← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وفي الصحيحين أن عمر قال: يا رسول الله؛ لم أصب مالًا قط، هو أنفي عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال [¬١]: "حبس الأصل وسبل [¬٢] الثمرة" (١٨٦). وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٨٧): حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي عمرو بن حماس، عن حمزة بن عبد الله بن عمر قال: قال عبد الله: حضرتني هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إليّ من جارية لي رومية، فقلت: هي حرّة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله؛ لنكحتها، يعني تزوجتها.

стр. 1262

﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾ قال الإمام أحمد (١٨٨): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر قال: قال ابن عباس: حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ ، فقالوا: حدثنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، قال: "سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب علي بنيه؛ لئن أنا حدثتكم شيئًا فعرفتموه، لتتابعني على الإسلام". قالوا: فذلك لك. [قال: فسلوني عما شئتم] [¬١]. قالوا: أخبرنا عن [¬٢] أربع خلال، أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف [يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا كيف] [¬٣] هذا النبي الأمي في النوم، ومن وليُّه من الملائكة؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه، فقال [¬٤]: "أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضًا شديدًا، وطال سقمه، فنذر لله [¬٥] نذرًا، لئن شفاه الله من

стр. 1263

سقمه، ليحرمنّ [أحب الطعام والشراب إليه] [¬١]، وكان أحب الطعام إليه لحم [¬٢] الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها". فقالوا: اللَّهم نعم، فقال [¬٣]: "اللَّهم اشهد عليهم". وقال: "أنشدكم بالله، الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله؛ إن علا ماء الرجل [¬٤] ماء المرأة كان ذكرًا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله". قالوا: نعم، قال: "اللهم اشهد عليهم". وقال: "أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ ". قالوا: اللهم نعم. قال "اللَّهم اشهد". [قالوا: وأنت الآ محدثنا عن وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك أو نفارقك] [¬٥]. قال: "إن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيًّا قط إلا وهو وليه". قالوا: [فعند ذلك] [¬٦] نفارقك، لو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية. ورواه أحمد أيضًا عن حسين بن محمد، عن عبد الحميد به. (طريق أخرى) قال أحمد (١٨٩): حدثنا أبو أحمد [] [¬٧] الزبيري، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير [¬٨] بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود على رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم، إنا [¬٩] نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه، إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال: "هاتوا" قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: "تنام عيناه ولا ينام قلبه". قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر؟ قال: "يلتقي الماءان فإن [¬١٠] علا ماء الرجل ماء المرأة أَذْكَرَتْ، وإن [¬١١] علا ماء المرأة أنثت". قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: "كان يشتكي عرق النسا فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا -قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل- فحرم لحومها قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: "ملك من ملائكة الله [ ] موكل بالسحاب

стр. 1264

بيده [¬١]-أو في يديه [¬٢]- مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله ". قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: "صوته". قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن [أخبرتنا بها: إنه ليس من نبي] [¬٣] إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: "جبريل ﵇ "قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت: ميكائيل، أي [¬٤]: الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان، فأنزل الله تعالى [¬٥]: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ]﴾. [والآية بعدها] [¬٦]. وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد العجلي به نحوه، وقال الترمذي: حسن غريب. وقال ابن جريج والعوفي (١٩٠) عن ابن عباس: كان إسرائيل ﵇ - وهو يعقوب يعتريه عرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم. ويقلع الوجع عنه بالنهار؛ فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عرقًا، ولا يأكل [ولد ما] [¬٧] له عرق، وهكذا قال الضحاك والسدي، كذا رواه وحكاه ابن جرير في تفسيره، قال: فأتبعه [¬٨] بنوه في تحريم ذلك، استنانًا به، واقتداءً بطريقته. قال: وقوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ أي: حرّم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة. قلت: ولهذ السياق بعد ما تقدم مناسبتان: (إحداهما) [¬٩] أن إسرائيل ﵇، حرم أحب الأشياء إليه [¬١٠] وتركها لله، وكان هذا سائغًا في شريعتهم فله مناسبة بعد قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فإذا هو المشروع عندنا، وهو الإِنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه، كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية. (المناسبة الثانية) لما تقدم بيان [¬١١] الرد على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح، وتبين

стр. 1265

زيف ما ذهبوا إليه، وظهر [¬١] الحق واليقين في أمر [¬٢] عيسى وأمه، وكيف خلقه الله بقدرته ومشيئته، وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه ﵎، شرع في الرد على اليهود قبحهم الله تعالى، وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله تعالى [¬٣] قد نص في كتابهم التوراة، أن نوحًا ﵇ لما خرج من السفينة، أباح الله له جميع دواب الأرض، يأكل منها، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه زيادة لحمان [¬٤] الإبل وألبانها، فأتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وأشياء أخر زيادة على ذلك، وكان الله قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك بعد ذلك، وكان التسري على الزوجة مباحًا في شريعة إبراهيم ﵇ وقد فعله الخليل [¬٥] في هاجر لما تسرى بها على سارة، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم، وكذلك كان [¬٦] الجمع بين الأختين سائغًا [¬٧]، وقد فعله يعقوب ﵇ جمع بين الأختين، ثم حرم ذلك عليهم في التوراة، وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا [¬٨] هو النسخ بعينه. فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح، ﵇، في إحلاله بعض ما حرم في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه، بل كذبوه وخالفوه؟ وكذلك ما بعث الله به محمدًا ﷺ ، من الدين القويم والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما بالهم لا يؤمنون؟ ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ أي: كان حلًّا لهم جميع الأطعمة، قبل نزول التوراة، إلا ما حرمه إسرائيل، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي [¬٩]: فإنها ناطقة بما قلناه. ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، أي: فمن كذب على الله، وادعى أنه شرع لهم السبت، والتمسك بالتوراة دائمًا، وأنه لم يبعث نبيًّا آخر يدعو إلى الله تعالى بالبراهين والحجج، بعد هذا الذي بيَّنَّاه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرناه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: قل يا محمَّد: صدق الله [¬١٠] فيما أخبر به، وفيما شرعه في القرآن ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله [¬١١] في القرآن، على لسان محمد ﷺ فإنه الحق الذي لا شك فيه، ولا مرية،

