← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومنهم من يقول: إن بعض السور نزل مرتين، مرة بالمدينة ومرة بمكة، واللَّه أعلم. ومنهم من يستثني من المكي آيات يدعي أنها من المدني، كما في سورة الحج وغيرها. والحق في ذلك ما دل عليه الدليل الصحيح، فاللَّه أعلم. وقال أبو عبيد: حدثنا عبد اللَّه بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والحج، والنور، والأحزاب، والذين كفروا، والفتح، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والحواريون، والتغابن، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، و ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾، والفجر، ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ﴾ و ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وسَائر ذلك بمكة (١٤). وهذا إسناد صحيح عن ابن أبي طلحة مشهور، وهو أحد أصحاب ابن عباس الذين رووا عنه التفسير، وقد ذكر في المدني سورًا في كونها مدنية نظر، وفاته الحجرات والمعوذات. الحديث الثاني: وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي، عن أبي عثمان قال: أنبئت أن جبريل، ﵇، أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة، فجعل يتحدث، فقال النبي ﷺ : "من هذا؟ " أو كما قال، قالت: هذا دحية الكلبي، فلما قام قالت: واللَّه ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطة النبي ﷺ يُخبر خبَر جبريل. أو كما قال، قال أبي: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ فقال: من

стр. 107

أسامة بن زيد. وهكذا رواه أيضًا في علامات النبوة عن عباس بن الوليد النرسي، ومسلم في فضائل أم سلمة، عن عبد الأعلي بن حماد ومحمد بن عبد الأعلى كلهم عن معتمر بن سليمان به (١٥). والغرض من إيراد هذا الحديث هاهنا أن السفير بين اللَّه وبين محمد ﷺ جبريل ﵇ وهو ملك كريم ذو وجاهة وجلالة ومكانة كما قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (١٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (١٧) الآيات. فمدح الرب ﵎ عبديه ورسوليه جبريل ومحمدًا ﷺ وسنستقصي الكلام على تفسير هذا الكتاب في موضعه إذا وصلنا إليه إن شاء الله تعالى وبه الثقة. وفي الحديث فضيلة عطمة لأم سلمة، ﵂ -كما بينه مسلم ﵀ لرؤيتها لهذا الملك العظيم، وفضيلة أيضًا لدحية بن خليفة الكلبي، وذلك أن جبريل، ﵇، كان كثيرًا ما يأتي رسول اللَّه ﷺ على صورة دحية وكان جميل الصورة، ﵁، وكان من قبيلة أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، كلهم ينسبون إلى كلب بن وبرة وهم قبيلة من قضاعة، وقضاعة قيل: إنهم من عدنان، وقيل: من قحطان، وقيل: بطن مستقل بنفسه، واللَّه أعلم. الحديث الثالث: حدثنا عبد اللَّه بن يوسف، حدثنا الليث، حدثنا سعيد المقبري، عن أبييه، عن أبي هرهة، ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه اللَّه إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (١٨). ورواه أيضًا في كتاب "الاعتصام" عن عبد العزيز بن عبد اللَّه، ومسلم والنسائي عن قتيبة جميعًا، عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه -واسمه كيسان المقبري- به. وفي هذا الحديث فضيلة عظيمة للقرآن المجيد على كل معجزة أعطيها نبي من الأنبياء، وعلى

стр. 108

كل كتاب أنزله، وذلك أن معنى الحديث: ما من نبي إلا أعطي من المعجزات ما آمن عليه البشر، أي: ما كان دليلًا على تصديقه فيما جاءهم به واتبعه من اتبعه من البشر، ثم لما مات الأنبياء لم تبق لهم معجبزة بعدهم إلا ما يحكيه أتباعهم عما شاهدوه في زمانه، فأما الرسول الخاتم للرسالة محمد ﷺ فإنما كان معظم ما آتاه اللَّه وحيًا منه إليه منقولًا إلى الناس بالتواتر، ففي كل حين هو كما أنزل، فلهذا قال: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا"، وكذلك وقع، فإن أتباعه أكثر من أتباع الأنبياء لعمومِ رسالته ودوامها إلى قيام الساعة، واستمرار معجزته، ولهذا قال اللَّه ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾ (١٩) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢٠)، ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢١) ثم تحداهم إلى أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢٢)، وقصر التحدي على هذا المقام في السور المكية كما ذكرنا وفي المدنية أيضًا كما في سورة البقرة، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢٣) فَأخبرهم بأنهم عاجزون عن معارضته بمثله، وأنهم لا يفحلون ذلك في المستقبل أيضًا، وهذا وهُم أفصح الخلق وأعلمهم بالبلاغة والشعر وقريض الكلام وضروبه، لكن جاءهم من اللَّه ما لا قبل لاحد من البشر به من الكلام الفصيح البليغ الوجيز، المحتوي على العلوم الكثيرة الصحيحة النافعة، والأجبار الصادقة عن الغيوب الماضية والآتية، والأحكام العادلة والمحكمة، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (٢٤). وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق قال: ذكر محمد بن كعب القرظي، عن الحارث بن عبد اللَّه الأعور قال قلت: لآتين أمير المؤمنين، فلأسألنه عما سمعت العشية قال: فجئته بعد العشاء، فدخلت عليه، فذكر الحديث. قال: ثم قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أتاني جبريل فقال: يا محمد، أمتك مختلفة بعدك". قال: "فقلت له: فأين المَخْرَج يا جبريل؟ " قال: فقال: "كتاب اللَّه به يَقْصِم اللَّه كلَّ جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه هلك -مرتين- قول

стр. 109

فَصْل وليس بالهزل، لا تخلقه الأَلسن، ولا تفنى عجائبه، فيه نبأ ما كان قبلكم، وفصل ما بينكم، وخبر ما هو كائن بعدكم" هكذا رواه الإمام أحمد (٢٥). وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا حسين بن علي الجعفي، حدثنا حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت علَى عليٍّ فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: أو قد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة" فقلت: ما المَخْرج منها يا رسول اللَّه؟ قال: "كتاب اللَّه، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكْمُ ما بينكم، هو الفصل ليس بالهَزْلِ، من تركه من جبار قَصَمه اللَّه، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللَّه، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تَلْتَبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلَق عنِ كثرةِ الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذْ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (٢٦)، من قال به صَدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حكم به عَدَل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم". خذها إليك يا أعور. ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول وفي حديث الحارث مقال (٢٧). قلت: لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات، بل قد رواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، عن الحارث الأعور، فبرئ حمزة من عهدته، على أنه وإن كان ضعيف الحديث إلا أنه إمام في القراعة والحديث، مشهور من رواية الحارث الأعور وقد تكلموا فيه، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه تعمد الكذب في الحديث فلا، واللَّه أعلم، وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي، ﵁، وقد وهِمَ بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح على أنه قد روي له شاهد عن عبد اللَّه بن مسعود عن النبي ﷺ . قال الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "فضائل القرآن" (٢٨): حدثنا أبو اليقظان

стр. 110

عمار بن محمد الثوري أو غيره، عن أبي إسحاق الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن هذا القرآن مأدبة اللَّه تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل اللَّه، ، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عِصْمَة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يَخْلَقُ عن كثرة الرد، فاتلوه، فإن اللَّه يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول لكم الم حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر". وهذا غريب من هذا الوجه، وقد رواه محمد بن فضيل، عن أبي إسحاق الهجري، واسمه إبراهيم بن مسلم، وهو أحد التابعين، ولكن تكلموا فيه كثيرًا. وقال أبو حاتم الرازي: لين ليس بالقوي. وقال أبو الفتح الأزدي: رفَّاع كثير الوهم. قلت: فيحتمل -واللَّه أعلم- أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، إنما هو من كلام ابن مسعود، ولكن له شاهد من وجه آخر، والله أعلم. وقال أبو عبيد أيضًا: حدثنا حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد اللَّه بن مسعود قال: لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله (٢٩). الحديث الرابع: قال البخاري: حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك أن اللَّه تابع الوحي على رسوله ﷺ قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول الله ﷺ بعد. وهكذا رواه مسلم، عن عمرو بن محمد هذا -وهو الناقد- وحسن الحلواني وعبد بن حميد، والنسائي، عن إسحاق بن منصور الكوسج، أربعتهم عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد

стр. 111

الزهري، به (٣٠). ومعناه: أن اللَّه تعالى تابع نزول الوحي على رسوله ﷺ شيئًا بعد شيء كل وقت بما يحتاج إليه، ولم تقع فترة بعد الفترة الأولى التي كانت بعد نزول الملك أول مرة بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فإنه استلبث الوحي بعدها حينًا يقال: قريبًا بن سنتين أو أكثر، ثم حَمي الوحي وتتابع، وكان أول شيء نزل بعد تلك الفترة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (٣١). الحديث الخامس: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندبًا يقول: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا تركك، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٣٢). وقد رواه البخاري في غير موضع أيضًا، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق أخر (٣٣)، عن سفيان -وهو الثوري- وشعبة بن الحجاج كلاهما عن الأسود بن قيس العبدي، عن جندب بن عبد اللَّه البجلي، به. وسيأتي الكلام على هذا الحديث في تفسير سورة الضحى إن شاء الله تعالى. والمناسبة في ذكر هذا الحديث والذي قبله في فضائل القرآن: أن اللَّه تعالى له برسوله عناية عظيمة ومحبة شديدة، حيث جعل الوحي متتابعًا عليه ولم يقطعه عنه؛ ولهذا إنما أنزل عليه القرآن مفرقًا ليكون ذلك أبلغ في العناية والإكرام. قال البخاري، ﵀: نزل القرآن بلسان قريش والعرب، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري: أخبرني أنس بن مالك قال: فأمر عثمان بن عفان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية من عربية

стр. 112

القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن نزل بلسانهم، ففعلوا (٣٤). هذا الحديث قطعة من حديث سيأتي قريبًا والكلام عليه، ومقصود البخاري منه ظاهر، وهو أن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش خلاصة العرب؛ ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، حدثنا يزيد، حدثنا شيبان، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا يمليَّن في مصاحفنا هذه إلا غلمان قريش أو غلمان ثقيف. وهذا إسناد صحيح (٣٥). وقال أيضًا (٣٦): حدثنا إسماعيل بن أسد، حدثنا هوذة، حدثنا عوف، عن عبد الله بن فضالة، قال: لما أراد عمر أن يكتب الإمام أقعد له نفرًا من أصحابه وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مُضر، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر ﷺ ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٣٧)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٣٨)، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا لِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٣٩)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (٤٠) الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. ثم ذكر البخاري، ﵀، حديث يعلى بن أمية أنه كان يقول: ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه الوحي. فذكر الحديث الذي سأل عمن أحرم بعمرة وهو متضمخ (٤١) بطيب وعليه جبة، قال: فنظر رسول اللَّه ﷺ ساعة ثم فجأه الوحي، فأشار عمر إلى يعلى أي: تعال، فجاء يعلى، فأدخل رأسه فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة، ثم سري عنه، فقال: "أين الذي سألني عن العمرة آنفًا؟ " لم فذكر أمره بنزع الجبة وغسل الطيب. وهذا الحديث رواه جماعة من طرق عديدة (٤٢)، والكلام عليه في كتاب الحج، ولا تظهر

стр. 113

مناسبة ما بينه وبين هذه التَّرجمة، ولا يكاد، ولو ذكر في التَّرجمة التي قبلها لكان أظهر وأبين، والله أعلم.

стр. 114

جمع القرآن قال المؤلف، ﵀: فائدة جليلة حسنة، ثبت في الصحيحين عن أنس قال: جمع القرآن على عهد النبي ﷺ أوبعة، كلهم من الأنصار؛ أبيُّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأَبو زيد. فقيل له: من: أَبو زيد؟ قال: أحد عمومتي. وفي لفظ للبخاري عن أنس قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة؛ أَبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأَبو زيد، ونحن ورثناه. قلت: أَبو زيد هذا ليس بمشهور؛ لأنه مات قديمًا، وقد ذكروه في أهل بدر، وسمَّاه بعضهم: سعيد بن عبيد. ومعنى قول أنس: "ولم يجمع القرآن". يعني من الأنصار سوى هؤلاء، وإلَّا فمن المهاجرين جماعة كانوا يجمعون القرآن كالصديق، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم. قال الشيخ أَبو الحسن الأشعري، ﵀: قد علم بالاضطرار أن رسول الله ﷺ قدم أبا بكر في مرض الموت ليصلي بالناس، وقد ثبت في الخبر المتواتر أن رسول الله ﷺ قال: "ليؤم القوم أقرؤهم" (٤٣)، فلو لم يكن الصديق أقرأ القوم لما قدمه عليهم. نقله أَبو بكر بن زنجويه في كتاب "فضائل الصديق" عن الأشعري. وحكى القرطبي في أوائل تفسيره عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنَّه قال - بعد ذكره حديث أنس بن مالك هذا -: فقد ثبت بالطرق المتواترة أنَّه جمع القرآن عثمان، وعلي، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقول أنس: "لم يجمعه غير أربعة" يحتمل أنَّه لم يأخذه تلقيًا من في رسول الله ﷺ غير هؤلاء الأربعة، وأن بعضهم تلقى بعضه عن بعض. قال: وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي ﷺ لأجل سبقهم إلى الإسلام، وإعظام الرسول لهم (٤٤). قال القرطبي: لم يذكر القاضي ابن مسعود وسالمًا مولى أبي حذيفة، وهما ممن جمع القرآن (٤٥).

стр. 115

[نقلتُ هذه من على ظهر الجزء الأول من أجزاء المؤلف] قال البخاري: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا إبراهيم بن سعد، حدَّثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، أن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أَبو بكر - مقتل أهل اليمامة - فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أَبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتاني، فقال: إن القتل قد استَحَرَّ (٤٦) بقُرَّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتَّى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال: أَبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان عليَّ أثقل مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أَبو بكر يراجعني حتَّى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، ﵄، فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب (٤٧) واللِّخَاف (٤٨) وصدور الرجال، ووجدتِ آخر بسورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره (٤٩): ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، حتَّى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتَّى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر، ﵃ (٥٠). وقد روى البخاري هذا الحديث في غير موضع من كتابه، ورواه الإمام أحمد والتِّرمِذي والنَّسائي من طرق عن الزُّهْريّ، به (٥١). وهذا من أحسن وأجل وأعظم ما فعله الصديق، ﵁، فإنه أقامه الله بعد النبي ﷺ مقامًا لا ينبغي لأحد بعده، قاتل الأعداء من مانعي الزكاة، والمرتدين، والفرس والروم، ونفذ الجيوش، وبعث البعوث والسرايا، ورد الأمر إلى نصابه بعد الخوف من تفرقه وذهابه، وجمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتَّى تمكن القارئ من حفظه كله، وكان هذا

стр. 116

من سر قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] فجمع الصديق الخير وكف الشرور، ﵁ وأرضاه. ولهذا رُوي عن غير واحد من الأئمة منهم وَكِيع وابن مهدي وقبيصة، عن سفيان الثَّوري، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، عن عبد خير، عن علي بن أبي طالب، ﵁، أنَّه قال: أعظم الناس أجرًا في المصاحف أَبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين (٥٢). هذا إسناد صحيح. وقال أَبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف: حدَّثنا هارون بن إسحاق، حدَّثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، أن أبا بكر هو الذي جمع القرآن بعد النبي ﷺ ، يقول: ختمه (٥٣). صحيح أيضًا. وكان عمر بن الخطاب، ﵁، هو الذي تنبه لذلك لما استحر القتل بالقراء، أي اشتد القتل وكثر في قراء القرآن يوم اليمامة -يعني يوم اليمامة- يعني: يوم قتال مسيلمة الكذاب وأصحابه من بني حنيفة بأرض اليمامة في حديقة الموت، وذلك أن مسيلمة التف معه من المرتدين قريب من مائة ألف، فجهز الصديق لقتاله خالد بن الوليد في قريب من ثلاثة عشر ألفًا، فالتقوا معهم، فانكشف الجيش الإسلامي لكثرة من فيه من الأعراب، فنادى القراء من كبار الصحابة: يا خالد، يقولون: ميزنا من هؤلاء الأعراب فتميزوا منهم، وانفردوا، فكانوا قريبًا من ثلاثة آلاف، ثم صدقوا الحملة، وقاتلوا قتالًا شديدًا، وجعلوا يتنادون، يا أصحاب سورة البقرة، فلم يزل ذلك دأبهم حتَّى فتح الله عليهم ووَلَّى جيش الكفار فارًّا، وأتبعتهم السيوف المسلمة في أقفيتهم قتلًا وأسرًا، وقتل الله مسيلمة، وفرق شمل أصحابه، ثم رجعوا إلى الإسلام، ولكن قتل من القراء يومئذ قريب من خمسمائة، ﵃، فلهذا أشار عمر على الصدِّيق بأن يجمع القرآن؛ لئلا يذهب منه شيء بسبب موت من يكون يحفظه من الصحابة بعد ذلك في مواطن القتال، فإذا كتب وحفظ صار ذلك محفوظًا فلا فرق بين حياة من بلغه أو موته، فراجعه الصديق قليلًا ليستثبت الأمر، ثم وافقه، وكذلك راجعهما زيد بن ثابت في ذلك ثم صار إلى ما رأياه، ﵃ أجمعين، وهذا المقام من أعظم فضائل زيد بن ثابت الأنصاري؛ ولهذا قال أَبو بكر بن أبي داود: حدَّثنا عبد الله بن محمد بن خَلَّاد، حدَّثنا يزيد، حدَّثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن؛ أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: إنا لله، فأمر بالقرآن فجمع فكان أول من جمعه في المصحف (٥٤).

