← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مسعود: أن القرآن نزل من سبعة أبواب الجنة (١٤٦). قال ابن جرير: والأبواب السبعة من الجنة هي المعاني التي فيها من الأمر والنهي، والترغيب والترهيب، والقصص والمثل، التي إذا عمل بها العامل وانتهى إلى حدودها المنتهى، استوجب بها الجنة. ثم بسط القول في هذا بما حاصله: أن الشارع رخص للأمة التلاوة على سبعة أحرف، ثم لما رأى الإمام أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، اختلاف الناس في القراءة، وخاف من تفرق كلمتهم- جمعهم على حرف واحد، وهو هذا المصحف الإمام، قال: واستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعله من ذلك الرشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له، ونظر منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأمة معرفتها، وتعفت (١٤٧) آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها وعفو آثارها. إلى أن قال: فإن قال من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم ترك قراءة اقرأهموها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها؟ قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة؛ لأن القراءة بها لو كانت فرضًا عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من يقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر، ويزيل الشك من قراءة الأمة، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين. إلى أن قال: فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف ونصبه وجره تسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة فمن معنى قول النبي ﷺ : "أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف" بمعزل؛ لأن المراء في مثل هذا ليس بكفر، في قول أحد من علماء الأمة، وقد أوجب ﷺ بالمراء في الأحرف السبعة الكفر، كما تقدم (١٤٨). الحديث الثاني: قال البخاري، ﵀ (١٤٩): حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا الليث، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير: أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القارئ حدثاه أنهما سمعا عمر بن الحطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتبصرت حتى

стр. 142

سلم فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ . فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها! فقال رسول الله ﷺ : "أرسله، اقرأ يا هشام"، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : "كذلك أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ : "كذلك أنزلت. إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه". وقد رواه الإمام أحكد والبخاري -أيضًا- ومسلم وأَبو داود والنَّسائي والتِّرمِذي من طرق عن الزهري (١٥٠). ورواه الإمام أحمد -أيضًا- عن ابن مهدي، عن مالك، عن الزُّهْريّ، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، عن عمر، فذكر الحديث بنحوه (١٥١). وقال الإمام أحمد (١٥٢): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا حرب بن ثابت، حدَّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبييه، عن جده قال: قرأ رجل عند عمر فغير عليه فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فلم يغير عليَّ قال: فاجتمحا عند النبي ﷺ ، فقرأ الرجل على النبي ﷺ فقال له: "قد أحسنت". قال: فكأن عمر وجد من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "يا عمر، إن القرآن كله صواب، مما لم يُجعل عذابٌ مغفرةً أو مغفرةٌ عذابًا". وهذا إسناد حسن. وحرب بن ثابت هذا يكنى بأبي ثابت، لا نعرف أحدًا جرحه. وقد اختلف العلماء في معنى هذه السبعة الأحرف وما أريد منها على أقوال: قال أَبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري القرطبي المالكي في مقدمات تفسيره: وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلانين قولا، ذكرها أَبو حاتم محمد بن حبان البستي، ونحن نذكر منها خمسة أقوال.

стр. 143

قلت: ثم سردها القرطبي، وحاصلها ما أنا مورده ملخصا: فالأول - وهو قول أكثر أهل العلم، منهم سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وَهْب، وأَبو جعفر بن جرير، والطحاوي -: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو: أقبل وتعال وهلم. وقال الطحاوي: وأيين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: اقرأ على حرف، ققال ميكائيل: استزده فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده، حتَّى بلغ سبعة أحرف، فقال: اقرأ فكل شاف كاف إلَّا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة، على نحو هلم وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجل. ورُوي عن ورقاء عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، عن أبيّ بن كعب: أنَّه كان يقرأ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (١٥٣): " للذين آمنوا أمهلونا" "للذين آمنوا أخرونا" "للذين آمنوا ارقبونا"، وكان يقرأ: "كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ (١٥٤): " مروا فيه" "سعوا فيه". قال الطحاوي وغيره: وإنَّما كان ذلك رخصة أن يقرأ الناس القرآن على سبع لغات، وذلك لَما كان يتعسر على كثير من الناس التلاوة على لغة قريش، وقرأه رسول الله ﷺ لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ وقد ادّعى الطحاوي والقاضي الباقلاني والشيخ أَبو عمر بن عبد البر أن ذلك كان رخصة في أول الأمر، ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الحفظ وكثرة الضبط وتعلم الكتابة. قلت: وقال بعضهم: إنما كان الذي جمعهم على قراءة واحدة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، أحد الخلفاء الراشدين المهدين المأمور باتباعهم، وإنَّما جمعهم عليها لما رأى من اختلافهم في القراءة المفضية إلى تفرق الأمة وتكفير بعضهم بعضا، فرتب لهم المصاحف الأئمة على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان من عمره، ﵊، وعزم عليهم ألا يقرءوا بغيرها، وألا يتعاطوا الرخصة التي كانت لهم فيها سعة، ولكنها أدت إلى الفرقة والاختلاف، كما ألزم عمر بن الخطاب الناس بالطلاق الثلاث المجموعة حتَّى تتابعوا فيها وأكثروا منها، قال: فلو أنا أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. وكان كذلك ينهى عن المتعة في أشهر الحج لئلا تُقْطع زيارة البيت في غير أشهر الحج. وقد كان أَبو موسى يفتي بالتمتع فترك فتياه اتباعا لأمير المؤمنين وسمعا وطاعة للأئمة المهديين. القول الثاني: أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وليس المراد أن جميعه يقرأ على سبعة أحرف، ولكن بعضه على حرف وبعضه على حرف آخر. قال الخطابي: وقد يقرأ بعضه بالسبع لغات كما في قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ﴾ (١٥٥) و ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (١٥٦). قال القرطبي:

стр. 144

ذهب إلى هذا القول أَبو عبيد، واختاره ابن عطية. قال أَبو عبيد: وبعض اللغات، أسعدُ به من بعض، وقال القاضي البلاقلاني: ومعنى قول عثمان: إنه نزات بلسان قريش، أي: معظمه، ولَم يقم دليل على أن جميعه بلغة قريش كله، قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾ (١٥٧)، ولم يقل: قرشيا. قال: واسم العرب يتناول جميع القبائل واحدا، ويعنى حجازها ويمنها، وكذلك قال الشيخ أَبو عمر بن عبد البر، قال: لأن غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات كتحقيق الهمزات، فإن قريشًا لا تهمز، وقال ابن عطية: قال ابن عبَّاس، ما كنت أدري ما معنى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] حتَّى سمعت أعرابيًّا يقول لبئر ابتدأ حفرها: أنا فطرتها. القول الثالث: أن لغات القرآن السبع منحصرة في مضر على اختلاف، قبائلها خاصة؛ لقول عثمان: إن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش هم بنو النضر بن الحارث على الصحيح من أقوال أهل النسب، كما نطق به الحديث في سنن ابن ماجة وغيره. القول الرابع - وحكاه الباقلاني عن بعض العلماء -: أن وجوه القراءات ترجع إلى سبعة أشياء، منها ما تتغير حركته ولا تتغير صورته ولا معناه مثل: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ (١٥٨)، و "يَضِيقُ"، منها ما لا تتغير صورته ويختلف معناه مثل: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَينَ أَسْفَارِنَا﴾ (١٥٩) و"باعد بين أسفارنا"، وقد يكون الاختلاف في الصورة والمعنى بالحرف مثل: ﴿نُنْشِزُهُا﴾ (١٦٠)، و"نَنشُزُها"، أو بالكلمة مع بقاء المعنى مثل: هو ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (١٦١)، أو "كالصوف المنفوش" أو باختلاف الكلمة [واختلاف المعنى، مثل ﴿﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ (١٦٢) " وطلع منضود" أو بالتقدم والتأخر مثل: هو ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (١٦٣). أو "سكرة الحق الموت" أو بالزِّيادة مثل "تسع وتسعون نعجة أنثى"، وأما الغلام كان كافرًا وكان أَبواه مؤمنين]. ﴿فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم﴾ (١٦٤). القول الخامس: أن المراد بالأحرف السبعة معاني القرآن وهي: أمر، ونهى، ووعد، ووعيد، وقصص، ومجادلة، وأمثال. قال ابن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن هذه لا تسمى حروفا، وأيضًا فالإجماع أن التوسعة لم تقع في تحليل حلال، ولا في تغيير شيء من المعاني، وقد أورد القاضي الباقلاني في هذا حديثًا، ثم قال: وليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة

стр. 145

بها (١٦٥). فصل قال القرطبي (١٦٦): قال كثير من علمائنا كالداودي وابن أبي صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنَّما هي راجعة إلى حرف واحد من السبعة وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف. ذكره ابن النحاس وغيره. قال القرطبي: وقد سوغ كل واحد من القراء السبعة قراءة الآخر وأجازها، وإنَّما اختار القراءة المنسوبة إليه لأنه رآها أحسن والأولى عنده. قال: وقد أجمع المسلمون في هذه الأمصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة فيما رووه ليرأوه من القراءات، وكتبوا في ذلك مصنفات واستمر الإجماع على الصواب وحصل ما وعبد الله به من حفظ الكتاب.

стр. 146

قال البخاري ﵀ (١٦٧): تأليف القرآن حدَّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف: أن ابن جريج أخبرهم قال: وأخبرني يوسف بن ماهك قال؛ إني عند عائشة أم المؤمنين، ﵂، إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك! وما يضرك، قال: يا أم المؤمنين، أريني مصحفك، قالت: لم؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنَّة والنار، حتَّى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء: ولا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (١٦٨)، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلَّا وأنا عنده، قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور. وهكذا رواه النَّسائي من حديث ابن جريج، به (١٦٩). والمراد من التأليف هاهنا ترتيب سوره. وهذا العراقي سأل أولًا عن أبي الكفن خير، أي: أفضل، فأخبرته عائشة، ﵂، أن هذا لا ينبغي أن يعتني بالسؤال عنه ولا القصد له ولا الاستعداد، فإن في هذا تكلفا لا طائل تحته، وكانوا في ذلك الزمان يصفون أهل العراق بالتعنت في الأسئلة، كما سأل بعضهم عبد الله بن عمر عن دم البعوض يصيب الثوب، فقال عبد الله بن عمر: انظروا أهل العراق، يسألون عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ " (١٧٠). ولهذا لم تبالغ معه عائشة، ﵂، في الكلام لئلا يظن أن ذلك أمر مهم، وإلَّا فقد روى أحمد وأهل السنن من حديث سمرة وابن عبَّاس عن رسول الله ﷺ قال: "البسوا من ثيابكم البياض، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها أطهر وأطيب" (١٧١) وصححه

стр. 147

التِّرمِذي من الوجهين. وفي الصحيحين عن عائشة، ﵂، أنَّها قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة (١٧٢). وهذا محرر في باب الكفن من كتاب الجنائز. ثم سألها عن ترتيب القرآن فانتقل إلى سؤال كبير، وأخبرها أنَّه يقرأ غير مؤلف، أي: غير مرتب السور. وكأن هذا قبل أن يبعث أمير المؤمنين عثمان، ﵁، إلى الآفاق بالمصاحف الأئمة المؤلفة على هذا الترتيب المشهور اليوم، وقبل الإلزام به، والله أعلم. ولهذا أخبرته: إنه لا يضرك بأي سورة بدأت، وأن أول سورة نزلت فيها ذكر الجنَّة والنار، وهذه إن لم تكن ﴿اقرأ﴾ فقد يحتمل أنَّها أرادت اسم جنس لسور المفصل التي فيها الوعد والوعيد، ثم لما انقاد الناس إلى التصديق أمروا ونهوا بالتدريج أولًا فأولا، وهذا من حكمة الله ورحمته، ومعنى هذا الكلام: أن هذه السورة أو السور التي فيها ذكر الجنَّة والنار ليست البداءة بها في أوائل المصاحف، مع أنَّها من أول ما نزل، وهذه البقرة والنساء من أوائل ما في المصحف، وقد نزلت عليه في المدينة وأنا عنده. فأما ترتيب الآيات في السور فليس في ذلك رخصة، بل هو أمر توقيفي عن رسول الله ﷺ ، كما تقدم تقرير ذلك؛ ولهذا لم ترخص له في ذلك، بل أخرجت له مصحفها، فأملت عليه أي السور، والله أعلم. وقول عائشة: لا يضرك بأي سورة بدأت، يدل على أنَّه لو قدم بعض السور أو أخر، كما دل عليه حديث حذيفة وابن مسعود، وهو في الصحيح أنَّه، ﵇، قرأ في قيام الليل بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران (١٧٣). وقد حكى القرطبي عن أبي بكر بن الأنباري في كتاب الرد أنه قال: فمن أخر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة كمن أفسد نظم الآيات وغير الحروف والآيات (١٧٤)، وكان مستنده اتِّباع

стр. 148

مصحف عثمان، ﵁، فإنه مرتب على هذا النحو المشهور، والظاهر أن ترتيب السور فيه منه ما هو راجع إلى رأي عثمان ﵁، وذلك ظاهر في سؤال ابن عباس له عن ترك البسملة في أول براءة، وذكره الأنفال من الطول، والحديث في التِّرمِذي وغيره بإسناد جيد وقوي. وقد ذكرنا عن علي أنَّه كان قد عزم على ترتيب القرآن بحسب نزوله. ولهذا حكى القاضي الباقلاني: أن أول مصحفه كان: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْأَكْرَمُ﴾ وأول مصحف ابن مسعود: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ثم البقرة، ثم النساء على ترتيب مختلف، وأول مصحف أبيّ: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأنعام، ثم المائدة، ثم كذا على اختلاف شديد، ثم قال القاضي: ويحتمل أن ترتيب السور في المصحف على ما هو عليه اليوم من اجتهاد الصحابة، ﵃، وكذا ذكره مكي في تفسير سورة براءة قال: فأما ترتيب الآيات والبسملة فِي الأوائل فهو من النبي ﷺ . وقال ابن وَهْب في جامعه: سمعت سليمان بن بلال يقول: سئل ربيعة: لم قدمت البقرة وآل عمران، وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة؟ فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه، وقد أجمعوا على العلم بذلك، فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه. قال ابن وَهْب: وسمعت مالك يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ (١٧٥). قال أَبو الحسن بن بطَّال: إنما يجب تأليف سوره في الرسم والخط خاصة ولا يعلم أن أحدًا منهم قال: إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة وفي قراء القرآن ودرسه، وأنه لا يحل لأحد أن يقرأ الكهف قبل البقرة، ولا الحج قبل الكهف، إلا ترى إلى قول عائشة: ولا يضرك أيه قرأت قبل. وقد كان النبي ﷺ يقرأ في الصلاة السورة في ركعة، ثم يقرأ في الركعة الأخرى بغير السورة التي تليها. قال: وأما ما رُوي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسًا. وقالا: إنما ذلك منكوس القلب، فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسةً فيبتدأ بآخرها إلى أولها، فإن ذلك حرام محظور. ثم قال البخاري: حدَّثنا آدم، عن شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت ابن مسعود يقول في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادى (١٧٦).

