن يرعاها مع الأمهات لئلا يتعب راعي الأمهات إذا فارقت أولادها لا لمنع التفرقة لأنها خاصة بمن يعقل على ما مر كذا للخرشي.
قوله: [في نظير رعيها]: أي الأولاد المعبر عنها أولاً بالولد.
تنبيه: قال في الطرر: إذا امتنع راعي قوم أن يرعى لأحدهم لم يجبر. وفي جبر الفران ورب الرحى والحمام ونحوهم إن لم يوجد غيرهم قولان: الجبر استحسان، وعدمه قياس، وكان القضاء بطليطلة جبر الفران على طبخ خبز جاره بأجر مثله. اهـ. ونقله في التكميل كذا في (بن).
قوله: [وعمل به]: أي إن لم يكن شرط وإلا فالشرط مقدم عليه عند وجوده.
قوله: [والدقيق لا الرحى]: إنما يظهر على صاحب الدقيق إذا كان هو صاحب الطاحون كأن استأجر إنساناً يطحن له فيها دقيقه وأما لو استأجر إنسان الطاحون ليطحن فيها للناس أو لنفسه كان النقش عند عدم العرف على المالك لها لا على صاحب الدقيق.
والحاصل: أنه عند عدم العرف النقش لازم لرب الرحى سواء كان هو صاحب الدقيق أو كان الدقيق لغيره. كذا يؤخذ من حاشية الأصل إذا علمت ذلك فقول شارحنا لا الرحى. . . إلخ فيه نظر تأمل.
قوله: [والجدار]: بالرفع عطف على قوله الثوب فهو مثبت لا منفي.
قوله: [في السير ليلاً] إلخ: أي وفي باقي أحواله من كونه بالهوينا أو حذراً أو متوسطاً.
قوله: [والمنازل]: أي المواضع.
قوله: [ما يوضع المسافر] إلخ: حقه حذف الواو للقاعدة التصريفية قال تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ [محمد: ٤].
قوله: [وإلا فسد الكراء وفسخ]: أي لزيادة الغرر فمراده بالفساد عدم الصحة وبالفسخ إبطاله وعدم البقاء عليه.
قوله: [أي رب الدابة]: أي لا يلزمه الإتيان به ولا حمله.
قوله: [في بدل الطعام المحمول]: أي بدل نقص الطعام المحمول ففي الكلام حذف مضاف.
قوله: [أو طيلسان]: هو الشال الذي يغطى به الرأس.
стр. 806
وجب البيان.
ثم انتقل يتكلم على ضمانه وعدم ضمانه، فقال:
(وهو): أي المستأجر لشيء - من حيوان أو عرض - وكذا الأجير كالراعي. وجعل بعضهم الضمير عائداً على من تولى العين المؤجرة؛ فيشمل المؤجر بالفتح كالراعي والمستأجر، كمكتري دابة ونحوها (أمين؛ فلا ضمان) عليه إن ادعى الضياع أو التلف، كان مما يغاب عليه أم لا. ويحلف إن كان متهماً: لقد ضاع وما فرطت. ولا يحلف غيره وقيل: يحلف ما فرط.
وبالغ على عدم الضمان بقوله: (ولو شرط) عليه (إثباته): أي الضمان، ولا عبرة بهذا الشرط، لكن هذا الكلام يوهم صحة عقد الإجارة مع الشرط المذكور مع أنه يفسدها لأنه شرط يناقض العقد. فإن وقع فله أجرة مثله زادت على المسمى أو نقصت - قاله ابن القاسم. ومحل الفساد إن لم يسقط الشرط قبل الفوات، وإلا صحت، والفوات هنا بانقضاء العمل فانقضاؤه في أثنائه كإسقاطه قبله في إفادة الصحة.
والحاصل: أنه شرط مفسد للعقد ما لم يسقط، لكن لو عثر عليه بعد العمل فله أجر مثله ولا يعمل بالشرط.
(أو عثر): بفتح المثلثة عطف على المقدر، فلا ضمان، أي إن ادعى التلف أو عثر أجير حمل أو عثرت دابته (بدهن أو غيره أو) عثر (بآنية فانكسرت أو انقطع الحبل) الذي ربط به الأمتعة فتلفت فلا ضمان عليه.
