← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وقال ﷺ : "بعثت إلى الأسود والأحمر" (٧٣). وقال: "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" (٧٤). وقال الإِمام أحمد (٧٥): حدَّثنا مؤمل، حدَّثنا حمَّاد، حدَّثنا ثابت عن أَنس، ﵁: أن غلامًا يهوديًّا كان يضع [¬١] للنبي ﷺ وضوءه، ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي ﷺ فدخل عليه، وأَبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبي ﷺ : "يا فلان "قل لا إله إلَّا الله". فنظر إلى أبيه، فسكت أَبوه، فأعاد عليه النبي ﷺ فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم. فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنك رسول الله. فخرج النبي، ﷺ ، وهو يقول: "الحمد لله الذي أخرجه بي من النار" رواه [¬٢] "البخاري في الصحيح، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾ هذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم، في تكذيبهم بآيات الله قديمًا وحديثًا، التي بلغتهم إياها الرسل؛ استكبارًا عليهم، وعنادًا لهم، وتعاظمًا على الحق، واستنكافًا عن اتباعه، ومع هذا [قتلوا من] [¬٣] قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه، بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلَّا لكونهم دعوهم إلى الحق ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي ﷺ : "الكبر بطر الحق وغمط الناس" (٧٦).

стр. 1192

وقال [¬١] ابن أبي حاتم (٧٧): حدَّثنا أَبو الزُّبَير الحسن بن علي بن مسلم النيسابوري نزيل مكة، حدثني أبو حفص عمر بن حفص، يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري - حدَّثنا محمد بن حمزة، حدَّثنا أَبو الحسن -مولى لبني أسد - عن مكحول، عن قبيصة [¬٢] بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أي: الناس أشد عذابًا يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبيًّا أو [من أمر بالمنكر أو نهى عن المعروف] ". ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ [¬٣] الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الآية، ثم قال رسول الله ﷺ : "يا أبا عبيدة! قتلت بنو إسوائيل ثلاثة وأربعين نبيًّا، من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة [¬٤]، وسبعون رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله ". وهكذا رواه ابن جرير (٧٨)، عن أبي عبيدة الوصاي محمد بن حفص، عن ابن حمير، عن أبي الحسن مولى بني أسد، عن مكحول به. وعن [¬٥] عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي [¬٦] من أول النهار، وأقاموا سوق بقتلهم من آخره. رواه ابن أبي حاتم (٧٩). ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: موجع مهين ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.

стр. 1193

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ يقول تعالى منكرًا على اليهود والنصارى، المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم الذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد ﷺ تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم، والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد، ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أي: إنما حملهم وجرأهم على مُخَالفَةُ الحق افتراؤهم على الله فيما ادّعوه لأنفسهم، أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يومًا، وقد تقدَّم تفسير ذلك في سورة البقرة. ثم قال تعالى: " ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ثبتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن إشار لا تمسهم بذنوبهم إلَّا أيامًا معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم، وافتعلوه ولم ينزل الله به سلطانا، قال الله تعالى متهدّدا لهم ومتوعدًا: ﴿فَكَيفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله وكذبوا رسله، وقتلوا أنبياءه، والعلماء من قومهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم [¬١] عن ذلك كله، ومحاسبهم عليه ومجازيهم به، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَيفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أي [¬٢]: لا شك في وقوعه وكونه ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ يقول ﵎: قل يا محمد معظمًا لربك، وشاكرًا له، ومفوضًا إليه، [ومتوكلًا

стр. 1194

عليه] ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ أي: لك الملك كله ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: أنت المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن. وفي هذه الآية [¬١] تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله ﷺ وهذه الأمّة؛ لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي [الأمى المكي]، خاتم الأنبياء على الإِطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين الإِنس والجن، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصه بخصائص لم يعطها نبيًّا من الأنبياء ولا رسولًا من الرسل، في العلم بالله وشريعته وإطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه له [¬٢] عن حقائق الآخرة، ونشر أمته في الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه، وشرعه على سائر الأديان والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، ما تعاقب الليل والنهار، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعال لما تريد. كما رد ﵎ على من يحكم [¬٣] عليه في أمره حيث قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾ قال الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، الآية أي [¬٤]: نحن نتصرف فيما [¬٥] خلقنا كما نريد بلا ممانع، ولا مدافع، ولنا الحكمة البالغة [¬٦] والحجة التامة [¬٧] في ذلك. وهكذا يعطي [¬٨] النبوة لمن يريد [¬٩]، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ [¬١٠]﴾ وقال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، الآية. وقد روى الحافظ ابن عساكر (٨٠) في ترجمة إسحاق بن أحمد من تاريخه، عن المأمون الخليفة، أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوبًا بالحميرية، فعرب له، فإذا هو بسم الله ما اختلف الليل والنهار، ولا دارت نجوم السماء في الفلك، إلا بنقل النعيم عن مَلِكٍ قد زال سلطانه إلى ملك. وملك ذي العرش دائم أبدًا ليس بفان ولا بمشترك. وقوله تعالى: ﴿تُولِجُ [¬١١] اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ [¬١٢] النَّهَارَ فِي اللَّيلِ﴾ أي: تأخذ [¬١٣]

стр. 1195

من طول هذا فتزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة ربيعًا، وصيفًا، وخريفًا، وشتاء. وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ [¬١] الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ [¬٢] الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: تخرج [¬٣] [الزرع من الحبة، والحبة من الزرع]، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء ﴿وَتَرْزُقُ [¬٤] مَنْ تَشَاءُ [¬٥] بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ أي: تعطي من شئت [¬٦] من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين، لما لك في ذلك من الحكمة والإِرادة، والمشيئة، والعدل. قال الطبراني (٨١): حدَّثنا محمد بن زكريا الغلابي [¬٧]، حدثنا جعفر بن جسر [¬٨] ابن فرقد حدثنا أبي، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "اسم [¬٩] الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ

стр. 1196

الْمَصِيرُ (٢٨)﴾. نهى الله ﵎ عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد [¬١] على ذلك فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ﴾ أي: ومن يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله، كما قال تعالى: [﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾، إلى أن قال، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ وقال تعالى]: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية. وقال [ ] بعد ذكر موالاة المؤمنين للمؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. و [قوله تعالى]: ﴿إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: إلا من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم. فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخاري (٨٢)، عن أبي الدرداء أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم. وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل، إنما التقية باللسان. [وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان] [¬٢]. وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الآية. وقال البخاري (٨٣): قال الحسن: التقية ثم [¬٣] إلى يوم القيامة. ثم قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يحذركم نقمته في [¬٤] مخالفته وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه. ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: إليه المرجع والمنقلب فيجازي [¬٥] كل عامل بعمله. قال ابن أبي حاتم (٨٤): حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن

стр. 1197

أبي حسين، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون [] [¬١]، قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود أني رسول رسول الله إليكم، تعلمون أن المعاد إما [¬٢] إلى الجنة أو إلى النار. ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ يخبر ﵎ عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال [والأزمان والأيام] [¬٣] واللحظات وجميع الأوقات، وبجميع ما في الأرض والسموات لا يغيب عنه مثقال ذرّة ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض، والبحار، والجبال وهو ﴿وَاللَّهُ [¬٤] عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: وقدرته نافذة في جميع ذلك [¬٥]، وهذا تنبيه منه [¬٦] لعباده على خوفه، وخشيته لئلا [¬٧] ورتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإن أنظر من أنظر منهم فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزنر مقتدر، ولهذا قال بعد هذا: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ الآية. يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر،

стр. 1198

كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ فما رأى من أعماله حسنًا سره ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه، وودّ لو أنه تبرأ منه، وأن يكون بينهما [أمد بعيد] [¬١]، كما يقول لشيطانه الذي كان مقترنًا به في الدنيا وهو الذي جزأه [¬٢] على فعل السوء ﴿يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾. ثم قال تعالى مؤكدًا، ومهددًا [¬٣]، ومتوعدًا: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يخوّفكم عقابه. ثم قال ﷻ مرجيًا لعباده [لئلا ييئسوا] [¬٤] من رحمته ويقنطوا من لطفه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه. وقال غيره: أي: رحيم بخلقه، يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم، وأن يتبعوا رسوله الكريم. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادّعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، وأحواله [¬٥]، كما ثبت في الصحيح (٨٥) عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ"؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض [العلماء الحكماء]: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأن أن تُحَبَّ. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. وقد قال ابن أبي حاتم (٨٦): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عبيد الله بن

стр. 1199

موسى، عن عبد الأعلي بن أعين [¬١] عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "وهل الدين إلا الحب [والبغض] [¬٢] قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. وقال [¬٣] أبو زرعة: [] [¬٤]، عبد الأعلى هذا منكر الحديث. ثم قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: باتباعكم للرسول ﷺ يحصل لكم هذا [من بركة] [¬٥] سفارته، ثم قال تعالى آمرًا لكل أحد من خاص وعام: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: خالفوا عن أمره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه [محب لله] [¬٦] ويتقرّب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما [¬٧] وسمعهم إلا اتباعه والدخول في طاعته واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [إن شاء الله تعالى] [¬٨]. ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم ﵇؛ خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه [¬٩] منها، لما له في ذلك من الحكمة، واصطفى نوحًا ﵇ وجعله أوّل رسولٍ بعثه [¬١٠] إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا بالله [¬١١] ما لم ينزل به سلطانًا،

стр. 1200

وانتقم له لما طالت مدّته بين ظهراني قومه، يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًّا [¬١] وجهارًا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارًا، فدعا عليهم فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به، واصطفى آل إبراهيم، ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإِطلاق محمد ﷺ ، وآل عمران، والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت عمران أم عيسى بن مريم ﵈. قال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀: هو عمران بن ياشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن يونم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن [أجر يهو] بن يازم بن يهفاشاط بن إِنشا بن أبيان [¬٢] بن رخيعم بن سليمان بن داود ﵉. فعيسى ﵇ من ذرية إبراهيم، كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى وبه الثقة. ﴿إِذْ قَالتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ امرأة عمران هذه هي [¬٣] أمّ مريم [بنت عمران] [¬٤] ﵍ وهي حنة بنت فاقود. قال محمد بن إسحاق: وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يوما طائرًا يزق فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى أن يهبها ولدًا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها فحملت منه، فلما تحققت الحمل نذرته أن يكون محررًا أي: خالصًا مفرغًا للعبادة و [¬٥] لخدمة بيت المقدس، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لدعائي العليم بنيتى. ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكرًا أم أنثى ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرئ [¬٦] برفع التاء على أنها تاء المتكلم وأن ذلك من تمام قولها، وقرئ بتسكين التاء على أنه من قول الله ﴿وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ أي: في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى ﴿وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ﴾ فيه دلالة [¬٧] على جواز التسمية يوم الولادة، كما هو الظاهر من

стр. 1201

السياق؛ لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقررًا، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ حيث قال: "ولد لي الليلة ولد وسميته باسم أبي إبراهيم" (٨٧). أخرجاه. وكذلك ثبت فيهما أن أنس بن مالك ذهب بأخيه حين ولدته أمه إلى رسول الله، ﷺ ، فحنكه وسماه عبد الله (٨٨). وفي صحيح البخاري (٨٩) أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ ولد لي الليلة [¬١] ولد فما أسميه؟ قال [¬٢]: "اسم ولدك عبد الرحمن" وثبت في الصحيح أيضًا (٩٠): أنه لما جاء [¬٣] أبو أسيد بابنه ليحنكه فذهل عنه، فأمر به أبوه فرده إلى منزلهم، فلما ذكر رسول الله، ﷺ في المجلس سماه المنذر. فأما حديث قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب، أنّ رسول الله ﷺ قال: "كل غلام رهينة [¬٤] بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويسمى ويحلق رأسه" (٩١). فقد رواه أحمد وأهل السنن وصححة الترمذي بهذا اللفظ وروي [¬٥] "ويدمَّى". وهو أثبت وأحفظ والله أعلم. وكذا [¬٦] ما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب، أن رسول الله ﷺ عق عن ولده إبراهيم

