← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وجعلت أمّتي خير الأمم". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن. وقال الإمام أحمد أيضًا (٢٦٢): حدثنا أبو العلاء الحسن بن سوار، حدثنا ليث، عن معاوية، عن أبي حَلْبس يزيد بن ميسرة قال: سمعت أم الدرداء ﵂ تقول [سمعت أبا الدرداء يقول] [¬١]: سمعت أبا القاسم ﷺ وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها يقول: [إن الله تعالى يقول: يا عيسى إني باعث بعدك أمّة؛ إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم قال: يا رب كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي". وقد وردت أحاديث يناسب ذكرها هاهنا. قال الإِمام أحمد (٢٦٣): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا المسعودي، حدثنا بكير بن الأخنس، عن رجل، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي فزادني مع كل واحد سبعين [¬٢] ألفًا" فقال أبو بكر ﵁: فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى، ومصيب من حافات البوادي. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢٦٤): حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا هشام بن حسان عن القاسم بن مهران، عن موسى بن عبيد، عن ميمون بن مهران عن عبد الرحمن بن أبي بكر، أن رسول الله ﷺ قال: "إن ربي أعطاني سبعين ألفًا يدخلون الجنة

стр. 1297

بغير حساب" فقال عمر: يا رسول الله، فهلا استزدته، [فقال: استزدته فأعطاني مع كل ألف سبعين ألفًا " قال عمر: فهلا استزدته،] [¬١] قال: "استزدته فأعطاني مع كل رجل سبعين ألفًا" قال عمر: فهلا استزدته، قال [¬٢]: "قد [¬٣] استزدته فأعطاني هكذا" وفرج عبد الرحمن [¬٤] بن أبي بكر بين يديه، وقال عبد الله وبسط باعيه، وحثا [¬٥] عبد الله وقال هشام: وهذا من الله لا يدرى ما عدده. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢٦٥): حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة قال: قال شريح [بن عبيد] [¬٦]: مرض ثوبان بحمص، وعليها عبد الله بن قرط الأزدي فلم يعده، فدخل على ثوبان رجل من الكلاعيين عائدًا له [¬٧]، فقال له ثوبان: أتكتب؟ قال: نعم. قال: اكتب، فكتب للأمير عبد الله بن قرط: من ثوبان مولى رسول الله ﷺ أما بعد: فإنه لو كان لموسى وعيسى ﵉ بحضرتك خادم لعدته، ثم طوى الكتاب، وقال له: أتبلغه إياه؟ قال [¬٨]: نعم، فانطلق الرجل بكتابه فدفعه إلى ابن قرط، فلما رآه قام فزعًا، فقال الناس: ما شأنه أحدث أمر؟ فأتى ثوبان فدخل [¬٩] عليه فعاد [¬١٠]، وجلس عنده ساعة، ثم قام فأخذ ثوبان بردائه، وقال: اجلس حتى أحدّثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ سمعته، يقول: "ليدخلن الجنة من أمّتي سبعون ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفًا". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناد رجاله كلهم ثقات، شاميون، حمصيون، فهو حديث صحيح، ولله الحمد والمنة [¬١١]. (طريق أخرى)، قال الطبراني (٢٦٦): حدثنا عمرو بن إسحاق بن زبريق الحمصي، حدثنا محمد بن إسماعيل، يعني: ابن عياش، حدثنا أبي، عن ضمضم ابن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان ﵁ قال: سمعت رسول الله

стр. 1298

ﷺ يقول: "إن ربي وعدني من أمّتي سبعين ألفًا لا يحاسبون، مع كل ألف سبعون ألفًا". هذا لعله هو المحفوظ بزيادة أبي أسماء الرحبي، بين شريح وبين ثوبان، والله أعلم. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢٦٧): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن ابن مسعود ﵁ قال: أكثرنا الحديث عند رسول الله ﷺ ذات ليلة، ثم غدونا إليه، فقال: "عُرِضَتْ عليّ الأنبياء الليلة بأممها، فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة، والنبي ومعه العصابة، والنبي ومعه النفر، والنبي وليس معه أحد، حتى مر عليّ موسى ﵇ ومعه كبكبة من بني إسرائيل، فأعجبوني، فقلت: من هؤلاء؟ قيل [¬١]: هذا أخوك موسى، ومعه [¬٢] بنو إسرائيل، فقلت [¬٣]: فأين أمّتي؟ فقيل: انظر عن [¬٤] يمينك، فنظرت، فإذا الظراب [¬٥] قد سدّ بوجوه الرجال، [ثم يقول [¬٦] لي: [انظر عن يسارك فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال] [¬٧] فقيل لي [¬٨]: أرضيت [¬٩]؟ فقلت: رضيت يا رب رضيت يا رب- قال: فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب"، فقال النبي ﷺ الله عليه وسلم: "فداكم أبي وأمي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين ألفًا فافعلوا، فإن قصرتم؛

стр. 1299

فكونوا من أهل الظراب [¬١]، فإن قصرتم؛ فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون" فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم [¬٢]. [أي: من السبعين،] [¬٣] فدعا له، فقام رجل آخر فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم فقال: "قد سبقك بها عكاشة"، قال: ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعين الألف؟، قوم ولدوا في الإِسلام ولم يشركوا بالله شيئًا حتى ماتوا؟ فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون". هكذا رواه أحمد بهذا السند وهذا السياق، ورواه أيضًا عن عبد الصمد، عن هشام، عن قتادة بإسناده مثله، وزاد بعد قوله: "رضيت يا رب، رضيت يا رب. قال رضيت؟ قلت: نعم. قيل: انظر عن يسارك. قال: فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقال: رضيت؟ قلت: رضيت؟. وهذا إسناد صحيح من هذا الوجه، تفرد به أحمد ولم يخرجوه. (حديث آخر) قال [الإِمام أحمد (٢٦٨): حدثنا] [¬٤] أحمد بن منيع، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز، حدثنا حماد، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "عرضت على الأمم بالموسم، فراثت [¬٥] عليَّ أمتي، ثم رأيتهم فأعجبني كثرتهم وهيئتهم، قد ملئوا السهل والجبل، فقال: أرضيت يا محمد؟ فقلت: نعم. قال: فإن مع هؤلاء سبعين [¬٦] ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون [¬٧]، وعلى ربهم يتوكلون"، فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: "أنت منهم" فقام رجل آخر [فقال:

стр. 1300

ادع الله أن يجعلني منهم] [¬١]، فقال: "سبقك بها عكاشة". رواه الحافظ الضياء المقدسي وقال، هذا عندي على شرط مسلم. (حديث آخر) قال الطبراني (٢٦٩): حدثنا محمد بن محمد الجذوعي القاضي [¬٢]، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن هشام [¬٣] بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عمران [¬٤] بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب" قيل: من هم؟ قال: "هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون". ورواه مسلم من طريق هشام بن حسان، وعنده ذكر عكاشة. (حديث آخر) ثبت في "الصحيحين (٢٧٠) من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة حدثه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدخل الجنة من أمتي زمرة، وهم سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر". قال [¬٥] أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اجعله منهم"، ثم قام رجل من الأنصار فقال مثله [¬٦] فقال: "سبقك بها [¬٧] عكاشة". (حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني (٢٧١): حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا سعيد

стр. 1301

ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد [¬١] أن النبي ﷺ قال: "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا -أو سبعمائة ألف- آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، وجوههم [¬٢] على صورة القمر ليلة البدر". أخرجه البخاري ومسلم جميعًا، عن قتيبة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن [¬٣] أبيه، عن سهل به. (حديث آخر) قال مسلم بن الحجاج في صحيحه (٢٧٢): حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، أنبأنا حصين بن عبد الرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم الشعبي. [قلت: حدثنا] [¬٤] عن بريدة بن الحصيب الأسلمي أنه قال: "لا رقة إلا من عين أو حمة". قال [¬٥]: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه [¬٦] قال: "عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم. فقيل لي: انظر الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب"، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم [¬٧] رسول الله ﷺ فقال: "ما الذي [¬٨] تخوضون فيه"؟ فأخبروه، فقال: "هم الذين لا يرقون ولا يسترقون [] [¬٩] ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن، فقال:

стр. 1302

ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "أنت منهم" ثم قام رجل [¬١] آخر فقال: أدع الله أن يجعلني منهم، قال: "سبقك بها عكاشة". وأخرجه البخاري، عن أسيد بن زيد، عن هشيم، وليس عنده: لا [¬٢] يرقون. (حديث آخر) قال أحمد (٢٧٣): حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ ، فذكر حديثًا، وفيه: "فتنجو أول زمرة، وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفًا، لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء" ثم كذلك، وذكر بقيته، رواه مسلم من حديث روح غير أنه لم يذكر النبي ﷺ . (حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم، في كتاب "السنن" له: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا، مع كل ألف سبعون ألفًا، لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي " (٢٧٤). وكذا رواه الطبراني من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش به، وهذا إسناد جيد. (طريق [¬٣] أخرى) عن أبي أمامة. قال ابن أبي عاصم: حدثنا دحيم، حدثنا الوليد بن مسلم، ثنا [¬٤] صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، عن أبي اليمان الهوزني -واسمه عامر

стр. 1303

ابن عبد الله بن لحُي- عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمّتي سبعين ألفًا بغير حساب" فقال [¬١] يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمّتك يا رسول الله، إلا مثل الذباب الأصهب في الذباب، قال رسول الله ﷺ : "فإن الله وعدني سبعين ألفًا، مع كل ألف سبعون [¬٢] ألفًا، وزادني ثلاث حثيات (٢٧٥) " وهذا أيضًا إسناد حسن. (حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني (٢٧٦): حدثنا أحمد بن خليد، حدثنا أبو توبة [¬٣] حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عامر بن زيد البكالي، أنه سمع عتبة بن عبد السلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ربي [ وعدني] [¬٤] أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب، ثم يشفع كل ألف لسبعين ألفًا، ثم يحثي ربي بكفيه ثلاث حثيات" فكبر عمر وقال: إن السبعين الأول يشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم [¬٥]، وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الأواخر. قال الحافظ الضياء [أبو عبد الله] [¬٦] المقدسي في كتابه "صفة الجنة": لا أعلم لهذا الإِسناد علة، والله أعلم.

стр. 1304

(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢٧٧): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام [¬١]- يعني: الدستوائي- حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، حدثنا عطاء ابن يسار، أن رفاعة الجهني حدثه، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بالكديد -أو قال: بقديد- فذكر حديثًا، وفيه: ثم قال: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمَّتي سبعين ألفًا بغير حساب، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوءوا [¬٢] أنتم، ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة" قال الضياء: وهذا عندي على شرط مسلم. (حديث آخر) قال عبد الرزاق (٢٧٨)، أنبأنا معمر، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف" قال أبو بكر ﵁: زدنا يا رسول الله قال: "والله وهكذا [¬٣] " فقال [¬٤] عمر: حسبك يا أبا بكر، فقال أبو بكر: دعني وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا. فقال [¬٥] عمر: "إن الله إن شاء أدخل] [¬٦] خلقه الجنة بكف واحد. فقال النبي ﷺ : "صدق عمر". هذا الحديث بهذا الإسناد تفرّد [¬٧] به عبد الرزاق. قال الضياء: وقد رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، قال [¬٨]: حدثنا محمَّد بن أحمد بن مخلد، حدثنا إبراهيم بن الهيثم

