← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

[معاينته الملك لقبض] [¬١] روحه قبل الغرغرة. قال مجاهد وغير واحد: كل من عصى اللَّه خطأ أو عمدًا فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب. وقال قتادة، عن أبي العالية، أنه كان يحدّث أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كل [¬٢] ذنب أصابه عبد فهو بجهالة. رواه ابن جرير (١٥٨). وقال عبد الرزاق (١٥٩): أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شيء عصي الله [¬٣] به فهو جهالة، عمدًا كان أو غيره. وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها. قال ابن جرير: وقال لي عطاء بن أبي رباح نحوه. وقال أبو صالح، [عن ابن عباس] [¬٤]: من جهالته عمل السوء. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ثم يتوبون من قريب، قال: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وقال الضحاك: ما كان دون الموت فهو قريب. وقال قتادة والسدي: ما دام في صحته. وهو مروي عن ابن عباس. وقال الحسن البصري: ثم يتوبون من قريب، ما لم يغرغر. وقال عكرمة: الدنيا كلها قريب.

стр. 1542

(ذكر الأحاديث في ذلك) قال الإمام أحمد (١٦٠): حَدَّثَنَا علي بن عياش [¬١]، وعصام بن خالد [¬٢]، قالا: حَدَّثَنَا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". رواه [¬٣] الترمذي وابن ماجة (١٦١) من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به. وقال الترمذي: حسن غريب. ووقع في سنن ابن ماجة: عن عبد الله بن عمرو. وهو وهم، إنما هو عبد الله بن عمر بن الخطاب. (حديث آخر عن ابن عمر) قال أبو بكر ابن مردُويه: حَدَّثَنَا محمد بن معمر، حَدَّثَنَا عبد الله بن الحسن الخراساني، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الله [البابلتي، حَدَّثنَا أيوب بن نهيك الحلبي، سمعت عطاء بن أبي رباح قال: سمعت عبد الله] [¬٤] بن عمر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه وأدنى من ذلك، وقبل موته بيوم وساعة يعلم الله منه التوبة والإِخلاص إليه إلا قبل منه" (١٦٢).

стр. 1543

(حديث آخر) قال أبو داود الطالسي (١٦٣): حدثنا شعبة، أخبرنا إبراهيم بن ميمون، وأخبرني رجل من بلحارث (*) -يقال له: أيوب- قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: "من تاب قبل موته بعام تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه، ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه". فقلت له: إنما قال الله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ فقال: إنما أحدثك ما سمعته من رسول الله ﷺ . وهكذا رواه أبو داود الطيالسي، وأبو عمر الحوضي (١٦٤)، وأبو عامر العقدي، عن شعبة (١٦٥). (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٦٦): حدَّثنا حسين بن محمد، حَدَّثَنَا محمد بن

стр. 1544

مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم". فقال الآخر: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم". فقال الثالث: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد في أن يموت بضحوة". قال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه". وقد رواه سعيد بن منصور، عن الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني، فذكر قريبًا منه. (حديث آخر)؛ قال أبو بكر بن مردُويه: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حَدَّثَنَا عمران بن عبد الرحيم، حَدَّثَنَا عثمان بن الهيثم، حَدَّثَنَا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر" (١٦٧).

стр. 1545

(أحاديث في ذلك مرسلة) قال ابن جرير (١٦٨): حَدَّثَنَا محمد بن بشار، حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". هذا مرسل حسن عن الحسن البصري رحمه الله تعالى. وقد قال ابن جربر أيضًا (١٦٩) ﵀: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بشير بن كعب، أن نبي الله ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". وحَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: … فذكر مثله (١٧٠). (أثر [¬١] آخر) قال ابن جرير (١٧١): حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا أبو داود، حَدَّثَنَا عمران، عن قتادة، قال: كنا عند أنس بن مالك وثم أبي قلابة، فحدث أبو قلابة، فقال: إن الله تعالى لما لعن [¬٢] إبليس سأله [¬٣] النظرة، فقال: وعزتك وجلالك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. فقال الله : وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح. وقد ورد هذا في [¬٤] حديث مرفوع، رواه الإمام أحمد في مسنده، من طريق عمرو بن أبي عمرو، وأبي الهيثم العتواري، كلاهما عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: "قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله :

стр. 1546

وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني" (١٧٢). فقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى اللَّه وهو يرجو الحياة فإن توبته مقبولة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وأمّا متى وقع الإِياس من الحياة، وعاين الملك، وحشرجت الروح في الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم، فلا توبة مقبولة [¬١] حينئذ، ولات حين مناص؛

стр. 1547

ولهذا قال: ﴿وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية. وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾. الآية. وقوله ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ يعني: أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته، ولا يقبل منه [¬١] فدية ولو بملء الأرض. قال ابن عباس، وأبو العالية، والربيع بن أنس: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾، قالوا: نزلت في أهل الشرك. وقال الإمام أحمد (١٧٣): حَدَّثَنَا سليمان بن داود، قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، حدثني أبي، عن مكحول، أن عمر بن نعيم حدثه، عن [أسامة بن سلمان] [¬٢] "أن أبا ذر حدثهم، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة

стр. 1548

عبده، أو يغفر لعبده، ما لم يقع الحجاب". قيل: وما وقوع الحجاب؟ قال: "أن تخرج النفس وهي مشركة"؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: موجعًا شديدًا مقيمًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ قال البخاري (١٧٤): حَدَّثَنَا محمد بن مقاتل، حَدَّثَنَا أسباط بن محمد، حَدَّثَنَا الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال الشيباني: وذكره أبو الحسن السوائي، ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، أن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، [وإن شاءوا لم يزوجوها] [¬١] فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك. هكذا رواه [¬٢] البخاري وأبو داود والنسائي وابن مردُويه وابن أبي حاتم (١٧٥) من حديث أبي

стр. 1549

إسحاق الشيباني واسمه سليمان بن أبي سليمان، عن عكرمة، وعن أبي الحسن السوائي، واسمه عطاء -كوفي أعمى- كلاهما عن ابن عباس بما تقدم. وقال أبو داود (١٧٦): حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله تعالى عن ذلك، أي: نهى عن ذلك. تفرد به أبو داود، وقد رواه غير واحد، عن ابن عباس بنحو ذلك. فقال وكيع، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن مقسم، عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوبًا كان أحق بها فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حَميُّه [¬١] ثوبه، فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها. وروى العوفي، عنه، كان الرجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها ولم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده [¬٢] حتى تفتدي منه بفدية. فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. وقال زيد بن أسلم في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ كان أهل يثرب، إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من ورث ماله، وكان يعضلها حتى يرثها، أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد، حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك. رواه ابن أبي حاتم (١٧٧).

стр. 1550

وقال أبو بكر بن مردُويه: حَدَّثَنَا محمد [¬١] بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا موسى بن إسحاق، حَدَّثَنَا علي بن المنذر، حَدَّثَنَا محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. ورواه ابن جرير (١٧٨) من حديث محمد بن فضيل به. ثم روى من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء، أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة حبسها أهله [¬٢] على الصبي يكون فيهم، فنزلت: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية. وقال ابن جريج: قال مجاهد: كان الرجل إذا توفي كان ابنه أحق بامرأته، ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء أخاه، أو ابن اخيه. وقال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم من [¬٣] الأوس، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فأنزل الله [¬٤] هذه الآية. وقال السدي، عن أبي مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبًا، فإن كان له ابن صغير، أو أخ حبسها حتى يشب أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوبًا نجت، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. وقال مجاهد في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قال: كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها، فيحبسها رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها، أو يزوجها ابنه. رواه ابن أبي حاتم (١٧٩)، ثم قال: وروي عن الشعبي وعطاء بن أبي رباح، وأبي مجلز، والضحاك، والزهري، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان نحو ذلك. قلت: فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية، وما ذكره مجاهد ومن وافقه، فكل ما كان فيه نوع من ذلك. والله أعلم.

стр. 1551

وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾ أي: لا تضاروهن في العشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه، أو حقًّا من حقوقها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يقول: ولا تقهروهن ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾ يعني: الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر، فيضرها لتفتدي به [¬١] وكذا قال الضحاك وقتادة [وغير واحد] [¬٢]، واختاره ابن جرير (١٨٠). وقال ابن المبارك وعبد الرزاق (١٨١): أخبرنا معمر، أخبرني سماك بن الفضل، عن ابن البيلماني قال: نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام. قال عبد الله بن المبارك: يعني قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ في الجاهلية ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ في الإِسلام. وقوله: ﴿إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والضحاك، وأبو قلابة، وأبو صالح، والسدي، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلال: يعني بذلك الزنا -يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها وتضاجرها حتى تتركه لك وتخالعها، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الفاحشة المبينة: النشوز والعصيان. واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله؛ الزنا، والعصيان، والنشوز، وبذاء اللسان، وغير ذلك (١٨٢). يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيد، والله

стр. 1552

أعلم. وقد تقدم فيما رواه أبو داود، منفردًا من طريق يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال: وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك، أي: نهى عن ذلك. قال عكرمة، والحسن البصري: وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية، ولكن نُهِيَ المسلمون عن فعله في الإِسلام. وقال عبد الرحمن بن زيد: كان العضل في قريش بمكة، ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود، فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها الخاطب، فإن أعطته وأرضته [¬١] أذن لها، وإلا عضلها. قال: فهذا قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾. الآية. وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾: هو كالعضل في سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم، بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقال رسول الله ﷺ : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله" (١٨٣).

стр. 1553

وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان يسابق عائشة أمّ المؤمنين ﵂ يتودّد إليها بذلك. قالت: سابقني رسول الله ﷺ فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني، فقال: "هذه بتلك" (١٨٤). ويجتمع [¬١] نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله ﷺ فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلًا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك ﷺ . وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتاب [¬٢] الأحكام، ولله الحمد. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا﴾ أي: فعسى أن يكون صبركم [مع إمساككم لهن مع كراهتهن] [¬٣] فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة. كما قال ابن عباس في هذه الآية: هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولدًا، ويكون في ذلك الولدِ خيرٌ كثير. وفي الحديث الصحيح: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خُلقًا رضي منها آخر" (١٨٥). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: إذا اراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخذن مما كان أصدق الأولى شيئًا، ولو كان قنطارًا من المال.

