← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وقال البخاري (٣١٩): حدثنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدّثني سالم، عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع، في الركعة الثانية من الفجر، يقول [¬١]: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد". فأنزل الله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية. وهكذا رواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك، وعبد الرزاق كلاهما عن معمر به. وقال الإمام أحمد (٣٢٠): حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو عقيل- قال أحمد: وهو عبد الله بن عقيل، صالح الحديث، ثقة قال [¬٢]: حدثنا عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهم العن فلانًا وفلانًا [¬٣]، اللهم العن الحارث بن

стр. 1332

هشام، اللَّهم العن سهيل بن عمرو، اللَّهم العن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فتيب عليهم كلهم. وقال أحمد (٣٢١): حدثنا أبو معاوية الغلابي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة قال: فأنزل الله: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ إلي آخر الآية. قال: وهداهم الله للإِسلام. [قال البخاري] [¬١]: قال محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، ﵄، قال: كان رسول الله ﵌ يدعو على رجال من الشركين، يسميهم بأسمائهم، حتى أنزل الله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية. وقال البخاري أيضًا (٣٢٢): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع، وربما قال إذا قال [¬٢]: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام [¬٣]، وعياش بن أبي [¬٤] ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" الأحياء من أحياء العرب، حتى أنزل الله : ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية. وقال البخاري: قال حميد وثابت، عن أنس بن مالك، شج النبي ﷺ يوم أحد فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ " فنزلت: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ (٣٢٣).

стр. 1333

وقد أسند هذا الحديث الذي علقه البخاري في صحيحه. وقال البخاري في غزوة أحد (٣٢٤): حدثنا يحيى بن عبد الله السلمي، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدّثني سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول، إذا رفع رأسه من الركوع، في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا"، بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية. وعن حنظلة بن أبي سفيان قال [¬١]: سمعت سالم بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام؛ فنزلت: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. هكذا ذكر هذه الزيادة البخاري معلقة مرسلة، وقد تقدمت مسندة متصلة في مسند أحمد [¬٢] آنفًا. وقال الإمام أحمد (٣٢٥): حدثنا هشيم، حدَّثنا حميد، عن أنس ﵁، أنّ النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في جبهته [¬٣]، حتى سال الدم على وجهه، فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم عز

стр. 1334

وجل؟ ". فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ انفرد به مسلم، فرواه عن [¬١] القعنبي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره. وقال ابن جرير (٣٢٦): حدّثنا ابن حميد، حدّثنا يحيى بن واضح، حدّثنا الحسين بن واقد، عن مطر، عن قتادة قال: أصيب النبي ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان، والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه، ومسح على [¬٢] وجهه، فأفاق، وهو يقول: "كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى الله ؟ " فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة بنحوه، ولم يقل: فأفاق. ثمَّ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، أي: الجميع ملك له، وأهلهما عبيد بين يديه، ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هو المتصرف فلا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، والله غفور رحيم. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾

стр. 1335

يقول الله تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة، كما كانوا [في الجاهلية يقولون] إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي [¬١]، وإما أن تربي [¬٢]. فإن قضاه؛ وإلا زاده في المدة، زاده الآخر في القدر، وهكذا كل عام، فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرًا مضاعفًا، وأمر تعالى عباده بالتقوى، لعلهم يفلحون في الأولى و [في] [¬٣] الآخرة؛ ثمَّ توعدهم بالنار، وحذرهم منها، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ثمَّ ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات؛ فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. أي كما أعدت النار للكافرين. وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾؛ تنبيه [¬٤] على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش [¬٥] الجنة: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ أي: فما ظنك بالظهائر، وقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبَّب والمستدير عرضه كطوله، وقد دلّ على ذلك ما ثبت في الصحيح: "إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنَّه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن" (٣٢٧). وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. وقد روينا في مسند الإِمام أحمد (٣٢٨): أن هرقل كتب إلى النبي ﷺ ؛ إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال النبي ﷺ : " [سبحان الله] [¬٦]؛ فأين الليل إذا جاء النهار".

стр. 1336

وقد رواه ابن جرير (٣٢٩)، فقال: حدثني يونس، قال أنبأنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد -[عم أبي] [¬١] خثيم - عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلي بن أبي [¬٢] مرة، قال: لقيت التنوخي - رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص شيخًا كبيرًا قد فند، فقال [¬٣]: قدت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل، فتناول الصحيفة رجل عن يساره قال: قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض [أعدت للمتقين] [¬٤]، فأين النار؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! فأين الليل إذا جاء النهار؟! ". وقال الأعمش وسفيان الثوري وشعبة عن قيس بن مسلم [¬٥] عن طارق بن شهاب [¬٦]: أن أناسًا [¬٧] من اليهود، سألوا عمر بن الخطّاب عن جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال لهم [¬٨] عمر: أرأيتم إذا جاء [النهار أين الليل؛ وإذا جاء] [¬٩] الليل أين النهار، فقالوا [¬١٠]: لقد نزعت مثلها من التوراة (٣٣٠). ورواه ابن جرير من ثلاث [¬١١] طرق. ثمَّ قال: حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا جعفر بن برقان، أنبأنا يزيد بن الأصم: أن رجلًا من أهل الكتاب قال: يقولون: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ فقال ابن عباس ﵁: أين يكون الليل إذا جاء النهار، وأين يكون [¬١٢] النهار إذا جاء الليل (٣٣١)؟

стр. 1337

وقد روي هذا مرفوعًا. فقال البزار: حدثنا محمَّد بن معمر، حدثنا المغيرة بن سلمة -أبو هشام [¬١]- حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه -يزيد بن الأصم- عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ قال: "أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء فأين النهار"؟ قال: حيث شاء الله. قال: "وكذلك [النار تكون] [¬٢] حيث شاء الله " (٣٣٢). وهذا يحتمل معنيين: (أحدهما): أن يكون المعنى في ذلك أنَّه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار، أن لا يكون في مكان؛ وإن كنا لا نعلمه: وكذلك [تكون النار] [¬٣] حيث شاء الله ، وهذا أظهر، كما تقدم في حديث أبي هريرة، عن البزار. (الثاني): أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش، وعرضها كما قال الله : ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ [¬٤] وَالْأَرْضِ﴾ والنار في أسفل سافلين، فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض، وبين وجود النار، والله أعلم. ثمَّ ذكر تعالى وصف [¬٥] أهل الجنة فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال [¬٦]. كما قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى، والإِنفاق في مراضيه، والإِحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر. وقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي: إذا ثار بهم الغيظ

