← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أبو توبة الربيع بن نافع، فكان في كتابه: حدثنا الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، عن سليمان بن موسى، عن كثير بن مرة، عن يزيد بن الأخنس، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنافس بينكم إلا في اثنتين: رجل أعطاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ويتبع ما فيه، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانًا فأقوم به كما يقوم به، ورجل أعطاه الله مالًا فهو ينفق ويتصدق، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانًا فأتصدق به" (٢٧٢). وقريب من هذا ما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبادة بن مسلم، حدثني يونس بن خباب، عن سعيد أبي البختري الطائي، عن أبي كبشة؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، فأما الثلاث التي أقسم عليهن: فإنه ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فيصبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر، وأما الذي أحدثكم حديثًا فاحفظوه، فإنه قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصل رحمه، ويعلم لله فيه حقه"، قال: "فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالًا فهو يقول: لو كان لي مال عملت بعمل فلان" قال: "فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو كان لي مال لفعلت بعمل فلان" قال: "هي نيته فوزرهما فيه سواء" (٢٧٣). وقال أيضًا: حدثنا وَكِيع، حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي كبشة الأنماري قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا فهو يعمل به في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا فهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل". قال رسول الله ﷺ : "فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علما فهو يخبط فيه ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل

стр. 177

الذي يعمل". قال رسول الله ﷺ : "فهما في الوزر سواء". إسناد صحيح (٢٧٤). خيركم من تعلم القرآن وعلمه حدثنا حجاج بن مِنْهال، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مَرْثَد، سمعت سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان بن عفان، ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان، ﵁، حتى كان الحجاج قال: وذلك الذي أقعدني مقعدي هذا (٢٧٥). وقد أخرج الجماعة هذا الحدث سوى مسلم من رواية شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن - وهو عبد الله بن حبيب السلمي ﵀. وحدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عَلْقَمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان قال: قال النبي ﷺ : "إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه" (٢٧٦). وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طرقٍ عن سفيان، عن علقمة، عن أبي

стр. 178

عبد الرحمن، من غير ذكر سعد بن عبيدة (٢٧٧)، كما رواه شعبة ولم يختلف عليه فيه، وهذا المقام مما حكم لسفيان الثوري فيه على شعبة، وخطأ بُنْدَار يحيى بن سعيد في روايته ذلك عن سفيان، عن علقمة، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن وقال: رواه الجماعة من أصحاب سفيان عنه، بإسقاط سعد بن عبيدة، ورواية سفيان أصحُّ في هذا المقام المتعلق بصناعة الإسناد، وفي ذكره طول لولا الملالة لذكرناه، وفيما ذكر كفاية وإرشاد إلى ما ترك، والله أعلم. والغرض أنه، ﵊، قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" وهذه من صفات المؤمنين المتبعين للرسل، وهم الكُمل في أنفسهم، المكملون لغيرهم، وذلك جمع النفع القاصر والمتعدي، وهذا بخلاف صفة الكفار الجبارين الذين لا ينفعون، ولا يتركون أحدا ممن أمكنهم أن ينتفع، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (٢٧٨)، وكما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (٢٧٩)، في أصح قولي المفسرين في هذا، وهو أنهم ينهون الناس عن اتباع القرآن مع نأيهم وبعدهم عنه أيضًا، فجمعوا بين التكذيب والصد، كما قال تعالى: ﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ (٢٨٠)، فهذا شأن الكفار، كما أن شأن الأخيار الأبرار أن يتكمل في نفسه وأن يسعى في تكميل غيره كما قال ﵇: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وكما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَال إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢٨١)، فجمع بين الدعوة إلى الله سواء كان بالأذان أو بغيره من أنواع الدعوة إلى الله تعالى من تعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك، مما يُبتغى به وجه الله، وعمل هو في نفسه صالحًا، وقال قولًا صالحًا أيضًا، فلا أحد أحسن حالًا من هذا. وقد كان أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي -أحد أئمة الإِسلام ومشايخهم- ممن رغب في هذا المقام، فقعد يعلم الناس من إمارة عثمان إلى أيام الحجاج قالوا: وكان مقدار ذلك الذي مكث فيه يعلم القرآن سبعين سنة، ﵀، وآتاه الله ما طلبه ودامه. آمين. قال البخاري ﵀: حدثنا عمرو بن عون، حدثنا حماد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: أتت النبي ﷺ امرأة فقالت: إنها قد وهبت نفسها لله ورسوله، فقال: "ما لي في النساء من حاجة". فقال رجل: زوّجنيها، قال: "أعطها ثوبًا"، قال: لا أجد، قال: "أعطها ولو خاتما من حديد"، فاعتل له، فقال: "ما معك من القرآن؟ ". قال: كذا وكذا. فقال: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" (٢٨٢).

стр. 179

وهذا الحديث متفق على صحة إخراجه من طرق عديدة، والغرض منه أن الذي قصده البخاري أن هذا الرجل تعلم الذي تعلمه من القرآن، وأمره النبي ﷺ أن يعلمه تلك المرأة، ويكون ذلك صداقًا لها علي ذلك، وهذا فيه نزاع بين العلماء، وهل يجوز أن يجعل مثل هذا صداقًا؟ أو هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟ وهل هذا كان خاصًّا بذلك الرجل؟ وما معنى قوله ﵊: "زوجتكها بما معك من القرآن"؟ أبسبب ما معك من القرآن؟ كما قاله أحمد بن حنبل: نكرمك بذلك أو بعوض ما معك، وهذا أقوى، لقوله في صحيح مسلم: "فعلمها"، وهذا هو الذي أراده البخاري ها هنا وتحرير باقي الخلاف مذكور في كتاب النكاح والإجارات، والله المستعان.

стр. 180

القراءة عن ظهر قلب إنما أفرد البخاري في هذه الترجمة حديث أبي حازم عن سهل بن سعد، الحديث الذي تقدم الآن، وفيه أنه، ﵇، قال لرجل: "فما معك من القرآن؟ ". قال: معي سورة كذا وكذا، لسور عددها. قال: "أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ ". قال: نعم. قال: "اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن" (٢٨٣). وهذه الترجمة من البخاري، ﵀، مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل، والله أعلم. ولكن الذي صرح به كثيرون من العلماء أن قراءة القرآن من المصحف أفضل؛ لأنه يشتمل على التلاوة والنظر في المصحف وهو عبادة، كما صرح به غير واحد من السلف، وكرهوا أن يمضي على الرجل يوم لا ينظر في مصحفه، واستدلوا على أفضلية التلاوة في المصحف بما رواه الإِمام العلم أبو عبيد ﵀ في كتاب "فضائل القرآن" حيث قال: حدثنا نعيم بن حماد، عن بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن سليمان بن مسلم، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : "فضل قراءة القرآن نظرًا على من يقرأه ظهرًا، كفضل الفريضة على النافلة" (٢٨٤) وهذا الإسناد ضعيف، فإن معاوية بن يحيى هو الصدفي أو الأطرابلسي، وأيهما كان فهو ضعيف. وقال الثوري: عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أديموا النظر في المصحف (٢٨٥). وقال حماد بن سلمة (٢٨٦)، عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهك [¬١]، عن ابن عباس، عن عمر: أنه كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه. وقال حماد أيضًا (٢٨٧): عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن مسعود: أنه كان إذا اجتمع إليه إخوانه نشروا المصحف، فقرءوا، وفسر لهم. إسناد صحيح.