стр. 1202

[وسماه إبراهيم يوم سابعه] [¬١] فإسناده لا [¬٢] يثبت، وهو مخالف لما في الصحيح ولو صح لحمل على أنه اشتهر [¬٣] اسمه بذلك يومئذ والله أعلم. وقوله إخبارًا عن أمّ مريم أنها قالت ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي: عوذتها بالله من شر الشيطان، وعوذت ذريتها وهو ولدها عيسى ﵇ فاستجاب الله لها ذلك، كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مسه إياه، إلا مريم وابنها". ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَ [¬٤] إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾. أخرجاه (٩٢) من حديث عبد الرزاق. ورواه ابن جرير (٩٣)، عن أحمد بن الفرج، عن بقية، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه. وروي من حديث قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا [وقد عصره] [¬٥] الشيطان عصرة أو عصرتين، إلا عيسى ابن مريم ومريم". ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿و [¬٦] إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ

стр. 1203

الرَّجِيمِ﴾ (٩٤). ومن حديث العلاء، [عن أبيه] [¬١]، عن أبي هريرة. ورواه مسلم (٩٥)، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة. ورواه ابن وهب أيضًا عن ابن [¬٢] أبي ذئب، عن عجلان مولى المشمعل، عن أبي هريرة (٩٦). وراه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ بأصل الحديث (٩٧). وهكذا رواه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله، ﷺ : "كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين تلده أمه، إلا عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب" (٩٨). فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا

стр. 1204

زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ يخبر ربنا - تعالى - أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه [¬١] أنبتها نباتًا حسنًا، أي: جعلها شكلًا مليحًا ومنظرًا بهيجًا، ويسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده، تتعلم منهم [العلم و] [¬٢] الخير والدين، فلهذا [¬٣] قال: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (٩٩) وفي قراءة ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (١٠٠) بتشديد الفاء، ونصب زكريا على المفعولية، أي: جعله كافلًا لها. قال ابن إسحاق: وما ذلك [¬٤] إلا أنها كانت يتيمة. وذكر غيره: أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب، فكفل زكريا مريم [¬٥] لذلك ولا منافاة بين القولين والله أعلم. وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علمًا جمًّا نافعًا وعملًا صالحًا، ولأنه كان زوج خالتها على ما ذكره ابن إسحاق، وابن جرير وغيرهما [¬٦]. وقيل: زوج أختها. كما ورد في الصحيح (١٠١): " فإذا بيحيى [¬٧] وعيسى و [¬٨] هما ابنا الخالة" وقد يطلق [¬٩] على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضًا [¬١٠] توسعًا، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها. وقد ثبت في الصحيحين [¬١١]: أنّ رسول الله ﷺ قضى في عمارة بنت حمزة، أن تكون [¬١٢] في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب، وقال: "الخالة بمنزلة الأم" (١٠٢). ثم أخبر تعالى عن سيادتها رجلالتها في محل عبادتها، فقال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا

стр. 1205

الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. و [¬١] قال مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والربيع بن أنس، وعطة العوفي، والسُّدي: يعني [¬٢] [وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. وعن مجاهد] [¬٣]: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ أي: علمًا. أو قال: صحفًا فيها علم. رواه ابن أبي حاتم (١٠٣)، والأول أصح، وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السنة لهذا نظائر كثيرة، فإذا رأى زكريا هذا عندها ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ أي: يقول من أين لك هذا؟ ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وقال الحافظ أبو يعلى (١٠٤): [حدثنا سهيل بن زنجلة] [¬٤]، حدثنا عبد اللَّه بن صالح، حدثنا [¬٥] عبد الله بن لهيعة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر؛ أن ريسول الله ﷺ أقام أيامًا لم يطعم طعامًا، حتى شق ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه، فلم يجد عند واحدة منهن شيئًا، فأتى فاطمة فقال: "يا بنية؛ هل عندك شيء آكله فإني جائع؟ " قالت [¬٦]: لا والله - بأبي أنت وأمي - فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها، فوضعته في جفنة لها، وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله ﷺ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسنًا أو حسينًا إلى رسول الله ﷺ فرجع إليها فقالت له: بأبي أنت وأمي: قد أتى الله بشيء فخبأته لك قال: "هلمي يا بنية". قالت: فأتيته بالجفنة فكشفت عنها [¬٧]، فإذا هي مملوءة خبزًا ولحمًا، فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله، وصلت على نبيه، وقدمته إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآه حمد الله، وقال: "من أين لك هذا يا بنية "؟ قالت: يا أبت ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فحمد الله، وقال: "الحمد لله الذي جعلك يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئًا وسئلت [¬٨] عنه قالت: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فبعث رسول الله ﷺ إلى علي، ثم أكل رسول الله ﷺ وأكل [¬٩] علي

стр. 1206

وفاطمة، وحسن وحسين، وجميع أزواج النبي ﷺ وأهل بيته [حتى شبعوا جميعًا]، قالت: وبقيت الجفنة كما هي. قالت [¬١]: فأوسعت ببقيتها [¬٢] على جميع الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيرًا كثيرًا. ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَال كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ لما رأى زكريا ﵇ أن الله تعالى يرزق مريم ﵍ فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء؛ [طمع حينئذ] [¬٣] في الولد [وإن كان] [¬٤] شيخًا كبيرًا، قد [ضعف و] [¬٥] وهن منه العظم واشتعل الرأس [¬٦] شيبًا، [وإن كانت] [¬٧] امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفيًّا وقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك، ذرية طيبة، أي: ولدًا صالحًا، إنك سميع الدعاء. قال الله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ أي: خاطبته الملائكة شفاهًا، خطابًا أسمعته وهو قائم يصلي [¬٨] في محراب عبادته، ومحل خلوته، ومجلس مناجاته وصلاته. ثم أخبر تعالى عما بشرته به الملائكة ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال [¬٩] قتادة وغيره: إنما سمي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإِيمان. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ

стр. 1207

مِنَ اللَّهِ﴾ روى العوفي وغيره عن ابن عباس، وقال الحسن وقتادة، وعكرمة ومجاهد، وأبو الشعثاء والسدّي، والربيع بن أنس والضحاك وغيرهم، في هذه الآية ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بعيسى بن مريم. وقال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى بن مريم. وقال قتادة: وعلى سنته ومنهاجه. وقال ابن جريج: قال ابن عباس في قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول، لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى؛ تصديقه له في بطن أمه، وهو أول من صدق عيسى، وكلمة الله عيسى، وهو. أكبر من [يحيى ﵉] [¬١] " وهكذا قال السدي أيضًا. وقوله [¬٢] ﴿وسَيِّدًا﴾. قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم: الحكيم. وقال قتادة: سيدًا في العلم والعبادة. وقال [¬٣] ابن عباس والثوري والضحاك: السيد: الحكيم التقي [¬٤]. وقال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم. وقال عطية: السيد في خلقه ودينه. وقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيد: هو الشريف. وقال مجاهد وغيره: هو الكريم على [الله ]. وقوله: ﴿وحَصُورًا﴾ روي عن ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، وعطية العوفي؛ أنهم قالوا: هو الذي لا يأتي النساء. وعن أبي العالية والربيع بن أنس: هو الذي لا يولد له. وقال الضحاك: هو الذي لا ولد له ولا ماء له. وقال ابن أبي حاتم (١٠٥): حدَّثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس في الحصور: الذي لا ينزل الماء. وقد روى ابن أبي حاتم (١٠٦) في هذا حديثًا غريبًا جدًّا فقال: حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب

стр. 1208

البغدادي، حدثني سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، يعني ابن العوام، عن يحيى بن سعيد، عن [سعيد بن] [¬١] المسيب، عن ابن العاص - لا يدري عبد الله أو عمرو - عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ قال: ثم تناول شيئًا من الأرض فقال: "كان ذكره مثل هذا". و [¬٢] قال ابن أبي حاتم (١٠٧): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أنه سمح سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ يقول: [ليس أحد من خلق الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا] [¬٣]، [¬٤] قرأ سعيد: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ ثم [¬٥] أخذ شيئًا من الأرض فقال [¬٦]: الحصور من [¬٧] كان ذكره مثل ذي. وأشار يحيى بن سعيد القطان بطرف أصبعه السبابة. فهذا موقوف وهو أقوى إسنادًا من المرفوع، بل وفي صحة المرفوع نظر، والله أعلم. [ورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا أحمد بن داود السمناني، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت عبد الله ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يلقى الله إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا، فإنّ الله يقول: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾، قال،: وإنما ذكره مثل هدبة الثوب". وأشار بأنملته. وقال ابن أبي حاتم (١٠٨): حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن حماد ومحمد بن سلمة المرادي قالا:

стр. 1209

حدثنا حجاج بن سليمان المقري، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "كل ابن آدم يلقى الله بذنب يعذبه عليه، إن شاء أو يرحمه، إلا يحيى بن زكريا، فإنه كان سيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين". ثم أهوى النبي ﷺ إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: "وكان ذكره مثل هذه القذاة " [¬١]. وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان [¬٢] ﴿حَصُورًا﴾ ليس كما قاله بعضهم، إنه كان هيوبًا أولًا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب، ولا يليق بالأنبياء ﵈. وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها، كأنه حصور عنها، وقيل: مانعًا نفسه من الشهوات. وقيل: ليست له شهوة في النساء. وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة، ثم يمنعها إمّا بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من الله كيحيى ﵇، ثم هي في حق من قدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه، درجة عليا، وهي درجة نبينا ﷺ الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهنّ وقيامه عليهنّ، وإكسابه لهنّ، وهدايته إياهنّ، بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال: "حبب إلي من دنياكم" (١٠٩) هذا لفظه. والمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور، ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: أنه حصور من الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال، وغشيانهنّ وإيلادهنّ، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم، حيث قال: ﴿هَبْ [¬٣] لِي مِنْ لدنك ذرّية طيبة﴾ كأنه [قال: ولدًا] [¬٤] له ذرية ونسل وعقب، والله أعلم. وقوله: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هذه بشارة ثانية بنبوّة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى، كقوله تعالى لأمّ موسى: ﴿إنا رادُّوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾. فلما تحقق زكريا ﵇ هذه البشارة، وأخذ [¬٥] يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ﴾ أي: الملك ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: هكذا أمر الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾

стр. 1210

أي: علامة أستدل بها على وجود الولد مني ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ أي: إشارة لا تستطيع النطق مع أنك سوى صحيح. كما في قوله: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ ثم أمر بكثرة الذكر والشكر والتكبير [¬١] والتسبيح في هذه الحال، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. وسيأتي طرف آخر في بسط هذا المقام في أوّل سورة مريم إن شاء الله تعالى. ﴿وَإِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ هذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم ﵍ عن أمر الله لهم بذلك؛ أن الله قد اصطفاها، أي: اختارها، لكثرة عبادتها، وزهادتها، وشرفها، وطهارتها [¬٢] من الأكدار والوساوس [¬٣]، واصطفاها ثانيًا مرة بعد مرة؛ لجلالتها على نساء العالمين. قال عبد الرزاق (١١٠): أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ قال: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ : "خير نساء ركبن الإبل نساء قريش؛ أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده، ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قَطْ".