(ما لم يتعد) في فعله أو سوقه الدابة فإنه يضمن لتعديه. فإن كذبه ربه فلا يصدق في الطعام والإدام إلا ببينة، ويصدق في غيره، والسفينة كالدابة، قال في المدونة: وإن كان الكراء وحده فلا يصدق في الطعام والإدام إذا قال: سرق مني، حمله على نفسه أو دابته أو سفينته. وفيها: ومن استأجرته ليحمل لك دهناً أو طعاماً فحمله فعثر به فأهراقه لم يضمن؛ لأنه أجير والأجير لا يضمن إلا أن يتعدى، فإن كذبته في ذلك وقلت له: لم تعثر ولم يذهب لك شيء فهو ضامن في الطعام والإدام وأما البرز والعروض إذا حملها، فالقول قوله إلا أن يأتي بما يدل على كذبه اهـ. وقال ابن القاسم: لا يضمن الأكرياء سائر العروض ولا شيئاً غير الطعام. وعلى هذا فكان الأنسب بعد قوله: "وهو أمين فلا ضمان" أن يقول: إلا في الطعام والإدام. وعبارة ابن عرفة وفيها مع غيرها لزوم ضمان الأكرياء كالطعام والإدام إلا أن تقوم بينة بهلاكه أو يكون معه ربه. والسفينة كالدابة. وعبارة ابن الحاجب: وفي حمل الطعام يضمن مطلقاً إلا ببينة أو يصحبه ربه.
(أو) لم (يغر بفعل) بأن لم يغر أصلاً أو غر بقوله، فلا ضمان عليه
ــ
تنبيه: قال ابن عبد السلام: ومما يرجع فيه إلى العرف في هذا الباب في المكان كما رجع إليه هنا في الزمان ما قاله بعض الشيوخ: من اكترى على متاع دواب إلى موضع، وفي الطريق نهر لا يجاز إلا على المركب، وقد عرف ذلك كالنيل وشبهه فجواز المتاع على ربه والدواب على ربها، وإن كان يخاض في المخاض فاعترضه حملان بكسر الحاء، أي: سيل كثير لم يعلموا به فحمل المتاع على صاحب الدابة وتلك جائحة نزلت به، وكذلك إذا كان النهر شتويا يحمل بالأمطار إلا أن يكون وقت الكراء قد علموا جريه وعلى ذلك دخلوا فيكون كالنهر الدائم (اهـ).
قوله: [وجب البيان]: أي فإن لم يبين كانت فاسدة.
قوله: [وجعل بعضهم الضمير]: أي في كلام خليل.
قوله: [عائد]: هكذا نسخة المؤلف والمناسب عائداً بالنصب مفعول ثان لجعل.
قوله: [فلا ضمان عليه]: محل كونه أميناً في غير الطعام والإدام كما يأتي.
قوله: [وقيل يحلف ما فرط]: الضمير عائد على غير المتهم أي فيقتصر في يمينه على قوله: ما فرطت، ولا يحلف على الضياع والفرق أن غير المتهم إذا وقع منه ضياع إنما يكون من تفريطه غالباً فيكفي حلفه ما فرطت، وهناك قول ثالث: إنه كالمتهم يحلف لقد ضاع وما فرطت.
قوله: [لكن هذا الكلام يوهم صحة عقد الإجارة]: أي فكان المناسب للمصنف أن يعبر بعبارة أخرى كأن يقول: وفسدت بشرطه والعذر له في أنه تابع لخليل.
قوله: [فانقضاؤه في أثنائه] إلخ: صوابه فإسقاطه إلخ، كما هو عبارة أصوله.
قوله: [بفتح المثلثة]: أي مبنياً للفاعل.
قوله: [عطف على المقدر]: أي الذي قدره بعد قوله: فلا ضمان عليه.
قوله: [أو عثر أجير حمل]: أي حمل على نفسه كالعتالين.
قوله: [وإن كان الكراء]: أي الشخص المكتري على الحمل.
قوله: [فهو ضامن في الطعام والإدام]: أي لحمله على عدم الأمانة فيهما.
قوله [وأما البرز]: هكذا نسخة المؤلف براء وزاي بعد الباء وفي (بن) بزاي بعد الباء فقط فيكون عطف العروض عليها من عطف العام على الخاص.
قوله: [إلا أن يأتي بما يدل على كذبه]: أي كما إذا قال ضاع مني في اليوم الفلاني، وقالت البينة رأيناه معه بعد.
قوله: [غير الطعام]: أي ومنه الإدام.
قوله: [فكان الأنسب] إلخ: أي وكانت هذه المقالة تغنيه عن قوله أو عثر بدهن أو غيره؛ لأن ذكره للدهن يوهم أنه محمول فيه على الأمانة وليس كذلك.
قوله: [الأكرياء]: مفعول أول للزوم وكالطعام والإدام مفعول ثان له والكاف زائدة وإضافة لزوم للضمان بيانية، والمعنى أن الشرع ضمن الأكرياء الطعام والإدام. فإن قلت ما الفرق بين الطعام والإدام وغيرهما حيث حمل في الطعام والإدام على غير الأمانة وحمل عليها في غيرهما. قلت: الفرق تعبدي.
