← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية، أن النكاح وملك [¬١] اليمين في هؤلاء كلهن سواء، فكذلك يجب أن يكون نظرًا وقياسًا الجمع بين الأختين، وأمهات النساء والربائب، وكذلك هو عند جمهورهم، وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها. والله المحمود. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ [أي: وحرم عليكم من الأجنبيات المحصنات، وهنّ المزوجات ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾]، يعني: إلا ما ملكتموهن بالسبي فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن، فإن الآية نزلت في ذلك. وقال الإِمام أحمد (٢٣٢): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان -هو الثوري- عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، قال: أصبنا نساء [¬٢] من سبي أوطاس، ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أ زواج، فسألنا النبي ﵌، فنزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ فاستحللنا بها [¬٣]، فروجهن. وهكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن هشيم، ورواه النسائي من حديث سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ثلاثتهم عن عثمان البتي، ورواه ابن جرير من حديث أشعث بن سوار [¬٤] عن عثمان البتي، ورواه مسلم في صحيحه (٢٣٣)، من حديث شعبة، عن قتادة، كلاهما عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري فذكره، وهكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري به (٢٣٤).

стр. 1577

وقد روي من وجه آخر، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري، [قال الإمام أحمد (٢٣٥): حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عي أبي الخليل، عن أبي علقمَة، عن أبي سعيد الخدري] [¬١]، أن [¬٢] أصحاب رسول الله ﵌ أصابوا سبايا [¬٣] يوم أوطاس، لهن أزواج من أهل الشرك، فكأن أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ كفوا وتأثموا من غشيانهن، قال: فنزلت هذه الآية في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾. وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة، زاد مسلم: وشعبة. ورواه الترمذي من حديث همام بن يحيى، ثلاثتهم عن قتادة بإسناده نحوه (٢٣٦)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا أعلم أن أحدًا ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة. كذا قال، وقد تابعه سعيد وشعبة، والله أعلم. وقد روى الطبراني من طريق [¬٤] الضحاك، عن [ابن عباس] [¬٥] (٢٣٧)، أنها نزلت في سبايا

стр. 1578

خيبر. وذكر مثل حديث أبي سعيد، وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقا لها من زوجها أخذًا بعموم هذه الآية، وقال ابن جرير (٢٣٨): حَدَّثَنَا ابن مثنى، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم: أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج؟ قال: كان عبد الله يقول: بيعها طلاقها. ويتلو هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾. وكذا رواه سفيان، عن منصور، ومغيرة والأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، قال: بيعها طلاقها. وهو منقطع. ورواه [¬١] سفيان الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود، قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها. ورواه سعيد عن قتادة، قال: إن أبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس قالوا: بيعها طلاقها. وقال ابن جرير (٢٣٩): حدثني يعقوب، حَدَّثَنَا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: طلاق الأمة ست: بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها، طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها. وقال عبد الرزاق (٢٤٠): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال: هنّ [¬٢] ذوات الأزواج، حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك، فبيعها طلاقها. قال معمر: وقال الحسن مثل ذلك. وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ قال: إذا كان لها زوج فبيعها طلاقها. وروى عوف عن الحسن: بيع الأمة طلاقها، وبيعه طلاقها.

стр. 1579

فهذا قول هؤلاء من السلف، وقد خالفهم الجمهور قديمًا وحديثًا، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقًا لها؛ لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها، واعتمدوا في ذلك على حديث برهة الخرج في الصحيحين وغيرهما (٢٤١)، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها ونجَّزت عتقها، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله ﷺ بين الفسخ والبقاء؛ فاختارت الفسخ: قصتها مشهورة. فلو كان بيع الأمة طلاقها، كما قال هؤلاء، ما خيرها النبي ﷺ ؛ فلما خيرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسبيات فقط، والله أعلم. وقد قيل: المراد بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني، العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي، واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا. حكاه ابن جرير (٢٤٢) عن أبي العالية وطاووس وغيرهما. وقال عمر وعبيدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم. وقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ أي: هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم، [يعني الأربع] [¬١] فالزموا كتابه، ولا تخرجوا [¬٢] عن حدوده، والزموا شرعه وما فرضه. و [¬٣] قال عبيدة وعطاء والسدي في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ يعني: الأربع. وقال إبراهيم: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ يعني ما حرم عليكم. وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: ما عدا من ذكرن من المحارم هن لكم حلال، قاله عطاء وغيره. وقال عبيدة والسدي: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ما دون الأربع. وهذا بعيد. والصحيح قول عطاء كما تقدم. وقال قتادة: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يعني ما ملكت أيمانكم، وهذه الآية هي [¬٤] التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين، وقول من قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع، أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي، ولهذا قال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾.