стр. 1305

البلدي [¬١]، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس عن النبي ﷺ قال: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مائة ألف" فقال أبو بكر يا رسول الله، زدنا. قال: "وهكذا" وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك، قلت: يا رسول الله، زدنا. فقال عمر: إن الله قادر على [¬٢] أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : "صدق عمر" (٢٧٩). هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأبو هلال اسمه [¬٣] محمَّد بن سليم الراسبي بصري. (طريق أخرى) عن أنس. قال الحافظ أبو يعلى (٢٨٠)، حدثنا محمَّد بن أبي بكر، حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي، حدثنا حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ : قال "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا" قالوا: زدنا يا رسول الله [قال: "لكل رجل سبعون ألفا" قالوا: زدنا وكان على كثيب،] [¬٤] فقال: "هكذا" وحثا بيده [¬٥]، قالوا: يا رسول الله، أبعد اللهُ مَن دَخل النار بعد هذا! وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم [¬٦] ثقات، ما عدا عبد القاهر بن السري، وقد سئل عنه ابن معين، فقال: صالح. ([حديث آخر) روى الطبراني (٢٨١) من حديث قتادة، عن أبي بكر بن أنس، عن أبي بكر بن عمير، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "إن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلثمائة ألف الجنة [بغير حساب] [¬٧] " فقال عمير: يا رسول الله، زدنا. فقال: "وهكذا" بيده، فقال عمير: يا رسول الله، زدنا. فقال عمر: حسبك، إن الله إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة، أو بحثية واحدة، فقال النبي ﷺ : "صدق عمر] [¬٨] ".

стр. 1306

(حديث [¬١] آخر) قال [¬٢] الطبراني (٢٨٢): حدثنا أحمد بن خليد، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد [¬٣] [أنه سمع أبا سلام] [¬٤] يقول: حدثني عبد الله بن عامر، أن قيسًا الكندي حدث، أن أبا سعيد الأنماري، حدثه: أن رسول الله ﷺ قال: "إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب، ويشفع [كل ألف لسبعين] [¬٥] ألفًا، لم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه" [¬٦] قال قيس: فقلت لأبي سعيد: أنت سمعت هذا من رسول الله؟ ﷺ قال: نعم بأذني، ووعاه قلبي. قال أبو سعيد: فقال يعني: رسول الله ﷺ "وذلك إن شاء الله يستوعب مهاجري [¬٧] أمتي، ويوفي الله بقيته من أعرابنا [¬٨] " وقد روى هذا الحديث محمَّد بن سهل بن عسكر، عن أبي توبة الربيع بن نافع بإسناده مثله، وزاد: قال أبو سعيد: فحسب ذلك عند رسول الله ﷺ فبلغ أربعمائة ألف ألف وتسعين ألفًا.

стр. 1307

(حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني (٢٨٣): حدثنا هشيم بن مرثد الطبراني، حدثنا محمَّد بن إسماعيل بن عياش، حدّثني أبي، حدثني ضمضم [¬١] بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "أما والذي نفس محمَّد بيده، ليبعثن منكم يوم القيامة إلى الجنة مثل الليل الأسود، زمرة جميعها يخبطون الأرض، يقول [¬٢] الملائكة: لم جاء مع محمَّد أكثر مما جاء مع الأنبياء؟! " وهذا إسناد حسن. (نوع [¬٣] آخر) من الأحاديث الدالة على فضيلة هذه الأمّة وشرفها وكرامتها [¬٤] على الله، ، وأنها خير الأمم في الدنيا والآخرة. قال الإِمام أحمد (٢٨٤) حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير عن جابر، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمّتي يوم القيامة، ربع أهل [¬٥] الجنة" قال [¬٦]: فكبرنا، ثم قال: "إني أرجو أن تكونوا [¬٧] ثلث الناس" قال: فكبرنا، ثم قال: "أرجو أن تكونوا [¬٨] الشطر" وهكذا رواه عن روح، عن ابن جريج به، وهو على شرط مسلم. وثبت في الصحيحين (٢٨٥) من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " فكبرنا، ثم قال: "أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " فكبرنا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة".

стр. 1308

(طريق أخرى) عن ابن مسعود. قال الطبراني (٢٨٦): حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثني الحارث بن حصيرة [¬١]، حدثني القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنتم وربع الجنة لكم، ولسائر الناس ثلاثة أرباعها" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "كيف أنتم وثلثها" قالوا: ذاك أكثر، قال: "كيف أتم والشطر لكم"، قالوا: ذاك [¬٢] أكثر، فقال رسول الله ﷺ : "أهل الجنة عشرون ومائة صف؛ لكم منها ثمانون صفا". قال الطبراني: تفرّد به الحارث بن حصيرة [¬٣]. (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٢٨٧): حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا ضرار بن مرة أبو سنان الشيباني، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، أن [¬٤] النبي ﷺ قال: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، هذه الأمة من ذلك

стр. 1309

ثمانون صفًّا". وكذا [¬١] رواه عن عفان عن عبد العزيز به، وأخرجه الترمذي من حديث أبي سنان به وقال: هذا حديث حسن، ورواه ابن ماجه من حديث سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه به. (حديث آخر) روى الطبراني (٢٨٨) من حديث سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا خالد بن يزيد البجلي، حدثنا سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌، قال: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من أمتي" تفرد به خالد بن يزيد البجلي، وقد تكلم فيه ابن عدي. (حديث آخر) قال الطبراني (٢٨٩): حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا موسى بن غيلان، حدثنا هاشم بن مخلد، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن أبي عمرو، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما نزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ قال رسول الله، ﷺ : "أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة". وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن ابن [¬٢] طاوس، عن أبيه عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولًا الجنة، بَيدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه

стр. 1310

من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، الناس لنا فيه تبع، غدًا لليهود، وللنصارى بعد غد" (٢٩٠). رواه البخاري، ومسلم من حديث عبد الله بن طاوس عن أبيه، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ مرفوعًا بنحوه، ورواه مسلم أيضًا من طريق الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "نحن الآخرون الأوَّلون يوم القيامة، ونحن أوّل من يدخل الجنة" وذكر تمام الحديث. (حديث آخر) روى الدارقطني في الأفراد، من حديث عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّ النبي، ﷺ ، قال: "إنّ الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرّمت على الأمم حتى تدخلها أمّتي" (٢٩١). ثم قال: تفرد [¬١] به ابن عقيل، عن الزهريّ، ولم يرو عنه سواه، وتفرد به زهير بن محمَّد، عن ابن عقيل، وتفرّد به عمرو بن أبي سلمة عن زهير. وقد [رواه أبو أحمد بن عدي [¬٢] الحافظ فقال: حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق، حدثنا أبو بكر الأعين محمَّد بن أبي عتَّاب [¬٣]، حدثنا أبو حفص التنيسي، [يعني عمرو بن أبي سلمة] [¬٤] حدثنا صدقة الدمشقي، عن زهير بن محمَّد، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الزهريّ به [¬٥]] [¬٦].

стр. 1311

ورواه الثعلبي، حدثنا أبو عباس الخلدي، أنبأنا أبو نعيم عبد الملك بن محمَّد، أنبأنا أحمد بن عيسى التنيسي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا صدقة بن عبد الله، عن زهير بن محمَّد بن عقيل به. فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فمن اتصف من هذه [¬١] الأمّة بهذه الصفات، دخل معهم في هذا [الثناء عليهم المدح لهم] [¬٢]، كما قال قتادة: بلغنا أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ في حجة حجها رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، ثم [¬٣] قال: من سره أن يكون من تلك [¬٤] الأمّة؛ فليؤدّ شرط الله فيها، رواه ابن جرير (٢٩٢). ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمّهم الله تعالى بقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمّة على هذه الصفات شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾، أي: بما أنزل على محمَّد ﴿لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: قليل منهم من يؤمن بالله، وما أنزل إليكم، وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة، والكفر، والفسق، والعصيان. ثم قال تعالى مخبرًا عباده المؤمنين، ومبشرًا لهم: أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين؛ فقال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾ [آل عمران: ١١١] وهكذا وقع؛ فإنهم يوم خيبر أذلهم الله، وأرغم آنافهم [¬٥]، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة، بني قينقاع، وبني [¬٦] النضير، وبني [¬٧] قريظة، كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام، كسرهم الصحابة في غير [ما موطن] [¬٨]، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإِسلام قائمة بالشام، حتى ينزل عيسى بن مريم وهم [¬٩] كذلك، ويحكم [﵇] [¬١٠]، وبشرع [¬١١] محمَّد عليه أفضل الصلاة

стр. 1312

والسلام، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإِسلام. ثم قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ أَينَ مَا ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا، فلا يأمنون ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بذمّة من الله، وهو عقد الذمّة لهم، وضرب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام المسألة [¬١] ﴿[وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [أي: أمان منهم لهم، كما في المهادن والمعاهد، والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين ولو امرأة: وكذا عبد على أحد قوله العلماء. قال ابن عباس: ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ] [¬٢] وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾] [¬٣] أي: بعهد من الله، وعهد من الناس، وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدّي، والربيع بن أنس. وقوله ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: ألزموا. فالتزموا بغضب من الله وهم يستحقونه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾] [¬٤] أي: ألزموها [¬٥] قدرًا وشرعًا، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ﴾ أي [¬٦]: إنما حملهم على ذلك الكبر، والبغي والحسد، فأعقبهم ذلك الذلة، والصغار، والمسكنة أبدًا متصلًا بذلة الآخرة. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أي: إنما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله، وقيضوا لذلك أنهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله والغشيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله، فعياذًا بالله من ذلك، وبالله المستعان. قال ابن أبي حاتم (٢٩٣): حدثنا يونس بن [¬٧] حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر الأزدي، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق [بقلهم في] [¬٨] آخر النهار.

стр. 1313

﴿لَيسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾ قال ابن أبي نجيح: زعم الحسن بن أبي يريد العجلي [¬١]، عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿لَيسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ قال [¬٢]: لا يستوي أهل الكتاب وأمّة محمَّد، ﷺ (٢٩٤). وهكذا قال السدي. ويؤيد هذا القول الحديث الذي رواه الإِمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو النضر، وحسن بن موسى قالا [¬٣]: حدثنا شيبان، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد؛ فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: "أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه

стр. 1314

الساعة غيركم" قال: فنزلت [¬١] هذه الآيات: ﴿لَيسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [أُمَّةٌ قَائِمَةٌ] [¬٢]﴾ [إلى قوله] [¬٣] ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (٢٩٥). والمشهور عند [¬٤] كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب؛ كعبد اللَّه بن سلام، وأسد بن عبيد، وثعلبة بن سعية [¬٥]، وأسيد بن سعية [¬٦] وغيرهم (٢٩٦). أي: لا يستوى من تقدّم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب، [وهؤلاء الذين أسلموا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَيسُوا سَوَاءً﴾ أي: ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم، ولهذا قال تعالى [¬٧]: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ أي: قائمة بأمر اللَّه، مطيعة لشرع اللَّه، متبعة نبي اللَّه، فهي [¬٨] قائمة يعني [¬٩] مستقيمة ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي: يقيمون [¬١٠] الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ

стр. 1315

الصَّالِحِينَ﴾ وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ]﴾، ولهذا [¬١] قال تعالى هاهنا: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا [¬٢] مِنْ خَيرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ [¬٣]﴾ أي: لا يضيع عند اللَّه، بل يجزيهم [¬٤] به أوفر الجزاء ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ أي: لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملًا. ثم قال تعالى مخبرًا عن الكفرة المشركين بأنه: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ أي: لا [¬٥] تردّ [¬٦] عنهم بأس اللَّه ولا عذابه إذا أراده [¬٧] بهم، ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ثم ضرب مثلًا لا ينفقه الكفار في هذه الدار -قاله مجاهد، والحسن، والسدي- فقال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ أي: برد شديد، قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة والضحاك، والربيع بن أنس وغيرهم. وقال عطاء: برد وجليد، وعن ابن عباس أيضًا ومجاهد ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ أي: نار، وهو يرجع إلى الأول، فإن البرد الشديد، ولا [¬٨] سيما الجليد [¬٩] يحرق الزروع والثمار، كما يحرق الشيء بالنار، ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ أي: وأحرقته [¬١٠]، يعني بذلك السفعة [¬١١]، إذا نزلت على حرث قد آن جداده [¬١٢] أو حصاده فدمّرته، وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته؛ فعدمه صاحبه أحوج ما كان إليه. فكذلك الكفار، يمحق اللَّه ثواب أعمالهم في هذه الدنيا وثمرها [¬١٣]، كما يذهب [¬١٤] ثمرة هذا [¬١٥] الحرث بذنوب صاحبه. وكذلك هؤلاء بنوها على غير أصل، وعلى غير أساس، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ

стр. 1316

الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيدُهُمْ شَيئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ يقول ﵎، ناهيًا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين ﴿بِطَانَةً﴾ أي: يطلعونهم على سرائرهم، وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم [¬١] لا يألون المؤمنين خبالًا؛ أي: يسعون في مخالفتهم، وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة، ويودّون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم. وقول تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم من أهل الأديان. وبطانة الرجل هم خاصة أهله؛ الذين يطلعون على داخلة [¬٢] أمره. وقد روى البخاري، والنسائي، وغيرهما من حديث جماعة، منهم يونس، ويحيى بن سعيد، وموسى بن عقبة، وابن أبي عتيق، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال: "ما بعث اللَّه من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصَمَ اللَّه (٢٩٧).

стр. 1317

وقد رواه الأوزاعي ومعاوية بن سلام، عن الزهري، عن أبي سلمة [عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه، فيحتمل أنه عند الزهري، عن أبي سلمة] [¬١] عنهما وأخرجه النسائي عن الزهري أيضًا، وعلقه البخاري في صحيحه، فقال: وقال عبيد اللَّه بن أبي جعفر، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعًا فذكره. فيحتمل أنه عند أبي سلمة، عن ثلاثة من الصحابة، واللَّه أعلم. وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي [¬٢]، [حدثنا أبو أيوب محمد بن الوزان، حدثنا عيسى بن يونس، عن أبي حيان التيمي، عن أبي] [¬٣] الزنباع، عن ابن أبي الدهقانة قال: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: إن هاهنا غلامًا من أهل الحيرة، حافظ كاتب [¬٤]، لو [¬٥] اتخذته كاتبًا؟ فقال: قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين (٢٩٨).

стр. 1318

ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل [¬١] على أن أهل الذمّة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين، واطلاع على دواخل أمورهم، التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. وقال الحافظ: أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن إسرائيل، حدثنا هشيم، حدثنا العوّام، عن الأزهر بن راشد قال: كانوا يأتون أنسًا؛ فإذا حدّثهم بحديث لا يدرون ما هو، أتوا الحسن -يعني البصري- فيفسره لهم، قال: فحدّث ذات يوم عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيًّا" فلم يدروا ما هو، فأتوا الحسن فقالوا له: إن أنسًا حدثنا، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا في خواتيمكم [¬٢] عربيًّا". فقال الحسن: أما قوله: "لا تنقشوا في [¬٣] خواتيمكم عربيًّا" محمد ﷺ ، وأما قوله: "لا تستضيئوا بنار المشركين"؛ يقول: لا تستشيروا المشركين في أموركم. ثم قال الحسن: تصديق ذلك في كتاب اللَّه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ (٢٩٩).

стр. 1319

هكذا رواه الحافظ أبو يعلى -رحمه اللَّه تعالى- وقد رواه النسائي عن مجاهد بن موسى، عن هشيم، ورواه الإِمام، أحمد عن هشيم بإسناده مثله، من غير ذكر تفسير الحسن البصري. وهذا التفسير فيه نظر، ومعناه ظاهر: "لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًّا" أي: بخط عربي لئلا يشابه نقش خاتم النبي ﷺ ، فإنه كان نقشه محمد رسول اللَّه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه نهى أن ينقش أحد على نقشه. وأما الاستضاءة [¬١] بنار المشركين، فمعناه لا تقاربوهم في المنازل؛ بحيث تكونون معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم وهاجروا من بلادهم، ولهذا روى أبو داود: "لا تتراءى ناراهما" (٣٠٠). وفي الحديث الآخر:

стр. 1320

"من جامع المشرك أو سكن معة فهو مثله" (٣٠١). فحملُ الحديث على ما قاله الحسن ﵀، والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر، واللَّه أعلم. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي: قد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة مع [¬١] ما هم مشتملون عليه في صدورهم، من البغضاء للإِسلام وأهله؛ ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل [¬٢] ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي: أنتم أيها المؤمنون تحبون المنافقين بما يظهرون لكم الإيمان، فتحبونهم على ذلك، وهم لا يحبونكم لا باطنًا ولا ظاهرًا ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: ليس عندكم في شيء منه شك ولا ريب، وهم عندهم الشك والريب والحيرة. وقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم. رواه ابن جرير (٣٠٢). ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيظِ﴾، والأنامل أطراف الأصابع، قاله قتادة. وقال الشاعر: أوُدُّكما [¬٣] ما بَلَّ حَلْقِي رِيقَتي … وما حملت كفاي أنملي العشرا وقال ابن مسعود والسدي والربيع بن أنس: الأنامل الأصابع. وهذا شأن المنافقين يظهرون للمؤمنين الإِيمان والمودّة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه، كما قال

стр. 1321

تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيظِ﴾ وذلك أشد الغيظ والحنق، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظم ذلك منهم، فاعلموا أن اللَّه متم نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه، ومعل كلمته، ومظهر دينه، فموتوا أنتم بغيظكم ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تأملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، [لا محيد لكم عنها] [¬١]، ولا [¬٢] خروج لكم منها. ثم قال تعالى ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين، وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد وكثروا وعز أنصارهم ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين [¬٣] سنة أي [¬٤]: جدب، أو أديل عليهم الأعداء [¬٥]، لما للَّه تعالى في ذلك بن الحكمة، كما جرى يوم أحد - فرح [¬٦] المنافقون بذلك، قال اللَّه تعالى مخاطبا عباده المؤمنين: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيدُهُمْ شَيئًا﴾ الآية، يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار، وكيد الفجار باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على اللَّه الذي هو محيط بأعدئهم، فلا حول ولا قوّة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته. ومن توكل عليه كفاه. ثم شرع تعالى في ذكر قصة أحد، وما كان فيها من الاختبار [¬٧] لعباده المؤمنين، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين، وبيان صبر [¬٨] الصابرين فقال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ المراد بهذه الواقعة يوم أحد عند الجمهور، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي،

стр. 1322

وغير واحد. وعن الحسن البصري المراد بذلك يوم الأحزاب. ورواه ابن جرير (٣٠٣)، وهو غريب لا يعوّل عليه. وكانت وقعة أحد يوم السبت من شوّال سنة ثلاث من الهجرة، قال قتادة [¬١]: لإِحدى عشرة ليلة خلت من شوّال، وقال عكرمة: يوم السبت للنصف من شوّال، واللَّه أعلم. وكان سببها أن المشركين حين قتل من قتل من أشرافهم يوم بدر، وسلمت العير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سفيان، فلما رجع قَفَلُهم إلى مكة قال أبناء من قتل، ورؤساء من بقي لأبي سفيان: أرصد هذه الأموال لقتال محمد. فأنفقوها في ذلك، فجمعوا [¬٢] الجموع والأحابيش، وأقبلوا في قريب من ثلاثة الآف، حتى نزلوا قريبًا من أحد، تلقاء المدينة. فصلى رسول اللَّه ﷺ يوم الجمعة، فلما فرغ منها، صلى على رجل من بني النجار يقال له مالك بن عمرو، واستشار رسول اللَّه ﷺ الناسَ: أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة؟ فأشار عبد اللَّه بن أبَيّ بالمقام بالمدينة، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدرًا بالخروج إليهم، فدخل رسول اللَّه ﷺ فلبس لأمته وخرج عليهم؛ وقد ندم بعضهم، وقالوا [¬٣]: لعلنا استكرهنا رسول اللَّه ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه؛ إن شئت أن نمكث، فقال رسول اللَّه ﷺ "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يرجع حتى يحكم اللَّه له" (٣٠٤) فسار ﷺ في ألف من

стр. 1323

أصحابه فلما كانوا [¬١] بالشوط رجع عبد اللَّه بن أبي [بثلث الجيش] [¬٢] مغضبًا، لكونه لم يرجع إلى قوله. وقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالًا لاتبعناكم، ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم، واستمر رسول اللَّه ﷺ سائرًا حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي: وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: "لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال". وتهيأ رسول اللَّه ﷺ ، للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه. وأمر على الرماة عبد اللَّه بن جبير أخا بني عمرو بن عوف. والرماة يومئذ خمسون رجلًا، فقال لهم: "انضحوا الخيل عنا ولا نؤتين من قبلكم، والزموا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم" (٣٠٥). وظاهر رسول اللَّه ﷺ بين درعين. وأعطى اللواء مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار. وأجاز رسول اللَّه ﷺ بعض الغلمان يومئذ. وأرجأ آخرين حتى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين.

стр. 1324

وتهيأت [¬١] قريش وهم ثلاثة الآف. ومعهم مائتا فرس قد جنبوها. فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل. ودفعوا اللواء إلى بني عبد الدار، ثم كان بين الفريقين ما سيأتي تفصيله في مواضعه [عند هذه الآيات] [¬٢] إن شاء الله تعالى. ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي: تنزلهم منازلهم، وتحعلهم ميمنة وميسرة، وحيث أمرتهم ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لما تقولون، عليم بضمائركم. وقد أورد ابن جرير هاهنا سؤالًا حاصله: كيف تقولون: إن النبي ﷺ خرج [¬٣] إلى أحد يوم الجمعة بعد الصلاة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ الآية؟ ثم كان جوابه عنه: أن غدوه ليبوأهم مقاعد إنما كان يوم السبت أول النهار. وقوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ الآية، قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان قال: قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ الآية قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة وما نحب -وقال سفيان مرة- وما يسرني أنها لم تنزل، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (٣٠٦). وكذا رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به، وكذا قال غير واحد من السلف: إنهم بنو حارثة وبنو سلمة. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي [¬٤]: في [¬٥] بدر، وكان يوم جمعة وافق السابع عشر من شهر رمضان، من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب

стр. 1325

محله [وحزبه، هذا] [¬١] مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلًا، فيهم فرسان وسبعون بعيرًا، والباقون مشاة ليس معهم من العُدَد جميع ما يحتاجون إليه. وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف، في سوابغ الحديد والبيض والعدة الكاملة والخيول المسومة والحلي الزائد، فأعز الله رسوله وأطهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النبي وقبيله وأخزى الشيطان وجيله، ولهذا قال تعالى ممتنًّا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي: قليل عددكم، لتعلموا أن النصر إنما هو من عند اللَّه، لا بكثرة العَدد والعُدد، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا﴾ إلى ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقال الإمام أحمد (٣٠٧): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك، قال [¬٢]: سمعت عياضًا الأشعري قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وابن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياض -وليس عياض هذا الذي حدث سماكًا- قال: وقال عمر ﵁: إذا كان قتالا فعليكم أبو عبيدة. قال [¬٣]: فكتبنا إليه أنه: قد جاش إلينا الموت. واستمددناه، فكتب إلينا: إنه قد جاءني كتابكم تستمدونني، وإني أدلكم على من هو أعز نصرًا، وأحصن جندًا، الله فاستنصروه، بأن محمدًا ﷺ قد نصر في [¬٤] يوم بدر، في أقل من عدتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا [¬٥] فقاتلوهم ولا تراجعوني. قال: فقاتلناهم فهزمناهم أربعة فراسخ. قال: وأصبنا أموالًا فتشاورنا، فأشار علينا عياض أن نعطي عن كل ذي رأس عشرة، قال: وقال أبو عبيدة: من يراهنني؟ فقال شاب: أنا إن لم تغضب. قال: فسبقه، فرأيت عقيصتي أبي عبيدة تنقزان [¬٦] وهو خلفه على فرس عُزي [¬٧]. هذا إسناد صحيح، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه، من حديث بندار، عن غندر بنحوه، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه.

стр. 1326

وبدر محلة بين مكة والمدينة، تعرف ببئرها [¬١] منسوبة إلى رجل حفرها، يقال له: بدر بن النارين، قال الشعبي. بدر بئر لرجل يسمى بدرًا. وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تقومون بطاعته. ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اختلف المفسررن في هذا [¬٢] الوعد: هل كان يوم بدر أو يوم أحد؟ على قولين: (أحدهما): أن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ [¬٣] نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾، وروي هذا عن الحسن البصري، وعامر الشعبي، والربيع بن أنس وغيرهم، واختاره ابن جرير. قال عباد بن منصور عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ قال: هذا يوم بدر، رواه ابن أبي حاتم (٣٠٨). ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا رهيب، حدَّثنا [¬٤] دارد، عن عامر -يعني الشعبي- أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ إلى قوله ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: فبلغت كرزًا الهزيمة، فلم يمد المشركين، ولم

стр. 1327

يمد الله [¬١] المسلمين بالخمسة (٣٠٩). وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف. فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول، وبين قوله في قصة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؟ فالجواب: أن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها؟ لقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بمعنى يردفهم غيرهم، ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر، كما هو المعروف من أن [¬٢] قتال الملائكة إنما كان يوم بدر والله أعلم. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أمد الله المسلمين [¬٣] يوم بدر بخمسة آلاف. (القول الثاني): أن هذا الوعد متعلق بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ وذلك يوم أحد، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين فروا يومئذ، زاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف، لقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ فلم يصبروا، بل فروا، فلم يمدوا بملك واحد. وقول تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ يعني تصبروا على مصابرة عدوكم، وتتقوني وتطيعوا أمري. وقوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾، قال الحسن وقتادة والربيع والسدّي: أي من وجههم هذا. وقال مجاهد وعكرمة وأبو صالح: أي من غضبهم هذا. وقال الضحاك: من غضبهم ووجههم. وقال العوفي عن ابن عباس: من سفرهم هذا، ويقال من غضبهم هذا. وقوله تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أي: معلمين بالسيما.

стр. 1328

وقال أبو إسحاق السبيعي: عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض؛ وكان سيماهم أيضًا في نواصي خيولهم (٣١٠). رواه ابن أبي حاتم. ثم قال: حدثنا أبو زرعة، حدَّثنا هدبة بن خالد، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ﵁، في هذه الآية: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: بالعهن الأحمر (٣١١). وقال مجاهد: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: محدقة [¬١] أعرافها، معلمة نواصيها بالصوف الأبيض في أذناب الخيل. وقال العوفي عن ابن عباس، ﵁ قال: أتت الملائكة محمدًا ﷺ مسوّمين بالصوف فسوّم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف (٣١٢). وقال قتادة وعكرمة: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: بسيما القتال. وقال مكحول: مسوّمين بالعمائم. وروى [¬٢] ابن مردويه، من حديث عبد القدوس بن حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: "معلمين. وكان سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حمر" (٣١٣). وروي من حديث حصين بن مخارق، عن سعيد، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن

стр. 1329

عباس قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر (٣١٤). وقال ابن [¬١] إسحاق: حدثني من لا أتهم عن مقسم عن ابن عباس قال: كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض، قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر. ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وحسانوا يكونون [فيما سواه من الأيام] [¬٢] عددًا ومددًا لا يضربون (٣١٥). ثم رواه عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن [¬٣] مقسم، عن ابن عباس، فذكر نحوه (٣١٦). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأحمسي، حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة، عن يحيى بن عباد: أن الزبير ﵁، كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معْتجرًا بها، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر (٣١٧).