стр. 1211

[ولم يخرجه] [¬١] من هذا الوجه سوى مسلم، فإنه رواه عن محمد بن رافع، [وعبد بن حميد] [¬٢] كلاهما عن عبد الرزاق به. وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب، ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خير نسائها مريم بنت عمران [¬٣]، وخير نسائها خديجة بنت خويلد". أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام به مثله (١١١). وقال الترمذي (١١٢): حدثنا أبو بكر بن زنجويه [¬٤]، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون" تفرّد به الترمذي وصححه.

стр. 1212

وقال عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه قال: كان ثابت البناني يحدث عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "خير نساء العالمين أربع، مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت رسول الله". رواه ابن مردويه (١١٣). وروى ابن مردويه، من طريق شعبة، عن معاوية بن قرّة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". وقال ابن جرير (١١٤): حدثني المثنى، حدثنا آدم العسقلاني، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مرّة، سمعت مرّة الهمداني، يحدث عن أبي موسى الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون". وقد أخرجه الجماعة (١١٥)؛ إلا أبا داود من طرق عن شعبة به، ولفظ البخاري: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". وقد استقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في قصة [عيسى بن مريم] [¬١] ﵉ في كتابنا البداية والنهاية (١١٦)، ولله الحمد والمنة. ثم أخبر تعالى عن الملائكة، أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع [والخضوع والسجود والركوع] والدأب [¬٢] في العمل [] [¬٣] لما يريد الله تعالى بها من الأمر الذي قدره

стр. 1213

وقضاه، مما فيه محنة لها ورفعة في الدارين، بما أظهر الله تعالى فيها من قدرته العظيمة؛ حيث خلق منها ولدًا من غير أب، فقال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أمّا القنوت: فهو الطاعة في خشوع، كما قال تعالى: ﴿بل له ما [¬١] في السموات والأرض كل له قانتون﴾. وقد قال ابن أبي حاتم (١١٧): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن دراجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: "كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة". ورواه ابن جرير من [حديث] [¬٢] ابن لهيعة، عن دراج به، وفيه نكارة. وقال مجاهد: كانت مريم، ﵍، تقوم حتى تتورم كعباها. والقنوت هو طول الركود في الصلاة، يعني امتثالًا [لقول الله] [¬٣] تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك] [] [¬٤] قال الحسن: يعني اعبدي لربك. ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: كوني منهم. وقال الأوزاعي: ركدت في محرابها راكعة وساجدة وقائمة حتى نزل ماء الأصفر في قدميها ﵂ [وأرضاها] [¬٥]. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر (١١٨) في ترجمتها من طريق محمد بن يونس الكديمي [¬٦]، وفيه مقال: ثنا علي بن بحر بن بري، ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير في قوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ قال: سجدت حتى نزل الماء الأصفر في عينيها [¬٧].

стр. 1214

وذكر ابن أبي الدنيا: ثنا الحسن بن عبد العزيز، ثنا ضمرة، عن ابن [¬١] شَوْذَب؛ قال: كانت مريم ﵍ تغتسل في كل ليلة. ثم قال تعالى لرسوله بعد ما أطلعه على جلية الأمر: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾ أي: نقصه عديك ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي: ما كنت عندهم يا محمد [فتخبر عنهم] [¬٢] معاينة عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك [كأنك حاضر وشاهد] [¬٣] لما كان من أمرهم، حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في الأجر. قال ابن جرير (١١٩): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة [¬٤]، أنه أخبره عن عكرمة-[وأبي بكر، عن عكرمة] [¬٥]، - قال: ثم خرجت بها -يعني أم مريم بمريم [¬٦]-[في خرقها] [¬٧] إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى ﵉ قال: وهم يومئذ يلون في بيت المقدس ما تلي الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فإني حررتها وهي ابنتي، ولا تدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي، فقالوا: هذه ابنة إمامنا وكان عمران يؤمهم في الصلاة، وصاحب قرباننا. فقال زكريا: ادفعوها إلي [¬٨] فإن خالتها تحتي. فقالوا: لا تطيب أنفسنا، هي [¬٩] ابنة إمامنا. فذلك حين اقترعوا [عليها بأقلامهم] [¬١٠] [] [¬١١] التي يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكريا، فكفلها. وقد ذكر عكرمة أيضًا والسدي وقتادة والربيع بن أنس وغير واحد -دخل حديث بعضهم في بعض-: أنهم ذهبوا [¬١٢] إلى نهر الأردن واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فيه [¬١٣]، فأيهم يثبت [¬١٤] في جِرية (*) الماء [¬١٥] هو كافلها، فألقوا أقلامهم فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت.

стр. 1215

ويقال: إنه ذهب صعدًا [¬١] يشق جرية الماء، وكان مع ذلك كبيرهم، وسيدهم وعالمهم وإمامهم ونبيهم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين. ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾ هذه بشارة من الملائكة لمريم ﵍، بأن سيوجد منها ولد عظيم، له شأن كبير؛ قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي: بقوله [¬٢] له: كن؛ فيكون. وهذا تفسير قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ كما ذكره الجمهور على ما سبق بيانه ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أي: يكون مشهورًا بهذا في الدنيا، يعرفه المؤمنون بذلك. وسمي المسيح قال بعض السلف: لكثرة سياحته. وقيل: لأنه [¬٣] كان مسيح القدمين لا أخمص لهم. وقيل: لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ نسبة له [¬٤] إلى أمه، حيث لا أب له ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وينزله عليه من الكتاب، وغير ذلك مما منحه الله [¬٥] به. وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بإخوانه [¬٦] من أولي العزم صلوات الله [وسلامه عليه وعليهم أجمعين] [¬٧]. وقوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي: يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال صغره، معجزة وآية، [وفي حال] [¬٨] كهولته [¬٩] حين يوحي الله إليه بذلك ﴿وَمِنَ

