← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

عطية القرظي ﵁، قال: عرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، [] [¬١] فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خُلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت، فخُلي سبيلي. وقد أخرجه أهل السنن الأربعة (٦٢) بنحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وإنما كان كذلك؛ لأن سعد بن معاذ ﵁ كان قد حكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية. وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الغريب (٦٣): حَدَّثَنَا ابن علية، عن إسماعيل بن أمية، في محمد بن يحيى بن حبان، عن عمر، أن غلامًا ابتهر جارية في شعره، فقال: عمر ﵁ انظروا إليه. فلم يوجد أنبت، فدرأ عنه الحد. قال أبو عبيد: ابتهرها، أي: قذفها. والابتهار أن يقول: فعلتُ بها. وهو كاذب. فإن كان صادقا فهو الابتيار، قال الكميت في شعره: قبيح بمثلي نعت الفتاة … إما ابتهارًا واما ابتيارًا وقوله : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني صلاحًا في دينهم، وحفظا لأموالهم. وكذا روي عن ابن عباس والحسن البصري وغير واحد من الأئمة، وهكذا قال الفقهاء: متى [¬٢] بلغ الغلام مصلحًا لدينه وماله انفك الحجر عنه، فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه بطريقه [¬٣]. وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ أي: إسرافًا مبادرة قبل بلوغهم. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: [من كان في غنية عن مال اليتيم] [¬٤]

стр. 1507

فليستعفف عنه، ولا يأكل منه شيئًا. وقال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم. ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال ابن أبي حاتم (٦٤): حَدَّثَنَا الأشج، حَدَّثَنَا عبد الله بن سليمان، حَدَّثَنَا هشام، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ نزلت في مال اليتيم. وحَدَّثَنَا الأشج، وهارون بن إسحاق قالا: حَدْثَنَا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قالت [¬١]: نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه، إذا كان محتاجًا أن يأكل منه (٦٥). وحَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن سعيد الأصبهاني، حَدَّثَنَا علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقدر قيامه عليه (٦٦). ورواه [¬٢] البخاري عن إسحاق عن [¬٣] [عبد الله] [¬٤] بن نمير، عن هشام به (٦٧). فقال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين، أجرة مثله، أو قدر حاجته. واختلفوا هل يرد إذا أيسر؟ على قولين: (أحدهما) لا [¬٥]؛ لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرًا. وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي، لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل. [وقال الإمام] [¬٦] أحمد (٦٨): حَدَّثَنَا عبد الوهاب، حَدَّثَنَا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر، ولا متأثل مالًا، ومن غير أن تقي مالك، أو قال -تفدي

стр. 1508

مالك- بماله". شك حسين. وقال ابن أبي حاتم (٦٩): حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، حَدَّثَنَا حسين المكتب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن عندي يتيمًا عنده مال وليس عندي شيء، فما آكل من ماله؟ قال: "كل بالمعروف غير مسرف". ورواه [¬١] أبو داود (٧٠) والنسائي (٧١) وابن ماجة (٧٢) من حديث حسين المعلم به. وروى [¬٢] أبو حاتم بن حبان في صحيحه (٧٣) وابن مردويه في تفسيره، [من حديث] [¬٣] يعلى بن مهدي، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عامر الخزاز، عن عمرو بن دينار، عن جابر، أن رجلًا قال: يا رسول الله، فيم أضرب يتيمي؟ قال: "مما كنت ضاربا منه ولدك، غير واق مالك بماله، ولا متأثل منه مالا".

стр. 1509

وقال ابن جرير (٧٤): حَدَّثَنَا الحسن [¬١] بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس، فقال: إن في حجري أيتامًا، وإن لهم إبلا، ولي إبل، وأنا أمنح في إبلي وأفقر، فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: "إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباها، وتلوط حوضها، وتسقي عطشها [¬٢]، فاشرب غير مضر بنسل، ولا نَاهِك [¬٣] في الحلب". ورواه مالك (٧٥) في موطئه، عن يحيى بن سعيد، به. وبهذا القول، وهو عدم أداء البدل يقول عطاء بن أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطية العوفي والحسن البصري. (والثاني) نعم؛ لأن مال اليتيم على الحظر، وإنما أبيح للحاجة، فيردّ بدله، كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة. وقد قال [أبو بكر] [¬٤] ابن أبي الدنيا: حَدَّثَنَا ابن (٧٦) خيثمة، حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر ﵁: إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت. (طريق أخرى): قال سعيد بن منصور: حَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق عن البراء قال: قال لي عمر ﵁: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والى اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت (٧٧). إسناد صحيح. وروى [¬٥] البيهقي عن ابن عباس نحو ذلك (٧٨): هكذا رواه ابن أبي حاتم، من طريق علي