стр. 1330

رواه ابن مردويه، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير فذكره. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي: وما أنزل الله الملائكة، وأعلمكم بإنزالهم [¬١]، إلا بشارة لكم، وتطييبًا لقلوبكم، وتطمينًا، وإلا فإنما النصر من عند الله، الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾. ولهذا قال هاهنا: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أي: هو ذو العزة التي لا ترام، والحكمة في قدره والإحكام. ثم قال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [أي: أمركم بالجهاد لما له في ذلك من الحكمة، في كل تقدير، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين، فقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أي: ليهلك أمة، من الذين كفروا] [¬٢] ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي: يخزيهم ويردهم بغيظهم لما لم ينالوا منكم ما أرادوا ولهذا قال: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا﴾ أي: يرجعوا، ﴿خَائِبِينَ﴾ أي: لم يحصلوا على ما أمّلوا. ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم [¬٣] في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له، فقال تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ أي: بل الأمر كله إليَّ كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا الْحِسَابُ﴾. وقال: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ] [¬٤]﴾. وقال محمد بن إسحاق: في قوله: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي؟ إلا ما أمرتك به فيهم (٣١٨). ثم ذكر تعالى بقية الأقسام فقال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ﴾ أي: مما هم فيه من الكفر، فيهديهم بعد الضلالة، ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: يستحقون ذلك.

стр. 1331

وقال البخاري (٣١٩): حدثنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدّثني سالم، عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع، في الركعة الثانية من الفجر، يقول [¬١]: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد". فأنزل الله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية. وهكذا رواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك، وعبد الرزاق كلاهما عن معمر به. وقال الإمام أحمد (٣٢٠): حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو عقيل- قال أحمد: وهو عبد الله بن عقيل، صالح الحديث، ثقة قال [¬٢]: حدثنا عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهم العن فلانًا وفلانًا [¬٣]، اللهم العن الحارث بن

стр. 1332

هشام، اللَّهم العن سهيل بن عمرو، اللَّهم العن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فتيب عليهم كلهم. وقال أحمد (٣٢١): حدثنا أبو معاوية الغلابي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة قال: فأنزل الله: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ إلي آخر الآية. قال: وهداهم الله للإِسلام. [قال البخاري] [¬١]: قال محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، ﵄، قال: كان رسول الله ﵌ يدعو على رجال من الشركين، يسميهم بأسمائهم، حتى أنزل الله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية. وقال البخاري أيضًا (٣٢٢): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع، وربما قال إذا قال [¬٢]: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام [¬٣]، وعياش بن أبي [¬٤] ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" الأحياء من أحياء العرب، حتى أنزل الله : ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية. وقال البخاري: قال حميد وثابت، عن أنس بن مالك، شج النبي ﷺ يوم أحد فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ " فنزلت: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ (٣٢٣).

стр. 1333

وقد أسند هذا الحديث الذي علقه البخاري في صحيحه. وقال البخاري في غزوة أحد (٣٢٤): حدثنا يحيى بن عبد الله السلمي، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدّثني سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول، إذا رفع رأسه من الركوع، في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا"، بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية. وعن حنظلة بن أبي سفيان قال [¬١]: سمعت سالم بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام؛ فنزلت: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. هكذا ذكر هذه الزيادة البخاري معلقة مرسلة، وقد تقدمت مسندة متصلة في مسند أحمد [¬٢] آنفًا. وقال الإمام أحمد (٣٢٥): حدثنا هشيم، حدَّثنا حميد، عن أنس ﵁، أنّ النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في جبهته [¬٣]، حتى سال الدم على وجهه، فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم عز

стр. 1334

وجل؟ ". فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ انفرد به مسلم، فرواه عن [¬١] القعنبي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره. وقال ابن جرير (٣٢٦): حدّثنا ابن حميد، حدّثنا يحيى بن واضح، حدّثنا الحسين بن واقد، عن مطر، عن قتادة قال: أصيب النبي ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان، والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه، ومسح على [¬٢] وجهه، فأفاق، وهو يقول: "كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى الله ؟ " فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة بنحوه، ولم يقل: فأفاق. ثمَّ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، أي: الجميع ملك له، وأهلهما عبيد بين يديه، ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هو المتصرف فلا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، والله غفور رحيم. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾

стр. 1335

يقول الله تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة، كما كانوا [في الجاهلية يقولون] إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي [¬١]، وإما أن تربي [¬٢]. فإن قضاه؛ وإلا زاده في المدة، زاده الآخر في القدر، وهكذا كل عام، فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرًا مضاعفًا، وأمر تعالى عباده بالتقوى، لعلهم يفلحون في الأولى و [في] [¬٣] الآخرة؛ ثمَّ توعدهم بالنار، وحذرهم منها، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ثمَّ ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات؛ فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. أي كما أعدت النار للكافرين. وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾؛ تنبيه [¬٤] على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش [¬٥] الجنة: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ أي: فما ظنك بالظهائر، وقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبَّب والمستدير عرضه كطوله، وقد دلّ على ذلك ما ثبت في الصحيح: "إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنَّه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن" (٣٢٧). وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. وقد روينا في مسند الإِمام أحمد (٣٢٨): أن هرقل كتب إلى النبي ﷺ ؛ إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال النبي ﷺ : " [سبحان الله] [¬٦]؛ فأين الليل إذا جاء النهار".
следующие страницы →