стр. 1554

وقد قدمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا. وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل، وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإِصداق، ثم رجع عن ذلك. كما قال الإمام أحمد (١٨٦): حَدَّثَنَا إسماعيل، حَدَّثَنَا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت عن أبي العجفاء السلمي قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تغلوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها النبي ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ في امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، وحتى يقول: كلفت إليك علق القربة (*). ثم رواه الإِمام أحمد وأهل السنن (١٨٧) من طرق، عن محمد بن سيرين، عن أبي

стр. 1555

العجفاء -واسمه هرم بن مسيب البصري- وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (طريق [¬١] أخرى عن عمر) قال الحافظ أبو يعلى (١٨٨): حَدَّثَنَا أبو خيثمة، حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن المجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ﷺ ثم قال: أيها الناس، ما إكثاركم [¬٢] في صُدُق النساء؟ قد كان رسول الله ﷺ وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفن ما زاد رجل في صَداق امرأة على أربعمائة درهم، قال: ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا في النساء صداقهن [¬٣] على أربعمائة درهم؟ قال: نعم. قالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾. الآية. قال: فقال: الَّلهم غفرًا، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: [أيها الناس] [¬٤]، إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهنّ على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل. إسناده جيد قوي.

стр. 1556

(طريق [¬١] أخرى) قال ابن المنذر: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق (١٨٩)، عن قيس بن ربيع، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء. فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله تعالى يقول: (وآتيتم إحداهن قنطارًا من ذهب) - قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود- ﴿فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئًا﴾. فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته. (طريق [¬٢] أخرى عن عمر فيها انقطاع) قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي (١٩٠) قال: قال عمر بن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي القصة [¬٣]-يعني يزيد بن الحصين الحارثي (١٩١) - فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال. فقالت امرأة من صفة النساء طويلة، في أنفها فطس: ما ذاك لك. قال: ولم؟ قالت: لأن الله قال: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾. الآية. فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ. ولهذا قال منكرًا: ﴿وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد أفضيت إليها وأفضت إليك. قال ابن عباس ومجاهد والسدي وغير واحد: يعني بذلك الجماع. وقد ثبت في الصحيحين (١٩٢)، أن رسول الله ﷺ قال للمتلاعنين بعد فراغهما من

стр. 1557

تلاعنهما: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب". قالها [¬١] ثلاثًا. فقال الرجل: يا رسول الله؛ ما لي. -يعني ما أصدقها- قال: "لا مال لك، إن كنت صدقت عليها [¬٢]، فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها، فهو أبعد لك منها". وفي سنن أبي داود وغيره (١٩٣) عن [بصرة بن أكثم] [¬٣]، أنه تزوّج امرأة بكرًا في خدرها، فإذا هي حامل من الزنا، فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقضى لها بالصداق، وفرق بينهما، وأمر بجلدها، وقال: "الولد عبد لك، والصداق في مقابلة البضع"؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، أن المراد بذلك العقد. وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ قال: قوله: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان [¬٤].

стр. 1558

قال ابن أبي حاتم (١٩٤): وروي عن عكرمة ومجاهد، وأبي العالية والحسن، وقتادة ويحيى بن أبي كثير [¬١]، والضحاك والسدي نحو ذلك. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: هو قوله "أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله". فإن كلمة الله هي التشهد في الخطبة قال: وكان فيما أعطي النبي ﷺ ليلة أسري به، قال له: "وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي". رواه ابن أبي حاتم (١٩٥). وفي صحيح مسلم (١٩٦)، عن جابر، في خطبة حجة الوداع، أن رسول الله ﷺ قال فيها: "واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنكم أخذتموهن بأمان الله [¬٢]، واستحللتم فروجوهن بكلمة الله". وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. يحرم الله تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم، وإعظامًا واحترامًا أن توطأ من بعده، حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها، وهذا أمر مجمع عليه. قال ابن أبي حاتم (١٩٧): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا مالك بن إسماعيل، حَدَّثَنَا قيس بن الربيع،

стр. 1559

حَدَّثَنَا أشعث بن سوار، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار، قال: لما توفي أبو قيس -يعني ابن الأسلت- وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته فقالت: إنما أعدك ولدًا وأنت من صالحي قومك، [ولكن آت] [¬١] رسول الله ﷺ فأستأمره، فأتت رسول الله صلى الله عليه [¬٢] وسلم فقالت: إن أبا قيس توفي فقال: "خيرًا". ثم قالت: إن ابنه قيسًا خطبني، وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعده ولدًا، فما ترى؟ فقال لها: "ارجعي إلى بيتك". قال: فنزلت: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [إلا مَا قَدْ سَلَفَ]﴾ الآية. وقال ابن جرير (١٩٨): حَدَّثَنَا القاسم، حَدَّثَنَا حسين، حَدَّثَنَا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت، خلف على [أم عبيد بنت صخر] [¬٣]، وكانت تحت الأسلت أبيه، وفي الأسود بن خلف، وكان خلف على ابنة [¬٤] أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وكانت عند أبيه خلف، وفي فاختة ابنة الأسود بن المطب بن أسد، كانت عند أمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية. وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولًا به في الجاهلية، ولهذا قال: ﴿إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. كما قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قال: وقد فعل ذلك كنانة بن خزيمة، تزوج بامرأة أبيه، فأولدها ابنه النضر بن كنانة. قال: وقد قال ﷺ : "ولدت من نكاح لا من سفاح" (١٩٩) قال: فدل على أنه كان سائغًا لهم ذلك، [فإن أراد أن ذلك كان

