اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة دار الكتب المصرية
стр. 75
اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة دار الكتب المصرية
стр. 76
اللوحة الأولى من الجزء الثاني من نسخة دار الكتب المصرية
стр. 77
اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة دار الكتب المصرية
стр. 78
اللوحة الأولى من الجزء الثالث من نسخة دار الكتب المصرية
стр. 79
اللوحة الأولى من الجزء الرابع من نسخة دار الكتب المصرية
стр. 80
اللوحة الأولى من الجزء الخامس من نسخة دار الكتب المصرية
стр. 81
اللوحة الأخيرة من الجزء الخامس من نسخة دار الكتب المصرية
стр. 82
اللوحة الأولى من الجزء السادس من نسخة دار الكتب المصرية
стр. 83
اللوحة الأخيرة من الجزء السادس من نسخة دار الكتب المصرية
стр. 84
اللوحة الأولى من الجزء السابع من نسخة دار الكتب المصرية
стр. 85
اللوحة الأخيرة من الجزء السابع من نسخة دار الكتب المصرية
стр. 86
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الإمام [العالم] [¬١] الأوحد، البارع الحافظ المتقن، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر بن كثير، الشافعي، رحمه الله تعالى ورضي عنه:
الحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد فقال ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ
يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا
لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ
فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ
مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾.
وافتتح خلقه بالحمد فقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ واختتمه بالحمد فقال بعد [ما] [¬٢]، ذكر مآل أهل الجنة وأهل النار: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾.
كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. فله الحمد في الأولى والآخرة، أي: في جميع ما خلق وما هو خالق، هو المحمود في ذلك كله، كما يقول المصلى: "اللهم ربنا؛ لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شت من شيء بعد" (١) ولهذا يلهم أهل الجنة تسبيحه وتحميده كما يُلهمون
стр. 87
النفس (٢)، أي: يسبحونه ويحمدونه عدد أنفاسهم، لما يرون من عظيم نعمه عليهم، وكمال قدرته، وعظيم سلطانه، وتوالي مننه، [ودوام إحسانه إليهم] [¬١]، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
والحمد لله الذي أرسل [¬٢] رسله ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. وختمهم بالنبي الأمي العربي المكي الهادي لأوضح السبل، أرسله إلى جميع خلقه من الإنس والجن من لدن بعثته إلى قيام الساعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [لَا إِلَهَ إلا هُوَ] [¬٣] يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾.
فمن بلغه هذا القرآن من عرب وعجم، وأسود وأحمر، وإنس وجان فهو نذير له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. فمن كفر بالقرآن ممن ذكرنا فالنار موعده بنصِّ الله تعالى، وكما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ﴾. وقال رسول الله ﷺ : (بعثت إلى الأحمر والأسود" (٣).
стр. 88
قال مجاهد (٤): [يعني] [¬١] الإنس والجن. فهو صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، مبلغًا لهم عن الله تعالى ما أوحاه إليه من هذا الكتاب العزيز الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، وقد أعلمهم فيه عن الله تعالى أنه ندبهم [فيه] [¬٢] إلى تفهمه، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.
فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام اللَّه، وتفسير ذلك، وطلبه من مظانه، وتعلم ذلك وتعليمه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ [¬٣] لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [¬٤] فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فذم الله تعالى أهل الكتاب قبلنا بإعراضهم عن كتاب الله [إليهم] [¬٥]، وإقبالهم على الدنيا وجمعها، واشتغالهم بغير ما أمروا به من اتباع كتاب الله.
فعلينا أيها المسلمون أن ننتهي عما ذمهم الله تعالى به، وأن نأتمر بما أُمرنا به من تعلم كتاب اللَّه المنزل إلينا وتعليمه، وتفهمه وتفهيمه، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُون (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْييِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ففي ذكره تعالى لهذه الآية بعد التي قبلها- تنبيهٌ على أنه تعالى كما يحيي الأرض بعد موتها كذلك يلين القلوب بالإيمان [والهدى] [¬٦] بعد قسوتها من الذنوب والمعاصي، والله المؤمل المسئول أن يفعل بنا ذلك [¬٧] إنه جواد كريم.
стр. 89
فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان، فإنه قد فُسر في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة؛ فإنها شارحةٌ للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى: كل ما حكم به رسول الله، ﷺ ، فهو مما فهمه من القرآن.