стр. 117

هذا منقطع، فإن الحسن لم يدرك عمر، ومعناه: أنَّه أشار بجمعه فجمع؛ ولهذا كان مهيمنًا على حفظه وجمعه كما رواه ابن أبي داود حيث قال: حدثنها أَبو الطاهر، حدَّثنا ابن وَهْب، حدثنا عمر بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عمر لما جمع القرآن كان لا يقبل من أحد شيئًا حتَّى يشد شاهدان (٥٥). وذلك عن أمر الصدق له في ذلك، كَما قال أَبو بكر بن أبي داود: حدثنا أَبو الطاهر، حدثنا ابن وَهْب، أخبرني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما استحر القتل، بالقراء يومئذ فرق (٥٦) أَبو بكر، ﵁، أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه (٥٧). منقطع حسن. ولهذا قال زيد بن ثابت: وجدت سورة التوبة، يعني قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر الآيتين (٥٨) مع أبي خزيمة الأنصاري، وفي رواية: مع خزيمة بن ثابت - الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين - لم أجدها مع غيره، فكتبوها عنه لأنه جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين في قصة الفرس التي ابتاعها رسول الله ﷺ من الأعرابي، فأنكر الأعرابي البيع، فشهد خزيمة هذا بتصديق رسول الله ﷺ ، فأمضى شهادته وقبض الفرس من الأعرابي. والحديث رواه أهل السنن (٥٩) وهو مشهور. وري أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية أن أبي بن كعب أملاها عليهم مع خزيمة بن ثابت (٦٠).

стр. 118

وقد روى ابن وَهْب عن عمرو بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب؛ أن عثمان شهد بذلك أيضًا (٦١). وأما قول زيد بن ثابت: "فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب واللِّخاف وصدور الرجال" وفي رواية: "من العُسب والرِّقَاع والأضلاع"، وفي رواية: "من الأكتاف والأقتاب وصدور الرجال". أما العُسُب فجمع عسيب. قال أَبو نصر إسماعيل بن حمَّاد الجوهري: وهو من السعف فويق الكَرَب لم ينبت عليه الخوص، وما نبت عليه الخوص فهو السعف. واللِّخاف: جمع لَخْفَة وهي القطعة من الحجارة مستدقة، كانوا يكتبون عليها وعلى العسب وغير ذلك، مما يمكنهم الكتابة عليه بما يناسب ما يسمعونه من القرآن من رسول الله ﷺ . ومنهم من لم يكن يحسن الكتابة أو يثق بحفظه، فكان يحفظه، فتلقاه زيد بن ثابت من هذا من عسيبه، ومن هذا من لخافه، ومن صدر هذا، أي من حفظه وكانوا أحرص شيء على أداء الأمانات وهذا من أعظم الأمانة؛ لأن رسول الله ﷺ أودعهم ذلك ليبلغوه إلي من بعده كما قال الله تعالى: ﴿﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ففعل، صلوات الله وسلامه عليه، ما أمر به؛ ولهذا سألهم في حجة الوداع يوم عرفة علي رءوس الأشهاد والصحابة أوفر ما كانوا مجتمعين، فقال: "إنكم مسئولون عني فما أنتم قائلون؟ ". فقالوا: نشهد أنك قد بلغت وأدَّيت ونصحت، فجعل يشير بأصبعه إلى السماء، وينكبها عليهم ويقول: "اللَّهم اشهد، اللَّهم اشهد، اللَّهم اشهد). رواه مسلم عن جابر (٦٢).

стр. 119

وقد أمر أمته أن يبلغ الشاهد الغائب وقال: "بلِّغوا عني ولو آية" (٦٣) يعني: ولو لم يكن مع أحدكم سوى آية واحدة فليؤدها إلى من وراءه، فبلَّغوا عنه ما أمرهم به، فأدوا القرآن قرآنًا، والسنة سنة، لم يلبسوا هذا بهذا؛ ولهذا قال ﵊: "من كتب عني سوى القرآن فليمحه" (٦٤) أي: لئلا يختلط بالقرآن، وليس معناه: ألا يحفظوا السنة ويرووها، والله أعلم. فلهذا نعلم بالضرورة أنَّه لم يبق من القرآن مما أداه الرسول ﷺ إليهم إلَّا وقد بلغوه إلينا، ولله الحمد والمنة، فكان الذي فعله الشيخان أَبو بكر وعمر، ﵄، من أكبر المصالح الدينية وأعظمها، من حفظهما كتاب الله في الصحف، لئلا يذهب منه شيء بموت من تلقاه عن رسول الله ﷺ ، ثم كانت تلك الصحف عند الصديق أيام حياته، ثم أخذها عمر بعده فكانت عنده محروسة معظمة مكرمة، فلما مات كانت عند حفصة أم المؤمنين، لأنها كانت وصيته من أولاده على أوقافه وتركته وكانت عند أم المؤمنين ﵂، حتَّى أخذها منها أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. قال البخاري (٦٥)، ﵀: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا إبراهيم، حدَّثنا ابن شهاب، أن أَنس بن مالك، حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان ﵄ وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة. فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف نسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزُّبَير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانهم. ففعلوا، حتَّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف

стр. 120

إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال ابن شهاب الزُّهْريّ: فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت: سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، والتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ (٦٦)، فألحقناها في سورتها في المصحف. وهذا -أيضًا- من أكبر مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، فإن الشيخين سبقاه إلى حفظ القرآن أن يذهب منه شيء وهو جمع الناس على قراءة واحدة؛ لئلا يختلفوا في القرآن، ووافقه على ذلك جميع الصحابة، وإنَّما روى عن عبد الله بن مسعود شيء من التغضب بسبب أَنَّه لم يكن ممن كتب المصاحف وأمر آصحابه بغل مصاحفهم لما أمر عثمان بحرق ما عدا المصحف الإمام، ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق حتَّى قال علي بن أَبي طالب، ﵁: لو لم يفعل ذلك عثمان لفعلته أنا (٦٧). فاتفق الأئمة أَبو بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي عنهم، على أن ذلك من مصالح الدين، وهم الخلفاء الذين قال رسود الله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" (٦٨). وكان السبب في هذا حذيفة بن اليمان، ﵁ فإنه لما كان غازيا في فتح أرمينية وأذربيجان، وكان قد اجتمع هناك أهل الشام والعراق وجعل حذيفة يسمع منهم قراءات على حروف شتى، ورأى منهُم اختلافًا كثيرًا وافتراقًا، فلما رجع إلى عثمان أعلمه، وقال لعثمان: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصاري. وذلك أن اليهود والنصارى مختلفون فيما بأيديهم من الكتب، فاليهود بأيديهم نسخة من التوراة، والسامرة يخالفونهم في ألفاظ كثيرة ومعان أيضًا، وليس في توراة السامرة حرف الهمزة ولا حرف الياء، والنصارى -أيضًا- بأيديهم توراة يسمونها العتيقة وهي مُخَالفَةُ لنسختي اليهود والسامرة، وأما الأناجيل التي بأيدي النصارى فأربعة: إنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل

стр. 121

متى، وإنجيل يوحنا، وهي مختلفة -أيضًا- اختلافا كثيرًا، وهذه الأناجيل الأربعة كل منها لطيف الحجم منها ما هو قريب من أربع عشرة ورقة بخط متوسط، ومنها ما هو أكبر من ذلك إما بالنصف أو بالضعف، ومضمونها سيرة عيسى وأيامه وأحكامه وكلامه وفيه شيء قليل مما يدعون أنَّه كلام الله، وهي مع هذا مختلفة، كما قلنا، وكذلك التوراة مع ما فيها من التحريف والتبديل ثم هما منسوخان بعد ذلك بهذه الشريعة المحمدية المطهرة. فلما قال حذيفة لعثمان ذلك أفزعه وأرسل إلى حفصة أم المؤمنين أن ترسل إليه بالصحف التي على القراءة به وترك ما سواه، ففعلت حفصة وأمر عثمان هؤلاء الأربعة وهم زيد بن ثابت القرشي الأسدي، أحد فقهاء الصحابة ونجبائهم علمًا وعملًا وأصلًا وفضلًا، وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاصي بن أمية القرشي الأموي، وكان كريما جوادًا ممدحًا، وكان أشبه الناس لهجة برسول الله ﷺ ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المحزومي، فجلس هؤلاء النفر الأربعة يكتبون القرآن نسخًا، وإذا اختلفوا في وضع الكتابة على أي لغة رجعوا إلى عثمان، كما اختلفوا في التابوت أيكتبنه بالتاء أو الهاء، فقال زيد بن ثابت: إنما هو التابوه. وقال الثلاثة القرشيون: إنما هو التابوت فترافعوا إلى عثمان فقال: اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم (٦٩). وكأنَّ عثمان - والله أعلم - رتب السور في المصحف، وقدم السبع الطوال وثنى بالمئين؛ ولهذا روى ابن جرير وأَبو داود والتِّرمِذي والنَّسائي من حديث غير واحد من الأئمة الكبار، عن عوف الأعرابي، عن يزيد الفارسي، عن ابن عبَّاس (٧٠) قال: قلت العثمان بن عفان: ما

стр. 122

حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينها ولم تكتبوا بينها سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ووضعتموها في السبع الطوال؟ ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، فإذا أنزلت عليه الآية فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وحسبت أنها منها فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فوضعتها في السبع الطوال. ففهم من هذا الحديث أن ترتيب الآيات في السور أمر توقيفي متلقى عن الرسول ﷺ ، وأما ترتيب السور فمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁؛ ولهذا ليس لأحد أن يقرأ القرآن إلا مرتبًا آياته؛ فإن نكسه أخطأ خطأ كبيرًا. وأما ترتيب السور فمستحب اقتداء بعثمان، ﵁، والأولى إذا قرأ أن يقرأ متواليًا كما قرأ ﵊، في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين وتارة بسبح وهل أتاك حديث الغاشية، فإن فرق جاز، كما صح أن رسول الله ﷺ قرأ في العيد بقاف واقتربت الساعة، رواه مسلم (٧١) عن أبي واقد، وفي الصحيحين (٧٢) عن أبي هريرة، ﵁؛ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: ﴿الم﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. وإن قدم بعض السور على بعض جاز أيضًا، فقد روى حذيفة أن رسول الله ﷺ قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران. أخرجه مسلم (٧٣). وقرأ عمر في الفجر بسورة النحل ثم بيوسف (٧٤). ثم إن عثمان رد المصحف إلى حفصة، فلم يزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم يطلبها فلم تعطه حتى ماتت، فأخذها من عبد الله بن عمر فحرقها لئلا يكون فيها شيء يخالف المصاحف الأئمة التي نفذها عثمان إلى الآفاق، مصحفًا إلى أهل مكة، ومصحفًا إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وترك عند أهل المدينة

стр. 123

مصحفًا، رواه أبو بكر بن أبي داود، عن أبي حاتم السجستاني، سمعه يقوله (٧٥). وصحح القرطبي أنه إنما نفذ إلى الآفاق أربعة مصاحف. وهذا غريب. وأمر بما عدا ذلك من مصاحف الناس أن يحرق لئلا تختلف قراءات الناس في الآفاق، وقد وافقه الصحابة في عصره على ذلك ولم ينكره أحد منهم، وإنما نقم عليه ذلك أولئك الرهط الذين تمالئوا عليه وقتلوه، قاتلهم الله، وفي ذلك جملة ما أنكروا مما لا أصل له، وأما سادات المسلمين من الصحابة، ومن نشأ في عصرهم ذلك من التابعين، فكلهم وافقوه. قال أبو داود الطيالسي وابن مهدي وغُنْدَر عن شعبة، عن عَلْقَمة بن مَرْثَد، عن رجل، عن سُويَد بن غفلة، قال عليّ حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته (٧٦). وقال أبو بكر بن أبي داود (٧٧): حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد. وهذا إسناد صحيح. وقال أيضًا (٧٨): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، حدثنا يحيى بن كثير، حدثنا ثابت بن عمارة الحنفي، قال: سمعت غنيم بن قيس المازني قال: قرأت القرآن على الحرفين جميعًا، والله ما يسرني أن عثمان لم يكتب المصحف، وأنه ولد لكل مسلم كلما أصبح غلام، فأصبح له مثل ماله. قال: قلنا له: يا أبا العنبر، ولم؟ قال: لو لم يكتب عثمان المصحف لطفق الناس يقرءون الشعر. وحدثنا (٧٩) يعقوب بن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الله، حدثني عمران بن حدير، عن أبي مِجْلَز قال: لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرءون الشعر. وحدثنا (٨٠) أحمد بن سنان قال: سمعت ابن مهدي يقول: خصلتان لعثمان بن عفان ليستا لأبي بكر ولا لعمر: صبره نفسه حتى قتل مظلومًا، وجمعه الناس على المصحف.

стр. 124

وأما عبد الله بن مسعود فقد قال إسرائيل: عن أبي إسحاق، عن حميد بن مالك قال: لما أمر عثمان بالمصاحف -يعني بتحريقها- ساء ذلك عبد الله بن مسعود وقال: من استطاع منكم أن يغلَّ مصحفًا فليغلل، فإنه من غلَّ شيئًا جاء بما غل يوم القيامة. ثم قال عبد الله: لقد قرأت القرآن من في رسول الله ﷺ سبعين سورة وزيد صبي، أفأترك ما أخذت من فيِ رسول الله ﷺ (٨١). وقال أبو بكر (٨٢): حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن النعمان، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: خطبنا ابن مسعود على المنبر فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٨٣)، غلوا مصاحفكم، وكيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت القرآن من فيِّ رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب اللَّه مني، وما أنا بخيركم، ولو أعلم مكانًا تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته. قال أبو وائل: فلما نزل عن المنبر جلست في الحلق، فما أحد ينكر ما قال. أصل هذا مخرج في الصحيحين (٨٤) وعندهما: ولقد علم أصحاب محمد أني أعلمهم بكتاب الله. وقول أبي وائل: "فما أحد ينكر ما قال"، يعني: من فضله وعلمه وحفظه، والله أعلم. وأما أمره بغَلّ المصاحف وكتمانها، فقد أنكره عليه غير واحد. قال الأعمش (٨٥) عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء، فقال: كنا نعد عبد الله جبانًا (٨٦)، فما باله يواثب الأمراء.

стр. 125

وقال أبو بكر بن أبي داود (٨٧): باب رضا عبد اللَّه بن مسعود بجمع عثمان المصاحف بعد ذلك: حدثنا عبد اللَّه بن سعيد ومحمد بن عثمان العجلي قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثني الوليد بن قيس، عن عثمان بن حسان العامري، عن فُلفُلة الجعفي قال: فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف، فدخلنا عليه، فقال رجل من القوم: إنا لم نأتك زائرين، ولكنا جئنا حين راعنا هذا الخبر، فقال: إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبواب، على سبعة أحرف -أو حروف- وإن الكتاب قبلكم كان ينزل -أو نزل- من باب واحد على حرف واحد. وهذا الذي استدل به أبو بكر، ﵀، على رجوع ابن مسعود فيه نظر، من جهة أنه لا يظهر من هذا اللفظ رجوع عما كان يذهب إليه، والله أعلم. وقال أبو بكر أيضًا (٨٨): حدثنا عمي، حدثنا أبو رجاء، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: قام عثمان فخطب الناس فقال: يا أيها الناس! عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون: قراءة أبيّ وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك، وأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به، فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة ثم دخل عثمان فدعاهم رجلًا رجلًا فناشدهم: لسمعت رسول اللَّه ﷺ وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم، فلما فرغ من ذلك عثمان قال: من أكتبُ الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت. قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص. قال عثمان: فليمْل سعيد، وليكتب زيد. فكتب زيد مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: قد أحسن. إسناد صحيح. وقال أيضًا (٨٩): حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أبو بكر، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلًا من قريش والأنصار، فيهم أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها، قال: وكان عثمان يتعاهدهم، وكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه. قال محمد: فقلت لكثير -وكان فيهم فيمن يكتب-: هل تدرون لم كانوا