стр. 1510

ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يعني القرض. قال: وروي عن عبيدة وأبي العالية وأبي وائل وسعيد بن جبير في إحدى الروايات ومجاهد والضحاك والسدي نحو ذلك (٧٩). وروى من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: يأكل بثلاث أصابع. ثم قال (٨٠): حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا ابن مهدي، حَدَّثَنَا سفيان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: يأكل من ماله، يقوت على يتيمه، حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم. قال: وروي عن مجاهد وميمون بن مهران في إحدى الروايات والحكم [¬١] نحو ذلك. وقال عامر الشعبي: لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة، فإن أكل منه قضاه. رواه ابن أبي حاتم (٨١). وقال ابن وهب: حَدَّثَنَا نافع بن أبي نعيم القارئ، قال: سألت يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، عن قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؟ الآية. فقالا: ذلك في اليتيم، إن كان فقيرًا أنفق عليه بقدر فقره، ولم يكن للولي منه شيء (٨٢). وهذا بعيد من السياق لأنه قال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ يعني: من الأولياء ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا﴾ أي: منهم. ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالتي هي أحسن. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: لا تقربوه إلا مصلحين له، فإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف. وقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ يعني: بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد منهم [¬٢]،

стр. 1511

فحينئذ سلموهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيهِمْ﴾ وهذا أمر من [¬١] الله تعالى للأولياء أن يشهدوا [¬٢] على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم؛ لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه. ثم قال: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله محاسئا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم لأموالهم [¬٣]، هل هي كاملة موفورة [¬٤]، أو منقوصة مبخوسة، مدخلة مروج حسابها، مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله. ولهذا ثبت في صحيح مسلم، أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تلين مال يتيم" (٨٣). ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئًا، فأنزل الله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية [¬٥] أي: الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم بما يدلى به إلى الميت من قرابة، أو زوجية [¬٦]، أو ولاء، فإنه لُحمة كلُحمة النسب. وروى ابن مردويه من طريق ابن هراسة، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن

стр. 1512

عقيل، عن جابر قال: جاءت أم كُجَّة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إن لي ابنتين وقد مات أبوهما، وليس لهما شيء. فأنزل الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية (٨٤). وسيأتي هذا الحديث عند آيتي الميراث بسياق آخر، والله أعلم. وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية. قيل: المراد إذا حضر قسمة الميراث ذَوُو القربى، ممن ليس بوارث واليتامى والمساكين فليرضخ لهم من التركة نصيب، وأن ذلك كان واجبًا في ابتداء الإِسلام، وقيل: مستحب. واختلفوا: هل هو منسوخ أم لا؟ على قولين. فقال البخاري (٨٥): حَدَّثَنَا أحمد بن حميد، أخبرنا عبيد الله الأشجعي، عن سفيان، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ قال: هي محكمة، وليست بمنسوخة. تابعه سعيد، عن ابن عباس. وقال ابن جرير (٨٦): حَدَّثَنَا القاسم، حَدَّثَنَا الحسين، حَدَّثَنَا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن [¬١] الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: هي قائمة يعمل بها. وقال الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في هذه الآية، قال: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم. وهكذا روي [¬٢] عن ابن مسعود وأبي موسى وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبي العالية والشعبي

стр. 1513

والحسن. وقال [¬١] ابن سيرين وسعيد بن جبير ومكحول وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح والزهري ويحيى بن يعمر: إنها واجبة. وروى ابن أبي حاتم (٨٧)، عن أبي سعيد الأشج، عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، قال: ولي عبيدة وصية، فأمر بشاة فذبحت، فأطعم أصحاب هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. وقال مالك فيما يروى عنه في التفسير في جزء مجموع عن الزهري: أن عروة أعطى من مال مصعب حين قسم ماله. وقال الزهري: وهي محكمة. وقال مالك، عن عبد الكريم، عن مجاهد، قال: هي حق واجب ما طابت به الأنفس. (ذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم) قال عبد الرزاق (٨٨): أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة، أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والقاسم بن محمد أخبراه، أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة حية، قالا: فلم يدع في الدار مسكينًا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، قالا: وتلا ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: ما أصاب، ليس ذلك له، إنما ذلك إلى الوصية، وإنما هذه الآية في الوصية. يريد الميت [أن] يوصي لهم. رواه ابن أبي حاتم (٨٩).

стр. 1514

(ذكر من قال إن هذه الآية منسوخة بالكلية) قال سفيان الثوري، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ قال: منسوخة. قال إسماعيل بن مسلم المكي، عن قتادة، عن عكرمه، عن ابن عباس، قال -في هذه الآية- ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾: نسختها الآية التي بعدها. ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. وروى العوفي، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في هذه الآية- ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾: كان ذلك من قبل أن تنزل الفرائض، فأنزل الله بعد ذلك الفرائض، فأعطى كل ذي حق حقه، فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفى. رواهن ابن مردويه. وقال ابن أبي حاتم (٩٠): حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن الصباح، حَدَّثَنَا حجاج، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾: نسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك الوالدان والأقربون، مما قل منه أو كثر. وحَدَّثَنَا أسيد بن عاصم، حَدَّثَنَا سعيد بن عامر، عن همام، حَدَّثَنَا قتادة، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: إنها منسوخة، كانت قبل الفرائض، كان ما ترك الرجل من مال أعطى منه اليتيم والفقير والمسكين وذوو القربى إذا حضروا القسمة، ثم [نُسخ بعد ذلك] [¬١] نسختها المواريث، فألحق الله بكل ذي حق حقه، وصارت الوصية من [¬٢] ماله، يوصي بها لذوي قرابته حيث شاء. وقال مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: هي منسوخة، نسختها المواريث والوصية. وهكذا روي عن عكرمة وأبي الشعثاء والقاسم بن محمد، وأبي صالح، وأبي مالك وزيد بن أسلم والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنهم قالوا: إنها

