← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

لرسول [¬١]؛ حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته، فتقبلت [¬٢] منه، أن تنزل نار من السماء تأكلها؛ قاله ابن عباس والحسن وغيرهما. قال الله [ ] [¬٣]: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾، أي: بالحجج والبراهين، ﴿وبالذي قلتم﴾، أي: وبنار تأكل القرابين المتقبلة، ﴿فلم قتلتموهم﴾، أي: فلم قابلتموهم [¬٤] بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم ﴿إن كنتم صادقين﴾ أنكم تتبعون الحق، وتنقادون للرسل. ثم قال تعالى مسليًا لنبيه ﷺ : ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [أي: لا يوهنك] [¬٥] تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة بمن قبلك من الرسل الذين كُذبوا مع ما جاءوا به من البينات، وهي الحُجج والبراهين القاطعة ﴿والزبر﴾، وهي الكتب المتلقاة من السماء، كالصحف المنزلة على المرسلين ﴿والكتاب المنير﴾ أي: البين الواضح الجلي. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ يخبر تعالى إخبارًا عامًّا يعم جميع الخليقة، بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة. وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولًا، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس؛ فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدّة، [وفرغت النطفة] التي قدّر الله وجودها من صلب آدم، وانتهت البرية، أقام الله القيامة، وجازى الخلائق بأعمالها جليلها [وحقيرها، قليلها وكثيرها، كبيرها وصغيرها،] [¬٦] فلا يظلم أحدًا مثقال ذرّة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وإنما

стр. 1437

تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال [¬١] ابن أبي حاتم (٥٣٨): حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز الأويسي، حدثنا [علي بن أبي علي اللهبي، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن] [¬٢] علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما تُوفي النبي ﷺ : وجاءت التعزية، جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا؛ فإن المصاب [¬٣] من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته". قال جعفر بن محمد: فأخبرني أبي، أن علي بن أبي طالب قال: أتدرون [¬٤] من هذا؟ هذا الخضر ﵇. وقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، [أي: من جنب النار، ونجا منها وأدخل الجنة، فقد فاز] [¬٥] كل الفوز.

стр. 1438

قال ابن أبي حاتم (٥٣٩): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ اقرءوا إن شئتم ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾. هذا حديث ثابت في الصحيحين (٥٤٠) من غير هذا الوجه بدون هذه الزيادة. وقد [رواه بهذه] [¬١] الزيادة أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن عمرو. هذا ورواه [¬٢] ابن مردويه من وجه آخر (٥٤١) فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، أنبأنا حميد بن مسعدة، أنبأنا عمرو بن علي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما

стр. 1439

فيها" ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾. وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ما رواه الإمام أحمد (٥٤٢) عن وكيع [بن الجراح في تفسيره] [¬١]، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحب أن يزحزح عن النار وأن [¬٢] يدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه". [وقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن وكيع به، وقوله تعالى] [¬٣]: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ تصغير لشأن الدنيا، وتحقير لأمرها، وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة، كما قال تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾، وقال تعالى: ﴿وما [¬٤] أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها، وما عند الله خير وأبقى﴾، وفي الحديث (٥٤٣): " والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بما [¬٥] ترجع إليه". وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ قال [¬٦]: [هي متاع] [¬٧] متروكة، أوشكت والله الذي لا إله إلا هو أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم، ولا قوّة إلا بالله. وقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾، كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ إلى آخر الآيتين. أي: لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن [¬٨] على قدر دينه؛ فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء، ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسليًّا لهم عما ينالهم [¬٩]

стр. 1440

من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمرًا لهم بالصفح والصبر والعفو حتى يفرج الله، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. قال [¬١] ابن أبي حاتم (٥٤٤): حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير؛ أن أسامة بن زيد أخبره؛ قال: كان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ قال: وكان رسول الله ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم. هكذا ذكره [¬٢] مختصرًا. وقد ذكره [¬٣] البخاري (٥٤٥) عند تفسير هذه الآية مطولًا، فقال: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد حدّثه [¬٤] أن رسول الله ﷺ ركب على حمار عليه قطفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة ببني [¬٥] الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال [¬٦]: حتى مر [على مجلس] [¬٧] فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم [عبد الله] [¬٨] بن أبي، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان و [أهل الكتاب] [¬٩] اليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله ﷺ ، ثم وقف، فنزل ودعاهم [¬١٠] إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقًّا، فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن

стр. 1441

رواحة ﵁ بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي ﷺ دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي ﷺ : "يا سعد، ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب" يريد عبد الله بن أبي، قال كذا وكذا، فقال سعد: يا رسول الله؛ اعف عنه واصفح [¬١]، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاءك [¬٢] الله بالحق الذي نزل [¬٣] عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه [¬٤] بالعصابة، فلما أبي الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك، فذاك الذي فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ] [¬٥]﴾ الآية وكان النبي ﷺ يتأوّل في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله له [¬٦] فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرًا فقتل الله به [¬٧] صناديد كفار قريش، قال عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فبايعوا الرسول [¬٨] ﷺ على الإسلام، فبايعوا وأسلموا. فكل [¬٩] من قام بحق، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، فلابدّ أن يؤذى، فما له دواء إلا الصبر في الله، والاستعانة بالله، والرجوع إلى الله، . ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾

стр. 1442

هذا توبيخ من الله، وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، وأن ينوهوا بذكره في الناس، فيكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا [¬١] عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف [¬٢]، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم. وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا [¬٣] مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسلكهم. فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا [¬٤] منه شيئًا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي ﷺ أنه قال: "من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار" (٥٤٦). وقوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ [¬٥] الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية، يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيح (٥٤٧) عن النبي ﷺ : "من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها؛ لم يزده الله إلا قلة"، وفي [الصحيحين (٥٤٨) [أيضًا] [¬٦]: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور". وقال الإِمام أحمد (٥٤٩): حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة، أن حميد

стр. 1443

ابن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن مروان قال: اذهب يا رافع -لبوابه- إلى ابن عباس، ﵁ فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا؛ لنعذبن أجمعون [¬١]. فقال ابن عباس: ما لكم وهذه؟ إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [ثم تلا] [¬٢] ابن عباس: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ [¬٣] الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية. وقال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد [¬٤] أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما [أتوا من كتمانهم إيَّاه ما سألهم عنه] [¬٥]. وهكذا رواه البخاري في التفسير ومسلم، والترمذي والنسائي في تفسيريهما [¬٦]، وابن أبي حاتم، وابن جرير، والحاكم في مستدركه وابن مردويه، كلهم من حديث عبد الملك بن جريج بنحوه. ورواه البخاري (٥٥٠) أيضًا [¬٧] من حديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن علقمة بن وقاص؛ أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فذكره. وقال البخاري (٥٥١): حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا محمد بن جعفر، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجالًا من المنافقين [على

стр. 1444

عهد رسول الله ﷺ ] [¬١] كان إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ ، فإذا قدم رسول الله ﷺ من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية. وكذا رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم بنحوه، وقد رواه ابن مردويه (٥٥٢) في تفسيره من حديث الليث بن سعد عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم؛ قال: كان [¬٢] أبو سعيد ورافع بن خديج [¬٣] وزيد بن ثابت عند مروان فقال: يا أبا سعيد، أرأيت [¬٤] قوله [¬٥] تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ ونحن نفرح بما أتينا [¬٦]، نحب أن نحمد بما لم نفعل؟ فقال أبو سعيد: إن هذا ليس من ذاك، إنما [¬٧] ذلك أن ناسًا من المنافقين كانوا يتخلفون إذا بعث رسول الله ﷺ ، فإن كان فيهم نكبة فرحوا بتخلفهم، وإن كان لهم نصر [من الله وفتح] [¬٨] حلفوا لهم ليرضوهم ويحمدوهم على سرورهم بالنصر والفتح، فقال مروان: أين هذا من هذا؟ فقال أبو سعيد: وهذا يعلم هذا؟ [فقال مروان:] [¬٩] أكذلك يا زيد؟ قال: نعم، صدق أبو سعيد. ثم قال أبو سعيد؟ وهذا يعلم ذاك -يعني رافع بن خديج [¬١٠]- ولكنه يخشى إن أخبرك أن تنزع قلائصه في الصدقة، فلما خرجوا قال زيد لأبي سعيد الخدري: ألا تحمدني على [ما شهدت] [¬١١] لك؟ فقال له أبو سعيد: شهدت الحق، فقال زيد: أو لا تحمدني على ما شهدت الحق؟ ثم رواه من حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن رافع بن خديج [¬١٢]، أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان بن الحكم، وهو أمير على [¬١٣] المدينة، فقال مروان: يا رافع، في أي شيء نزلت هذه الآية؛ فذكره كما تقدم عن أبي سعيد ﵃، وكان مروان يبعث بعد

стр. 1445

ذلك يسأل ابن عباس كما تقدم؟ فقال له ما ذكرناه. ولا منافاة بين ما ذكره ابن عباس وما قاله هؤلاء لأن الآية عامة في جميع ما ذكر، والله أعلم. وقد روى ابن مردويه (٥٥٣) أيضًا [¬١] من حديث محمد بن أبي [¬٢] عتيق وموسى بن عقبة عن الزهري، عن محمد بن ثابت الأنصاري، أن ثابت بن قيس الأنصاري، قال: يا رسول الله، والله لقد خشيت أن أكون هلكت، قال: "لم؟ " قال: نهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل، وأجدني أحب الحمد، ونهى الله عن الخيلاء، وأجدني أحب الجمال، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا امرؤ جهير [¬٣] الصوت، فقال رسول الله ﷺ : "أما ترضى أن تعيش حميدًا [¬٤] وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة" فقال [¬٥]: بلى يا رسول الله، فعاش [¬٦] حميدًا، وقتل شهيدًا يوم مسيلمة الكذاب. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [يقرأ بالتاء] [¬٧] على مخاطبة المفرد، وبالياء علن الإخبار عنهم أي: لا تحسب [¬٨] أنهم ناجون من العذاب؛ بل لا بد لهم منه، ولهذا

стр. 1446

قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: هو مالك كل شيء، والقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء، فهالوه ولا تخالفوه، واحذروا غضبه ونقمته، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه، القدير الذي لا أقدر منه. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ قال الطبراني (٥٥٤): حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدَّثنا يحيى الحماني، حدَّثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: بم جاءكم موسى؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين. وأتوا النصارى، فقالوا: كيف كان عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى فأتوا النبي ﷺ فقالوا: ادع [الله أن] [¬١] يجعل لنا الصفا ذهبًا، فدعا ربه فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ فليتفكروا فيها.

стр. 1447

وهذا مشكل، فإن هذه الآية مدنية، وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبًا كان بمكة، والله أعلم. ومعنى الآية [أن الله تعالى يقول] [¬١]: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها، وكثافتها واتضاعها، وما فيهما [¬٢] من الآيات المشاهدة العظيمة [كواكب سيارات] [¬٣]، وثوابت، وبحار، وجبال، وقفار، وأشجار، ونبات، وزروع، وثمار، وحيوان، ومعادن، ومنافع مختلفة الألوان، والطعوم، والروائح، والخواص ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما، وتقارضهما [¬٤] الطول والقصر. فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرًا، ويقصر الذي كان طويلًا، وكل ذلك تقدير العزيز الحكيم، ولهذا قال تعالى: ﴿لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: العقول التامة الزكية، التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها [¬٥]. وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون، الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، كما ثبت في [صحيح البخاري] [¬٦] عن عمران بن حصين (٥٥٥) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبك". أي لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم، بسرائرهم، وضمائرهم، وألسنتهم، ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق، وقدرته وعلمه، وحكمته، واختياره، ورحمته. وقال الشيخ أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء، إلا رأيت لله علي فيه نعمة، ولي فيه عبرة. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل والاعتبار. وعن [¬٧] الحسن البصري أنه قال: تفكر ساعةٍ خير من قيام ليلة. وقال الفضيل: قال الحسن:

стр. 1448

الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك. وقال سفيان بن عيينة: الفكرة نور يدخل قلبك، وربما تمثل بهذا البيت: إذا المرء كانت له فكرة … ففي كل شيء له عبرة وعن عيسى ﵇ أنه قال: طوبى لمن كان قيلُه تذكرًا، وصمته تفكرًا، ونظره عبرًا. و [¬١] قال لقمان الحكيم: إن طول الموحدة ألهم للفكرة، وطول الفكرة دليل على طرق باب الجنة. وقال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرئ قطٌّ إلا فهم، وما [¬٢] فهم امرؤ قطٌّ إلا علم، وما علم امرؤ قطٌّ إلا عمل. وقال عمر بن عبد العزير: الكلام بذكر الله حسن، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة. وقال مغيث الأسود: زوروا القبور كل يوم تفكركم؛ وشاهدوا الموقف بقلوبكم وانظروا إلى المنصرف كالفريقين: إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها. وكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعًا من بين أصحابه، قد ذهب عقله. وقال عبد الله بن المبارك: مر رجل براهب عند مقبرة ومزبلة، فناداه فقال: يا راهب؛ أن عندك كنزين من كنوز الدنيا، لك فيهما معتبر: كنزَ الرجال وكنزَ الأموال. وعن ابن عمر: أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة، فيقف على بابها فينادي بصوت حزين فيقول: أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾. وعن [¬٣] ابن عباس أنه قال: ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة، والقلب ساهٍ. وقال الحسن البصري: في بن آدم كل في ثلث بطنك؛ واشرب في ثلثه؛ ودع ثلثه الآخر تتنفس للفكرة. وقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة؛ انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة.

стр. 1449

وقال بشر بن الحارث الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه، وقال الحسن، عن عامر بن عبد قيس قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي، ﷺ يقولون: إن ضياء الإِيمان، أو نور الإِيمان التفكر. وعن [¬١] عيسى ﵇ أنه قال: يا بن آدم الضعيف اتق الله حيثما كنت، وكن في الدنيا ضيفًا، واتخذ الساجد بيتًا، وعلم عينيك البكاء، وجسدك الصبر، وقلبك الفكر، ولا تهتم برزق غد. وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁: أنه بكى يومًا بين أصحابه، فسئل عن ذلك؟ فقال: فكرت في الدنيا ولذاتها، وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر، إن فيها مواعظ لمن ادّكر. وقال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن: نزهة المؤمن الفِكَرُ … لذةُ المؤمن العِبَر نحمد الله وحدَهُ … نحن كلٌّ على خطر رُبَّ [¬٢] لاهٍ وعمره … قد تقضَّى وما شعر ربَّ عيشٍ قد كان فَوْ … قَ المنُى مونق الزهر في خريرٍ من العيو … ن وظلٍ من الشجر وسرور من النبا … تِ وطيب من الثمر غيرته وأهلَه … سرعة الدهر بالغير نحمد الله وحده … إن في ذا لمعتبر [إن في ذا لعبرةً] [¬٣] … للبيب إن اعتبر وقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على [ذاته و] [¬٤] صفاته، وشرعه، وقدره، وآياته، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ومدح عباده المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، أي: ما خلقت هذا الخلق عبثًا، بل بالحق لتجزي [¬٥] الذين أساءوا بما عملوا،

стр. 1450

وتجزي [¬١] الذين أحسنوا بالحسنى، ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، أي: عن أن تخلق شيئًا باطلًا، ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، أي: يا من خلق الخلق بالحق والعدل، يا من هو منزه عن النقائص، والعيب، والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك، و [¬٢] قيضنا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجبرنا به من عذابك الأليم. ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيتَهُ﴾، أي: أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي؛ يوم القيامة، لا مجير منك، ولا محيد لهم عما أردت بهم، ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ أي: داعيا يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول ﷺ ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾، أي يقول: آمنوا بربكم فآمنا، أي: فاستجبنا له، واتبعناه، ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، أي: بإيماننا واتباعنا نبيك فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها، ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ أي [¬٣]: فيما بيننا وبينك، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾، أي: ألحقنا بالصالحين، ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾، [قيل: معناه على الإيمان برسلك: وقيل: معناه على ألسنة رسلك] [¬٤]، وهذا أظهر. وقد قال الإمام أحمد (٥٥٦): حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمر [¬٥] بن محمد، عن أبي عقال، عن أنس بن مالك [﵁] [¬٦] قال: قال رسول الله ﷺ : "عسقلان أحد العروسين يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفًا لا حساب عليهم، ويبعث منها خمسين ألفًا [شهداء وفودًا] [¬٧] إلى الله، وبها صفوف الشهداء، رءوسهم مقطعة في أيديهم، تثج أوداجهم دمًا يقولون: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ فيقول الله [¬٨]: صدق عبيدي، اغسلوهم بنهر البيضة،

стр. 1451

فيخرجون منه نقاء بيضًا، فيسرحون في الجنة حيث شاءوا"، وهذا الحديث يعد من غرائب المسند، ومنهم من يجعله موضوعًا، والله أعلم. ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: على رءوس الخلائق، ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرت عنه رسلك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك. وقد قال الحافظ أبو يعلى (٥٥٧): حدثنا [الحافظ أبو سُريج] [¬١]، حدثنا المعتمر، حدثنا الفضل بن عيسى، حدثنا محمد بن المنكدر، أن جابر بن عبد الله حدثه: أن رسول الله ﷺ قال: "العار والتخزية تبلغ [¬٢] من ابن آدم في القيامة، في المقام بين يدي الله ، ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار"، حديث غريب. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران، إذا قام من الليل لتهجده، فقال البخاري ﵀ (٥٥٨): حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، حدَّثنا محمد بن جعفر،

стр. 1452

أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نمر [¬١]، عن كريب، عن ابن عباس ﵄ قال: بتُّ عند خالتي ميمونة، فتحدّث رسول الله ﷺ [مع أهله] [¬٢] ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر، قعد فنظر إلى السماء فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ الآيات [¬٣]، [ثم قام فتوضأ واستن، ثم صلى] [¬٤] إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح. وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن إسحاق الصنعاني، عن ابن [¬٥] أبي مريم به، ثم قال: [¬٦] رواه البخاري من طرق (٥٥٩): عن مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، أن [¬٧] ابن عباس أخبره [¬٨] أنه بات عند ميمونة زوج النبي ﷺ وهي خالته قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ حتى إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل استيقظ رسول الله ﷺ من منامه، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر آيات الخواتيم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شنٍّ (٨) معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي، قال ابن عباس [﵄: فقمت] [¬٩] فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ ، يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى [¬١٠] يفتلها [¬١١]، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، [ثم ركعتين] [¬١٢] ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح.

стр. 1453

وهكذا أخرجه بقية الجماعة (٥٦٠) من طرق عن مالك به. ورواه مسلم أيضًا، وأبو داود من وجوه أُخر، عن مخرمة بن سليمان به. (طريق أخرى) لهذا الحديث عن ابن عباس ﵄: قال أبو بكر بن مردويه (٥٦١)، حدَّثنا محمد بن أحمد بن محمد بن علي، حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة أنبأنا خلاد بن يحيى، أنبأنا يونس بن [¬١] أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس قال: أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله ﷺ وأحفظ صلاته، قال: فصلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة العشاء الآخرة، حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيري، قام فمر بي، فقال: من هذا؟ عبد الله؟ قلت [¬٢]: نعم؛ قال: فمه؟ قلت: أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة، قال: "فالحق الحق"، فلما أن [¬٣] دخل قال: افرشن عبد الله؟ قال [¬٤]: فأتى بوسادة من مسوح، قال: فنام رسول الله ﷺ عليها حتى سمعت غطيطه (٤)، ثم استوى على فراشه قاعدًا، قال: فرفع رأسه إلى السماء، فقال [¬٥]: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها. وقد روى مسلم، وأبو داود، والنسائي من حديث علي بن عبد الله بن عباس، [عن

стр. 1454

أبيه] [¬١] حديثًا في ذلك أيضًا (٥٦٢). (طريق [¬٢] أخرى) رواها ابن مردويه (٥٦٣)، من حديث عاصم بن بهدلة، عن بعض أصحابه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، أن رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة بعدما مضى ليل، فنظر إلى السماء، وتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [إلى آخر السورة] [¬٣]. ثم قال: "اللَّهم؛ اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وعن [¬٤] يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن بين يدي نورًا، ومن خلفي نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتى نورًا، وأعظم لي نورًا يوم القيامة". وهذا الدعاء ثابت في بعض طرق الصحيح (٥٦٤) من رواية كريب، عن ابن عبَّاس ﵁. ثم روى ابن مردويه وابن أبي حاتم (٥٦٥)، من حديث جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، قال: أتت قريش اليهود، فقالوا: بم جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده البيضاء للناطرين، وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ فقالوا [¬٥]: كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، فأتوا النبي ﷺ من فقالوا: ادع لنا [¬٦] ربك أن [¬٧] يجعل

стр. 1455

لنا الصفا ذهبًا، فدعا ربه ، فنزلت: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، قال: فليتفكروا فيها. لفظ ابن مردويه. وقد تقدم [هذا الحديث من رواية الطبراني] [¬١] في أول الآية، وهذا يقتضي أن تكون هذه الآيال مكية، والمشهور أنَّها مدنية، ودليله الحديث [¬٢] الآخر، قال ابن مردويه (٥٦٦): حدَّثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدَّثنا أحمد بن علي الحراني، حدَّثنا شجاع بن أشرس، حدَّثنا حشرج بن نباتة الواسطي، أَبو مكرم، عن الكلبي - وهو [¬٣] أَبو جناب الكلبي [¬٤]- عن عطاء، قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة ﵂ فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت يا عبيد؛ ما يمنعك من زيارتنا؟ قال [¬٥]: قول الشاعر: * زر غُبًّا تزددْ حبًّا * فقال ابن عمر: ذرنا [¬٦] أخبرينا بأعجب [ما رأيتيه] [¬٧] من رسول الله ﷺ ، فبكت، وقالت: كل أمره كان عجبًا، أتاني في ليلتي حتَّى مس جلده جلدي، ثم قال: "ذريني أتعبد لربي " قالت: فقلت: والله إني لأحب قربك، وإني أحب أن تعبد ربك، فقام إلى القربة فتوضأ، ولم يكثر صب الماء، ثم قام [¬٨] يصلى فبكى حتَّى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتَّى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى حتَّى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح، قالت: فقال يا رسول الله، ما يبكيك؛ وقد غفر الله لك [ما تقدم من ذنبك وما تأخر] [¬٩]؟ فقال: "ويحك يا بلال، وما [¬١٠] يمنعني أن أبكي، وقد أنزل الله علي في هذه الليلة: ﴿إِنَّ فِي

стр. 1456

خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ قال: "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها". وقد رواه عبد بن حميد [في تفسيره] [¬١]، عن جعفر بن عون، عن أبي جناب الكلبي، عن عطاء [قال: دخلت أنا وعبد الله بن عمر وعبيد بن عمير على أم المؤمنين عائشة ﵂ وهي في خدرها، فسلمنا عليها، فقالت: من هؤلاء؟ قال: فقلنا هذا عبد الله بن عمر وعبيد بن عمير، قالت: يا عبيد بن عمير؛ ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: ما قال الأول: "زر غبًّا تزدد حبًّا" قالت: إنا لنحب زيارتك وغشيانك، قال عبد الله بن عمر: دعينا من بطالتكما هذه، أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله ﷺ قال: فبكت، ثم قالت: كل أمره كان عجبًا، أتاني في ليلتي حتَّى دخل معي فراشي حتَّى لصق جلده بجلدي، ثم قال: "يا عائشة، ائذني لي أتعبد لربي" قالت: إني لأحب قربك وأحب هواك، قالت: "فقام إلى قربة في البيت، فما أكثر صب الماء، ثم قام فقرأ القرآن، ثم بكى، حتَّى رأيت أن دموعه قد بلغت حقويه (*)، قالت: ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه، ثم بكى، حتَّى رأيت دموعه قد بلغت حجره، قالت: ثم اتكأ على جنبه الأيمن، ووضع يده تحت خده، قالت: ثم بكى حتَّى رأيت دموعه قد بلغت الأرض، فدخل عليه بلال فآذنه بصلاة الفجر، ثم قال: الصلاة يا رسول الله؛ فلما رآه بلال يبكي، قال: يا رسول الله؛ تبكي وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "يا بلال أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ وما لي لا أبكي وقد نزل علي الليلة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، إلى قوله: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ " ثم قال: "ويل لمن قرأ هذه الآيات ثم لم يتفكر فيها] " [¬٢]. وهكذا رواه [أبو حاتم بن حبان] [¬٣] في صحيحه عن عمران بن موسى، عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن إبراهيم بن سويد النخعي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة، فذكر نحوه. وهكذا رواه عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار (٥٦٧)، عن شجاع بن

стр. 1457

أشرس به، ثم قال: حدثني الحسن بن عبد العزيز، سمعت سنيدًا يذكر عن سفيان -هو الثَّوري- رفعه قال: "من قرأ آخر "آل عمران" فلم يتفكر فيها ويله" يعدّ بأصابعه عشرًا. قال الحسن بن عبد العزيز: فأخبرني عبيد بن السائب قال: قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهنّ؟ قال: يقرأهن [وهو يعقلهن] [¬١]. قال ابن أبي الدنيا: وحدثني قاسم بن هاشم، حدَّثنا علي بن عياش، حدَّثنا عبد الرحمن بن سليمان، قال: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلق به المتعلق من الفكر فيهن، وما ينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هنيهة [¬٢] ثم قال، يقرؤهن وهو [يعقلهن]. (حديث آخر) فيه غرابة. قال أَبو بكر بن مردويه (٥٦٨): حدَّثنا عبد الرحمن بن بشير بن نمير، حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم البستي، (ح) قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدَّثنا أحمد بن عمرو، وقال: أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سليمان بن موسى الزهري، أنبأنا مظاهر بن أسلم المخزومي، أنبأنا سعيد بن أبي سعيد القبري، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة. مظاهر بن أسلم ضعيف] [¬٣]. ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾

стр. 1458

يقول تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: فأجابهم ربهم، كما قال الشاعر: وداعٍ دعا: يا من يجيب إلى الندا … فلم يستجبه عند ذاك مجيبُ قال سعيد بن منصور (٥٦٩): حدَّثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن سلمة [¬١]- رجل من آل أمّ سلمة - قال: قالت أمّ سلمة: يا رسول الله، لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء. فأنزل الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ إلى آخر الآية: وقالت الأنصار: هي أوّل ظعينة قدمت علينا. وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة. ثم قال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه. وقد روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أمّ سلمة، قالت: آخر آية نزلت [¬٢] هذه الآية. ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ إلى آخرها. رواه ابن مردويه (٥٧٠). ومعنى الآية أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا ما سألوا - مما تقدَّم ذكره - فاستجاب لهم ربهم

стр. 1459

عقب [¬١] ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ هذا تفسير للإِجابة، أي: قال لهم مخبرًا [¬٢] أنَّه لا يضيع عمل عامل منكم لديه، بل يوفى كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى. وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: جميعكم في ثوابي سواء ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ أي: تركوا دار الشرك، وأتوا إلى دار الإيمان، وفارقوا الأحباب والإخوان والخلان والجيران، ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ أي: ضايقهم المشركون بالأذى، حتَّى أَلجئوهم إلى الخروج من بين أظهرهم، ولهذا قال: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾، أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس؛ أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله، فيُعقر جوَاده، ويعفرَّ وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في الصحيحين (٥٧١) أن رجلًا قال: يا رسول الله: أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال: "نعم" ثم قال: "كيف قلت؟ "، فأعاد عليه ما قال: فقال: "نعم، إلَّا الدين [¬٣] قاله لي جبريل آنفًا". ولهذا قال تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافه إليه، ونسبه إليه ليدل على أنَّه عظيم، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلَّا جزيلًا كثيرًا [¬٤]، كما قال الشاعر:

стр. 1460

إن يعذب يكن غرامًا [وإن يعـ … ـــط جزيلًا فإنه لا يبالي] [¬١] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾، أي: عنده حسن الجزاء لمن عمل صالحًا. قال ابن [أبي حاتم] [¬٢] (٥٧٢): ذكر عن دحيم [¬٣] بن إبراهيم، حدَّثنا الوليد بن مسلم: أخبرني حريز [¬٤] بن عثمان، أن شدَّاد بن أوس، كان يقول: يا أيها الناس، لا تتهموا الله في قضائه، فالله لا يبغي على مؤمن، فإذا نزل بأحدكم شيء مما يحب فليحمد الله، وإذا نزل به شيءٌ مما يكره فليصبر وليحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب. ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ يقول تعالى لا تنظر إلى [ما هؤلاء] [¬٥] الكفار مترفون فيه من النعمة والغبطة: السرور، فعما قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة. فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجًا، وجميع ما هم فيه: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا﴾ أي: قليلًا، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾، وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا، وذكر أن [¬٦] مآلهم النار، قال بعده: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا﴾ [أي: ضيافة من عند الله] [¬٧] ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾.

стр. 1461

وقال ابن مردويه (٥٧٣): حدَّثنا أحمد بن نصر، حدَّثنا أَبو طاهر سهل بن عبد الله، أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سعيد بن [¬١] يحيى، أنبأنا عبد الله بن الوليد الوصافي [¬٢]، عن محارب بن دثار [¬٣]، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ قال: "إنما سموا الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عيك حقًّا، كذا [¬٤] لولدك عيك حق". كذا رواه ابن مردويه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا، وقال ابن أبي حاتم (٥٧٤): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أحمد بن جناب [¬٥]، حدَّثنا عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي [¬٦]، عن محارب بن دثار، عن ابني عمر، قال: إنما سماهم الله الأبرار [¬٧]، لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقًّا، كذلك لوالدك عليك حق، وهذا أشبه، والله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم (٥٧٥): حدَّثنا أبي، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، عن رجل، عن الحسن، قال: الأبرار الذين لا يؤذون الذر. وقال ابن أبي حاتم أيضًا (٥٧٦): حدَّثنا أحمد بن سنان، حدَّثنا أَبو معاوية، عن الأعمَش،

стр. 1462

عن خيثمة، عن الأسود؛ قال [¬١]: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: ما من نفس برة ولا فاجرة إلَّا الموت خير لها، لئن كان برًّا، لقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. وكذا رواه عبد الرزاق، عن الأعمش عن الثَّوري به، وقرأ ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وقال [¬٢] ابن جرير (٥٧٧): حدثني المثنى، حدَّثنا إسحاق، حدَّثنا [¬٣] ابن أبي جعفر، عن فرج [¬٤] بن فضالة، عن لقمان، عن أبي الدرداء، أنَّه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني، فإن الله يقول: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾، ويقول ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ يخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، ويؤمنون [¬٥] بما أنزل على محمد، مع ما هم مؤمنون به من الكتب المتقدمة، أنهم خاشعون لله، أي مطيعون له، خاضعون متذللون بين يديه، ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا يكتمون ما بأيديهم من البشارة [¬٦] بمحمد ﷺ ، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمّته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم سواء كانوا هودًا أو نصارى. وقد قال تعالى في سورة القصص ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ

стр. 1463

مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا﴾ الآية. وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية. [وقد قال تعالى] [¬١]: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَيسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾: وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ] [¬٢] يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلا، كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود، ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما النصارى فكثير منهم يهتدون [¬٣]، وينقادون للحق، كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، إلى قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الآية. هكذا [¬٤] قال ها هنا: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآية. وقد ثبت في الحديث (٥٧٨) أن جعفر بن أبي طالب ﵁ لما قرأ سورة "كهيعص" بحضرة النجاشي ملك الحبشة، وعنده البطاركة والقساوسة بكى وبكوا معه؛ حتَّى أخضبوا لحاهم. وثبت في الصحيحين (٥٧٩) أن النجاشي لما مات، نعاه النبي ﷺ إلى أصحابه، وقال: "إنَّ

стр. 1464

أخًا لكم بالحبشة قد مات، فصلوا عليه"، فخرج إلى الصحراء فصفهم، وصلى عليه. وروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه (٥٨٠) من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك بن قال: لما توفي النجاشي، قال رسول الله ﷺ : "استغفروا لأخيكم [¬١] "، فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة، فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ الآية. ورواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق أخرى (٥٨١)، [عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن، عن النبي ﷺ ، ثم رواه ابن مردويه (٥٨٢) من طرق: عن حميد [¬٢]، عن أنس بن مالك نحو [¬٣] ما تقدم. ورواه أيضًا ابن جرير (٥٨٣) من حديث أبي بكر الهذلي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ حين مات النجاشي: "إن أخاكم أصحمة قد مات! "، فخرج رسول الله ﷺ فصلى كما يصلي على الجنائز فكبر عليه أربعًا، فقال المنافقون: يصلى

стр. 1465

على علج مات بأرض الحبشة، فأنزل الله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية. وقد روى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه (٥٨٤)، أنبأنا أبو العباس السياري بمرو، حدثنا عبد الله بن علي الغزال، حدثنا علي بن الحسين [¬١] بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: نزل بالنجاشي عدو من أرضهم، فجاعه المهاجرون، فقالوا: إنا نحب أن تخرج إليهم حتى نقاتل معك، وترى جرأتنا ونجزيك بما صنعت بنا، فقال: لا، دواء [¬٢] بنصرة [¬٣] الله ، خير من دواء بنصرة الناس. قال: وفيه نزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ [¬٤] لِلَّهِ﴾ الآية. ثم قال: هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. وقال أبو داود (٥٨٥): حدثنا محمد بن عمرو الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: لما مات النجاشي، كنا نحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.

стр. 1466

وقال [¬١] ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني مسلمة أهل الكتاب. وقال عباد بن منصور: سألت الحسن البصري عن [قول الله] [¬٢]: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية، قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا [¬٣] قبل محمد، ﷺ ، فاتبعوه، وعرفوا الإسلام، فأعطاهم الله تعالى أجر [¬٤] اثنين، للذي [¬٥] كانوا عليه من الإِيمان [¬٦] قبل محمد، ﷺ ، واتباعهم [¬٧] محمدًا ﷺ ، رواه [¬٨] ابن أبي حاتم (٥٨٦). وقد ثبت في الصحيحين (٥٨٧) عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين" فذكر منهم: "ورجل [¬٩] من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي". وقوله تعالى: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا يكتمون ما بأيديهم من العلم، كما فعله الطائفة المرذولة منهم، بل يبذلون ذلك منهم [¬١٠] مجانًا، ولهذا قال [تعالى: ﴿أُولَئِكَ] [¬١١] لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. قال مجاهد: سريع الحساب يعني سريع الإِحصاء، رواه ابن أبي حاتم وغيره (٥٨٨). وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾، قال الحسن البصري، ﵀: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وهو الإِسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء، ولا لشدّة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم، وكذلك [¬١٢] قال غير واحد من علماء السلف. وأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات، وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة، قاله

стр. 1467

ابن عباس، وسهل بن حنيف، ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم. وروى ابن أبي حاتم (٥٨٩) هاهنا الحديث الذي رواه مسلم، والنسائي من حديث مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن بن [¬١] يعقوب -مولى الحرقة-[عن أبيه] [¬٢]، عن أبي هريرة، [﵁] عن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، إسباغ الوضوء على المكاره؛ وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط". وقال ابن مردويه (٥٩٠): حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا موسى بن إسحاق، [حدثنا أبو] [¬٣] جحيفة علي بن يزيد الكوفي، أنبأنا ابن أبي كريمة، عن محمد بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أقبل علي أبو هريرة يومًا فقال: أتدري يا بن أخي، فيم نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾؟ قلت: لا. قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي، ﷺ ، غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد، و [¬٤] يصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها، فعليهم أنزلت: ﴿اصْبِرُوا﴾ أي: على الصلوات الخمس، ﴿وَصَابِرُوا﴾ أنفسكم وهواكم، ﴿وَرَابِطُوا﴾ في مساجدكم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾

стр. 1468

فيما عليكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق سعيد [¬١] بن منصور [عن ابن المبارك] [¬٢]، عن مصعب بن ثابت، عن داود بن صالح، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه. وقال ابن جرير (٥٩١): حدثني أبو السائب، حدثني ابن فضيل [¬٣]، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جدّه، عن شرحبيل، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ : "ألا أدلكم على ما يكفر الذنوب والخطايا؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط". وقال ابن جرير أيضًا (٥٩٢): حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثني يحيى بن يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن شرحبيل، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويكفر به الذنوب؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء في أماكنها، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط".

стр. 1469

وقال ابن مردويه (٥٩٣): حدثنا محمد بن علي، أنبأنا محمد بن عبد الله بن سلام البيروتي، أنبأنا محمد بن غالب الأنطاكي، أنبأنا عثمان بن عبد الرحمن، أنبأنا الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي أيوب ﵁ قال: وقد [¬١] علينا رسول الله ﷺ ، فقال: "هل لكم إلى ما يمحو الله به الذنوب، ويعظم به الأجر"؟ قلنا: نعم يا رسول الله، وما هو؟ قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة"، قال: "وهو قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فذلك هو الرباط في المساجد". وهذا حديث غريب من هذا الوجه جدًّا. وقال عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، حدثني داود بن صالح قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ قال: [قلت: لا. قال] [¬٢]: إنه لم يكن يا ابن أخي في زمان رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة. رواه ابن جرير (٥٩٤)، وقد تقدم سياق ابن مردويه له، وإنه من كلام أبي هريرة ﵁ والله أعلم. وقيل المراد بالمرابطة هاهنا، مرابطة الغزو في نحو العدوّ، وحفظ ثغور الإِسلام، وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين، وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك، وذكر كثرة الثواب فيه، فروى البخاري في صحيحه (٥٩٥) عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها". (حديث آخر) روى مسلم (٥٩٦)، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال:

стр. 1470

"رباط يوم وليلة، خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه، وأمن الفتان". (حديث آخر) قال [¬١] الإمام أحمد (٥٩٧): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، أخبرني أَبو هانئ الخولاني، أن عمرو بن مالك الجنبي أخبره أنه سمع فضالة بن عبيد يقول: سمعت رسول الله، ﵌ يقول: "كل ميت يختم على عمله، إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر". وهكذا رواه أبو داود، والترمذي من حديث أبي هانئ الخولاني، وقال الترمذي: [هذا حديث، حسن صحيح، وأخرجه ابن حبان في صحيحه أيضًا. (حديث آخر) [قال الإمام أحمد (٥٩٨)] [¬٢]: حدثنا [¬٣] يحيى بن إسحاق، [و] [¬٤] حسن

стр. 1471

ابن موسى، وأبو [¬١] سعيد [عبد الله بن يزيد، كلهم عن عبد الله بن لهيعة، حدثنا مشرح بن هاعان، سمعت] [¬٢] عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ميت يختم له على عمله، إلا المرابط في سبيل الله، يجري عليه عمله حتى يبعث، ويأمن [¬٣] من الفتان". رواه الحارث بن محمد بن أبي أسامة في مسنده، عن المقبري، وهو عبد الله بن يزيد به، إلى قوله: "حتى يبعث"، دون ذكر "الفتان"، وابن لهيعة إذا صرح بالتحديث فهو حسن، ولا سيما مع ما تقدم من الشواهد. (حديث آخر) قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه (٥٩٩): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني الليث، عن زهرة بن معبد [¬٤]، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "من مات مرابطًا في سبيل الله، أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل [¬٥]، وأجري عليه رزقه، وأمن [من الفتان] [¬٦]، وبعثه الله يوم القيامة آمنًا من الفزع [¬٧] ". (طريق [¬٨] أخرى) قال الإمام أحمد (٦٠٠): حدثنا موسى، أنبأنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة [﵁]، عن [¬٩] رسول الله ﷺ قال [¬١٠]: "من مات مرابطًا

стр. 1472

وقي فتنة القبر، وأمن من الفزع الأكبر، وغدي عليه وريح برزقه من الجنة، وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة". (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٦٠١): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي [¬١]، عن إسحاق بن عبد الله، عن أم الدرداء ترفع الحديث، قالت: "من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام؛ أجزأت عنه رباط سنة". (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٦٠٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا كهمس، حدثنا مصعب بن [¬٢] ثابت بن عبد الله بن الزبير قال: قال عثمان ﵁ وهو يخطب على منبره: إني محدثكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ، لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة، يقام ليلها ويصام نهارها".

стр. 1473

وهكذا رواه أحمد أيضًا [¬١] عن روح، عن كهمس، عن مصعب بن ثابت، عن عثمان، وقد رواه ابن ماجة، عن هشام بن عمار، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير قال: خطب عثمان بن عفان الناس، فقال: يا [¬٢] أيها الناس سمعت حديثًا من رسول الله ﷺ ، لم يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم وبصحابتكم، فليختر مختار لنفسه، أو ليدع، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة [قيامها وصيامها] ". (طريق [¬٣] أخرى) عن عثمان ﵁، قال الترمذي (٦٠٣): حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا هشام بن عبد الملك، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا أبو عقيل -زهرة بن معبد- عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت عثمان وهو على المنبر، يقول: إني كتمتكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ كراهية تفرقكم عني، ثم بدا لي أن أحدثكموه [¬٤] ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، قال محمد -يعني البخاري-: أبو صالح مولى عثمان -اسمه بركان-، وذكر غير الترمذي، أن اسمه الحارث والله [¬٥] أعلم. وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث الليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، وعنده زيادة في

стр. 1474

آخره، فقال: -يعني عثمان-: "فليرابط امرؤ كيف شاء" هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد. (حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي (٦٠٤): حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، حدثنا محمد بن المنكدر، قال: مر سلمان الفارسي بشرحبيل بن السمط وهو في مرابطة له، وقد شق عليه وعلى أصحابه فقال: ألا أحدثك يا ابن السمط بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رباط يوم في سبيل الله أفضل -أو قال خير- من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وُقي فتنة القبر، ونمي له عمله إلى يوم القيامة". تفرد به الترمذي من هذا الوجه، وقال: هذا حديث حسن. وفي بعض النسخ زيادة: وليس إسناده بمتصل، وابن المنكدر لم يدرك سلمان. (قلت) الظاهر أن محمد بن المنكدر سمعه من شرحبيل بن السمط، [وقد رواه مسلم، والنسائي من حديث مكحول وأبي عبيدة بن عقبة، كلاهما عن شرحبيل بن السمط] [¬١] وله صحبة عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقة، وأمن الفتان". وقد تقدم سياق مسلم بمفرده. (حديث آخر) قال ابن ماجة (٦٠٥): حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، حدثنا محمد بن يعلى السلمي، حدثنا عمرو بن صبيح [¬٢]، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن مكحول، عن أبي

стр. 1475

ابن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : "لرباط يوم في سبيل الله من [¬١] وراء عورة المسلمين محتسبًا من غير شهر ومضان أعظم أجرًا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها، ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبًا من [¬٢] شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرًا - أراه قال-: من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها؛ فإن رده الله تعالى إلى أهله سالمًا لم يكتب عليه سيئة ألف سنة، وتكتب [¬٣] له الحسنات، ويجري له [¬٤] أجر الرباط إلى يوم القيامة". هذا حديث غريب [من هذا الوجه، بل منكر] [¬٥]، وعمر بن صبيح متهم. (حديث آخر) قال ابن ماجة (٦٠٦): حدثنا عيسى بن يونس الرملي، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن سعيد بن خالد بن أبي طويل، سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حرس [¬٦] ليلة في سبيل الله أفضل [¬٧] من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة، السنة ثلثمائة [وستون يومًا] [¬٨]، واليوم كألف سنة". وهذا حديث غريب أيضًا، وسعيد بن خالد هذا ضعفه أبو زرعة وغير واحد من الأئمة، وقال
следующие страницы →