قوله: [والسفينة كالدابة]: أي في التفصيل بين حمل
стр. 807
إذ لا أثر للغرور القولي، كأن يأتي بشقة لخياط ويقول له: إن كانت تكفي ثوباً ففصلها، فقال: تكفي. ففصلها فلم تكف، فلا ضمان على الخياط وإن علم عدم كفايتها، إلا أن يشترط عليه بأن قال له: إن علمت أنها تكفي ثوباً ففصلها وإلا فلا. فقال: تكفي، مع علمه بأنها لا تكفي فيضمن. ومن الغرر القولي قول الصيرفي في دنانير أو دراهم إنها جيدة - مع علمه بأنها رديئة - فلا ضمان عليه ولو بأجرة. وقيل: يضمن مطلقاً، وقيل: إن كان بأجرة واستظهر. فإن غر بفعل كربطه بحبل رث أو مشيه بمكان زلق ضمن.
(كحارس) تشبيه في عدم الضمان: أي أن حارس الدار أو البستان أو الزرع أو حارس طعام أو عرض لا ضمان عليه لأنه أمين.
(ولو حمامياً) إلا أن يتعدى أو يفرط. ومن التفريط ما لو قال: رأيت رجلاً يلبس الثياب فظننت أنه صاحبها، فعلم أنه لا ضمان على الخفراء في الحارات والأسواق. ولا عبرة بما كتب أو شرط عليهم من الضمان ما لم يفرطوا. وكذا البوابون في الخانات وغيرها.
(وأجير لصانع) لا ضمان عليه لأنه أمين للصانع، كأن [١] يعمل بحضرة صانعه أم لا.
(وسمسار) يطوف بالسلع في الأسواق ليبيعها (خير) بفتح الخاء وكسر الياء مشددة: أي ذي خير وأمانة، لا ضمان عليه إذا ادعى ضياع شيء مما بيده بغير تعديه وبلا تفريط منه. وغير ما [٢] ظهر خيره يضمن. كذا أفتى به ابن رشد، وقيل: لا ضمان عليه مطلقاً. قال: عياض: وهو المعروف من قول مالك وأصحابه، قال: لأنهم وكلاء وليسوا بصناع.
(ونوتي غرقت سفينته بفعل سائغ) لا ضمان عليه في نفس ولا مال (وإلا) إن غرقت بفعل لا يسوغ في سيرها أو حملها (ضمن) وإن تعمد الفعل فالقصاص.
(كراع خالف مرعى شرط) عليه فهلكت أو ضاعت الماشية، فيضمن (أو أنزى) الراعي: أي أطلق الفحل على الإناث (بلا إذن) من ربها فعطبت أو ماتت تحت الفحل أو عند الولادة فيضمن، إلا لعرف بأن الرعاة تنزي ولا تستأذن فلا ضمان.
(أو غر بفعل) فإنه يضمن كالغرور القولي إن انضم له شرط كما تقدم.
وإذا ضمن: (فالقيمة) يضمنها (يوم التلف) لا يوم التعدي ولا يوم الحكم. وهذا راجع لراع وما بعده.
ــ
الطعام وغيره ومثلهما حمله بنفسه.
قوله: [إذ لا أثر للغرور القولي]: أي: ما لم ينضم به عقد أو شرط فمثال العقد كما إذا قال له: اشتر مني السلعة الفلانية فإنها سالمة من العيوب فظهر الأمر بخلافه والشرط سيأتي في الشارح.
قوله: [مع علمه بأنها لا تكفي]: أي ولا يعلم هذا الأمر إلا منه.
قوله: [واستظهر]: قال في الحاشية أقول ومن المصالح العامة القول بالضمان حيث أخذ أجراً كما سيأتي عن الأجهوري في الخفراء ثم بعد ذلك وجدت عن شيخنا عبد الله ما نصه فيه نظر، بل الصواب الضمان إذا انضم لغروره عقد كما إذا عقد معه بجديد مثلاً وقلبه ووزنه وقال له طيب وأزن وهو على خلاف ذلك؛ لأن الغرور القولي إذا انضم له عقد صار من الفعلي فالضمان. اهـ.
قوله: [ولو حمامياً]: أي ما لم يجعل رب الثياب ثيابه رهناً عنده في الأجرة وإلا ضمن وما لم يجعل حارساً لاتقاء شره كما إذا كان مشهوراً بالحرام وجعل حارساً لتتقي سرقته وإلا فيضمن كما إذا ظهر كذبه.