قال الله تعالى: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ [¬١] لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
ولهذا قال رسول الله، ﷺ : "ألا إني أوتيت القرآن وحله معه". (٥) يعني السنة. والسنة أيضًا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن. وقد استدل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك.
والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة، كما قال رسول الله صلى اللَّه عليه وسدم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟ ". قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ ". قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد [¬٢]؟ ". قال: أجتهد برأي. قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: (الحمد لله الذي وفق [رسول] [¬٣] رسول الله لما يوضي رسوله الله" (٦).
стр. 90
وهذا الحديث في المسانيد [¬١] والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه. وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا [¬٢] من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما [علماؤهم وكبراؤهم] [¬٣] كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والائمة المهتدين [¬٤] المهديين، وعبد الله بن مسعود، ﵁.
стр. 91
قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٧): حدثنا أبو كريب، حدَّثنا جابر بن نوح، حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق؛ قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته.
وقال الأعمش (٨) أيضًا عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي (٩): حدَّثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي ﷺ ، فكانوا [¬١] إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا [¬٢] بما فيها من العمل؛ فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا.
ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله ﷺ ، وترجمان القرآن، ببركة [¬٣] دعاء رسول الله ﷺ له حيث قال: "اللهم؛ فقهه في الدين،
стр. 92
وعلمه التأويل" (١٠).
وقال ابن جرير (١١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا وكيع، ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن مسلم [¬١]-قال- قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: نعم ترجمان القرآن ابن عباس.
ثم رواه (١٢) عن يحيى بن داود، عن إسحاق الأزرق، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح [] [¬٢] أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود؛ أنه قال: نعم الترجمان للقرآن ابن عباس.
ثم رواه (١٣) عن بندار، عن جعفر بن عون، عن الأعمش به كذلك.
فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة.
وقد مات ابن مسعود ﵁ في سنة اثنتين وثلاثين على الصحيح، وعُمِّرَ بعده عبد الله بن عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه [¬٣] من العلوم بعد ابن مسعود ﵄. وقال الأعمش عن أبي وائل: استخلف عليّ عبد الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية: سورة النور، ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا [¬٤].
ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين عبد الله بن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل
стр. 93
الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: "بلغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار" (١٤). رواه البخاري عن عبد الله [بن عمرو] [¬١]؛ ولهذا كان عبد الله بن عمرو ﵄[قد أصاب يوم اليرموك] [¬٢] زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك.
ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تُذكر للاستشهاد لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام:
(أحدها) ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد [¬٣] له بالصدق، فذاك صحيح.
(والثاني) ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه.
(والثالث) ما [¬٤] هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمرٍ ديني.
ولهذا يختلف [¬٥] علماء أهل الكتاب في [مثل] [¬٦] هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلافٌ بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعددهم [¬٧]، وعصا موسى من أي الشجر [¬٨] كانت. وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضُرِبَ به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم.
ولكن نقْل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ * وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيبِ * وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى حكى [¬٩] عنهم ثلاثة [¬١٠] أقوال، ضعّف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته،
стр. 94
إذ لو كان باطلًا لردّه كما ردّهما [¬١]، ثم أرشد على أنّ الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال [¬٢] في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم ذلك [¬٣] إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، فهذا أحسن ما يكون في [¬٤] حكاية الخلاف، أن تستوعب [¬٥] الأقوال في ذلك المقام، وأن تنبه [¬٦] على الصحيح منها، وتبطل [¬٧] الباطل، وتذكر [¬٨] فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فتشتغل [¬٩] به عن الأهم [] [¬١٠].
فأمَّا من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضًا، فإن صحح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب، أو جاهلًا فقد أخطأ، وكذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالًا متعّددة لفظًا، ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب.
فصل
إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر [¬١١] فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد بن إسحاق: ثنا أبان بن صالح، عن مجاهد؛ قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها (١٥).
وقال ابن جرير (١٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا طلق بن غنام، عن عثمان المكي، عن ابن أبي مُليكة؛ قال: رأيت مجاهدًا سأل [ابن عباس] [¬١٢] عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، قال: فيقول له
стр. 95
ابن عباس: اكتب. حتى سأله عن التفسير كله؛ ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.
وكسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم، فتذكر [¬١] أقوالهم في الآية، فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافًا فيحكيها أقوالًا، وليس كذلك فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو بنطره، ومنهم في ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي.
وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني: أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح.
أمّا إذا أجمعوا [¬٢] على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون [] [¬٣] بعضهم حجة على [] [¬٤] بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك.
فأمّا تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام، لما رواه محمد [¬٥] بن جرير -رحمه الله تعالى- حيث قال (١٧): ثنا محمد بن بشار، ثنا [يحيى] [¬٦] بن سعيد، ثنا سفيان، حدّثني عبد الأعلى -هو ابن عامر الثعلبي- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ؛ قال: "من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم، فليتبوّأ مقعده من النار".
وهكذا أخرجه الترمذي والنسائي من طرق عن سفيان الثوري به (١٨).
ورواه أبو داود (١٩) عن مسدّد، عن أبي عوانة، عن عبد الأعلى به مرفوعًا [¬٧].
стр. 96
وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وهكذا رواه ابن جرير أيضًا عن [يحيى بن] [¬١] طلحة اليربوعي، عن شريك، عن عبد الأعلى به مرفوعًا (٢٠).
ولكن رواه (٢١) عن محمد بن حميد [¬٢]، عن الحكم بن بشير، عن عمرو [¬٣] بن قيس الملائي، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن ابن عباس [فوقفه. وعن محمد بن حميد، عن جريو، عن ليث، عن بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس] [¬٤] من قوله، فالله أعلم.
وقال ابن جرير (٢٢): حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا حبّان [¬٥] بن هلال، ثنا سهيل [¬٦] أخو حزم، ثنا أبو عمران الجوني، عن جندب؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ". وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي، من حديث سهيل بن أبي [¬٧] حزم القطعي (٢٣).
وقال الترمذي: غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل.
وفي لفظ لهم: "من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ" (٢٤). أي لأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه
стр. 97
لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرمًا ممن أخطأ، والله أعلم.
وهكذا سمى الله تعالى القذفة كاذبين فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فالقاذف كاذب ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، ولو كان أخبر بما يعلم؛ لأنه [¬١] تكلف ما لا علم له به، والله أعلم.
ولهذا تحرّج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرّة، عن أبي معمر [¬٢]؛ قال: قال أبو بكر الصدّيق (٢٥) ﵁: أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب الله بما لا [¬٣] أعلم.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (٢٦): ثنا محمد [¬٤] بن يزيد، عن العوّام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي أنّ أبا بكر الصدّيق سئل عن قوله [تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني، إذا [¬٥] أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم … منقطع.
وقال أبو عبيد أيضًا (٢٧): ثنا يزيد، عن حميد، عن أنس؛ أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر] [¬٦] ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؛ ثم رجع إلى نفسه فقال: إنّ هذا لهو التكلف يا عمر.
وقال [عبد بن حميد (٢٨)] [¬٧]: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس؛ قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ وفي ظهر قميصه أربع رقاع فقرأ:
стр. 98
﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: فما [¬١] الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف فما عليك أن لا تدريه … ؟
وهذا كله محمول على أنهما ﵄ إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتًا من الأرض ظاهر لا يجهل، لقوله [¬٢] تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ الآية.
وقال ابن جرير (٢٩): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة؛ أنّ ابن عباس سئل عن آية -لو سئل عنها بعضكم لقال فيها- فأبى أن يقول فيها.
إسناده [¬٣] صحيح.
وقال أبو عبيد (٣٠): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة؛ قال: سأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره ألف سنة؟ فقال له ابن عباس: فما ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾؛ فقال له [¬٤] الرجل: إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه، الله [¬٥] أعلم بهما.
فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم.
وقال أيضًا ابن جرير (٣١): حدّثني يعقوب -يعني: ابن إبراهيم- حدَّثنا ابن علية، عن مهدي بن ميمون، عن الوليد بن مسلم؛ قال: جاء طلق بن حبيب إلى جُندب بن عبد الله، فسأله عن آية من القرآن .. فقال له [¬٦]: أحرّج عليك إن كنت مسلمًا، لما [¬٧] قمت عني -أو قال: أن تجالسني.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: إنه كان إذا سئل عن تفسير آية من
стр. 99
القرآن، قال: إنا لا نقول في القرآن شيئًا (٣٢).
