← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وغيره (١٢٩). قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره (١٣٠): قدم على رسول الله، ﷺ ، وفد نصارى نجران ستون راكبًا، فيهم أربعة عشر رجلًا من أشرافيم يئول [أمرهم إليهم] وهم: العاقب واسمه عبد المسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأوس بن الحارث، وزيد، وقيس ويزيد ونبيه وخويلد وعمرو [¬١] وخالد وعبد الله وَيُحنَّس [¬٢]. وأمر هؤلاء يئول إلى ثلاثة منهم، وهم: العاقب، وكان أمير القوم، وذا رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد، وكان عالمهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثة ابن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب، مدارستهم، وكان رجلًا من العرب من بنى بكر بن وائل، ولكنه تنصر، فعظمته الروم وملوكها وشوفوه وبنوا له الكنائس وموّلوه [¬٣] واخدموه لما يعلمون [¬٤] من صلابته في دينهم، وقد كان يعرف أمر رسول الله ﷺ وصفته وشأنه بما [¬٥] علمه من الكتب المتقدّمة جيدًا [¬٦] ولكن احتمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما يرى من تعظيمه فيها ووجاهته عند أهلها. قال ابن إسحاق (١٣١): وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير؛ قال: قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات جُبَب [¬٧] وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب، قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي ﷺ : ما رأينا بعدهم وفدًا مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله ﷺ يصلون [¬٨] فقال رسول الله ﷺ : "دعوهم". فصلوا إلى المشرق.

стр. 1227

قال: فكلم رسول الله ﷺ منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، و [¬١] السيد الأيهم، وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم؛ يقولون: هو الله. ويقولون: هو ولد الله. ويقولون: هو ثالث ثلاثة. تعالى الله [عن قولهم علوًّا كبيرًا] [¬٢] وكذلك قول [¬٣] النصرانية فهم يحتجون في قولهم هو الله بأنه كان يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص و] [¬٤] الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ [¬٥] فيه فيكون طيرًا [¬٦]، وذلك كله بأمر الله، وليجعله الله [¬٧] آية للناس. ويحتجون في قولهم بأنه ابن الله، يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من بني آدم قبله. ويحتجون على [¬٨] قولهم بأنه ثالث ثلاثة: بقول الله تعالى: فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم-[تعالى الله وتقدّس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرا،] [¬٩] وفي كل ذلك من قولهم: [قد نزل] [¬١٠] القرآن. فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله ﷺ : "أسلما". قالا: قد أسلمنا. قال: "إنكما لم تسلما فأسلما". قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: "كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما [¬١١] لله ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير". قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله ﷺ عنهما [¬١٢] فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها [¬١٣] إلى أن قال (١٣٢): فلما أتى رسول الله ﷺ الخبر من الله والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم، أن ردّوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك فقالوا: يا أبا القاسم؛ دعنا ننظر في أمرنا. ثم نأتيك بما نريد [¬١٤] أن نفعل [¬١٥] فيما دعوتنا

стр. 1228

إليه. [ثم انصرفوا] [¬١] عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح؛ ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدًا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيًّا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه الاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد [¬٢] أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا النبي ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم؛ قد رأينا أن لا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلًا من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من [¬٣] أموالنا، فإنكم عندنا رضا. قال محمد بن جعفر: فقال رسول الله ﷺ : "ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين". فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ما أحببت الا مارة قط حبي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرًا [¬٤]، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر سلم ثم نظر عن يمينه وشماله [¬٥]، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه فقال: "اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه" قال عمر: فذهب بها [¬٦] أبو [¬٧] عبيدة، ﵁ (١٣٣). وقد روى ابن مردويه (١٣٤) من طريق محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج؛ أن وفد أهل نجران قدموا على رسول الله ﷺ فذكر فحوه، إلا أنه قال في الأشراف: كانوا اثني عشر، وذكر بقيته بأطول من هذا السياق وزيادات أخر. وقال البخاري (١٣٥): [حدَّثنا عباس] بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة ﵁؛ قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن [¬٨] كان نبيًّا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنا نعطك ما سألتنا، وابعث

стр. 1229

معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا. فقال [¬١]: "لأبعثن [¬٢] معكم [¬٣] رجلًا أمينًا [¬٤] حق أمين". فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ فقال [¬٥]: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح". فلما قام قال رسول الله ﷺ : "هذا أمين هذه الأمة". رواه البخاري أيضًا ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة عن حذيفة بنحوه (١٣٦). وقد رواه أحمد والنسائي وابن ماجة من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن ابن [¬٦] مسعود بنحوه (١٣٧). وقال البخاري (١٣٨): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: "لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح". وقال الإمام أحمد (١٣٩): حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد، حدثنا فرات، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال أبو جهل [قبحه الله] [¬٧]: إن رأيت محمدا [¬٨] يصلي عند الكعبة لآتينَّه حتى أطأ على رقبته [¬٩]، قال: فقال: لو فعل

стр. 1230

لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا [¬١] مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلًا". وقد رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق، عن [¬٢] معمر، عن عبد الكريم به (١٤٠). وقال الترمذي: حسن صحيح [وقال ابن مردويه:] [¬٣]. وقد روى البيهقي في دلائل النبوة قصة وفد نجران مطولة جدًّا (١٤١)، ولنذكره؛ فإن فيه فوائد كثيرة، [وفيه غرابة] [¬٤]، وفيه مناسبة لهذا المقام قال البيهقي (١٤٢): حدثنا [¬٥] أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد، محمد [¬٦] بن موسى بن الفضل؛ قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه، عن جده قال يونس- وكان نصرانيًّا فأسلم،: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان "باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران، أسلم أنتم [¬٧]، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب. والسلام. فلما أتى الأسقف الكتاب وقرأه [¬٨] فظِعَ به، وذعره ذعرًا شديدًا، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة، وكان من همدان، ولم يكن أحد يدعى [¬٩] إذا نزلت معضلة قبله، لا الأيهم، ولا السيد، ولا العاقب، فدفع الأسقف كتاب رسول الله ﷺ إلى شرحبيل فقرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم؛ ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما

стр. 1231

وعبد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن أن يكون هذا [¬١] هو ذاك الرجل، ليس لي في أمر [¬٢] النبوة رأي، ولو كان في [¬٣] أمر [¬٤] من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأي [¬٥]، واجتهدت [¬٦] لك. فقال له الأسقف: تنح فاجلس. فتنحى شرحبيل فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح من حمير، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه، فقال له [¬٧] مثل قول شرحبيل. فقال له الأسقف: تنح [¬٨] فاجلس. فتنحى [عبد الله] [¬٩] فجلس ناحية، فبعث [¬١٠] الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب، أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي: فيه، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف فتنحى، فجلس ناحية. فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعًا أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران والمسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلًا ضربوا بالناقوس، ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمعوا [¬١١] حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح [¬١٢]، أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب [¬١٣] السريع، وفيه ثلاث وسبعون قرية، وعشرون ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ، وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على [¬١٤] أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي، وجبار بن فيض الحارثي [¬١٥]، فيأتونهم بخبر رسول الله ﷺ فانطلق الوفد، حتى إذا كانوا بالمدينة، وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله ﷺ فسلموا عليه، فلم يرد عليهم، وتصدوا لكلامه نهارًا طويلًا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل، وخواتيم الذهب فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وكانا معرفة لهم، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس، فقالوا:

стр. 1232

يا عثمان، ويا عبد الرحمن إن نبيكم كتب إلينا كتابًا [¬١]، فأقبلنا مجيبين له فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارًا طويلًا فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما أترون أن نرجع؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد [¬٢] الرحمن: أرى أن يضعوا حللَّهم هذه وخواتيمهم، ويلبسوا ثياب سفرهم، ثم يعودوا إليه. ففعلوا فسلموا عليه [¬٣] فرد سلامهم ثم قال: "والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم". ثم ساءلهم وساءلوه، فلم تزل به وبهم المسأله حتى قالوا له [¬٤]: ما تقول في عيسى، فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى يسرنا إن كنت نبيًّا أن نسمع ما تقول فيه؟ فقال [¬٥] رسول الله ﷺ : "ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول ربي [¬٦] لي في عيسى، فأصبح الغد وقد أنزل الله، ، هذه الآية ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله ﷺ الغد بعد ما أخبرهم الخبر [¬٧] أقبل مشتملًا على الحسن والحسين في خميل [¬٨] له وفاطمة تمشى عند ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: لقد [¬٩] علمتما إن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا، ولم يصدروا إلا عن رأي [¬١٠]، وإني [¬١١] والله أرى [¬١٢] أمرًا ثقيلًا، والله لئن كان هذا الرجل ملكًا مبعوثًا فكنا أول العرب طعنًا [¬١٣] في عينيه [¬١٤] وردا [¬١٥] عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة، وإنا لأدنى العرب منهم جوارا، ولئن كان هذا الرجل نبيًّا مرسلًا فلاعناه لا يبقى [منا على وجه] [¬١٦] الأرض شعر ولا ظفر إلا هلك. فقال له [¬١٧] صاحباه: يا أبا مريم! فما الرأي؟ فقال: أرى أن أحكمه، فإني أرى رجلا لا [يحكم شططا أبدا] [¬١٨]. فقالا له: أنت

стр. 1233

وذاك قال [¬١]: فتلقى [¬٢] شرحبيل رسول الله، ﷺ فقال له [¬٣]: إني قد [¬٤] رأيت خيرًا من ملاعنتك فقال "وما هو؟ " فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز. فقال رسول الله ﷺ : "لعل وراءك أحدًا [¬٥] يثرب عليك"؟ فقال شرحبيل: سل صاحبي. فسألهما، فقالا: ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي: شرحبيل. فرجع رسول الله ﷺ فلم يلاعنهم حتى إذا كان من [¬٦] الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب [محمد النبي] رسول الله لنجران -إن كان عليهم حكمه- في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء وسوداء، ورقيق فاضل [¬٧] عليهم وترك ذلك كله لهم على ألفي حلة، في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة" وذكر تمام الشروط وبقية السياق. والغرض أن وفودهم كان في سنة تسع لأن الزهري قال: كان أهل نجران أول من أدى الجزية إلى رسول الله ﷺ ، وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الآية. وقال أبو بكر بن مردويه (١٤٣): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن داود المكي، حدثنا بشر بن مهران، حدَّثنا [¬٨] محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر قال: قدم على النبي ﷺ العاقب، والطيب، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه [¬٩] الغداة قال: فعدا رسول الله ﷺ فأخذ بيد علي، وفاطمة، والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا [¬١٠] أن يجيئا، وأقرّا [¬١١] له بالخراج، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله [¬١٢] وسلم: "والذي بعثني بالحق لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي نارًا". قال جابر. و [¬١٣] فيهم نزلت: ﴿تَعَالوْا [¬١٤] نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ [وَأَنْفُسَنَا

стр. 1234

وَأَنْفُسَكُمْ] [¬١]﴾ قال جابر: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﴿أَبْنَاءَنَا﴾ الحسن والحسين ﴿وَنِسَاءَنَا﴾ فاطمة. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه، عن علي بن عيسى، عن أحمد بن محمد الأزهري [¬٢]، عن علي بن حجر [¬٣]، عن علي بن مسهر [¬٤]، عن داود بن أبي هند به بمعناه، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. هكذا قال: وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي مرسلًا (١٤٤)، وهذا أصح. وقد روي عن [¬٥] ابن عباس والبراء نحو ذلك. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا اللَّهُ وَإِنَّ [¬٦] اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ﴾ أي: عن هذا إلى غيره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من عدل عن الحق إلى الباطل، فهو المفسد، والله عليم به وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر وهو [¬٧] الذي لا يفوته شيء، [سبحانه وبحمده، ونعوذ به من حلول نقمته] [¬٨]. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ هذا الخطاب يعم أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، ومن جرى مجراهم ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ والكلمة تطلق على الجملة المفيدة، كما قال هاهنا، ثم وصفها بقوله: ﴿سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ﴾ أي: عدل ونَصفَ، نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا﴾ لا [وثنًا، ولا صليبًا، ولا صنمًا،