стр. 1560

عندهم] [¬١] يعدونه نكاحًا فيما بينهم. فقد قال ابن جرير (٢٠٠): حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله المخرمي [¬٢]، حَدَّثَنَا قُراد، حَدَّثَنَا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾. وهكذا قال عطاء وقتادة، ولكن فيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر (٢٠١)، والله أعلم. وعلى كل تقدير فهو حرام في هذه الأمة، مبشَّع غاية التبشع، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ فزاد هاهنا: ﴿وَمَقْتًا﴾ أي: بغضًا، أي: هو أمر كبير في نفسه، ويؤدى إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من يتزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله، ولهذا حرّمت أمهات المؤمنين على الأمة، لأنهن أمهات، لكونهن [¬٣] زوجات النبي ﷺ وهو كالأب، بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم على حب النفوس صلوات الله وسلامه عليه. وقال عطاء بن أبي رباح في قوله ﴿وَمَقْتًا﴾، أي: يمقت الله عليه. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي: وبئس طريقًا لمن سلكه من الناس، فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيقتل [¬٤]،

стр. 1561

ويصير ماله فيئًا لبيت المال. كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق (٢٠٢)، عن البراء بن عازب، عن خاله أبي بردة -وفي رواية ابن عمرو- وفي رواية عن عمه- أنه بعثه رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، أن يقتله ويأخذ ماله.

стр. 1562

وقال الإِمام أحمد (٢٠٣): حَدَّثَنَا هشيم، حَدَّثَنَا أشعث، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: مر بي عمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له النبي ﷺ فقلت له: أي عم، أين بعثك النبي ﷺ ؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه. (مسألة) وقد أجمع العلماء على تحريم من وطأها الأب بتزويج أو ملك أو بشبهة أيضًا، واختلفوا فيمن باشرها بشهوة دون الجماع، أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه منها لو كانت أجنبية. فعن الإِمام أحمد ﵀ أنها تحرم أيضًا بذلك. وقد روى الحافظ [¬١] ابن عساكر (٢٠٤) في ترجمة حُديج الحصني [¬٢] مولى معاوية فاشترى [¬٣] لمعاوية جارية بيضاء جميلة، فأدخلها عليه مجردة، وبيده قضيب، فجعل يهوي به إلى متاعها، ويقول: نعم [¬٤] المتاع لو كان له متاع، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا، ادع لي ربيعة بن عمرو الجرشي، وكان فقيهًا، فلما دخل عليه، قال: إن هذه أتيت بها مجردة، فرأيت منها ذاك وذاك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد. فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين؛ فإنها لا تصلح له. ثم قال: نعم ما رأيت. ثم قال: ادع لي عبد الله بن مسعدة الفزاري. فدعوته، وكان آدم شديد الأدمة. فقال: دونك هذه، بيض بها ولدك. قال: وكان عبد الله بن مسعدة هذا وهبه رسول الله ﷺ لابنته فاطمة، فربته، ثم أعتقته، ثم كان بعد ذلك مع معاوية من الناس على علي ﵁.

стр. 1563

حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ هذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب،: ما يتبعه من الرضاع، المحارم بالصهر، كما قال ابن أبي حاتم (٢٠٥): حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان بن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: حرمت عليكم سبع نسبًا، وسبع صهرًا، وقرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾. الآية. وحَدَّثَنَا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا أبو أحمد، حَدَّثَنَا سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع، ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ فهن النسب. وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني [¬١] عليه، بعموم قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ فإنها بنت، فتدخل في العموم، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها، لأنها ليست بنتًا شرعية، فكما [¬٢] لم

стр. 1564

تدخل في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ فإنها لا ترث بالإِجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ أي: كما يحرم عليك أمّك التي ولدتك، كذلك يحرم عليك أمّك التي أرضعتك، ولهذا ثبت [¬١] في الصحيحين (٢٠٦)، من حديث مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرضاعة تحرّم ما تحرِّم الولادة". وفي لفظ لمسلم [¬٢]: "يحرم من الرضاعة [¬٣] ما يحرم من النسب". وقد قال بعض الفقهاء: كل ما يحرم من النسب يحرم [بالرضاع إلَّا في] [¬٤] أربع صور، وقال بعضهم: "ست صور، هي مذكورة في كتب الفروع. والتحقيق أنَّه لا يستثنى شيء من ذلك؛ لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر، فلا يرد على الحديث شيء أصلًا ألبتة، ولله الحمد وبه الثقة [¬٥]. ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرّمة، فذهب ذاهبون إلى أنَّه يحرم مجرَّد الرضاع؛ لعموم هذه الآية، وهذا قول مالك، ويروى [¬٦] عن ابن عمر، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزُّبَير، والزهري. وقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات؛ لما ثبت في صحيح مسلم (٢٠٧)، من طريق هشام [¬٧] بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحرم المصة

стр. 1565

والمصتان". وقال قَتَادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل، قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، والمصة ولا المصتان". وفي لفظ آخر: "لا تحرم الإِملاجة ولا الإِملاجتان". رواه مسلم. وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأَبو عبيد، وأبو ثور، وهو مروي عن علي، وعائشة، وأم الفضل، وابن الزُّبَير، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير ﵏. وقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم (٢٠٨) من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة [¬١] عن عائشة ﵂، قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن. وروى عبد الرزاق (٢٠٩)، عن معمر، عن الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة، نحو ذلك. وفي حديث سهلة بنت سهيل (٢١٠)، أن رسول الله ﷺ أمرها أن ترضع سالمًا مولى أبي حذيفة خمس رضعات، وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات، وبهذا قال الشَّافعي ﵀ وأصحابه، ثم ليعلم أنَّه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور. وقد قدَّمنا الكلام على هذه المسألة في سورة