стр. 1266

وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها، ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣]. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٩٧)﴾ يخبر الله تعالى أن أول بيت وضع للناس، أي: لعموم الناس، لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به، ويصلون إليه، ويعتكفون عنده ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ﵇، الذي يزعم كل بن طائفتي اليهود والنصارى أنهم على دينه ومنهجه، ولا يحجون إن البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك، ونادى الناس إن حجه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿مُبَارَكًا﴾ أي وضع مباركًا، ﴿وَهُدًى لِلْعَالمِينَ﴾. وقد قال الإِمام أحمد (١٩١): حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وجمع [في الأرض] [¬١] أول؟ قال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة". قلت: ثم أي؟ قال: "ثم [¬٢] حيث أدركتك الصلاة فصل فكلها مسجد". وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به. وقال ابن أبي حاتم (١٩٢): حدثنا الحسن بن محمَّد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا شريك، عن مجالد، عن الشعبي، عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ

стр. 1267

بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾، قال: كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله. وحدثنا أبي (١٩٣)، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عَرْعَرة؛ قال: قام رجل إلى علي ﵁ فقال: ألا تحدثني عن البيت؛ أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة، مقام إبراهيم، ومن [¬١] دخله كان آمنًا، وذكر تمام الخبر في كيفية بناء إبراهيم البيت، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في أول [¬٢] سورة البقرة؛ فأغنى عن إعادته هنا [¬٣]. وزعم السدي، أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقًا، والصحيح قول علي ﵁. فأما الحديث الذي رواه البيهقي (١٩٤) في بناء الكعبة، في كتابه "دلائل النبوة" من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "بعث إلَّا جبريل إلى آدم وحواء فأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم ثم أمر بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس". فإنه كما ترى من مفردات ابن لهيعة وهو ضعيف، والأشبه -والله أعلم- أن يكون هذا موقوفًا على عبد الله بن عمرو، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب. وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ بكة من أسماء مكة على المشهور، قيل: سميت بذلك لأنها تبك أعناق الطمة والجبابرة، بمعنى [أنهم يذلون] [¬٤] بها، ويخضعون عندها. وقيل: لأن الناس يتباكون فيها، أي: يزدحمون. قال [¬٥] قتادة: إن الله بكَّ به الناس جميعًا، فيصلي النساء أمام الرجال، ولا يفعل ذلك ببلد غيرها. وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير [وعمرو بن شعيب ومقاتل بن حيان.

стр. 1268

وذكر حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير] [¬١]، عن ابن عباس ﵁ قال: مكة من الفج إلى التنعيم، وبكة من البيت إلى البطحاء. وقال شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم: بكة البيت والمسجد، وكذا قال الزهريّ. وقال عكرمة في رواية ميمون بن مهران: البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة. وقال [أبو مالك و] [¬٢] أبو صالح، وإبراهيم النخعي، وعطية العوفي [¬٣] ومقاتل بن حيان: بكة: موضع البيت، وما سوى ذلك مكة. وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، البلد الأمين، والمأمون، وأم رحم [¬٤]، وأم القرى، وصلاح، والعرش على وزن بدر، والقادس لأنها تطهر من الذنوب، والمقدسة، والناسة بالنون وبالباء أيضا، والنسَّاسة، والحاطمة، والرأس، وكوثاء، والبلدة، والبنية، والكعبة. وقوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ أي: دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله تعالى عظَّمه وشرفه. ثم قال تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني الذي لما ارتفع البناء، استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه، ويناوله ولده إِسماعيل، وقد كان ملتصقًا بجدار البيت، حتى آخره عمر بن الخطاب ﵁ في إمارته إِلى ناحية الشرق، بحيث يتمكن الطواف منه [¬٥]، ولا يشوشون [¬٦] على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده، حيث قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقد قدمنا الأحاديث في ذلك (١٩٥)؛ فأغنى عن إعادتها هاهنا، ولله الحمد والمنة. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: فيهن [¬٧] مقام إبراهيم والمشعر. وقال مجاهد: أثر قدميه في المقام آية بينة، وكذا روي عن عمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان، وغيرهم. وقال أبو طالب في قصيدته [اللامية المشهورة] [¬٨]: وموْطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيًا غيرَ ناعلِ