стр. 149

انفرد البخاري بإخراجه والمراد منه ذكر ترتيب هذه السور في مصحف ابن مسعود كالمصاحف العثمانية، وقوله: "من العتاق الأول" أي: من قديم م نزل، وقو": "وهن من تلادى" أي: من قديم ما قنيت وحفظت. والتالد في لغتهم: قديم المال والمتاع، والطارف حديثه وجديده، والله أعلم. وحدثنا أَبو الوليد (١٧٧)، حدَّثنا شعبة، حدثنا أبو إسحاق: سمع البراء بن عازب ﵁ يقول: تعلمت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قبل أن يقدم النبي ﷺ . وهذا متفق عليه، وهو قطعة من حديث الهجرة، والمراد منه أن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ سورة مكية نزلت قبل الهجرة، واللَّه أعلم. ثم قال (١٧٨): حدَّثنا عبْدَان، عن أبي حمزة، عن الأعمَش، عن شقيق قال: قال عبد الله: لقد علمت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرؤهن اثنين اثنين في كل ركعة، فقام عبد الله ودخل معه علقمة، وخرج علقمة فسألناه فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود، آخرهن من الحواميم [حم الدخان وعمّ يتساءلون] [¬١]. وهذا التأليف الذي عن ابن مسعود غريب مخالف لتأليف عثمان، ﵁، فإن المفصل في مصحف عثمان، ﵁، من سورة الحجرات إلى آخره وسورة الدخان لا تدخل فيه بوجه، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد (١٧٩): حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة قال: كنت في الوفد الذين أتوا النبي ﷺ فذكر حديثًا فيه: أن رسول الله ﷺ كان يسمر معهم بعد العشاء

стр. 150

فمكث عنا ليلة لم يأتنا، حتَّى طال ذلك علينا بعد العشاء. قال: قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول الله. قال: "طرأ علي حزب من القرآن، فأردت ألا أخرج حتَّى أقضيه". قال: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتَّى يختم. ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، به، وهذا إسناد حسن.

стр. 151

فصل فأما نقط المصحف وشكله، فيقال: إن أول من أمر به عبد الملك بن مروان، فتصدى لذلك الحجاج وهو بواسط، فأمر الحسن البصري ويحيى بن يعمر ففعلا ذلك، ويقال: إن أول من نقط المصحف أَبو الأسود الدؤلي، وذكروا أنَّه كان لمحمد بن سيرين مصحف قد نقطه له يحيى بن يعمر (١٨٠)، والله أعلم. وأما كتابة الأعشار على الحواشي فينسب إلى الحجاج أيضًا، وقيل: بل أول من فعله المأمون، وحكى أَبو عمرو الداني عن ابن مسعود أنَّه كره التعشير في المصحف، وكان يحكه (١٨١)، وكره مجاهد ذلك أيضًا. وقال مالك: لا بأس به بالحبر، فأما بالألوان المصبغة فلا. وأكره تعداد آي السور في أولها في المصاحف الأمهات، فأما ما يتعلم فيه الغلمان فلا أرى به بأسًا. وقال قَتَادة: بدءوا فنقطوا، ثم خمسوا، ثم عشروا. وقال يحيى بن أبي كثير: أول ما أحدثوا النقط على الباء والتاء والثاء، وقالوا: لا بأس به، هو نور له، أحدثوا نقطا عند آخر الآي، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم. ورأى إبراهيم النخعي فاتحة سورة كذا، فأمر بمحوها وقال: قال ابن مسعود: لا تخلطوا بكتاب الله ما ليس فيه. قال أَبو عمرو الداني: ثم قد أطبق المسلمون في ذلك في سائر الآفاق على جواز ذلك في الأمهات وغيرها. ثم قال البخاري، ﵀: كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ قال مسروق: عن عائشة، عن فاطمة، ﵂، أسر إليّ رسول الله ﷺ : أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي. هكذا ذكره معلقًا وقد أسنده في موضع آخر (١٨٢). ثم قال: حدَّثنا يحيى بن قزعة، حدَّثنا إبراهيم بن سعد، عن الزُّهْريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبَّاس قال: كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما

стр. 152

يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة، وهذا الحديث متفق عليه (١٨٣)، وقد تقدم الكلام عليه في أول الصحيح وما فيه من الحكم والفوائد، والله أعلم. ثم قال: حدثنا خالد بن يزيد، حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرا فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه. ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من غير وجه عن أبي بكر -وهو ابن عياش- عن أبي حصين، واسمه عثمان بن عاصم، به (١٨٤). والمراد من معارضته له بالقرآن كل سنة: مقابلته على ما أوحاه إليه عن الله تعالى، ليبقى ما بقي، ويذهب ما نسخ توكيدًا، أو استثباتًا وحفظًا؛ ولهذا عرضه في السنة الأخيرة من عمره، ﵇، اقتراب أجله على جبريل مرتين، وعارضه به جبريل كذلك؛ ولهذا فهم، ﵇، اقتراب أجله. وعثمان، ﵁، جمع المصحف الإمام على العرضة الأخيرة ﵁ وأرضاه، وخصّ بذلك رمضان من بين الشهور؛ لأن ابتداء الإيحاء كان فيه؛ ولهذا يستحب دراسة القرآن وتكراره فيه، ومن ثم كثر اجتهاد الأئمة فيه في تلاوة القرآن، كما تقدم ذكرنا لذلك.

стр. 153

القراء من أصحاب النبي ﷺ حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن عمرو، عن إبراهيم، عن مسروق: ذكر عبد الله بن عمرو عبد الله بن مسعود، فقال: لا أزال أحبه، سمعت رسول الله يقول: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب"، ﵃ (١٨٥). وقد أخرجه البخاري في المناقب في غير موضع، ومسلم والنسائي من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة به (١٨٦). وأخرجاه والترمذي والنسائي -أيضًا- من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق به (١٨٧). فهؤلاء الأربعة اثنان من المهاجرين الأولين عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وقد كان سالم هذا من سادات المسلمين وكان يؤم الناس قبل مقدم النبي ﷺ في المدينة، واثنان من الأنصار: معاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وهما سيدان كبيران، ﵃ أجمعين. ثم قال: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا شقيق بن سلمة قال: خطبنا عبد الله فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم. قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سعت رادًّا يقول غير ذلك (١٨٨). حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا بحمص، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فقال: قرأت على رسول

стр. 154

الله ﷺ فقال: "أحسنت" ووجد منه ريح الخمر، فقال: أتجترئ أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر؟! فجلده الحد (١٨٩). حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني [بكتاب الله] [¬١] تبلغه الإبل لركبت إليه (١٩٠). وهذا كله حق وصدق، وهو من إخبار الرجل بما يعلم من نفسه مما قد يجهله غيره، فيجوز ذلك للحاجة، كما قال تعالى إخبارا عن يوسف لما قال لصاحب مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، ويكفيه مدحا وثناء قول رسول الله ﷺ : "استقرئوا القرآن من أربعة"، فبدأ به. وقال أبو عبيد: حدثنا مصعب بن المقدام، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا (١٩١) كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد" (١٩٢). وهكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، به مطولا، وفيه قصة. وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث أبي معاوية به وصححه الدارقطني، وقد ذكرته في مسند عمر (١٩٣).

