← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

والله أعلم. وقد قال الإمام أحمد (٤٧٨): حدثنا أسود بن عامر، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن جبير بن مالك؛ قال: أمر بالمصاحف أن تغير، قال: فقال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغل مصحفه [¬١] فليغله؛ فإنه من غل شيئًا جاء به يوم القيامة، قال [¬٢]: ثم قال: قرأت من فم رسول الله ﷺ سبعين سورة، أفأترك ما أخذت من في رسول الله ﷺ . وروى وكيع (٤٧٩) [في تفسيره] [¬٣] عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم؛ قال: لا أمر بتحريق [¬٤] المصاحف، قال عبد الله [بن مسعود ﵁] [¬٥]-: يا أيها الناس؛ غلوا المصاحف؛ فإنه من غل يأت بما غل يوم القيامة، ونعم الغل المصحف [¬٦]، يأتي به أحدكم يوم القيامة. وقال أبو [¬٧] داود (٤٨٠)، عن سمرة بن جندب؛ قال: كان رسول الله إذا غنم غنيمة أمر

стр. 1402

بلالًا فينادي في الناس، فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل يومًا بعد النداء بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله، هذا كان مما أصبناه من الغنيمة، فقال: "أسمعت بلالًا ينادي ثلاثًا؟ ". قال: نعم. قال: "فما منعك أن تجيء به؟ " فاعتذر إليه، فقال: "كلا، أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك". وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه، فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه، وأجير من وبيل عقابه، ومن استحق غضب الله، وألزم به، فلا محيد له عنه، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير. [وهذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن] [¬١]، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ وقوله [¬٢]: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. الآية. ثم قال تعالى ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قال [¬٣] الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: يعني أهل الخير وأهل الشر درجات، وقال أبو عبيدة والكسائي: منازل يعني متفاوتون في منازلهم، ودرجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار، كقوله [¬٤] تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾. الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيرًا ولا يزيدهم شرًّا، بل يجازي [كل عامل] [¬٥] بعمله. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من جنسهم، ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ [¬٦] لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيهَا﴾ أي: من جنسكم، وقال تعالى: ﴿قُلْ

стр. 1403

إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ] [¬١]﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ [¬٢] قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم بحيث يمكنهم مخاطبتُه ومراجعتُه في فهم الكلام عنه [¬٣]، ولهذا قال تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ﴾ يعني القرآن ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، لتزكو [¬٤] نفوسهم، وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني القرآن والسنة، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا الرسول ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: لفي غي وجهل ظاهر جلي بين لكل أحد. ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَو ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾. يقول تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [وهي ما أصيب منهم يوم أحد من قتلى السبعين منهم] [¬٥] ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيهَا﴾ يعني يوم بدر؛ فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلًا، وأسروا سبعين أسيرًا، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ أي: من أين جرى علينا هذا؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. قال ابن أبي حاتم (٤٨١): حدثنا [¬٦] أبي، أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا قراد أبو نوح،

стр. 1404

حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زُمَيل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب؛ قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول الله ﷺ عنه، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ بأخذكم الفداء. وهكذا رواه الإِمام أحمد، عن عبد الرحمن بن غزوان -وهو قراد أبو نوح- بإسناد [¬١]، ولكن بأطول منه، وهكذا [¬٢] قال الحسن البصري. وقال ابن جرير (٤٨٢): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا إسماعيل بن علية، عن ابن [¬٣] عون عن محمد عن عبيدة (ح) قال سنيد [¬٤]-وهو حسين-: وحدثني حجاج، عن جريج، عن محمد، عن عبيدة، عن علي ﵁ قال: جاء جبريل ﵇ إلي النبي ﷺ فقال: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذ [¬٥] الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم؛ قال: فدعا رسول الله ﷺ الناس، فذكر لهم ذلك، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، ألا نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره؟ قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلًا، عدة أسارى أهل [¬٦] بدر.

стр. 1405

وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي داود الحفري، عن يحيى بن زكريا بن [¬١] أبي زائدة، عن سفيان بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين به [¬٢]. ثم قال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة، وروى أبو أسامة عن هشام [¬٣] نحوه. وروي عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن النبي ﷺ مرسلًا. وقال محمد بن إسحاق وابن جريج، والربيع بن أنس والسدي: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، أي: بسبب عصيانكم لرسول [¬٤] الله ﷺ حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم؛ فعصيتم، يعني بذلك الرماة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: فراركم بين يدي [¬٥] عدوكم، وقتلهم لجماعة منكم، وجراحتهم لآخرين؛ كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك [¬٦]: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَو ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ يعني بذلك [¬٧] أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول؛ الذين رجعوا معه في أثناء الطريق، فاتبعهم رجال من المؤمنين يحرضونهم على الإياب [¬٨] والقتال والساعدة؛ ولهذا قال: ﴿أَو ادْفَعُوا﴾ قال ابن عباس وعكرمة، وسعيد بن جبير والضحاك، وأبو صالح: الحسن والسدي: يعني كثّروا سواد المسلمين، وقال الحسن بن صالح: ادفعوا بالدعاء؛ وقال غيره: رابطوا؛ فتعللوا [¬٩]؛ قائلين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ قال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم تلقون حربًا لجئناكم؛ ولكن لا تلقون قتالًا. قال محمد بن إسحاق (٤٨٣): حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، و [¬١٠] محمد بن

стр. 1406

يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدّث، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، يعني: حين خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة، انحاز عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم فخرج [¬١]، وعصاني، ووالله ما ندري علامَ نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ فرجع [¬٢] بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق، وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام [¬٣] أخو بني سلمة يقول: يا قوم، أذكركم الله ألا تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا [¬٤] لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني [¬٥] الله عنكم، ومضى رسول الله، ﷺ . قال الله : ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب [¬٦] به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفرَ، وفي حال أقرب إلى الإيمان لقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني أنهم يقولون القول، ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ فإنهم يتحققون أن جندًا من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة؛ يتحرّقون على المسلمين بسبب ما أصيب من أشرافهم يوم بدر؛ وهم أضعاف المسلمين أنه كائن بينهم قتال لا محالة؛ ولهذا قال الله [¬٧] تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [ثم قال تعالى] [¬٨]: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج، ما قتلوا مع من قتل، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كان [القعود يسلم] [¬٩] به الشخص من القتل والموت، فينبغي أنكم لا تموتون: والموت لا بد آت إليكم، ولو كنتم في بروج مشيّدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. قال مجاهد عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي بن سلول

стр. 1407

وأصحابه [¬١] (٤٨٤). ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار؛ فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار. قال محمد [¬٢] بن جرير (٤٨٥): حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا عمر بن يونس، عن عكرمة، حدثنا إسحاق [¬٣] بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول الله ﷺ الذين أرسلهم نبي الله إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين أو سبعين؛ وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، حتى أتوا غارًا مشرفًا على

стр. 1408

الماء فقعدوا فيه؛ ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله ﷺ [أهل هذا الماء؟ فقال -أراه ابن ملحان الأنصاري-: أنا أبلغ رسالة رسول الله ﷺ ] [¬١] فخرج حتى أتى [حيًّا منهم] [¬٢]، فاختبأ أمام البيوت، ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسولُ رسولِ الله إليكم؛ إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كسر (*) البيت برمح؛ فضربه [¬٣] في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر، فزت وربِّ الكعبة، فاتبعوا أثره؛ حتى أتوا أصحابه في الغار، فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل. وقال إسحاق [¬٤]: حدثني أنس بن مالك: أن الله أنزل فيهم قرآنا (بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه) ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناه زمنًا، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. [فقال: أما إِنا قد سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل تحت العرش"] [¬٥]. وقد قال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاح القشيري في صحيحه (٤٨٦): حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا [¬٦] عبد الله عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله [ ﷺ ] فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل [معلقة بالعرش] [¬٧]، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطّلاعة، ثم قال [¬٨]: هل تشتهون شيئًا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي؛ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يارب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُركوا". وقد روي نحوه [من حديث] [¬٩]

стр. 1409

أنس (٤٨٧) وأبي سعيد. (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٤٨٨): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نفس تموت لها عند الله خير، يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يسره أن يرجع إلي الدنيا فيقتل مرة أخرى، لما يرى من فضل الشهادة". تفرد [¬١] به مسلم من طريق حماد. (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٤٨٩): حدثنا علي بن عبد الله المديني، حدثنا سفيان عن [¬٢] محمد بن علي بن ربيعة السلمي عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: قال لي رسول الله، ﷺ : " [أما علمت] [¬٣] أن الله أحيا أباك فقال له: تمن عليَّ [¬٤]، فقال: أردّ إلى الدنيا: فأقتل فيك [¬٥] مرة أخرى، قال [¬٦]: إني قضيت الحكم أنهم إليها لا يرجعون". تفرد [¬٧] به أحمد من هذا الوجه. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما، أن أبا جابر. وهو عبد الله

стр. 1410

ابن عمرو بن حرام الأنصاري ﵁ قتل يوم أحد شهيًدا. قال البخاري (٤٩٠): قال أبو الوليد، عن شعبة، عن ابن المنكدر، [قال [¬١]] سمعت جابرًا قال: لما قتل، أبي، جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله، ﷺ ، ينهونني، والنبي ﷺ لم ينه، وقال النبي ﷺ : "لا تبكه [¬٢]-أو ما تبكيه- ما [¬٣] زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع". وقد أسنده هو، ومسلم، والنسائي من طريق آخر، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: لما قتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي … وذكر تمامه بنحوه. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٤٩١): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق،

стр. 1411

حدثنا إسماعيل بن أمية بن عمر: بن سعيد، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ : "لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم، وحسن منقلبهم؛ قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع اللَّه لنا؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله : أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله هؤلاء الآيات ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وما بعدها". وهكذا رواه أحمد، ورواه [¬١] ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق به. ورواه أبو داود، والحاكم في مستدركه (٤٩٢) من حديث عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ فذكره، وهذا أثبت. وكذا رواه سفيان الثوري عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

стр. 1412

وروى الحاكم في مستدركه (٤٩٣)، من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن [¬١] سفيان عن [¬٢] إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وكذا قال قتادة، والربيع، والضحاك: إنها نزلت في قتلى أحد. (حديث آخر) قال أبو بكر بن مردُويه (٤٩٤): حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا هارون بن سليمان، أنبأنا علي بن محمد الله المديني، أنبأنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير [¬٣] بن الفاكه الأنصاري سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصِّمة [¬٤] الأنصاري قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إلي رسول الله ﷺ ذات يوم؛ فقال: "يا جابر؛ ما لي أراك

стр. 1413

مهتمًّا؟ " قال: قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك دينًا وعيالًا قال: فقال: "ألا أخبرك ما كلم الله أحد قط إلا من رواء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحًا"- قال علي: و [¬١] الكفاح المواجهة- "قال: سلني أعطك [¬٢]، قال: أسألك أن أرد إلى الدنيا، فأقتل فيك ثانية. فقال الرب : إنه قد [¬٣] سبق مني القول [¬٤] أنهم إليها لا يرجعون، قال: أي رب، فأبلغ من روائي، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [حتى أنفد] [¬٥] الآية". ثم رواه من طريق أخرى، عن محمد بن سليمان بن سليط الأنصاري، [عن أبيه] [¬٦] عن جابر به نحوه، وكذا رواه البيهقي في دلائل النبوة، من طريق علي بن المديني به. وقد رواه البيهقي أيضًا (٤٩٥)، من حديث أبي عبادة الأنصاري، وهو عيسى بن عبد الرحمن، إن شاء الله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ لجابر: "يا جابر؛ ألا أبشرك؟ " قال: بلي، بشرك الله بالخير، قال: "شعرت بأن الله أحيا أباك فقال، تمن علي عبدي ما شئت أعطكه [¬٧]؛ قال: يارب؛ ما عبدتك حق عادتك أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا، فأقاتل مع نبيك، وأقتل فيك مرة أخرى، قال:

стр. 1414

إنه سلف مني أنه إليها لا يرجع". (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٤٩٦): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا الحارث بن فضيل الأَنصاري، عن محمود بن لبيد [¬١]، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ : "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية". تفرد به أحمد، وقد رواه ابن جرير [¬٢]، عن أبي كريب، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، وعَبَدة [¬٣]، عن محمد بن إسحاق، به. وهو إسناد جيد. وكأن الشهدء أقسام منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم التي هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويُغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم. وقد روينا في مسند الإِمام أحمد: حديثا فيه البشارة لكل أحد [¬٤] مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضًا فيها وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده [¬٥] الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة؛ فإن الإِمام أحمد (٤٩٧) ﵀ رواه عن محمد بن إدريس الشافعي

стр. 1415

﵀ عن مالك بن أنس الأصبحي ﵀، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول االله ﵌: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه". قوله: "يعلق [¬١] " أي: يأكل [¬٢]. وفي هذا الحديث (٤٩٨): " إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة". وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر، فهي كالكوالب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين فإنها تطير بنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا [¬٣] على الإِيمان. [قوله تعالى] [¬٤]: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم [¬٥]، وهم فرحون [¬٦] بما هم فيه من النعمة والغبضة، ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يَقْدمُون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم، ولا يحزنون علي ما تركوه وراءهم.

стр. 1416

[نسأل الله الجنة] [¬١]. وقال محمد بن إسحاق ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: ويسرون بلحوق من خلفهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم. قال [¬٢] السدي: يؤتى الشهيد بكتاب فيه: يقدم عليك فلان، يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان، يوم كذا وكذا؛ فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بغائبهم بقدوم غيابهم. قال سعيد بن جبير: لما دخلوا الجنة، ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة؛ فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير؛ فأخبر رسول الله ﷺ بأمرهم وما هم فيه من الكرامة؛ وأخبرهم أي: [ربهم أني] [¬٣] قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه فاستبشروا بذلك؛ فذلك قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾. الآية. وقد ثبت في الصحيحين (٤٩٩) عن أنس ﵁ في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة؛ وقنت رسول الله ﷺ على الذين قتلوهم يدعوا عليهم ويلعنهم؛ قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع: "أن بلغوا عنا قومنا أنا قد [¬٤] لقينا ربنا، فرضى عنا وأرضانا". ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال [¬٥] محمد بن إسحاق: استبشروا وسروا لما عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثواب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه الآيات جمعت المؤمنين كلهم سواء الشهداء وغيرهم، وقلما ذكر الله فضلًا [ذكر به] [¬٦] الأنبياء وثوابًا أعطاهم الله إياه، إلا ذكر ما أعطى الله [¬٧] المؤمنين من بعدهم. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ

стр. 1417

الْقَرْحُ﴾ هذا كان يوم حمراء الأسد، وذلك أن المشركين لما أصابوا [ما أصابوا] [¬١] من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم ندموا لم لاتمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين [¬٢] إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم وليريهم [¬٣] أن بهم قوة وجلدًا، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد سوى جابر بن عبد الله ﵁ لما سنذكره، فانتدب المسلمون علي ما بهم من الجراح والإِثخان طاعة لله ولرسوله ﷺ . قال [¬٤] ابن أبي حاتم (٥٠٠): حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة؛ قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم؛ بئس ما صنعتم؛ ارجعوا، فسمع رسول الله ﷺ بذلك، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغوا [¬٥] حمراء الأسد -أو بئر أبي عيينة- الشك من سفيان- فقال المشركون: نرجع من قابل، فرجع رسول الله ﷺ ، فكانت تعد غزوة، فأنزل الله تعالى [¬٦]: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وروى [¬٧] ابن مردُويه (٥٠١) من حديث محمد بن منصور عن سفيان عن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس … فذكره.

стр. 1418

وقال محمد بن إسحاق (٥٠٢): كان يومُ أحد يوم السبت للنصف من شوّال، فلما كان الغد من يوم الأحد لستّ عشرة ليلةً مضت من شوال أذَّن مؤذن رسولِ الله ﷺ في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه: أن لا يخرجن [¬١] معنا أحد إلا من [¬٢] حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال: يا بُني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن؛ ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ علي نفسي، فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن؛ فأذن له رسول الله ﷺ فخرج معه؛ وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبًا للعدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة؛ وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم. [قال محمد] [¬٣] بن إسحاق (٥٠٣): فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان، أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ من بني عبد الأشهل، كان قد [¬٤] شهد أحدًا، قال: شهدنا أحدًا مع رسول الله ﷺ أنا وأخي فرجعنا جريحين؛ فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو قلت، لأخي -أو قال لي-: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ ؟ والله ما لنا من دابة نركبها؛ وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ ، وكنت أيسر جراحًا منه: فكان إذا غلب حملته عقبة؛ ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.

стр. 1419

وقال البخاري (٥٠٤): حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. الآية. قالت لعروة: يا بن أختي، كان أبواك منهم الزبير، وأبو بكر ﵄ لما أصاب نبي الله ﷺ ما أصابه يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: "من يرجع في أثرهم؟ " فانتدب منهم سبعون رجلًا، فيهم أبو بكر والزبير، ﵄. هكذا رواه البخاري منفردًا بهذا السياق، وهكذا: رواه الحاكم في مستدركه (٥٠٥)، عن الأصم، عن عباس الدوري، عن أبي النضر، عن أبي سعيد المؤدب، عن هشام بن عروة به. ثم قال صحيح الإِسناد [¬١] ولم يخرجاه. كذا [¬٢] قال: [وقد رواه الحاكم] [¬٣] أيضًا (٥٠٦) من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي [¬٤]، عن عروة، وقال: قالت لي عائشة: [يا بني] [¬٥] إن أباك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ورواه ابن ماجة (٥٠٧)، عن هشام بن عمار وهدية بن عبد الوهاب، عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة به، وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي في مسنده عن سفيان

стр. 1420

به. وقال [¬١] أبو بكر بن مردويه (٥٠٨): حدثنا عبد الله بن جعفر، من أصل كتابه، أنبأنا سمويه [¬٢]، أنبأنا عبد الله بن الزبير، أنبأنا سفيان، أنبأنا هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "إن كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح: أبو بكر والزبير، ﵄". ورفع هذا الحديث خطأ محض من جهة إسناده، لمخالفته رواية الثقات، من وقفه علي عائشة ﵂ كما قدمناه؛ ومن جهة معناه: فإن الزبير ليس هو من آباء عائشة، وإنما قالت ذلك عائشة لعروة بن الزبير لأنه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵃. وقال ابن جرير (٥٠٩): حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي، [حدثني عمي] [¬٣]، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعدما [¬٤] كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ : "إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفًا، وقد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب". وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى النبي ﷺ ، واشتد عليهم الذي أصابهم، وأن رسول الله ﷺ ندب [¬٥] الناس لينطلقوا معه، ويتبعوا ما كانوا متبعين، وقال: "إنما يرتحلون الآن فيأتون [¬٦] الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل". فجاء الشيطان يخوف [¬٧] أولياءه فقال: إن الناس قد جمعوا لكم، فأبى عليه الناس أن يتبعوه، وقال: "إني ذاهب وإن لم يَتْبَعْني أحد؛ لأحضض الناس". فانتدب [¬٨] معه الصديق وعمر وعثمان، وعلي

стр. 1421

والزبير، وسعد وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلًا، فساروا في طلب أبي سفيان فطلبوه، حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾. الآية. ثم قال ابن إسحاق (٥١٠): فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فأقام بها الإثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة، وقد مر به كما حدثني عبد الله بن أبي بكر معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله ﷺ بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئًا كان بها، ومعبد يومئذ كان مشركًا، فقال: يا محمد؛ أما والله لقد عز علينا ما أصابَك في أصحابِك، ولوددنا أن الله عافاك فيهم، ثم خرج ورسول الله ﷺ بحمراء الأسد، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا: أصبنا [محمدًا و] [¬١] أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟ لنكرّنّ على بقيتهم، [ثم لنفرغنّ] [¬٢] منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدًا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج [في أصحابه] [¬٣] يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقًا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شيء لم أو مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله، ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، ووالله لقد حملني ما رأيت علي أن قلت فيهم أبياتًا من شعر، قال: وما قلت؟ قال قلت: كَادَتْ تُهَدّ مِنَ الأصْواتِ رَاحِلَتِي … إِذ سَالتِ الأرْضُ بالجُردِ الأَبابيلِ ترْدى بأسدٍ كرامٍ لا تنابلة … عند اللقاءِ ولا ميل معازيل فَظلْتُ عدوًا أظنُّ الأرضَ مائلةً … لما سموا برئيسٍ غيرِ مخذولِ فقلتُ ويل ابن حرب من لقائِكمُ … إِذا تغطمطتِ البطحاءُ بالجيلِ إني نذيرٌ لِأَهلِ البَسْلِ ضاحيةً … لكلِّ ذي إربةٍ منهم ومعقولِ من جيش أحمد لا وخش تنابلة … وليس يوصف ما أنذرت بالقيل قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه.

стр. 1422

ومرّ به ركب من بني عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة؟ قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدا زبيبًا بعكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه، لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقالوا [¬١]: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ وذكر [¬٢] ابن هشام عن أبي عبيدة قال: قال رسول الله ﷺ حين بلغه رجوعهم: "والذي نفسي يده، لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب". وقال الحسن البصري (٥١١) في قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾: إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا، ورجعوا، فقال رسول الله ﷺ : "إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب [¬٣]، فمن ينتدب في طلبه؟ " فقام النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي ﷺ يطلبه، فلقي عيرًا من التجار، فقال: ردوا محمدًا ولكم من الجعل كذا وكذا، وأخبروهم أني قد جمعت لهم [¬٤] جموعًا، وأني [¬٥] راجع إليهم، فجاء التجار، فأخبروا رسول الله ﷺ بذلك، فقال النبي ﷺ : ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فأنزل الله هذه الآية، وهكذا قال عكرمة وقتادة وغير واحد: إن هذا السياق نزل في شأن غزو [¬٦] حمراء الأسد. وقيل: نزلت في بدر الموعد، والصحيح الأول، وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾. الآية. أي: الذين توعدهم الناس بالجموع [¬٧]، وخوفوهم بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك، بل توكلوا على الله، واستعانوا به، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وقال البخاري (٥١٢): حدثنا أحمد بن يونس-[أراه قال] [¬٨]:- حدثنا أبو بكر، عن أبي

стр. 1423

حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، قالها إبراهيم [﵇] حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين ﴿[قَال لَهُمُ النَّاسُ] [¬١]: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وقد رواه النسائي (٥١٣) عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، وهارون بن عبد الله، كلاهما عن يحيى بن أبي بكير، عن أبي بكر- وهو ابن عيَّاش به. والعجب أن الحاكم [أبا عبد الله] [¬٢] رواه من حديث أحمد بن يونس به، ثم قال: صحيح الإسناد [¬٣] على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ثم رواه البخاري (٥١٤) عن أبي غسان مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: قال: كان آخر قول إبراهيم- ﵇ - حين ألقي في النار ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وقال عبد الرزاق (٥١٥): قال ابن عيينة، وأخبرني زكريا، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، وقال [¬٤]: هي كلمة إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار [¬٥]. رواه ابن جرير. وقال أبو بكر بن مردُويه (٥١٦): حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن موسى الثوري،

стр. 1424

أخبرنا عبد الرحيم بن محمد بن زياد السكري، أنبأنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قيل له يوم أحد: إن الناس قد جمعوا لكم، فاخشوهم، فأنزل الله هذه الآية وروى [¬١] أيضًا بسنده (٥١٧)، عن محمد بن عبيد الله الرافعي، عن أبيه، عن جده أبي رافع، أن النبي ﷺ : وجه عليّا في نفر معه، في طلب أبي [¬٢] سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة، فقال: إن القوم قد جمعوا لكم، فقالوا [¬٣]: حسبنا الله ونعم الوكيل، فنزلت فيهم هذه الآية. ثم قال ابن مردويه (٥١٨)، حدثنا دعلج بن أحمد، أخبرنا الحسن بن سفيان، أنبأنا أبو خيثمة ابن [¬٤] مصعب بن سعيد، أنبأنا موسى بن أعين، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ". هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد قال الإِمام أحمد (٥١٩): حدثنا حيوة بن شريح،

стр. 1425

وإبراهيم بن أبي العباس، قالا: حدثنا بقية [¬١]، حدثنا بحير بن سعد [¬٢]، عن خالد بن معدان، عن سيف، عن عوف بن مالك، أنه حدثهم: أن النبي ﷺ قضى بين رجلين؛ فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي [¬٣]، ﷺ : "ردّوا عليّ الرجل". فقال: "ما قلت؟ " قال: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي ﷺ : "إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل". وكذا رواه أبو داود، والنسائي من حديث بقية، عن بحير عن خالد، عن سيف وهو الشامي ولم ينسب عن عوف بن مالك، عن النبي ﷺ بنحوه. وقال الإمام أحمد (٥٢٠): حدثنا أسباط، حدثنا مطرف، عن عطية، عن ابن عباس [في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾] [¬٤] قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنعم وصاحب القرن، قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع [¬٥] متى يؤمر فينفخ". فقال أصحاب [رسول الله] [¬٦] ﷺ فما نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا". وقد روي هذا من غير وجه، وهو حديث جيد، [وقد روينا] [¬٧] عن أم المؤمنين عائشة، وزينب [بنت جحش] [¬٨] ﵄ أنهما تفاخرتا [¬٩]، فقالت زينب: زوجني الله،

стр. 1426

وزوجكن أهاليكن، وقالت: عائشة: نزلت براءتي من السماء في القرآن؛ فسلمت لها زينب، ثم قالت: كيف قلت حين ركبت راحلة صفوان بن المعطل، قالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، قالت [¬١] زينب: قلت كلمة المؤمنين (٥٢١). ولهذا قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي: لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمهم، ورد عنهم بأس من أراد كيدهم، فرجعوا إلى بلدهم، ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ مما أضمر لهم عدوهم، ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. وقال البيهقي (٥٢٢): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا [¬٢] أبو بكر بن داود الزاهد، حدثنا محمد بن نعيم، حدثنا بشر بن الحكم، حدثنا مبشر بن عبد الله بن رزين، حدثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾، قال: النعمة أنهم سلموا، والفضل أنّ عيرًا مرت وكان في أيام الموسم، فاشتراها رسول الله ﷺ ، فربح فيها مالًا، فقسمه بين أصحابه. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في [قول الله تعالى] [¬٣]: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ قال: هذا [¬٤] أبو سفيان، قال لمحمد ﷺ : موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فقال محمد ﷺ : "عسى"، فانطق رسول الله ﷺ ، لموعده حتى نزل بدرًا، فوافقوا السوق فيها وابتاعوا، فذلك قول الله : ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ الآية، قال: وهي غزوة بدر الصغرى. رواه ابن جرير (٥٢٣)، وروى أيضًا عن القاسم (٥٢٤)، عن الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج، قال: لما عمد [¬٥] رسول الله ﷺ لموعد أبي سفيان، فجعلوا يلقون [¬٦] المشركين

стр. 1427

فيسألونهم عن قريش؛ فيقولون: قد جمعوا لكم. يكيدونهم بذلك، يريدون أن يرهبوهم [¬١]، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى قدموا بدرًا، فوجدوا أسواقها عافية، لم ينازعهم فيها أحد، قال: فقدم [¬٢] رجل من المشركين، فأخبر أهل مكة بخيل محمد، وقال في ذلك: نفرت قلوصي من خيول محمد … وعجوةٍ منثورة كالعنجد واتخذت ماء قديد موعدي ثم قال ابن جرير: هكذا أنشدنا القاسم، وهو خطأ، وإنما هو: قد نفرت من رفقتي محمد … وعجوة من يثرب كالعنجد تهوي على دين أبيها الأتلد … قد جعلتْ ماء قديد موعدي وماء ضجنان لها ضحى الغد ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [أي: يخوفكم أولياءه] [¬٣]، ويوهمكم أنهم ذوو [¬٤] بأس وذوو [¬٥] شدة، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا سول لكم، وأوهمكم [¬٦] فتوكلوا عليّ والجئوا إليّ؛ فإني كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾، إلى قوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيطَانِ إِنَّ كَيدَ الشَّيطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾. وقال: تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا

стр. 1428

نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ وذلك من شدة حرصه على الناس، كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة، والعناد، والشقاق، فقال تعالى، لا يحزنك ذلك ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: حكمته فيهم أي يريد بمشيئته وقدرته، أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ثم قال تعالى، مخبرًا عن ذلك إخبارًا مقررًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾، أي: استبدلوا هذا بهذا ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا﴾، أي: ولكن يضرون أنفسهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ [¬١] الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ [¬٢] لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، كقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وكقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وكقوله ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ [¬٣] وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ [أَنْ يُعَذِّبَهُمْ] [¬٤] بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي: لا بد أن يعقد سببًا من المحنة، يظهر فيه وليّه، ويفتضح فيه عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر، يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم، وصبرهم، وجلدهم، وثباتهم [¬٥] وطاعتهم لله ورسوله [¬٦] ﷺ وهتك به أستار [¬٧] المنافقين، فظهر

стр. 1429

مخالفتهم [¬١]، ونكولهم عن الجهاد، وخيانتهم لله: ولرسوله ﷺ . ولهذا قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. قال مجاهد: ميز بينهم يوم أحد، وقال قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة، وقال [¬٢] السدي: قالوا: إن كان محمد صادقًا فليخبرنا عمن يؤمن به منا، ومن يكفر به [¬٣] فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ [حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي] [¬٤]: حتى يخرج المؤمن من الكافر. روى ذلك كله ابن جرير (٥٢٥). ثم [¬٥] قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ﴾ أي: أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه، حتى يميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك. ثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ الآية. ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، أي: أطيعوا الله، ورسوله، واتبعوه فيما شرع لكم، ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ أي: لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه، بل هو مضرة عليه في دينه، وربما كان في [¬٦] دنياه. ثم أخبر بمآل أمر ماله [¬٧] يوم القيامة، فقال: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقال البخاري (٥٢٦): حدَّثنا عبد الله بن منير [¬٨]، سمع أبا النضر، حدَّثنا عبد الرحمن هو -ابن

стр. 1430

عبد الله بن دينار عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلِهْزمَتَيهْ [¬١]-يعني بشدقيه- يقول: أنا مالك، أنا كنزك"، ثم تلا هذه الآية ﴿[وَلَا يَحْسَبَنَّ] [¬٢] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ [مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ إلى آخر] [¬٣] الآية. تفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه ابن حبان في صحيحه (٥٢٧)، من طريق الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح به. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٥٢٨): حدثنا حجين بن المثني، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر [¬٤]، عن النبي ﷺ ، قال: "إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله له ماله يوم القيامة، شجاعًا أقرع، له زبيبتان ثم يلزمه يطوقه [¬٥] يقول: أنا كنزك، أنا كنزك" وهكذا رواه النسائي، عن الفضل [¬٦] بن سهل، عن أبي [النضر هاشم] [¬٧] بن القاسم، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة به، ثم قال النسائي: ورواية عبد العزيز، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر- أثبت من رواية عبد الرحمن [¬٨]، عن أبيه [عبد الله] [¬٩] بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.

стр. 1431

(قلت): ولا منافاة [بين الروايتين] [¬١]، فقد يكون عند عبد الله بن دينار من [¬٢] الوجهين، والله أعلم، وقد ساقه الحافظ أبو بكر بن مردويه من غير وجه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ومن حديث محمد بن أبي حميد، عن زياد الخطمي، عن أبي هريرة- به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٥٢٩): حدثنا سفيان، عن جامع، عن أبي وائل، عن عبد الله عن النبي ﷺ ؛ قال: "ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله؛ إلا جعل له شجاع أقرع، يتبعه يفر منه، وهو يتّبعه فيقول: أنا كنزك"، ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة، عن جامع بن أبي راشد، زاد الترمذي: وعبد الملك بن أعين [¬٣] كلاهما، عن أبي وائل شقيق بن سلمة [¬٤]، عن عبد الله بن مسعود به، وقال [¬٥] الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه (٥٣٠)، من حديث أبي بكر بن عياش وسفيان الثوري، كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي وائل، عن ابن مسعود به، ورواه ابن جرير من غير وجه عن ابن مسعود موقوفًا.

стр. 1432

(حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى (٥٣١): حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: "من ترك بعده كنزًا مثل له شجاعًا أقرع يوم القيامة، له زبيبتان يتبعه، فيقول [¬١]: من أنت؟ ويلك- فيقول: أنا كنزك الذي خلّفت بعدك؛ فلا يزال يتبعة حتى يلقمه يده فيقضمها ثم يتبع سائر جسده"، إسناده جيد قوي ولم يخرجوه. وقد رواه الطبراني (٥٣٢) عن جرير بن عبد الله البجلي، ورواه ابن جرير وابن مردويه (٥٣٣) من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ ؛ قال: "لا يأتي الرجل مولاه

стр. 1433

فيسأله من فضل ماله عنده، فيمنعه إياه، إلا دعي له يوم القيامة شجاعًا، يتلمظ فضله الذي منع" لفظ ابن جرير. وقال ابن جرير (٥٣٤): حدثنا ابن المثني، حدثنا [¬١] عبد الأعلى، حدثنا داود، عن أبي قزعة [¬٢]، عن رجل، عن النبي ﷺ ، قال: "ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل، جعله الله عنده، فيبخل به عليه [¬٣]، إلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوّقه". ثم رواه من طريق أخرى، عن أبي قزعة واسمه حجير [¬٤] بن بيان عن أبي مالك العبدي موقوفًا، ورواه من وجه آخر عن أبي قزعة مرسلًا.

стр. 1434

وقال [¬١] العوفي عن ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها، رواه ابن جرير (٥٣٥)، والصحيح الأول، وإن دخل هذا في معناه، وقد يقال: إن هذا [¬٢] أولى بالدخول، والله [ ] أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: فأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، فإن الأمور كلها مرجعها إلى الله . فقدموا لكم [¬٣] من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بنياتكم وضمائركم. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَينَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربك فسأل عباده القرض؟ فأنزل الله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ الآية، رواه ابن مردويه وابن أبي حاتم (٥٣٦). وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أنه حدثه عن ابن عباس ﵄ قال: دخل أبو بكر الصديق ﵁ بيت المدارس [¬٤]، فوجد من

стр. 1435

يهود ناسًا [¬١] كثيرة قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له [¬٢]: أشيع، فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص؛ اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدًا رسول [من عند] [¬٣] الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإِنجيل. فقال فنحاص: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيًّا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا [ويُعطناه، ولو كان غنيًّا ما أعطانا الربا] [¬٤]، فغضب أبو بكر ﵁ فضرب وجه فنحاص ضربًا شديدًا؛ وقال: والذي نفسي بيده، لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدوّ الله، فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: يا محمد، أبصر ما صنع بي صاحبك، فقال، رسول الله ﷺ : "مما حملك على ما صنعت يا أبا بكر" فقال: يا رسول الله؛ إن عدوّ الله قد [¬٥] قال قولًا عظيمًا؛ يزعم [¬٦] أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت: جهه، فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله فيما قال فنحاص ردًّا عليه [¬٧] وتصديقًا لأبي بكر: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية. رواه ابن أبي حاتم (٥٣٧). وقوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ تهديد ووعيد، ولهذا قرنه تعالى بقوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، أي: هذا قولهم في الله؛ وهذه معاملتهم لرسل الله، وسيجزيهم الله على ذلك شر الجزاء؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا وتصغيرًا. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ يقول تعالى [تكذيبًا لهؤلاء] [¬٨] الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم أن لا يؤمنوا

стр. 1436

لرسول [¬١]؛ حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته، فتقبلت [¬٢] منه، أن تنزل نار من السماء تأكلها؛ قاله ابن عباس والحسن وغيرهما. قال الله [ ] [¬٣]: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾، أي: بالحجج والبراهين، ﴿وبالذي قلتم﴾، أي: وبنار تأكل القرابين المتقبلة، ﴿فلم قتلتموهم﴾، أي: فلم قابلتموهم [¬٤] بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم ﴿إن كنتم صادقين﴾ أنكم تتبعون الحق، وتنقادون للرسل. ثم قال تعالى مسليًا لنبيه ﷺ : ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [أي: لا يوهنك] [¬٥] تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة بمن قبلك من الرسل الذين كُذبوا مع ما جاءوا به من البينات، وهي الحُجج والبراهين القاطعة ﴿والزبر﴾، وهي الكتب المتلقاة من السماء، كالصحف المنزلة على المرسلين ﴿والكتاب المنير﴾ أي: البين الواضح الجلي. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ يخبر تعالى إخبارًا عامًّا يعم جميع الخليقة، بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة. وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولًا، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس؛ فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدّة، [وفرغت النطفة] التي قدّر الله وجودها من صلب آدم، وانتهت البرية، أقام الله القيامة، وجازى الخلائق بأعمالها جليلها [وحقيرها، قليلها وكثيرها، كبيرها وصغيرها،] [¬٦] فلا يظلم أحدًا مثقال ذرّة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وإنما

стр. 1437

تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال [¬١] ابن أبي حاتم (٥٣٨): حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز الأويسي، حدثنا [علي بن أبي علي اللهبي، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن] [¬٢] علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما تُوفي النبي ﷺ : وجاءت التعزية، جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا؛ فإن المصاب [¬٣] من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته". قال جعفر بن محمد: فأخبرني أبي، أن علي بن أبي طالب قال: أتدرون [¬٤] من هذا؟ هذا الخضر ﵇. وقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، [أي: من جنب النار، ونجا منها وأدخل الجنة، فقد فاز] [¬٥] كل الفوز.

стр. 1438

قال ابن أبي حاتم (٥٣٩): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ اقرءوا إن شئتم ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾. هذا حديث ثابت في الصحيحين (٥٤٠) من غير هذا الوجه بدون هذه الزيادة. وقد [رواه بهذه] [¬١] الزيادة أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن عمرو. هذا ورواه [¬٢] ابن مردويه من وجه آخر (٥٤١) فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، أنبأنا حميد بن مسعدة، أنبأنا عمرو بن علي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما

стр. 1439

فيها" ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾. وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ما رواه الإمام أحمد (٥٤٢) عن وكيع [بن الجراح في تفسيره] [¬١]، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحب أن يزحزح عن النار وأن [¬٢] يدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه". [وقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن وكيع به، وقوله تعالى] [¬٣]: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ تصغير لشأن الدنيا، وتحقير لأمرها، وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة، كما قال تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾، وقال تعالى: ﴿وما [¬٤] أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها، وما عند الله خير وأبقى﴾، وفي الحديث (٥٤٣): " والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بما [¬٥] ترجع إليه". وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ قال [¬٦]: [هي متاع] [¬٧] متروكة، أوشكت والله الذي لا إله إلا هو أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم، ولا قوّة إلا بالله. وقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾، كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ إلى آخر الآيتين. أي: لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن [¬٨] على قدر دينه؛ فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء، ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسليًّا لهم عما ينالهم [¬٩]

стр. 1440

من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمرًا لهم بالصفح والصبر والعفو حتى يفرج الله، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. قال [¬١] ابن أبي حاتم (٥٤٤): حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير؛ أن أسامة بن زيد أخبره؛ قال: كان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ قال: وكان رسول الله ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم. هكذا ذكره [¬٢] مختصرًا. وقد ذكره [¬٣] البخاري (٥٤٥) عند تفسير هذه الآية مطولًا، فقال: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد حدّثه [¬٤] أن رسول الله ﷺ ركب على حمار عليه قطفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة ببني [¬٥] الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال [¬٦]: حتى مر [على مجلس] [¬٧] فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم [عبد الله] [¬٨] بن أبي، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان و [أهل الكتاب] [¬٩] اليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله ﷺ ، ثم وقف، فنزل ودعاهم [¬١٠] إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقًّا، فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن
следующие страницы →