стр. 1269

وقال ابن أبي حاتم (١٩٦): حدثنا أبو سعيد وعمرو الأودي؛ قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ قال: الحرم كله مقام إبراهيم، ولفظ عمرو: الحجر كله مقام إبراهيم. وروي عن سعيد بن جبير، أنه قال: الحج مقام إبراهيم، هكذا رأيته [¬١] في النسخة؛ ولعله الحَجَر كله مقام إبراهيم هكذا [¬٢]. وقد صرح [بذلك مجاهد] [¬٣]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، يعني: حرم مكة، إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع [في عنقه] [¬٤] صوفة، ويدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول، فلا يهيجه [¬٥] [حتى يخرج] [¬٦]. وقال ابن أبي حاتم (١٩٧): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التيمي، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى؛ فإذا خرج أخذ بذنبه. وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ [¬٧] يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطاد صيدها، وتنفيره [¬٨] عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعًا وموقوفًا. ففي الصحيحين، واللفظ لمسلم، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" (١٩٨).

стр. 1270

وقال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة [¬١] الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إن يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها [¬٢]. فقال العباس: يا رسول الله؛ إلا الإِذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم [¬٣] فقال: "إلا الإِذخر" (١٩٩). ولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه (٢٠٠). ولهما [¬٤] (٢٠١) واللفظ لمسلم أيضًا عن أبي شريح [¬٥] العدوي، أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة، ائذن لي أيها الأمير، أن أحدثك قولًا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أُذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به أنه حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس؛ فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو [¬٦] قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخزية [¬٧]. وعن جابر (٢٠٢) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لأحد [¬٨] أن يحمل [السلاح بمكة] [¬٩] ". رواه مسلم. وعن عبد الله بن عدي بن [¬١٠] الحمراء الزهري؛ أنه سمع رسول الله ﷺ واقفًا [¬١١]

стр. 1271

بالحزورة، بسوق [¬١] مكة، يقول [¬٢]: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت". رواه الإمام أحمد (٢٠٣)، وهذا لفظه، والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وكذا صحح من حديث ابن عباس ونحوه (٢٠٤)، وروى أحمد عن أبي هريرة نحوه (٢٠٥). وقال ابن أبي حاتم (٢٠٦): حدثنا أبي، حدثنا بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان [¬٣]، حدثنا أبو عاصم، عن زريق بن مسلم الأعمى، مولى بني مخزوم، حدثني زياد بن أبي عياش، عن يحيى بن جعدة بن هبيرة، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال: آمنًا من النار. وفي معنى هذا القول الحديث الذي رواه البيهقي (٢٠٧): أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا محمَّد بن سليمان الواسطي، حدثنا سعيد بن

стр. 1272

سليمان، حدثنا ابن المؤمل، عن ابن محيصن، عن عطاء، عن عبد الله بن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة، وخرج مغفورًا له". ثم قال: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وليس بالقوي. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ هذه آية وجوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ والأول أظهر. وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإِسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعًا ضروريًّا، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنصِّ والإِجماع. قال الإِمام أحمد (٢٠٨) ﵀: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا الربيع بن مسلم القرشي، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة؛ قال: خطنا رسول الله ﷺ فقال: "أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا" فقال رجل: أكل [¬١] عام يا رسول الله، فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : "لو قلت: ثم، لوجبت، ولما استطعتم". ثم قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه". ورواه مسلم، عن زهير بن حرب، عن يزيد بن هارون به نحوه. وقد روى سفيان بن حسين، وسليمان بن كثير، وعبد الجليل بن حميد، ومحمد بن أبي حفصة، عن الزهريّ، عن أبي سنان الدؤلي، واسمه يزيد بن أمية، عن ابن عباس [﵁] قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال [¬٢] "يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج". فقام الأقرع بن حابس، فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فقال [¬٣]: "لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولن تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع".

стр. 1273

ورواه أحمد، وأبو داود، والنسائي وابن ماجه، والحاكم من حديث الزهريّ به (٢٠٩). ورواه شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس بنحوه (٢١٠). وروي من حديث أسامة بن زيد [¬١]. وقال الإِمام أحمد (٢١١): حدثنا منصور بن وردان، عن [علي بن عبد الأعلى] [¬٢] عن أبيه، عن أَبِي البختري، عن علي [﵁] قال: لما نزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ قالوا: يا رسول الله، أفي [¬٣] كل عام؟ فسكت قالوا: يا رسول الله، أفي [¬٤] كل عام؟ قال: "لا، ولو قلت نعم لوجبت". فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. وكذا [¬٥] رواه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، من حديث منصور بن وردان به. ثم قال الترمذي: حسن غريب. وفيما قال نظر؛ لأن البخاري قال: لم يسمع أبو البختري من علي.