стр. 155

وفي مسند الإمام أحمد -أيضًا- عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ومن أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد" (١٩٤)، وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود، وكان يعرف بذلك. ثم قال البخاري (١٩٥): حدثنا حفص بن عمر، حدثنا همام، حدثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: أربعة، كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. ورواه مسلم من حديث همام. ثم قال البخاري: تابعه الفضل، عن حسين بن واقد، عن ثمامة، عن أنس بن مالك. حدثنا معلى بن أسد، حدثنا عبد الله بن المثنى قال: حدثني ثابت البناني وثمامة عن أنس بن مالك قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قال: ونحن ورثناه (١٩٦). فهذا الحديث ظاهره أنه لم يجمع القرآن من الصحابة سوى هؤلاء الأربعة فقط، وليس هذا هكذا، بل الذي لا شك فيه أنه جمعه غير واحد من المهاجرين أيضًا، ولعل مراده: لم يجمع القرآن من الأنصار؛ ولهذا ذكر الأربعة من الأنصار، وهم أبي بن كعب في الرواية الأولى المتفق عليها وفي الثانية من أفراد البخاري: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، وكلهم مشهورون إلا أبا زيد هذا، فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث، وقد اختلف في اسمه فقال الواقدي: اسمه قيس بن السكن بن قيس بن زعورا بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار (١٩٧). وقال ابن نمير: اسمه سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أمية من الأوس. وقيل: هما اثنان جمعا القرآن، حكاه أبو عمر بن عبد البر، وهذا بعيد وقول الواقدي أصح لأنه

стр. 156

خزرجي؛ لأن أنسًا قال: ونحن ورثناه، وهم من الخزرج، وفي بعض ألفاظه: وكان أحد عمومتي. وقال قتادة عن أنس (١٩٨) قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج، فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومنا الذي حمته الدبُرُ عاصم بن ثابت، ومنا الذي اهتز لموته العرش سعد بن معاذ، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت. فقالت الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ : أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. فهذا كله يدل على صحة قول الواقدي، وقد شهد أبو زيد هذا بدرًا، فيما ذكره غير واحد. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: قتل أبو زيد قيس بن السكن يوم جسر أبي عبيدة على رأس خمس عشرة سنة من الهجرة، والدليل على أن من المهاجرين من جمع القرآن أن الصديق، ﵁، قدّمه رسول الله ﷺ في مرضه إمامًا علي المهاجرين والأنصار، مع أنه ﷺ قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" (١٩٩)، فلولا أنه كان اقرأهم لكتاب الله لما قدّمه عليهم. هذا مضمون ما قرره الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وهذا التقرير لا يُدفع ولا يشك فيه، وقد جمع الحافظ ابن السمعاني في ذلك جزءًا، وقد بسطت تقرير ذلك في كتاب مسند الشيخين، ﵄. ومنهم عثمان بن عفان وقد قرأه في ركعة -كما سنذكره- وعلي بن أبي طالب يقال: إنه جمعه على ترتيب ما أنزل، وقد قدمنا هذا. ومنهم عبد الله بن مسعود، وقد تقدم عنه أنه قال: ما من آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت؟ وفيم نزلت؟ ولو علمت أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه المطي لذهبت إليه. ومنهم سالم مولى أبي حذيفة، كان من السادات النجباء والأئمة الأتقياء وقد قتل يوم اليمامة شهيدًا. ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ وترجمان القرآن، وقد تقدم عن مجاهد أنه قال: قرأت القرآن على ابن عباس مرتين، أقفه عند كل آية وأسأله عنها.

стр. 157

ومنهم عبد الله بن عمرو، كما رواه النسائي وابن ماجة من حديث ابن جريج عن عبد الله بن أبي مُلَيْكة، عن يحيى بن حكيم بن صفوان، عن عبد الله بن عمرو قال: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "اقرأه في شهر". وذكر تمام الحديث (٢٠٠). ثم قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عمر: عليٌّ أقضانا، وأبيّ أقرؤنا، وإنا لَنَدع من لحنِ أبيٍّ، وأبيّ يقول: أخذته من في رسول الله ﷺ ، فلا أتركه لشيء قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] (٢٠١). وهذا يدل على أن الرجل الكبير قد يقول الشيء يظنه صوابًا وهو خطأ في نفس الأمر؛ ولهذا قال الإمام مالك: ما من أحد إلا يؤخذ من قوله وورد إلا قول صاحب هذا القبر، أي: فكله مقبول، صلوات الله وسلامه عليه. ثم ذكر البخاري فضل فاتحة الكتاب وغيرها، وسنذكر فضل كل سورة عندها ليكون ذلك أنسب. ثم قال: نزول السكينة والملائكة عند القراءة وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن الحضير قال: بينا هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما وراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال: "اقرأ يا بن حضير، اقرأ يا بن حضير". قال فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي وانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُّلَّة، فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها قال: "أو تدري ما ذاك؟ " قال: لا، قال: "تلك الملائكة دَنَتْ لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم". قال ابن الهاد: وحدثني هذا الحديث عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري عن

стр. 158

أسيد بن الحضير (٢٠٢). هكذا أورد البخاري هذا الحديث معلقًا، وفيه انقطاع في الرواية الأولى، فإن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المدني تابعي صغير لم يدرك أسيدًا لأنه مات سنة عشرين، وصلى عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵄. ثم فيه غرابة من حيث إنه قال: وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد ولم أره بسند متصل عن الليث كذلك، إلا ما ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الأطراف أن يحيى بن عبد الله بن بكير رواه عن الليث كذلك. وقد رواه الإمام أبو عبيد في فضائل القرآن فقال (٢٠٣): وحدثنا عبد الله بن صالح ويحيى بن بُكير، عن الليث، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أسيد بن حضير، فذكر الحديث إلى آخره، ثم قال: قال ابن الهاد: وحدثني عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، عن أسيد بن حضير بهذا. وقد رواه النسائي في فضائل القرآن (٢٠٤)، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، وعن علي بن محمد بن علي، عن داود بن منصور، كلاهما عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن عبد الله، وهو ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، عن أسيد، به. ورواه يحيى بن بكير (٢٠٥)، عن الليث كذلك أيضًا، فجمع بين الإسنادين. ورواه في المناقب عن أحمد بن سعيد الرباطي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبه، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده، الحديث (٢٠٦). ولم يقل: عن أسيد، ولكن ظاهره أنه عنه، والله أعلم. وقال أبو عبيد (٢٠٧): حدثني عبد الله بن صالح، عن الليث، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أسيد بن حضير: أنه كان على ظهر بيته يقرأ القرآن وهو حسن الصوت، ثم ذكر مثل هذا الحديث أو نحوه.