стр. 1515

منسوخة. وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم. وقد اختار ابن جرير هاهنا قولًا غريبًا جدًّا، وحاصله أن معنى الآية عنده، وإذا حضر القسمة -أي: وإذا حضر قسمة مال الوصية أولوا قرابة الميت فارزقوهم منه، وقولوا لليتامى والمساكين إذا حضروا قولًا معروفًا. هذا معنى ما حاوله بعد طول العبارة والتكرار (٩١)، وفيه نظر، والله أعلم. وقال [¬١]: العوفي عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ هي قسمة اليراث. وهكذا قال غير واحد. والمعنى على هذا، لا على ما سلكه [أبو جعفر] [¬٢] ابن جرير ﵀ بل المعنى أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه إذا رأوا، هذا يأخذ، وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يعطونه [¬٣]، فأمر الله تعالى -وهو الرءوف الرحيم- أن يرضخ لهم شيء من الوسط يكون برًّا بهم، وصدقة عليهم، وإحسانًا إليهم، وجبرًا لكسرهم. كما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وذم الذين ينقلون [¬٤] المال خفية خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة، كما أخبر عن أصحاب الجنة ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ أي: بليل. وقال: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيكُمْ مِسْكِينٌ﴾ فـ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ فمن جحد حق الله عليه عاقبه الله في أعز ما يملكه، ولهذا جاء في الحديث: "ما خالطت الصدقة مالا إلا أفسدته" (٩٢). أي: منعها يكون سبب محاق [¬٥] ذلك المال بالكلية. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه، ويسدّده للصواب، ولينظر [¬٦] لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشى عليهم الضيعة.

стр. 1516

وهكذا قال مجاهد وغير واحد، وثبت [¬١] في الصحيحين (٩٣) أن رسول الله ﷺ ، لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال: يا رسول الله، إني ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قال: فالشطر. قال: "لا". قال: فالثلث. قال: "الثلث، والثلث كثير". ثم قال رسول الله ﷺ : "إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس". وفي الصحيح (٩٤)، عن ابن عباس، قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ فإن رسول الله ﵌ قال: "الثلث، والثلث كثير". قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء، استحب للميت أن يستوفى الثلث في وصيته، وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص الثلث. وقيل: المراد بقوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي [¬٢] في مباشرة أموال اليتامى. ﴿وَلَا

стр. 1517

تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا [أَنْ يَكْبَرُوا] [¬١]﴾. حكاه ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس (٩٥)، وهو قول حسن، يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلما [ولا ترعبهم] [¬٢]، أي كما تحب أن تعامل ذرّيتك من بعدك، فعامل الناس في ذرّياتهم إذا وليتهم، ثم أعلمهم أن من أكل أموال اليتامى ظلمًا، فإنما يأكل في بطنه نارًا، ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب، فإنما يأكلون نارًا تتأجج في بطونهم يوم القيامة. وروي [¬٣] في الصحيحين (٩٦)، من حديث سليمان بن بلال، عن ثور بن يزيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"- قيل: يا رسول الله؛ وما هنّ؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات". و [¬٤] قال ابن أبي حاتم (٩٧): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبيدة، أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، حَدَّثَنَا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال: "انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير، رجال كل رجل منهم له مشفران كمشفر البعير، وهو موكل بهم رجال يفكون [¬٥] لحي [¬٦] أحدهم، ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في في أحدهم، حتى تخرج من أسفله، وله [¬٧] خوار وصراخ، قلت: يا جبريل؛ من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا، إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا".

стр. 1518

وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة، ولهب النار يخرج من فيه، ومن مسامعه، وأنفه، وعينيه، يعرفه كل من رآه بآكل مال اليتيم. وقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حَدَّثَنَا أحمد بن عمرو، حَدَّثَنَا عقبة بن مكرم، حَدَّثَنَا يونس بن بكير، حدثنا زياد بن المنذر، عن نافع بن الحارث، [عن أبي برزة] [¬١]، أن رسول الله ﷺ قال: ["يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم، تأجج أفواههم نارًا". قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال] [¬٢]: "ألم تر أن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية. رواه [¬٣] ابن أبي حاتم (٩٨)، عن أبي زرعة، عن عقبة بن مكرم، وأخرجه أبو حاتم بن حبان في صحيحه (٩٩)، عن أحمد بن علي بن المثنى (١٠٠)، عن عقبة بن مكرم. وقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا أحمد بن عصام، حَدَّثَنَا أبو عامر العبدي (١٠١)، حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر الزهري، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أحرج مال الضعيفين المرأة واليتيم" (١٠٢) أي:

стр. 1519

أوصيكم باجتناب مالهما. وتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما أنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء، فيحبس له، حتى يأكله أو يفسد، فاشتدّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ الآية، فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهه بشرابهم (١٠٣). ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ هذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السورة، هن آيات علم الفرائض، وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث الواردة في ذلك، مما هي كالتفسير لذلك. ولنذكر منها ما هو متعلق بتفسير ذلك. وأما تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلة والحجاج بين الأئمة، فموضعه كتب الأحكام، والله المستعان. وقد ررد الترغيب في تعلم الفرائض، وهذه الفرائض الخاصة من أهم ذلك، وقد روى أبو داود (١٠٤) وابن ماجة (١٠٥) من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإِفريقي، عن