стр. 1274

وقال ابن ماجة (٢١٢): حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا محمد بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك؛ قال: قالوا: يا رسول الله، الحج في كل عام؟ قال: "لو قلت نعم [¬١] لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا [¬٢] بها، ولو لم تقوموا بها لعذبتم". وفي [¬٣] الصحيحين (٢١٣) من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، عن سراقة بن مالك، قال: يا رسول الله، متعتنا هذه لعامنا [¬٤] هذا [¬٥] أم للأبد؟ قال: "لا، بل للأبد" وفي رواية: "بل لأبد الأبد". وفي مسند الإِمام أحمد وسنن أبي داود (٢١٤)، من حديث واقد [¬٦] بن أبي واقد [¬٧] الليثي، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ ، قال لنسائه في حجته هذه: "ثم [ظهور الحصر] [¬٨]-يعني ثم الزمن [ظهور الحصر] [¬٩]- ولا تخرجن من البيوت". وأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعًا بنفسه، وتارة بغيره، كما هو مقرر في كتب الأحكام. قال أبو عيسى الترمذي (٢١٥): حدثنا عبد [¬١٠] بن حميد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا

стр. 1275

إبراهيم بن يزيد، قال [¬١]: سمعت محمد بن عبَّادٍ بن جعفر، يحدّث عن ابن عمر [﵄] قال: قام رجل إلى [رسول الله] ﷺ فقال: من الحاجّ يا رسول الله؟ قال: "الشَّعَثُ التفِلُ". فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا [رسول الله]؟ قال: "العَجُّ والثَّجُّ". فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: "الزاد والراحلة". وهكذا [¬٢] رواه ابن ماجة من حديث إبراهيم بن يزيد، وهو الخوزي. قال الترمذي: ولا نعرفه [¬٣] إلا من حديثه، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، كذا قال هاهنا، وقال في كتاب الحج: هذا حديث حسن. لا يشك [¬٤] أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات، سوى الخوزي هذا، وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث، لكن قد تابعه غيره، فقال ابن أبي حاتم (٢١٦): حدثنا أبي، حدثنا عبد العزير بن عبد الله العامري، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن محمد بن عباد بن جعفر قال: جلست

стр. 1276

إلى عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له: ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة". وهكذا [¬١] رواه ابن مردويه، من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير [¬٢] به. ثم قال ابن أبي حاتم (٢١٧): وقد روي عن ابن عباس وأنس، والحسن ومجاهد، وعطاء وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك. وقد روي هذا الحديث من طرق أخرى [¬٣]، من حديث أنس (٢١٨) وعبد الله بن عباس (٢١٩).

стр. 1277

وابن مسعود (٢٢٠)، وعائشة (٢٢١)، كلها [¬١] مرفوعة، ولكن في أسانيدها مقال، كما هو مقرر في كتاب الأحكام، والله أعلم. وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث، ورواه الحاكم (٢٢٢) من حديث أبي [¬٢] قتادة، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله ﷺ سئل [¬٣] عن قول الله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ فقيل: ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة". ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال ابن جرير (٢٢٣): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن قال: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ قالوا: يا رسول الله، وما [¬٤] السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة". ورواه وكيع في تفسيره، عن سفيان، عن يونس به (٢٢٤). وقال الإمام أحمد (٢٢٥): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا الثوري، عن إسماعيل -وهو

стр. 1278

أبو إسرائيل الملائي - عن فضيل -يعني ابن عمرو - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "تعجلوا إلى الحج -يعني الفريضة فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له". وقال أحمد أيضًا (٢٢٦): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن مهران بن أبي صفوان عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من أراد الحج فليتعجل". ورواه [¬١] أبو داود، عن مسدد، عن أبي معاوية الضرير به. وقد روى [وكيع و] [¬٢] ابن جرير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلًا (٢٢٧). وعن عكرمة مولاه أنه قال: السبيل الصحة. وروى وكيع بن الجراح، عن أبي جناب -يعني الكلبي- عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ قال: قال: الزاد والبعير. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي: من [¬٣] جحد فريضة الحج فقد كفر، والله غني عنه. وقال سعيد بن منصور عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة قال: لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قالت اليهود: فنحن مسلمون. قال الله عز

стр. 1279

وجل: فأخصمهم فحُجَّهم [¬١]، يعني قال [¬٢] لهم النبي ﷺ : "إن الله فرض على الناس [¬٣] حج البيت من استطاع إليه سبيلًا". فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ﴾ (٢٢٨). وروى [¬٤] ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه (٢٢٩). وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، حدثنا مسلم بن إبراهيم وشاذ بن فياض قالا: حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني، حدثنا أبو إسحاق الهمداني، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ملك زادًا و راحلة ولم يحج بيت الله، فلا يضره مات يهوديًّا أو نصرانيًّا، وذلك [¬٥] بأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ﴾ (٢٣٠). ورواه ابن جرير، من حديث مسلم بن إبراهيم به. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة، الرازي، حدثنا هلال بن الفياض، حدثنا

стр. 1280

هلال أبو هاشم الخراساني … فذكره بإسناده [¬١] مثله. ورواه الترمذي عن محمد بن يحيى القطعي، عن مسلم بن إبراهيم، عن هلال بن عبد الله -مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي به، وقال: هذا [¬٢] حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال مجهول، والحارث يضعف في الحديث. وقال البخاري: هلال هذا منكر الحديث. وقال ابن عدي: هذا الحديث ليس بمحفوظ. وقد روى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ، من حديث أبي [¬٣] عمرو الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد [¬٤] الله بن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غنم [¬٥]، أنه [¬٦] سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه [مات يهوديًّا] [¬٧] أو نصرانيًّا (٢٣١). وهذا إسناد صحيح إلى عمر ﵁: روى سعيد [¬٨] بن منصور في سننه [¬٩]، عن [¬١٠] الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا إلى [¬١١] كل من كان عنده [¬١٢] جدة [¬١٣] ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين (٢٣٢). ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ

стр. 1281

شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾. هذا تعنيف من الله تعالى للكفرة [¬١]-أهل الكتاب-؛ على عنادهم للحق وكفرهم بآيات الله، وصدهم عن سبيله [¬٢] من أراده من أهل الإيمان؛ بجهدهم وطاقتهم مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله، بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين، والسادة المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وما بشروا به ونوّهوا به [¬٣] من ذكر النبي الأمي الهاشمي العربي المكي، سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء، ورسول رب الأرض والسماء، وقد توعدهم الله تعالى على ذلك، وأخبرهم [¬٤] بأنه شهيد على صنيعهم ذلك، بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء، ومقاتلتهم الرسول المبشر به [¬٥] بالتكذيب والجحود والعناد، فأخبر [¬٦] تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي: سيجزيهم [¬٧] على ذلك ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ [¬٨] مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ يحذر ﵎ عباده المؤمنين، من [¬٩] أن يطيعوا طائفة من أهل [¬١٠] الكتاب، الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، وما منحهم من إرسال رسوله، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ [¬١١] مِنْ [¬١٢] بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [¬١٣]. وهكذا قال هاهنا: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَكَيفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ يعني: أن الكفر بعيد منكم، وحاشاكم منه، فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلًا ونهارًا، وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم، [وهذا كقوله

стр. 1282

تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الآية بعدها. و] [¬١] كما جاء في هذا [¬٢] الحديث أن النبي [¬٣] ﵌ قال [لأصحابه يومًا] [¬٤]: "أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانًا". قالوا: الملائكة. قال: ["وكيف لا يؤمنون [وهم عند ربهم؟! ". وذكروا الأنبياء قال:] [¬٥] "وكيف لا يؤمنون] [¬٦] والوحي ينزل عليهم". قالوا: نحن [¬٧]. قال: "وكيف لا تؤمنون، وأنا بين أظهركم". قالوا: فأي الناس أعجب إيمانًا؟ قال: "قوم يجيئون من بعدكم، يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها" (٢٣٣). وقد ذكرت سند هذا الحديث، والكلام عليه في أول شرح البخاري، ولله الحمد. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدّة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ قال ابن أبي حاتم (٢٣٤): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، وشعبة، عن زبيد اليامي، عن مرَّة، عن عبد الله -هو ابن مسعود -: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وهذا إسناد صحيح موقوف.

стр. 1283

[وقد تابع مرة عليه عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود] [¬١]، وقد رواه ابن مردويه من حديث يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن سفيان الثوري، عن زبيد، عن مرّة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. وكذا [¬٢] رواه الحاكم في مستدركه، من حديث مسعر، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود مرفوعًا … فذكره، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. كذا قال: والأظهر أنه موقوف، والله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم (٢٣٥): وروي نحوه عن مرة الهمداني والربيع بن خثيم، وعمرو بن ميمون وإبراهيم [النخعي، وطاوس والحسن، وقتادة وأبي سنان والسدي نحو ذلك. [وروي عن أنس أنه قال: لا يتقي الله العبدُ حق تقاته، حتى يخزن لسانه.] [¬٣] وقد ذهب سعيد بن جبير] [¬٤] وأبو [¬٥] العالية، والربيع بن أنس وقتادة، ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم، والسدي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: لم تنسخ، ولكن: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يجاهدوا [¬٦] في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومةُ لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: حافظوا على الإِسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه؛ فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه، أنه من عاش على شيء مات عليه ومن مات على شيء بعث عليه، فعياذًا [¬٧] بالله من خلاف ذلك. وقال الإِمام أحمد (٢٣٦): حدثنا روح، حدثنا شعبة، قال: سمعت سليمان، عن

стр. 1284

مجاهد، أن الناس كانوا يطوفون بالبيت، وإن [¬١] ابن عباس جالس معه محجن (*)، فقال: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ولو أن قطرة من الزقوم قطرت [في دار الدنيا] [¬٢]؛ لأفسدت [¬٣] على أهل الدنيا [¬٤] معايشهم [¬٥] فكيف بمن ليس له طعام إلا من [¬٦] الزقوم". وكذا [¬٧] رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من طرق عن شعبة به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال الإمام أحمد (٢٣٧): حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن ابن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن [¬٨] بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه". وقال الإِمام أحمد أيضًا [¬٩] (٢٣٨): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان،

стр. 1285

عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: "لا يموتن أحدكم [¬١] إلا وهو يحسن الظن بالله ". ورواه مسلم من طريق الأعمش به. وقال الإمام أحمد (٢٣٩): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو [¬٢] يونس، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله قال: أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن شرًّا فله". وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين (٢٤٠) من وجه آخر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي". وقال الحافظ أبو بكر البزار، حدَّثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدَّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت -وأحسبه عن أنس- قال: كان رجل من الأنصار مريضًا، فجاءه النبي ﷺ يعوده، فوافقه في السوق فسلم عليه، فقال له: "كيف أنت يا فلان"؟ قال: بخير يا رسول الله، أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ : "لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف" (٢٤١). ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان، وهكذا رواه الترمذي، والنسائي وابن ماجة من حديثه، ثم قال الترمذي: غريب، وقد [¬٣] رواه بعضهم عن ثابت مرسلًا. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢٤٢): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن

стр. 1286

أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام قال: بايعت رسول الله ﷺ على [¬١] أن لا أخر إلا قائمًا، ورواه النسائي في سننه، عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة به، وترجم عليه فقال: (باب كيف يخر للسجود) ثم ساقه مثله، فقيل: معناه [] [¬٢] أن لا أموت إلا مسلمًا، وقيل: معناه أن لا أقتل إلا مقبلا غير مدبر، وهو يرجع إلى الأوّل. وقوله تعالى: ﴿واعتصموا [بحبل الله] [¬٣]، جميعًا ولا تفرقوا﴾ قيل: ﴿بحبل الله﴾ أي بعهد الله، كما قال في الآية بعدها: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بعهد وذمة [¬٤]، وقيل: ﴿بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني القرآن، كما في حديث الحارث الأعور، عن علي مرفوعًا في صفة القرآن: "هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم" (٢٤٣). وقد وَرَد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى، فقال الإِمام الحافظ أبو جعفر الطبري (٢٤٤): حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدَّثنا أسباط بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطية، عن أبي [¬٥] سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض".

стр. 1287

وروى ابن مردويه، من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه" (٢٤٥). وروي من حديث حذيفة (٢٤٦)، وزيد بن أرقم (٢٤٧) نحو [¬١] ذلك. [وقال وكيع (٢٤٨): حدَّثنا الأعمش، عن أبي وائل قال: إنّ هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين: يا عبد الله، هذا الطريق، هلم إلى الطريق، فاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله القرآن] [¬٢]. وقوله: ﴿ولا تفرقوا﴾ أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التفرقة. وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح مسلم (٢٤٩)، من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ الله يرضى لكم ثلاثًا، ويسخط لكم ثلاثًا، رضي لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولَّاه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثًا [¬٣]: قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال".

стр. 1288

وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضًا. وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، فقد [¬١] وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث [¬٢] وسبعين فرقة، منها فرقة [¬٣] ناجية إلى الجنة، ومسلمة من عذاب [¬٤] النار؛ وهم الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا]﴾، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه [قد كان] [¬٥] بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة، وضغائن وإحن [وذحول، طال بسببها] [¬٦] قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله؛ متعاونين على البر والتقوى، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَينَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُمْ﴾ [إلى آخر الآية]، وكانوا على شفا حفرة من النار [¬٧] بسبب [¬٨] كفرهم، فأنقذهم [¬٩] الله منها؛ أن هداهم للإِيمان. وقد امتن عليهم بذلك [¬١٠] رسول الله ﷺ يوم قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم بما [¬١١] فضل عليهم في القسمة، بما أراه الله، فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؛ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؛ وعالة فأغناكم الله بي؟ " (٢٥٠). فكلما [¬١٢] قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن. وقد [¬١٣] ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره (٢٥١): أن هذه الآية نزلت في شأن

стр. 1289

الأوس والخزرج: وذلك أن رجلًا من اليهود مرّ بملإ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلًا معه، وأمره أن يجلس بينهم، ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه، حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي ﵌ فأتاهم، فجعل يسكنهم، ويقول: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ ". وتلا عليهم هذه [¬١] الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح ﵃. وذكر عكرمة: أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفك، والله أعلم. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾ يقول تعالى: ولتكن منكم أمة منتصبة للقيام بأمر الله، في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأولئك هم المفلحون. قال الضحاك: هم خاصة الصحابة، وخاصة الرواة، يعني: المجاهدين والعلماء. وقال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيرِ﴾ ثم قال: "الخير اتباع القرآن وسنتي". رواه ابن مردويه.

стр. 1290

والمقصود من هذه الآية، أن تكون فرقة [¬١] من هذه [¬٢] الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم (٢٥٢)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وفي رواية: "وليس وراء ذلك من الإِيمان حبة خردل". وقال الإمام أحمد (٢٥٣): حدثنا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلى، عن حذيفة بن اليمان [¬٣]، أن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم". ورواه الترمذي، وابن ماجة من حديث عمرو بن أبي عمرو به، وقال الترمذي: حسن. والأحاديث في هذا الباب كثيرة، مع الآيات الكريمة، كما سيأتي تفسيرها في أماكنها. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]﴾. ينهى [﵎] هذه الأمة، أن يكونوا [¬٤] كالأمم الماضين [¬٥]؛ في افتراقهم [¬٦] واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع قيام الحجة عليهم.

стр. 1291

قال الإمام أحمد (٢٥٤): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني أزهر بن [¬١] عبد الله الهوزني [¬٢]، عن أبي عامر عبد الله بن لُحي، قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة، قام حين صلى صلاة [¬٣] الظهر، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة -وهي الجماعة- إنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك [¬٤] الأهواء، كما يتجارى الكَلَب (*) لصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله". والله -يا معشر العرب- لئن [¬٥] لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ ؛ لغيرُكم من الناس أحرى أن لا يقوم به". وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى [¬٦] كلاهما عن أبي المغيرة، واسمه عبد القدوس بن الحجاج الشامي به، وقد [¬٧] ورد [¬٨] هذا الحديث من طرق. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ يعني: يوم القيامة، يوم [¬٩] تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة، قاله ابن عباس ﵄ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال الحسن البصري: وهم المنافقون، ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، وهذا [¬١٠] الوصف يعم كل كافر. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني: الجنة ماكثون فيها أبدًا، لا يبغون عنها حولًا.