стр. 1338

كظموه، بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفوا [¬١] مع ذلك عمن أساء إليهم. وقد ورد في بعض الآثار يقول الله تعالى: "يا [¬٢] بن آدم؛ اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك". رواه ابن أبي حاتم. وقد [¬٣] قال أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الزمن، حدثنا عيسى بن شعيب الضرير -أبو الفضل- حدثني الربيع بن سليمان الجيزي [¬٤]، عن أبي عمرو بن أنس بن مالك عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "من كف غضبه كف الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه ستر الله عورته، ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره" (٣٣٣). وهذا [¬٥] حديث غريب وفي إسناده نظر. وقال الإِمام أحمد (٣٣٤): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس الشديد بالصُّرَعَة،

стр. 1339

ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". وقد رواه الشيخان من حديث مالك. وقال الإِمام أحمد أيضًا (٣٣٥): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله هو ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله"؟ [قالوا: يا رسول الله، ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: "اعلموا أنَّه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله] [¬١]. مالك من مالِك إلا ما قدمت، ومال وارثك ما [¬٢] أخرت". قال: وقال رسول الله ﷺ : "ما تَعُدُّون [الصرعة فيكم] [¬٣]؟ " [قلنا: الذي لا تصرعه الرجال، قال: "لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب". قال: وقال رسول الله ﷺ : ما تَعُدُّون فيكم الرقوب؟ ". قال:] [¬٤] قلنا: الذي لا ولد له. قال: "لا، ولكن الرقوب الذي لا [¬٥] يقدم من ولده شيئًا". أخرج البخاري الفصل الأوّل منه، وأخرج مسلم أصل هذا الحديث من رواية الأعمش به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٣٣٦): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت عروة بن عبد الله الجعفي، يحدث عن أبي حصبة، أو ابن حصبة، عن رجل شهد النبي ﷺ يخطب فقال: "أتدرون [¬٦] ما الرقوب؟ ". قالوا: الذي لا ولد له. قال:

стр. 1340

الرقوب كل الرقوب الدي له ولد فمات ولم يقدم منهم شيئًا". قال: " أتدرون ما الصعلوك"؟ قالوا: الذي ليس له مال، قال النبي ﷺ : "الصعلوك كل الصعلوك، الذي له مال فمات، ولم يقدم منه شيئًا". قال: ثمَّ قال النبي ﷺ : "ما الصرعة؟ " قالوا: الصريع [الذي لا تصرعه الرجال] [¬١]، فقال النبي [¬٢] ﷺ : "الصرعة [كل الصرعة] [¬٣]، الذي يغضب فيشتد غضبه، ويحمر وجهه، ويقشعر شعره؛ فيصرع غضبه". (حديث آخر). قال الإِمام أحمد (٣٣٧): حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام -هو ابن عروة- عن أبيه، عن الأحنف بن قيس، عن عم له يقال له جارية [¬٤] بن قدامة السعدي، أنَّه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ قل لي قولًا ينفعني، وأقلل عليّ لعلي أعيه. فقال رسول الله ﷺ : "لا تغضب". فأعاد عليه، حتى أعاد عليه مرارًا، كل ذلك يقول: "لا تغضب". وهكذا رواه عن أبي معاوية، عن هشام به. ورواه أيضًا [¬٥] عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام به: أن رجلًا قال: يا رسول الله قل لي قولًا، وأقلل علي لعلي أعقله، فقال: "لا تغضب". الحديث انفرد به أحمد. (حديث آخر): قال أحمد (٣٣٨): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن

стр. 1341

حميد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رجل: يا رسول الله؛ أوصني. قال: "لا تغضب" قال الرجل: ففكرت حين قال النبي ﷺ ما قال؛ فإذا الغضب يجمع الشر كله. انفرد به أحمد. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي [¬١] حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن أبي ذر ﵁ قال: كان يسقي على حوض له، فجاء قوم فقالوا: أيكم يورد على أبي ذر، ويحتسب [¬٢] شعرات من رأسه؟ فقال رجل: أنا؛ فجاء الرجل، فأورد عليه [¬٣] الحوض، فدقه، وكان أبو ذر قائمًا، فجلس، ثمَّ اضطجع، فقيل له: يا أبا ذر، لما جلست ثمَّ اضطجعت؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال لنا: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" (٣٣٩). ورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل بإسناده، إلا أنَّه وقع في روايته: عن أبي حرب، عن أبي ذر. والصحيح أبي حرب، عن أبيه، عن أبي ذر، كما رواه عبد الله بن أحمد، عن أبيه. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٣٤٠): حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا أبو وائل الصنعاني، قال: كنّا جلوسًا عند عروة بن محمَّد؛ إذ دخل عليه رجل، فكلمه بكلام أغضبه، فلما أغضبه قام ثمَّ عاد إلينا، وقد توضأ فقال: حدثني أبي، عن جدي عطية -هو ابن سعد السعدي، وقد كانت له صحبة- قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم

стр. 1342

فليتوضأ". وهكذا رواه أبو داود، من حديث إبراهيم بن خالد الصنعاني، عن أبي وائل القاص المرادي الصنعاني. قال أبو داود: أراه عبد الله بن بحير. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٣٤١): حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جعونة السلمي، عن مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أنظر معسرًا أو وضع له وقاه الله من فيح جهنم ألا إن عمل الجنة حزن بربوة" ثلاثًا، "ألا إن عمل النار سهل بسهوة [¬١]، والسعيد من وقى الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها [¬٢] عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا". انفرد به أحمد، وإسناده حسن، ليس فيه مجروح، ومتنه حسن. (حديث آخر في معناه): قال أبو داود (٣٤٢): حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي- عن بشر -يعني ابن منصور- عن محمَّد بن عجلان، عن سويد بن وهب، عن رجل من أبناء أصحاب النبي ﷺ عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "من كظم غيظًا؛ وهو يقدر [¬٣] على أن ينفذه؛ ملأ [¬٤] الله جوفه [¬٥] أمنًا وإيمانًا، ومن ترك لبس ثوب جمال وهو قادر [¬٦] عليه -قال بشر: أحسبه قال: تواضعًا- كساه الله [حلة الكرامة، ومن روج لله كساه الله] [¬٧] تاج الملك". (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٣٤٣): حدثنا عبد الله بن يزيد، قال [¬٨]: حدثنا سعيد، حدثني أبو مرحوم، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه؛ أن رسول الله

стр. 1343

ﷺ قال: "من كظم غيظًا، وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رءوس الحلائق حتى يخيره من أي الحور شاء". ورواه أبو داود [والترمذي وابن ماجة من حديث سعيد بن أبي أيوب به] [¬١]، وقال الترمذي: حسن غريب. (حديث آخر) قال عبد الرزاق (٣٤٤): أنبأنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أهل الشام، يقال له عبد الجليل، عن عم له، عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، أن النبي ﷺ قال: "من كظم غيظًا وهو يقدر على إنفاذه؛ ملأ [¬٢] الله جوفه [¬٣] أمنًا وإيمانًا". رواه ابن جرير. (حديث آخر) قال ابن مَرْدُويه: حدثنا أحمد بن محمَّد بن زياد، أنبأنا يحيى بن أبي طالب، أنبأنا علي بن عاصم، أخبرني يونس بن عبيد، عن الحسن، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجرًا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله" (٣٤٥). [رواه ابن جرير] [¬٤]. وكذا رواه ابن ماجة، عن بشر بن عمر، عن حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد به. فقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أي: لا يعملون [¬٥] غضبهم في الناس، بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله . ثمَّ قال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي: مع كف الشر، يعفون عمن ظلمهم في

стр. 1344

أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهذا من مقامات الإِحسان. وفي الحديث: "ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله" (٣٤٦). وروى الحاكم في مستدركه من حديث موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة القرشي، عن عبادة بن الصامت، عن أبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ قال: "من سرَّهُ أن يشرف له البنيان، وترفع له الدرجات؛ فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه" (٣٤٧). ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقد أورده ابن مرْدُويه من حديث علي وكعب بن عجرة، وأبي هريرة وأم سلمة ﵃ بنحو ذلك، وروي من طريق الضحاك، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؛ هلموا إلى ربكم، وخذوا أجوركم، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة". وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار. وقال الإِمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي

стр. 1345

ﷺ قال: "إن رجلًا أذنب ذنبًا، فقال: رب؛ إني أذنبت ذنبًا فاغفره لي [¬١]، فقال [الله ] [¬٢]: عبدي عمل ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنبًا آخر، فقال: رب، إني عملت ذنبًا فاغفره لي [¬٣]، فقال ﵎: علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنبًا آخر فقال: رب؛ إني عملت ذنبًا فاغفره لي، فقال : علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنبًا آخر، فقال: رب؛ إني عملت ذنبًا فاغفره. فقال : عبدي علم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي؛ فليعمل ما شاء" (٣٤٨). أخرجاه في الصحيح من حديث إسحاق بن أبي طلحة بنحوه. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر وأبو عامر قالا: حدثنا زهير، حدثنا سعد الطائي، حدثنا أبو المدله -مولى أم المؤمنين- سمع أبا هريرة قلنا: يا رسول الله؛ إذا رأيناك رقَّتْ قلُوبنا، وكنَّا من أهل الآخرة، وإذا فارقناك أعجَبتْنا الدنيا وشممنا النساءَ والأولاد. فقال: "لو أنكم تكونون على كل حال، على الحال التي أنتم عليها عندي؛ لصافحتكم الملائكة بأكفِّهم، ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون؛ كي يغفر لهم". قلنا: يا رسول الله؛ حدثنا عن الجنة؛ ما بناؤها؟ قال: "لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا [¬٤] يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإِمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك؛ ولو بعد حين" (٣٤٩). ورواه الترمذي وابن ماجة من وجه آخر، [من حديث] [¬٥] سعد به. ويتأكد الوضوء، وصلاة ركعتين عند التوبة؛ لما رواه الإِمام أحمد بن حنبل: حدثنا

стр. 1346

وكيع، حدثنا مسعر، وسفيان هو [¬١] الثوري، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن علي بن ربيعة، عن أسماء بن الحكم الفزاري، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا؛ نفعني الله بما شاء منه. وإذا حدثني [عنه غيره استحلفته؛ فإذا حلف لي صدّقته، وإن أبا بكر ﵁ حدثني] [¬٢]، وصدق أبو بكر: أنه سمع رسول الله ﷺ قال: "ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ فيحسن الوضوء - قال مسعر: فيصلي. وقال سفيان: ثم- يصلي ركعتين، فيستغفر الله إلا غفر له" (٣٥٠). وهكذا [¬٣] رواه علي بن المديني والحميدي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأهل السنن، وابن حبان في صحيحه، والبزار، والدارقطني من طرق، عن عثمان بن المغيرة به. وقال الترمذي: هو حديث حسن. وقد ذكرنا طرقه، والكلام عليه مستقصى في مسند أبي بكر الصديق ﵁ وبالجملة فهو حديث حسن، وهو من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن خليفة النبي ﷺ أبي بكر الصديق ﵄ ومما يشهد بصحة الحديث، ما رواه مسلم في صحيحه، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ -أو فيسبغ- الوضوء، ثم يقول:

стр. 1347

أشهد ألّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية؛ يدخل من أيها شاء" (٣٥١). وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، أنه توضأ لهم وضوء النبي ﷺ ، ثم قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين، لا يحدِّث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه" (٣٥٢). فقد ثبت هذا الحديث، من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، عن سيد الأولين [¬١] والآخرين، [ورسول رب العالمين] [¬٢]، كما دل عليه الكتاب المبين، من أن الاستغفار من الذنب ينفع العاصين. و [¬٣] قال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: بلغني أن إبليس حين نزلت [هذه الآية] [¬٤]: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. الآية - بكى (٣٥٣). وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محرز بن عون، حدثنا عثمان بن مطر، حدثنا عبد الغفور، عن أبي نُصيرة [¬٥]، عن أبي رجاء، عن أبي بكر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "عليكم بلا إله إلا الله، والاستغفار، فأكثروا منهما؛ فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك، أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون" (٣٥٤). عثمان بن مطر وشيخه ضعيفان.