стр. 126

يؤخرونه؟ قال: لا. قال محمد: فظننت ظنًّا إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الأخيرة فيكتبونها على قوله. صحيح أيضًا. قلت: الربعة هي الكتب المجتمعة، وكانت عند حفصة، ﵂، فلما جمعها عثمان، ﵁، في المصحف، ردها إليها، ولم يحرقها في جملة ما حرقه مما سواها، لأنها هي بعينها الذي كتبه، وإنما رتبه، ثم إنه كان قد عاهدها على أن يردها إليها، فما زالت عندها حتى ماتت، ثم أخذها مروان بن الحكم فحرقها وتأول في ذلك ما تأول عثمان، كما رواه أبو بكر بن أبي داود (٩٠): حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله: أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها الصحف التي كتب منها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها. قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسلن إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر فأمر بها مروان فشققت، وقال مروان: إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب أو يقول: إنه قد كان شيء منها لم يكتب. إسناده صحيح. وأما ما رواه الزهري (٩١) عن خارجة، عن أبيه في شأن آية الأحزاب وإلحاقهم إياها في سورتها، فذكره لهذا بعد جمع عثمان فيه نظر، وإنما هذا كان حال جمع الصديق الصحف كما جاء مصرحًا به في غير هذه الرواية عن الزهري، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت، والدليل على ذلك أنه قال: "فألحقناها في سورتها من المصحف" وليست هذه الآية ملحقة في الحاشية في المصاحف العثمانية. فهذه الأفعال من أكبر القربات التي بادر إليها الأئمة الراشدون أبو بكر وعمر، ﵄، حفظًا على الناس القرآن، جمعاه لئلا يذهب منه شيء وعثمان، ﵁، جمع قراءات الناس على مصحف واحد ووضعه على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان من عمره، ﵊، فإنه عارضه به عامئذ مرتين؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ لفاطمة ابنته لما مرض: "وما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي". أخرجاه في الصحيحين (٩٢).

стр. 127

وقد روي أن عليًّا، ﵁، أراد أن يجمع القرآن بعد رسول الله ﷺ مرتبًا بحسب نزوله أولًا فأولا، كما رواه ابن أبي داود حيث قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن محمد بن سيرين قال: لما توفي النبي ﷺ أقسم عليٌّ ألا يهتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف ففعل، فأرسل إليه أبو بكر، ﵁، بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ فقال: لا والله إلا أني أقسمت ألا أرتدي برداء إلا لجمعة. فبايعه ثم رجع (٩٣). هكذا رواه وفيه انقطاع، ثم قال: لم يذكر المصحف أحد إلا أشعث، وهو لين الحديث، وإنما رووا: حتى أجمع القرآن، يعني أتم حفظه، فإنه يقال للذي يحفظ القرآن: قد جمع القرآن. قلت: وهذا الذي قاله أبو بكر أظهر، والله أعلم، فإن عليًّا لم ينقل عنه مصحف على ما قيل ولا غير ذلك، ولكن قد توجد مصاحف على الوضع العثماني، يقال: إنها بخط علي، ﵁، وفي ذلك نظر، فإنه في بعضها: كتبه علي بن أبي طالب، وهذا لحن من الكلام؛ وعلي ﵁ من أبعد الناس عن ذلك فإنه كما هو المشهور عنه هو أول من وضع علم النحو، فيما رواه عنه أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي، وأنه قسم الكلام إلى اسم وفعل وحرف، وذكر أشياء أخر تممها أبو الأسود بعده، ثم أخذه الناس عن أبي الأسود فوسعوه ووضحوه، وصار علمًا مستقلًا. وأما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كانت قديمًا بمدينة طبرية ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثمان عشرة وخمسمائة، وقد رأيته كتابًا عزيزًا جليلًا عظيمًا ضخمًا بخط حسن مبين قوي بحبر محكم في رق أظنه من جلود الإبل، والله أعلم، زاده الله تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا. فأما عثمان، ﵁، فما يعرف أنه كتب بخطه هذه المصاحف، وإنما كتبها زيد بن ثابت في أيامه، ربما وغيره، فنسبت إلى عثمان لأنها بأمره وإشارته، ثم قرئت على الصحابة بين يدي عثمان، ثم نفذت إلى الآفاق، ﵁، وقد قال أبو بكر بن أبي داود (٩٤):

стр. 128

حدثنا علي بن حرب الطائي، حدثنا قريش بن أنس، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى بني أسيد، قال: لما دخل المصريون على عثمان ضربوه بالسيف على يده فوقعت على: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٩٥)، فمد يده وقال: واللَّه إنها لأول يد خطت المفصل. وقال أيضًا: حدثنا أبو طاهر، حدثنا ابن وهب قال: سألت مالكًا عن مصحف عثمان، فقال لي: ذَهَب. يحتمل أنه سأله عن المصحف الذي كتبه بيده، ويحتمل أن يكون سأله عن المصحف الذي تركه في المدينة، والله أعلم. قلت: وقد كانت الكتابة في العرب قليلة جدًّا، وإنما أول ما تعلموا ذلك ما ذكره هشام بن محمد بن السائب الكلبي وغيره: أن بشر بن عبد الملك أخا أكيدر دومة تعلم الخط من الأنبار، ثم قدم مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية فعلمه حرب بن أمية وابنه سفيان، وتعلمه عمر بن الخطاب من حرب بن أمية، وتعلمه معاوية من عمه سفيان بن حرب، وقيل: إن أول من تعلمه من الأنبار قوم من طيئ من قرية هناك يقال لها: بقة، ثم هذبوه ونشروه في جزيرة العرب فتعلمه الناس. ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود (٩٦): حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، إن شاء الله، حدثنا سفيان، عن مجاهد، عن الشعبي قال: سألنا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الحيرة. وسألنا أهل الحيرة: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار. قلت: والذي كان يغلب على زمان السلف الكتابة المكتوفة ثم هذبها أبو علي بن مقلة الوزير، وصار له في ذلك منهج وأسلوب في الكتابة، ثم قربها علي بن هلال البغدادي المعروف بابن البواب وسلك الناس وراءه. وطريقته في ذلك واضحة جيدة. والغرض أن الكتابه لما كانت في ذلك الزمان لم تحكم جيدًا، وقع في كتابة المصاحف اختلاف في وضع الكلمات من حيث صناعة الكتابة لا من حيث المعنى، وصنف الناس في ذلك، واعتنى بذلك الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه فضائل القرآن، والحافظ أبو بكر بن أبي داود ﵀ فبوبا على ذلك، وذكرا قطعة صالحة هي من صناعة القرآن، ليست مقصدنا ها هنا؛ ولهذا نص الإمام مالك ﵀ على أنه لا توضع المصاحف إلا على وضع كتابة الإمام، ورخص في ذلك غيره، واختلفوا في الشكل والنقط فمن مرخص ومن مانع، فأما كتابة السور وآياتها والتعشير والأجزاء والأحزاب فكثير في مصاحف زماننا، والأولى اتباع السلف الصالح.