стр. 1520

عبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن عبد الله بن عمرو [﵄ أن رسول الله ﷺ قال:] [¬١] "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل، آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا هريرة، تعلموا الفرائض، وعلموه الناس [¬٢]، فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينتزع من أمتي". رواه ابن ماجة (١٠٦)، وفي إسناده ضعف. وقد روي من حديث عبد الله بن مسعود (١٠٧)

стр. 1521

وأبي سعيد (١٠٨)، وفي كل منهما نظر. قال ابن عيينة: إنما سمى الفرائض نصف العلم، لأنه يبتلى الناس كلهم. وقال البخاري (١٠٩)، عند تفسير هذه الآية: حَدَّثَنَا إبراهيم بن موسى، حَدَّثَنَا هشام، أن ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: عادني رسول الله ﷺ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي ﷺ لا أعقل شيئًا، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رش علي، فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾. وكذا رواه مسلم (١١٠) والنسائي (١١١) من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج

стр. 1522

به. ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر (١١٢). (حديث آخر عن جابر في سبب نزول الآية). قال الإمام أحمد (١١٣): حَدَّثَنَا زكريا بن عدي، حَدَّثَنَا عبيد الله -هو ابن عمرو الرقي- عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى [¬١] رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا ولهما مال. قال: فقال: "يقضي الله في ذلك". قال فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقى فهو لك". وقد رواه أبو داود (١١٤) والترمذي (١١٥) وابن ماجة (١١٦) من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل، به. قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه. والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة، كما سيأتي، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث هاهنا، تبعًا للبخاري ﵀؛ فإنه ذكره هاهنا، والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية، والله أعلم. فقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ أي: يأمركم بالعدل

стр. 1523

فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث المذكور دون الإِناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت [¬١] بين الصنفين [¬٢]، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة، ومعاناة التجارة، والتكسب، وتحمل المشاق [¬٣]، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى. وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها، حيث وصَّى [¬٤] الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح، وقد رأى امرأة من السبي [فرّق بينها وبين ولدها، فجعلت] [¬٥] تدور على ولدها، فلما وجدته [من السبي] [¬٦] أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﵌ لأصحابه: "أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟! " قالوا: لا يا رسول الله. فقال: "فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها" (١١٧). وقال البخاري هاهنا (١١٨): حَدَّثَنَا محمد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع. وروى [¬٧] العوفي عن ابن عباس قوله [¬٨]: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾: وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا: تعطى المرأة الربع أو الثمن، وتعطى البنت النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، ولا يحوز الغنيمة! اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله ﷺ ينساه، أو نقول له فيغير،

стр. 1524

فقال [¬١] بعضهم: يا رسول الله، تعطى الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ويعطى الصبي الميراث وليس يغني شيئًا. وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا من قاتل القوم، ويعطونه الأكبر فالأكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير أيضًا (١١٩). وقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ قال بعض الناس: قوله فوق، زائدة، وتقديره: فإن كن نساء اثنتين، كما في قوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ وهذا غير مسلم لا هنا ولا هناك، فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع. ثم قوله: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ لو كان المراد ما قالوه لقال: فلهما ثلثا ما ترك، وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة، فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين، وإذا ورث الأختان الثلثين، فلأن ورث البنتان الثلثين بطريق الأولى والأحرى [¬٢] وقد تقدم في حديث جابر، أن النبي ﷺ حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين، فدل الكتاب والسنة على ذلك، وأيضًا فإنه قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْف﴾ فلو كان للبنتين النصف لنص عليه أيضًا، فلما حكم به للواحدة على انفرادها، دل على أن البنتين في حكم الثلاث، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ إلى آخره، الأبوان لهما في الميراث [¬٣] أحوال (أحدهما): أن يجتمعا مع الأولاد فيفرض لكل واحد منهما السدس، فإن لم يكن للميت إلا بنت واحدة، فرض [¬٤] لها النصف، وللأبوين لكل واحد منهما السدس، وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب، فيجمع [¬٥] له والحالة هذه بين الفرض والتعصيب. (الحال الثاني): أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيفرض للأم الثلث والحالة هذه، ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض، فيكون قد أخذ ضعفي ما [¬٦] للأم وهو الثلثان، فلو كان معهما -والحالة هذه- زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف، والزوجة الربع. ثم اختلف العلماء، [ما