قوله: [ومن التفريط] إلخ: ومنه أيضاً ما لو نام في وقت لا ينام فيه الحارس، واعلم أن ما قاله شارحنا هو أصل المذهب من عدم تضمين الخفراء والحراس والرعاة، واستحسن بعض المتأخرين كالأجهوري تضمينهم من غير ثبوت تفريط منهم نظراً لكونه من المصالح العامة وارتكاباً لأخف الضررين.
قوله: [وأجير لصانع]: أي وأما الصانع نفسه فسيأتي ضمانه بالشروط.
قوله: [كان يعمل بحضرة صانعه أم لا]: أي على ما قال التتائي وقال أشهب: في الغسال تكثر عنده الثياب فيؤاجر آخر يبعثه للبحر بشيء منها يغسله فيدعي تلفه إنه ضامن. اهـ، وكلام التوضيح يفيد أن كلام أشهب تقييد للمشهور ولا مقابل له خلافاً للتتائي.
قوله: [لا ضمان عليه]: أي لا في الثوب مثلاً ولا في ثمنه إذا ضاع بعد البيع، ولا فيما يحصل فيها من تمزيق أو خرق بسبب نشر أو طي إذا لم يخرج عما أذن له فيه كما إذا ادعى أنه باع سلعة لرجل وأنكر ذلك الرجل الشراء ولم يكن له بينة عليه فيضمن لتفريطه بترك الإشهاد، وقيد بعضهم عدم ضمان من ظهر خيره بما إذا لم ينصب نفسه للسمسرة وإلا ضمن كالصانع، وقد اعتبر ابن عرفة هذا القيد كما في (بن).
قوله: [بفعل سائغ]: أي كتحويل الراجع ونشر القلع ومشي في ريح أو موج إذا كان ذلك معتاداً، وكذا وسقها الوسق المعتاد لأمثالها بحيث لا يقرب الماء من حافتها، وإذا كان لا ضمان عليه في الفعل السائغ فأولى إذا غرقت بغير فعل كهيجان البحر واختلاف الريح مع عجزه عن صرفها.
قوله: [وهذا راجع لراع وما بعده]: أي خلافاً لما في الخرشي من أن الراعي يضمن يوم التعدي تبع في ذلك الأجهوري، قال في الحاشية وبحث فيه بعض الشيوخ بأن الظاهر أن الضمان يوم التلف في الجميع ويوافقه بهرام، ثم إن الذي غر بالفعل له من الكراء بحسابه طعاماً أو غيره وهل لربه أن يلزمه
стр. 808
(أو صانع) يضمن (في مصنوعه) فقط، كثوب يخيطه أو حلي يصوغه أو خشبة ينشرها أو حب يطحنه. (لا) في (غيره) فلا ضمان فيه. كما لو جعل الشيء المصنوع في ظرف فادعى الصانع ضياعها، فإنه يضمن ما له فيه الصنعة لا الظرف (و) لو كان الغير (محتاجاً له) في العمل، فلا يضمنه كقفة الطحين والكتاب الذي ينسخ منه، هذا قول سحنون.
وقال ابن حبيب: يضمن الصانع ما لا يستغنى عنه سواء احتاج له الصانع أو المصنوع.
وقال ابن المواز: يضمن الصانع ما يحتاج إليه في علمه كالكتاب الذي ينسخ منه دون ما يحتاج إليه المصنوع كظرف القمح والعجين ويضمن الصانع مصنوعه (وإن) كان يصنعه (ببيته): أي في بيته (أو) كان يصنعه (بلا أجر) فأولى بأجر في حانوته وسواء تلف بصنعته أو بغيرها، إلا أن يكون في صنعته تغرير كثقب اللؤلؤ، ونقش الفصوص، وتقويم السيوف.
وكذا الختان وقلع الضرس والطب فلا ضمان إلا بالتفريط.
وإنما يضمن الصانع مصنوعه بشرطين أشار لهما بقوله: (إن نصب نفسه) للصنعة للناس، احترازاً عن الأجير لشخص خاص أو جماعة مخصوصين فلا ضمان عليه.
(وغاب) الصانع (عليه): أي على الشيء المصنوع احترازاً مما إذا صنعه بحضور ربه ولو في غير بيته أو بيت ربه -وإن لم يكن حاضراً- فلا ضمان عليه. وبقي ثلاثة شروط أيضاً:
وهو أن يكون المصنوع مما يغاب عليه، احترازاً من عبد يدفعه سيده لمعلم نصب نفسه فادعى هروبه فلا ضمان عليه.
وأن لا يكون في صنعته تغرير كما تقدم. وأن لا تكون له بينة بتلفه بلا تفريط.