стр. 1216

الصَّالِحِينَ﴾ أي: في قوله وعمله. له علم صحيح، وعمل صالح. قال محمد بن إسحاق (١٢٠): عن يزيد [¬١] بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن شرحبيل، عن أبي هروة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تكلم مولود في صغره [¬٢] إلا عيسى وصاحب جريج [¬٣] ". وقال ابن أبي حاتم (١٢١): حدثنا أبو الصقر [¬٤] يحيى بن محمد بن قزعة، حدثنا الحسين -يعني المروزي- حدثنا جرير، يعني ابن حازم، عن محمد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة؛ عيسى، وصبي كان في زمن جريج وصبي آخر". فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن الله، ، قالت في مناجاتها: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، تقول: كيف يوجد هذا الولد مني، وأنا لست بذات زوج، ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بغيًّا حاشا [¬٥] لله [¬٦]. فقال لها الملك عن الله في جواب هذا السؤال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: هكذا أمر الله عظيم، لا يعجزه شيء، وصرح هاهنا [¬٧] بقوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ولم يقل: يفعل كما في قصة زكريا. بل نص هاهنا على أنه يخلق؛ لئلا يبقى لمبطل شبهة، وأكد ذلك بقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: فلا يتأخر شيئًا، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة [¬٨]، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ أي: إنما نأمر مرة واحدة [¬٩] لا مَثْنَوَية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعًا، كلمح بالبصر. ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ

стр. 1217

﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ يقول الله تعالى مخبرًا [¬١] عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها، عيسى ﵇،: إن الله يعلمه الكتاب والحكمة. الظاهر أن المراد بالكتاب هاهنا الكتابة، والحكمة تقدم [الكلام على] [¬٢] تفسيرها في سورة البقرة. ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾: فالتوراة هو [¬٣] الكتاب الذي [أنزله الله] [¬٤] على موسى بن عمران، والإنجيل الذي [أنزله الله] [¬٥] على عيسى [ابن مريم] [¬٦] ﵉. وقد كان عيسى [¬٧] ﵇ يحفظ هذا وهذا، وقوله: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: يجعله رسولًا إلى بني إسرائيل قائلًا لهم ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وكذلك كان يفعل؛ يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخ فيه؛ فيطر عيانًا بإذن الله، ، الذي جعل هذا معجزة له تدل [¬٨] على [أن الله] [¬٩] أرسله. ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قيل: إنه [¬١٠] الذي يبصر نهارًا ولا يبصر ليلًا، وقيل بالعكس، وقيل: هو [¬١١] الأعشى. وقيل: الأعمش. وقيل: هو الذي يولد أعمى. وهو أشبه؛ لأنه أبلغ في المعجزة، وأقوى في التحدي ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ معروف.

стр. 1218

﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء [بمعجزة تناسب] [¬١] أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزات [¬٢] بهرت الأبصار، وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار، انقادوا للإسلام وصاروا من [عباد الله] [¬٣] الأبرار. وأما عيسى ﵇ فبعث في زمن الأطباء وأصحَاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد [¬٤]؟؟. وكذلك محمد ﷺ بعث [¬٥] في زمان [¬٦] الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله، ، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله لم يستطعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه [¬٧] كلام الخلق أبدًا. وقوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أي: أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر [في بيته لغداه] [¬٨] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في ذلك كله ﴿لآيَةً لَكُمْ﴾ أي: على صدقي فيما جئتكم به ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: مقرًّا [¬٩] لها ومثبتًا [¬١٠]، ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ﴾ فيه دلالة على أن عيسى ﵇ نسخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئًا، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون [¬١١] فيه فأخطئوا، فكشف [¬١٢] لهم عن المغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾، والله أعلم. ثم قال: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بحجة ودلالة على صدقي فيما أقول لكم ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له،

стр. 1219

والخضوع والاستكانة إليه ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. * ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى﴾ أي: استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال، قال: من أنصاري إلى الله؟ قال مجاهد: أي: من يتبعني إلى الله. وقال سفيان الثوري وغيره؟ أي [¬١]: من أنصاري مع الله. وقول مجاهد أقرب. والظاهر أنه أراد: من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي ﷺ يقول في مواسم الحج قبل أن يهاجر: "من رجل يؤويني [على أن] [¬٢] أبلغ كلام ربي؟ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي" (١٢٢). حتى وجد الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فواسوه [¬٣] ومنعوه من الأسود والأحمر، [﵃ وأرضاهم]. وهكذا عيسى بن مريم، [﵇]، انتدب له طائفة من بني إسرائيل، فآمنوا به، وآزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، ولهذا قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا [¬٤] مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.

стр. 1220

الحواريون قيل: كانوا قصارين، وقيل [¬١]: سموا بذلك لبياض ثيابهم. وقيل: صيادين. والصحيح أن الحواري الناصر. كما ثبت في الصحيحين (١٢٣) أن رسول الله ﷺ لما ندب الناس يوم الأحزاب فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير ﵁، [ثم ندبهم فانتدب الزبير ﵁] [¬٢]، فقال النبي ﷺ : "إن لكل نبي حواريًا وحواري الزبير". وقال ابن أبي حاتم (١٢٤): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال [¬٣]: مع أمة محمد ﷺ . وهذا إسناد جيد. ثم قال تعالى مخبرًا عن ملإ [¬٤] بني إسرائيل فيما هموا به من [الفتك بعيسى] [¬٥]، ﵇، وإرادته بالسوء والصلب، حين تمالئوا عليه، ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان كافرًا، فأنهوا إليه أن هاهنا رجلًا يضل الناس، ويصدهم عن طاعة الملك، ويفسد [¬٦] الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه، إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم، ورموه به من الكذب، وأنه ولد زانية حتى استثاروا غضب الملك، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به، فلما أحاطوا بمنزله، وظنوا أنهم قد ظفروا به، نجاه الله تعالى من بينهم، ورفعه من روزنة ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل ممن [¬٧] كان عنده في المنزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى، ﵇، فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشوك، وكان هذا من مكر الله بهم، فإنه نجى نبيه ورفعه من بين