стр. 1566

البقرة، عند قوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. ثم اختلفوا هل يحرم لبن الفحل، كما هو قول جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم، أو إنما يختص الرضاع بالأم فقط، ولا ينتشر إلى ناحية الأب، كما هو قول لبعض السلف؟ على قولين. تحرير هذا كله في كتاب "الأحكام الكبير". وقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ أمَّا أم المرأة فإنها تحرم بمجرَّد العقد على ابنتها، سواء دخل بها أو لم يدخل بها. وأما الربيبة، وهي بنت المرأة، فلا تحرم [بمجرد العقد على ابنتها] [¬١] حتَّى يدخل بأمِّها [¬٢]، فإن طلق الأم قبل الدخول بها جاز له أن يتزوَّج بنتها، ولهذا قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ في تزويجهن، فهذا خاص بالربائب وحدهن. وقد فهم بعضهم عود الضمير إلى الأمّهات والربائب فقال: لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرَّد العقد على الأخرى، حتَّى يدخل بها، لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾. وقال ابن جرير (٢١١): حَدْثَنَا ابن بشار، حَدْثَنَا ابن أبي عدي، وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قَتَادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي - رضي الله تعالى عنه - في رجل تزوَّج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أيتزوَّج أمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة. وحَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، عن قَتَادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوّج أمّها. وفي رواية عن قَتَادة، عن سعيد، عن زيد بن ثابت، أنَّه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمّها، فإذا طلقها قبل أن يدخل بها، فإن شاء فعل. وقال ابن المنذر: حدَّثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٢١٢)، عن ابن جريج، قال: أخبرني أَبو

стр. 1567

بكر بن حفص، عن مسلم بن عويمر الأجدع من [¬١] بكر [¬٢] بن كنانة أخبره أن أباه أنكحه امرأة بالطائف قال: فلم أجامعها حتَّى توفي عمي عن أمها، وأمها ذات مال كثير، فقال أبي: هل لك في أمها؟ قال: فسألت ابن عبَّاس وأخبرته؟ فقال: انكح أمها. قال: وسألت ابن عمر فقال: لا تنكحها. فأخبرت أبي بما قال ابن عبَّاس وما قال ابن عمر [¬٣]، فكتب إلى معاوية فأخبره [في كتابه] [¬٤] بما قال ابن عبَّاس وابن عمر [¬٥]، فكتب معاوية: إني لا أحل ما حرم الله، ولا أحرّم ما أحل الله، وأنت وذاك، والنساء سواها كثير، فلم ينه ولم يأذن لي، فانصرف أبي عن أمِّها فلم ينكحها. وقال عبد الرزاق (٢١٣): أخبرنا معمر، عن سماك بن الفضل، عن رجل، عن عبد الله بن الزُّبَير قال: الربيبة والأم سواء، لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة. وفي إسناده رجل مبهم [¬٦] لم يسم. وقال ابن جريج: أخبرني عكرمة بن خالد، أن مجاهدًا قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ أراد بهما الدخول جميعًا، فهذا القول مروي كما ترى عن علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزُّبَير ومجاهد وسعيد بن جبير وابن عبَّاس، وقد توقف فيه معاوية، وذهب إليه من الشَّافعية أَبو الحسن أحمد بن محمد بن [¬٧] الصابوني فيما نقله الرافعي عن العبادي [¬٨]. [وقد روي عن ابن مسعود مثله ثم رجع عنه. قال الطبراني: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدَّثنا عبد الرزاق (٢١٤)، عن الثَّوري، عن أبي فروة، عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود، أن رجلًا من بني شمخ من فزارة تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فاستفتى ابن مسعود، فأمره أن يفارقها، ثم يتزوج أمها، فتزوجها وولدت له أولادًا، ثم أتى ابن مسعود المدينة، فسأل عن ذلك فأُخبِر أنَّها لا تحل له، فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل:

стр. 1568

إنها عليك حرام ففارقها. وجمهور العلماء على أن الربيبة لا تحرم بالعقد على الأم، بخلاف الأم، فإنها تحرم بمجرد العقد] [¬١]. قال ابن أبي حاتم (٢١٥): حَدَّثَنَا جعفر بن محمد بن هارون بن عَزرة، حَدَّثَنَا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قَتَادة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، أنَّه كان يقول: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها. (وروى) أنَّه قال: إنها مبهمة فكرهها. ثم قال: وروي عن ابن مسعود وعمران بن حصين ومسروق وطاووس وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وابن سيرين وقَتَادة والزهري نحو ذالك. وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وجمهور الفقهاء قديمًا وحديثًا، ولله الحمد والمنة. قال ابن جرير [¬٢] (٢١٦): والصواب قول من قال: الأم من الأمهات [¬٣]، لأن الله لم يشرط معهن الدخول كما [شرط ذلك] [¬٤] مع أمهات الربائب، مع أن ذلك أيضًا إجماع من الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه. وقد روي بذلك أيضًا عن النبي ﷺ خبر غير أن في إسناده نظرًا، وهو ما حدثني به ابن المثنى، حدَّثنا حبان بن موسى، حدَّثنا ابن المبارك، أخبرنا المثنى [¬٥] بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوّج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، فإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلقها، فإن شاء تزوج الابنة" (٢١٧).