стр. 159

وحدثنا قبيصة (٢٠٨)، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير قال: قلت: يا رسول الله، بينا أنا أقرأ البارحة بسورة، فلما انتهيت إلى آخرها سمعت وجبة من خلفي، حتى ظننت أن فرسي تطلق، فقال رسول الله ﷺ : "اقرأ أبا عتيك" مرتين قال: فالتفت إلى أمثال المصابيح ملء بين السماء والأرض، فقال رسول الله ﷺ : "اقرأ أبا عتيك". فقال: والله ما استطعت أن أمضي فقال: "تلك الملائكة تنزلت لقراءة القرآن، أما إنك لو مضيت لرأيت الأعاجيب". وقال أبو داود الطالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق سمع البراء يقول: بينما رجل يقرأ سورة الكهف ليلة إذ رأى دابته تركض، أو قال: فرسه يركض، فنظر فإذا مثل الضبابة أو مثل الغمامة، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "تلك السكينة تنزلت للقرآن، أو تنزلت على القرآن" (٢٠٩). وقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث شعبة (٢١٠). والظاهر أن هذا هو أسيد بن الحضير، ﵁، فهذا مما يتعلق بصناعة الإسناد، وهذا من أغرب تعليقات البخاري، ﵀، ثم سياقه ظاهر فيما ترجم عليه من نزول السكينة والملائكة عند القراءة. وقد اتفق نحو هذا الذي وقع لأسيد بن الحضير لثابت بن قيس بن شماس كما قال أبو عبيد: حدثنا عباد بن عباد عن جرير بن حازم، عن عمه جرير بن زيد، أن أشياخ أهل المدينة حدثوه: أن رسول الله ﷺ قيل له: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصاييح؟ قال: "فلعله قرأ سورة البقرة". قال: فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة (٢١١). وفي الحديث المشهور الصحيح: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحَفَّتْهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده" رواه مسلم عن أبي هريرة (٢١٢).

стр. 160

ولهذا قال الله ﵎: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وجاء في بعض التفاسير: أن الملائكة تشهده. وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون" (٢١٣). من قال: لم يترك النبي ﷺ إلا ما بين الدفتين حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس، فقال له شداد بن معقل: أترك النبي ﷺ من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين. قال: ودخلنا على محمد بن الحنفية فسألناه فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين. تفرد به البخاري (٢١٤)، ومعناه: أنه، ﵇، ما ترك مالًا ولا شيئًا يورث عنه، كما قال عمرو بن الحارث أخو جويرية بنت الحارث: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا (٢١٥). وفي حديث أبي الدرداء: "إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" (٢١٦).

стр. 161

ولهذا قال ابن عباس: وإنما ترك ما بين الدفتين يعني: القرآن، والسنة مفسرة له ومبينة وموضحة له، فهي تابعة له، والمقصود الأعظم كتاب الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، فالأنبياء، ﵈، لم يخلقوا للدنيا يجمعونها ويورثونها، إنما خلقوا للآخرة يدعون إليها ويرغبون فيها؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ : "لا نورث ما تركنا فهو صدقة" (٢١٧). وكان أول من أظهر هذه المحاسن من هذا الوجه أبو بكر الصديق، ﵁، لما سئل عن ميراث النبي ﷺ ، فأخبر عنه بذلك، ووافقه على نقله عنه، ﵇، غير واحد من الصحابة؛ منهم عمر وعثمان وعلي والعباس وطلحة والزبير وعبد الرحمن ابن عوف وأبو هريرة وعائشة وغيرهم، وهذا ابن عباس يقول -أيضًا- عنه ﵇، ﵃ أجمعين. فضل القرآن على سائر الكلام حدثنا هُدْبة بن خالد أبو خالد، حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك، عن أبي موسى، ﵄، عن النبي ﷺ : "مثل الذي يقرأ القرآن كمثل الأُتْرُجة، طعمها طيب وريحها طيب. والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها" (٢١٨). وهكذا رواه في مواضع أخر مع بقية الجماعة من طرق عن قتادة به (٢١٩).

стр. 162

ووجه مناسبة الباب لهذا الحديث: أن طيب الرائحة دار مع القرآن وجودًا وعدمًا، فدل على شرفه على ما سواه من الكلام الصادر من البر والفاجر. ثم قال: حدثنا مُسَدَّد، حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس، ومثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالًا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود فقال: من يعمل لي من نصف النفير إلى العصر؟ فعملت النصارى، ثم أنتم تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين، قالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً! قال: هل ظلمتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من شئت" (٢٢٠). تفرد به من هذا الوجه، ومناسبته للترجمة: أن هذه الأمة مع قصر مدتها فضلَتْ الأمم الماضية مع طول مدتها، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢٢١). وفي المسند والسنن عن بَهْزِ بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله" (٢٢٢). وإنما فازوا بهذا ببركة الكتاب العظيم الذي شرفه الله تعالى على كل كتاب أنزله، جعله مهيمنا عليه، وناسخًا له، وخاتمًا له؛ لأن كل الكتب المتقدمة نزلت إلى الأرض جملة واحدة، وهذا القرآن نزل منجمًا بحسب الوقائع لشدة الاعتناء به وبمن أنزله عليه، فكل مرة كنزول كتاب من الكتب المتقدمة، وأعظم الأمم المتقدمة هم اليهود والنصارى، فاليهود استعملهم الله من لدن موسى إلى زمان عيسى، والنصارى من ثمّ إلى أن بعث محمد ﷺ ، ثم استعمل أمته إلى قيام الساعة، وهو المشبه بآخر النهار، وأعطى الله المتقدمين قيراطًا قيراطًا، وأعطى هؤلاء قيراطين قيراطين، ضعفى ما أعطى أولئك، فقالوا: أي ربنا، ما لنا أكثر عملًا وأقل أجرًا؟ فقال: هل

стр. 163

ظلمتكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي -أي الزائد على ما أعطتكم- أؤتيه من أشاء كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢٢٣). الوصايا بكتاب الله حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا مالك بن مِغْول، حدثنا طلحة بن مُصَرِّف قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى: أوصى النبي ﷺ ؟ قال: لا. فقلْت: فكيف كتب على الناس الوصية، أمروا بها ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله، (٢٢٤). وقد رواه في مواضع أخر مع بقية الجماعة، إلا أبا داود من طرق عن مالك بن مغول به (٢٢٥)، وهذا نظير ما تقدم عن ابن عباس: "ما ترك إلا ما بين الدفتين"، وذلك أن الناس كتب عليهم الوصية في أموالهم كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٢٢٦). وأما هو ﷺ فلم يترك شيئًا يورث عنه، وإنما ترك ماله صدقة جَارية من بعده، فلم يحتج إلى وصية في ذلك ولم يوصِ إلى خليفة يكون بعده على التنصيص؛ لأن الأمر كان ظاهرًا من إشارته وإيمائه إلى الصديق؛ ولهذا لما هم بالوصية إلى أبي بكر ثم عدل عن ذلك فقال: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" (٢٢٧)، وكان كذلك، وإنما أوصى الناس باتباع كتاب الله تعالى. من لم يتغنَّ بالقرآن وقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ﴾ (٢٢٨).