стр. 1235

ولا طاغوتًا، ولا نارًا، ولا شيئًا]، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي [¬١] إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [وقال تعالى] [¬٢]: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. وقال ابن جريج: يعني يطيع بعضنا بعضًا في معصية الله. وقال عكرمة: يعني [¬٣] يسجد بعضنا لبعض. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي: فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة، فاشهدوا [¬٤] أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم. وقد ذكرنا في شرح البخاري عند روايته من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن أبي سفيان، في قصته حين دخل علي قيصر، فسأله [¬٥] عن نسب رسول الله ﷺ وعن صفته، ونعته، وما يدعو إليه، فأخبره بجميع ذلك على الجلية، مع أن أبا سفيان [إذ ذاك كان] [¬٦] مشركًا لم يسلم إلا [¬٧] بعد، وكان ذلك بعد صلح الحديبية، وقبل الفتح، كما هو مصرح به في الحديث (١٤٥)، ولأنه لما [قال لما] [¬٨] سأله: هل يغدر؟ قال [¬٩]: فقلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: ولم يمكني كلمة أزيد فيها شيئًا سوى هذه. والغرض أنه قال: ثم جيء بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام [¬١٠] على من اتبع الهدى، أما بعد فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن [¬١١] توليت فإنما [¬١٢] عليك إثم الأريسيين [¬١٣] و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.

стр. 1236

وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد (١٤٦)، أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران. وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية. ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح. فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب، وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري؟ والجواب من وجوه: (أحدها) يحتمل أن هذه الآية نزلت مرتين: مرة قبل الحديبية، ومرة بعد الفتح. (الثاني) يحتمل أن صدر سورة آل عمران نزل في وفد نجران إلى [¬١] هذه الآية، وتكون هذه الآية نزلت قبل ذلك، ويكون قول ابن إسحاق: "إلى بضع وثمانين آية" ليس بمحفوظ، لدلالة حديث أبي سفيان. (الثالث) يحتمل أن قدوم وفد نجران كان قبل الحديبية، وأن الذي بذلوه [¬٢] مصالحة عن المباهلة، لا على وجه الجزية، بل يكون من باب المهادنة والمصالحة، ووافق نزول آية [¬٣] الجزية بعد ذلك، علي وفق ذلك كما جاء فرض الخمس، والأربعة أخماس [¬٤] وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر. ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك. (الرابع) يحتمل أن رسول الله ﷺ لما أمر بكتب هذا الكلام [¬٥] في كتابه إلي هرقل، [] [¬٦] لم يكن أنزل [¬٧] بعد، ثم نزل [¬٨] القرآن موافقة له ﷺ كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب [﵁] في الحجاب وفي الأسارى، وفي عدم الصلاة على المنافقين، وفي قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وفي قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ

стр. 1237

إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾. ينكر [تبارك و] [¬١] تعالى علي اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل ﵇، ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم، كما قال محمد بن إسحاق بن يسار (١٤٧): حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس [﵁] قال: اجتمعت نصارى نجران، وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًّا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًّا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ [وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ]﴾. أي: كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهوديًّا. وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة علي موسى، وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانيًّا، وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر؟ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [ثم قال تعالى] [¬٢]: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. هذا إنكار علي من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلي حين بعثة محمد ﷺ لكان أولي بهم، وإنما تكلموا فيما [لا يعلمون] [¬٣]، فأنكر الله عليهم ذلك وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلي عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور علي حقائقها وجلياتها [¬٤]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ أي: متحنفًا عن الشرك، قاصدًا [¬٥] إلي الإِيمان ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

стр. 1238

وهذه الآية كالتي [¬١] تقدّمت في سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا [قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ]﴾. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول تعالى: أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه علي دينه، وهذا النبي يعني محمدًا ﷺ والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم [¬٢] بعدهم. قال سعيد بن منصور: حدَّثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضحي، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن [¬٣] لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليّي منهم أبي وخليل ربي ، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. وقد رواه الترمذي (١٤٨)، والبزار من حديث أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، عن أبيه به. [ثم قال البزار: ورواه غير أبي أحمد عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحي، عن عبد الله ولم يذكر مسروقًا. وكذا رواه الترمذي من طريق وكيع عن سفيان] [¬٤] ثم قال: وهذا أصح. لكن رواه وكيع في تفسيره (١٤٩) فقال: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن عبد

стр. 1239

الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﵌: ["إن لكل نبي ولاية من النبيين، وإن ولي منهم أي وخليل الله إبراهيم ﵇ ". ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية] [¬١]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ولي جميع المؤمنين برسله. ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ يخبر تعالى عن حسد اليهود للمؤمنين وبغيهم إياهم الإِضلال، وأخبر أن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم وهم لا يشعرون أنهم [¬٢] ممكور بهم. ثم قال تعالى منكرًا [¬٣] عليهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي: تعلمون صدقها وتتحققون حقها ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد ﷺ وأنتم تعوفون ذلك وتتحققونه. ﴿وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو [أنهم اشْتوَرُوا] [¬٤] بينهم أن يظهروا الإِيمان أوّل النهار ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح،

стр. 1240

فإذا جاء [¬١] آخر النهار ارتدوا إلى دينهم؛ ليقول الجهلة [من الناس إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين] [¬٢] ولهذا قالوا: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى إخبارًا عن اليهود بهذه الآية: يعني يهودًا [¬٣] صلت مع النبي ﵌ صلاة الصبح [¬٤]، وكفروا آخر النهار مكرًا منهم، ليروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد أن كانوا اتبعوه. وقال العوفي عن ابن عباس: قالت طائفة من أهل الكتاب: إذا لقيتم أصحاب محمد أوّل النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم منا. [وهكذا روي عن قتادة والسدي والربيع وأبي مالك] [¬٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا [¬٦] تطمئنوا وتظهروا سركم [¬٧] وما عندكم إلا لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلي المسلمين، فيؤمنوا به ويحتجوا به عليكم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ أي: هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان بما ينزله علي عبده ورسوله محمد ﷺ من الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات، وإن كتمتم [¬٨] أيها اليهود ما بأيديكم من صفة محمد [النبي الأمّي] [¬٩] في كتبكم التي نقلتموها [¬١٠] عن الأنبياء الأقدمين. وقوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يقولون: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين، فيتعلموه منكم ويساووكم [¬١١] فيه، ويمتازوا [¬١٢] به عليكم؛ لشدّة الإيمان به، أو [¬١٣] يحاجوكم به عند ربكم [¬١٤]، أي: يتخذوه حجة عليكم بما [في أيديكم] [¬١٥]، فتقوم به عليكم الدلالة [¬١٦]، وتتركب الحجة في الدنيا والآخرة.