стр. 129

ثم قال البخاري (٩٧): ذكر كُتَّاب النبي ﷺ . وأورد فيه من حديث الزهري، عن ابن السباق، عن زيد بن ثابت، أن أبا بكر الصديق قال له: وكنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، وذكر نحو ما تقدم في جمعه للقرآن (٩٨)، وقد تقدم، وأورد حديث زيد بن ثابت في نزول: ﴿لَا يَسْتَوي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٩٩)، وسيأتي الكلام عليه في سورة النساء إن شاء الله تعالى. ولم يذكر البخاري أحدًا من الكتّاب في هذا الباب سوى زيد بن ثابت، وهذا عجب، وكأنه لم يقع له حديث يورده سوى هذا، والله أعلم. وموضع هذا في كتاب السيرة عند ذكر كتّابه ﵇. ثم قال البخاري ﵀: (١٠٠) أنزل القرآن على سبعة أحرف حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله؛ أن عبد الله بن عباس حدثه: أن رسول الله ﷺ قال: "أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف". وقد رواه -أيضًا- في بدء الخلق، ومسلم من حديث يونس، ومسلم -أيضًا- من حديث معمر، كلاهما عن الزهري بنحوه، ورواه ابن جرير من حديث الزهري به (١٠١)، ثم قال الزهري: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحدًا لا تختلف في حلال ولا في حرام. وهذا مبسوط في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام حيث قال (١٠٢):

стр. 130

حدثنا يزيد ويحيى بن سعيد كلاهما عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن أبيّ بن كعب قال: ما حاك في صدري شيء منذ أسلمت، إلا أنني قرأت آية وقرأها آخر غير قراءتي فقلت: أقرأنيها رسول الله، ﷺ ، فقال: أقرأنيها رسول اللَّه، ﷺ ، فأتينا رسول الله، ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أقرأتني آية كذا وكذا؟ قال: "نعم"، وقال الآخر: أليس تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: "نعم". فقال: "إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف وكل حرف شاف كاف". وقد رواه النسائي من حديث يزيد -وهو ابن هارون- ويحيى بن سعيد القطان كلاهما عن حميد الطويل، عن أنس، عن أبيّ بن كعب بنحوه (١٠٣). وكذا رواه ابن أبي عدي ومحمود بن ميمون الزعفراني ويحيى بن أيوب كلهم عن حميد به (١٠٤). وقال ابن جرير (١٠٥): حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف" فأدخل بينهما عبادة بن الصامت. وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (١٠٦): حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثني عبد اللَّه بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيّ بن كعب، قال: كنت في المسجد فدخل رجل فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فقمنا جميعًا، فدخلنا على رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل هذا فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه، فقال لهما النبي صلى الله

стр. 131

عليه وسلم: "اقرآ"، فقرآ، فقال: "أصبتما". فلما قال لهما النبي ﷺ الذي قال كبُر عليّ ولا إذا كنت في الجاهلية، فلما رأى الذي غشيني ضرب في صدري ففضت عرقًا، وكأنما أنظر إلى رسول الله فرقًا فقال: "يا أبيّ، إن ربي أرسل إليّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هون على أمتي، فأرسل إليّ أن اقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هوّن على أمتي، فأرسل إليّ أن اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة تسألنيها". قال: "قلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ فيه الخلق حتى إبراهيم ﵇ ". وهكذا رواه مسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد به. وقال ابن جرير (١٠٧): حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده، عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: خفف عن أمتي، فقال: اقرأه على حرفين، فقلت: اللهم ربّ خفف عن أمتي، فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنة كلها شافٍ كافٍ". وقال ابن جرير (١٠٨): حدثنا يونس عن ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيّ بن كعب، أنه قال: سمعت رجلا يقرأ في سورة النحل قراءة تخالف قراءتي، ثم سمعت آخر يقرؤها بخلاف ذلك، فانطلقت بهما إلى رسول اللَّه ﷺ فقلت: إني سمعت هذين يقرآن في سورة النحل فسألتهما: من أقرأكما؟ فقالا: رسول الله ﷺ ، فقلت: لأذهبن بكما إلى رسول الله ﷺ إذ خالفتما ما أقرأني رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لأحدهما: "اقرأ". فقرأ، فقال: "أحسنت" ثم قال للآخر: "اقرأ". فقرأ، فقال: "أحسنت". قال أبيّ: فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمر وجهي، فعرف ذلك رسول الله ﷺ في وجهي، فضرب يده في صدري ثم قال: "اللهم أخسئ الشيطان عنه، يا أبيّ، أتاني آت من ربي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب، خفف عن أمتي، ثم أتاني الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرفين فقلت: رب، خفف عن أمتي، ثم أتاني الثالثة، فقال مثل ذلك وقلت له مثل ذلك، ثم أتاني الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة، فقلت: يا رب، اللهم اغفر لأمتي، يا رب، اغفر لأمتي، واختبأت الثالثة شفاعة لأمتي يوم القيامة". إسناده صحيح. قلت: وهذا الشك الذي حصل لأبيّ في تلك الساعة هو، والله أعلم، السبب الذي لأجله

стр. 132

قرأ عليه رسول الله ﷺ قراءة إبلاغ وإعلام ودواء لما كان حصل له سورة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرها لاشتمالها على قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (١٠٩)، وهذا نظير تلاوته سورة الفتح حين أنزلت مرجعه، ﵇، من الحديبية على عمر بن الخطاب، وذلك لما كان تقدم له من الأسئلة لرسول الله ﷺ ثم لأبي بكر الصديق، ﵄، في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (١١٠). وقال ابن جرير (١١١): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أبيّ بن كعب أن رسول الله ﷺ كان عند أضاة بني غفار، فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، فإن أمتي لا تطيق ذلك". ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين. قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، فإن أمتي لا تطيق ذلك". ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك". ثم جاءه الرابعة فقال: إن اللَّه يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية شعبة به، وفي لفظ لأبي داود عن أبيّ بن كعب قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبيّ، إلي أقرئت القرآن فضل لي: على حرف أو حرفين؟ فقال الملك الذي معي: قل على حرفين. قلت: على حرفين: فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: قل على ثلاثة. قلت: على ثلاثة. حتى بلغ سبعة أحرف ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف إن قلت: سميعًا عليمًا، عزنرا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب" (١١٢). وقد روى ثابت بن قاسم نحوًا من هذا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (١١٣) ومن كلام ابن مسعود، ﵁، نحو ذلك. وقال الإمام أحمد (١١٤): حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن عاصم، عن زر،

стр. 133

عن أبي قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المراء، فقال رسول الله ﷺ لجبريل: "إني بعثت إلى أمة أميين فيهم الشيخ الفاني، والعجوز الكبيرة، والغلام، فقال: مرهم فليقرؤوا القرآن على سبعة أحرف". وأخرجه الترمذي من حديث عاصم بن أبي النَّجُود، عن زر، عن أبيّ بن كعب، به، وقال: حسن صحيح. وقد رواه أبو عبيد عن أبي النضر، عن شيبان، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن حذيفة أن رسول الله ﷺ لقي جبريل عند أحجار المراء، فذكر الحديث (١١٥)، واللَّه أعلم. وهكذا رواه الإمام أحمد عن عفان، عن حماد، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة، أن رسول الله ﷺ قال: "لقيت جبريل عند أحجار المراء، فقلت: يا جبريل، إني أرسلت إلى أمة أمية؛ الرجل، والمرأة، والغلام، والجارية، والشيخ الفاني، الذي لم يقرأ كتابًا قط فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف" (١١٦). وقال أحمد أيضًا (١١٧): حدثنا وَكِيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن رِبْعي بن حِراش: حدثني من لم يكذبني -يعني حذيفة- قال: لقي النبي ﷺ جبريل عند أحجار المراء فقال: إن أمتك يقرءون القرآن على سبعة أحرف، فمن قرأ منهم على حرف فليقرأ كما علم، ولا يرجع عنه.

стр. 134

وقال عبد الرحمن: إن في أمتك الضعيف، فمن قرأ على حرف فلا يتحول منه إلى غيره رغبة عنه. وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه. حديث آخر في معناه عن سليمان بن صرد: قال ابن جرير: حدثنا إسماعيل بن موسى السديّ، حدثنا شريك عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد -يرفعه- قال: "أتاني ملكان، فقال أحدهما: اقرأ. قال: على كم؟ قال: على حرف. قال: زده، حتى انتهى إلى سبعة أحرف" (١١٨). ورواه النسائي في اليوم والليلة عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام عن إسحاق الأزرق عن العَوَّام بنن حَوْشَب، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد قال: أتى أبيّ بن كعب رسول الله ﷺ برجلين اختلفا في القراءة، فذكر الحديث (١١٩). وهكذا رواه أحمد بن منيع عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب به، ورواه أبو عبيد عن يزيد بن هارون، عن العوام، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أبيّ أنه أتى النبي ﷺ برجلين، فذكره (١٢٠). وقال ابن جرير (١٢١): حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن فلان العبدي -قال ابن جرير: ذهب عني اسمه- عن سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب قال: رحت إلى المسجد، فسمعت رجلا يقرأ فقلت: من أقرأك؟ قال: رسول الله ﷺ ، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: استقرئ هذا. قال: فقرأ، فقال: "أحسنت". قال: قلت: إنك أقرأتني كذا وكذا! فقال: "وأنت قد أحسنت". قال: فقلت: قد أحسنت! قد أحسنت! قال: فضرب بيده على صدري ثم قال: "اللَّهم أذهب عن أبيّ الشك". قال: ففضت عرقًا، وامتلأ جوفي فرقا. قال: ثم قال: "إن الملكين أتياني، فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف، وقال الآخر: زده. قال: قلت: زدني. فقال: اقرأه على حرفين، حتى بلغ سبعة أحرف فقال: اقرأه على سبعة أحرف". وقد رواه أبو عبيد، عن حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سقير (١٢٢) العبدي،