стр. 1221

أظهرهم، وتركهم في ضلالهم يعمهون؛ يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم [¬١]، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعنادًا للحق ملازمًا لهم، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾. ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَينَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فقال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر، تقديره: إني رافعك إلي [¬٢] ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾، يعني بعد ذلك. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إني متوفيك أي: مميتك. وقال محمد بن إسحاق عمن لا يتهم [¬٣]، عن وهب بن منبه؛ قال: توفاه الله ثلاث ساعات من أول [¬٤] النهار حين رفعه الله إليه. قال [¬٥] ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات ثم أحياه. وقال إسحاق بن بشر، عن إدريس، عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام ثم بعثه ثم رفعه. وقال مطر الوراق: إني [¬٦] متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت. وكذا قال ابن جريج: توفيه هو رفعه. وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا النوم. كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ

стр. 1222

فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وكان رسول الله ﷺ يقول إذا قام من النوم: "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا [وإليه النشور] [¬١] ". الحديث (١٢٥). وقال الله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ [وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾] إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا﴾ والضمير في قوله "قبل موته" عائد على عيسى ﵇ أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن [¬٢] بعيسى [قبل موت عيسى] [¬٣] وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، على ما سيأتي بيانه، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلهم؛ لأنه يضع الجزية، ولا يقبل إلا الإِسلام. وقال [¬٤] ابن أبي حاتم (١٢٦): حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، [حدثنا عبد الله] [¬٥] بن أبي جعفر، عن أبيه، حدثنا الربيع بن أنس، عن الحسن، أنه قال في قوله تعالى ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: يعني وفاة المنام [¬٦] رفعه الله في منامه. قال الحسن: قال رسول الله ﷺ لليهود: "إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة". وقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: برفعي إياك إلى السماء ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهكذا وقع فإن المسيح ﵇ لما رفعه الله إلى السماء تفرقت أصحابه شيعًا بعده. فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالتهم [¬٧] في القرآن ورد على كل فريق، [فاستمروا على ذلك] [¬٨] قريبًا من ثلاثمائة سنة، ثم نَبَعَ لهم ملك

стр. 1223

من ملوك اليونان يقال له قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده. فإنه كان فيلسوفًا. وقيل: جهلًا منه. إلا أنه بدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه ووضعت له القوانين والأمانة الكبرى [¬١] التي هي الخيانة الحقيرة، وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له [¬٢] إلى المشرق [¬٣]، وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع، [وزادوا] [¬٤] في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح دين قسطنطين [إلا أنه] [¬٥] بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبني المدينة المنسوبة إليه، واتبعه الطائفة [¬٦] الملكية منهم، وهم في هذا كله قاهرون لليهود [أيدهم الله] [¬٧] عليهم لأنهم [¬٨] أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفارًا، عليهم لعائن الله. فلما بعث الله محمدًا ﷺ فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق، فكانوا [¬٩] هم أتباع كل نبي على وجه الأرض؛ إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي العربي [¬١٠] خاتم الرسل وسيد ولد آدم [على الإِطلاق] [¬١١]، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته، مما [¬١٢] قد حرفوا وبدلوا، ثم لو لم يكن شيء من ذلك، لكان قد نسخ الله بشريعته شريعة [¬١٣] جميع الرسل بما بعث الله [¬١٤] به محمدًا، ﷺ ، من الدين الحق، الذي لا يبدل ولا يغير إلى قيام الساعة، ولا يزال قائمًا منصورًا ظاهرًا على كل دين، فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول، وكسروا كسرى، وقصروا [¬١٥] قيصر، وسلبوهما كنوزهما، وأنفقت في سبيل الله، كما أخبرهم بذلك نبيهم (١٢٧) عن ربهم في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [¬١٦] كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ [أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيئًا﴾] الآية. فلهذا [¬١٧] لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقا سلبوا النصارى بلاد الشام، وأجلوهم إلى

стр. 1224

الروم، فلجئوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ولا يزال الإسلام وأهله [¬١] فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية (١٢٨) ويستفيئون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جدًّا لم ير الناس مثلها، ولا يرون بعدها نظيرها، وقد جمعت في هذا جزءًا مفردًا. ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [أي يوم القيامة] [¬٢] ﴿فَأَحْكُمُ بَينَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ وكذلك فعل تعالى بمن كفر بالمسيح من اليهود أو غلا فيه [أو أطراه] [¬٣] من النصارى؛ عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي [¬٤] وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشق ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ [¬٥] أُجُورَهُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة؛ في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ أي: هذا الذي قصصناه [¬٦] عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره هو مما قاله الله [¬٧] تعالى وأوحاه إليك وأنزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وهاهنا قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا

стр. 1225

فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾. يقول [جل وعلا] [¬١]: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [فإن الله تعالى] [¬٢] خلقه من غير أب ولا أم، بل ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) [الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ] [¬٣]﴾ فالذي [¬٤] خلق آدم [من غير أب] [¬٥] قادر على [أن يخلق] [¬٦] عيسى بالطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادّعاء البنوة [¬٧] في عيسى لكونه [¬٨] مخلوقًا من غير أب، فجواز ذلك في [¬٩] آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها [¬١٠] في عيسى أشدّ بطلانًا وأظهر فسادًا، ولكن الرب [ ﷻ ] [¬١١] أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم، لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حوّاء [¬١٢] من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ وقال هاهنا: (﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ [¬١٣] مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: هذا [هو القول] [¬١٤] الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال. ثم قال تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا [¬١٥] جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: نحضرهم في حال المباهلة ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أي: نلتعن ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ أي: منا أو [¬١٦] منكم. وكان سبب نزول [¬١٧] المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران: [أن النصارى لما] [¬١٨] قدموا، فجعلوا يحاجون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة [¬١٩] ردًّا عليهم، كما ذكره الإِمام محمد بن إسحاق بن يسار