стр. 1525

تأخذ الأم بعد فرض الزوج أو الزوجة] [¬١] على ثلاثة أقوال: (أحدها): أنها تأخذ ثلث الباقي في المسألتين؛ لأن الباقي كأنه جميع الميراث بالنسبة إليهما، وقد جعل الله لها نصف ما جعل للأب، فتأخذ ثلث الباقي، ويأخذ الأب الباقي ثلثيه، وهو [¬٢] قول عمر وعثمان، وأصح الروايتين عن علي، وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور العلماء ﵏. (والقول الثاني): أنها تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فإن الآية أعم من أن يكون معها زوج أو زوجة أو لا، وهو قول ابن عباس. وروي عن علي ومعاذ بن جبل نحوه. وبه يقول شريح وداود الظاهرى. واختاره [¬٣] أبو الحسين محمد بن عبد الله بن اللبان البصري (١٢٠) في كتابه "الإِيجاز في علم الفرائض". وهذا فيه نظر، بل هو ضعيف؛ لأن ظاهر الآية إنما هو إذا استبد بجميع التركة، [فأما في هذه المسألة [¬٤] فيأخذ الزوج أو الزوجة الفرض، ويبقى الباقي كأنه جميع التركة، فتأخذ ثلثه كما تقدم. (والقول الثالث) أنها تأخذ ثلث جميع المال في مسألة الزوجة خاصة، فإنها تأخذ الربع وهو ثلاثة من اثني عشر، وتأخذ الأم الثلث وهو أربعة، فيبقى خمسة للأب. وأما في مسألة الزوج، فتأخذ ثلث الباقي؛ لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال، فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم ثلث الباقي [بعد ذلك] [¬٥] وهو سهم، وللأب الباقي [بعد ذلك] [¬٦] وهو سهمان. ويحكى هذا عن محمد بن سيرين ﵀، وهو قول مركب من القولين الأولين وهو [¬٧] موافق [لكل منهما] [¬٨] في صورة وهو ضعيف أيضًا، والصحيح الأول، والله أعلم.

стр. 1526

(الحال الثالث من أحوال الأبوين) وهو اجتماعهما مع الأخوة، وسواء كانوا من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم، فإنهم لا يرثون مع الأب شيئًا، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، فيفرض لها مع وجودهم السدس، فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب أخذ الأب الباقي. وحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الإخوة عند الجمهور. وقد ررى البيهقي (١٢١) من طريق شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، أَنه دخل على عثمان فقال: إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة. فقال عثمان: لا أستطع تغيير [¬١] ما كان قبلي، ومضى في الأمصار وتوارث به الناس. وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس، ولو كان هذا صحيحًا عن ابن عباس، لذهب إليه أصحابه الأخصاء به، والمنقول عنهم خلافه (١٢٢). وقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، أنه قال: الأخوان تسمى إخوة. وقد أفردت لهذه المسألة جزءًا على حدة. وقال ابن أبي حاتم (١٢٣): حَدَّثَنَا أبي، حَدْثَنَا عبد العزيز بن المغيرة، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أضروا بالأم ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد عن [¬٢] الثلث، ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم عن [¬٣] الثلث أن أباهم يلي إنكاحهم، ونفقته عليهم دون أمهم.

стр. 1527

وهذا كلام حسن. لكن روي عن ابن عباس، بإسناد صحيح، أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم. وهذا قول شاذ. رواه ابن جرير في تفسيره (١٢٤)، فقال: حَدَّثَنَا الحسن بن يحيى، حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: السدس [¬١] الذي حجبته الإخوة الأم لهم، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أبيهم. ثم قال ابن جرير: وهذا قول مخالف لجميع الأمّة، وقد حدّثني يونس، [أخبرنا سفيان] [¬٢]، أخبرنا عمرو، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس أنه قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ أجمع العلماء [من السلف والخلف] [¬٣]، على أن الدين مقدم على الوصية، وذلك عند إمعان النظر يفهم من فحوى الآية الكريمة. [وقد روى الإمام] [¬٤] أحمد (١٢٥) والترمذي (١٢٦) وابن ماجة (١٢٧) وأصحاب التفاسير (١٢٨) من حديث أبي إسحاق عن الحارث بن عبد الله الأعور، عن علي بن أبي طالب قال: إنكم تقرءون ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث الأعور، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم.

стр. 1528

(قلت): لكن كان حافظًا للفرائض، معتنيًا [¬١] بها وبالحساب (١٢٩)، فالله أعلم. وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: إنما فرضنا للآباء وللأبناء، وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية، وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، من كون المال للولد وللأبوين الوصية كما تقدم عن ابن عباس، إنما نسخ الله ذلك إلى هذا، ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم، لأن الإِنسان قد يأتيه النفع الدنيوي أو الأخروي أو هما من أبيه ما لا يأتيه من ابنه، وقد يكون بالعكس، فلذا قال: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: [كما أن] [¬٢] النفع متوقع ومرجو من هذا، كما هو متوقع ومرجو من الآخر، فلهذا فرضنا لهذا ولهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث، والله أعلم. وقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي [¬٣]: هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض، هو فرض من الله، حكم به وقضاه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الذي يضع الأشياء في محالها، ويعطي كلا ما يستحقه بحسبه، ولهذا قال ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. * ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَينٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَينٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ

стр. 1529

مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ يقول تعالى: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم إذا مُتْن عن غير ولد، فإن كان لهنّ ولد فلكم الربع مما تركن من بعد [وصية يوصين بها أو دين] [¬١]. وقد تقدم أن الدين مقدم على الوصية، وبعده الوصية، ثم الميراث، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب. ثم قال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ إلى آخره، وسواء في الربع أو الثمن الزوجة والزوجتان الاثنتان [¬٢] والثلاث والأربع، يشتركن فيه. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ إلخ الكلام عليه كما تقدم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً﴾ الكلالة [¬٣] مشتقة من الإِكليل، وهو [¬٤] الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه، [لا أصل ولا فرعه] [¬٥]، كما روى الشعبي، عن أبي بكر الصديق، أنه سئل عن الكلالة؟ فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن [¬٦] صوابًا فمن الله، وإن يكن [¬٧] خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه [¬٨]: الكلالة من لا ولد له ولا والد. فلما ولي عمر قال: إني لأستحيي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه. كذا [¬٩] رواه ابن جرير (١٣٠) وغيره، وقال ابن أبي حاتم في تفسيره (١٣١): حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن يزيد [¬١٠]، حَدَّثَنَا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، قال: سمعت [عبد الله] [¬١١] بن عباس يقول: كنت آخر الناس عهدًا بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت، وما قلت، وما قلت، قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد.