стр. 1580

وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي: كما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك، [كما قال تعالى] [¬١]: ﴿وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. وكقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا﴾ وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعًا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك. وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ، ثم أبيح ثم نسح [مرتين. وقال] [¬٢] آخرون: أكثر من ذلك. وقال آخرون: إنما أبيح مرة، ثم نسخ ولم يبح بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، وهو رواية عن الإِمام أحمد بن حنبل [رحمهم الله تعالى] [¬٣] وكان ابن عباس، وأبي بن كعب، وسعيد بن جبير والسدي يقرءون ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة. ولكن الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما ثبت في الصحيحين (٢٤٣)، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن نكاح التعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب "الأحكام". وفي صحيح مسلم (٢٤٤)، عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، عن أبيه، أنه غزا مع رسول الله ﷺ يوم [¬٤] فتح مكة، فقال: "يا أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا". وفي رواية لمسلم: في حجة الوداع. وله ألفاظ موضعها "كتاب الأحكام". وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ من حمل هذه الآية

стр. 1581

على نكاح المتعة إلى أجل مسمى. قال [¬١]: فلا جناح عليكم إذا انقضى الأجل أن تتراضوا [¬٢] على زيادة به، وزيادة للجعل. قال [¬٣] السدي: [إن شاء أرضاها] [¬٤] من بعد الفريضة الأولى، يعني الأجر الذي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما، فقال: أتمتع منك أيضًا بكذا وكذا. فإن زاد قبل أن يستبرئ رحمها يوم تنقضي المدة، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾. قال السدي: فإذا [¬٥] انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث. فلا يرث واحد منهما صاحبه. ومن قال [بهذا القول] [¬٦] الأول جعل معناه كقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ الآية، أي: إذا فرضت لها صداقًا فأبرأتك منه، أو عن شيء منه، فلا جناح عليك [¬٧] ولا عليها في ذلك. وقال ابن جرير (٢٤٥): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم الحضرمي أن رجالًا كانوا يفرضون المهر ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة، فقال: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به من بعد الفريضة، يعني: إن وضعت لك منه شيئًا فهو لك سائغ. واختار هذا القول ابن جرير. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ والتراضي أن يوفيها صداقها ثم يخيرها يعني في المقام أو الفراق. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فناسب [¬٨] ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات.

стр. 1582

﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَينَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ يقول تعالى: [﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾] [¬١] أي: سعة وقدرة ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [¬٢] أي: الحرائر العفائف [¬٣]. وقال ابن وهب: أخبرني عبد الجبار، عن ربيعة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قال ربيعة: الطول الهوى. يعني ينكح الأمة إذا كان هواه فيها. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (٢٤٦). ثم شرع [¬٤] يشنع على هذا القول ويردّه. ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: فتزوجوا من الإِماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون ولهذا قال: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قال ابن عباس وغيره: فلينكح من إماء المؤمنين، وكذا قال السدي ومقاتل بن حيان. ثم اعترض [¬٥] بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها، وإنّما لكم أيها الناس الظاهر من الأمور. ثم قال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ فدل على أن السيد هو [¬٦] ولي أمته، لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده، ليس له أن يتزوج [بغير] [¬٧] إذنه، كما جاء في الحديث:

стр. 1583

"أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر" (٢٤٧). أي: زان. فإن كان مالك الأمة امرأة [¬١]، زوجها من يزوج المرأة بإذنها، لما جاء في الحديث: "لا تزوّج [المرأة المرأة، ولا] [¬٢] المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوّج نفسها" (٢٤٨).