стр. 181

وقال حماد بن سلمة: عن حجاج بن أرطأة، عن ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر قال: إذا رجع أحدكم من سوقه فلينشر المصحف وليقرأ (٢٨٨). وقال الأعمش عن خَيثَمة: دخلت على ابن عمر وهو يقرأ في المصحف، فقال: هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة (٢٨٩). فهذه الآثار تدل على أن هذا أمر مطلوب لئلا يعطل المصحف فلا يقرأ منه، ولعله قد يقع لبعض الحفظة نسيان فيستذكر منه، أو تحريف كلمة أو آية أو تقديم أو تأخير، فالاستثبات أولى، والرجوع إلى المصحف أثبت من أفواه الرجال، فأما تلقين القرآن فمن فم الملقن أحسن؛ لأن الكتابة لا تدل على كمال الأداء، كما أن المشاهد من كثير ممن يحفظ من الكتابة فقط يكثر تصحيفه وغلطه، وإذا أدى الحال إلى هذا منع منه إذا وجد شيخا يوقفه على لفظ القرآن، فأما عند العجز عمن يلقن فلا كلف الله نفسًا إلا وسعها، فيجوز عند الضرورة ما لا يجوز عند الرفاهية، فإذا قرأ في المصحف -والحالة هذه- فلا حرج عليه، ولو فرض أنه قد يحرف بعض الكلمات عن لفظها على لغته ولفظه، فقد قال الإِمام أبو عبيد: حدثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي، عن محمَّد بن شعيب، عن الأوزاعي؛ أن رجلًا صحبهم في سفر قال: فحدثنا حديثًا ما أعلمه إلا رفعه إلى رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا قرأ فحرف أو أخطأ كتبه الملك كما أنزل" (٢٩٠). وحدثنا حفص بن غياث، عن الشيباني، عن بكير بن الأخنس قال: كان يقال: إذا قرأ الأعجمي والذي لا يقيم القرآن كتبه الملك كما أنزل. وقال بعض العلماء: المدار في هذه المسألة على الخشوع في القراءة، فإن كان الخشوع عند القراءة على ظهر القلب فهو أفضل، وإن كان عند النظر في المصحف فهو أفضل فإن استويا فالقراءة نظرا أولى؛ لأنها أثبت وتمتاز بالنظر في المصحف، قال الشيخ أبو زكريا النووي، ﵀، في "التبيان": والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل. تنبيه: إن كان البخاري، ﵀، أراد بذكر حديث سهل الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل منها في المصحف، ففيه نظر؛ لأنها قضية عين، فيحتمل أن ذلك الرجل كان لا يحسن الكتابة ويعلم ذلك رسول الله ﷺ منه، فلا يدل على أن التلاوة عن ظهر

стр. 182

قلب أفضل مطلقا في حق من يحسن ومن لا يحسن، إذ لو دل هذا لكان ذكر حال رسول الله ﷺ وتلاوته عن ظهر قلب -لأنه أمي لا يدري الكتابة- أولى من ذكر هذا الحديث بمفرده. الثاني: أن سياق الحديث إنما هو لأجل استثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب؛ ليمكنه تعليمها لزوجته، وليس المراد هاهنا: أن هذا أفضل من التلاوة نظرا، ولا عدمه (٢٩١)، والله أعلم. استذكار القرآن وتعاهده حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقَّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت" هكذا رواه مسلم والنسائي من حديث مالك به (٢٩٢). وقال الإمام أحمد (٢٩٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه بالليل والنهار، كمثل رجل له إبل، فإن عقلها حفظها، وإن أطلق عقالها ذهبت، فكذلك صاحب القرآن". أخرجاه، قاله ابن الجوزي في جامع المسانيد، وإنما هو من أفراد مسلم من حديث عبد الرزاق به (٢٩٤). وحدثنا محمد بن عرعرة، حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : "بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية. كيت وكيت، بل نُسِّيَ، واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصِّيًا من صدور الرجال من النعم" (٢٩٥). تابعه بشر. هو ابن محمد السختياني- عن ابن المبارك، عن شعبة.

стр. 183

وقد رواه الترمذي عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به (٢٩٦)، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي من رواية شعبة (٢٩٧). وحدثنا عثمان، حدثنا جرير، عن منصور مثله. وتابعه ابن جريج عن عبدة، عن شقيق: سمعت عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ (٢٩٨). وهكذا أسنده مسلم من حديث ابن جريج، به (٢٩٩). ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث محمد بن جحادة، عن عبدة وهو ابن أبي لُبَابة، به (٣٠٠). وهكذا رواه مسلم عن عثمان وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم عن جريج، به (٣٠١)، وستأتي رواية البخاري له عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري، عن منصور، به. والنسائي من رواية ابن عيينة عن منصور، به، فقد رواه هؤلاء عن منصور، به مرفوعًا في رواية هؤلاء كلهم (٣٠٢). وقد رواه النسائي عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله موقوفًا (٣٠٣). وهذا غريب وفي مسند أبي يعلى (٣٠٤)، فإنما هو نَسِي بالتخفيف. حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن

стр. 184

النبي ﷺ قال: "تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تَفصيًّا من الإبل في عقلها" وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب محمد بن العلاء وعبد اللَّه بن برادٍ الأشعري، كلاهما عن أبي أسامة حماد بن أسامة، به (٣٠٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا موسى بن علي: سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله ﷺ : "تعلموا كتاب الله، وتعاهدوه وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفلتا من المخاض في العقل" (٣٠٦). ومضمون هذه الأحاديث الترغيب في كثرة تلاوة القرآن واستذكاره وتعاهده؛ لئلا يعرضه حافظه للنسيان، فإن ذلك خطر كبير، نسأل اللَّه العافية منه، فإنه قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أمير عشرة إلا ويؤتى به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه من ذلك الغل إلا العدل، وما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم القيامة [¬١] يلقاه وهو أجذم" (٣٠٧).