стр. 1348

وروى الإِمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو، وأبي الهيثم العتواري، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "قال إبليس: يا رب؛ وعزتك لا أزال [أغوي عبادك] [¬١]، ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله تعالى [¬٢]: وعزتي وجلالي؛ لا أزال أغفر لهم ما استغفروني" (٣٥٥). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عمر بن أبي [¬٣] خليفة، سمعت أبا بدر يحدث عن ثابت، عن أنس، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إني أذنبت ذنبًا، فقال رسول الله ﷺ : "إذا أذنبت فاستغفر ربك". [قال: فإني أستغفر ثم أعود فأذنب. قال: "فإذا أذنبت فعد فاستغفر ربك"] [¬٤] فقالها في الرابعة، فقال: "استغفر ربك حتى يكون الشيطان هو المحسور" (٣٥٦). وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ أي: لا يغفرها أحد سواه. كما قال الإِمام أحمد: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا سلام بن مسكين، والمبارك عن [الحسن، عن] [¬٥] الأسود بن سريع، أن النبي ﷺ أُتي بأسير فقال: اللَّهم؛ إني أتوب إليك، ولا

стр. 1349

أتوب إلى محمد. فقال النبي ﷺ : "عرف الحق لأهله" (٣٥٧). وقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: تابوا من ذنوبهم، ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمرّوا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه. كما قال الحافظ أبو يعلى الموصلي ﵀ في مسنده: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل وغيره، قالوا: حدثنا أبو يحيى عبد الحميد الحماني، عن عثمان بن واقد، عن أبي نصيرة [¬١]، عن مولى لأبي بكر، عن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" (٣٥٨). ورواه أبو داود والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد -وقد وثقه يحيى ابن معين- به وشيخه أبو نصيرة الواسطي، واسمه مسلم [¬٢] بن عبيد، وثقه الإِمام أحمد

стр. 1350

وابن حبان، وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك. فالظاهر [أنما هو] [¬١] لأجل جهالة مولى أبي بكر، ولكن جهالة مثله لا تضر؛ لأنه تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر الصديق، فهو حديث حسن، والله أعلم. وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، قال مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه من تاب؛ تاب الله عليه، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، وكقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ونظائر هذا كثيرة جدًّا. وقال الإِمام أحمد: حدثنا يزيد، أنبأنا جرير، حدثنا حبان -هو ابن زيد الشرعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال، وهو على المنبر: "ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع (*) القول، ويل للمصرين، الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون" (٣٥٩). تفرّد به أحمد ﵀! ثم قال الله [¬٢] تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ [¬٣]﴾، أي: جزاؤهم على هذه الصفات، ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [¬٤] وَجَنَّاتٌ تَجْرِي

стр. 1351

مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، أي: من [¬١] أنواع المشروبات: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: ماكثين فيها [¬٢]، ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يمدح الله [¬٣] تعالى الجنة. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَينَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ يقول تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين لما [¬٤] أصيبوا يوم أحد، وقتل منهم سبعون: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أي: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم، والدائرة على الكافرين، ولهذا قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى [¬٥]﴾ يعني القرآن: فيه بيان الأمور على جليتها، وكيف كان الأم الأقدمون مع أعدائهم، ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يعني القرآن: فيه خبر من قبلكم، وهدى لقلوبكم، ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ أي زاجر عن المحارم والمآثم. ثم قال تعالى مسلِّيًا للمؤمنين: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعُفوا بسبب ما جرى، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أي العاقبة والنصر [¬٦] لكم، أيها المؤمنون. ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أي: أن كنتم قد أصابتكم جراح،

стр. 1352

وقتل منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَينَ النَّاسِ﴾ أي: نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة [¬١]، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس: في مثل هذا لنرى من [¬٢] يصبر على مناجزة الأعداء، ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يعني: يقتلون في سبيله، ويبذلون مهجهم في مرضاته [¬٣]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت [¬٤] لهم ذنوب، وإلا رفع لهم [¬٥] في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به. وقوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: فإنهم إذا ظفروا؛ بغوا وبطروا؛ فيكون ذلك سبب دمارِهم وهلاكِهم ومحقِهم وفنائِهم. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد. كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. الآية؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة [¬٦] الأعداء. وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: قد كنتم أيها المؤمنون، قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدّو، وتتحرقون عليه، وتودّون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه؛ فدونكم فقاتلوا وصابروا. وقد [¬٧] ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "لا تتمنوا لقاء العدّو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموههم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" (٣٦٠). ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيتُمُوهُ﴾ يعني الموت، شاهدتموه في لمعان السيوف، وحد الأسنة، واشتباك الرماح، وصفوف الرجال للقتال.

стр. 1353

والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل، وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس، كالمحسوس [¬١] كما تتخيل الشاة صداقة الكبش، وعداوة الذئب. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾ لما انهزم من [¬٢] انهزم من المسلمين يوم أُحد، وقتل منهم من قتل، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدًا! وإنما كان قد ضرب رسول الله فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول الله ﷺ قد قُتل، وجوّزوا عليه ذلك، كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء ﵈، فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: له أسوة بهم في الرسالة، وفي جواز القتل عليه. قال ابن أبي نجيح: عن أبيه: إن رجلًا من المهاجرين مَرَّ على رجل من الأنصار، وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان؛ أشعرت أن محمدًا ﷺ قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل؛ فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (٣٦١).