стр. 1584

وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وادفعوا مهورهن بالمعروف، أي: عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا منه شيئًا استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات. وقوله تعالى: ﴿محصنات﴾ أي: عفائف [¬١]، عن الزنا، لا يتعاطينه. ولهذا قال: ﴿غير مسافحات﴾ وهن الزواني اللاتي لا يمتنعن من أحد أرادهن بالفاحشة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ قال ابن عباس: ﴿المسافحات﴾ هن الزواني المعلنات، يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحدًا أرادهن بالفاحشة. وقال ابن عباس: ومتخذات أخدان يعني أخلاء. وكذا روي عن أبي هريرة ومجاهد والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير ومقاتل بن حبّان والسدي قالوا: أخلاء. وقال الحسن البصري: يعني الصديق. وقال الضحاك أيضًا: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ذات الخليل الواحد المقرة به. نهى الله عن ذلك، يعني تزويجها ما دامت كذلك. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَينَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ اختلف القراء في (أحصنّ) فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد مبني لما لم يسم فاعله، وقرئ بفتح الهمزة والصاد فعل لازم، ثم قيل: معنى القراءتين واحد. واختلفوا فيه على قولين؛ (أحدهما): أن المراد بالإحصان هاهنا الإسلام، روي ذلك عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسدي، وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب، وهو

стр. 1585

منقطع، وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي ﵀ في [رواية الربيع] [¬١]، قال: وإنما قلنا ذلك استدلالا بالسنة وإجماع اُكثر أهل العلم. وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا مرفوعًا قال (٢٤٩): حَدَّثَنَا علي بن الحسين بن الجنيد، حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، حَدَّثَنَا أبي، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن جابر، عن رجل، عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ ﴿فإذا أحصنّ﴾ قال: "إحصانها: إسلامها [وعفافها" وقال: المراد به هاهنا التزويج. قال: وقال علي: اجلدوهن] [¬٢]. ثم [¬٣] قال ابن أبي حاتم: وهو حديث منكر. (قلت): وفي إسناده ضعف، وفيه [¬٤] من لم يسم، ومثله [¬٥] لا تقوم به حجة. وقال القاسم وسالم: إحصانها إسلامها وعفافها. وقيل: المراد به هاهنا التزويج. وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاووس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم. ونقله أبو علي الطبري (٢٥٠) في كتابه الإيضاح عن الشافعي فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه. وقد [رواه

стр. 1586

الليث] [¬١] بن أبي سليم، عن مجاهد أنه قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة. وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس رواهما ابن [¬٢] جرير في تفسيره. وذكره ابن أبي حاتم، عن الشعبي والنخعي (٢٥١). [وقيل: معنى القراءتين متباين] [¬٣]. فمن قرأ ﴿أُحْصِنَّ﴾ بضم الهمزة فمراده التزويج، ومن قرأ (أحْصَن) [¬٤] بفتحها فمراده الإسلام، اختاره الإمام [¬٥] أبو جعفر بن جرير في تفسيره وقرره ونصره. والأظهر -والله أعلم- أن المراد بالإحصان هاهنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه، حيث يقول : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ والله أعلم. والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله: ﴿فإذا أحصنّ﴾ أي: تزوّجن، كما فسره ابن عباس [ومن تبعه] [¬٦]. وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، وذلك أنهم يقولون: إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكرا، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حدّ على غير المحصنة ممن زنا من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك، فأما الجمهور فقالوا: لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم. وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإِماء، فقدمناها على مفهوم الآية. فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه (٢٥٢)، عن علي ﵁، أنه خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا الحد على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث [¬٧] عهد بنفاس، فخشيت أن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أحسنت، اتركها حتى تتماثل"، وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه: "فإذا تعالت (*) من نفاسها فاجلدها [¬٨] خمسين" (٢٥٣).

стр. 1587

وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب (*) عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر". ولمسلم: "إذا زنت ثلاثًا فليبعها في الرابعة" (٢٥٤). وروى مالك (٢٥٥) عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن [عياش بن أبي ربيعة] [¬١] المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا [ولائد من ولائد الإمارة] [¬٢] خمسين خمسين في الزنا. (الجواب الثاني): جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حدّ عليها، وإنما تضرب تأديبًا، وهو المحكى عن عبد الله بن عباس ﵄، وإليه ذهب طاووس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي الظاهري في رواية عنه، وعمدتهم مفهوم الآية، وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم، فقدم على العموم عندهم. وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄: أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: "إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير [¬٣] ". وقال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة. أخرجاه في الصحيحين (٢٥٦). وعند مسلم قال ابن شهاب: الضفير [¬٤] الحبل.