стр. 185

هكذا رواه جرير بن عبد الحميد، ومحمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، كما رواه خالد بن عبد الله (٣٠٨). وقد أخرجه أبو داود عن محمد بن العلاء عن ابن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن سعد بن عبادة، عن النبي ﷺ بقصة نسيان القرآن، ولم يذكر الرجل المبهم (٣٠٩). وكذا رواه أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، وقد رواه شعبة، عن يزيد فوهم في إسناده، ورواه وَكِيع عن أصحابه، عن يزيد، عن عيسى بن فائد، عن النبي ﷺ مرسلًا. وقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت فقال: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أمير عشرة إلا يؤتي به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه منها إلا عدله، وما من رجل تعلم القرآن ثم نسيه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم" (٣١٠). وكذا رواه أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، ففيه اختلاف، لكن هذا في باب الترهيب مقبول والله أعلم- لاسيما إذا كان له شاهد من وجه آخر، كما قال أبو عبيد: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: حُدثت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "عرضت عليُّ أجور أمتي حتى القذاة والبعرة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليُّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أكبر من آية أو سورة من كتاب الله أوتيها رجل فنسيها". قال ابن جريج: وحُدّثت عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكبر ذنب توافى به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها" (٣١١).

стр. 186

وقد روى أبو داود والترمذي وأبو يعلى والبزار وغيرهم من حديث ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها" (٣١٢). قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به البخاري فاستغربه، وحكى البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أنه أنكر سماع المطلب من أنس بن مالك. قلت: وقد رواه محمد بن يزيد الآدمي، عن ابن أبي رواد، عن ابن جريج عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، به. والله أعلم. وقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَال رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَال كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٥] (٣١٣)، وهذا الذي قاله هذا -وإن لم يكن هو المراد جميعه- فهو بعضه، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبير وتفريط شديد، نعوذ بالله منه؛ ولهذا قال ﵇: "تعاهدوا القرآن"، وفي لفظ "استذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم". التَّفَصِّي: التخلص يقال: تَفَصَّى فلان من البلية: إذا تخلص منها، ومنه: تفصَّى النوى من التمرة: إذا تخلص منها، أي: إن القرآن أشد تفلتا من الصدور من النعم إذا أرسلت من غير عقال: وقال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: إني لأمقت القارئ أن أراه سمينًا نسيًّا للقرآن (٣١٤).

стр. 187

وحدثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب يحدثه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] (٣١٥)، وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب (٣١٦). ولهذا قال إسحاق بن راهويه وغيره: يُكره لرجل أن يمر عليه أربعون يومًا لا يقرأ فيها القرآن، كما أنه يُكره له أن يقرأ في أقل من ثلاثة أيام، كما سيأتي هذا، حيث يذكره البخاري بعد هذا، وكان الأليق أن يتبعه هذا الباب، ولكن ذكر بعد هذا قوله: القراءة على الدابة حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، أخبرني أبو إياس قال: سمعت عبد الله بن مغفل، ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح (٣١٧). وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة سوى ابن ماجة من طرق، عن شعبة، عن أبي إياس، وهو معاوية بن قرة، به (٣١٨)، وهذا -أيضًا- له تعلق بما تقدم من تعاهد القرآن وتلاوته سفرًا وحضرًا، ولا يكره ذلك عند أكثر العلماء إذا لم يتله القارئ في الطريق. وقد نقله ابن أبي داود عن أبي الدرداء أنه كان يقرأ في الطريق، وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أذن في ذلك، وعن الإمام مالك أنه كره ذلك، كما قال ابن أبي داود: وحدثني أبو الربيع، أخبرنا ابن وهب قال: سألت مالكا عن الرجل يصلي من آخر الليل، فيخرج إلى المسجد، وقد بقي من السورة التي كان يقرأ منها شيء، فقال: ما اعلم القراءة تكون في الطريق. وقال الشعبي: تكره قراءة القرآن في ثلاثة مواطن: في الحمام، وفي الحشوش، وفي بيت الرحى وهي تدور. وخالفه في القراءة في الحمام كثير من السلف: أنها لا تكره، وهو مذهب مالك والشافعي و إبراهيم النخعي وغيرهم، وروى ابن أبي داود عن علي بن أبي طالب: أنه كره

стр. 188

ذلك، ونقله ابن المنذر عن أبي وائل شقيق بن سلمة، والشعبي والحسن البصري ومكحول وقبيصة بن ذؤيب، وهو رواية عن إبراهيم النخعي، ويحكى عن أبي حنيفة، ﵏، أن القراءة في الحمام تكره، وأما القراءة في الحشوش فكراهتها ظاهرة، ولوقيل بتحريم ذلك صيانة لشرف القرآن لكان مذهبًا، وأما القراءة في بيت الرحى وهي تدور؛ فلئلا يعلو غير القرآن عليه، والحق يعلو ولا يُعلى، والله أعلم. تعليم الصبيان القرآن حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم، قال: وقال ابن عباس: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم (٣١٩). حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمعت المحكم في عهد النبي ﷺ ، فقلت له: وما المحكم؟ قال: "المفصل" (٣٢٠). انفرد بإخراجه البخاري، وفيه دلالة على جواز تعلم الصبيان القرآن؛ لأن ابن عباس أخبر عن سنه حين موت الرسول ﷺ ، وقد كان جمع المفصل، وهو من الحجرات، كما تقدم ذلك، وعمره آنذاك عشر سنين. وقد روى البخاري أنه قال: توفي رسول الله ﷺ وأنا مختون (٣٢١). وكانوا لا يختنون الغلام حتى يحتلم، فيحتمل أنه تجوز في هذه الرواية بذكر العشر، وترك ما زاد عليها من الكسر، والله أعلم. وعلى كل تقدير، ففيه دلالة على جواز تعليمهم القرآن في الصبا، وهو ظاهر، بل قد يكون مستحبًا أو واجبًا؛ لأن الصبي إذا تعلم القرآن بلغ وهو يعرف ما يصلي به، وحفظه في الصغر أولى من حفظه كبيرًا، وأشد علوقًا بخاطره وأرسخ وأثبت، كما هو المعهود من حال الناس، وقد استحب بعض السلف أن يترك الصبي في ابتداء عمره قليلا للعب، ثم توفر همته على القراءة، لئلا يلزم أولًا بالقراءة فيملها ويعدل عنها إلى اللعب، وكره بعضهم تعليمه القرآن وهو لا يعقل ما يقال له، ولكن يترك حتى إذا عقل وميز علم قليلًا قليلا، بحسب همته ونهمته وحفظه وجودة ذهنه، واستحب عمر بن الخطاب، ﵁، أن يلقن خمس آيات خمس آيات،

стр. 189

رويناه عنه بسند جيد (٣٢٢). نسيان القرآن وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا، وقول الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧] (٣٢٣). حدثنا الربيع بن يحيى، حدثنا زائدة، حدثنا هشام، عن عروة، عن عائشة قالت: لقد سمع النبي ﷺ رجلا يقرأ في المسجد فقال: "يررحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا من سورة كذا" انفرد به. وحدثني محمد بن عبيد بن ميمون، حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام وقال: أسقطتهن من سورة كذا وكذا. انفرد به أيضًا. تابعه علي بن مسهر وعبدة عن هشام (٣٢٤). وقد أسندهما البخاري في موضع آخر، ومسلم معه في عبدة (٣٢٥). وحدثنا أحمد بن أبي رجاء، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ﵂، قالت: سمع رسول الله ﷺ رجلا يقرأ في سورة بالليل فقال: "يرحمه الله، فقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا". ورواه مسلم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة (٣٢٦). الحديث الثاني: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي" ورواه مسلم والنسائي، من حديث منصور به (٣٢٧). وقد تقدم. وفي مسند أبي يعلى: فإنما هو نُسِيَ"، بالتخفيف، هذا لفظه.