وإذا ضمن: (فالقيمة) يضمنها (يوم دفعه) للصانع لا يوم التلف ولا يوم الحكم (إلا أن يرى) المصنوع عند الصانع (بعده): أي بعد يوم الدفع، فإن رئي بعده (فبآخر رؤية) وإذا كانت القيمة تعتبر يوم الدفع فلا أجرة للصانع. وكذا إذا اعتبرت بآخر رؤية ولم يكن مصنوعاً فإن كان مصنوعا ضمن قيمته مصنوعاً وعلى ربه الأجرة.
(ولو شرط) الصانع (نفيه): أي نفي الضمان عن نفسه فإنه يضمن ولا يفيده شرطه.
(وهو) شرط (مفسد) للعقد، ولأنه يناقض مقتضى العقد، (ففيه) إن وقع وعثر عليه بعد العمل (أجر المثل) قل أو كثر دون ما سمى (إلا أن تقوم له): أي للصانع (بينة) بضياعه أو تلفه بلا تفريط؛ فلا ضمان عليه وحينئذ (فتسقط الأجرة) عن ربه، لأنه لا يستحقها إلا بتسليمه لربه مصنوعاً. (أو يحضره) الصانع لربه مصنوعاً (على الصفة) المشترطة، فتركه عنده فادعى ضياعه فلا ضمان عليه؛ لأنه خرج حينئذ إلى حكم الإيداع. وهذا ما لم يتركه عنده رهناً في نظير الأجرة، وإلا كان حكمه حكم الرهن.
(وصدق) راع (إن ادعى ضياعاً) لبعض الماشية بلا تفريط (أو) ادعى (خوف موت) لبعضها (فنحر) أو ذبح، وخالفه ربه، وقال له: بل تعديت. (أو ادعى سرقة منحوره): أي قال: نحرتها لخوف موتها فسرقت، وخالفه ربها، وقال: بل أكلتها.
(وحلف) الراعي إن اتهم. ثم شرع في بيان ما يطرأ على الإجارة من فسخ وعدمه فقال:
ــ
حمل مثله بقية المسافة ويعطيه بقية الأجرة وهو الظاهر أو يفسخ العقد. اهـ.
قوله: [أو صانع] إلخ: معطوف على كراع.
قوله: [وإن كان يصنعه ببيته]: بالغ عليه دفعاً لما يتوهم من عدم ضمانه في هذه الحالة؛ لأنه لما عمل في بيته صار كأنه لم ينصب نفسه للعمل للناس.
قوله: [تغرير]: أي تعريض للإتلاف وهذا استثناء من قوله: وضمن صانع في مصنوعه، وكان الأولى للشارح أن يؤخر هذا الاستثناء بعد قوله: إلا أن تقوم له بينة فتسقط الأجرة أو يحضره على الصفة لأجل أن تكون الحالات التي لا يضمن فيها مجتمعة بعضها مع بعض.
قوله: [كثقب اللؤلؤ]: أي: وكذا خبز العيش في الفرن.
قوله: [إلا بالتفريط]: هذا إذا كان الخاتن والطبيب من أهل المعرفة ولم يخطئ في فعله، فإن أخطأ فالدية على عاقلته، فإن لم يكن من أهل المعرفة عوقب وفي كون الدية على عاقلته أو في ماله قولان: الأول لابن القاسم، والثاني لمالك وهو الراجح؛ لأن فعله عمد والعاقلة لا تحمل عمداً.
قوله: [فلا ضمان عليه]: محل عدم الضمان إذا ادعى التلف بالفعل المستأجر عليه وأتى بها تالفة، أما لو ادعى ضياعها أو تلفها ولم يأت بها فالضمان.
قوله: [إلا أن تقوم له] إلخ: فيه إشارة إلى أن ضمان الصناع ضمان تهمة ينتفي بإقامة البينة.
قوله: [لأنه لا يستحقها إلا بتسليمه]: أي وهو منتف فانتفت الأجرة.
قوله: [لأنه خرج حينئذ إلى حكم الإيداع]: أي ولا تسقط الأجرة لأنها بالتسليم وقد حصل.
قوله: [وإلا كان حكمه حكم الرهن]: أي يضمنه ضمان الرهان ولا تسقط الأجرة سواء ضمنه بالفعل أم لا.
قوله: [فنحر أو ذبح]: مقتضى تصديقه أنه إن خاف موتها وترك زكاتها حتى ماتت ضمنها بالأولى مما تقدم في باب الزكاة في قول خليل وضمن مار أمكنته ذكاته وترك.
قوله: [أو ادعى سرقة منحوره]: أي وأما لو قال: ذبحتها خوف الموت وأكلتها لم يصدق إذا كان محل الرعي قريباً وإلا صدق وينبغي أن محل عدم تصديقه ما لم يجعل له ربها أكلها وإلا صدق.