стр. 1588

قالوا: فلم يوقت فيه عدد كما وقت في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات من العذاب، فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك. والله أعلم. وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور، عن سفيان، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على أمة حد حتى تحصن -أو يعني [¬١] تزوج- فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات" (٢٥٧). وقد رواه ابن خزيمة، عن عبد الله [بن عمران العابدي] [¬٢]، عن سفيان، به مرفوعًا، وقال: رفعه خطأ، إنما هو من قول ابن عباس. وكذا رواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمران. وقال مثل ما قاله ابن خزيمة. قالوا: وحديث علي وعمر قضايا أعيان، وحديث أبي هريرة عنه أجوبة: (أحدها): أن ذلك محمول على الأمة المزوجة، جمعًا بينه وبين هذا الحديث. (الثاني): أن لفظة الحد في قوله: "فليجلدها [¬٣] عليها الحد"، مقحمة [¬٤]، من بعض الرواة بدليل الجواب (الثالث)، وهو أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط، وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم [¬٥] من رواية واحد، وأيضًا فقد رواه النسائي

стр. 1589

بإسناد على شرط مسلم من حديث عباد [¬١] بن تميم، عن عمه، وكان قد شهد بدرًا، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير [¬٢] " (٢٥٨). (الرابع): أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق لفظ الحد [في الحديث على الجلد، لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد، أو أنه أطلق لفظة الحد] [¬٣] على التأديب، كما أطلق الحد على ضرب [من زنى من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ، وعلى جلد] [¬٤] من زنا بأمة امرأته إذا أذنت له فيها مائة، وإنما ذلك تعزر وتأديب عند من يراه، [كالإمام أحمد] [¬٥] وغيره من السلف. وإنما

стр. 1590

[يعني في رواية تقرير] [¬١] الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة، ورجم الثيب أو اللائط. والله أعلم. [وقد روى ابن جرير] [¬٢] في تفسيره (٢٥٩): حَدَّثَنَا ابن المثنى، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن عمرو [¬٣] بن مرة، أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج. وهذا إسناد صحيح عنه، ومذهب غريب إن كان أراد أنها لا تضرب الأمة أصلًا لا حدًّا، وكأنه أخذ بمفهوم الآية ولم يبلغه الحديث، وإن أراد أنها لا تضرب حدًّا ولا ينفي ضربها تأديبًا، فهو كقول ابن عباس ﵁ ومن تبعه في ذلك. والله أعلم. (الجواب الثالث): أن الآية دلت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حدّ الحرة، فأما قبل الإحصان فعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ولحديث عبادة بن الصامت: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهنّ سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب [¬٤] جلد مائة ورجمها بالحجارة". والحديث في صحيح مسلم (٢٦٠)، وغير ذلك من الأحاديث. وهذا القول هو المشهور عن داود بن علي الظاهري، وهو في غاية الضعف؛ لأن الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب وهو خمسون جلدة، فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشد منه بعد الإحصان، وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال، وهذا الشارع ﵇ سألة أصحابه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: "اجلدوها"، [ولم يقل مائة] [¬٥]، فلو كان حكمها كما زعم [¬٦] داود لوجب بيان ذلك لهم، لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء وإلا [فما الفائدة] [¬٧] في قولهم. ولم تحصن لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الآية نزلت، لَكن لما علموا