стр. 135

عن سليمان بن صرد، عن أبيّ، عن النبي ﷺ بنحو ذلك (١٢٣). ورواه أبو داود عن أبي الوليد الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن يحيى بن يَعْمَر، عن سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب، بنحوه (١٢٤). فهذا الحديث محفوظ من حيث الجملة عن أبيّ بن كعب، والظاهر أن سليمان بن صرد الخزاعي شاهد على ذلك، والله أعلم. حديث آخر عن أبي بكرة: قال الإمام أحمد (١٢٥): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بين سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل وميكائيل، ﵉، فقال جبريل: إقرأ القرآن على حرف واحد، فقال ميكائيل: استزده، قال: اقرأ على سبعة أحرف، كلها شاف كاف، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب برحمة". وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كُرَيب، عن زيد بن الحُباب، عن حماد بن سلمة به، وزاد في آخره كقولك: هلم وتعال (١٢٦). حديث آخر عن سمرة: قال الإمام أحمد: حدثنا بَهْز وعفان كلاهما عن حماد بن سلمة، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف". إسناد صحيح، ولم يخرجوه (١٢٧).

стр. 136

حديث آخر عن أبي هريرة: قال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثني أبو حازم، عن أبي سلمة -لا أعلمه إلا عن أبي هريرة- أن رسول الله ﷺ قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف، مراء في القرآن كفر -ثلاث مرات- فما علمتم منه فاعملوا وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه". ورواه النسائي عن قتيبة عن أبي ضمرة أنس بن عياض، به (١٢٨). حديث آخر عن أم أيوب: قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عبيد اللَّه -وهو ابن أبي يزيد عن أبيه عن أم أيوب -يعني امرأة أبي أيوب الأنصارية- أن رسول الله ﷺ قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، أيها قرأت أجزأك" (١٢٩). وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. حديث آخر عن أبي جهيم: قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن مسلم بن سعيد مولى ابن الحضرمي، وقال غيره: عن بسر بن سعيد، عن أبي جهيم الأنصاري، أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله ﷺ ، فمشيا جميعًا حتى أتيا رسول الله ﷺ ، فذكر أبو جهيم أن رسول الله ﷺ قال: "إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فلا تماروا، فإن مراء فيه كفر" (١٣٠).

стр. 137

وهكذا رواه أبو عبيد على الشك، وقد رواه الإمام أحمد على الصواب، فقال: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني يزيد بن خصيفة، أخبرني بسر بن سعيد، حدثني أبو جهيم؛ أن رجلين اختلفا في آية من القرآن فقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ وقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ فسألا النبي ﷺ فقال: "القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراءً في القرآن كفر". وهذا إسناد صحيح -أيضًا- ولم يخرجوه. ثم قال أبو عبيد (١٣١): حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس -مولى عمرو بن العاص- أن رجلا قرأ آية من القرآن، فقال له عمرو -يعني ابن العاص-: إنما هي كذا وكذا، بغير ما قرأ الرجل، فقال الرجل: هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ فخرجا إلى رسول الله ﷺ حتى أتياه، فذكرا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فأيّ ذلك قرأتم أصبتم، فلا تماروا في القرآن، فإن مراء فيه كفر". ورواه الإمام أحمد عن أبي سلمة الخزاعي، عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص به نحوه، وفيه: "فإن المراء فيه كفر أو إنه الكفر به". وهذا -أيضًا- حديث جيد (١٣٢).

стр. 138

حديث آخر عن ابن مسعود: قال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، عن عقيل بن خالد، عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: "كان الكتاب الأول نزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلالة، وحرّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا" (١٣٣). ثم رواه عن أي كُرَيْب عن المحاربي، عن ضمرة بن حبيب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود من كلامه (١٣٤) وهو أشبه. والله أعلم.

стр. 139

فصل قال أبو عبيد: قد تواترت هذه الأحاديث كلها عن الأحرف السبعة إلا ما حدثني عفان، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: "نزل القرآن على ثلاثة أحرف" (١٣٥). قال أبو عبيد: ولا نرى المحفوظ إلا السبعة لأنها المشهورة، وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه، وهذا شيء غير موجود، ولكنه عندنا أنه نزل سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف الواحد منها بلغة قبيلة والثاني بلغة أخرى سوى الأولى، والثالث بلغة أخرى سواهما، كذلك إلى السبعة، وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظا فيها من بعض، وذلك بين في أحاديث تترى. قال: وقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن (١٣٦). قال أبو عبيد: والعجز هم بنو أسعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف هم عليا هوازن الذين قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم يعني بني دارم. ولهذا قال عمر: لا يملي في مصاحفنا إلا غلمان قريش أو ثقيف (١٣٧). قال ابن جرير: واللغتان الأخريان: قريش وخزاعة، رواه قتادة عن ابن عباس، ولكن لم يلقه (١٣٨). قال أبو عبيد (١٣٩): وحدثنا هُشَيْم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عبد الله

стр. 140

ابن عتبة، عن ابن عباس؛ أنه كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر. قال أبو عبيد: يعني: أنه كان يستشهد به على التفسير. حدثنا هُشَيْم عن أبي بشر، عن سعيد أو مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاللَّيلِ وَمَا وَسَقَ﴾ (١٤٠)، قال: ما جمع، وأنشد: قد اتَّسقْنَ لو يجدْنَ سائقا (١٤١) حدثنا هشيم، أنبأنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ (١٤٢) قال: الأرض، قال: وقال ابن عباس: قال أمية بن أبي الصلتَ: عندهم لحم بحرٍ ولحم ساهرة (١٤٣) حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان، عن إبراهِيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كنت لا أدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١٤٤)، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها. يقول: أنا ابتدأتها (١٤٥). إسناد جيد أيضًا. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري، ﵀، بعد ما أورد طرفًا مما تقدم: وصح وثبت أن الذي نزل به القرآن من ألسن العرب البعض منها دون الجميع، إذ كان معلوما أن ألسنتها ولغاتها أكثر من سبع بما يعجز عن إحصائه ثم قال: وما برهانك على ما قلته دون أن يكون معناه ما قاله مخالفوك، من أنه نزل بأمر وزجر، وترغيب وترهيب، وقصص ومثل، ونحو ذلك من الأقوال فقد علمت قائل ذلك من سلف الأمة وخيار الأئمة؟ قيل له: إن الذين قالوا ذلك لم يدعوا أن تأويل الأخبار التي تقدم ذكرها، هو ما زعمت أنهم قالوه في الأحرف السبعة، التي نزل بها القرآن دون غيره فيكون ذلك لقولنا مخالفا، وإنما أخبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف، يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجه، والذي قالوا من ذلك كما قالوا، وقد روينا بمثل الذي قالوا من ذلك عن رسول الله ﷺ وعن جماعة من الصحابة، من أنه نزل من سبعة أبواب الجنة، كما تقدم -يعني كما تقدم في رواية عن أبيّ بن كعب وعبد الله بن

стр. 141

مسعود: أن القرآن نزل من سبعة أبواب الجنة (١٤٦). قال ابن جرير: والأبواب السبعة من الجنة هي المعاني التي فيها من الأمر والنهي، والترغيب والترهيب، والقصص والمثل، التي إذا عمل بها العامل وانتهى إلى حدودها المنتهى، استوجب بها الجنة. ثم بسط القول في هذا بما حاصله: أن الشارع رخص للأمة التلاوة على سبعة أحرف، ثم لما رأى الإمام أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، اختلاف الناس في القراءة، وخاف من تفرق كلمتهم- جمعهم على حرف واحد، وهو هذا المصحف الإمام، قال: واستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعله من ذلك الرشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له، ونظر منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأمة معرفتها، وتعفت (١٤٧) آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها وعفو آثارها. إلى أن قال: فإن قال من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم ترك قراءة اقرأهموها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها؟ قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة؛ لأن القراءة بها لو كانت فرضًا عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من يقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر، ويزيل الشك من قراءة الأمة، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين. إلى أن قال: فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف ونصبه وجره تسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة فمن معنى قول النبي ﷺ : "أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف" بمعزل؛ لأن المراء في مثل هذا ليس بكفر، في قول أحد من علماء الأمة، وقد أوجب ﷺ بالمراء في الأحرف السبعة الكفر، كما تقدم (١٤٨). الحديث الثاني: قال البخاري، ﵀ (١٤٩): حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا الليث، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير: أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القارئ حدثاه أنهما سمعا عمر بن الحطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتبصرت حتى

