← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

جدّه؛ أن الزبير بن العوام؛ قال: والله، لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند [¬١] وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن كثير ولا قليل، ومالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأوتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل؛ فانكفأنا وانكفأ علينا القوم، بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم (٣٩٢). قال محمد بن إسحاق: فلم يزل لواء المشركين صريعًا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لقريش فلاثوا به [¬٢] (٣٩٣). وقال السدي، [عن عبد خير، قال: قال] [¬٣] عبد الله بن مسعود، قال: ما كنت أرى أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا، حتى نزل [¬٤] فينا ما نزل يوم أحد: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٣٩٤). وقد روي من غير وجه، عن ابن مسعود. وكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف وأبي طلحة؛ رواهنّ ابن مَرْدُوَيه في تفسيره. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ قال ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع، أحد بني عدي بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما [¬٥] بأيديهم فقال: ما تجليكم؟ فقالوا: قتل رسول الله ﷺ قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه؛ ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل ﵁ (٣٩٥). وقال البخاري: حدثنا حسان بن حسان، حدثنا محمد بن طلحة، حدثنا حميد عن أنس بن مالك؛ أن عمه -يعني أنس بن النضر- غاب عن بدر، فقال: غبت عن أول

стр. 1367

قتال النبي ﷺ ، لئن أشهدني الله مع رسول الله ﷺ ليرين [¬١] الله ما أجد، فلقي يوم أحد، فهزم الناس، فقال: اللَّهم؛ إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به المشركون؛ فتقدم بسيفه، فلقي سعد بن معاذ فقال: أين يا سعد، إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه [¬٢] أو بشامة، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم (٣٩٦). هذا لفظ البخاري؛ وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس بنحوه (٣٩٧) - وقال البخاري أيضًا [¬٣]: حدثنا عبدان، أخبرنا أبو حمزة، عن [¬٤] عثمان بن موهب [¬٥]؛ قال: جاء رجل حج البيت، فرأى قومًا جلوسًا، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء [¬٦] قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه، فقال: إني سائلك عن شيء فحدّثني [قال: سل] [¬٧]. قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيّب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعه الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال [¬٨] فكبر؛ فقال [¬٩] ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه؛ وأما تغيبه عن بدر؛ فإنه كان تحته بنت [رسول الله] ﷺ ، وكانت مريضة؛ فقال له رسول الله ﷺ : "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه". وأما تغيبه عن بيعة الرضوان؛ فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة. فقال النبي ﷺ بيده اليمنى "هذه يد عثمان" فضرب بها على يده فقال: "هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك" (٣٩٨). ثم رواه البخاري من وجه آخر عن أبي [¬١٠] عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب (٣٩٩).

стр. 1368

وقوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: صرفكم عنهم ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي: في الجبل هاربين من أعدائكم. وقرأ الحسن وقتادة: ﴿إِذْ تَصْعِدُونَ﴾ أي: في الجبل، ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب، ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ أي: وهو قد خلفتموه وراء طهوركم، يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرّة. قال السدي: لما شدّ المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة، فقاموا عليها. فجعل [¬١] الرسول ﷺ يدعو الناس: "إليّ عباد الله! إلى عبادَ الله! ". فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء النبي ﷺ إياهم فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (٤٠٠). وكذا قال ابن عباس (٤٠١) وقتادة (٤٠٢) والربيع (٤٠٣) وابن زيد (٤٠٤). وقد [¬٢] قال عبد الله بن الزبعرى: يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها: يَا غُرَابَ الْبَيِنْ أسْمَعْتَ فَقُلْ … إنَّما [تَنْطِقُ شَيئًا قَدْ] [¬٣] فُعِلْ إن للخيرِ وللشرِّ مدى … وكلا ذلَك وجه وقَبَل إلى أن قال: ليت أشياخي ببدر شهدوا [¬٤] … جَزَعَ الخزرج من وَقِعِ الأَسَل

стр. 1369

حين حكَّت [¬١] بقباءٍ بَرْكَهَا … واستحرَّ القتلُ في عبدَ الأَشَل ثم خَفُّوا [¬٢] عِندَ ذاكم رُقَّصا … رَقَصَ الحفانِ [¬٣] يعلو في الجَبَل فقتلنا الضعف من أشرافِهم … وعَدَلْنا ميلَ بدرٍ فاعتدل الحفان [¬٤]: صغار النعم. وقد كان النبي ﵌ قد أفرد في اثني عشر رجلًا من أصحابه، كما قال الإِمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، أن البراء بن عازب ﵁ قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلًا - عبد الله بن جبير قال: ووضعهم موضعًا، وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير؛ فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، [وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم"] [¬٥] قال فهزموهم، قال: فأنا [¬٦] والله، رأيت النساء يشتددن على الجبل، وقد بدت [¬٧] أسْوقُهنّ وخَلاخلهُنّ، رافعات ثيابهنّ. فقال أصحاب عبد الله: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله [بن جبير] [¬٨]: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: إنا والله لنأتين [¬٩] الناس، فلنصيبن [¬١٠] من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه: سلم إلا اثنا عشر رجلًا فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا. قال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ ثلاثًا - قال: فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قتلوا وقد كُفِيتُموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد [أبقى اللَّه] [¬١١] لك ما يسوؤك، فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز

стр. 1370

: اعل هبل اعل هبل. فقال رسول الله ﷺ : "ألا تجيبونه [¬١] ". قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجلّ" قال: لنا العزَّى ولا عزَّى لكم. قال رسول الله ﷺ : "ألا تجيبونه [¬٢]؟ " قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم" (٤٠٥). وقد رواه البخاري من حديث زهير بن معاوية مختصرًا (٤٠٦)، ورواه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق بأبسط [من هذا] [¬٣] كما تقدم (٤٠٧)، والله أعلم. وروى البيهقي في دلائل النبوة، من حديث عمارة بن غزيَّة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: انهزم الناس في رسول الله ﷺ يوم أحد، وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله، وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون فقال: "ألا أحد لهؤلاء؟ " فقال: طلحة أنا يا رسول الله؛ فقال: "كما أنت يا طلحة". فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله؛ فقاتل عنه، وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه ثم قتل الأنصاري، فلحقوه، فقال: "ألا رجل لهؤلاء؟ " فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله ﵌ مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، [فقاتل عنه] [¬٤]، وأصحابه يصعدون، ثم قتل، فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، فيقول طلحة: فأنا [¬٥] يا رسول الله، فيحبسه، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبق معه إلا طلحة فَغَشَوْهُمَا، فقال رسول الله ﷺ : "من لهؤلاء؟ ". فقال طلحة: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأصيبت أنامله، فقال حسِّ [¬٦]! فقال [رسول الله ﷺ ] [¬٧]: "لو قلت بسم الله، أو ذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة، والناس [¬٨] ينظرون إليك، حتى تلج بك [¬٩] في جو السماء". ثم صعد رسول الله، ﷺ إلى أصحابه وهم مجتمعون. (٤٠٨)

стр. 1371

وقد روى البخاري، عن [أبي بكر] [¬١] بن أبي شيبة، عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلَّاء، وقى بها النبي، ﷺ ، يعني يوم أحد (٤٠٩). وفي الصحيحين من حديث معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي قال: لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهنّ رسول الله ﵌، غير [¬٢] طلحة بن عبيد الله، وسعد عن حديثهما (٤١٠). [وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن هاشم [¬٣] بن هاشم [¬٤] الزهري، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص ﵁ يقول: نَثَل لي رسول الله، ﵌ كنانته يوم احد، وقال: "ارم فداك أبي وأمي" (٤١١). وأخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد، عن مروان بن معاوية (٤١٢). وقال محمد بن إسحاق [¬٥]: حدثني صالح بن كيسان، عن بعض آل سعد، عن سعد بن أبي وقاص، أنه رمى يوم أحد دون رسول الله ﵌ قال سعد: فلقد رأيت رسول الله ﵌ يناولني النَّبل، ويقول "ارم فداك أبي وأمي". حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمي به (٤١٣).

стр. 1372

وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه جده [¬١] قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي ﷺ وعن يساره رجلين، عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه أشد القتال، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده، يعني جبريل وميكائيل ﵉] [¬٢] (٤١٤). وقال حماد بن سلمة: عن علي بن زيد وثابت عن أنس بن مالك: أن رسول الله، ﷺ ، أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: "من يردهم عنّا وله الجنة -أو هو [¬٣] رفيقي في الجنة". فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، [ثم أرهقوه أيضًا، فقال: "من رودهم عنا وله الجنة؟ ". فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل] [¬٤]. فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة. فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا" (٤١٥). رواه مسلم، عن هدية بن خالد عن حماد بن سلمة به نحوه (٤١٦). وقال أبو الأسود عن عروة بن الزبير قال: كان أبي بن خلف أخو بني جُمَح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله ﷺ ، فلما بلغت رسول الله ﷺ حَلفَتُهُ قال: "بل أنا أقتله إن شاء الله". فلما كان يوم أحد أقبل أُبَيُّ في الحديد مقنعًا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، وطعنه فيها بحربته، فوقع إلى الأرض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور، فقالوا له: ما أجزعك! إنما هو [¬٥] خدش؟ فذكر لهم قول رسول الله، ﷺ : "بل [¬٦] أنا أقتل أُبيًّا"،

стр. 1373

ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون، فمات إلى النار ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٤١٧). وقد رواه موسى [¬١] بن عقبة [] [¬٢] في مغازيه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب بنحوه (٤١٨). وذكر محمد بن إسحاق قال: لما أسند رسول الله ﷺ في الشعب، أدركه أبي بن خلف، وهو يقول: لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله؛ يعطف عليه رجل منا فقال رسول الله ﷺ : "دعوه". فلما دنا منه تناول رسول الله، ﷺ ، الحربة من الحارث بن الصِّمَّة، فقال بعض القوم كما [¬٣] ذكر لي: فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعْر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة؛ تدأدأ منها عن فرسه مرارًا. (٤١٩). وذكر الواقدي: عن يونس بن بكير، عن محمد [¬٤] بن إسحاق، عن عاصم بن عمرو [¬٥] ابن قتادة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه نحو ذلك (٤٢٠). وقال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أبي بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل، فإذا أنا بنار تتأجج فهبتيا، وإذا [¬٦] رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها، يهيج به العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ ، هذا أبي بن خلف (٤٢١). وثبت في الصحيحين من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ فعلوا

стр. 1374

برسول الله ﷺ وهو حينئذ يشير إلى رباعيته -واشتدَّ غضبُ الله على رجلٍ يقتله رسولُ الله، ﷺ في سبيل الله" (٤٢٢). وأخرجه [¬١] البخاري أيضًا من حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال "اشتد غضبُ الله على من قتله رسول الله [ ﷺ ] بيده في سبيل الله، واشتد غضبُ الله على قومٍ أدمَوا وجهَ رسولِ الله، ﷺ " (٤٢٣). وقال محمد بن إسحاق: أصيبت رباعية رسول الله ﷺ ، وشج في وجنته، وكُلِمَتْ شِفَتُه، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص (٤٢٤). [فحدثني صالح بن كيسان، عمَّن حدثه، عن سعد بن أبي وقاص قال: ما حرصت على قتل أحد قطُّ، ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص] [¬٢]، وإن كان ما علمته لسييء الخلق مبغضًا في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله ﷺ : "اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسول الله ﷺ " (٤٢٥). وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عثمان الجَزَري، عن مقسم، أن رسول، الله [¬٣] ﷺ ، دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته وأدمى وجهه، فقال: "اللهم، لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرًا". فما حال عليه الحول حتى مات كافرًا إلى النار (٤٢٦). وذكر [¬٤] الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي الحويرث، عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلًا من المهاجرين يقول: شهدت أحدًا،