стр. 1530

وهكذا قال علي بن أبي طالب وابن مسعود، وصح من غير وجه، عن [عبد الله] [¬١] بن عباس وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبي والنخعي والحسن [البصري] [¬٢] وقتادة وجابر بن زيد والحكم، وبه يقول أهل [¬٣] المدينة وأهل الكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور السلف والخلف، بل جميعهم، وقد حكى الإجماع [على ذلك] [¬٤] غير واحد، وورد فيه حديث مرفوع (١٣٢)، قال أبو الحسين بن اللبان: وقد روي عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهو أنه من لا ولد له. والصحيح عنه الأوّل، ولعل الراوي ما فهم عنه ما أراد. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ أي: من أم. كما هو في قراءة بعض السلف، منهم سعد بن أبي وقاص وكذا فسرها أبو بكر الصديق فيما رواه قتادة عنه ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾. وإخوة الأم يخالفون بقية الورثة من وجوه؛ أحدها: أنهم يرثون مع من أدلوا به وهي الأم. (والثاني): أن ذكورهم وإناثهم في الميراث [¬٥] سواء. (والثالث): [أنهم لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد ولا] [¬٦] ولد ابن. (الرابع): أنهم لا يزادون على الثلث، وإن كثر ذكورهم وإناثهم. وقال ابن أبي حاتم (١٣٣): حَدَّثَنَا يونس، حَدَّثَنَا ابن وهب، أخبرنا يونس، عن الزهري قال: قضى عمر بن الخطاب ﵁ أن ميراث الأخوة من الأم بينهم الذكر مثل حظ [¬٧] الأنثى، قال محمد بن شهاب الزهري: ولا أرى [¬٨] عمر قضى بذلك حتى علم

стр. 1531

ذلك من رسول الله ﷺ . ولهذه الآية التي قال الله تعالى فيها: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾. واختلف العلماء في المسألة المثشركة وهي زوج وأم أو جدة، واثنان من ولد الأم، وواحد أو أكثر من ولد الأبوين، فعلى قول الجمهور: للزوج النصف، وللأم أو الجدة السدس، ولولد الأم الثلث، ويشاركهم فيه ولد الأب والأم بما بينهم من القدر المثشرك وهو إخوة الأم. وقد وقعت هذه المسألة في زمن [¬١] أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فأعطى الزوج النصف والأم السدس، وجعل الثلث لأولاد الأم، فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين؛ هب أن أبانا كان حمارًا ألسنا من أم واحدة؟ فشرك بينهم. وصح التشريك عنه وعن [¬٢] أمير المؤمنين عثمان، وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس ﵃، وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح القاضي ومسروق وطاووس ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز والثوري وشريك، وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق بن راهويه. وكان علي بن أبي طالب لا يشرك بينهم، بل يجعل الثلث لأولاد الأم، ولا شيء لأولاد الأبوين، والحالة هذه لأنهم عصبة. وقال وكيع بن الجراح: لم يختلف عنه في ذلك. وهذا قول أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري، وهو المشهور عن ابن عباس، وهو مذهب الشعبي وابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد وزفر بن الهذيل والإِمام أحمد [بن حنبل] [¬٣] ويحيى بن آدم ونعيم بن حماد وأبي ثور وداود بن علي الظاهري، واختاره أبو الحسين بن اللبان الفرضي ﵀ في كتابه "الإِيجاز". وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ﴾ ي: لتكن [¬٤] وصيته على العدل، لا على الإضرار والجور والحيف، بأن يحرم بعض الورثة أو ينقصه، أو يزيده على ما فرض [¬٥] الله له من الفريضة، فمتى سعى في ذلك كان كمن ضاد الله في [حكمته وقسمته] [¬٦]. ولهذا قال ابن أبي حاتم (١٣٤): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو النضر الدمشقي الفراديسي، حَدَّثَنَا عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس،

стр. 1532

عن النبي ﷺ قال: "الإِصرار في الوصية من الكبائر". وكذا رواه ابن جرير (١٣٥) من طريق عمر بن المغيرة هذا، وهو أبو حفص بصري سكن المصيصة، وقال [أبو القاسم] [¬١] بن عساكر: ويعرف بمفتى المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، وقال فيه أبو حاتم الرازي: شيخ [¬٢]. وقال علي بن المديني: هو مجهول لا أعرفه (١٣٦). ولكن رواه النسائي في سننه (١٣٧) عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، موقوفًا "الإضرار في الوصية من الكبائر". وكذا رواه ابن أبي حاتم (١٣٨)، عن أبي سعيد الأشج، عن عائذ بن حبيب، عن داود بن أبي هند، ورواه ابن جرير (١٣٩) من حديث جماعة من الحفاظ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، موقوفًا، وفي بعضها ويقرأ ابن عباس ﴿غَيرَ مُضَارٍّ﴾.