стр. 1241

قال الله تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: الأمور كلها تحت تصرفه [¬١]، وهو المعطي المانع، يمن علي من يشاء بالإيمان [¬٢]، والعلم، والتصرف [¬٣] التام، ويضل من يشاء، فيعمي [¬٤] بصره وبصيرته، ويختم على [قلبه وسمعه]، ويجعل على بصره غشاوة، وله [الحجة التامّة والحكمة البالغة] [¬٥]. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي: اختصكم أيها المؤمنون من الفضل بما لا يحد ولا يوصف، بما شرف به نبيكم محمدًا [¬٦] ﷺ على سائر الأنبياء، وهداكم به [¬٧] إلى أكمل [¬٨] الشرائع. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيكَ إلا مَا دُمْتَ عَلَيهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيسَ عَلَينَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾ يخبر تعالى عن اليهود بأن منهم [¬٩] الخونة، ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم، فإن منهم ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ أي: من المال ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيكَ﴾ أي: وما دونه بطريق الأولى أن يؤده إليك ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيكَ إلا مَا دُمْتَ عَلَيهِ قَائِمًا﴾ أي: بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار [¬١٠]، فما فوقه أولى أن لا يؤدّه إليكَ [¬١١]. وقد تقدم الكلام على القنطار في أوّل السورة، وأمّا الدينار فمعروف. وقد قال ابن أبي حاتم (١٥٠): حدثنا سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، عن زياد ابن

стр. 1242

الهيثم، حدثني مالك بن دينار، قال: إنما سمي الدينار لأنه دين ونار. وقيل [¬١]: معناه أنه [¬٢] من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار. ومناسب أن يذكر [¬٣] هاهنا الحديث الذي علقه البخاري في غير موضع من [¬٤] صحيحه، ومن أحسنها سياقه في كتاب الكفالة، حيث قال: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه ذكر رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض [¬٥] بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم. فقال: كفى بالله شهيدًا. فقال [¬٦]: ائتني بالكفيل. قال: كفي بالله كفيلا قال [¬٧]: صدقت. فدفعها إليه إلي أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يركبها [¬٨] [ليقدم عليه في الأجل] [¬٩] الذي أجله فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلي صاحبه، ثم زجج [¬١٠] موضعها، ثم أتى بها إلي البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني استسلفت [¬١١] فلانًا ألف دينار فسألني شهيدًا، فقلت: كفي بالله شهيدًا، وسألني كفيلًا، فقلت: كفي بالله كفيلًا، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني استودعتكها [¬١٢]، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلي بلده، فخرج الرجل الذي كان [سلَّفه لينظر] [¬١٣] لعل مركبًا يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان [¬١٤] تسلف منه، فأتاه بألف دينار، وقال [¬١٥]: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إلى بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل هذا. قال: فإن الله قد أدّى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بألف دينار راشدًا". هكذا رواه البخاري في موضعه معلقًا بصيغة الجزم، وأسنده في بعض المواضع من الصحيح عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه (١٥١).

стр. 1243

ورواه [¬١] الإِمام أحمد في مسنده هكذا مطولًا، عن يونس بن محمد المؤدب، عن الليث به (١٥٢). ورواه البزار في مسنده (١٥٣)، عن الحسن بن مدرك، عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، ثم قال: لا يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. كذا قال، وهو خطأ لما تقدم. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيسَ عَلَينَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أي: إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأمّيين، وهم العرب، فإن الله قد أحلها لنا. قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: وقد اختلقوا هذه المقالة، وأتفكوا بهذه الضلالة، فإن الله حرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها، وإنما هم قوم بهت. قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي صعصعة بن يزيد، أن رجلًا سأل ابن عباس [فقال: إنا] [¬٢] نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة؟ قال ابن عباس: فتقولون [¬٣] ماذا؟ قال: نقول: ليس علينا بذلك بأس. قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل، إنهم إذا أدوا الجزية؛ لم تحل لكم أموالهم إلا بطب أنفسهم (١٥٤).

стр. 1244

وكذا رواه الثوري عن أبي إسحاق بنحوه (١٥٥). وقال ابن أبي [¬١] حاتم (١٥٦): حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا أبو الربيع الزهراني، حدَّثنا يعقوب، حدثنا جعفر، عن سعيد بن جبير قال: لما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل، قال نبي الله ﷺ : "كذب أعداء الله! ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين، إلا الامانة؛ فإنها مؤداة إلى البر والفاجر". ثم قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ [¬٢] وَاتَّقَى﴾ أي: لكن من أوفى بعهده، واتقى [¬٣] منكم يا أهل الكتاب، الذي عاهدكم الله عليه من الإيمان بمحمد ﷺ إذا بعث، كما أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وأممهم بذلك، واتقى محارم الله تعالى، واتبع طاعته وشرعته التي بعث بها خاتم الرسل وسيد البشر، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ يقول الله تعالى، إن الذين يعتاضون عما عاهدوا [¬٤] الله عليه، من اتباع محمد، ﷺ ، وذكر صفته للناس، وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة

стр. 1245

الزهيدة، وهي عروض هذه الحياة [¬١] الدنيا الفانية الزائلة ﴿أُولَئِكَ [¬٢] لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: لا نصيب لهم فيها، ولا حظَّ لهم منها، ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَة﴾ أي: برحمة منه لهم، [يعني لا يكلمهم الله كلام] [¬٣] لطف بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة، ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي: من الذنوب والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية الكريمة فلنذكر ما تيسر منها. (الحديث الأوّل): قال الإمام أحمد (١٥٧): حدثنا عفان، حدثنا شعبة، قال: علي بن مدرك أخبرني؟ قال: سمعت أبا زرعة، عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم" فلت: يا رسول الله؛ من هم [¬٤]؟ [خسروا وخابوا] قال: وأعاده رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال "المسبل، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان". ورواه مسلم وأهل السنن، من حديث شعبة به (١٥٨). (طريق أخرى) قال الإمام أحمد (١٥٩): حدثنا إسماعيل، عن الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن ابن الأحمس قال: لقيت أبا ذر، فقلت له: بلغني عنك أنك تحدت حديثًا عن [¬٥] رسول الله ﷺ فقال: أما إنه لا تخالني أكذب على رسول الله ﷺ بعدما سمعته منه فما الذي بلغك عني؟ قلت بلغني أنك تقول: ثلاثة [¬٦] يحبهم الله، وثلاثة يشنؤهم الله ، قال: قلته وسمعته؛ قلت: فمن هؤلاء الذين يحبهم الله؟ قال: "الرجل يلقى العدوّ في فئة، فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحنوا أن يمسوا الأرض، فينزلون فيتنحى أحدهم، فيصلي حتى يوقظهم لرحيلهم، والرجل يكون له الجار يؤذيه، فيصبر على أذاه، حتى يفرق بينهما موت أو ظعن".