стр. 164

حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، ﵁، أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ : "لم يأذن الله لشيء، ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن"، وقال صاحب له: يزيد يجهر به فرد من هذا الوجه. ثم رواه عن علي بن عبد الله بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، به (٢٢٩). قال سفيان: تفسيره: يستغني به، وقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة (٢٣٠)، ومعناه: أن الله ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك. وهو، ، يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم، كما قالت عائشة، ﵂: سبحان الله الذي وسع سمعه الأصوات (٢٣١). ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إلا كُنَّا عَلَيكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية (٢٣٢)، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم، ومنهم من فسر الأذن هاهنا بالأمر، والأول أولى لقوله: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن" أي: يجهر به، والإذن: الاستماع؛ لدلالة السياق عليه، وكما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (٢٣٣) أي استمعت لربها وحقت أي: وحق لها أن تستمع أمره وتطيعه، فالإذن هاهنا هو الاستماع؛ ولهذا جاء في حديث روااه ابن ماجة بسند جيد عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته" (٢٣٤).

стр. 165

وقول سفيان بن عيينة: إن المراد بالتغني: يستغني به، فإن أراد: أنه يستغني به عن الدنيا، وهو الظاهر من كلامه الذي تابعه عليه أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره، فخلاف الظاهر من مراد الحديث؛ لأنه قد فسره بعض رواته بالجهر، وهو تحسين القراءة والتحزين بها. قال حرملة: سمعت ابن عيينة يقول: معناه: يستغني به، فقال لي الشافعي: ليس هو هكذا، ولو كان هكذا لكان يتغانى به، وإنما هو يتحزن ويترنم به، ثم قال حرملة: وسمعت ابن وهب يقول: يترنم به، وهكذا نقل المزني والربيع عن الشافعي، ﵀. وعلى هذا فتصدير البخاري الباب بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٣٥)، فيه نظر؛ لأن هذه الآية الكريمة ذكرَت ردًّا عَلي الذين سألوا عن آيات تدل عِلى صدقه، حيث قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ﴾ الآية (٢٣٦). ومعنى ذلك: أولم يكفهم آية دالة على صدقك إنزالنا القرآن عليك وأنت رجل أمي ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٢٣٧) أي: وقد جئت فيه بخبر الأولين والآخرين فأين هذا من التغني بالقرآن وهو تحسين الصوت به أو الاستغناء به عما عداه من أمور الدنيا، فعلى كل تقدير تصدير الباب بهذه الآية الكريمة فيه نظر.

стр. 166

فصل في إيراد أحاديث في معنى الباب وذكر أحكام التلاوة بالأصوات قال أبو عبيد (٢٣٨): حدثنا عبد الله بن صالح، عن قباث بين رزين، عن عُلَيِّ بن رباح اللخمي، عن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما ونحن في المسجد نتدارس القرآن، فقال: "تعلموا كتاب الله واقتنوه". قال: وحسبت أنه قال: "وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفلتا من المخاض من العُقُل". وحدثنا عبد الله بن صالح، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ مثل ذلك إلا أنه قال: "واقتنوه وتغنوا به" ولم يشك. وهكذا رواه أحمد والنسائي في كتاب "فضائل القرآن"، من حديث موسى بن علي، عن أبيه، به، ومن حديث عبد الله بن المبارك، عن قباث بن رزين، عن عُلَيٍّ بن رباح، عن عقبة، وفي بعض ألفاظه: خرج علينا ونحن نقرأ القرآن فسلم علينا، وذكر الحديث. ففيه دلالة على السلام على القارئ. ثم قال أبو عبيد (٢٣٩): حدثنا أبو اليمان، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن المهاصر بن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أهل القرآن، لا توسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار، وتغنوه وتقنَّوه، واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون" وهذا مرسل.

стр. 167

ثم قال أبو عبيد: قوله: "تغنوه": يعني: اجعلوه غناءكم من الفقر، ولا تعدوا الإقلال معه فقرًا. وقوله: "وتَقَنَّوه"، يقول: اقتنوه، كما تقتنون الأموال واجعلوه مالكم. وقال أبو عبيد: حدثني هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن فضالة بن عبيد، عن النبي ﷺ قال: "لله أشد أذَنًا [¬١] إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته" (٢٤٠). قال أبو عبيد: هذا الحديث بعضهم يزيد في إسناده يقول: عن إسماعيل بن عبيد الله، عن مولى فضالة عن فضالة وهكذا رواه ابن ماجة، عن راشد بن سعيد بن أبي راشد، عن الوليد، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن ميسرة مولى فضالة، عن فضالة، عن النبي ﷺ : "لله أشد أَذَنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته" (٢٤١). قال أبو عبيد: يعني: الاستماع. وقوله في الحديث الآخر: "ما أذن الله لشيء" أي: ما استمع. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن ابن أبي مُلَيكة، حدثنا القاسم بن محمد، حدثنا السائب قال: قال لي سعد: يا بن أخي، هل قرأت القرآن؟ قلت: نعم. قال: غن به، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "غنوا بالقرآن، ليس منا من لم يغن بالقرآن، وابكوا، فإن لم تقدووا على البكاء فتباكوا" (٢٤٢). وقد روى أبو داود من حديث الليث وعمرو بن دينار كلاهما عن عبد الله بن أبي مُلَيكة، عن عبد الله بن أبي نَهِيك، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لم يكن بالقرآن" (٢٤٣). ورواه ابن ماجة من حديث ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن بن السائب، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه

стр. 168

فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يكن به فليس منا" (٢٤٤). وقال أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا سعيد بن حسان المخزومي، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (٢٤٥). قال وكيع: يعني: يستغنى به. ورواه أحمد أيضًا عن الحجاج وأبي النضر، كلاهما عن الليث بن سعد، وعن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، كلاهما عن عبد الله بن أبي مليكة به. وفي هذا الحديث كلام طويل يتعلق بسنده ليس هذا موضعه، والله أعلم. وقال أبو داود: حدثنا عبد الأعلي بن حماد، حدثنا عبد الجبار بن الورد، قال: سمعت ابن أبي مُلَيكة، يقول: قال عبيد الله بن أبي يزيد: مرّ بنا أبو لُبَابة فاتَّبعناه حتى دخل بيته فدخلنا عليه، فإذا رجل رَثُّ البيت، رَثُّ الهيئة، فانتسبنا له، فقال: تجار كسبة، فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس في من لم يتغن بالقرآن". قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت قال: يحسنه ما استطاع. تفرد به أبو داود (٢٤٦). فقد فهم من هذا أن السلف، ﵃، إنما فهموا من التغني بالقرآن: أنما هو تحسين الصوت به، وتحزينه، كما قاله الأئمة، ﵏، ويدل على ذلك -أيضًا- ما رواه أبو داود حيث قال:

стр. 169

حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن عَوْسَجة، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : "زينوا القرآن بأصوتكم" (٢٤٧). وأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث شعبة، عن طلحة وهو ابن مصرف، به (٢٤٨).