وقال الليث عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب؛ أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم في [¬١] من القرآن (٣٣).
وقال شعبة عن عمرو بن مرة؛ قال: سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن … فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء -يعني عكرمة (٣٤).
وقال ابن شوذب: حدثني يزيد بن أبي يزيد؛ قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن، سكت كأن لم يسمع (٣٥).
وقال ابن جرير (٣٦): حدّثني أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد الله بن عمر؛ قال: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع.
وقال أبو عبيد (٣٧): حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن هشام بن [¬٢] عروة؛ قال: ما سمعت أبي يؤول [¬٣] آية من كتاب الله قَطُّ.
وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائي، عن محمد بن سيرين: سألت عَبيدة -يعني [¬٤] السلماني- عن آية من القرآن … فقال: [ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن] [¬٥]، فاتق الله، وعليك بالسداد (٣٨).
стр. 100
وقال أبو عبيد (٣٩): حدثنا معاذ، عن ابن عون، عن عبد الله [¬١] بن مسلم بن يسار، عن أبيه، قال: إذا حدّثت عن الله حديثًا [¬٢] فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده.
حدَّثنا (٤٠) هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم؛ قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه.
وقال شعبة عن عبد الله بن [¬٣] أبي السفر؛ قال: قال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله (٤١).
وقال أبو عبيد (٤٢): حدثنا هشيم، حدثنا عمر [¬٤] بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن مسروق؛ قال: [اتقوا] [¬٥] التفسير، فإنما هو الرواية عن الله.
فهذه الآثار الصحيحة وماشاكلها عن أئمة السلف - محمولةٌ على تحرُّجِهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه؛ ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال [¬٦] في التفسير ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه.
وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾] [¬٧] ولما جاء في الحديث المروي من طرق: "من سئل عن علم فكتمه ألجم ورم القيامة بلجام من نار" (٤٣).
стр. 101
فأما [¬١] الحديث الذي رواه أبو جعفر بن جرير (٤٤): حدثنا عباس بن عبد العظيم، حدَّثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدَّثنا جعفر بن محمد [] [¬٢] الزبيري، حدّثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: ماكان النبي ﷺ يفسر شيئًا من القرآن إلا آيًا بعدد [¬٣] علمهن إياه جبريل ﵇.
ثم رواه (٤٥) عن أبي بكر محمد بن يزيد الطرسوسي [¬٤]، عن معن بن عيسى، عن جعفر بن خالد، عن هشام به- فإنه حديثٌ منكرٌ غريبٌ، وجعفر هذا هو ابن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري، قال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث. وتكلم عليه الإمام أبو جعفر بما حاصله أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف عن الله تعالى مما وقفه عليها جبرائيل.
وهذا تأويل صحيح لو صح الحديث، فإن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعذر أحد في جهله [¬٥]، كما صرح بذلك ابن عباس فيما قال ابن جرير (٤٦):
стр. 102
حدثنا محمد بن بشار، حدَّثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد؛ قال: قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله.
قال ابن جرير: وقد رُوي نحوه في حديث في إسناده نظر: حدّثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أنبأنا ابن وهب؛ قال: سمعت عمرو بن الحارث يحدث عن الكلبي، عن أبي صالح مولى [¬١] أمّ هانئ، عن ابن عباس، أن رسول الله، ﷺ قال: "أنزل القرآن على سبعة [¬٢] أحرف حلال وحرام، لا يُعذر أحد بالجهالة به، [وتفسير تفسِّره العرب] [¬٣]، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله ، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب" (٤٧).
والنظر الذي أشار إليه في إسناده هو من جهة محمد بن السائب الكلبي؛ فإنه متروك الحديث، لكن قد يكون إنما وهم في رفعه، ولعله من كلام ابن عباس كما تقدّم، والله أعلم بالصواب [¬٤].
стр. 103
كتاب فضائل القرآن
قال البخاري، ﵀:
كيف نزول الوحي وأول ما نزل:
قال ابن عباس: المهيمن: الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله.
حدثنا عبيد اللَّه بن موسى، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة قال: أخبرتني عائشة وابن عباس؛ قالا: لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرًا (١).