стр. 142

سلم فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ . فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها! فقال رسول الله ﷺ : "أرسله، اقرأ يا هشام"، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : "كذلك أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ : "كذلك أنزلت. إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه". وقد رواه الإمام أحكد والبخاري -أيضًا- ومسلم وأَبو داود والنَّسائي والتِّرمِذي من طرق عن الزهري (١٥٠). ورواه الإمام أحمد -أيضًا- عن ابن مهدي، عن مالك، عن الزُّهْريّ، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، عن عمر، فذكر الحديث بنحوه (١٥١). وقال الإمام أحمد (١٥٢): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا حرب بن ثابت، حدَّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبييه، عن جده قال: قرأ رجل عند عمر فغير عليه فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فلم يغير عليَّ قال: فاجتمحا عند النبي ﷺ ، فقرأ الرجل على النبي ﷺ فقال له: "قد أحسنت". قال: فكأن عمر وجد من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "يا عمر، إن القرآن كله صواب، مما لم يُجعل عذابٌ مغفرةً أو مغفرةٌ عذابًا". وهذا إسناد حسن. وحرب بن ثابت هذا يكنى بأبي ثابت، لا نعرف أحدًا جرحه. وقد اختلف العلماء في معنى هذه السبعة الأحرف وما أريد منها على أقوال: قال أَبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري القرطبي المالكي في مقدمات تفسيره: وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلانين قولا، ذكرها أَبو حاتم محمد بن حبان البستي، ونحن نذكر منها خمسة أقوال.

стр. 143

قلت: ثم سردها القرطبي، وحاصلها ما أنا مورده ملخصا: فالأول - وهو قول أكثر أهل العلم، منهم سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وَهْب، وأَبو جعفر بن جرير، والطحاوي -: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو: أقبل وتعال وهلم. وقال الطحاوي: وأيين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: اقرأ على حرف، ققال ميكائيل: استزده فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده، حتَّى بلغ سبعة أحرف، فقال: اقرأ فكل شاف كاف إلَّا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة، على نحو هلم وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجل. ورُوي عن ورقاء عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، عن أبيّ بن كعب: أنَّه كان يقرأ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (١٥٣): " للذين آمنوا أمهلونا" "للذين آمنوا أخرونا" "للذين آمنوا ارقبونا"، وكان يقرأ: "كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ (١٥٤): " مروا فيه" "سعوا فيه". قال الطحاوي وغيره: وإنَّما كان ذلك رخصة أن يقرأ الناس القرآن على سبع لغات، وذلك لَما كان يتعسر على كثير من الناس التلاوة على لغة قريش، وقرأه رسول الله ﷺ لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ وقد ادّعى الطحاوي والقاضي الباقلاني والشيخ أَبو عمر بن عبد البر أن ذلك كان رخصة في أول الأمر، ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الحفظ وكثرة الضبط وتعلم الكتابة. قلت: وقال بعضهم: إنما كان الذي جمعهم على قراءة واحدة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، أحد الخلفاء الراشدين المهدين المأمور باتباعهم، وإنَّما جمعهم عليها لما رأى من اختلافهم في القراءة المفضية إلى تفرق الأمة وتكفير بعضهم بعضا، فرتب لهم المصاحف الأئمة على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان من عمره، ﵊، وعزم عليهم ألا يقرءوا بغيرها، وألا يتعاطوا الرخصة التي كانت لهم فيها سعة، ولكنها أدت إلى الفرقة والاختلاف، كما ألزم عمر بن الخطاب الناس بالطلاق الثلاث المجموعة حتَّى تتابعوا فيها وأكثروا منها، قال: فلو أنا أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. وكان كذلك ينهى عن المتعة في أشهر الحج لئلا تُقْطع زيارة البيت في غير أشهر الحج. وقد كان أَبو موسى يفتي بالتمتع فترك فتياه اتباعا لأمير المؤمنين وسمعا وطاعة للأئمة المهديين. القول الثاني: أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وليس المراد أن جميعه يقرأ على سبعة أحرف، ولكن بعضه على حرف وبعضه على حرف آخر. قال الخطابي: وقد يقرأ بعضه بالسبع لغات كما في قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ﴾ (١٥٥) و ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (١٥٦). قال القرطبي:

стр. 144

ذهب إلى هذا القول أَبو عبيد، واختاره ابن عطية. قال أَبو عبيد: وبعض اللغات، أسعدُ به من بعض، وقال القاضي البلاقلاني: ومعنى قول عثمان: إنه نزات بلسان قريش، أي: معظمه، ولَم يقم دليل على أن جميعه بلغة قريش كله، قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾ (١٥٧)، ولم يقل: قرشيا. قال: واسم العرب يتناول جميع القبائل واحدا، ويعنى حجازها ويمنها، وكذلك قال الشيخ أَبو عمر بن عبد البر، قال: لأن غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات كتحقيق الهمزات، فإن قريشًا لا تهمز، وقال ابن عطية: قال ابن عبَّاس، ما كنت أدري ما معنى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] حتَّى سمعت أعرابيًّا يقول لبئر ابتدأ حفرها: أنا فطرتها. القول الثالث: أن لغات القرآن السبع منحصرة في مضر على اختلاف، قبائلها خاصة؛ لقول عثمان: إن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش هم بنو النضر بن الحارث على الصحيح من أقوال أهل النسب، كما نطق به الحديث في سنن ابن ماجة وغيره. القول الرابع - وحكاه الباقلاني عن بعض العلماء -: أن وجوه القراءات ترجع إلى سبعة أشياء، منها ما تتغير حركته ولا تتغير صورته ولا معناه مثل: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ (١٥٨)، و "يَضِيقُ"، منها ما لا تتغير صورته ويختلف معناه مثل: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَينَ أَسْفَارِنَا﴾ (١٥٩) و"باعد بين أسفارنا"، وقد يكون الاختلاف في الصورة والمعنى بالحرف مثل: ﴿نُنْشِزُهُا﴾ (١٦٠)، و"نَنشُزُها"، أو بالكلمة مع بقاء المعنى مثل: هو ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (١٦١)، أو "كالصوف المنفوش" أو باختلاف الكلمة [واختلاف المعنى، مثل ﴿﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ (١٦٢) " وطلع منضود" أو بالتقدم والتأخر مثل: هو ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (١٦٣). أو "سكرة الحق الموت" أو بالزِّيادة مثل "تسع وتسعون نعجة أنثى"، وأما الغلام كان كافرًا وكان أَبواه مؤمنين]. ﴿فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم﴾ (١٦٤). القول الخامس: أن المراد بالأحرف السبعة معاني القرآن وهي: أمر، ونهى، ووعد، ووعيد، وقصص، ومجادلة، وأمثال. قال ابن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن هذه لا تسمى حروفا، وأيضًا فالإجماع أن التوسعة لم تقع في تحليل حلال، ولا في تغيير شيء من المعاني، وقد أورد القاضي الباقلاني في هذا حديثًا، ثم قال: وليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة

стр. 145

بها (١٦٥). فصل قال القرطبي (١٦٦): قال كثير من علمائنا كالداودي وابن أبي صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنَّما هي راجعة إلى حرف واحد من السبعة وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف. ذكره ابن النحاس وغيره. قال القرطبي: وقد سوغ كل واحد من القراء السبعة قراءة الآخر وأجازها، وإنَّما اختار القراءة المنسوبة إليه لأنه رآها أحسن والأولى عنده. قال: وقد أجمع المسلمون في هذه الأمصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة فيما رووه ليرأوه من القراءات، وكتبوا في ذلك مصنفات واستمر الإجماع على الصواب وحصل ما وعبد الله به من حفظ الكتاب.
следующие страницы →