стр. 1246

قلت: ومن هؤلاء الذين [يشنؤهم الله] [¬١]؟ قال: "التاجر الحلاف -أو قال [¬٢] البائع الحلاف- والفقير المختال، والبخيل المنان". غريب من هذا الوجه. (الحديث الثاني): قال الإمام أحمد (١٦٠): حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن جرير بن حازم؛ قال [¬٣]: حدثنا عدي بن عدي، أخبرني رجاء بن حيوة، والعُرْس بن عَمِيرة، عن [أخيه] عَديّ -هو ابن عميرة الكندي- قال: خاصم رجل من كندة، يقال له: امرؤ القيس بن عابس [¬٤]، رجلًا من حضرموت إلى رسول الله ﷺ في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة، فلم يكن له بينة، فقضى على امرئ القيس باليمين، فقال الحضرمي: إن [¬٥] أمكنته من اليمين يا رسول الله؟ ذهبت ورب الكعبة أرضي، فقال النبي ﷺ : "من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد، لقي الله وهو عليه غضبان". قال رجاء: وتلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال: "الجنة". قال: فاشهد أني قد تركتها له كلها. ورواه النسائي (١٦١) من حديث عدي بن عدي به. (الحديث الثالث) قال أحمد (١٦٢): حدَّثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن شقيق، عن عبد الله؟ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين، هو فيها فاجر؟ ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله، ، وهو عليه غضبان". فقال الأشعث: في [¬٦] والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني أرضي [¬٧]؛ فقدمته إلى رسول الله ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ : "ألك بينة"؟ قلت: لا. فقال لليهودي: "احلف". فقلت: يا رسول الله، إذا يحلف؟ فيذهب مالي، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [إلى آخر] [¬٨] الآية.

стр. 1247

أخرجاه من حديث الأعمش. (طريق أخرى) قال أحمد (١٦٣): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن شقيق بن سلمة، حدثنا عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله، وهو عليه غضبان". قال: فجاء الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه، فقال: فيّ كان هذا الحديث؛ خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله ﷺ في بئر لي كانت في يده، فجحدني، فقال رسول الله ﷺ : "بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه". قال: قلت: يا رسول الله ما لي بينة، وإن تجعلها بيمينه [¬١]؛ تذهب [¬٢] بئري؛ إن خصمي امرؤ فاجر. فقال رسول الله ﷺ : "من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان". قال: وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]﴾. (الحديث الرابع) قال الإمام أحمد (١٦٤): حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا رشدين، عن زبَّان عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن [¬٣] رسول الله ﷺ قال [¬٤]: "إن لله تعالى عبادًا، لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم" قيل: ومن أولئك يا رسول الله؟ قال [¬٥]: "متبرئ من والديه راغب عنهما، ومتبرئ من ولده، ورجل

стр. 1248

أنعم عليه قوم، فكفر نعمتهم وتبرأ منهم". (الحديث الخامس) قال ابن أبي حاتم (١٦٥): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم، أنبأنا العوام -يعني ابن حوشب- عن إبراهيم بن عبد الرحمن -يعني السكسكي- عن عبد الله بن أبي أوفى؛ أن رجلًا أقام سلعة له في السوق، فحلف بالله؛ لقد أعطي بها ما لم يعطه" ليوقع فيها رجلًا من المسلمين؛ فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [إلى آخر] [¬١] الآية. ورواه البخاري، من غير وجه عن العوام. (الحديث السادس) قال الإمام أحمد (١٦٦): حدثنا وكيع، حدثنا [¬٢] الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم؛ رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ورجل حلف على سلعة بعد العصر، يعني كاذبا، ورجل بايع إمامًا؛ فإن أعطاه وفي [¬٣] له، وإن لم يعطه لم يف له". ورواه أبو داود والترمذي، من حديث وكيع. وقال الترمذي: حديث [¬٤] حسن صحيح. ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾

стр. 1249

يخبر تعالى عن اليهود، عليهم لعائن الله، أن منهم فريقًا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام الله، ويزيلونه عن المراد به، ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى [¬١] الله، وهو كذب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وقال [¬٢] مجاهد والشعبي،: الحسن وقتادة، والربيع بن أنس: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ يحرفونه [¬٣]، وهكذا روى البخاري، عن ابن عباس، أنهم يحرفون، ويزيلون [¬٤]، وليس أحد من خلق الله يزيل لفظ كتاب من كتب الله، لكنهم يحرفونه ويتأولونه [¬٥] على غير تأويله. وقال وهب بن منبه: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى؛ لم يغير منهما حرف، ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم. ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، فأما كتب الله فإنها محفوظة ولا تحول. رواه ابن أبي حاتم (١٦٧)، فإن عنى وهب ما بأيديهم عن ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص. وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية، ففيه خطأ كبير، وزيادات كثيرة، ونقصان، ووهم فاحش، وهو من باب تفسير العرب المعبر، وفهم كثير منهم، بل أكثرهم، بل جميعهم فاسد. وأما إن عنى كتب الله التي هي كتبه من [¬٦] عنده، فتلك كما قال محفوظة، لم يدخلها شيء. ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾

стр. 1250

قال محمد بن إسحاق (١٦٨): حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال أبي رافع القرظي؛ حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني، يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال: فقال رسول الله ﷺ : "معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة [غير الله] [¬١]، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني"، أو كما قال ﷺ فأنزل الله [ ] في ذلك من قولهما: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ الآية [¬٢] إلى قوله: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فقوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة، أن يقول للناس: اعبدوني من دون الله، أي: مع الله، فإذا [¬٣] كان هذا لا يصلح لنبي، ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا لمؤمن، أن يأمر الناس بعبادته، قال: وذالك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضًا -يعني أهل الكتاب- كانوا [يتعبدون لأحبارهم] [¬٤] ورهبانهم، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] [¬٥]﴾. وفي المسند والترمذي، كما سيأتي (١٦٩)، أن عدي بن حاتم؛ قال: يا رسول الله؟ ما عبدوهم. قال: "بلى إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم". فالجهلة من الأحبار والرهبان، ومشايخ الضلال، يدخلون في هذا الذم والتوبيخ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين، [فإنهم إنما] [¬٦] يأمرون بما أمر [¬٧] الله به [¬٨]، وبلغتهم إياه

стр. 1251

رسله الكرام، وإنما ينهونهم [¬١] عما نهاهم الله عنه، وبلغتهم إياه رسله الكرام. فالرسل [¬٢] صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، هم السفراء بين الله وبين خلقه، في أداء ما حملوه من الرسالة وإبلاغ الأمانة. فقاموا بذلك أتم القيام [¬٣]، ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق. وقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي: ولكن يقول الرسول للناس: كونوا ربانيين. قال ابن عباس، وأبو رزين، وغير واحد: أي: حكماء علماء حلماء، وقال الحسن وغير واحد: فقهاء، وكذا روي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعطاء الخراساني، وعطية العوفي، والربيع بن أنس. وعن الحسن أيضًا: يعني أهل عبادة، وأهل تقوى. وقال الضحاك في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهًا، ﴿تُعَلَمُونَ﴾ أي: تفهمون معناه وقرئ ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ بالتشديد (*)، من التعليم، ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ تحفظون ألفاظه. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: لا يفعل [¬٤] ذلك إلا [¬٥] من دعا إلى عبادة غير الله، [ومن دعا إلي عبادة غير الله] [¬٦]، فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي [¬٧] إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. الآية. وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾. وقال تعالى إخبارًا عن اللائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ

стр. 1252

إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم ﵇ إلى عيسى ﵇؛ لمهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ أي مبلغ، ثم جاءء رسول من بعده، ليؤمنن به، ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة، من اتباع من بعث بعده ونصرته، ولهذا قال تعالى وتقدّس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ أي: لمهما أعطتكم [¬١] من كتاب وحكمة، ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾. وقال ابن عباس، ومجاهد، والربيع [بن أنس] [¬٢] وقتادة والسدي: يعني عهدي. وقال محمد بن إسحاق: ﴿إِصْرِي﴾ أي: ثقل ما حملتم من عهدي، أي: ميثاقي الشديد المؤكد. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾، أي: عن هذا العهد والميثاق ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال علي بن أبي طالب [¬٣]، وابن عمه [عبد الله] [¬٤] بن عباس ﵄ ما بعث الله نبيًّا من الأنبياء؛ إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمدٌ وهو حي؛ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته، لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. وقال طاوس والحسن البصري [¬٥] وقتادة: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضًا. وهذا لا يضاد ما قاله علي وابن عباس، ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه، ولهذا روى [¬٦] عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، مثل قول علي وابن عباس. وقد قال الإمام أحمد (١٧٠): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن

стр. 1253

عبد الله بن ثابت، قال: جاء عمر إلى [رسول الله] ﵌، فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ [¬١] لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ قال عبد الله بن ثابت: قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟ قال [¬٢] عمر: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولا، قال: فسري عن النبي ﷺ ، وقال: "والذي نفس محمد بيده، لو أصبح فيكم موسى، ﵇، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين". (حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر (١٧١): حدثنا إسحاق، حدثنا حماد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم، ما حل له إلا أن يتبعي". وفي بعض الأحاديث: "لو كان موسى وعيسى حيين؛ لما وسعهما إلا اتباعي". فالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، وهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد؛ لكان [¬٣] هو الواجب الطاعة، المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء، لما [¬٤] اجتمعوا ببيت القدس، وكذلك هو الشفيع في المحشر [¬٥]، في إتيان الرب [ ﷻ ] لفصل القضاء [بين عباده] [¬٦]، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولوا العزم من الأنبياء والمرسلين، حتى تنتهي النبوة إليه فيكون هو المخصوص به، [صلوات الله وسلامه عليه]. ﴿أَفَغَيرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَينَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ

стр. 1254

يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾. يقول تعالى، منكرًا على من أراد دينا سوى دين الله، الذي أنزل به كتبه، وأرسل به رسله، وهو [عبادة الله] [¬١] وحده لا شريك له، الذي له أسلم من في السموات والأرض، أي: استسلم له من فيهما طوعًا وكرهًا؛ كما قال تعالى: [﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الآية. وقال تعالى] [¬٢]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ [¬٣] فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه للَّه، والكافر مستسلم لله كرفا، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم، الذي لا يخالف ولا يمانع. وقد ورد حديث في تفسير هذه الآية على معنى آخر فيه غرابة؛ فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (١٧٢): حدثنا [¬٤] أحمد بن النضر العسكري، حدثنا سعيد بن حفص النفيلي، حدَّثنا محمد بن محصن العكاشي، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، [عن ابن عباس] [¬٥] عن النبي ﷺ : ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ أمّا من في السموات فالملائكة، وأما من في الأرض، فمن ولد على الإِسلام، وأما كرهًا فمن أتى به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال، يقادون إلى الجنة وهم كارهون". وقد ورد في الصحيح (١٧٣): " عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل". وسيأتي له شاهد من وجه آخر، ولكن المعنى الأوّل للآية أقوى. وقد قال وكيع في تفسيره (١٧٤): حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ

стр. 1255

فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَ [¬١] كَرْهًا﴾ قال: هو كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. وقال أيضًا (١٧٥): حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قال: حين أخذ الميثاق. ﴿وَإِلَيهِ يُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم المعاد، فيجازي كلًّا بعمله. ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَينَا﴾ يعني القرآن، ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: من الصحف والوحي ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل -وهو يعقوب- الاثني عشر: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ يعني بذلك التوراة والإنجيل، ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يعم جميع الأنبياء جملة، ﴿لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني بل نؤمن بجميعهم، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فالمؤمنون من هذه الأمّة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب انزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل [¬٢] من عند الله، وبكل نبي بعثه الله. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. الآية. أي: من سلك طريقًا سوى ما شرعه الله؛ فلن يقبل منه ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١٧٦). وقال الإمام أحمد (١٧٧): حدثنا أبو سعيد -مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن راشد، حدثنا الحسن، حدثنا أبو هريرة إذ ذاك، ونحن بالمدينة، قال: قال رسول الله ﷺ : "تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول: يا رب؛ أنا الصلاة، فيقول: إنك على خير، وتجيء الصدقة فتقول: يا رب؛ أنا الصدقة، فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الصيام فيقول: يا رب؛ أنا الصيام، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال، كل ذلك يقول الله: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب، إنك [¬٣] أنت السلام، وأنا الإسلام، فيقول الله تعالى: إنك على خير، بك اليوم آخذ وبك أعطي. قال الله في كتابه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

стр. 1256

تفرد به أحمد. قال أبو عبد الرحمن عبد الله ابن الإمام أحمد: عباد بن راشد ثقة، ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. ﴿كَيفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ قال ابن جرير (١٧٨): حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع البصري، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتدّ ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه؛ أن سلوا لي رسول الله ﷺ هل لي من توبة؟ قال [¬١]: فنزلت: ﴿كَيفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿[وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا] [¬٢] فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأرسل إليه [¬٣] قومه فأسلم. وهكذا رواه النسائي والحاكم وابن حبان من طريق داود بن أبي هند به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

стр. 1257

وقال عبد الرزاق (١٧٩): أنبأنا جعفر بن سليمان، حدثنا حميد الأعرج، عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سويد، فأسلم مع النبي صلى الله عليه وآله [¬١] وسلم، ثم كفر الحارث، فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه القرآن [¬٢] ﴿كَيفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ] غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: فحملها إليه رجل من قومه، فقرأ [¬٣] عليه، فقال الحارث: إنك -والله ما علمت- لصدوق، وإن رسول الله ﷺ لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث، فأسلم فحسن إسلامه. فقوله تعالى: ﴿كَيفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]﴾، أي: قامت عليهم الحجج والبراهين، على صدق مما جاءهم به الرسول، ووضح لهم الأمر، ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعد ما تلبسوا به من العماية؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. أي: يلعنهم الله، ويلعنهم خلقه ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة، ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا يفتر عنهم العذاب، ولا يخفف عنهم ساعة واحدة. ثم قال تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا من لطفه وبِرّه، ورأفته ورحمته، وعائدته على خلقه، أن من تاب إليه تاب عليه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَو افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾ يقول تعالى متوعدًا ومهددًا [¬٤] لمن كفر من [¬٥] بعد إيمانه، ثم ازداد [¬٦] كفرًا، أي استمر عليه إلى الممات، ومخبرًا [بأنهم لن تقبل لهم] [¬٧] توبة عند الممات [¬٨]، كما قال تعالى: ﴿وَلَيسَتِ

стр. 1258

التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا]﴾. [ولهذا قال هاهنا: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ] [¬١] وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ أي: الخارجون عن المنهج [¬٢] الحق إلى طريق الغي. قال الحافظ أبو بكر البزار (١٨٠): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا داود بن أبي [هند، عن] [¬٣] عكرمة، عن ابن عباس، أن قومًا أسلموا، ثم ارتدوا، ثم أسلموا ثم ارتدوا فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ هكذا رواه وإسناده جيد. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَو افْتَدَى بِهِ﴾ أي: من مات على الكفر، فلن يقبل منه خير [¬٤] أبدًا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبًا [ولو افتدى به] [¬٥] فيما يراه قُرْبة، كما سئل النبي ﷺ عن عبد الله بن جُدعان - وكان يقري الضيف، ويفك العاني، ويطعم الطعام: هل ينفعه ذلك؟ فقال: "لا، إنه لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (١٨١). وكذلك لو افتدى بملء الأرض أيضًا ذهبًا، ما قبل منه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا [¬٦] يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ وقال: ﴿لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَو افْتَدَى بِهِ﴾ فعطف ولو افتدى به على الأوّل؛ فدل على أنه غيره، وما ذكرناه أحسن من أن يقال: إن الواو زائدة، والله أعلم.

стр. 1259

ويقتضي ذلك أن لا ينقذه من عذاب الله شيء، ولو كان قد أنفق مثل الأرض ذهبًا، ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهبًا بوزن جبالها وتلالها وترابها ورمالها وسهلها ووعرها وبرها وبحرها. وقال الإمام أحمد (١٨٢): حدثنا حجاج، حدثني شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، قال: "يقال للرجل من هل النار [¬١] يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم، [قال: فيقول الله: قد] [¬٢] أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم؛ أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك". وهكذا أخرجه البخاري ومسلم. (طريق أخرى) وقال الإمام أحمد (١٨٣): حدثنا روح، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بالرجل من أهل الجنة، فيقول له: يا ابن آدم؛ كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب خير منزل، فيقول: سل وتمن [¬٣]، فيقول: ما أسأل وما [¬٤] أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا، فأقتل في سبيلك عشر مرار، لما يرى من فضل الشهادة. ويؤتى بالرجل من أهل النار، فيقول له يا بن آدم؛ كيف وجدت منزلك؟ فيقول: يا رب؛ شر منزل. فيقول له [¬٥]: أتفتدي [¬٦] مني بطلائع [¬٧] الأرض ذهبًا؟ فيقول: أي رب؛ نعم. فيقول: كذبت، قد سألتك أقل من ذلك وأيسر، فلم تفعل، فيرد إلى النار".

стр. 1260

ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أي: وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله، ولا يجيرهم من أليم عقابه. ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾. [روى وكيع في تفسيره (١٨٤) عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ قال: الجنة] [¬١]. قال الإمام أحمد (١٨٥): حدثنا روح، حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، سمع أنس بن مالك يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري [¬٢] بالمدينة مالا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إلى بيرحاء، وإنها صدقة لله؛ أرجو بها [¬٣] برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله، حيث أراك الله فقال النبي ﷺ : " [بخٍ بخٍ] [¬٤]، ذاك مال رابح، ذاك [¬٥] مال رابح، وقد سمعت وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين"، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. أخرجاه.