стр. 190

وفي هذا الحديث -والذي قبله- دليل على أن حصول النسيان للشخص ليس بنقص له إذا كان بعد الاجتهاد والحرص، وفي حديث ابن مسعود أدب في التعبير عن حصول ذلك، فلا يقول: نسيت آية كذا، فإن النسيان ليس من فعل العبد، وقد يصدر عنه أسبابه من التناسي والتغافل والتهاون المفضي إلى ذلك، فأما النسيان نفسه فليس بفعله؛ ولهذا قال: "بل هو نُسِيَ"، مبني لما لم يسم فاعله، وأدب -أيضًا- في ترك إضافة ذلك إلى الله تعالى، وقد أسند النسيان إلى العبد في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] (٣٢٨) وهو، والله أعلم، من باب المجاز السائغ بذكر المسبب وإرادة السبب؛ لأن النسيان إنما يكون عن سبب قد يكون ذنبا، كما تقدم عن الضحاك بن مزاحم، فأمر الله تعالى بذكره ليذهب الشيطان عن القلب كما يذهب عند النداء بالأذان، والحسنة تذهب السيئة، فإذا زال السبب للنسيان انزاح، فحصل الذكر لشيء بسبب ذكر الله تعالى، والله أعلم. من لم ير بأسًا أن يقول: سورة البقرة، وسورة كذا وكذا حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا إبراهيم، عن علقمة وعبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : "الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأ بهما في ليلة كفتاه" (٣٢٩). وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة من حديث عبد الرحمن بن يزيد، وصاحبا الصحيح والنسائي وابن ماجة من حديث علقمة، كلاهما عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري (٣٣٠). الحديث الثاني: ما رواه من حديث الزهري، عن عروة، عن المِسْوَر وعبد الرحمن بن عبد القارئ، كلاهما عن عمر قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان … وذكر الحديث بطوله، كما تقدم، وكما سيأتي (٣٣١).

стр. 191

الحديث الثالث: ما رواه من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سمع رسول الله، ﷺ ، قارئًا يقرأ من الليل في المسجد، فقال: "يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية، كنت أسقطتهن من سورة كذا وكذا" (٣٣٢). وهكذا في الصحيحين عن ابن مسعود: أنه كان يرمي الجمرة من الوادي ويقول: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة (٣٣٣). وكره بعض السلف ذلك، ولم يروا إلا أن يقال: السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، كما تقدم من رواية يزيد الفارسي عن ابن عباس، عن عثمان أنه قال: إذا نزل شيء من القرآن يقول رسول الله، ﷺ : "اجعلوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا"، ولا شك أن هذا أحوط وأولى، ولكن قد صحت الأحاديث بالرخصة في الآخر، وعليه عملُ الناس اليوم في ترجمة السور في مصاحفهم، وبالله التوفيق. الترتيل في القراءة وقول الله : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٤] (٣٣٤)، وقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] (٣٣٥)، يَكره أن يهذ كهذ الشعر، يفرق: يفصل، قال ابن عباس: ﴿فَرَقْنَاهُ﴾: فصلناه. حدثنا أبو النعمان، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا واصل -وهو ابن حيان الأحدب- عن أبي وائل، عن عبد الله قال: غدونا على عبد الله، فقال رجل: قرأت المفصل البارحة، فقال: هذا كهذ الشعر، إنا قد سمعنا القراءة، وإني لأحفظ القراءات التي كان يقرأ بهن النبي، ﷺ ، ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل حم (٣٣٦). ورواه مسلم عن شيبان بن فَرُّوخ، عن مهدي بن ميمون، عن واصل -وهو ابن حيان الأحدب- عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، به (٣٣٧). وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لَهِيعة، عن الحارث بن يزيد، عن زياد بن

стр. 192

نعيم، عن مسلم بن مِخْراق، عن عائشة أنه ذكر لها أن ناسًا يقرءون القرآن في الليل مرة أو مرتين، فقالت: أولئك قرءوا ولم يقرءوا، كنت أقوم مع النبي ﷺ ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآية فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب إليه (٣٣٨). الحديث الثاني: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (٣٣٩): كان رسول الله، ﷺ ، إذا نزل جبريل بالوحى، وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه. وذكر تمام الحديث كما سيأتي، وهو متفق عليه، وفيه وفي الذي قبله دليل على استحباب ترتيل القراءة والترسل فيها من غير هَذْرَمة (٣٤٠) ولا سرعة مفرطة، بل بتأمل وتفكر، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (٣٤١). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي، ﷺ ، قال: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارْقَ، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها" (٣٤٢). وقال أبو عبيد: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: قرأ علقمة على عبد الله، فكأنه عجل، فقال عبد الله: فداك أبي وأمي، رتل فإنه زين القرآن. قال: وكان علقمة حسن الصوت بالقرآن (٣٤٣).

стр. 193

وحدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن أبي جمرة؛ قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ كما تقول (٣٤٤). وحدثنا حجاج، عن شعبة وحشاد بن سلمة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، نحو ذلك، إلا أن في حديث حماد: أحب إليّ من أن أقرأ القرآن أجمع هذرمة (٣٤٥). ثم قال البخاري، ﵀: مد القراءة حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم الأزدي، حدثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي، ﷺ ، فقال: كان يمد مدا (٣٤٦). وهكذا رواه أهل السنن، من حديث جرير بن حازم، به (٣٤٧). وحدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام، عن قتادة قال: سئل أنس بن مالك: كيف كانت قراءة النبي، ﷺ ؟ فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ: يسم الله الرحمن الرحيم. يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد يالرحيم. انفرد به البخاري من هذا الوجه (٣٤٨). وفي معناه الحديث الذي رواه الإمام أبو عبيد: حدثنا أحمد بن عثمان، عن عبد الله بن المبارك، عن الليث بن سعد، عن ابن أبي مُلَيكَة، عن يعلى بن مَملك، عن أم سلمة: أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ قراءة مفسرة حرفًا حرفًا (٣٤٩).