стр. 1569

ثم قال: وهذا الخبر -وإن كان في إسناده ما فيه- فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنًى عن الاستشهاد على صحته بغيره. وأمّا قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فجمهور الأمة [¬١] على أن الربيبة حرام، سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره. قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾. وفي الصحيحين (٢١٨) أن أم حبيبة قال: يا رسول الله؛ انكح أختي بنت أبي سفيان. وفي لفظ لمسلم: عزة بنت أَبى سفيان، قال: "أو تحبين ذلك؟ " قالت: نعم. لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي. قال: "فإن ذلك لا يحل لي". قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: "بنت أم سلمة". قالت: نعم. قال: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لبنت أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن". وفي رواية للبخاري (٢١٩): " إني لو لم أتزوج أم سلمة مما حلت لي". فجعل المناط في التحريم مجرَّد تزوجه أم سلمة، وحكم بالتحريم لذلك، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وجمهور الخلف والسلف. وقد قيل بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل، فإذا لم يكن كذلك فلا تحرم. وقال ابن أبي حاتم (٢٢٠): حَدَّثَنَا أَبو زرعة، حدَّثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام -يعني ابن يوسف- عن ابن جريج، حدَّثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت، وقد ولدت لي، فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي

стр. 1570

طالب، فقال: ما لك؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة؟ قلت: نعم، وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا. هي بالطائف. قال: فانكحها. قلت: فأين قول الله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾؟ قال: إنها لم تكن في حجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك. هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم، وهو قول غريب جدًّا، وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه، وحيه أبو القاسم الرافعي عن مالك ﵀، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أَبو عبد الله الذهبي أنَّه عرض هذا على الشيخ الإِمام تقي الدين بن تيمية ﵀ فاستشكله وتوقف في ذلك، والله أعلم. وقال ابن المنذر: حدَّثنا علي بن عبد العزيز، حدَّثنا الأثرم، عن أبي عبيدة، قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ قال: في بيوتكم. وأمّا الربيبة في ملك اليمين، فقد قال الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب، أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى؛ فقال عمر: ما أحب أن أخْبُرَهُما جميعًا. ويريد أن أطأهما جميعًا بملك يميني. وهذا منقطع [¬١]. وقال سنيد بن داود في تفسيره: حدَّثنا أبو الأحوص، [] [¬٢]، عن طارق بن عبد الرحمن، عن قيس، قال: قلت لابن عبَّاس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لا خلاف بين العلماء أنَّه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وبنتها من ملك اليمين، لأن الله حرّم ذلك في النكاح قال ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وملك اليمين عندهم تبع للنكاح، إلَّا ما روي عن ابن عمر وابن عبَّاس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم. وروى هشام [¬٣]، عن قَتَادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة. وكذا قال قَتَادة عن أبي العالية. ومعنى قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أي: نكحتموهن، قاله ابن عبَّاس وغير واحد. وقال ابن جريج عن عطاء: هو أن تهدى إليه فيكشف ويفتش ويجلس بين رجليها. قلت:

стр. 1571

أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها؟ قال: هو سواء. وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها. وقال ابن جرير [¬١] (٢٢١): وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأة لا تحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها، أو قبل النظر إلى فرجها بشهوة؛ ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع. وقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ أي: وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم يحترز بذلك عن الأدعياء، الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ الآية. وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ قال: كنا نحدّث والله أعلم أن النبي ﷺ لما نكح امرأة زيد فقال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله : ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ونزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. وقال ابن أبي حاتم (٢٢٢): حَدَّثَنَا أَبو زرعة، حَدَّثَنَا محمد بن أبي بكر المقدمي، حَدَّثَنَا خالد [¬٢] بن الحارث، عن الأشعث، عن الحسن بن محمد، أن هؤلاء الآيات مبهمات: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. ثم قال: وروي عن طاووس وإبراهيم والزهري ومكحول نحو ذلك. (قلت): معنى مبهمات: أي عامّة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرم بمجرَّد العقد عليها، وهذا متفق عليه. فإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة كما هو قول الجمهور، ومن الناس من يحكيه إجماعًا وليس من صلبه؟ فالجواب من قوله ﷺ "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٢٢٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية. أي: وحرَّم عليكم الجمع

стр. 1572

بين الأختين معًا في التزويج، وكذا في ملك اليمين، إلَّا ما كان منكم في جاهليتكم، فقد عفونا [عن ذلك] [¬١] وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل؛ ولا استثناء فيما سلف، كما يل: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدًا، وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديمًا وحديثًا على أنَّه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان، خير فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة. وقال الإِمام أحمد بن حنبل (٢٢٤): حَدْثَنَا موسى بن داود، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، عن أَبي وَهْب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه، قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق إحداهما. ثم رواه أحمد والتِّرمِذي وابن ماجة من حديث ابن لهيعة (٢٢٥)، وأخرجه أَبو داود والتِّرمِذي أيضًا من حديث يزيد بن أبي حبيب (٢٢٦)، كلاهما عن أبي وَهْب الجيشاني، قال التِّرمِذي: واسمه ديلم [¬٢] بن الهوشع. عن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه به. وفي لفظ للترمذي: فقال النبي ﷺ : "اختر أيتهما شئت". ثم قال التِّرمِذي: هذا حديث حسن.