стр. 1375

فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية، ورسول الله ﷺ في [¬١] وسطها كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يومئذ يقول: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ليس معه أحد. ثم جاوزه فعاتبه في ذلك صفوان فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع؛ خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص [¬٢] إلى ذلك (٤٢٧). قال الواقدي: [والذي ثبت] [¬٣] عندنا أن الذي أدمى [¬٤] وجنتي رسول الله ﷺ ابن قميئة، والذي دمى [¬٥] شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا ابن المبارك عن إسحاق بن [¬٦] يحيى بن طلحة بن عبيد الله، أخبرني عيسى بن طلحة، عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان أبو بكر ﵁ إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كله لطلحة، ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء يوم أحد، فرأيت رجلًا يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه وأراه قال: حمية، فقال: فقلت: كن طلحة، حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلًا من قومي أحب إلي، وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ منه، وهو يخطف المشي خطفًا، لا أعرفه [¬٧]، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله ﷺ وقد كسرت رباعيته" وشج في وجهه؛ وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، فقال رسول الله، ﷺ : "عليكما صاحبكما يريد طلحة" وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله، قال: وذهبت لأنزع [¬٨] ذلك من: جهه، فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني فتركته، فكره أن يتناولها بيده، فيؤذى رسول الله ﷺ ، فأزم عليها بفيه، فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيته مع الحلقة، وذهبت لأصنع ما صنع، فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، ووقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة ﵁ من أحسن الناس هتمًا، فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت أصبعه، فأصلحنا من شأنه (٤٢٨).

стр. 1376

ورواه الهيثم بن كليب، والطبراني من حديث إسحاق بن يحيى به. وعند الهيثم فقال [¬١] أبو عبيدة: أنشدك يا أبا بكر إلا تركتني؟ فأخذ أبو عبيدة السهم بفيه، فجعل ينضنضه (*) كراهية أن يؤذي رسول الله ﷺ ، ثم استل السهم بفيه فندرت (**) ثنية أبي عبيدة (٤٢٩). وذكر تمامه؛ واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه؛ وقد ضعف علي بن المديني هذا الحديث؛ من جهة إسحاق بن يحيى هذا، فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان وأحمد، ويحيى بن معين والبخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي وغيرهم. وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، أن عمر بن السائب، حدّثه أنه بلغه أن مالكًا أبا أبي [¬٢] سعيد الخدري لما جُرح [¬٣] النبي ﷺ يوم أحد، مص الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض، فقيل له مجه، فقال: لا والله، لا أمجه أبدًا، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي، ﷺ : "من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا" فاستشهد (٤٣٠). وقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد العزيز بن أبي حازم [¬٤]، عن أبيه، عن سهل بن سعد، أنه سئل عن جرح رسول الله ﷺ فقال: جرح وجه رسول الله ﷺ وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه ﷺ فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم، وكان عليٌّ يسكب عليه الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير، فأحرقتها حتى صارت رمادًا ألصقته بالجرح فاستمسك الدم (٤٣١).

стр. 1377

وقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: فجزاكم غمًّا على غم، كما تقول العرب: نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان. وقال ابن جرير: وكذا قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: على جذوع النخل. قال ابن عباس: الغم الأوّل بسبب الهزيمة، وحين قيل: قتل محمد ﷺ والثاني حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي ﷺ : "اللَّهم، ليس لهم أن يعلونا" (٤٣٢). وعن عبد الرحمن بن عوف: الغم الأوّل بسبب الهزيمة، والثاني حين قيل: قتل محمد ﷺ كان ذلك عندهم أشد [¬١] وأعظم من الهزيمة. رواهما ابن مَرْدُويه. وروي عن عمر بن الخطاب نحو ذلك، وذكر ابن أبي حاتم (٤٣٣): عن قتادة نحو ذلك أيضًا. وقال السدي: الغم الأوّل: بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والثاني بإشراف العدو عليهم. وقال محمد بن إسحاق: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: كربًا بعد كرب؛ قتل من قتل من إخوانكم؛ وعُلُوُّ عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم [من قول من قال: قتل نبيكم] [¬٢]، فكان ذلك [ممَّا تتايع] [¬٣] عليكم غمًّا بغمٍ. وقال مجاهد وقتادة: الغم الأوّل سماعهم قتل محمد، والثاني ما أصابهم من القتل والجراح. وعن قتادة، والربيع بن أنس عكسه. وعن السدي: الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة والثاني إشراف العدو عليهم. وقد. تقدم هذا القول عن السدي. وقال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾

стр. 1378

فأثابكم بغمكم أيها المؤمنون، بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين، والظفر بهم، والنصر عليهم، وما أصابكم من القتل، والجراح يومئذ، بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون بمعصيتكم أمر [¬١] ربكم، وخلافكم أمر نبيكم ﷺ ، غم ظنكم أن نبيكم قد قتل، وميل العدو عليكم بعد فلولكم منهم. وقوله تعالى: ﴿لِكَيلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم، ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُم﴾ من [الجراح والقتل]، قاله ابن عباس، وعبد الرحمن بن عوف والحسن، وقتادة، والسدي ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سبحانه وبحمده لا إله إلا هو جلَّ وعلا] [¬٢]. ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ يقول تعالى ممتنًّا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة، وهو النعاس الذي غشيهم، وهم مستلئمو السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان [¬٣]، كما قال تعالى في سورة الأنفال في قصة بدر ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ [¬٤] النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾. الآية. وقال الإمام أبو محمد عبدُ الرحمن بن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أبو نعيم ووكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود،

стр. 1379

قال: النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان. وقال البخاري (٤٣٤): وقال [¬١] لي خليفة: حدَّثنا يزيد بن زريع، حدَّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة ﵁ قال: كنت فيمن تغشاه [¬٢] النعاس يوم أحد؛ حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط [¬٣] وآخذه ويسقط وآخذه. وهكذا رواه في المغازي معلقًا، ورواه في كتاب التفسير مسندًا، عن شيبان، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. وقد رواه الترمذي [والنسائي، والحاكم (٤٣٥) من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: رفعت رأسي يوم أحد، وجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس. لفظ الترمذي وقال: حسن صحيح. [ورواه النسائي] [¬٤] أيضًا (٤٣٦) عن محمد بن المثنى، عن [¬٥] خالد بن الحارث، عن قتيبة [¬٦]، عن ابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أنس، قال: قال أبو طلحة: كنت فيمن ألقى عليه النعاس … الحديث. وقد [¬٧] رواه عن الزبير (٤٣٧) وعن [¬٨] عبد الرحمن بن عوف (٤٣٨) ﵁.

стр. 1380

وقال البيهقي (٤٣٩): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسين محمد بن يعقوب، أخبونا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخزوميُّ، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس بن ما مالك؛ أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم أجبن قوم وأرعنه وأخذله للحق، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ كذَبَه، أهل شك وريب في الله (٤٤٠). هكذا رواه بهذه الزيادة، وكأنها من كلام قتادة ﵀ وهو كما قال؛ فإن الله يقول: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾. يعني أهل الإِيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله سينصر وصوله؛ وينجز له مأموله؛ ولهذا قال: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم﴾ يعني لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ إلى آخر الآية، وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة، وأن الإِسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك؛ إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة. ثم أخبر تعالى عنهم أنهم: ﴿يَقُولُونَ﴾ في تلك الحال: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ

стр. 1381

شَيءٍ؟﴾ فقال [¬١] تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ أي: يسرون هذه المقالة عن رسول الله ﷺ . قال محمد بي يسار بن إسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير؛ قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتدّ الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منَّا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول معَتِّب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم يقول [¬٢]: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ فحفطها منه، وفي ذلك أنزل الله: ﴿يَقُولُونَ [¬٣] لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معَتِّب. رواه ابن أبي حاتم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾، أي: هذا قدر قدّره [¬٤] الله وحكم حتم لازم [¬٥] لا محيد [¬٦] عنه ولا مناص منه. وقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يختبركم بما جرى عليكم، ليميز [¬٧] الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾، أي ببعض ذنوبهم السالفة، كما قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من جزاء السيئة السيئةَ بعدها. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي: عما كان منهم من الفرار، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي: يغفر الذنب، ويَحْلُمُ عن خلقه، ويتجاوز عنهم، وقد تقدم حديث ابن عمر في شأن عثمان ﵁ وتوليه يوم أحد، وأن الله قد عفا عنه مع من عفا عنهم عند قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ ومناسب ذكره هاهنا.

стр. 1382

قال [¬١] الإِمام أحمد (٤٤١): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة [¬٢]، عن عاصم، عن شقيق، قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان، فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم عينين [¬٣]، قال عاصم: يقول يوم أحد، ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سنة عمر. قال: فانطلق، فأخبر بذلك عثمان. قال: فقال عثمان: أمّا قوله: إني لم أفرّ يوم عينين؛ فكيف يعيرني بذنب [¬٤]، وقد [¬٥] عفا الله عنه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ [¬٦] عَنْهُمْ﴾ وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رقية بنتَ رسول الله ﷺ حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم فقد شهد، وأما قوله: إني تركت سنة عمر، فإني لا أطيقها ولا هو، فأته [¬٧] فحدثه بذلك. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ

стр. 1383

قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾. ينهى تعالى عبادَهُ المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن [¬١] إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ أي: عن إخوانهم، ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: سافروا للتجارة ونحوها ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾، أي: كانوا [¬٢] في الغزو: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾ أي: في البلد، ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ أي: ما ماتوا في السفر، وما قتلوا في الغزو. وقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم؛ ليزدادوا حسرة على [موتاهم وقتلاهم] [¬٣]. ثم قال تعالى ردًّا عليهم: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: بيده الخلق، وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء [¬٤] إلا بقضائه وقدره: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أي: علمه وبصره نافذ في جميع خلقه؛ لا يخفى عليه من أمورهم شيء. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ تضمن هذا أن القتل في سبيل الله والموت أيضًا وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا، وجميع حطامها الفاني. ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل، فمصيره ومرجعه إلى الله فيجزيه بعمله: إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ

стр. 1384

أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ يقول تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ ممتنًّا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، أي: أي شيء جعلك الله لهم لَيِّنًا لولا رحمةُ الله بك وبهم. وقال قتادة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ يقول: فبرحمة من الله لنت لهم، "وما" صلة، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾، وبالنكرة كقوله: ﴿عما قليل﴾، وهكذا هاهنا قال [¬١]: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: برحمة من الله. وقال الحسن البصري: هذا خلق محمد ﷺ بعثه الله به. وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾. وقال الإمام أحمد (٤٤٢): حدَّثنا حَيوَة، حدثنا [بقية، حدثنا] [¬٢] محمد بن زياد،

стр. 1385

حدثني أبو راشد الحُبراني [¬١]؛ قال: أخذ بيدي أبو أمامة الباهلي، وقال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "يا أبا أمامة، إن من المؤمنين من يلين [لي قلبه] [¬٢] ". تفرد [¬٣] به أحمد. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ والفظ: الغليظ، والمراد [¬٤] به هاهنا غليظ الكلام؛ لقوله بعد ذلك: ﴿غليظ القلب [¬٥]﴾ أي: لو كنت سيئ الخُلق [¬٦] قاسي القلب عليهم؛ لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفًا لقلوبهم. كما قال عبد الله بن عمرو (٤٤٣): إنه رأى صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. وروى أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي (٤٤٤): أنبأنا بشر بن عبيد الداري [¬٧]، حدثنا عمار بن عبد الرحمن، عن المسعودي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض". حديث غريب.

стр. 1386

ولهذا قال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ولذلك كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييبًا لقلوبهم [ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه] [¬١]، كما [¬٢] شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا: يا رسول الله؛ لو استعرضت بنا عُرضَ البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برْكِ العمَاد (*)؛ لسرنا [¬٣] معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول [¬٤]: اذهب فنحن معك، وبين يديك، وعن يمينك، وعن [¬٥] شمالك مقاتلون [¬٦] (٤٤٥). وشاوَرَهم أيضًا أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المعنق ليموت [¬٧] بالتقدم [¬٨] أمام القوم. وشاورهم في أحد: في [¬٩] أن يقعد في المدينة، أو يخرج [إلى العدو] [¬١٠]، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم (٤٤٦). وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى ذلك عليه السعدان: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فترك ذلك. وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين؟ فقال له الصديق: أنا لم نجيء لقتال أحد [¬١١]، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال. وقال ﷺ في قصة الإفك (٤٤٧): " أشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا (*) أهلي ورموهم، [وايم الله ما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم] [¬١٢] بمن؟ والله ما علمت عليه إلا خيرًا". واستشار عليًّا وأسامة في فراق عائشة ﵂. فكان ﷺ يشاورهم في الحروب ونحوها، وقد اختلف الفقهاء: هل كان ذلك [¬١٣] واجبًا عليه، أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم؟ على قولين.

стр. 1387

وقد قال الحاكم في مستدركه (٤٤٨): حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف بمصر، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ قال: أبو بكر وعمر ﵄ ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وكذا [¬١] رواه الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر وعمر، وكانا حواريَّي رسول الله ﷺ ووزيريه [¬٢] وأبوي المسلمين. وقد روى الإمام أحمد (٤٤٩): حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحميد، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم [¬٣]، أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر ﵄: "لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما". وروى ابن مردُويه (٤٥٠)، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سُئل رسول الله ﷺ عن العزم؟ فقال [¬٤]: "مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم". وقد [¬٥] قال ابن ماجة (٤٥١): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكير [¬٦]، عن

стр. 1388

شيبان [¬١]، [عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "المستشار مؤتمن". ورواه أبو داود والترمذي، وحَسَّنه النسائي من حديث عبد الملك] [¬٢] بأبسط [من هذا] [¬٣]. ثم قال ابن ماجة (٤٥٢): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي عمرو [¬٤] الشيباني، عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "المستشار مؤتمن". [تفرد به] [¬٥]. و [قال أيضًا] [¬٦] (٤٥٣): حدثنا أبو بكر، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وعلي [¬٧] بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه". تفرد به أيضًا.

стр. 1389

وقوله تعالى: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ أي إذا شاورتهم في الأمر، وعزمت عليه فتوكل على الله فيه ﴿إن الله يحب المتوكلين﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وهذه الآية كما تقدم من قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. ثم أمرهم بالتوكل عليه، فقال: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾. وقوله تعالى: ﴿وما كان لنبي أن يغُل﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد: ما ينبغي لنبي أن يخون. وقال ابن أبي حاتم (٤٥٤): حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن [سفيان، عن] [¬١] خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فقدوا قطفة يوم بدر فقالوا: لعل رسول الله ﷺ أخذها، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [أي: يخون] [¬٢]. وقال ابن جرير (٤٥٥): حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب: حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا خصيف، حدثنا مقسم، حدثني ابن عباس، أن هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ نزلت [¬٣] في قطفة حمراء فُقِدَتْ يوم بدر، فقال بعض الناس: [لعل رسول الله] [¬٤] أخذها، فأكثروا في ذلك، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وكذا رواه أبو داود رحمه الله تعالى والترمذي جميعًا، عن قتيبة، عن عبد الواحد بن زياد به وقال الترمذي: حسن غريب. ورواه [¬٥] بعضهم عن خصيف عن مقسم يعني

стр. 1390

مرسلًا. ورواه ابن مردُويه من طريق أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إنّهم المنافقون رسول الله ﷺ بشيء فُقِدَ، فأنزل الله تعالى [¬١]: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. وقد روي من غير وجه (٤٥٦)، عن ابن عباس نحو ما تقدّم، وهذا [تنزيه و] [¬٢] تبرئة له، صلوات الله وسلامه عليه، عن [¬٣] جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك. وروى [¬٤] العوفي عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضًا. وكذا قال الضحاك. وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ بأن يترك بعض ما أنزل عليه [¬٥] فلا يبلغه لأمّته [¬٦]. وقرأ الحسن البصري، وطاووس، ومجاهد، والضحاك: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [بضم الياء] [¬٧] أي: يخان. وقال قتادة، والربيع بن أنس: نزلت هذه الآية يوم بدر، وقد غل بعض أصحابه، رواه ابن جرير عنهما (٤٥٧)، ثم حكى عن [¬٨] بعضهم أنه فسر [¬٩] هذه القراءة بمعنى يتهم بالخيانة. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضًا في أحاديث متعدّدة. قال الإمام أحمد (٤٥٨): حدثنا عبد الملك، حدثنا زهير -يعني ابن محمد- عن عبد الله

стр. 1391

ابن محمد بن عقيل، عن عطاء بن يسار، عن أبي مالك الأشجعي، عن النبي، ﷺ ، قال [¬١]: "أعظم الغلول عند الله ذراع من أرض [¬٢]، تجدون [¬٣] الرجلين جارين في الأرض -أو في الدار- فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعًا، فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين [إلى يوم القيامة] [¬٤] ". (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٤٥٩): حدثنا موسى بن داود [¬٥]، حدثنا ابن لهيعة، عن ابن هبيرة والحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير، قال: سمعت المستورد [¬٦] بن شدّاد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ولي لنا عملًا وليس له منزل فليتخذ منزلًا، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له [¬٧] خادم فليتخذ له خادمًا، أو ليس [¬٨] له دابة فليتخذ دابة، و [¬٩] من أصاب شيئًا سوى ذلك فهو غال". هكذا رواه الإمام أحمد، وقد رواه أبو داود بسند آخر وسياق آخر فقال (٤٦٠): حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا المعافى، حدثنا الأوزاعي، عن الحارث بن يزيد، عن جبير بن نفير، عن المستورد بن شدّاد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة؛

стр. 1392

فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا". قال: قال أبو بكر: أخبرت أن النبي ﷺ قال: "من اتخذ غير ذلك فهو غالٍ أو سارق". قال شيخنا الحافظ المزي ﵀: رواه أبو [¬١] جعفر بن محمد الفريابي، عن موسى بن مروان فقال: عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، وهو أشبه بالصواب. (حديث آخر) قال ابن جرير (٤٦١): حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا يعقوب القمي، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء (*)، ينادي [¬٢]: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك. ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة

стр. 1393

يحمل جملًا له رغاء (*)، يقول [¬١]: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك. ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسًا له حمحمة (**)، ينادي: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك، و [¬٢]، لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قشعًا [¬٣] (* * *) من أدم، ينادي: يا محمد؛ يا محمد؛ فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك". لم يروه أحد من أصحاب [¬٤] الكتب الستة. (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٤٦٢): حدثنا سفان، عن الزهريّ سمع [¬٥] عروة يقول: أخبرنا أبو حميد الساعدي، قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلًا من الأزد، يقال له: ابن اللتبية، على الصدقة، فجاء [¬٦] فقال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فقام رسول الله، ﷺ ، [على المنبر] [¬٧] فقال: "ما بال العامل نبعثه فيجيء [¬٨] يقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفسُ محمد بيده لا يأتي أحدكم منكم [¬٩] منها بشيء إلا جاء به [¬١٠] يوم القيامة على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعرُ (* * *)، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه: ثم قال: "اللهم، هل بلغت". ثلاثًا. وزاد هشام بن عروة، فقال أبو حميد: بصر عيني، وسمع أذني، واسألوا زيد بن ثابت.

стр. 1394

أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة؛ وعند البخاري: وسلوا زيد بن ثابت، ومن غير وجه عن الزهري؛ ومن طرق عن هشام بن عروة؛ كلاهما عن عروة به. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٤٦٣): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد أن رسول الله، ﷺ ، قال: "هدايا العمال غلول". وهذا الحديث من أفراد أحمد، وهو ضعيف الإِسناد وكأنه مختصر من الذي قبله والله أعلم. (حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي في كتاب الأحكام (٤٦٤): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، عن داود بن يزيد الأودي، عن المغيرة بن شبل، عن قيس بن أبي حازم، عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرت، أرسل في أثري فرددت، فقال: "أتدري لما بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئًا بغير إذني فإنه غلول، ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لهذا دعوتك، فامض لعملك". هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ وفي الباب عن عدي بن عميرة وبريدة، والمستورد بن شداد، وأبي حميد، وابن عمر. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٤٦٥): حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا أبو حيان يحيى

стр. 1395

ابن سعيد التيمي، عن أبي زرعة بن عمر بن جرير، عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله، ﷺ يومًا فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: "لا أُلْفِين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة علي رقبته فرس لها حمحمة فيقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، فقد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على [¬١] رقبته رقاع تخفق [¬٢] فيقول: يا رسول الله، أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، فقد [¬٣] أبلغتك، [لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت (*)، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك"] [¬٤]. أخرجاه من حديث أبي حيان به. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٤٦٦): حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثني قيس، عن عدي بن عميرة الكندي، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس، من عمل لنا منكم [¬٥] عملًا فكتمنا منه مخيطًا فما فوقه فهو غل يأتي به يوم القيامة". قال: فقام [¬٦] رجل من الأنصار أسود - قال مجالد: هو سعد [¬٧] بن عبادة، كأني أنظر إليه - فقال: يا رسول الله، اقبل [¬٨] عني عملك، قال: "وما ذاك"؟ قال [¬٩]: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: "وأنا أقول ذاك الآن، من استعملناه على عمل فليجيء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذه، وما نهي عنه انتهى". وكذا رواه مسلم، وأبو داود من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٤٦٧): حدثنا أبو معاوية، [ثنا أبو] [¬١٠] إسحاق

стр. 1396

الفزاري، عن ابن جريج، حدثني منبوذ -رجل من آل أبي رافع- عن الفضل بن عبيد [¬١] الله بن أبي رافع، عن أبي رافع قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدّث معهم حتى ينحدر للمغرب [¬٢]، قال أبو رافع: فبينا [¬٣] رسول الله ﷺ مسرعًا إلى المغرب إذ مرّ بالبقيع، فقال: "أفٍّ لك! أفٍّ لك! ". مرتين [فكبر في ذرعي (*)] [¬٤]، وتأخرت، فظننت [¬٥]، أنه يريدني، فقال: "ما لك" قال قلت: [أحدثت حدثًا يا رسول الله] [¬٦]؛ قال: "وما ذاك"؟ قلت: [أففت بي] [¬٧]، قال: "لا، ولكن هذا قبر فلان بعثته [¬٨] ساعيًا على آل فلان فغل نمرة، فدرع الآن مثلها من نار". (حديث آخر) قال عبد الله ابن الإمام أحمد (٤٦٨): حدثنا عبد الله بن سالم الكوفي المفلوج -وكان بمكة- حدثنا عبيدة بن الأَسود، عن القاسم بن الوليد، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد [¬٩]، عن عبادة بن الصامت، [قال: كان رسول الله] [¬١٠] ﷺ يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم، ثم يقول: "ما لي فيه إلا مثل ما لأحدكم، إياكم والغلول! فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدّوا الخيط والمخيط وما فوق

стр. 1397

ذلك، وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد، في الحفر والحفر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، إنه لينجي الله به من الهم والغم، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومةُ لائم". وقد روى ابن ماجة بعضه عن المفلوج به. (حديث آخر) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ردّوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة" (٤٦٩). (حديث آخر) قال أبو داود (٤٧٠): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن [¬١] مطرّف، عن أبي الجهم، عن أبي مسعود الأنصاري؛ قال: بعثني رسول الله ﷺ ساعيًا ثم قال: "انطلق أبا مسعود، لا ألفينك يوم القيامة تجيء على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته". قال: إذن لا أنطلق. قال: "إذن لا أكرهك". تفرد به أبو داود. (حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه (٤٧١): أنبأنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أنبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، أنبأنا عبد الحميد بن صالح، أنبأنا أحمد بن أبان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن [¬٢] بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ؛ قال: "إن الحجر ليرمى به في جهنم

стр. 1398

فيهوي سبعين خريفًا، ما يبلغ قعرها، ويؤتى بالغلول فيقذف معه، ثم يقال لمن غل به [¬١]: ائت به، فذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ". (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٤٧٢): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زُمَيل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد، حتى أتوا على رجل فقالوا: فلان شهيد فقال رسول الله ﷺ : "كلا إني رأيته في النار في بردة غلها - أو عباءة". ثم قال رسول الله ﷺ : " [يا ابن الخطاب] [¬٢]، اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون". قال: فخرجت فناديت: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون. وكذا رواه مسلم والترمذي من حديث عكرمة بن عمار به. وقال الترمذي: حسن صحيح. (حديث آخر عن عمر ﵁) قال ابن جرير (٤٧٣): حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن موسى بن جبير حدثه، أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه، أن عبد الله بن أنيس حدثه، أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يومًا الصدقة، فقال: ألم تسمع قول رسول الله ﷺ حين ذكر غلول الصدقة: "من غل منها بعيرًا أو شاة فإنه يحملها يوم القيامة"؟ قال عبد الله بن أنيس: بلى. ورواه ابن ماجة، عن عمرو بن سواد، عن عبد الله بن وهب به. ورواه الأموي عن معاوية عن أبي إسحاق، عن يونس بن عبيد، عن الحسن؛ قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله، ويحرق

стр. 1399

على مافيه. ثم روي عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن علي ﵁ قال: الغال يجمع [¬١] رحله فيحرق، ويجلد دون حدٍّ. (حديث آخر) قال ابن جرير (٤٧٤): حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بعث سعد بن عبادة مصدقًا، فقال: ["يا سعد؛ إياك] [¬٢] أن تجيء يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء". قال: لا آخذه ولا أجيء به، فأعفاه. ثم رواه من طريق عبيد الله عن نافع به نحوه (٤٧٥). (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٤٧٦): حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا صالح بن محمد بن زائدة، عن سالم بن عبد الله، أنه كان مع مسلمة بن عبد الملك في أرض الروم، فوجد في متاع رجل غلولًا، قال: فسأل سالم بن عبد الله، فقال: حدثني أبي

стр. 1400

عبد الله، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من وجدتم في متاعه غلولًا فأحرقوه". قال: وأحسبه قال: "واضربوه" قال: فأخرج متاعه في السوق، فوجد فيه مصحفًا فسأل سالمًا؟ فقال: بعه وتصدق بثمنه. وكذا [¬١] رواه علي بن المديني وأبو داود والترمذي من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي، زاد أبو داود وأبو إسحاق الفزاري كلاهما عن أبي واقد الليثي الصغير صالح بن محمد بن زائدة به. وقال علي بن المديني ﵀ والبخاري وغيرهما: هذا حديث منكر من رواية أبي واقد هذا. وقال الدارقطني: الصحيح أنه من فتوى سالم فقط، وقد ذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ ومن تابعه من أصحابه-[وقد رواه الأموي- عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله فيحرق على ما فيه: ثم روي عن معاوية عن أبي إسحاق، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن علي قال: الغال يجمع رحله فيحرق، ويجلد دون حد الملوك ويحرم نصيبه] [¬٢] (٤٧٧) - وخالفه أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور فقالوا: لا يحرق متاع الغال، بل يعزر تعزير مثله. [وقد قال] [¬٣] البخاري: وقد امتنع رسول الله ﷺ من الصلاة على الغال، ولم يحرق متاعه،

стр. 1401

والله أعلم. وقد قال الإمام أحمد (٤٧٨): حدثنا أسود بن عامر، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن جبير بن مالك؛ قال: أمر بالمصاحف أن تغير، قال: فقال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغل مصحفه [¬١] فليغله؛ فإنه من غل شيئًا جاء به يوم القيامة، قال [¬٢]: ثم قال: قرأت من فم رسول الله ﷺ سبعين سورة، أفأترك ما أخذت من في رسول الله ﷺ . وروى وكيع (٤٧٩) [في تفسيره] [¬٣] عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم؛ قال: لا أمر بتحريق [¬٤] المصاحف، قال عبد الله [بن مسعود ﵁] [¬٥]-: يا أيها الناس؛ غلوا المصاحف؛ فإنه من غل يأت بما غل يوم القيامة، ونعم الغل المصحف [¬٦]، يأتي به أحدكم يوم القيامة. وقال أبو [¬٧] داود (٤٨٠)، عن سمرة بن جندب؛ قال: كان رسول الله إذا غنم غنيمة أمر

стр. 1402

بلالًا فينادي في الناس، فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل يومًا بعد النداء بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله، هذا كان مما أصبناه من الغنيمة، فقال: "أسمعت بلالًا ينادي ثلاثًا؟ ". قال: نعم. قال: "فما منعك أن تجيء به؟ " فاعتذر إليه، فقال: "كلا، أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك". وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه، فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه، وأجير من وبيل عقابه، ومن استحق غضب الله، وألزم به، فلا محيد له عنه، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير. [وهذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن] [¬١]، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ وقوله [¬٢]: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. الآية. ثم قال تعالى ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قال [¬٣] الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: يعني أهل الخير وأهل الشر درجات، وقال أبو عبيدة والكسائي: منازل يعني متفاوتون في منازلهم، ودرجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار، كقوله [¬٤] تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾. الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيرًا ولا يزيدهم شرًّا، بل يجازي [كل عامل] [¬٥] بعمله. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من جنسهم، ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ [¬٦] لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيهَا﴾ أي: من جنسكم، وقال تعالى: ﴿قُلْ

стр. 1403

إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ] [¬١]﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ [¬٢] قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم بحيث يمكنهم مخاطبتُه ومراجعتُه في فهم الكلام عنه [¬٣]، ولهذا قال تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ﴾ يعني القرآن ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، لتزكو [¬٤] نفوسهم، وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني القرآن والسنة، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا الرسول ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: لفي غي وجهل ظاهر جلي بين لكل أحد. ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَو ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾. يقول تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [وهي ما أصيب منهم يوم أحد من قتلى السبعين منهم] [¬٥] ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيهَا﴾ يعني يوم بدر؛ فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلًا، وأسروا سبعين أسيرًا، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ أي: من أين جرى علينا هذا؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. قال ابن أبي حاتم (٤٨١): حدثنا [¬٦] أبي، أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا قراد أبو نوح،

стр. 1404

حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زُمَيل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب؛ قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول الله ﷺ عنه، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ بأخذكم الفداء. وهكذا رواه الإِمام أحمد، عن عبد الرحمن بن غزوان -وهو قراد أبو نوح- بإسناد [¬١]، ولكن بأطول منه، وهكذا [¬٢] قال الحسن البصري. وقال ابن جرير (٤٨٢): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا إسماعيل بن علية، عن ابن [¬٣] عون عن محمد عن عبيدة (ح) قال سنيد [¬٤]-وهو حسين-: وحدثني حجاج، عن جريج، عن محمد، عن عبيدة، عن علي ﵁ قال: جاء جبريل ﵇ إلي النبي ﷺ فقال: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذ [¬٥] الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم؛ قال: فدعا رسول الله ﷺ الناس، فذكر لهم ذلك، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، ألا نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره؟ قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلًا، عدة أسارى أهل [¬٦] بدر.

стр. 1405

وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي داود الحفري، عن يحيى بن زكريا بن [¬١] أبي زائدة، عن سفيان بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين به [¬٢]. ثم قال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة، وروى أبو أسامة عن هشام [¬٣] نحوه. وروي عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن النبي ﷺ مرسلًا. وقال محمد بن إسحاق وابن جريج، والربيع بن أنس والسدي: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، أي: بسبب عصيانكم لرسول [¬٤] الله ﷺ حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم؛ فعصيتم، يعني بذلك الرماة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: فراركم بين يدي [¬٥] عدوكم، وقتلهم لجماعة منكم، وجراحتهم لآخرين؛ كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك [¬٦]: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَو ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ يعني بذلك [¬٧] أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول؛ الذين رجعوا معه في أثناء الطريق، فاتبعهم رجال من المؤمنين يحرضونهم على الإياب [¬٨] والقتال والساعدة؛ ولهذا قال: ﴿أَو ادْفَعُوا﴾ قال ابن عباس وعكرمة، وسعيد بن جبير والضحاك، وأبو صالح: الحسن والسدي: يعني كثّروا سواد المسلمين، وقال الحسن بن صالح: ادفعوا بالدعاء؛ وقال غيره: رابطوا؛ فتعللوا [¬٩]؛ قائلين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ قال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم تلقون حربًا لجئناكم؛ ولكن لا تلقون قتالًا. قال محمد بن إسحاق (٤٨٣): حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، و [¬١٠] محمد بن
следующие страницы →