стр. 194

وهكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل، عن يحيى بن إسحاق، وأبو داود عن يزيد بن خالد الرملي، والترمذي والنسائي، كلاهما عن قتيبة، كلهم عن الليث بن سعد به (٣٥٠). وقال الترمذي: حسن صحيح. ثم قال أبو عبيد: وحدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيكة، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله، ﷺ ، يقطع قراءته؛ بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. وهكذا. وهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث ابن جريج (٣٥١). وقال الترمذي: غريب وليس إسناده بمتصل. يعني: أن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُلَيكة لم يسمعه من أم سلمة، وإنما رواه عن يعلى بن مَمْلَك، كما تقدم، والله أعلم. الترجيع حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، حدثنا أبو إياس قال: سمعت عبد الله بن مغفل قال: رأيت النبي، ﷺ ، وهو على ناقته -أو جمله- وهي تسير به، وهو يقرأ سورة الفتح قراءة لينة وهو ررجع (٣٥٢). وقد تقدم هذا الحديث في القراءة على الدابة وأنه من المتفق عليه، وفيه أن ذلك كان يوم الفتح، وأما الترجيع: فهو الترديد في الصوت، كما جاء -أيضًا- في البخاري أنه جعل يقول: (آآآ)، وكأن ذلك صدر من حركة الدابة تحته، فدل على جواز التلاوة عليها، و (ن أفضى إلى ذلك ولا يكون ذلك من باب الزيادة في الحروف، بل ذلك مغتفر للحاجة، كما يصلي على الدابة حيث توجهت به، مع إمكان تأخير ذلك والصلاة إلى القبلة، والله أعلم.

стр. 195

حسن الصوت بالقراءة حدثنا محمد بن خلف أبو بكر، حدثنا أبو يحيى الحمّاني، حدثنا بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود" (٣٥٣) وهكذا رواه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكندي، عن أبي يحيى الحمّاني (٣٥٤) - واسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن - وقال: حسن صحيح. وقد رواه مسلم من حديث طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبي بردة، عن أبي موسى (٣٥٥)، وفيه قصة، وقد تقدم الكلام على تحسين الصوت عند قول البخاري: من لم يتغن بالقرآن، وذكرت هناك أحكامًا كافية عن إعادتها هاهنا، والله أعلم. من أحب أن يسمع القرآن من غيره حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم بن عبيدة، عن عبد الله قال: قال لي النبي ﷺ : "اقرأ على القرآن". قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري". وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجة، من طرق عن الأعمش (٣٥٦)، وله طرق يطول ذكرها وبسطها. وقد تقدم فيما رواه مسلم من حديث طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبي بردة، عن أبي موسى: أن رسول الله، ﷺ ، قال له: "يا أبا موسى، لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة". فقال: أما والله لو أعلم أنك تستمع قراءتي لحبَّرْتها لك تحبيرا. وقال الزهري، عن أبي سلمة: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى. فيقرأ عنده. وقال أبو عثمان النهدي: كان أبو موسى يصلى بنا، فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنج

стр. 196

قط ولا بربط قط، ولا شيئًا قط أحسن من صوته. قول المقرئ للقارئ: حسبك حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدةَ، عن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ عليّ". فقلت: يا رسول الله، أأقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: "نعم"، فقرأت عليه سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٣٥٧)، قال: "حسبك الآن" فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان (٣٥٨). أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه، من رواية الأعمش، به (٣٥٩)، ووجه الدلالة ظاهر، وكذا الحديث الآخر: "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا". في كم يقرأ القرآن وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ حدثنا علي، حدثنا سفيان، قال: قال لي ابن شبرمة: نظرت كم يكفي الرجل من القرآن فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات. فقلت: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات. قال سفيان: أخبرنا منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، أخبره علقمة عن أبي مسعود، فلقيته وهو يطوف بالبيت، قذكر قول النبي، ﷺ ، إن: "من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" (٣٦٠). وقد تقدم أن هذا الحديث متفق عليه، وقد جمع البخاري فيما بين عبد الرحمن بن يزيد وعلقمة عن أبي مسعود وهو صحيح؛ لأن عبد الرحمن سمعه أولًا من علقمة، ثم لقي أبا مسعود وهو يطوف فسمعه منه، وعليّ هذا هو ابن المديني وشيخه هو سفيان بن عيينة، وما قاله عبد الله بن شبرمة -ففيه الكوفة في زمانه- استنباط حسن، وقد جاء في حديث في السنن: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات" (٣٦١)، ولكن هذا الحديث -أعني حديث أبي

стр. 197

مسعود- أصح وأشهر وأخص، ولكن وجه مناسبته للترجمة التي ذكرها البخاري فيه نظر، والله أعلم (٣٦٢). والحديث الثاني أظهر في المناسبة وهو قوله (٣٦٣): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عَوَانة، عن مغيرة، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كِنَّته فيسألها عن بعلها فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا، ولم يفتش لنا كنفا منذ أتيناه، فلَما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ ، فقال: "ألقني به"، فلقيته بعد، فقال: "كيف تصوم؟ ". قلت: كل يوم. قال: "وكيف تختم؟ ". قال: كل ليلة. قال: "صم كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر": قال: قلت: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: "صم ثلاثة أيام في الجمعة". قلت: أطيق أكثر من ذلك. قال: "أفطر يومين وصم يومًا". قلت: أطيق أكثر من ذلك. قال: "صم أفضل الصوم، صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرةً"، فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ! وذلك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار والذي يقرأ يعرضه بالنهار ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا وأحصى وصام مثلهن، كراهية أن يترك شيئًا فارق عليه النبي ﷺ . وقال بعضهم: في ثلاث وفي خمس وأكثرهم على سبع. وقد رواه في الصوم، والنسائي -أيضًا- عن بُنْدَار، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن مغيرة، والنسائي من حديث حصين، كلاهما عن مجاهد، به (٣٦٤).