стр. 170

وأخرجه النسائي من طرق أخر عن طلحة (٢٤٩)، وهذا إسناد جيد. وقد وثق النسائي، وابن حبان عبد الرحمن بن عوسجة هذا، ونقل الأزدي عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يحمدونه (٢٥٠). وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث: "زينوا القرآن بأصواتكم" قال أبو عبيد: وإنما كره أيوب فيما نرى، أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدث به (٢٥١). قلت: ثم إن شعبة ﵀ روى الحديث متوكلا على الله، كما رُوي له، ولو ترك كل حديث يتأوله مبطل لترك من السنة شيء كثير، بل قد تطرقوا إلى تأويل آيات كثيرة من القرآن وحملوها على غير محاملها الشرعية المرادة، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والمراد من تحسين الصوت بالقرآن: تطريبه وتحزينه والتخشع به، كما رواه الحافظ الكبير بَقِيّ بن مَخْلَد ﵀، حيث قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحه". قلت: أما والله لو علمت أنك تستمع قراءتي لحبرتها لك تحبيرا. ورواه مسلم من حديث طلحة به وزاد: "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود" (٢٥٢). وسيأتي هذا في بابه حيث يذكره البخاري، والغرض أن أبا موسى قال: لو أعلم أنك تستمع لحبّرته لك تحبيرا، فدل على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى كما قال، ﵇، قد أعطى صوتًا حسنا كما سنذكره إن شاء الله، مع خشية تامة ورقة أهل اليمن الموصوفة، فدل على أن هذا من الأمور الشرعية. قال أبو عبيد (٢٥٣): حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن

стр. 171

أبي سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده. وقال أبو عبيد: وحدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا سليمان التيمي، أنبئت عنه، حدثنا أبو عثمان النهدي قال: كان أبو موسى يصلي بنا، فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنجٍ قط، ولا بربطٍ قط، ولا شيئًا قط أحسن من صوته (٢٥٤). وقال ابن ماجة (٢٥٥): حدثنا العباس بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني حنطة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة قالت: أبطأت على رسول الله ﷺ ليلة بعد العشاء، ثم جئت فقال: "أين كنت؟ " قلت: كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد، قالت: فقام فقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إليّ فقال: "هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا". إسناد جيد. وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتًا أو قال: قراءة منه. وفي بعض ألفاظه: فلما سمعته قرأ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (٢٥٦)، خلت أن فؤادى قد انصدع (٢٥٧). وكان جبير لما سمع هذا بعدُ مشركًا على دين قومه، وإنما كان قدم في فداء الأسارى بعد بدر، وناهيك بمن تؤثر قراءته في المشرك المصر على الكفر! وكان هذا سبب هدايته ولهذا كان أحسن القراءة ما كان عن خشوع القلب.

стр. 172

كما قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث، عن طاوس قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله (٢٥٨). وحدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله. وحدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، وعن الحسن بن مسلم، عن طاوس قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الناس أحسن صوتًا بالقرآن؟ فقال: "الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله" (٢٥٩). وقد روي هذا متصلا من وجه آخر، فقال ابن ماجة (٢٦٠): حدثنا بشر بن معاذ الضرير، حدثنا عبد الله بن جعفر المديني، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله"، ولكن عبد الله بن جعفر هذا، وهو والد علي بن المديني، وشيخه ضعيفان، والله أعلم. والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة، فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي، فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب، وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك، كما قال الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام، ﵀ (٢٦١):

стр. 173

حدثنا نعيم بن حماد، عن بَقِيَّة بن الوليد، عن حصين بن مالك الفزاري: سمعت شيخًا يكنى أبا محمَّد يحدث عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجيء قوم من بعدي يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم". وحدثنا يزيد، عن شريك، عن أبي اليقظان عثمان بن عمير، عن زاذان أبي عمر، عن عليم قال: كنا على سطح ومعنا رجل من أصحاب النبي ﷺ قال يزيد: لا أعلمه إلا قال: عابس الغفاري- فرأى الناس يخرجون في الطاعون فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يفرون من الطاعون، فقال: يا طاعون خذني، فقالوا: تتمنى الموت وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يتمنين أحدكم الموت"؟ فقال: إني أبادر خصالا سمعت رسول الله ﷺ يتخوفهن على أمته: "بيع الحكم، والاستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وقوم يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناءً" وذكر خلتين أخرتين (٢٦٢).

стр. 174

وحدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن زاذان، عن عابس الغفاري، عن النبي ﷺ مثل ذلك أو نحوه (٢٦٣). وحدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن الأعمش، عن رجل، عن أنس بن مالك: أنه سمع رجلًا يقرأ القرآن بهذه الألحان التي أحدث الناس، فأنكر ذلك ونهى عنه (٢٦٤). هذه طرق حسنة في باب الترهيب، وهذا يدل على أنه محذور كبير، وهو قراءة القرآن بالألحان التي يسلك بها مذاهب الغناء، وقد نص الأئمة، ﵏، على النهي عنه، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفا أو ينقص حرفا، فقد اتفق العلماء على تحريمه، والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمَّد بن معمر، حدثنا روح، حدثنا عبيد الله بن الأخنس، عن ابن أبيِ مُلَيكة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن" (٢٦٥). ثم قال: وإنما ذكرناه لأنهم اختلفوا على ابن أبي مليكة فيه، فرواه ابن عبد الجبار بن الورد عنه عن أبي لبابة، ورواه عمرو بن دينار والليث عنه عن ابن أبي نَهِيك عن سعد، ورواه عِسْلُ بن سفيان عنه، عن عائشة (٢٦٦).

стр. 175

ورواه [نافع مولى ابن عمر] عنه، عن ابن الزبير (٢٦٧). اغتباط صاحب القرآن حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، حدثني سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب فقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالًا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار" (٢٦٨). انفرد به البخاري من هذا الوجه، واتفقا على إخراجه من رواية سفيان عن الزهري (٢٦٩). ثم قال البخاري: حدثنا علي بن إبراهيم، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن سليمان: سمعت ذَكْوان، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل" (٢٧٠). ومضمون هذين الحديثين: أن صاحب القرآن في غبطة وهو حسن الحال، فينبغي أن يكون شديد الاغتباط بما هو فيه، ويستحب تغبيطه بذلك، يقال: غبطه يغبِطه -بكسر الباء- غبطًا: إذا تمنى مثل ما هو فيه من النعمة، وهذا بخلاف الحسد المذموم وهو تمني زوال نعمة المحسود عنه، سواء حصلت لذلك الحاسد أو لا وهذا مذموم شرعًا، مهلك، وهو أول معاصي إبليس حين حسد آدم، ﵇، على ما منحه الله تعالى من الكرامة والاحترام والإعظام. والحسد الشرعي الممدوح هو تمني مثل حال ذلك الذي هو على حالة سارة؛ ولهذا قال ﵇: "لا حسد إلا في اثنتين"، فذكر النعمة القاصرة وهي تلاوة القرآن آناء الليل والنهار، والنعمة المتعدية وهي إنفاق المال بالليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ (٢٧١)، وقد روي نحو، هذا من وجه آخر، فقال عبد الله ابن الإِمام أحمد: وجدت في كتاب أبي بخط يده: كتب إليّ