стр. 809
(وفسخت) الإجارة (بتعذر ما يستوفى منه) المنفعة: كدار وحانوت وحمام وسفينة ونحوها - وإن لم تعين حال العقد - ودابة عينت. والتعذر أعم من التلف؛ فيشمل الضياع والمرض والغصب وغلق الحوانيت قهراً وغير ذلك مما يأتي. وإذا فسخت رجع للمحاسبة باعتبار ما حصل من المنفعة وما لم يحصل وباعتبار المسافة طولاً وقصراً وسهولة وصعوبة.
(لا) تنفسخ بتعذر ما يستوفى (به): كالساكن والراكب وما حمل. وظاهره تعذر بسماوي؛ كموت لراكب أو ساكن أو بغيره بتفريط من الحامل؛ بأن فرط فتلف ما حمله من طعام أو غيره أم لا، وتقدم أنه إن فرط ضمن. وإذا لم تنفسخ قيل للساكن والراكب ورب الأحمال أو لوارثه: عليك جميع الأجرة وائت بمثل الأول لتمام المسافة أو المدة، وهو المشهور عند ابن رشد في المقدمات. والذي له في البيان: أن المشهور قول ابن القاسم في المدونة؛ وهو الفرق بين التلف بسماوي فلا تنقض الإجارة، ويأتيه المستأجر بمثله وعليه جميع الكراء، وبين تلفه من جهة الحامل فتنتقض ولا كراء له، وقيل: له من الكراء بقدر ما سار. وظاهره فرط أم لا، فانظره. وظاهر أن قول ابن القاسم في المدونة مقدم على غيره، فلو مشى عليه فقال: لأنه إن كان بسماوي.
وبالغ على قوله: "وفسخت" إلخ بقوله:
(ولو) كان التعذر (بغصب) لما يستوفى منه - داراً كانت أو غيرها - (أو غصب منفعة) لما يستوفى منه ولو لم يغصب الذات إذا كان الغاصب لا تناله الأحكام (أو أمر ظالم) لا تناله الأحكام (بإغلاق الحوانيت) المكتراة بحيث لا يتمكن مستأجرها من الانتفاع بها، ويلزم الظالم أجرتها لربها إذا قصد غصب المنفعة فقط.
ــ
تنبيه: مثل الراعي الملتقط فيصدق إن ادعى خوف موت فنحر، وأما المستأجر والمستعير والمرتهن والمودع والشريك فلا يصدق واحد منهم في دعوى التذكية لخوف الموت إلا بلطخ أو بينة، وإن كانوا يصدقون في التلف أو الضياع، ولعل الفرق بين هؤلاء والراعي مع كون الجميع أمناء تعذر الإشهاد من الراعي غالباً بخلاف هؤلاء فإنه لا مشقة عليهم في الإشهاد غالباً وأحرى من هؤلاء في الضمان من مر على دابة شخص فذكاها وادعى أنه فعل ذلك خوف موتها أو سلخ دابة غيره وادعى أنه وجدها ميتة فلا يصدق إلا ببينة أو لطخ.
قوله: [وفسخت الإجارة] إلخ: أشار بهذا إلى قول أهل المذهب أن كل عين يستوفي منها المنفعة فبهلاكها تنفسخ الإجارة كموت الدابة المعينة، وكانهدام الدار، وكل عين يستوفي بها المنفعة فبهلاكها لا تنفسخ الإجارة على الأصح كموت الشخص المستأجر للعين المعينة، ويقوم وارثه مقام مورثه إلا في أربع مسائل: صبيان وفرسان صبيا التعليم والرضاعة، وفرسا النزو والرياضة فحيث مات صبي التعليم أو الرضاعة انفسخت الإجارة ورجعا للمحاسبة، وكذلك فرس النزو إذا استؤجر الفحل على أربع مرات فحملت من مرتين أو ماتت قبل التمام انفسخت ورجعا للمحاسبة، وكذلك إذا استؤجر لفرس يروضها ويعلمها كيفية الجري فماتت فتنفسخ ويرجعان للمحاسبة.
قوله: [وإن لم تعين حال العقد]: أي فالتفصيل بين المعينة وغيرها إنما هو في الدابة، وأما الدار والحانوت والحمام والسفينة ونحو ذلك مما ليس بدابة فلا يشترط التعيين فيه ابتداء، بل متى تعذر شيء مما يستوفى منه انفسخت قالوا: لأن العقد عليها لا يكون إلا في معين، ولكن هذا لا يظهر في السفينة بل هي بالدابة أشبه، وكلام الشارح يقتضي تسويتها بالعقارات.
قوله: [أعم من التلف]: أي الذي عبر به خليل.
قوله: [رجع للمحاسبة] إلخ: أي فما حصل من المنفعة يلزمه أجرته بحسابه وما لم يحصل لا شيء عليه فيه، ولا فرق في هذا بين الدابة وغيرها.