стр. 1226

وغيره (١٢٩). قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره (١٣٠): قدم على رسول الله، ﷺ ، وفد نصارى نجران ستون راكبًا، فيهم أربعة عشر رجلًا من أشرافيم يئول [أمرهم إليهم] وهم: العاقب واسمه عبد المسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأوس بن الحارث، وزيد، وقيس ويزيد ونبيه وخويلد وعمرو [¬١] وخالد وعبد الله وَيُحنَّس [¬٢]. وأمر هؤلاء يئول إلى ثلاثة منهم، وهم: العاقب، وكان أمير القوم، وذا رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد، وكان عالمهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثة ابن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب، مدارستهم، وكان رجلًا من العرب من بنى بكر بن وائل، ولكنه تنصر، فعظمته الروم وملوكها وشوفوه وبنوا له الكنائس وموّلوه [¬٣] واخدموه لما يعلمون [¬٤] من صلابته في دينهم، وقد كان يعرف أمر رسول الله ﷺ وصفته وشأنه بما [¬٥] علمه من الكتب المتقدّمة جيدًا [¬٦] ولكن احتمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما يرى من تعظيمه فيها ووجاهته عند أهلها. قال ابن إسحاق (١٣١): وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير؛ قال: قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات جُبَب [¬٧] وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب، قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي ﷺ : ما رأينا بعدهم وفدًا مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله ﷺ يصلون [¬٨] فقال رسول الله ﷺ : "دعوهم". فصلوا إلى المشرق.

стр. 1227

قال: فكلم رسول الله ﷺ منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، و [¬١] السيد الأيهم، وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم؛ يقولون: هو الله. ويقولون: هو ولد الله. ويقولون: هو ثالث ثلاثة. تعالى الله [عن قولهم علوًّا كبيرًا] [¬٢] وكذلك قول [¬٣] النصرانية فهم يحتجون في قولهم هو الله بأنه كان يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص و] [¬٤] الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ [¬٥] فيه فيكون طيرًا [¬٦]، وذلك كله بأمر الله، وليجعله الله [¬٧] آية للناس. ويحتجون في قولهم بأنه ابن الله، يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من بني آدم قبله. ويحتجون على [¬٨] قولهم بأنه ثالث ثلاثة: بقول الله تعالى: فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم-[تعالى الله وتقدّس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرا،] [¬٩] وفي كل ذلك من قولهم: [قد نزل] [¬١٠] القرآن. فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله ﷺ : "أسلما". قالا: قد أسلمنا. قال: "إنكما لم تسلما فأسلما". قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: "كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما [¬١١] لله ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير". قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله ﷺ عنهما [¬١٢] فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها [¬١٣] إلى أن قال (١٣٢): فلما أتى رسول الله ﷺ الخبر من الله والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم، أن ردّوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك فقالوا: يا أبا القاسم؛ دعنا ننظر في أمرنا. ثم نأتيك بما نريد [¬١٤] أن نفعل [¬١٥] فيما دعوتنا

стр. 1228

إليه. [ثم انصرفوا] [¬١] عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح؛ ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدًا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيًّا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه الاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد [¬٢] أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا النبي ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم؛ قد رأينا أن لا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلًا من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من [¬٣] أموالنا، فإنكم عندنا رضا. قال محمد بن جعفر: فقال رسول الله ﷺ : "ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين". فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ما أحببت الا مارة قط حبي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرًا [¬٤]، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر سلم ثم نظر عن يمينه وشماله [¬٥]، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه فقال: "اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه" قال عمر: فذهب بها [¬٦] أبو [¬٧] عبيدة، ﵁ (١٣٣). وقد روى ابن مردويه (١٣٤) من طريق محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج؛ أن وفد أهل نجران قدموا على رسول الله ﷺ فذكر فحوه، إلا أنه قال في الأشراف: كانوا اثني عشر، وذكر بقيته بأطول من هذا السياق وزيادات أخر. وقال البخاري (١٣٥): [حدَّثنا عباس] بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة ﵁؛ قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن [¬٨] كان نبيًّا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنا نعطك ما سألتنا، وابعث

стр. 1229

معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا. فقال [¬١]: "لأبعثن [¬٢] معكم [¬٣] رجلًا أمينًا [¬٤] حق أمين". فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ فقال [¬٥]: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح". فلما قام قال رسول الله ﷺ : "هذا أمين هذه الأمة". رواه البخاري أيضًا ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة عن حذيفة بنحوه (١٣٦). وقد رواه أحمد والنسائي وابن ماجة من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن ابن [¬٦] مسعود بنحوه (١٣٧). وقال البخاري (١٣٨): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: "لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح". وقال الإمام أحمد (١٣٩): حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد، حدثنا فرات، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال أبو جهل [قبحه الله] [¬٧]: إن رأيت محمدا [¬٨] يصلي عند الكعبة لآتينَّه حتى أطأ على رقبته [¬٩]، قال: فقال: لو فعل

стр. 1230

لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا [¬١] مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلًا". وقد رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق، عن [¬٢] معمر، عن عبد الكريم به (١٤٠). وقال الترمذي: حسن صحيح [وقال ابن مردويه:] [¬٣]. وقد روى البيهقي في دلائل النبوة قصة وفد نجران مطولة جدًّا (١٤١)، ولنذكره؛ فإن فيه فوائد كثيرة، [وفيه غرابة] [¬٤]، وفيه مناسبة لهذا المقام قال البيهقي (١٤٢): حدثنا [¬٥] أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد، محمد [¬٦] بن موسى بن الفضل؛ قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه، عن جده قال يونس- وكان نصرانيًّا فأسلم،: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان "باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران، أسلم أنتم [¬٧]، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب. والسلام. فلما أتى الأسقف الكتاب وقرأه [¬٨] فظِعَ به، وذعره ذعرًا شديدًا، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة، وكان من همدان، ولم يكن أحد يدعى [¬٩] إذا نزلت معضلة قبله، لا الأيهم، ولا السيد، ولا العاقب، فدفع الأسقف كتاب رسول الله ﷺ إلى شرحبيل فقرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم؛ ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما
следующие страницы →