стр. 198

ثم روى البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن -مولي بني زهرة - عن أبي سلمة قال: وأحسبني قال: سمعت أنا من أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي النبي ﷺ : "اقرأ القرآن في شهر". قلت: إني أجد قوة. قال: "فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك" (٣٦٥). فهذا السياق ظاهره يقتضي المنع من قراءة القرآن في أقل من سبع، وهكذا الحديث الذي رواه أبو عبيد: حدثنا حجاج وعمر بن طارق ويحيى بن بكير، كلهم عن ابن لَهِيعة، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن قيس بن أبي صعصعة؛ أنه قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، في كم أقرأ القرآن؟ فقال: "في كل خمس عشرة". قال: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: "ففي كل جمعة" (٣٦٦). وحدثنا حجاج، عن شعبة، عن محمد بن ذكوان -رجل من أهل الكوفة- قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يقول: كان عبد الله بن مسعود يقرأ القرآن في غير رمضان من الجمعة إلى الجمعة (٣٦٧). وعن حجاج، عن شعبة، عن أيوب: سمعت أبا قِلَابة، عن أبي المهلب قال: كان أبيّ بن كعب يختم القرآن في كل ثمان. وحدثنا علي بن عاصم، عن خالد، عن أبي قلابة قال: كان أبي بن كعب يختم القرآن في كل ثمان. وكان تميم الداري يختمه في كل سبع (٣٦٨)

стр. 199

وحدثنا هُشَيم، عن الأعمش، عن إبراهيم: أنه كان يختم القرآن في كل سبع (٣٦٩). وحدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال: كان الأسود يختم القرآن في كل ست، وكان علقمة يختمه في كل خمس (٣٧٠). فلو تركنا ومجرد هذا لكان الأمر في ذلك جليا، ولكن دلت أحاديث أخرجوها على جواز قراءته فيما دون ذلك، كما رواه الإمام أحمد في مسنده: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا حبان بن واسع، عن أبيه، عن سعد بن المنذر الأنصاري؛ أنه قال: يا رسول الله، أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال: "نعم". قال: فكان يقرؤه حتى توفي (٣٧١). وهذا إسناد جيد قوي حسن، فإن حسن بن موسى الأشيب ثقة متفق على جلالته روى له الجماعة وابن لَهِيعة، إنما يخشى من تدليسه وسوء حفظه، وقد صرح هاهنا بالسماع، وهو من الأئمة العلماء بالديار المصرية في زمانه، وشيخه حبان بن واسع بن حبان وأبوه، كلاهما من رجال مسلم، والصحابي لم يخرج له أحد من أهل الكتب الستة، وهذا على شرط كثير منهم، والله أعلم. وقد رواه أبو عبيد، ﵀، عن ابن بكير، عن ابن لَهِيعة، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن سعد بن المنذر الأنصاري أنه قال: يا رسول الله، أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال: "نعم، إن استطعت". قال: فكان يقرؤه كذلك حتى توفي (٣٧٢). حديث آخر:

стр. 200

قال أبو عبيد: حدثنا يزيد، عن همام، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث". وهكذا أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة من حديث قتادة، به (٣٧٣). وقال الترمذي: حسن صحيح. حديث آخر: قال أبو عبيد: حدثنا يوسف بن الغرق، عن الطيب بن سليمان، حدثتنا عمرة بنت عبد الرحمن: أنها سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ لا يختم القرآن في أقل من ثلاث (٣٧٤). هذا حديث غريب وفيه ضعف، فإن الطيب بن سليمان هذا بصري، ضعفه الدارقطني، وليس هو بذاك المشهور، والله أعلم. وقد كره غير واحد من السلف قراءة القرآن في أقل من ثلاث، كما هو مذهب أبي عبيد وإسحاق وابن راهويه وغيرهما من الخلف، أيضًا. قال أبو عبيد: حدثنا يزيد، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أبي العالية، عن معاذ بن جبل أنه كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث (٣٧٥). صحيح. وحدثنا يزيد، عن سفيان، عن علي بن بذَيمة، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز (٣٧٦). وحدثنا حجاج، عن شعبة، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله مثله سواء (٣٧٧).

стр. 201

وحدثنا حجاج، عن شعبة، عن محمد بن ذَكْوَان، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه؛ أنه كان يقرأ القرآن في رمضان في ثلاث (٣٧٨). إسناده صحيح. وفي المسند عن عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا: "اقرءوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به" (٣٧٩). فقوله: "لا تغلوا فيه" أي: لا تبالغوا في تلاوته بسرعة في أقصر مدة، فإن ذلك ينافي التدبر غالبًا؛ ولهذا قابله بقوله: "ولا تجفوا عنه" أي: لا تزكوا تلاوته. فصل وقد ترخص جماعة من السلف في تلاوة القرآن في أقل من ذلك؛ منهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁. قال أبو عبيد (٣٨٠): حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن خَصيفة، عن السائب بن رزيد: أن رجلًا سأل عبد الرحمن بن عثمان التيمي عن صلاة طلحة بن عبيد الله فقال: إن شئت أخبرتك عن صلاة عثمان، ﵁، فقال: نعم. قال: قلت: لأعلين الليلة على الحجر، فقمت، فلما قمت إذا أنا برجل مقنع يزحمني، فنظرت فإذا عثمان بن عفان، فتأخرت

стр. 202

عنه، فصلى فإذا هو يسجد سجود القرآن، حتى إذا قلت: هذه هوادى الفجر، أوتر بركعة لم يصل غيرها. وهذا إسناد صحيح. قال: وحدثنا هُشَيم، أنا منصور، عن ابن سيرين قال: قالت نائلة بنت الفرافصة الكلبية حيث دخلوا على عثمان ليقتلوه: إن يقتلوه أو يدعوه، فقد كان يحيي الليل كله بركعة يجمع فيها القرآن. وهذا حسن أيضًا (٣٨١). وقال -أيضًا-: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم بن سليمان، عن ابن سيرين: إن تميمًا الداري قرأ القرآن في ركعة (٣٨٢). حدثنا حجاج عن شعبة، عن حماد، عن سعيد بن جبير: أنه قال: قرأت القرآن في ركعة في البيت -يعني الكعبة (٣٨٣). وحدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ القرآن في ليلة، طاف بالبيت أسبوعًا (٣٨٤)، ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بالطول، ثم طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بالمئين، ثم طاف أسبوعًا ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بالمثاني، ثم طاف بالبيت أسبوعًا ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بقية القرآن (٣٨٥). وهذه كلها أسانيد صحيحة، ومن أغرب ما هاهنا: ما رواه أبو عبيد ﵀: حدثنا سعيد بن عُفَيْر، عن بكر بن مضر، أن سليم بن عتر التجيبي كان يختم القرآن في ليلة ثلاث مرات، ويجامع ثلاث مرات. قال: فلما مات قالت امرأته: رحمك الله، إن كنت لترضي ربك وترضي أهلك، قالوا: وكيف ذلك؟ قالت: كان يقوم من الليل فيختم القرآن، ثم يلم بأهله ثم يغتسل، ويعود فيقرأ حتى يختم ثم يلم بأهله، ثم يغتسل، ويعود فيقرأ حتى