стр. 1292

وقد قال أبو عيسى الترمذي عند [¬١] تفسير هذه الآية: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن الربيع [¬٢]- وهو ابن صبيح [¬٣]- وحماد بن سلمة، عن أبي غالب قال: رأى أبو أمامة رءوسًا منصوبة على درج مسجد [¬٤] دمشق، فقال أبو أمامة: كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى آخر الآية. قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله ﷺ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا -حتى عد سبعًا- ما حدثتكموه (٢٥٥). ثم قال: هذا حديث حسن. وقد رواه ابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي غالب، وأخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي غالب بنحوه. وقد روى ابن مردويه عند تفسير هذه الآية، عن أبي ذر، حديثًا مطولًا غريبًا عجيبًا جدًّا. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ]﴾ أي: هذه آيات الله وحججه وبيناته، نتلوها عليك يا محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾، أي: نكشف ما الأمر عليه في الدنيا والآخرة. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ﴾ أي: ليس بظالم لهم، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور، لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدًا من خلقه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي:

стр. 1293

الجميع ملك [¬١] له وعبيد له، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: هو الحاكم [¬٢] المتصرف في الدنيا والآخرة [¬٣]. ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ أَينَ مَا ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾ يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم؛ فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال البخاري (٢٥٦): حدثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال [¬٤]: خير الناس للناس؛ تأتون [¬٥] بهم في السلاسل في أعناقهم؛ حتى يدخلوا في الإسلام. وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس وعطية العوفي، ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يعني: خير الناس للناس. والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا قال: ﴿تَأْمُرُونَ [¬٦] بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ [¬٧] عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ [¬٨] بِاللَّهِ﴾.

стр. 1294

قال الإِمام أحمد (٢٥٧): حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن [¬١] زوج درة بنت أبي لهب [عن درة بنت أبي لهب] [¬٢] قالت [¬٣]: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر، فقال يا رسول الله، أي: الناس خير؟ فقال [¬٤]: "خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم". ورواه أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة (٢٥٨). والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين [¬٥] بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: خيارًا [¬٦] ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا]﴾. وفي مسند الإِمام أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم توفون سبعين أمّة

стр. 1295

أنتم خيرها وأكرمها [¬١] على الله " (٢٥٩) وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذي. ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه [¬٢] (٢٦٠). وإنما حازت هذه الأمّة قصب [¬٣] السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبيًّا قبله ولا رسولًا من الرسل. فالعمل على [منهاجه، وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال] [¬٤] غيرهم مقامه، كما قال الإِمام أحمد (٢٦١): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا ابن زهير، عن عبد الله -يعني: ابن محمد بن عقيل- عن محمد بن علي وهو ابن الحنفية، أنه سمع علي ابن أبي طالب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : [أعطيت ما لم يعط أحدٌ من الأنبياء" فقلنا يا رسول الله، ما هو؟ قال: "نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد وجعل التراب لي طهورًا،

стр. 1296

وجعلت أمّتي خير الأمم". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن. وقال الإمام أحمد أيضًا (٢٦٢): حدثنا أبو العلاء الحسن بن سوار، حدثنا ليث، عن معاوية، عن أبي حَلْبس يزيد بن ميسرة قال: سمعت أم الدرداء ﵂ تقول [سمعت أبا الدرداء يقول] [¬١]: سمعت أبا القاسم ﷺ وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها يقول: [إن الله تعالى يقول: يا عيسى إني باعث بعدك أمّة؛ إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم قال: يا رب كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي". وقد وردت أحاديث يناسب ذكرها هاهنا. قال الإِمام أحمد (٢٦٣): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا المسعودي، حدثنا بكير بن الأخنس، عن رجل، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي فزادني مع كل واحد سبعين [¬٢] ألفًا" فقال أبو بكر ﵁: فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى، ومصيب من حافات البوادي. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢٦٤): حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا هشام بن حسان عن القاسم بن مهران، عن موسى بن عبيد، عن ميمون بن مهران عن عبد الرحمن بن أبي بكر، أن رسول الله ﷺ قال: "إن ربي أعطاني سبعين ألفًا يدخلون الجنة