стр. 1354

رواه [الحافظ أبو بكر] [¬١] البيهقي في دلائل النبوة. ثم قال تعالى، منكرًا على من حصل له ضعف: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي: رجعتم القهقرى، ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: الذين قاموا [¬٢] بطاعته، وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حيًّا وميتًّا. وكذلك ثبت في الصحاح والمساند والسنن وغيرها من كتب الإِسلام، من طرق متعدّدة تفيد القطع، وقد ذكرت ذلك في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ أن الصديق ﵁ تلا هذه الآية، لما مات رسول اللَّه، ﷺ (٣٦٢). وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة، أن عائشة ﵂ أخبرته أن أبا بكر ﵁ أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول اللَّه ﷺ وهو مُغَشَّى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه، وقبله، وبكى ثم قال: بأبي أنت وأمي؛ والله لا يجمع اللَّه عليك موتتين. أمّا الموتة التي كتبت عليك فقد متها (٣٦٣). وقال الزهري: وحدثني أبو سلمة، عن ابن عباس، أن أبا بكر خرج، وعمر يكلم] [¬٣] الناس، وقال: اجلس يا عمر [فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر] [¬٤]. فقال أبو بكر: أما بعد، فمن [¬٥] كان يعبد محمّدًا فإن محمَّدًا قد مات، ومن كان يعبد اللَّه فإن اللَّه حي لا يموت. قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى قوله ﴿[وَسَيَجْزِي اللَّهُ] [¬٦] الشَّاكِرِينَ﴾ قال: فو اللَّه، لكأن الناس لم

стр. 1355

يعلموا أن اللَّه أنزل هذه الآية، حتى تلاها أبو بكر، [فتلقّاها منه الناس] [¬١] كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها. وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت [¬٢] حتى ما تقلني [¬٣] رجلاي، وحتى هويت إلى الأرض (٣٦٤). وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدَّثنا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عليًّا كان يقول في حياة رسول اللَّه ﷺ : ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾: والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا اللَّه، واللَّه لئن مات أو قتل؛ لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، واللَّه إني لأخوه، ووليه، وابن عمه، ووارثه فمن أحق به منّي (٣٦٥). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ أي: لا يموت أحد إلا بقدر اللَّه، وحتى يستوفي المدّة التي ضربها اللَّه له، ولهذا قال: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ كقوله: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾ وكقوله: ﴿هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلًا وأجل مسمًّى عنده﴾. وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء، وترغيب لهم في القتال، فإن الإِقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن يزيد العبدي، قال: سمعت أبا معاوية. عن الأعمش، عن حبيب بن صهبان، قال: قال رجل من المسلمين -وهو حجر بن عدي-: ما يمنعكم أن تعبروا [¬٤] إلى هؤلاء العدّو هذه النطفة -يعني دجلة- ﴿و [¬٥] مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ثم أقحم فرس دجلة، فلما أقحم أقحم الناس، فلما رآهم العدّو، قالوا: ديوان! فهربوا (٣٦٦).

стр. 1356

وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي: من كان عمله للدنيا فقط، ناله [¬١] منها ما قدره اللَّه له، ولم يكن له في الآخرة من [¬٢] نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها، مع ما قسم له في الدنيا. كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾؛ ولهذا [¬٣] قال هاهنا: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ أي: سنعطهم من فضلنا، ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم [¬٤]. ثم قال تعالى، مسليًا للمؤمنين عما كان [¬٥] وقع في نفوسهم يوم أحد: ﴿وكأين من نبي قُتِلَ [¬٦] معه ربيون كثير﴾ قيل: معناه كم من نبي قتل، وقتل معه ربيون من أصحابه كثير﴾ وهذا القول هو اختيار ابن جرير فإنه قال: وأما الذين قرءوا ﴿قتل معه ربيون كثير﴾ فإنهم قالوا: إنما عني بالقتل النبي وبعض من معه من الربيين [¬٧] دون جميعهم، وإنما نفي الوهن والضعف عمن بقي من الربيين ممن لم يقتل. قال: ومن قرأ ﴿قاتل﴾ فإنه اختار ذلك؛ لأنه [¬٨] قال: لو قتلوا لم يكن [لقول اللَّه] [¬٩]: ﴿فما وهنوا﴾ وجه معروف، لأنه يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يهنوا، ولم يضعفوا بعدما قتلوا. ثم اختار قراءة من قرأ ﴿قتل معه ربيون كثير﴾؛ لأن اللَّه تعالى عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم ورم أحد، وتركوا القتال لما [¬١٠] سمعوا الصائح يصيح: إن [¬١١] محمّدًا قد قتل! فعذلهم اللَّه على فرارهم وتركهم القتال، فقال لهم: ﴿أفإن مات أو قتل﴾ أيها [¬١٢] المؤمنون ارتددتم عن دينكم، و ﴿انقلبتم على أعقابكم﴾. وقيل: وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير.

стр. 1357

وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولًا آخر، قال: أي: وكأين من نبي أصابه القتل، ومعه ربيون أي: جماعات، فما وهنوا بعد نبيهم، وما ضعفوا عن عدديهم، وما استكانوا لا أصابهم في الجهاد عن اللَّه وعن دينهم، وذلك الصبر ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٣٦٧). فجعل قوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ حالًا، وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه، وله اتجاه لقوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ الآية. وقدا [¬١] حكاه الأموي في مغازيه عن كتاب محمد بن إبراهيم ولم يحك [¬٢] غيره. وقرأ بعضهم ﴿قاتل معه ربيون كثير﴾ قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود ﴿ربيون كثير﴾ أي: ألوف (٣٦٨). وقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع، وعطاء الخراساني: الربيون الجموع الكثيرة (٣٦٩). وقال عبد الرزاق عن معمر عن الحسن ﴿ربيون كثير﴾ أي: علماء كثير (٣٧٠)، وعنه أيضًا: علماء صُبر أي [¬٣]: أبرار أتقياء (٣٧١). وحكى ابن جرير عن بعض نحاة البصرة أن الربيين هم الذين يعبدون الرب ،