стр. 203

يختم، ثم يلم بأهله ثم يغتسل، ويخرج إلى صلاة الصبح (٣٨٦). قلت: كان سليم بن عتر تابعيًّا جليلًا ثقة نبيلًا، وكان قاضيًا بمصر أيام معاوية وقاضّها، ثم قال أبو حاتم: روى عن أبي الدرداء، وعنه ابن زحر، ثم قال: حدثني محمد بن عوف، عن أبي صالح كاتب الليث، حدثني حرملة بن عمران، عن كعب بن علقمة قال: كان سليم ابن عتر من خير التابعين (٣٨٧). وذكره ابن يونس في تاريخ مصر. وقد روى ابن أبي داود عن مجاهد أنه كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء. وعن منصور قال: كان علي الأزدي يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان (٣٨٨). وعن إبراهيم بن سعد قال: كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن. قلت: وروي عن منصور بن زاذان: أنه كان يختم فيما بين الظهر والعصر، ويختم أخرى فيما بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرونها قليلًا (٣٨٩). وعن الإمام الشافعي، ﵀: أنه كان يختم في اليوم والليلة من شهر رمضان ختمتين، وفي غيره ختمة. وعن أبي عبد الله البخاري -صاحب الصحيح- أنه كان يختم في الليلة ويومها من رمضان ختمة. ومن غريب هذا وبديعه ما ذكره الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي قال: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول: كان ابن الكاتب يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات. وهذا نادر جدا. فهذا وأمثاله من الصحيح عن السلف محمول إما على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدم، أو أنهم كانوا يفهمون ويتفكرون فيما يقرءونه مع هذه السرعة، والله أعلم. قال الشيخ أبو زكريا النووي في كتابه التبيان بعد ذكر طرف مما تقدم: (والاختيار أن ذلك

стр. 204

يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له كمال فهم ما يقرؤه، وكذا من كان مشغولا بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذْرَمة). ثم قال البخاري، ﵀: البكاء عند قراءة القرآن وأورد فيه من رواية الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرأ عليّ". قلت: أقرأ عليك وعليك أنزِل؟ قال: "إني أشتهي أن أسمعه من غيري". قال: فقرات النساء، حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٣٩٠)، قال لي: "كفَّ أو أمسكَ"، فرأيت عينيه تذرفان (٣٩١). وهذا من المتفق عليه كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله.

стр. 205

من راءى بقراءة القرآن أو تَأكَّل به أو فجر به حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا الأعمش، عن خَيثمة، عن سُويد بن غفلة [قال:] [¬١] قال علي، ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرّميّة، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة" (٣٩٢). وقد رُوي في موضعين آخرين، ومسلم وأبو داود والنسائي، من طرق عن الأعمش، به (٣٩٣). حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا ورى شيئًا، وينظر في القدح فلا ورى شيئًا، وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق" (٣٩٤). ورواه في موضع آخر، ومسلم -أيضًا- والنسائي من طرق عن الزهري، عن أبي سلمة، به (٣٩٥)، وابن ماجة من رواية محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، به. حدثنا مُسَدّد بن مسرهد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن

стр. 206

مالك، عن أبي موسى، ﵄، عن النبي ﷺ قال: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مر -أو خبيث- وريحها مر" (٣٩٦). ورواه في موضع آخر مع بقية الجماعة من طرق، عن قتادة، به (٣٩٧). ومضمون هذه الأحاديث التحذير من المراءاة بتلاوة القرآن التي هي من أعظم القرب، كما جاء في الحديث: "واعلم أنك لن تتقرب إلى الله بأعظم مما خرج منه" (٣٩٨) يعني: القرآن. والمذكورون في حديث علي وأبي سعيد هم الخوارج، وهم الذين لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، وقد قال في الرواية الأخرى: "يحقر أحدكم قراءته مع قراءتهم، وصلاته مع صحهم، وصيامه مع صيامهم". ومع هذا أمر بقتلهم لأنهم مراءون في أعمالهم في نفس الأمر، وإن كان بعضهم قد لا يقصد ذلك، إلا أنهم أسسوا أعمالهم على اعتقاد غير صالح، فكانوا في ذلك كالمذمومين في قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣٩٩)،

стр. 207

وقد اختلف العلماء في تكفير الخوارج وتفسيقهم ورد رواياتهم، كما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله. والمنافق المشبه بالريحانة التي لها ريح ظاهر وطعمها مر هو المرائي بتلاوته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا﴾ (٤٠٠). ثم قال البخاري: اقرءوا القرآن ما ائتلَفت عليه قلوبكم حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل عارم، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن جندب بن عبد الله، ﵁، عن النبي، ﷺ ، قال: "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه" (٤٠١). حدثنا عمرو بن علي بن بحر الفلّاس، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن أبي عمران الجوني، عن جُنْدُب قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا [عنه] [¬١] " (٤٠٢). تابعه الحارث بن عُبَيد وسعيد بن زيد، عن أبي عمران، ولم يرفعه حماد بن سلمة وأبان. وقال غُنْدَر: عن شعبة، عن أبي عمران قال: سمعت جُنْدُبا- قوله وقال ابن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر- قوله. وجندب أصح وأكثر (٤٠٣). وقد رواه في موضع آخر، ومسلم كلاهما عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد، عن همام، عن أبي عمران، به (٤٠٤)

стр. 208

ومسلم -أيضًا- عن يحيى بن يحيى، عن الحارث بن عبيد أبي قدامة، عن أبي عمران، به. ورواه مسلم -أيضًا- عن أحمد بن سعيد، عن حبان بن هلال، عن أبان العطار، عن أبي عمران، به مرفوعًا (٤٠٥). وقد حكى البخاري: أن أبان وحماد بن سلمة لم يرفعاه، فالله أعلم. ورواه النسائي والطبراني (٤٠٦) من حديث مسلم بن إبراهيم، عن هارون بن موسى الأعور النحوي، عن أبي عمران، به. ورواه النسائي -أيضًا- من طرق عن سفيان، عن حجاج بن فرافصة، عن أبي عمران، به مرفوعًا (٤٠٧)، وفي رواية عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، عن أبيه، عن سفيان، عن حجاج، عن أبي عمران، عن جُنْدُب موقوفًا، ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الله بن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر قوله. قال أبو بكر بن أبي داود: لم يخطئ ابن عون في حديث قط إلا في هذا، والصواب عن جندب. ورواه الطبراني، عن علي بن عبد العزير، عن مسلم بن إبراهيم وسعيد بن منصور قالا: حدثنا الحارث بن عبيد، عن أبي عمران، عن جندب مرفوعًا (٤٠٨). فهذا مما تيسر من ذكر طرق هذا الحديث على سبيل الاختصار، والصحيح منها ما أرشد إليه شيخ هذه الصناعة أبو عبد الله البخاري، ﵀، من أن الأكثر والأصح: أنه عن جندب بن عبد الله مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ . ومعنى الحديث أنه، ﵇، أرشد وحض أمته على تلاوة القرآن إذا كانت القلوب مجتمعة على تلاوته، متفكرة فيه، متدبرة له، لا في حال شغلها وملالها، فإنه لا يحصل المقصود من التلاوة بذلك كما ثبت في الحديث أنه قال ﵊: "اكلفوا من