стр. 1297

بغير حساب" فقال عمر: يا رسول الله، فهلا استزدته، [فقال: استزدته فأعطاني مع كل ألف سبعين ألفًا " قال عمر: فهلا استزدته،] [¬١] قال: "استزدته فأعطاني مع كل رجل سبعين ألفًا" قال عمر: فهلا استزدته، قال [¬٢]: "قد [¬٣] استزدته فأعطاني هكذا" وفرج عبد الرحمن [¬٤] بن أبي بكر بين يديه، وقال عبد الله وبسط باعيه، وحثا [¬٥] عبد الله وقال هشام: وهذا من الله لا يدرى ما عدده. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢٦٥): حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة قال: قال شريح [بن عبيد] [¬٦]: مرض ثوبان بحمص، وعليها عبد الله بن قرط الأزدي فلم يعده، فدخل على ثوبان رجل من الكلاعيين عائدًا له [¬٧]، فقال له ثوبان: أتكتب؟ قال: نعم. قال: اكتب، فكتب للأمير عبد الله بن قرط: من ثوبان مولى رسول الله ﷺ أما بعد: فإنه لو كان لموسى وعيسى ﵉ بحضرتك خادم لعدته، ثم طوى الكتاب، وقال له: أتبلغه إياه؟ قال [¬٨]: نعم، فانطلق الرجل بكتابه فدفعه إلى ابن قرط، فلما رآه قام فزعًا، فقال الناس: ما شأنه أحدث أمر؟ فأتى ثوبان فدخل [¬٩] عليه فعاد [¬١٠]، وجلس عنده ساعة، ثم قام فأخذ ثوبان بردائه، وقال: اجلس حتى أحدّثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ سمعته، يقول: "ليدخلن الجنة من أمّتي سبعون ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفًا". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناد رجاله كلهم ثقات، شاميون، حمصيون، فهو حديث صحيح، ولله الحمد والمنة [¬١١]. (طريق أخرى)، قال الطبراني (٢٦٦): حدثنا عمرو بن إسحاق بن زبريق الحمصي، حدثنا محمد بن إسماعيل، يعني: ابن عياش، حدثنا أبي، عن ضمضم ابن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان ﵁ قال: سمعت رسول الله

стр. 1298

ﷺ يقول: "إن ربي وعدني من أمّتي سبعين ألفًا لا يحاسبون، مع كل ألف سبعون ألفًا". هذا لعله هو المحفوظ بزيادة أبي أسماء الرحبي، بين شريح وبين ثوبان، والله أعلم. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢٦٧): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن ابن مسعود ﵁ قال: أكثرنا الحديث عند رسول الله ﷺ ذات ليلة، ثم غدونا إليه، فقال: "عُرِضَتْ عليّ الأنبياء الليلة بأممها، فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة، والنبي ومعه العصابة، والنبي ومعه النفر، والنبي وليس معه أحد، حتى مر عليّ موسى ﵇ ومعه كبكبة من بني إسرائيل، فأعجبوني، فقلت: من هؤلاء؟ قيل [¬١]: هذا أخوك موسى، ومعه [¬٢] بنو إسرائيل، فقلت [¬٣]: فأين أمّتي؟ فقيل: انظر عن [¬٤] يمينك، فنظرت، فإذا الظراب [¬٥] قد سدّ بوجوه الرجال، [ثم يقول [¬٦] لي: [انظر عن يسارك فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال] [¬٧] فقيل لي [¬٨]: أرضيت [¬٩]؟ فقلت: رضيت يا رب رضيت يا رب- قال: فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب"، فقال النبي ﷺ الله عليه وسلم: "فداكم أبي وأمي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين ألفًا فافعلوا، فإن قصرتم؛

стр. 1299

فكونوا من أهل الظراب [¬١]، فإن قصرتم؛ فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون" فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم [¬٢]. [أي: من السبعين،] [¬٣] فدعا له، فقام رجل آخر فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم فقال: "قد سبقك بها عكاشة"، قال: ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعين الألف؟، قوم ولدوا في الإِسلام ولم يشركوا بالله شيئًا حتى ماتوا؟ فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون". هكذا رواه أحمد بهذا السند وهذا السياق، ورواه أيضًا عن عبد الصمد، عن هشام، عن قتادة بإسناده مثله، وزاد بعد قوله: "رضيت يا رب، رضيت يا رب. قال رضيت؟ قلت: نعم. قيل: انظر عن يسارك. قال: فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقال: رضيت؟ قلت: رضيت؟. وهذا إسناد صحيح من هذا الوجه، تفرد به أحمد ولم يخرجوه. (حديث آخر) قال [الإِمام أحمد (٢٦٨): حدثنا] [¬٤] أحمد بن منيع، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز، حدثنا حماد، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "عرضت على الأمم بالموسم، فراثت [¬٥] عليَّ أمتي، ثم رأيتهم فأعجبني كثرتهم وهيئتهم، قد ملئوا السهل والجبل، فقال: أرضيت يا محمد؟ فقلت: نعم. قال: فإن مع هؤلاء سبعين [¬٦] ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون [¬٧]، وعلى ربهم يتوكلون"، فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: "أنت منهم" فقام رجل آخر [فقال:

стр. 1300

ادع الله أن يجعلني منهم] [¬١]، فقال: "سبقك بها عكاشة". رواه الحافظ الضياء المقدسي وقال، هذا عندي على شرط مسلم. (حديث آخر) قال الطبراني (٢٦٩): حدثنا محمد بن محمد الجذوعي القاضي [¬٢]، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن هشام [¬٣] بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عمران [¬٤] بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب" قيل: من هم؟ قال: "هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون". ورواه مسلم من طريق هشام بن حسان، وعنده ذكر عكاشة. (حديث آخر) ثبت في "الصحيحين (٢٧٠) من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة حدثه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدخل الجنة من أمتي زمرة، وهم سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر". قال [¬٥] أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اجعله منهم"، ثم قام رجل من الأنصار فقال مثله [¬٦] فقال: "سبقك بها [¬٧] عكاشة". (حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني (٢٧١): حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا سعيد
следующие страницы →