стр. 1533

قال ابن جريج (١٤٠): والصحيح الموقوف. ولهذا اختلف الأئمة في الإقرار للوارث هل هو صحيح أم لا؟ على قولين؛ (أحدهما): لا يصح؛ لأنه مظنة التهمة أن يكون قد أوصى له بصيغة الإقرار. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (١٤١). وهذا مذهب مالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، والقول القديم للشافعي ﵏، وذهب في الجديد إلى أنه يصح الإِقرار. وهو مذهب طاوس وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز، وهو اختيار أبي عبد الله البخاري في صحيحه (١٤٢)، واحتج بأن رافع بن خديج أوصى أن لا تكشف الفزارية

стр. 1534

عما أغلق عليه بابها. قال: وقال بعض الناس: لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة. وقد قال النبي ﷺ "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث". وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فلم يخص وارثا ولا غيره. انتهى ما ذكره. فمتى كان الإقرار صحيحًا مطابقًا لما في نفس الأمر، جرى فيه هذا الخلاف، ومتى كان حيلة ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة ونقصان بعضهم فهو حرام بالإجماع، وبنص هذه الآية الكريمة ﴿غَيرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ أي: هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله، فلا تعتدوها، ولا تجاوزوها. ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيها فلم يزد بعض الورثة، [ولم ينقص بعضها] [¬١] بحيلة ووسيلة، بل تركهم علي حكم الله وفريضته وقسمته ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: لكونه غيَّر ما حكم الله به، وضاد الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإِهانة في العذاب الأليم المقيم. قال الإمام أحمد (١٤٣): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، [عن أيوب] [¬٢] عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة [¬٣] سبعين سنة، فإذا أوصى وحاف في وصيته فيختم له بشر

стр. 1535

عمله، فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة". قال: ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. قال أبو داود، في باب الإضرار في الوصية من سننه (١٤٤): حَدَّثَنَا عَبدَةُ [¬١] بن عبد الله، أخبرنا عبد الصمد، حدثنا نصر بن علي الحُداني، حَدَّثَنَا الأشعث [بن عبد الله] [¬٢] بن جابر الحدّاني، حدثني شهر بن حوشب، أن أبا هريرة حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل -أو المرأة- بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضارّان في الوصية فتجب لهما النار". وقال: قرأ علي أبو هريرة من هاهنا ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ﴾ حتى بلغ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وهكذا رواه الترمذي (١٤٥) وابن ماجة (١٤٦) من حديث أشعث [¬٣] ابن عبد الله بن جابر الحُدّاني به، وقال الترمذي: حسن غريب (١٤٧). وسياق الإِمام أحمد أتم وأكمل. ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا

стр. 1536

فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ كان الحكم في ابتداء الإِسلام، أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حبست في بيت، فلا تمكن من الخررج منه إلى أن تموت، ولهذا قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: الزنا. ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك. قال ابن عباس ﵁: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم. وكذا روي عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطاء الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك أنها منسوخة، وهو أمر متفق عليه. وقال الإِمام أحمد (١٤٨): حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي أثر عليه وكرب لذلك وتربَّد [¬١] وجهه، فأنزل الله -عز رجل- عليه ذات يوم، فلما سرى عنه قال: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر؛ الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة". وقد رواه مسلم (١٤٩) وأصحاب السنن (١٥٠) من طرق، عن قتادة، [عن الحسن] [¬٢]، عن

стр. 1537

حطَّان، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ ، ولفظه: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا رواه "أبو داود الطيالسي" [¬١] (١٥١)، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة، أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل [¬٢] عليه الوحي عرف ذلك في وجهه، فلما أنزلت ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فلما ارتفع الوحي قال رسول الله ﷺ "خذوا عني [¬٣] خذوا، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم [¬٤]، بالحجارة". وقد روى الإمام أحمد أيضًا هذا الحديث، عن وكيع بن الجراح، [] [¬٥]، حَدَّثَنَا الفضل بن

стр. 1538

دلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (١٥٢). وكذا رواه أبو داود مطولًا (١٥٣) من حديث الفضل بن دلهم، ثم قال: وليس هو بالحافظ، كان قصابا بواسط. (حديث آخر): قال أبو بكر بن مردويه: حدَّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا عباس بن حمدان، حَدَّثَنَا أحمد بن داود [¬١]، حَدَّثَنَا عمرو بن عبد الغفار، حَدَّثَنَا إسماعيل بن [أبي خالد] [¬٢]، عن الشعبي، عن مسروق، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : "البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يجلدان ويرجمان، والشيخان "يرجمان" (١٥٤).

стр. 1539

هذا حديث غريب من هذا الوجه. وروى الطبراني (١٥٥) من طريق [¬١] ابن لهيعة، عن أخيه عيسى بن لهيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت سورة النساء قال رسول الله ﵌: "لا حبس بعد سورة النساء". وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني. وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد، قالوا: لأن النبي ﷺ رجم ماعزًا والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك فدل على أن الجلد [¬٢] ليس بحتم، بل هو منسوخ على قولهم، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ أي: واللذان يفعلان [¬٣] الفاحشة فآذوهما، قال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبيبر وغيرهما: أي: بالشتم والتعيير [¬٤] والضرب بالنعال. وكان الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم. وقال عكرمة وعطاء والحسن وعبد الله بن كثير: نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا. وقال السدي: نزلت في [الفتيان من] [¬٥] قبل أن يتزوجوا. وقال مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا -لا يكنى- وكأنه يريد اللواط [¬٦] والله أعلم. وقد روى أهل السنن من حديث عمرو بن [أبي عمرو، عن] [¬٧] عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ : "من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (١٥٦).

стр. 1540

وقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ أي: أقلعا ونزعا عما كانا عليه وصلحت أعمالهما [¬١] وحسنت ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ أي: لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد ثبت في الصحيحين (١٥٧): " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها". أي: ثم لا يعيرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت. ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ يقول : إنما يتقبل اللَّه التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم يتوب، ولو قبل

стр. 1541

[معاينته الملك لقبض] [¬١] روحه قبل الغرغرة. قال مجاهد وغير واحد: كل من عصى اللَّه خطأ أو عمدًا فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب. وقال قتادة، عن أبي العالية، أنه كان يحدّث أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كل [¬٢] ذنب أصابه عبد فهو بجهالة. رواه ابن جرير (١٥٨). وقال عبد الرزاق (١٥٩): أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شيء عصي الله [¬٣] به فهو جهالة، عمدًا كان أو غيره. وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها. قال ابن جرير: وقال لي عطاء بن أبي رباح نحوه. وقال أبو صالح، [عن ابن عباس] [¬٤]: من جهالته عمل السوء. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ثم يتوبون من قريب، قال: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وقال الضحاك: ما كان دون الموت فهو قريب. وقال قتادة والسدي: ما دام في صحته. وهو مروي عن ابن عباس. وقال الحسن البصري: ثم يتوبون من قريب، ما لم يغرغر. وقال عكرمة: الدنيا كلها قريب.

стр. 1542

(ذكر الأحاديث في ذلك) قال الإمام أحمد (١٦٠): حَدَّثَنَا علي بن عياش [¬١]، وعصام بن خالد [¬٢]، قالا: حَدَّثَنَا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". رواه [¬٣] الترمذي وابن ماجة (١٦١) من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به. وقال الترمذي: حسن غريب. ووقع في سنن ابن ماجة: عن عبد الله بن عمرو. وهو وهم، إنما هو عبد الله بن عمر بن الخطاب. (حديث آخر عن ابن عمر) قال أبو بكر ابن مردُويه: حَدَّثَنَا محمد بن معمر، حَدَّثَنَا عبد الله بن الحسن الخراساني، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الله [البابلتي، حَدَّثنَا أيوب بن نهيك الحلبي، سمعت عطاء بن أبي رباح قال: سمعت عبد الله] [¬٤] بن عمر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه وأدنى من ذلك، وقبل موته بيوم وساعة يعلم الله منه التوبة والإِخلاص إليه إلا قبل منه" (١٦٢).

стр. 1543

(حديث آخر) قال أبو داود الطالسي (١٦٣): حدثنا شعبة، أخبرنا إبراهيم بن ميمون، وأخبرني رجل من بلحارث (*) -يقال له: أيوب- قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: "من تاب قبل موته بعام تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه، ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه". فقلت له: إنما قال الله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ فقال: إنما أحدثك ما سمعته من رسول الله ﷺ . وهكذا رواه أبو داود الطيالسي، وأبو عمر الحوضي (١٦٤)، وأبو عامر العقدي، عن شعبة (١٦٥). (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٦٦): حدَّثنا حسين بن محمد، حَدَّثَنَا محمد بن

стр. 1544

مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم". فقال الآخر: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم". فقال الثالث: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد في أن يموت بضحوة". قال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه". وقد رواه سعيد بن منصور، عن الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني، فذكر قريبًا منه. (حديث آخر)؛ قال أبو بكر بن مردُويه: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حَدَّثَنَا عمران بن عبد الرحيم، حَدَّثَنَا عثمان بن الهيثم، حَدَّثَنَا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر" (١٦٧).

стр. 1545

(أحاديث في ذلك مرسلة) قال ابن جرير (١٦٨): حَدَّثَنَا محمد بن بشار، حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". هذا مرسل حسن عن الحسن البصري رحمه الله تعالى. وقد قال ابن جربر أيضًا (١٦٩) ﵀: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بشير بن كعب، أن نبي الله ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". وحَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: … فذكر مثله (١٧٠). (أثر [¬١] آخر) قال ابن جرير (١٧١): حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا أبو داود، حَدَّثَنَا عمران، عن قتادة، قال: كنا عند أنس بن مالك وثم أبي قلابة، فحدث أبو قلابة، فقال: إن الله تعالى لما لعن [¬٢] إبليس سأله [¬٣] النظرة، فقال: وعزتك وجلالك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. فقال الله : وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح. وقد ورد هذا في [¬٤] حديث مرفوع، رواه الإمام أحمد في مسنده، من طريق عمرو بن أبي عمرو، وأبي الهيثم العتواري، كلاهما عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: "قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله :
следующие страницы →