стр. 209

العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا" (٤٠٩)، وقال: "أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل"، وفي اللفظ الآخر: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" (٤١٠). ثم قال البخاري (٤١١): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبي ﷺ قرأ خلافها، فأخذت بيده فانطلقت إلى النبي، ﷺ ، فقال: "كلاكما محسن فاقرأا" أكبر علمي قال: "فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم الله ". وأخرجه النسائي من رواية شعبة، به. وهذا في معنى الحديث الذي تقدمه، وأنه ينهى عن الاختلاف في القراءة والمنازعة في ذلك والمراء فيه كما تقدم النهي عن ذلك، والله أعلم. وقريب من هذا ما رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا أبو محمد بن محمد الجرمي، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن الأعمش، عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: قال عبد الله بن مسعود: تمارينا في سورة من القرآن فقلنا: خمس وثلاثون آية، ست وثلاثون آية، قال: فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فوجدنا عليًّا يناجيه فقلنا له: اختلفنا في القراءة، فاحمر وجه رسول الله، ﷺ ، فقال علي: إن رسول الله، ﷺ ، يأمركم أن تقرءوا كما قد علمتم (٤١٢). وهذا آخر ما أورده البخاري، ﵀، في كتاب فضائل القرآن، جل منزله، وتعالى قائله، ولله الحمد والمنة.

стр. 210

كتاب الجامع لأحاديث شتى تتعلق بتلاوة القرآن وفضائله وفضل أهله فصل قال أحمد (٤١٣): حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال نبي الله ﵊: "يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: اقرأ واصعد، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة، حتى يقرأ آخر شيء معه". وقال أحمد (٤١٤): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حَيوَة، حدثنا بشير بن أبي عمرو

стр. 211

الخولاني؛ أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "يكون خلف من بعد الستين سنة، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر". قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به. وقال أحمد (٤١٥): حدثنا حجاج، حدثنا الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي الخطاب، عن أبي سعيد أنه قال: إن رسول الله، ﷺ ، عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال: "ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس؛ إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئًا يقرأ كتاب الله، ولا ويرعوي [¬١] إلى شيء منه". قال الحافط أبو بكر البزار (٤١٦): حدثنا محمد بن عمر بن هياج الكوفي، حدثنا الحسين ابن

стр. 212

عبد الأول، حدثنا محمد بن الحسن الهمداني، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: من شغله قراءة القرآن عن دعائي أعطيته أفضل ثواب السائلين". وقال رسول الله ﷺ : "إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه"، ثم قال: تفرد به محمد بن الحسن ولم يتابع عليه. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثني عبد الرحمن بن بُدَيل بن ميسرة، حدثني أبي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله أهْلِين من الناس". قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "أهْل القرآن هم أهل اللَّه وخاصته" (٤١٧).

стр. 213

وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا خالد بن خِدَاش، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، أن أنس بن مالك، ﵁: كان إذا ختم القرآنَ جمع أهله وولده فدعا لهم (٤١٨). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن عباد المكي، حدثنا حاتم بن إسماعيل عن شريك، عن الأعمش، عن يزيد بن أبان، عن الحسن، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "القرآن غنى لا فقر بعده ولا غنى دونه" (٤١٩). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا عبد الله بن المحرر، عن قتادة، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل شيء حلية، وحلية القرآن الصوت الحسن" (٤٢٠). ابن المحرر ضعيف. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا بكر بن سوادة، عن وفاء الخولاني، عن أنس بن مالك قال: بينما نحن نقرأ فينا العربي والعجمي والأسود والأبيض، إذ خرج علينا رسول الله، ﷺ ، فقال: "أنتم في خير، تقرءون كتاب الله وفيكم رسول الله، ﷺ ، وسيأتي على الناس زمان يثقونه كما يثقف القدح، يتعجلون أجورهم ولا يتأجلونها" (٤٢١). وقد رواه الإمام أحمد -أيضًا- عن حسن، عن ابن لَهِيعة، عن بكر، عن وفاء، عن سهل

стр. 214

ابن سعد، عن النبي، ﷺ ، فذكره (٤٢٢). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الله بن الجهم، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن عبد ربه بن عبد الله، عن عمر بن نبهان، عن الحسن، عن أنس؛ أن النبي، ﷺ ، قال: "إن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يكثر خيره، والبيت الدي لا يقرأ فيه القرآن يقل خيره" (٤٢٣). وقال الحافظ أبو يعلى (٤٢٤): حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا أبو عبيدة، عن محتسب، حدثني يزيد الرقاشي، عن أنس؛ قال: قعد أبو موسى في بيت واجتمع إليه ناس، فأنشأ يقرأ عليهم القرآن، قال: فأتى رسول الله، ﷺ ، رجل، فقال: يا رسول الله، ألا أعجبك من أبي موسى؟ إنه قعد في بيت فاجتمع إليه ناس فأنشأ يقرأ عليهم القرآن قال: فقال رسول الله ﷺ : "أتستطيع أن تقعدني حيث لا يراني منهم أحد؟ ". قال: نعم. قال: فخرج رسول الله، ﷺ ، فأقعده الرجل حيث لا يراه منهم أحد، فسمع قراءة أبي موسى فقال: "إنه ليقرأ على مزمار من مزامير داود، ﵇". هذا غريب، ويزيد الرقاشي ضعيف. وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا جعفر -هو ابن محمد بن علي بن الحسين- عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله، ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: "أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أفضل الهدي هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" ثم يرفع صوته وتحمر وجنتاه، ويشتد غضبه إذا ذكر الساعة، كأنه منذر جيش. قال: ثم يقول: "أتتكم الساعة بعثت أنا والساعة هكذا -وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى- صبحتكم الساعة ومستكم، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دَينًا أو ضياعًا فإليّ وعليّ" (٤٢٥).

стр. 215

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب -يعني ابن عطاء- أنبأنا أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن المنُكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله، ﷺ ، المسجد، فإذا قوم يقرءون القرآن فقال: "اقرءوا القرآن وابتغوا به وجه الله من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح [¬١]، يتعجلونه [¬٢] ولا يتأجلونه [¬٣] " (٤٢٦). قال أحمد -أيضًا- حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، حدثنا حميد الأعرج، عن محمد بن المنْكَدر، عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا العجمي والأعرابي قال: فاستمع فقال: اقرءوا فكل حسن، وسيأتي قوم يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه" (٤٢٧). وقال أبو بكر البزار: حدثنا أبو كُرَيب محمد بن العلاء، حدثنا عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، عن المعلى الكندي، عن عبد الله بن مسعود قال: إن هذا القرآن شافع مشفع، من اتبعه قاده إلى الجنة، ومن تركه أو أعرض عنه -أو كلمة نحوها- زجّ في قفاه إلى النار" (٤٢٨).
следующие страницы →