стр. 1573

وقد رواه ابن ماجة أيضًا بإسناد آخر، فقال (٢٢٧): حَدَّثَنَا أَبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي وَهْب الجيشاني، عن أبي خراش الرعيني [عن الديلمي] [¬١]، قال: قدمت على رسول الله ﷺ وعندي أختان تزوّجتهما في الجاهلية، فقال: "إذا رجعت فطلق إحداهما". قلت: فيحتمل أن أبا خراش هذا هو الضحاك بن فيروز، ويحتمل أن يكون غيره، فيكون أَبو وَهْب قد رواه عن اثنين، عن فيروز الديلمي، والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدَّثَنَا عبد الله بن يحيى بن محمد بن يحيى، حَدْثَنَا أحمد بن يحيى الخولاني، حَدَّثَنَا هيثم بن خارجة، حَدَّثَنَا يحيى بن إسحاق، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن رُزيق [¬٢] بن حُكيم، عن كثير بن مرة، عن الديلمي، قال: قلت: يا رسول الله، إن تحتي أختين. قال: "طلق أيهما شئت" (٢٢٨).

стр. 1574

فالديلمي المذكور أوّلا هو الضحاك بن فيروز الديلمي، [قال أبو زرعة الدمشقي: كان يصحب عبد الملك بن مروان. والثاني هو أبو فيروز الديلمي] [¬١]﵁ وكان من جملة الأمراء باليمن الذين ولوا قتل الأسود العنسي المتنبيء لعنه الله. وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضًا، لعموم الآية. وقال ابن أبي حاتم (٢٢٩): حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عنبة -أو عتبة- عن ابن مسعود، أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين، فكرهه. فقال له -يعني السائل- يقول الله تعالى: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ فقال له ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: وبعيرك مما ملكت يمينك. وهذا هو المشمهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك. وقال الإِمام مالك (٢٣٠)، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرّمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك. فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب النبي ﷺ فسأله عن ذلك فقال: لو كان لي من الأمر شيء، ثم وجدت أحدًا فعل ذلك لجعلته [¬٢] نكالا. وقال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال: وبلغني عن الزبير بن العوّام عل ذلك. قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري ﵀ في كتابه الاستذكار (٢٣١): إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طالب، لصحبته عبد الملك بن مروان، وكانوا يستثقلون [¬٣] ذكر علي بن أبي طالب ﵁. ثم قال أبو عمر: حدثني خلف بن أحمد ﵀ قراءة عليه - أن خلف بن مطرف حدّثهم، حَدَّثَنَا أيوب بن سليمان، وسعيد بن سليمان، ومحمد بن عمر بن لبابة، قالوا: حَدَّثَنَا أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبو عبد الرحمن المقري، عن موسى بن أيوب

стр. 1575

الغافقي، حدثني عمي إياس بن عامر، قال: سألت علي بن أبي طالب، فقلت: إنّ لي أختين مما ملكت يميني، اتخذت إحداهما سُرِّيَّة، فولدت لي أولادًا، ثم رغبت في الأخرى، فما أصنع؟ فقال علي ﵁: تعتق التي كنت تطأ، ثم تطأ الأخرى. قلت: فإنّ ناسًا يقولون: بل تزوّجها، ثم تطأ الأخرى. فقال علي: أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها، أليس ترجع إليك؟ لأن تعتقها أسلم لك. ثم أخذ علي بيدي، فقال لي: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله من الحرائر إلا العدد -أو قال: إلا الأربع- ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب. ثم قال أبو عمر: هذا الحديث رحلة [¬١]، لو لم يصب رجل من أقصى المغرب والمشرق إلى مكة غيره لما خابت رحلته. قلت: وقد روي عن علي نحو ما تقدم عن عثمان. قال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا محمد بن العباس، حدثني محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن غزوان، حَدَّثَنَا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال لي علي بن أبي طالب: حرّمتهما آية وأحلتهما آية -يعني الأختين- قال ابن عباس: تحرمهن على قرابتي منهن، ولا تحرمهن على قرابة بعضهن من بعض -يعني الإِماء- وكانت الجاهلية يحرّمون ما تحرّمون، إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فلما جاء الإِسلام أنزل الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يعني: في النكاح. ثم قال أبو عمر: وروى الا مام أ حمد بن حنبل، حَدَّثَنَا محمد بن سلمة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود، قال: يحرم من الإِماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد. وعن ابن سيرين والشعبي نحو [¬٢] ذلك. قال أبو عمر: ﵀ وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف، منهم ابن عباس، ولكن اختلف عليهم، ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار والحجاز والعراق ولا ما وراءهما من المشرق ولا بالشام والمغرب، إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس، وقد ترك من يعمل ذلك ظاهرًا [] [¬٣] ما اجتمعنا عليه، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما لا يحل ذلك في النكاح،

стр. 1576

وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية، أن النكاح وملك [¬١] اليمين في هؤلاء كلهن سواء، فكذلك يجب أن يكون نظرًا وقياسًا الجمع بين الأختين، وأمهات النساء والربائب، وكذلك هو عند جمهورهم، وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها. والله المحمود. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ [أي: وحرم عليكم من الأجنبيات المحصنات، وهنّ المزوجات ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾]، يعني: إلا ما ملكتموهن بالسبي فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن، فإن الآية نزلت في ذلك. وقال الإِمام أحمد (٢٣٢): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان -هو الثوري- عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، قال: أصبنا نساء [¬٢] من سبي أوطاس، ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أ زواج، فسألنا النبي ﵌، فنزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ فاستحللنا بها [¬٣]، فروجهن. وهكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن هشيم، ورواه النسائي من حديث سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ثلاثتهم عن عثمان البتي، ورواه ابن جرير من حديث أشعث بن سوار [¬٤] عن عثمان البتي، ورواه مسلم في صحيحه (٢٣٣)، من حديث شعبة، عن قتادة، كلاهما عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري فذكره، وهكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري به (٢٣٤).