ذكر البخاري ﵀ -كتاب "فضائل القرآن" بعد كتاب التفسير؛ لأن التفسير أهم فلهذا بدأ به، ونحن قدمنا الفضائل قبل التفسير وذكرنا فضل كل سورة قبل تفسيرها ليكون ذلك باعثًا على حفظ القرآن وفهمه والعمل بما فيه، واللَّه المستعان.
وقول ابن عباس في تفسير المهيمن إنما يريد به البخاري قوله تعالى في المائدة بعد ذكر التوراة والإنجيل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ﴾ (٢).
قال الإمام أبو جعفر بن جرير، ﵀: حدثنا المثنى، حدثنا عبد اللَّه بن صالِح، حدثني معاوية، عن علي -يعني: ابن أبي طلحة- عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ﴾ قال: المهيمن: الأمين. قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله (٣).
وفي رواية: شهيدًا عليه (٤).
وقال سفيان الثوري وغير واحد من الأئمة عن ألي إسحاق السبيعي، عن التميمي، عن ابن عباس: ﴿وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ﴾ قال: مؤتمنًا [¬١] (٥).
стр. 104
وبنحو ذلك قال مجاهد والسدي وقتادة وابن جريج والحسن البصري وغير واحد من أئمة السلف.
وأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب، يقال إذا رَقَب الرجل الشيء وحفظه وشهده: قد هيمن فلان عليه، فهو يهيمن هيمنة وهو عليه مهيمن، وفي أسماء اللَّه تعالى: ﴿المهيمن﴾ (٦)، وهو الشهيد على كل شيء، والرقيب: الحفيظ بكل شيء.
وأما الحديث الذي أسنده البخاري: أنه ﵇، أقام بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرًا، فهو مما انفرد به البخاري دون مسلم، وإنما رواه النسائي من حديث شيبان وهو ابن عبد الرحمن، عن يحيى وهو ابن أبي كثير، عن أبي سلمة عنهما (٧).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا يزيد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلي السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، ثم قرأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (٨) هذا إسناد صحيح (٩).
أما إقامته بالمدينة عشرًا فهذا مما لا خلاف فيه، وأما إقامته بمكة بعد النبوة فالمشهور ثلاث عشرة سنة؛ لأنه، ﵊، أوحي إليه وهو ابن أربعين سنة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح، ويحتمل أنه حذف ما زاد على العشرة اختصارًا في الكلام؛ لأن العرب
стр. 105
كثيرًا ما يحذفون الكسور في كلامهم، أو أنهما إنما اعتبرا قرن جبريل، ﵇، به ﵇. فإنه قد روى الإمام أحمد أنه قرن به، ﵇، ميكائيل في ابتداء الأمر، يلقي إليه الكلمة والشيء، ثم قرن به جبريل.
ووجه مناسبة هذا الحديث بفضائل القرآن: أنه ابتدئ بنزوله في مكان شريف، وهو البلد الحرام، كما أنه كان في زمن شريف وهو شهر رمضان، فاجتمع له شرف الزمان والمكان؛ ولهذا يستحب إكثار تلاوة القرآن في شهر رمضان، لأنه ابتدئ نزوله فيه، ولهذا كان جبريل يعارض به رسول اللَّه ﷺ في كل سنة في شهر رمضان، فلما كان في السنة التي توفي فيها عارضه به مرتين تأكيدًا وتثبيتًا.
وأيضًا في هذا الحديث بيان أنه من القرآن مَكِّي ومنه مدني، فالمكي: ما نزل قبل الهجرة، والمدنى: ما نزل بعد الهجرة، سواء كان بالمدينة أو بغيرها من أي البلاد كان، حتى ولو كان بمكة أو عرفة. وقد أجمعوا على سور أنها من المكي وأخر أنها من المدني، واختلفوا في أخر، وأراد بعضهم ضبط ذلك بضوابط في تقييدها عسر ونظر، ولكن قال بعضهم: كل سورة في أولها شيء من الحروف المقطعة فهي مكية إلا البقرة وآل عمران، كما أن كل سورة فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهي مدنية وما فيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فيحتمل أن يكون من هذا ومن هذا، والغالب أنه مكي. وقد يكون مدنيًّا كما في البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٠)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١١).
قال أبو عبيد (١٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا من سمع الأعمش يحدث عن إبراهيم بن علقمة: كل شيء في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه أنزل بالمدينة، وما كان ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فإنه أنزل بمكة.