стр. 1358

قال: ورد بعضهم عليه فقال: لو كان كذلك لقيل الربيون [¬١] بفتح الراء (٣٧٢). وقال ابن زيد: الربيون الأتباع والرعية" والربايون": الولاة (٣٧٣) ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ قال [¬٢] قتادة والربيع بن أنس: ﴿وما ضعفوا﴾ بقتل نبيهم ﴿وما استكانوا﴾ يقول: فما ارتدوا عن نصرتهم، ولا عن دينهم أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي اللَّه حتى لحقوا بالله. وقال ابن عباس: ﴿وما استكانوا﴾ تخشعوا [¬٣] (٣٧٤)، وقال السدي وابن زيد: وما ذلوا لعدوهم (٣٧٥). وقال محمد بن إسحاق (٣٧٦)، والسدي (٣٧٧)، وقتادة (٣٧٨): أي: ما أصابهم ذاك حين قتل نبيهم. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: لم يكن لهم هجَّيرى [¬٤] إلا ذلك ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: النصر، والظفر، والعاقبة ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ أي: جمع لهم ذلك مع هذا ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى

стр. 1359

أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣) يحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. ثم أمرهم بطاعته، وموالاته، والاستعانة به، والتوكل عليه، فقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾. ثم بشرهم بأنه سيلقى في قلوب أعدائهم الخوف منهم، والذلة لهم بسبب كفرهم، وشركهم مع ما ادّخره لهم في الدار [¬١] الآجرة من العذاب والنكال، فقال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾. وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعطيت خمسًا، لم يُعْطَهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي

стр. 1360

الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة [¬١]، وبعثت إلى الناس عامة" (٣٧٩). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سليمان التيمي عن سيار، عن أبي أمامة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: ["فضلني ربي] [¬٢] على الأنبياء -أو قال: على الأمم- بأربع: قال [¬٣] أرسلت إلى الناس كافة، وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة، فعنده مسجده وطهوره، ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذف [¬٤] في قلوب أعدائي؛ وأحلت [¬٥] لي الغنائم (٣٨٠). ورواه [¬٦] الترمذي، من حديث سليمان التيمي، عن سيار القرشي الأموي مولاهم الدمشقي -سكن البصرة- عن أبي أمامة صدي [¬٧] بن عجلان ﵁ به، وقال: حسن صحيح. وقال سعيد بن منصور: أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا يونس حدثه عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "نصرت بالرعب على العدو" (٣٨١). ورواه مسلم من حديث ابن [¬٨] وهب.

стр. 1361

وقال [¬١] الإِمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعطيت خمسًا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة [¬٢] شهر، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعته، وإني قد [¬٣] اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات [¬٤] لا يشرك باللَّه شيئًا" (٣٨٢) تفرد به أحمد. وروى العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾. قال: قذف اللَّه في قلب أبي سفيان الرعب، فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ : "إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفًا، وقد رجع وقذف اللَّه في قلبه الرعب" (٣٨٣) رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ قال ابن عباس: وعدهم اللَّه النصر. وقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدّمين في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أنّ ذلك كان يوم أحد، لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أوّل النهار للإِسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة. [تأخر الوعد] الذي كان مشروطًا بالثبات والطاعة، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: أوّل النهار، ﴿إذ تحسونهم﴾ أي: تقتلونهم، ﴿بإذنه﴾ أي: بتسليطه إياكم عليهم، ﴿حتى إذا فشلتم﴾ وقال ابن جريج: قال ابن عباس: الفشل الجبن ﴿وتنازعتم في الأمر وعصيتم﴾ كما وقع للرماة: ﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ وهو الظفر بهم، ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ وهم الذين رغبوا في المغنم، حين رأوا الهزيمة ﴿ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾ ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم، ﴿ولقد عفا عنكم﴾ أي: غفر لكم ذلك الصنيع، وذلك واللَّه أعلم لكثرة عدد العدّو

стр. 1362

وعددهم، وقلة عدد المسلمين [¬١] وعددهم. قال [¬٢] ابن جريج: قوله: ﴿ولقد عفا عنكم﴾، قال: لم يستأصلكم (٣٨٤). وكذا قال محمد بن إسحاق (٣٨٥)، رواهما ابن جرير ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾. وقال الإِمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن [¬٣] عبيد اللَّه، عن ابن عباس أنه قال: ما نصر اللَّه [النبي ﷺ ] [¬٤] في موطن؛ كما نصره [¬٥] يوم أحد. قال: فأنكرنا ذلك فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب اللَّه؛ إن اللَّه يقول في يوم أحد: ﴿ولقد صدقكم اللَّه وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾ يقول ابن عباس: [والحس القتل] [¬٦]. ﴿حتى إذا فشلتم [وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ إلى قوله: ﴿ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾، وإنما عني بهذا الرماة، وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع، وقال: "احموا ظهورنا؛ فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا [¬٧] ". فلما غنم النبي ﷺ ، وأباحوا [¬٨] عسكر المشركين، أكب [¬٩] الرماة جميعًا فدخلوا [¬١٠] في المعسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول اللَّه ﷺ فهم [¬١١] هكذا -وشبك بين يديه- وانتشبوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها؛ دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فضيب بعضهم بعضًا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان النصر [¬١٢] لرسول اللَّه ﷺ وأصحابه أول النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، رجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا- حيث يقول الناس الغار، إنما كان تحت المهراس، وصاح الشيطان: قتل محمد. فلم يُشَك فيه أنه حق، [فلا زلنا] [¬١٣] كذلك ما نشك أنه حق، حتى طلع رسول اللَّه ﷺ بين