وقوله: [وباعتبار المسافة]: خاص بتعذر السفينة والدابة المعينة، أي: فيرجعان فيهما إلى المحاسبة أيضاً وينظران لقيمة المسافة الماضية والباقية صعوبة وسهولة إلى غير ذلك.
قوله: [وما حمل]: أي المحمول غير الراكب.
قوله: [وتقدم أنه إن فرط ضمن]: أي ولا تنفسخ الإجارة على كل حال.
قوله: [أو لوارثه]: أي إذا مات الراكب أو رب الأحمال.
قوله: [فانظره]: قال (بن) نقلاً عن ابن رشد في المقدمات: إن في هلاك المستأجر عليه أربعة أقوال: أحدها وهو المشهور أن الإجارة لا تنتقض وإليه ذهب ابن المواز. والثاني تنتقض بتلفه، وهو قول أصبغ وروايته عن ابن القاسم ويكون له من كرائه بقدر ما سار من الطريق، والثالث الفرق بين تلفه من قبل الحامل فتنتقض وله من الكراء بقدر ما سار وبين تلفه بسماوي فلا تنتقض ويأتيه المستأجر بمثله وهو قول مالك في أول رسم من سماع أصبغ. والرابع إن كان تلفه من قبل الحامل انفسخت ولا كراء له، وإن كان من السماء أتاه المستأجر بمثله ولم ينفسخ الكراء، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة وروايته عن مالك. اهـ.
قوله: [ويلزم الظالم أجرتها] إلخ: أي كما تقدم في الغصب، ثم اعلم أن محل فسخ الإجارة بغصب العين المستأجرة إذا شاء المستأجر وإن شاء بقي على إجارته فإن فسخها كان لمالك الذات المغصوبة الأجرة على الغاصب وإن أبقاها من غير فسخ صار ذلك المستأجر الغاصب بمنزلة المالك فتكون الأجرة له فمعنى الفسخ في هذه المسائل أنها معرضة للفسخ لا أنها
стр. 810
(أو حمل ظئر): أي مرضع، لتعذر الرضاع عادة إذا حملت؛ لأن لبن الحامل يضر الرضيع.
(أو) حدوث (مرض) لها (لا تقدر معه على رضاع) فتنفسخ الإجارة في جميع ما تقدم. والمراد أن لهم الفسخ، لا الفسخ بالفعل، فالحق في هذه المسائل حق للمستأجر فله البقاء على الإجارة.
(ومرض عبد أو دابة) لا قدرة لهما على فعل ما استؤجرا عليه (أو هربه): أي العبد (لكالعدو) من كل مكان بعد وتعذر رجوعه منه (إلا أن يرجع) العبد من هربه (أو يصح) من مرضه (في المدة): أي مدة الإجارة (قبل الفسخ): أي قبل أن يتفاسخا، فيلزمه بقية العمل ولا تنفسخ. وقوله: "أو يصح" يرجع للظئر أو الدابة إذا مرضا. وإذا رجع أو صح من ذكر قبل انقضاء المدة ولزمهم بقية العمل سقط من الأجرة عن المستأجر ما يقابل أيام الهرب أو المرض.
وقوله: "قبل الفسخ" مفهومه أنه لو حصل الفسخ بينهما قبل الرجوع أو الصحة لم يلزم من ذكر عمل فيما بقي وهو كذلك. وجاز أن يرجع الاستثناء لجميع ما تقدم كأنه قال: إلا أن يرجع الشيء المستأجر عن حالته من غصب أو غيره إلى حالته التي كان عليها قبل المانع فلا تنفسخ إذا لم يقع بينهما قبل ذلك تفاسخ، لأن الحق في هذه المسائل للمستأجر كما تقدم.
(وخير) المستأجر في الفسخ وعدمه (إن تبين) له (أنه): أي الأجير من عبد أو غيره (سارق): أي شأنه السرقة، لأنها عيب يوجب الخيار في الإجارة والبيع.
(أو رشد) فعل ماض معطوف على "تبين" و (صغير): فاعله، ويلزم من الرشد البلوغ: أي وخير إن رشد صغير (عقد عليه أو على سلعة وليه): من أب أو وصي أو حاكم أو مقدم له، أي: أجره وهو صغير ثم بلغ رشيداً قبل انقضاء المدة، فإنه يخير بين الإبقاء لتمام المدة والفسخ.