ثم قال (١٣): حدثنا علي بن معبد، عن أبي المُلَيْح، عن ميمون بن مِهْران، قال: ما كان في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ و ﴿يَا بَني آدَم﴾ فإنه مكي، وما كان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه مدني.
стр. 106
ومنهم من يقول: إن بعض السور نزل مرتين، مرة بالمدينة ومرة بمكة، واللَّه أعلم. ومنهم من يستثني من المكي آيات يدعي أنها من المدني، كما في سورة الحج وغيرها.
والحق في ذلك ما دل عليه الدليل الصحيح، فاللَّه أعلم.
وقال أبو عبيد: حدثنا عبد اللَّه بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والحج، والنور، والأحزاب، والذين كفروا، والفتح، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والحواريون، والتغابن، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، و ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾، والفجر، ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ﴾ و ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وسَائر ذلك بمكة (١٤).
وهذا إسناد صحيح عن ابن أبي طلحة مشهور، وهو أحد أصحاب ابن عباس الذين رووا عنه التفسير، وقد ذكر في المدني سورًا في كونها مدنية نظر، وفاته الحجرات والمعوذات.
الحديث الثاني:
وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي، عن أبي عثمان قال: أنبئت أن جبريل، ﵇، أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة، فجعل يتحدث، فقال النبي ﷺ : "من هذا؟ " أو كما قال، قالت: هذا دحية الكلبي، فلما قام قالت: واللَّه ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطة النبي ﷺ يُخبر خبَر جبريل. أو كما قال، قال أبي: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ فقال: من
стр. 107
أسامة بن زيد.
وهكذا رواه أيضًا في علامات النبوة عن عباس بن الوليد النرسي، ومسلم في فضائل أم سلمة، عن عبد الأعلي بن حماد ومحمد بن عبد الأعلى كلهم عن معتمر بن سليمان به (١٥).
والغرض من إيراد هذا الحديث هاهنا أن السفير بين اللَّه وبين محمد ﷺ جبريل ﵇ وهو ملك كريم ذو وجاهة وجلالة ومكانة كما قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (١٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (١٧) الآيات. فمدح الرب ﵎ عبديه ورسوليه جبريل ومحمدًا ﷺ وسنستقصي الكلام على تفسير هذا الكتاب في موضعه إذا وصلنا إليه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
وفي الحديث فضيلة عطمة لأم سلمة، ﵂ -كما بينه مسلم ﵀ لرؤيتها لهذا الملك العظيم، وفضيلة أيضًا لدحية بن خليفة الكلبي، وذلك أن جبريل، ﵇، كان كثيرًا ما يأتي رسول اللَّه ﷺ على صورة دحية وكان جميل الصورة، ﵁، وكان من قبيلة أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، كلهم ينسبون إلى كلب بن وبرة وهم قبيلة من قضاعة، وقضاعة قيل: إنهم من عدنان، وقيل: من قحطان، وقيل: بطن مستقل بنفسه، واللَّه أعلم.
الحديث الثالث: حدثنا عبد اللَّه بن يوسف، حدثنا الليث، حدثنا سعيد المقبري، عن أبييه، عن أبي هرهة، ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه اللَّه إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (١٨).
ورواه أيضًا في كتاب "الاعتصام" عن عبد العزيز بن عبد اللَّه، ومسلم والنسائي عن قتيبة جميعًا، عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه -واسمه كيسان المقبري- به.
وفي هذا الحديث فضيلة عظيمة للقرآن المجيد على كل معجزة أعطيها نبي من الأنبياء، وعلى
стр. 108
كل كتاب أنزله، وذلك أن معنى الحديث: ما من نبي إلا أعطي من المعجزات ما آمن عليه البشر، أي: ما كان دليلًا على تصديقه فيما جاءهم به واتبعه من اتبعه من البشر، ثم لما مات الأنبياء لم تبق لهم معجبزة بعدهم إلا ما يحكيه أتباعهم عما شاهدوه في زمانه، فأما الرسول الخاتم للرسالة محمد ﷺ فإنما كان معظم ما آتاه اللَّه وحيًا منه إليه منقولًا إلى الناس بالتواتر، ففي كل حين هو كما أنزل، فلهذا قال: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا"، وكذلك وقع، فإن أتباعه أكثر من أتباع الأنبياء لعمومِ رسالته ودوامها إلى قيام الساعة، واستمرار معجزته، ولهذا قال اللَّه ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾ (١٩) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢٠)، ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢١) ثم تحداهم إلى أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢٢)، وقصر التحدي على هذا المقام في السور المكية كما ذكرنا وفي المدنية أيضًا كما في سورة البقرة، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢٣) فَأخبرهم بأنهم عاجزون عن معارضته بمثله، وأنهم لا يفحلون ذلك في المستقبل أيضًا، وهذا وهُم أفصح الخلق وأعلمهم بالبلاغة والشعر وقريض الكلام وضروبه، لكن جاءهم من اللَّه ما لا قبل لاحد من البشر به من الكلام الفصيح البليغ الوجيز، المحتوي على العلوم الكثيرة الصحيحة النافعة، والأجبار الصادقة عن الغيوب الماضية والآتية، والأحكام العادلة والمحكمة، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (٢٤).
وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق قال: ذكر محمد بن كعب القرظي، عن الحارث بن عبد اللَّه الأعور قال قلت: لآتين أمير المؤمنين، فلأسألنه عما سمعت العشية قال: فجئته بعد العشاء، فدخلت عليه، فذكر الحديث.
قال: ثم قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أتاني جبريل فقال: يا محمد، أمتك مختلفة بعدك". قال: "فقلت له: فأين المَخْرَج يا جبريل؟ " قال: فقال: "كتاب اللَّه به يَقْصِم اللَّه كلَّ جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه هلك -مرتين- قول
стр. 109
فَصْل وليس بالهزل، لا تخلقه الأَلسن، ولا تفنى عجائبه، فيه نبأ ما كان قبلكم، وفصل ما بينكم، وخبر ما هو كائن بعدكم" هكذا رواه الإمام أحمد (٢٥).
وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا حسين بن علي الجعفي، حدثنا حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت علَى عليٍّ فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: أو قد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة" فقلت: ما المَخْرج منها يا رسول اللَّه؟ قال: "كتاب اللَّه، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكْمُ ما بينكم، هو الفصل ليس بالهَزْلِ، من تركه من جبار قَصَمه اللَّه، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللَّه، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تَلْتَبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلَق عنِ كثرةِ الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذْ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (٢٦)، من قال به صَدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حكم به عَدَل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم". خذها إليك يا أعور. ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول وفي حديث الحارث مقال (٢٧).
قلت: لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات، بل قد رواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، عن الحارث الأعور، فبرئ حمزة من عهدته، على أنه وإن كان ضعيف الحديث إلا أنه إمام في القراعة والحديث، مشهور من رواية الحارث الأعور وقد تكلموا فيه، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه تعمد الكذب في الحديث فلا، واللَّه أعلم، وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي، ﵁، وقد وهِمَ بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح على أنه قد روي له شاهد عن عبد اللَّه بن مسعود عن النبي ﷺ .
قال الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "فضائل القرآن" (٢٨): حدثنا أبو اليقظان
стр. 110
عمار بن محمد الثوري أو غيره، عن أبي إسحاق الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن هذا القرآن مأدبة اللَّه تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل اللَّه، ، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عِصْمَة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يَخْلَقُ عن كثرة الرد، فاتلوه، فإن اللَّه يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول لكم الم حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر".
وهذا غريب من هذا الوجه، وقد رواه محمد بن فضيل، عن أبي إسحاق الهجري، واسمه إبراهيم بن مسلم، وهو أحد التابعين، ولكن تكلموا فيه كثيرًا.
وقال أبو حاتم الرازي: لين ليس بالقوي. وقال أبو الفتح الأزدي: رفَّاع كثير الوهم. قلت: فيحتمل -واللَّه أعلم- أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، إنما هو من كلام ابن مسعود، ولكن له شاهد من وجه آخر، والله أعلم.
وقال أبو عبيد أيضًا: حدثنا حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد اللَّه بن مسعود قال: لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله (٢٩).
الحديث الرابع: قال البخاري: حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك أن اللَّه تابع الوحي على رسوله ﷺ قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول الله ﷺ بعد.
وهكذا رواه مسلم، عن عمرو بن محمد هذا -وهو الناقد- وحسن الحلواني وعبد بن حميد، والنسائي، عن إسحاق بن منصور الكوسج، أربعتهم عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد