← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

ابن موسى، وأبو [¬١] سعيد [عبد الله بن يزيد، كلهم عن عبد الله بن لهيعة، حدثنا مشرح بن هاعان، سمعت] [¬٢] عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ميت يختم له على عمله، إلا المرابط في سبيل الله، يجري عليه عمله حتى يبعث، ويأمن [¬٣] من الفتان". رواه الحارث بن محمد بن أبي أسامة في مسنده، عن المقبري، وهو عبد الله بن يزيد به، إلى قوله: "حتى يبعث"، دون ذكر "الفتان"، وابن لهيعة إذا صرح بالتحديث فهو حسن، ولا سيما مع ما تقدم من الشواهد. (حديث آخر) قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه (٥٩٩): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني الليث، عن زهرة بن معبد [¬٤]، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "من مات مرابطًا في سبيل الله، أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل [¬٥]، وأجري عليه رزقه، وأمن [من الفتان] [¬٦]، وبعثه الله يوم القيامة آمنًا من الفزع [¬٧] ". (طريق [¬٨] أخرى) قال الإمام أحمد (٦٠٠): حدثنا موسى، أنبأنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة [﵁]، عن [¬٩] رسول الله ﷺ قال [¬١٠]: "من مات مرابطًا

стр. 1472

وقي فتنة القبر، وأمن من الفزع الأكبر، وغدي عليه وريح برزقه من الجنة، وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة". (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٦٠١): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي [¬١]، عن إسحاق بن عبد الله، عن أم الدرداء ترفع الحديث، قالت: "من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام؛ أجزأت عنه رباط سنة". (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٦٠٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا كهمس، حدثنا مصعب بن [¬٢] ثابت بن عبد الله بن الزبير قال: قال عثمان ﵁ وهو يخطب على منبره: إني محدثكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ، لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة، يقام ليلها ويصام نهارها".

стр. 1473

وهكذا رواه أحمد أيضًا [¬١] عن روح، عن كهمس، عن مصعب بن ثابت، عن عثمان، وقد رواه ابن ماجة، عن هشام بن عمار، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير قال: خطب عثمان بن عفان الناس، فقال: يا [¬٢] أيها الناس سمعت حديثًا من رسول الله ﷺ ، لم يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم وبصحابتكم، فليختر مختار لنفسه، أو ليدع، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة [قيامها وصيامها] ". (طريق [¬٣] أخرى) عن عثمان ﵁، قال الترمذي (٦٠٣): حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا هشام بن عبد الملك، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا أبو عقيل -زهرة بن معبد- عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت عثمان وهو على المنبر، يقول: إني كتمتكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ كراهية تفرقكم عني، ثم بدا لي أن أحدثكموه [¬٤] ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، قال محمد -يعني البخاري-: أبو صالح مولى عثمان -اسمه بركان-، وذكر غير الترمذي، أن اسمه الحارث والله [¬٥] أعلم. وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث الليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، وعنده زيادة في

стр. 1474

آخره، فقال: -يعني عثمان-: "فليرابط امرؤ كيف شاء" هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد. (حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي (٦٠٤): حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، حدثنا محمد بن المنكدر، قال: مر سلمان الفارسي بشرحبيل بن السمط وهو في مرابطة له، وقد شق عليه وعلى أصحابه فقال: ألا أحدثك يا ابن السمط بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رباط يوم في سبيل الله أفضل -أو قال خير- من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وُقي فتنة القبر، ونمي له عمله إلى يوم القيامة". تفرد به الترمذي من هذا الوجه، وقال: هذا حديث حسن. وفي بعض النسخ زيادة: وليس إسناده بمتصل، وابن المنكدر لم يدرك سلمان. (قلت) الظاهر أن محمد بن المنكدر سمعه من شرحبيل بن السمط، [وقد رواه مسلم، والنسائي من حديث مكحول وأبي عبيدة بن عقبة، كلاهما عن شرحبيل بن السمط] [¬١] وله صحبة عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقة، وأمن الفتان". وقد تقدم سياق مسلم بمفرده. (حديث آخر) قال ابن ماجة (٦٠٥): حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، حدثنا محمد بن يعلى السلمي، حدثنا عمرو بن صبيح [¬٢]، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن مكحول، عن أبي

стр. 1475

ابن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : "لرباط يوم في سبيل الله من [¬١] وراء عورة المسلمين محتسبًا من غير شهر ومضان أعظم أجرًا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها، ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبًا من [¬٢] شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرًا - أراه قال-: من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها؛ فإن رده الله تعالى إلى أهله سالمًا لم يكتب عليه سيئة ألف سنة، وتكتب [¬٣] له الحسنات، ويجري له [¬٤] أجر الرباط إلى يوم القيامة". هذا حديث غريب [من هذا الوجه، بل منكر] [¬٥]، وعمر بن صبيح متهم. (حديث آخر) قال ابن ماجة (٦٠٦): حدثنا عيسى بن يونس الرملي، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن سعيد بن خالد بن أبي طويل، سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حرس [¬٦] ليلة في سبيل الله أفضل [¬٧] من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة، السنة ثلثمائة [وستون يومًا] [¬٨]، واليوم كألف سنة". وهذا حديث غريب أيضًا، وسعيد بن خالد هذا ضعفه أبو زرعة وغير واحد من الأئمة، وقال

стр. 1476

العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وقال الحاكم: روى عن أنس أحاديث موضوعة. (حديث آخر) قال ابن ماجة (٦٠٧): حدَّثنا محمد بن الصباح، أنبأنا عبد العزيز بن محمد، عن صالح بن محمد بن زائدة، [عن عمر بن عبد العزيز] [¬١] عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ رحم الله حارس الحرس". فيه انقطاع بين عمر بن عبد العزيز، وعقبة بن عامر، فإنه لم يدركه والله أعلم. (حديث آخر) قال أبو داود (٦٠٨): حدَّثنا أبو توبة، حدثنا معاوية -يعني ابن سلام عن زيد -يعني ابن سلام-[أنه سمع أبا سلام قال] [¬٢]: حدثني السلولي، أنه حدثه سهل بن الحنظلية، أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين [فأطنبوا السير] [¬٣]، حتى كانت [¬٤] عشية، فحضرت الصلاة مع رسول الله ﷺ ، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله، إني

стр. 1477

انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم، بظعنهم ونعمهم وشائهم [¬١]، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم النبي ﷺ وقال: "تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله". ثم قال: "من يحرسنا الليلة"؟ قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله. قال [¬٢]: "فاركب" فركب فرسًا له، فجاء إلى رسول الله، ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "استقبل هذا الشعب، حتى تكون في أعلاه، ولا يُغَزَّنَّ [¬٣] من قبلك الليلة". فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه، فركع ركعتين ثم قال: "هل أحسستم فارسكم"؟ فقال [¬٤] رجل: يا رسول الله، ما أحسسناه، فثوب بالصلاة، فجعل النبي ﷺ وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى صلاته قال: "أبشروا، فقد جاءكم فارسكم". فجعلنا ننظر في خلال الشجر في الشعب، فإذا هو [¬٥] قد جاء حتى وقف على النبي [¬٦] ﷺ فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرتني [¬٧]، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدًا، فقال له رسول الله ﷺ : "هل [نزلت الليلة] [¬٨]؟ " قال: لا إلا مصليًا أو قاضي حاجة. فقال له: "أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها". ورواه النسائي، عن محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني، عن أبي توبة، وهو الربيع بن نافع به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٦٠٩): حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عبد الرحمن بن شريح، سمعت محمد بن شمير [¬٩] الرعيني يقول: سمعت أبا عامر التجيبي. قال الإِمام أحمد:

стр. 1478

وقال غير زيد: أنا علي الجنبي [¬١] يقول: سمعت أبا ريحانة يقول: كنا مع رسول الله، ﷺ ، في غزوة، فأتينا ذات ليلة إلى شرف، فبتنا عليه فأصابنا برد شديد، حتى رأيت من يحفر في الأرض حفرة [¬٢] يدخل فيها ويلقي عليه الجحفة -يعني الترس-، فلما رأى: ذلك رسول الله ﷺ ، من الناس نادى: "من يحرسنا في هذه الليلة، فأدعو له بدعاء يكون له فيه فضل"؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله. [قال: "ادن"] [¬٣]. فدنا منه [¬٤]، فقال: "من أنت؟ " فتسمى له الأنصاري، ففتح رسول الله ﷺ بالدعاء فأكثر منه، قال [¬٥] أبو ريحانة. فلما سمعت ما دعا به رسول الله ﷺ قلت [¬٦]: أنا رجل آخر. فقال: "ادن [¬٧] ". فدنوت، فقال: "من أنت؟ " قال: فقلت: أنا أبو ريحانة. فدعا بدعاء هو [¬٨] دون ما دعا به للأنصاري، ثم قال: "حرمت النار على عين دمعت -أو بكت- من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله". وروى النسائي منه: "حرمت النار" إلى آخره عن عصمة بن الفضل، عن زيد بن الحباب به، وعن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شريح به، وأتم، وقال في

стр. 1479

الروايتين: عن أبي علي الجنبي. (حديث آخر) قال الترمذي (٦١٠): حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا [¬١] شعيب بن رزيق -أبو شيبة- عن [¬٢] عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول [¬٣]: "عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله". ثم قال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن رزيق. قال: وفي الباب عن عثمان وأبي ريحانة. (قلت): وقد تقدما، ولله الحمد والمنة [¬٤]. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٦١١): حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، عن زبَّان [¬٥]، عن سهل بن معاذ، عن أبيه - معاذ بن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لا بأجرة سلطان، لم ير النار بعينه إلا تحلة القسم، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾. تفرد به أحمد ﵀.

стр. 1480

(حديث آخر) روى البخاري في صحيحه (٦١٢)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع". فهذا آخر ما تيسر إيراده من الأحاديث المتعلقة بهذا المقام، ولله الحمد على جزيل الإنعام، على تعاقب الأعوام والأيام. وقال ابن جرير (٦١٣): حدثني المثنى، حدثنا مطرف بن عبد الله المدني، حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم، قال: كتب أبو عبيدة ﵁ إلى عمر بن الخطاب، ﵁، يذكر له جموعًا من الروم،: ما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقد روى الحافظ ابن عساكر (٦١٤) في ترجمة عبد الله بن المبارك، من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، قال: أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودعته

стр. 1481

للخروج، وأنشدها معي إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة، وفي رواية سنة سبع وسبعين ومائة: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خدّه بدموعه … فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل … فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا … وهج السنابك والغبار الأطيب ولقد أتانا من مقال نبينا … قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوي وغبار خيل الله في … أنف امريء ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد بميت لا يكذب قال فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني. ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قال: قلت: نعم، قال: فاكتب هذا الحديث، كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا، وأملى علي الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ علمنى عملًا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله. فقال: "هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟ " فقال: يا رسول الله أنا أضعف من أن أستطيع ذلك. ثم قال النبي ﷺ : " فوالذي نفسي بيده، لو طوّقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله، أوما علمت أن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له بذلك الحسنات"؟. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم وأحوالكم، كما قال النبي ﷺ لمعاذ، حين بعثه إلى اليمن: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" (٦١٥). ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة- وقال ابن جرير (٦١٦)؛ حدثني يونس، أنبأنا

стр. 1482

ابن وهب، أنبأنا أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي، أنه كان يقول- في قول الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يقول: اتقوني فيما بيني وبينكم، لعلكم تفلحون يقول: غدًا إذا لقيتموني. آخر تفسير سورة آل عمران، ولله الحمد والمنة، نسأله الموت على الكتاب والسنة، آمين.

стр. 1483

تفسير سورة النساء وهي مدنية قال العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة. وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت. ورُويَ من طريق عبد الله بن لهيعة، عن أخيه عيسى: عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا نزلت سورة النساء قال رسول الله ﷺ : "لا حبس" (١) (*). وقال الحاكم في مستدركه (٢): حَدَّثَنَا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو البحتري عبد الله بن محمد بن شاكر، ثنا محمد بن بشر العبدي، ثنا مسعر بن كدام، عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود [عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود ﵁] [¬١] قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾ الآية، و ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية، و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [و] [¬٢] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية و [﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾] [¬٣] ثم قال: هذا إسناد صحيح، إن كان

стр. 1484

عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك. وقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن رجل، عن ابن مسعود قال في خمس آيات من النساء: لهن أحب إليَّ من الدنيا جميعًا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾] [¬١] رواه ابن جرير (٣). ثم روى من طريق صالح المري، عن قتادة، عن ابن عباس قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي [¬٢] خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أولهن [¬٣] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والثانية: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيلًا عَظِيمًا﴾ والثالثة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. ثم ذكر قول ابن مسعود سواء -يعني في الخمسة الباقية (٤) -. وروى الحاكم) (٥) من طريق أبي نعيم، عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن أبي مليكة: سمعت ابن عباس يقول: سلوني [¬٤] عن سورة النساء، فإني قرأت القرآن وأنا صغير. ثم قال: [هذا حديث] [¬٥] صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

стр. 1485

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ يقول تعالى آمرًا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومنبهًا لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم ﵇: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حوّاء ﵍، خلقت من ضلعه الأيسر [¬١]، من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها، فأعجبته، فأنس إليها، وأنست إليه. قال ابن أبي حاتم (٦): ثنا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن مقاتل، حَدَّثَنَا وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، عن ابن عباس، قال: خلقت المرأة من الرجل، فجعلت نهمتها في الرجل، وخلق الرجل من الأرض، فجعلت نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم. وفي الحديث الصحيح (٧): " إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج". وقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أي: وذرأ منهما، أي: من آدم وحوّاء رجالًا كثيرًا ونساء، ونشرهم في أقطار العالم، على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد [¬٢] والمحشر. ثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ أي: واتقوا الله بطاعتكم إياه. قال إبراهيم ومجاهد والحسن: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي: كما يقال: أسألك بالله وبالرحم.

стр. 1486

وقال الضحاك: واتقوا الله الذي تعاقدون [وتعاهدون به] [¬١]، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ولكن بروها وصلوها. قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن والضحاك والربيع وغير واحد. وقرأ بعضهم (٨): ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ بالحفض، على العطف على الضمير في "به"، أي: تساءلون بالله وبالأرحام، كما قال مجاهد وغيره (٩). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ أي: هو مراقب لجميع أحوالكم وأعمالكم، كما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾. وفي الحديث الصحيح (١٠): " اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب. ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة؛ ليعطف بعضهم على بعض، ويحننهم على ضعفائهم.

стр. 1487

وقد ثبت في صحيح مسلم (١١) من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ﷺ حين قدم عليه أولئك النفر من مضر -وهم مجتابو النمار -أي: من عريهم وفقرهم- قام، فخطب الناس بعد صلاة الظهر، فقال في خطبته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ حتى ختم الآية. ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. ثم حضهم على الصدقة فقال: "تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره" وذكر تمام الحديث. وهكذا [روى الإمام] [¬١] أحمد وأهل السنن (١٢)، عن ابن مسعود في خطبة الحاجة، وفيها: ثم يقرأ ثلاث آيات، هذه منها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية.

стр. 1488

وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ قال سفيان الثوري، عن أبي صالح: لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك. وقال سعيد بن جبير: لا تتبدّلوا [¬١] الحرام، عن أموال الناس بالحلال من أموالكم. يقول: لا تبذروا [¬٢] أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام. وقال سعيد بن المسيب والزهري: ولا تعط مهزولًا وتأخذ سمينًا. وقال إبراهيم النخعي والضحاك: لا تعط زائفًا وتأخذ جيدًا. وقال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل فيها [¬٣] مكانها الشاة المهزولة، يقول [¬٤]: شاة بشاة. ويأخذ الدرهم الجيد، ويطرح مكانه الزيف، يقول [¬٥]: درهم بدرهم. وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير [وابن سيرين] [¬٦] ومقاتل بن حيان والسدي وسفيان بن [¬٧] حسين: أي: لا تخلطوها فتأكلوها جميعًا.

стр. 1489

وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس: أي: إثمًا كبيرًا عظيمًا. وهكذا رُوِيَ عن مجاهد،: عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وأبي مالك، وزيد بن أسلم، وأبي سنان، مثل قول ابن عباس. وقد رواه ابن مردويه، عن أبي هريرة، قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال: "إثما كبيرًا" ولكن في إسناده محمد بن يونس الكُدَيمي، وهو ضعيف. (١٣) وفي الحديث المروي في سنن أبي داود (١٤): " اغفر لنا حوبنا وخطايانا".

стр. 1490

وروى ابن مردويه، بإسناده، إلى واصل مولى أبي عيينة، عن محمد [¬١] بن سيرين، عن ابن عباس: أن أبا أيوب طلق امرأته، فقال له النبي ﷺ : "يا أبا أيوب! إن طلاق أم أيوب كان حوبًا" (١٥). قال ابن سيرين: الحوب: الإِثم. ثم قال ابن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الباقي، حَدَّثَنَا بشر بن موسى، حَدَّثَنَا هوذة بن خليفة، حَدَّثَنَا عوف، عن أنس: أن أبا أيوب أراد طلاق أمّ أيوب، فاستأذن النبي ﷺ فقال: "إن طلاق أم أيوب لحوب". فأمسكها (١٦) ثم رواه ابن مردويه والحاكم (١٧) في مستدركه من حديث علي بن عاصم، عن حميد الطويل، سمعت أنس بن مالك أيضًا يقول: أراد أبو طلحة أن يطلق أم سُليم امرأته [¬٢]،

стр. 1491

فقال النبي ﷺ : "إن طلاق أم سُليم لحوبٌ" فكف. والمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم: خطأ كبير، فاجتنبوه. وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة، وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها، فليعدل [¬١] إلى ما سواها من النساء، فإنهنّ كثير، واسم يضيق الله [¬٢] عليه. وقال البخاري (١٨): حَدَّثَنَا إبراهيم بن موسى، حَدَّثَنَا هشام، عن ابن جريج، أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رجلًا كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾. أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله. ثم قال البخاري: حَدَّثَنَا عبد العزيز بن عبد الله، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قالت: يا ابن أختي! هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهُنَّ. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾. قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم [¬٣] عن

стр. 1492

يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في [مالها وجمالها من يتامى] [¬١] النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال. وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أي: انكحوا ما [¬٢] شئتم من النساء سواهنّ [¬٣]، إن شاء أحدكم ثنتين، وإن شاء ثلاثًا، وإن شاء أربعًا [¬٤]، كما قال الله [¬٥] تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدليل عليه، بخلاف قصر الرجال على [أربع، فمِن] [¬٦] هذه الآية، كما قاله ابن عباس وجمهور العلماء، لأن المقام مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره. قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله ﵌ المبينة عن الله [¬٧]، أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة (١٩). وهذا الذي قاله الشافعي ﵀ مجمع عليه بين العلماء، إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة، أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع. وقال بعضهم: بلا حصر. وقد يتمسك بعضهم بفعل رسول الله ﷺ في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع، كما ثبت في الصحيحين (٢٠)، وإما إحدى عشرة، كما جاء في بعض ألفاظ البخاري. وقد علَّقه [¬٨] البخاري (٢١).

стр. 1493

وقد روينا عن أنس (٢٢): أن رسول الله ﷺ تزوج بخمس عشرة امرأة، ودخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع. وهذا عند العلماء من [خصائص رسول الله ﷺ ] [¬١] دون غيره من الأمة؛ لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع. [ولنذكر] [¬٢] الأحاديث في ذلك. قال الإمام أحمد (٢٣): حَدَّثَنَا إسماعيل، ومحمد بن جعفر قالا: حَدَّثَنَا معمر، عن الزهري -قال ابن جعفر في حديثه- أنبأنا ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال [له النبي ﷺ ] [¬٣]: "اختر منهن أربعًا". فلما كان في عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك [¬٤]، ولعلك لا تمكث إلا قليلًا، وايم الله لتراجعن نساءك،

стр. 1494

[ولترجعن في] [¬١] مالك، [أو لأورثهن منك] [¬٢]، ولآمرنّ بقبرك فيرجم، كما رجم قبر أبي رغال. وهكذا رواه الشافعي (٢٤) والترمذي (٢٥) وابن ماجه (٢٦) والدارقطني (٢٧) والبيهقي (٢٨) وغيرهم (٢٩) من طرق، عن إسماعيل بن علية، وغندر، ويزيد بن زريع، وسعيد بن أبي عروبة، وسفيان الثوري، وعيسى ابن يونس، وعبد الرحمن بن محمَّد المحاربي، والفضل بن موسى، وغيرهم من الحفاظ (٣٠)، عن معمر بإسناده مثله إلى قوله: "اختر مهن أربعًا". وباقي الحديث في قصة عمر من أفراد أحمد؛ وهي زيادة حسنة، وهي مضعفة لما علل به البخاري هذا الحديث فيما حكاه عنه الترمذي، حيث قال بعد روايته له: سمعت البخاري

стр. 1495

يقول: هذا الحديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب وغيره عن الزهريّ، حُدّثت عن محمَّد بن سويد الثقفي، أن غيلان بن سلمة … فذكره. قال البخاري: وإنما حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، أن رجلًا من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر: لتراجعن نساءك أو لأرجمنّ قبرك كما رجم قبر أبي رغال. وهذا التعليل فيه نظر (٣١)، والله أعلم. وقد رواه [عبد الرزاق] [¬١]، عن معمر، عن الزهريّ، مرسلًا (٣٢)، وهكذا رواه مالك عن

стр. 1496

الزهري مرسلًا (٣٣)، وقال أبو زرعة: هو أصح (٣٤). قال البيهقي: ورواه عقيل، عن الزهريّ: بلغنا عن عثمان بن محمَّد بن أبي سويد (٣٥). قال أبو حاتم: وهذا وهم، إنما هو الزهريّ، عن [¬١] محمَّد بن أبي سويد، بلغنا أن رسول الله ﷺ ، فذكره.

стр. 1497

قال البيهقي: ورواه يونس وابن عيينة (٣٦) عن الزهريّ عن محمَّد بن أبي سويد. وهذا كما علَّله البخاري. وهذا [¬١] الإِسناد الذي قدّمناه من مسند الإِمام أحمد رجاله ثقات على شرط الشيخين. ثم رُوي من غير طريق معمر بل والزهري. [وقال الحافظ أبو بكر] [¬٢] البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حَدَّثَنَا أبو علي الحافظ، حَدَّثَنَا أبو عبد الرحمن النسائي، حَدَّثَنَا أبو بُريد عمرو [¬٣] بن يزيد الجرمي، أخبرنا سيف بن عبيد الله، حَدَّثَنَا سرَّار بن مُجشِّر، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة، فأسلم وأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهنّ أربعًا. هكذا أخرجه النسائي في سننه (٣٧). قال أبو علي بن السكن: تفرد به سرار بن مجشر وهو ثقة (٣٨). وكذا وثقه ابن معين (٣٩). قال أبو علي: وكذلك رواه السَّميدعُ بن واهب [¬٤]، عن سرار. قال البيهقي: وروينا من حديث [قيس بن الحارث، أو الحارث بن قيس] [¬٥]، وعروة بن مسعود الثقفي، وصفوان بن أمية -يعني حديث غيلان بن سلمة-. فوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربعٍ لسوّغ له رسول الله ﷺ سائرهنّ في

стр. 1498

بقاء العشرة، وقد أسلمن، فلما أمره بإمساك أربع، وفراق سائرهنّ، دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال، فإذا كان هذا في الدوام، ففي الاستئناف بطريق الأولين والأحرى، والله أعلم بالصواب. (حديث آخر في ذلك) روى أبو داود وابن ماجه في سننهما، من طريق محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن حُميضة بن الشمردل -وعند ابن ماجه بنت الشمردل، وحكى أبو داود أن منهم من يقول: الشمرذل بالذال المعجمة -عن قيس بن الحارث- وعند أبي داود في رواية: الحارث بن قيس بن عميرة الأسدي قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرتُ للنبي ﷺ فقال: "اختر منهنّ أربعًا" (٤٠). وهذا الإِسناد حسن. ومجرد [¬١] هذا الاختلاف لا يضر مثله، لما للحديث من الشواهد. (حديث آخر في ذلك) قال [الإِمام محمَّد بن إدريس الشافعي ﵀، في مسنده: أخبرني من سمع ابن أبي الزناد، يقول: أخبرني عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، عن عوف بن الحارث، عن نوفل بن معاوية الديلي ﵁ قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فقال لي رسول الله ﷺ : "اختر أربعًا أيتهن شئت، وفارق الأخرى". فعمدت إلى أقدمهنّ صحبة، عجوز عاقر معي منذ ستين سنة فطلقتها (٤١). فهذه كلها شواهد [بصحة ما تقدم من حديث] [¬٢] غيلان كما قاله [الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀]. وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ أي: فإن خشيتم [¬٣] من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَينَ النِّسَاءِ وَلَوْ

стр. 1499

حَرَصْتُمْ﴾ فمن خاف من ذلك فليقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري، فإنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج. وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال بعضهم: أدنى أن لا تكثر عائلتكم [¬١]. قاله زيد بن أسلم، وسفيان بن عيينة، والشافعي ﵏ وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيلَةً﴾ أي: فقرًا ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾. وقال الشاعر (٤٢): فما يدري الفقير متى غناه … وما يدري الغني متى يعيل وتقول العرب: عال الرجل، يعيل عيلة: إذا افتقر. ولكن في هذا التفسير هاهنا نظر، فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر، كذلك يخشى من تعداد السراري أيضًا، والصحيح قول الجمهور. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: لا تجوروا. يقال: عال في الحكم إذا قسط [¬٢] وظلم وجار وقال أبو طالب في قصيدته المشهورة: بميزان قسط لا يخيس شعيرة … له شاهد من نفسه غير عائل وقال هشيم، عن أبي إسحاق [¬٣]: كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان لا أعول. رواه ابن جرير (٤٣). وقد روى ابن أبي حاتم (٤٤)، وابن مردويه، [وأبو حاتم] [¬٤]، بن حبان في صحيحه (٤٥)، من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم [¬٥]، حَدَّثَنَا محمد بن شعيب، عن عمر بن محمَّد بن زيد ابن [¬٦] عبد الله بن عمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ ﴿ذَلِكَ

стр. 1500

أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال: "لا تجوروا". قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف. و [¬١] قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس، وعائشة، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وأبي مالك، وأبي رزين، والنخعي، والشعبي، والضحاك، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا: لا تميلوا (٤٦). وقد استشهد عكرمة [﵀] ببيت أبي طالب الذي قدّمناه، ولكن ما أنشده كما هو المروي في السيرة (٤٧). وقد رواه ابن جرير ثم أنشده جيدًا واختار ذلك (٤٨). وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: [يعني بالنحلة] [¬٢]: المهر. وقال محمَّد بن إسحاق، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: نحلة: فريضة (٤٩). [وقال مقاتل وقتادة وابن جريج: نحلة أي، فريضة] [¬٣]. زاد ابن جريج [¬٤]: مسماة. وقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب: الواجب. يقول: لا تنكحها إلا بشيء واجب لها [¬٥]، وليس ينبغي لأحد بعد النبي ﷺ أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب، و [¬٦] لا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق.

стр. 1501

ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النحلة طيبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبًا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته، أو عن شيء منه، فليأكله حلالًا طيبًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. وقال ابن أبي حاتم (٥٠): حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، [عن سفيان] [¬١]، عن السدي، عن يعقوب بن المغيرة بن شعبة، عن علي قال: إذا اشتكى أحدكم شيئًا فليسأل امرأته ثلاثة دراهمٍ أو نحو ذلك، فليبتع بها [¬٢] عسلًا، ثم ليأخذ ماء السماء، فيجتمع هنيئًا مريئًا شفاءً مباركًا. وقال هشيم، عن سيّار، عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، ونزل: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. رواه ابن أبي حاتم (٥١) وابن جرير (٥٢). وقال ابن أبي حاتم (٥٣): حَدَّثَنَا محمَّد بن إسماعيل الأحمسي، حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان عن عمير الخثعمي، عن [عبد الملك] [¬٣] بن المغيرة الطائفي، عن عبد الرحمن بي البَيلَماني قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. قالوا: يا رسول الله، فما العلائق بينهم. قال: "ما تراضى [¬٤] عليه أهلوهم".

стр. 1502

وقد روى ابن مردويه (٥٤)، من طريق حجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمر بن الخطاب قال: خطبنا [¬١] رسول الله ﷺ فقال: "أنكحوا الأيامى" -ثلاثًا- فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله! فما العلائق بينهم؟ قال: "ما تراضى [¬٢] عليه أهلوهم". ابن البيلماني ضعيف، ثم فيه انقطاع أيضًا. ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ ينهى [سبحانه و] [¬٣] تعالى عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قيامًا، أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها. ومن هاهنا يؤخذ الحجر على السفهاء، وهم أقسام: فتارة يكون الحجر للصغر، فإن الصغير مسلوب العبارة، وتارة يكون الحجر للجنون، وتارة لسوء التصرف؛ لنقص العقل أو الدين،

стр. 1503

[وتارة للفلس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ما له عن وفائها] [¬١] فإذا سأل الغرماء الحاكم الحَجْرَ عليه، حجر عليه. وقد [¬٢] قال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾ قال: هم بَنُوكَ والنساء، وكذا قال ابن مسعود والحكم بن عتيبة، والحسن [¬٣] والضحاك: هم النساء والصبيان. و [¬٤] قال سعيد بن جبير: هم [¬٥] اليتامى. وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: هم النساء. وقال ابن أبي حاتم (٥٥): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا هشام بن عمار، حَدَّثَنَا صدقة بن خالد، حَدَّثَنَا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن النساء سفهاء، إلا التي أطاعت قيِّمها". ورواه ابن مردُويه مطولًا. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن مسلم بن إبراهيم، حَدَّثَنَا حرب بن سُرَيج، عن معاوية بن قرة، عن أبي هريرة: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾ قال: هم [¬٦] الخدم، وهم شياطين الإِنس وهم الخدم. وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم.

стр. 1504

وقال ابن جرير (٥٦): حَدَّثَنَا ابن المثنى، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم، رجل كانت له امرأة سيئة الحلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيهًا، وقد قال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾. ورجل كان له على رجل دين فلم يُشهد عليه. وقال مجاهد: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ يعني في البر والصلة. وهذه الآية الكريمة انتظمت الإحسان إلى العائلة [¬١]، ومن تحت الحَجْر بالفعل، من الإِنفاق في الكساوى والكلام الطيب وتحسين الأخلاق. وقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي ومقاتل [بن حيان] [¬٢]: أي: اختبروهم. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ قال مجاهد يعني: الحلم. قال الجمهور من العلماء: البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم، وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد. وقد روى أبو داود (٥٧) في سننه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : "لا يُتْم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل".

стр. 1505

وفي الحديث الآخر عن عائشة (٥٨) وغيرها (٥٩) من الصحابة ﵃، عن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة؛ عن [¬١] الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" أو يستكمل خمس عشرة سنة. وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن [عبد الله بن] [¬٢] عمر، قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة [سنة] [¬٣] فأجازني. فقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزير لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير (٦٠). واختلفوا في إنبات الشعر الخشن حول الفرج، وهي الشعرة، هل تدل على بلوغ أم لا؟ على ثلاثة أقوال. يفرق في الثالث بين صبيان المسلمين، فلا يدل على ذلك؛ لاحتمال المعالجة، وبين صبيان أهل الذمة، فيكون بلوغًا في حقهم؛ لأنه [¬٤] لا يتعجل بها إلّا ضرب الجزية عليه [¬٥]، فلا يعالجها. والصحيح أنها بلوغ في حق الجميع [¬٦]؛ لأن هذا أمر جبلي يستوي فيه الناس، واحتمال المعالجة بعيد، ثم قد دلت السنة على ذلك، في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (٦١)، عن

стр. 1506

عطية القرظي ﵁، قال: عرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، [] [¬١] فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خُلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت، فخُلي سبيلي. وقد أخرجه أهل السنن الأربعة (٦٢) بنحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وإنما كان كذلك؛ لأن سعد بن معاذ ﵁ كان قد حكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية. وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الغريب (٦٣): حَدَّثَنَا ابن علية، عن إسماعيل بن أمية، في محمد بن يحيى بن حبان، عن عمر، أن غلامًا ابتهر جارية في شعره، فقال: عمر ﵁ انظروا إليه. فلم يوجد أنبت، فدرأ عنه الحد. قال أبو عبيد: ابتهرها، أي: قذفها. والابتهار أن يقول: فعلتُ بها. وهو كاذب. فإن كان صادقا فهو الابتيار، قال الكميت في شعره: قبيح بمثلي نعت الفتاة … إما ابتهارًا واما ابتيارًا وقوله : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني صلاحًا في دينهم، وحفظا لأموالهم. وكذا روي عن ابن عباس والحسن البصري وغير واحد من الأئمة، وهكذا قال الفقهاء: متى [¬٢] بلغ الغلام مصلحًا لدينه وماله انفك الحجر عنه، فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه بطريقه [¬٣]. وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ أي: إسرافًا مبادرة قبل بلوغهم. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: [من كان في غنية عن مال اليتيم] [¬٤]

стр. 1507

فليستعفف عنه، ولا يأكل منه شيئًا. وقال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم. ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال ابن أبي حاتم (٦٤): حَدَّثَنَا الأشج، حَدَّثَنَا عبد الله بن سليمان، حَدَّثَنَا هشام، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ نزلت في مال اليتيم. وحَدَّثَنَا الأشج، وهارون بن إسحاق قالا: حَدْثَنَا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قالت [¬١]: نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه، إذا كان محتاجًا أن يأكل منه (٦٥). وحَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن سعيد الأصبهاني، حَدَّثَنَا علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقدر قيامه عليه (٦٦). ورواه [¬٢] البخاري عن إسحاق عن [¬٣] [عبد الله] [¬٤] بن نمير، عن هشام به (٦٧). فقال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين، أجرة مثله، أو قدر حاجته. واختلفوا هل يرد إذا أيسر؟ على قولين: (أحدهما) لا [¬٥]؛ لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرًا. وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي، لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل. [وقال الإمام] [¬٦] أحمد (٦٨): حَدَّثَنَا عبد الوهاب، حَدَّثَنَا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر، ولا متأثل مالًا، ومن غير أن تقي مالك، أو قال -تفدي

стр. 1508

مالك- بماله". شك حسين. وقال ابن أبي حاتم (٦٩): حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، حَدَّثَنَا حسين المكتب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن عندي يتيمًا عنده مال وليس عندي شيء، فما آكل من ماله؟ قال: "كل بالمعروف غير مسرف". ورواه [¬١] أبو داود (٧٠) والنسائي (٧١) وابن ماجة (٧٢) من حديث حسين المعلم به. وروى [¬٢] أبو حاتم بن حبان في صحيحه (٧٣) وابن مردويه في تفسيره، [من حديث] [¬٣] يعلى بن مهدي، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عامر الخزاز، عن عمرو بن دينار، عن جابر، أن رجلًا قال: يا رسول الله، فيم أضرب يتيمي؟ قال: "مما كنت ضاربا منه ولدك، غير واق مالك بماله، ولا متأثل منه مالا".

стр. 1509

وقال ابن جرير (٧٤): حَدَّثَنَا الحسن [¬١] بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس، فقال: إن في حجري أيتامًا، وإن لهم إبلا، ولي إبل، وأنا أمنح في إبلي وأفقر، فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: "إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباها، وتلوط حوضها، وتسقي عطشها [¬٢]، فاشرب غير مضر بنسل، ولا نَاهِك [¬٣] في الحلب". ورواه مالك (٧٥) في موطئه، عن يحيى بن سعيد، به. وبهذا القول، وهو عدم أداء البدل يقول عطاء بن أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطية العوفي والحسن البصري. (والثاني) نعم؛ لأن مال اليتيم على الحظر، وإنما أبيح للحاجة، فيردّ بدله، كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة. وقد قال [أبو بكر] [¬٤] ابن أبي الدنيا: حَدَّثَنَا ابن (٧٦) خيثمة، حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر ﵁: إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت. (طريق أخرى): قال سعيد بن منصور: حَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق عن البراء قال: قال لي عمر ﵁: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والى اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت (٧٧). إسناد صحيح. وروى [¬٥] البيهقي عن ابن عباس نحو ذلك (٧٨): هكذا رواه ابن أبي حاتم، من طريق علي

стр. 1510

ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يعني القرض. قال: وروي عن عبيدة وأبي العالية وأبي وائل وسعيد بن جبير في إحدى الروايات ومجاهد والضحاك والسدي نحو ذلك (٧٩). وروى من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: يأكل بثلاث أصابع. ثم قال (٨٠): حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا ابن مهدي، حَدَّثَنَا سفيان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: يأكل من ماله، يقوت على يتيمه، حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم. قال: وروي عن مجاهد وميمون بن مهران في إحدى الروايات والحكم [¬١] نحو ذلك. وقال عامر الشعبي: لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة، فإن أكل منه قضاه. رواه ابن أبي حاتم (٨١). وقال ابن وهب: حَدَّثَنَا نافع بن أبي نعيم القارئ، قال: سألت يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، عن قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؟ الآية. فقالا: ذلك في اليتيم، إن كان فقيرًا أنفق عليه بقدر فقره، ولم يكن للولي منه شيء (٨٢). وهذا بعيد من السياق لأنه قال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ يعني: من الأولياء ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا﴾ أي: منهم. ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالتي هي أحسن. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: لا تقربوه إلا مصلحين له، فإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف. وقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ يعني: بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد منهم [¬٢]،
следующие страницы →