стр. 1577

وقد روي من وجه آخر، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري، [قال الإمام أحمد (٢٣٥): حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عي أبي الخليل، عن أبي علقمَة، عن أبي سعيد الخدري] [¬١]، أن [¬٢] أصحاب رسول الله ﵌ أصابوا سبايا [¬٣] يوم أوطاس، لهن أزواج من أهل الشرك، فكأن أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ كفوا وتأثموا من غشيانهن، قال: فنزلت هذه الآية في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾. وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة، زاد مسلم: وشعبة. ورواه الترمذي من حديث همام بن يحيى، ثلاثتهم عن قتادة بإسناده نحوه (٢٣٦)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا أعلم أن أحدًا ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة. كذا قال، وقد تابعه سعيد وشعبة، والله أعلم. وقد روى الطبراني من طريق [¬٤] الضحاك، عن [ابن عباس] [¬٥] (٢٣٧)، أنها نزلت في سبايا

стр. 1578

خيبر. وذكر مثل حديث أبي سعيد، وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقا لها من زوجها أخذًا بعموم هذه الآية، وقال ابن جرير (٢٣٨): حَدَّثَنَا ابن مثنى، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم: أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج؟ قال: كان عبد الله يقول: بيعها طلاقها. ويتلو هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾. وكذا رواه سفيان، عن منصور، ومغيرة والأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، قال: بيعها طلاقها. وهو منقطع. ورواه [¬١] سفيان الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود، قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها. ورواه سعيد عن قتادة، قال: إن أبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس قالوا: بيعها طلاقها. وقال ابن جرير (٢٣٩): حدثني يعقوب، حَدَّثَنَا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: طلاق الأمة ست: بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها، طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها. وقال عبد الرزاق (٢٤٠): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال: هنّ [¬٢] ذوات الأزواج، حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك، فبيعها طلاقها. قال معمر: وقال الحسن مثل ذلك. وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ قال: إذا كان لها زوج فبيعها طلاقها. وروى عوف عن الحسن: بيع الأمة طلاقها، وبيعه طلاقها.

стр. 1579

فهذا قول هؤلاء من السلف، وقد خالفهم الجمهور قديمًا وحديثًا، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقًا لها؛ لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها، واعتمدوا في ذلك على حديث برهة الخرج في الصحيحين وغيرهما (٢٤١)، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها ونجَّزت عتقها، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله ﷺ بين الفسخ والبقاء؛ فاختارت الفسخ: قصتها مشهورة. فلو كان بيع الأمة طلاقها، كما قال هؤلاء، ما خيرها النبي ﷺ ؛ فلما خيرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسبيات فقط، والله أعلم. وقد قيل: المراد بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني، العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي، واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا. حكاه ابن جرير (٢٤٢) عن أبي العالية وطاووس وغيرهما. وقال عمر وعبيدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم. وقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ أي: هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم، [يعني الأربع] [¬١] فالزموا كتابه، ولا تخرجوا [¬٢] عن حدوده، والزموا شرعه وما فرضه. و [¬٣] قال عبيدة وعطاء والسدي في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ يعني: الأربع. وقال إبراهيم: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ يعني ما حرم عليكم. وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: ما عدا من ذكرن من المحارم هن لكم حلال، قاله عطاء وغيره. وقال عبيدة والسدي: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ما دون الأربع. وهذا بعيد. والصحيح قول عطاء كما تقدم. وقال قتادة: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يعني ما ملكت أيمانكم، وهذه الآية هي [¬٤] التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين، وقول من قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع، أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي، ولهذا قال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾.

стр. 1580

وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي: كما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك، [كما قال تعالى] [¬١]: ﴿وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. وكقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا﴾ وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعًا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك. وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ، ثم أبيح ثم نسح [مرتين. وقال] [¬٢] آخرون: أكثر من ذلك. وقال آخرون: إنما أبيح مرة، ثم نسخ ولم يبح بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، وهو رواية عن الإِمام أحمد بن حنبل [رحمهم الله تعالى] [¬٣] وكان ابن عباس، وأبي بن كعب، وسعيد بن جبير والسدي يقرءون ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة. ولكن الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما ثبت في الصحيحين (٢٤٣)، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن نكاح التعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب "الأحكام". وفي صحيح مسلم (٢٤٤)، عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، عن أبيه، أنه غزا مع رسول الله ﷺ يوم [¬٤] فتح مكة، فقال: "يا أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا". وفي رواية لمسلم: في حجة الوداع. وله ألفاظ موضعها "كتاب الأحكام". وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ من حمل هذه الآية
следующие страницы →