стр. 1261

وفي الصحيحين أن عمر قال: يا رسول الله؛ لم أصب مالًا قط، هو أنفي عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال [¬١]: "حبس الأصل وسبل [¬٢] الثمرة" (١٨٦). وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٨٧): حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي عمرو بن حماس، عن حمزة بن عبد الله بن عمر قال: قال عبد الله: حضرتني هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إليّ من جارية لي رومية، فقلت: هي حرّة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله؛ لنكحتها، يعني تزوجتها.

стр. 1262

﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾ قال الإمام أحمد (١٨٨): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر قال: قال ابن عباس: حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ ، فقالوا: حدثنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، قال: "سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب علي بنيه؛ لئن أنا حدثتكم شيئًا فعرفتموه، لتتابعني على الإسلام". قالوا: فذلك لك. [قال: فسلوني عما شئتم] [¬١]. قالوا: أخبرنا عن [¬٢] أربع خلال، أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف [يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا كيف] [¬٣] هذا النبي الأمي في النوم، ومن وليُّه من الملائكة؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه، فقال [¬٤]: "أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضًا شديدًا، وطال سقمه، فنذر لله [¬٥] نذرًا، لئن شفاه الله من

стр. 1263

سقمه، ليحرمنّ [أحب الطعام والشراب إليه] [¬١]، وكان أحب الطعام إليه لحم [¬٢] الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها". فقالوا: اللَّهم نعم، فقال [¬٣]: "اللَّهم اشهد عليهم". وقال: "أنشدكم بالله، الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله؛ إن علا ماء الرجل [¬٤] ماء المرأة كان ذكرًا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله". قالوا: نعم، قال: "اللهم اشهد عليهم". وقال: "أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ ". قالوا: اللهم نعم. قال "اللَّهم اشهد". [قالوا: وأنت الآ محدثنا عن وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك أو نفارقك] [¬٥]. قال: "إن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيًّا قط إلا وهو وليه". قالوا: [فعند ذلك] [¬٦] نفارقك، لو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية. ورواه أحمد أيضًا عن حسين بن محمد، عن عبد الحميد به. (طريق أخرى) قال أحمد (١٨٩): حدثنا أبو أحمد [] [¬٧] الزبيري، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير [¬٨] بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود على رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم، إنا [¬٩] نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه، إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال: "هاتوا" قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: "تنام عيناه ولا ينام قلبه". قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر؟ قال: "يلتقي الماءان فإن [¬١٠] علا ماء الرجل ماء المرأة أَذْكَرَتْ، وإن [¬١١] علا ماء المرأة أنثت". قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: "كان يشتكي عرق النسا فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا -قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل- فحرم لحومها قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: "ملك من ملائكة الله [ ] موكل بالسحاب

стр. 1264

بيده [¬١]-أو في يديه [¬٢]- مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله ". قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: "صوته". قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن [أخبرتنا بها: إنه ليس من نبي] [¬٣] إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: "جبريل ﵇ "قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت: ميكائيل، أي [¬٤]: الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان، فأنزل الله تعالى [¬٥]: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ]﴾. [والآية بعدها] [¬٦]. وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد العجلي به نحوه، وقال الترمذي: حسن غريب. وقال ابن جريج والعوفي (١٩٠) عن ابن عباس: كان إسرائيل ﵇ - وهو يعقوب يعتريه عرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم. ويقلع الوجع عنه بالنهار؛ فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عرقًا، ولا يأكل [ولد ما] [¬٧] له عرق، وهكذا قال الضحاك والسدي، كذا رواه وحكاه ابن جرير في تفسيره، قال: فأتبعه [¬٨] بنوه في تحريم ذلك، استنانًا به، واقتداءً بطريقته. قال: وقوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ أي: حرّم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة. قلت: ولهذ السياق بعد ما تقدم مناسبتان: (إحداهما) [¬٩] أن إسرائيل ﵇، حرم أحب الأشياء إليه [¬١٠] وتركها لله، وكان هذا سائغًا في شريعتهم فله مناسبة بعد قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فإذا هو المشروع عندنا، وهو الإِنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه، كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية. (المناسبة الثانية) لما تقدم بيان [¬١١] الرد على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح، وتبين

стр. 1265

زيف ما ذهبوا إليه، وظهر [¬١] الحق واليقين في أمر [¬٢] عيسى وأمه، وكيف خلقه الله بقدرته ومشيئته، وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه ﵎، شرع في الرد على اليهود قبحهم الله تعالى، وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله تعالى [¬٣] قد نص في كتابهم التوراة، أن نوحًا ﵇ لما خرج من السفينة، أباح الله له جميع دواب الأرض، يأكل منها، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه زيادة لحمان [¬٤] الإبل وألبانها، فأتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وأشياء أخر زيادة على ذلك، وكان الله قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك بعد ذلك، وكان التسري على الزوجة مباحًا في شريعة إبراهيم ﵇ وقد فعله الخليل [¬٥] في هاجر لما تسرى بها على سارة، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم، وكذلك كان [¬٦] الجمع بين الأختين سائغًا [¬٧]، وقد فعله يعقوب ﵇ جمع بين الأختين، ثم حرم ذلك عليهم في التوراة، وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا [¬٨] هو النسخ بعينه. فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح، ﵇، في إحلاله بعض ما حرم في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه، بل كذبوه وخالفوه؟ وكذلك ما بعث الله به محمدًا ﷺ ، من الدين القويم والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما بالهم لا يؤمنون؟ ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ أي: كان حلًّا لهم جميع الأطعمة، قبل نزول التوراة، إلا ما حرمه إسرائيل، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي [¬٩]: فإنها ناطقة بما قلناه. ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، أي: فمن كذب على الله، وادعى أنه شرع لهم السبت، والتمسك بالتوراة دائمًا، وأنه لم يبعث نبيًّا آخر يدعو إلى الله تعالى بالبراهين والحجج، بعد هذا الذي بيَّنَّاه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرناه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: قل يا محمَّد: صدق الله [¬١٠] فيما أخبر به، وفيما شرعه في القرآن ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله [¬١١] في القرآن، على لسان محمد ﷺ فإنه الحق الذي لا شك فيه، ولا مرية،
следующие страницы →