стр. 1363

السعدين نعرفه بتكفُّئه [إذا مشى] [¬١] قال: ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا قال: فرقي نحونا، وهو يقول: "اشتدّ [¬٢] غضب اللَّه على قوم أدموا [¬٣] وجه رسول اللَّه"، ويقول مرة أخرى: "اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا" حتى انتهى إلينا فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: اعل هبل مرتين -يعني آلهته- أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر ﵁: يا رسول اللَّه؟ ألا أجيبه؟ قال: "بلى". فلما قال: اعل هبل، قال عمر: اللَّه أعلى أجَلُّ، فقال أبو سفيان: قد أنعمت [عينها فعاد عنها أو: فعال] [¬٤]، فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول اللَّه ﷺ ، وهذا أبو بكر، وهانذا عمر، قال: فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دول، وإن الحرب سجال، قال: فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، قال: إنكم تزعمون ذلك فقد خبنا [¬٥] وخسرنا إذن. ثم قال [¬٦] أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة [¬٧]، ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال: ثم أدركَنْه حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه (٣٨٦). هذا حديث غريب، وسياق عجيب، وهو من مرسلات ابن عباس، فإنه لم يشهد أحدًا ولا أبوه. وقد خرجه [¬٨] الحاكم في مستدركه، عن أبي النضر الفقيه، عن عثمان بن سعيد، عن سليمان بن داود بن علي بن عبد اللَّه بن عباس به. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، والبيهقي في دلائل النبوّة من حديث سليمان بن داود الهاشمي به؛ ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها - فقال الإِمام أحمد: [ثنا عفان] [¬٩] حدثنا حماد، حدثنا عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود؛ قال: إن النساء كنّ يوم أحد خلف المسلمين؛ يجهزن [¬١٠] على جرحى [¬١١] المشركين، فلو

стр. 1364

حلفت [¬١] يومئذ رجوت أن أبرّ إنه ليس منا أحد يريد الدنيا حتى أنزل الله [ ]: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ فلما خالف أصحاب [رسول الله] ﷺ وعصوا ما أمروا به، أفرد رسول الله ﷺ في تسعة، سبعة من الأنصار؛ ورجلين من قريش، وهو عاشرهم ﷺ ؛ فلما رهقوه قال: "رحم الله رجلًا ردّهم عنّا! " قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل؛ فلما رهقوه أيضًا قال: "رحم الله رجلًا ردّهم عنا:" فلم يزل يقول ذلك [¬٢] حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفْنَا أصحابنا". فجاء أبو سفيان فقال: اعل هبل؛ فقال رسول الله ﷺ : "قولوا: الله أعلى وأجلّ". فقالوا: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: لنا العزَّى ولا عزَّى لكم، فقال رسول الله ﷺ : "قولوا: الله مولانا [ولا مولى لكم] [¬٣] والكافرون لا مولى لهم" فقال [¬٤] أبو سفيان: يوم بيوم بدر. [فيوم علينا ويوم لنا] [¬٥] … ويومٌ نُسَاءُ ويومٌ نُسَرُّ حنظلة بحنظلة وفلان بفلان، [وفلان بفلان] [¬٦]. فقال رسول الله ﷺ : "لا سواء؛ أما قتلانا فأحياء يرزقون؛ [وأما قتلاكم] [¬٧] ففي النار يعذبون". فقال أبو سفيان: لقد كان في القوم مَثُلَةٌ، وإن كانت لعن غير ملأ منا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، قال: فنظر فإذا حمزة قد بقر بطنُه، وأخذت هند كبده فلاكتها، فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول الله ﷺ : "أكلت شيئًا؟ " قالوا: لا. قال: "ما كان الله ليدخل شيئًا من حمزة في النار". قال [¬٨]: فوضع رسول الله ﷺ حمزة، فصلّى عليه، وجيء برجل من الأنصار، فوضع إلى جنبه فصلى عليه، فرفع الأنصاري وترك حمزة، حتى جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه [¬٩]، ثم رفع وترك حمزة، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة (٣٨٧). تفرد به أحمد أيضًا [¬١٠]. وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي ﷺ جيشًا من الرماة، وأمَّر عليهم عبد

стр. 1365

الله يعني بن جبير، وقال: "لا تبرحوا؛ إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا". فلما لقيناهم هربوا، حتى رأينا النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن؛ قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة فقال عبد الله [بن جبير] [¬١]: عهد إليّ [¬٢] النبي ﷺ أن لا تبرحوا فأبوا؛ فلما أبوا صُرف وجوههم (٣٨٨)، فأصيب سبعون قتيلًا، فأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: "لا تجيبوه" فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: "لا تجيبوه". فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلوا كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال له [¬٣]: كذبت يا عدّو الله، قد [¬٤] أبقى الله لك ما يحزنك [¬٥]؛ قال [¬٦] أبو سفيان: اعل هبل. فقال النبي ﷺ : "أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجل". قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي ﷺ : "أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم". قال أبو سفيان: يوم ييوم بدر؛ والحرب سجال؛ وستجدون مثلة، لم آمر بها ولم تسؤني. تفرد به البخاري من هذا الوجه (٣٨٩)، ثم رواه عن عمرو بن خالد، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن البراء بنحوه (٣٩٠)؛ وسيأتي بأبسط من هذا. وقال البخاري أيضًا: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون فصرخ إبليس: أي: عباد الله أخراكم فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله، أبي أبي. قال [¬٧]: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فو الله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لقي الله . (٣٩١) وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن

стр. 1366

جدّه؛ أن الزبير بن العوام؛ قال: والله، لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند [¬١] وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن كثير ولا قليل، ومالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأوتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل؛ فانكفأنا وانكفأ علينا القوم، بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم (٣٩٢). قال محمد بن إسحاق: فلم يزل لواء المشركين صريعًا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لقريش فلاثوا به [¬٢] (٣٩٣). وقال السدي، [عن عبد خير، قال: قال] [¬٣] عبد الله بن مسعود، قال: ما كنت أرى أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا، حتى نزل [¬٤] فينا ما نزل يوم أحد: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٣٩٤). وقد روي من غير وجه، عن ابن مسعود. وكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف وأبي طلحة؛ رواهنّ ابن مَرْدُوَيه في تفسيره. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ قال ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع، أحد بني عدي بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما [¬٥] بأيديهم فقال: ما تجليكم؟ فقالوا: قتل رسول الله ﷺ قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه؛ ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل ﵁ (٣٩٥). وقال البخاري: حدثنا حسان بن حسان، حدثنا محمد بن طلحة، حدثنا حميد عن أنس بن مالك؛ أن عمه -يعني أنس بن النضر- غاب عن بدر، فقال: غبت عن أول

стр. 1367

قتال النبي ﷺ ، لئن أشهدني الله مع رسول الله ﷺ ليرين [¬١] الله ما أجد، فلقي يوم أحد، فهزم الناس، فقال: اللَّهم؛ إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به المشركون؛ فتقدم بسيفه، فلقي سعد بن معاذ فقال: أين يا سعد، إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه [¬٢] أو بشامة، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم (٣٩٦). هذا لفظ البخاري؛ وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس بنحوه (٣٩٧) - وقال البخاري أيضًا [¬٣]: حدثنا عبدان، أخبرنا أبو حمزة، عن [¬٤] عثمان بن موهب [¬٥]؛ قال: جاء رجل حج البيت، فرأى قومًا جلوسًا، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء [¬٦] قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه، فقال: إني سائلك عن شيء فحدّثني [قال: سل] [¬٧]. قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيّب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعه الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال [¬٨] فكبر؛ فقال [¬٩] ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه؛ وأما تغيبه عن بدر؛ فإنه كان تحته بنت [رسول الله] ﷺ ، وكانت مريضة؛ فقال له رسول الله ﷺ : "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه". وأما تغيبه عن بيعة الرضوان؛ فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة. فقال النبي ﷺ بيده اليمنى "هذه يد عثمان" فضرب بها على يده فقال: "هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك" (٣٩٨). ثم رواه البخاري من وجه آخر عن أبي [¬١٠] عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب (٣٩٩).

стр. 1368

وقوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: صرفكم عنهم ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي: في الجبل هاربين من أعدائكم. وقرأ الحسن وقتادة: ﴿إِذْ تَصْعِدُونَ﴾ أي: في الجبل، ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب، ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ أي: وهو قد خلفتموه وراء طهوركم، يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرّة. قال السدي: لما شدّ المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة، فقاموا عليها. فجعل [¬١] الرسول ﷺ يدعو الناس: "إليّ عباد الله! إلى عبادَ الله! ". فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء النبي ﷺ إياهم فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (٤٠٠). وكذا قال ابن عباس (٤٠١) وقتادة (٤٠٢) والربيع (٤٠٣) وابن زيد (٤٠٤). وقد [¬٢] قال عبد الله بن الزبعرى: يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها: يَا غُرَابَ الْبَيِنْ أسْمَعْتَ فَقُلْ … إنَّما [تَنْطِقُ شَيئًا قَدْ] [¬٣] فُعِلْ إن للخيرِ وللشرِّ مدى … وكلا ذلَك وجه وقَبَل إلى أن قال: ليت أشياخي ببدر شهدوا [¬٤] … جَزَعَ الخزرج من وَقِعِ الأَسَل

стр. 1369

حين حكَّت [¬١] بقباءٍ بَرْكَهَا … واستحرَّ القتلُ في عبدَ الأَشَل ثم خَفُّوا [¬٢] عِندَ ذاكم رُقَّصا … رَقَصَ الحفانِ [¬٣] يعلو في الجَبَل فقتلنا الضعف من أشرافِهم … وعَدَلْنا ميلَ بدرٍ فاعتدل الحفان [¬٤]: صغار النعم. وقد كان النبي ﵌ قد أفرد في اثني عشر رجلًا من أصحابه، كما قال الإِمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، أن البراء بن عازب ﵁ قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلًا - عبد الله بن جبير قال: ووضعهم موضعًا، وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير؛ فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، [وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم"] [¬٥] قال فهزموهم، قال: فأنا [¬٦] والله، رأيت النساء يشتددن على الجبل، وقد بدت [¬٧] أسْوقُهنّ وخَلاخلهُنّ، رافعات ثيابهنّ. فقال أصحاب عبد الله: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله [بن جبير] [¬٨]: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: إنا والله لنأتين [¬٩] الناس، فلنصيبن [¬١٠] من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه: سلم إلا اثنا عشر رجلًا فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا. قال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ ثلاثًا - قال: فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قتلوا وقد كُفِيتُموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد [أبقى اللَّه] [¬١١] لك ما يسوؤك، فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز

стр. 1370

: اعل هبل اعل هبل. فقال رسول الله ﷺ : "ألا تجيبونه [¬١] ". قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجلّ" قال: لنا العزَّى ولا عزَّى لكم. قال رسول الله ﷺ : "ألا تجيبونه [¬٢]؟ " قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم" (٤٠٥). وقد رواه البخاري من حديث زهير بن معاوية مختصرًا (٤٠٦)، ورواه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق بأبسط [من هذا] [¬٣] كما تقدم (٤٠٧)، والله أعلم. وروى البيهقي في دلائل النبوة، من حديث عمارة بن غزيَّة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: انهزم الناس في رسول الله ﷺ يوم أحد، وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله، وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون فقال: "ألا أحد لهؤلاء؟ " فقال: طلحة أنا يا رسول الله؛ فقال: "كما أنت يا طلحة". فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله؛ فقاتل عنه، وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه ثم قتل الأنصاري، فلحقوه، فقال: "ألا رجل لهؤلاء؟ " فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله ﵌ مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، [فقاتل عنه] [¬٤]، وأصحابه يصعدون، ثم قتل، فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، فيقول طلحة: فأنا [¬٥] يا رسول الله، فيحبسه، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبق معه إلا طلحة فَغَشَوْهُمَا، فقال رسول الله ﷺ : "من لهؤلاء؟ ". فقال طلحة: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأصيبت أنامله، فقال حسِّ [¬٦]! فقال [رسول الله ﷺ ] [¬٧]: "لو قلت بسم الله، أو ذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة، والناس [¬٨] ينظرون إليك، حتى تلج بك [¬٩] في جو السماء". ثم صعد رسول الله، ﷺ إلى أصحابه وهم مجتمعون. (٤٠٨)
следующие страницы →