стр. 176

أبو توبة الربيع بن نافع، فكان في كتابه: حدثنا الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، عن سليمان بن موسى، عن كثير بن مرة، عن يزيد بن الأخنس، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنافس بينكم إلا في اثنتين: رجل أعطاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ويتبع ما فيه، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانًا فأقوم به كما يقوم به، ورجل أعطاه الله مالًا فهو ينفق ويتصدق، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانًا فأتصدق به" (٢٧٢). وقريب من هذا ما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبادة بن مسلم، حدثني يونس بن خباب، عن سعيد أبي البختري الطائي، عن أبي كبشة؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، فأما الثلاث التي أقسم عليهن: فإنه ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فيصبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر، وأما الذي أحدثكم حديثًا فاحفظوه، فإنه قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصل رحمه، ويعلم لله فيه حقه"، قال: "فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالًا فهو يقول: لو كان لي مال عملت بعمل فلان" قال: "فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو كان لي مال لفعلت بعمل فلان" قال: "هي نيته فوزرهما فيه سواء" (٢٧٣). وقال أيضًا: حدثنا وَكِيع، حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي كبشة الأنماري قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا فهو يعمل به في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا فهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل". قال رسول الله ﷺ : "فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علما فهو يخبط فيه ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل

стр. 177

الذي يعمل". قال رسول الله ﷺ : "فهما في الوزر سواء". إسناد صحيح (٢٧٤). خيركم من تعلم القرآن وعلمه حدثنا حجاج بن مِنْهال، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مَرْثَد، سمعت سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان بن عفان، ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان، ﵁، حتى كان الحجاج قال: وذلك الذي أقعدني مقعدي هذا (٢٧٥). وقد أخرج الجماعة هذا الحدث سوى مسلم من رواية شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن - وهو عبد الله بن حبيب السلمي ﵀. وحدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عَلْقَمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان قال: قال النبي ﷺ : "إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه" (٢٧٦). وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طرقٍ عن سفيان، عن علقمة، عن أبي

стр. 178

عبد الرحمن، من غير ذكر سعد بن عبيدة (٢٧٧)، كما رواه شعبة ولم يختلف عليه فيه، وهذا المقام مما حكم لسفيان الثوري فيه على شعبة، وخطأ بُنْدَار يحيى بن سعيد في روايته ذلك عن سفيان، عن علقمة، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن وقال: رواه الجماعة من أصحاب سفيان عنه، بإسقاط سعد بن عبيدة، ورواية سفيان أصحُّ في هذا المقام المتعلق بصناعة الإسناد، وفي ذكره طول لولا الملالة لذكرناه، وفيما ذكر كفاية وإرشاد إلى ما ترك، والله أعلم. والغرض أنه، ﵊، قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" وهذه من صفات المؤمنين المتبعين للرسل، وهم الكُمل في أنفسهم، المكملون لغيرهم، وذلك جمع النفع القاصر والمتعدي، وهذا بخلاف صفة الكفار الجبارين الذين لا ينفعون، ولا يتركون أحدا ممن أمكنهم أن ينتفع، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (٢٧٨)، وكما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (٢٧٩)، في أصح قولي المفسرين في هذا، وهو أنهم ينهون الناس عن اتباع القرآن مع نأيهم وبعدهم عنه أيضًا، فجمعوا بين التكذيب والصد، كما قال تعالى: ﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ (٢٨٠)، فهذا شأن الكفار، كما أن شأن الأخيار الأبرار أن يتكمل في نفسه وأن يسعى في تكميل غيره كما قال ﵇: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وكما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَال إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢٨١)، فجمع بين الدعوة إلى الله سواء كان بالأذان أو بغيره من أنواع الدعوة إلى الله تعالى من تعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك، مما يُبتغى به وجه الله، وعمل هو في نفسه صالحًا، وقال قولًا صالحًا أيضًا، فلا أحد أحسن حالًا من هذا. وقد كان أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي -أحد أئمة الإِسلام ومشايخهم- ممن رغب في هذا المقام، فقعد يعلم الناس من إمارة عثمان إلى أيام الحجاج قالوا: وكان مقدار ذلك الذي مكث فيه يعلم القرآن سبعين سنة، ﵀، وآتاه الله ما طلبه ودامه. آمين. قال البخاري ﵀: حدثنا عمرو بن عون، حدثنا حماد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: أتت النبي ﷺ امرأة فقالت: إنها قد وهبت نفسها لله ورسوله، فقال: "ما لي في النساء من حاجة". فقال رجل: زوّجنيها، قال: "أعطها ثوبًا"، قال: لا أجد، قال: "أعطها ولو خاتما من حديد"، فاعتل له، فقال: "ما معك من القرآن؟ ". قال: كذا وكذا. فقال: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" (٢٨٢).

стр. 179

وهذا الحديث متفق على صحة إخراجه من طرق عديدة، والغرض منه أن الذي قصده البخاري أن هذا الرجل تعلم الذي تعلمه من القرآن، وأمره النبي ﷺ أن يعلمه تلك المرأة، ويكون ذلك صداقًا لها علي ذلك، وهذا فيه نزاع بين العلماء، وهل يجوز أن يجعل مثل هذا صداقًا؟ أو هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟ وهل هذا كان خاصًّا بذلك الرجل؟ وما معنى قوله ﵊: "زوجتكها بما معك من القرآن"؟ أبسبب ما معك من القرآن؟ كما قاله أحمد بن حنبل: نكرمك بذلك أو بعوض ما معك، وهذا أقوى، لقوله في صحيح مسلم: "فعلمها"، وهذا هو الذي أراده البخاري ها هنا وتحرير باقي الخلاف مذكور في كتاب النكاح والإجارات، والله المستعان.

стр. 180

القراءة عن ظهر قلب إنما أفرد البخاري في هذه الترجمة حديث أبي حازم عن سهل بن سعد، الحديث الذي تقدم الآن، وفيه أنه، ﵇، قال لرجل: "فما معك من القرآن؟ ". قال: معي سورة كذا وكذا، لسور عددها. قال: "أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ ". قال: نعم. قال: "اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن" (٢٨٣). وهذه الترجمة من البخاري، ﵀، مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل، والله أعلم. ولكن الذي صرح به كثيرون من العلماء أن قراءة القرآن من المصحف أفضل؛ لأنه يشتمل على التلاوة والنظر في المصحف وهو عبادة، كما صرح به غير واحد من السلف، وكرهوا أن يمضي على الرجل يوم لا ينظر في مصحفه، واستدلوا على أفضلية التلاوة في المصحف بما رواه الإِمام العلم أبو عبيد ﵀ في كتاب "فضائل القرآن" حيث قال: حدثنا نعيم بن حماد، عن بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن سليمان بن مسلم، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : "فضل قراءة القرآن نظرًا على من يقرأه ظهرًا، كفضل الفريضة على النافلة" (٢٨٤) وهذا الإسناد ضعيف، فإن معاوية بن يحيى هو الصدفي أو الأطرابلسي، وأيهما كان فهو ضعيف. وقال الثوري: عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أديموا النظر في المصحف (٢٨٥). وقال حماد بن سلمة (٢٨٦)، عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهك [¬١]، عن ابن عباس، عن عمر: أنه كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه. وقال حماد أيضًا (٢٨٧): عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن مسعود: أنه كان إذا اجتمع إليه إخوانه نشروا المصحف، فقرءوا، وفسر لهم. إسناد صحيح.
следующие страницы →