(إلا لظن عدم بلوغه) قبل تمام المدة وقت العقد فبلغ (و) قد (بقي اليسير) منها - (كالشهر - فيلزم في العقد عليه) بقاء المدة بهذين القيدين، ولا خيار له، فالخيار فيما إذا ظن وليه بلوغه فيها أو لا ظن عنده مطلقاً أو ظن عدمه، وبقي في العقد عليه الكثير، قال فيها: ومن آجر يتيماً في حجره ثلاث سنين فاحتلم بعد سنة ولم يظن ذلك به فلا يلزمه باقي المدة، إلا أن يبقى كالشهر ويسير الأيام انتهى. وشبه في اللزوم قوله:
(كالعقد): أي عقد ولي الصغير (على سلعه): أي الصغير - كدابته وداره وغيرهما - فيلزم فيما إذا ظن عدم بلوغه مطلقاً (ولو بقي) من المدة (سنين) بعد رشده (على الأرجح). ومقابله قول أشهب: أن العقد على سلعه كالعقد عليه لا يلزمه إلا إذا ظن الولي عدم بلوغه وبقي كالشهر.
وحاصل المسألة: أن الصغير إذا عقد وليه عليه أو على سلعه فبلغ رشيداً في أثناء المدة فله الخيار إذا ظن الولي بلوغه أو شك فيه مطلقاً، بقي القليل أو الكثير، فإن ظن عدم بلوغه أثناء المدة فبلغ رشيداً لزمه في العقد على نفسه إن بقي اليسير دون الكثير ولزمه في العقد على سلعه الكثير واليسير وقد تقدم.
(كسلع السفيه مطلقاً): أي كعقد ولي سفيه على سلعه فإنه لازم له إذا رشد في أثناء مدة الإجارة، بقي منها الكثير أو اليسير، ظن وليه رشده
ــ
تنفسخ بالفعل وسيأتي ما يفيده الشارح.
قوله: [أو حمل ظئر]: أي سواء كان الحمل قبل عقد الإجارة وظهر بعده أو طرأ بعد العقد كما قال ابن ناجي.
قوله: [لا تقدر معه على رضاع] إلخ: مفهومه أنها لو قدرت معه على الرضاع لم تنفسخ إلا أن يضرَّ به ففي المفهوم تفصيل كما قال (عب).
قوله: [فالحق في هذه المسائل]: المناسب فالفسخ.
قوله: [قبل الفسخ]: أي بالفعل.
قوله: [سقط من الأجرة عن المستأجر ما يقابل أيام الهرب]: جواب إذا أي ولا يجوز أن يتفقا على قضاء مدة الهرب أو المرض بعد انقضاء مدة الإجارة ويدفع الأجر بتمامه إن كان المستأجر نقد الأجرة حين العقد، لما فيه من فسخ الدين في الدين أما إذا كان لم ينقدها فيجوز الاتفاق على ذلك لانتفاء علة الفسخ المذكورة.
قوله: [عن حالته]: أي التي يتعذر معها الاستيفاء وبينها بقوله: من غصب إلخ.
قوله: [لأنها عيب يوجب الخيار]: هذا حيث كان استئجاره لخدمة في داره أو حانوته مثلاً مما لا يمكن التحفظ فيه منه، وأما لو آجره داراً ليسكنها ونحو ذلك فلا تنفسخ الإجارة بتبين سرقته لإمكان التحفظ منه.
قوله: [معطوف على تبين]: أي فهو مسلط عليه قوله خير.
قوله: [ويلزم من الرشد البلوغ]: أي لأن الرشد أخص فكل رشيد بالغ ولا عكس.
قوله: [أي أجره وهو صغير]: أي كما إذا استأجره لخدمة مثلاً ثلاث سنين فبلغ رشيداً في تلك المدة فله الخيار كما قال الشارح فإن بلغ سفيهاً فلا خيار له.
قوله: [بهذين القيدين]: أي اللذين هما ظن عدم البلوغ وبقاء اليسير.
قوله: [مطلقاً]: أي بقي الكثير أو القليل كان العقد عليه أو على سلعه وهو راجع لهما هذه ثمان صور، وقوله: أو ظن عدمه وبقي في العقد عليه الكثير صورة تاسعة ومفهومها لو بقي اليسير لا خيار له وكذلك لو كان العقد على سلعه وظن عدمه لا خيار له بقي الكثير أو القليل فجملة الصور اثنتا عشرة الخيار في تسع واللزوم في ثلاث أفادها الشارح والمصنف.
قوله: [ولو بقي من المدة سنين]: مقتضاه رفع سنين بالواو على أنه فاعل بقي إلا أن يقال إنه مشى على طريقة من يعربها إعراب حين.
قوله: [وحاصل المسألة] إلخ: هذا الحاصل موضح للاثنتي عشرة صورة التي تقدم التنبيه عليها.
قوله: [بقي منها الكثير أو اليسير]: أي خلافاً لتقييد خليل