стр. 1591

أحد الحكمين سألوا عن الآخر فبينه لهم، كما في الصحيحين (٢٦١). أنهم لما سألوه عن الصلاة عليه [¬١] فذكرها لهم ثم قال: "والسلام ما قد علمتم". وفي لفظ: لما أنزل الله قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قالوا: هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ وذكر الحديث. وهكذا هذا السؤال. (الجواب الرابع عن مفهوم الآية) جواب أبي ثور فإن من مذهبه ما هو أغرب من قول داود من وجوه، وذلك أنه يقول: فإذا أحصن فإن عليهن نصف ما على المحصنات المزوجات وهو الرجم وهو لا يتناصف فيجب أن ترجم الأمة المحصنة إذا زنت، وأما قبل الإحصان فيجب جلدها خمسين. فأخطأ في فهم الآية، وخالف الجمهور في الحكم، بل قد قال أبو عبد الله الشافعي ﵀: ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا (٢٦٢)؛ وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات للعهد، وهنّ [¬٢] المحصنات المذكورات في أول الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ [¬٣]﴾ والمراد بهن الحرائر فقط من غير تعرض لتزويج غيره. وقوله: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لا الرجم. والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد [حديثًا في رد مذهب أبي ثور] [¬٤] من رواية الحسن بن سعد، عن أبيه، أن صفية كانت قد زنت برجل من الخمس فولدت غلامًا، فادعاه الزاني، فاختصما إلى عثمان، فرفعهما إلى علي بن أبي طالب، فقال علي: أقضي فيهما بقضاء رسول الله ﷺ : "الولد للفراش، وللعاهر الحجر". وجلدها [¬٥] خمسين خمسين (٢٦٣).

стр. 1592

وقيل: بل المراد من المفهوم [التنبيه بالأعلى على الأدنى، أي] [¬١]: أن الإماء على النصف من الحرائر في الحدّ وإن كن محصنات، وليس عليهن رجم أصلا لا قبل النكَاح ولا بعده، وإنما عليهن الجلد في الحالتين بالسنة. قال ذلك صاحب الإفصاح. [وذكر هذا] [¬٢] عن الإمام [¬٣] الشافعي فيما رواه ابن عبد الحكم. وقد ذكره البيهقي في كتاب السنن والآثار عنه (٢٦٤)، وهو بعيد من لفظ الآية؛ لأنا إنما استفدنا تنصيف الحد من الآية لا من سواه، فكيف يفهم منها التنصيف فيما عداها، وقال: بل أريد بأنها في حال الإحصان لا يقيم الحد عليها إلا الإمام ولا يجوز لسيدها إقامة الحد عليها والحالة هذه. وهو قول في مذهب الإمام [¬٤] أحمد

стр. 1593

﵀، فأما قبل الإحصان فله ذلك، والحد في كلا الموضعين نصف حد الحرة، وهذا أيضًا بعيد؛ لأنه ليس في الآية ما يدل عليه. ولولا هذه لم ندر ما حكم الإماء في التنصيف، ولوجب دخولهنّ في عموم الآية في تكميل الحد مائة أو رجمهن، كما ثبت في الدليل عليه، وقد تقدم عن علي أنه قال: أيها الناس أقيموا الحد على أرقائكم، من أحصن منهم ومن لم يحصن (٢٦٥). وعموم الأحاديث المتقدمة ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها لحديث أبي هريرة الذي احتج به الجمهور: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها" (٢٦٦). ملخص الآية أنها إذا زنت أقوال. أحدها: تجلد خمسين قبل الإحصان وبعده، وهل تنفى؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تنفى عنه. والثاني: لا تنفى عنه مطلقًا. والثالث: أنها تنفى نصف سنة وهو نصف نفي الحرّة. وهذا الخلاف في مذهب الشافعي، وأما أبو حنيفة فعنده أن النفي تعزير ليس من تمام الحدّ، وإنما هو رأي الإمام إن شاء فعله، وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء. وعند مالك: أن النفي إنما هو على الرجال، وأما النساء فلا، لأن ذلك مضاد لصيانتهنّ. وما ورد شيء من النفي في الرجال ولا في النساء. نعم حديث عبادة وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحدّ عليه، رواه البخاري (٢٦٧). وذلك مخصوص بالمعنى، وهو أن المقصود من النفي الصون وذلك مفقود في نفي النساء، والله أعلم. والثاني: أن الأمة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان وتضرب تأديبًا غير محدود بعدد محصور. وقد تقدم ما رواه ابن جرير، عن سعيد بن جبير: أنها لا تضرب قبل الإحصان، وإن أراد نفيه فيكون مذهبًا بالتأويل. وإلا فهو كالقول الثاني. القول الآخر: أنها تجلد قبل الإحصان مائة وبعده خمسين، كما هو المشهور عن داود، وهو [¬١] أضعف الأقوال، أنها تجلد قبل الإِحصان خمسين وترجم بعده وهو قول أبي ثور، وهو ضعيف أيضًا،

стр. 1594

والله أعلم بالصواب. وقوله تعالى: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾ أي: إنما يباح نكاح الإِماء بالشروط المتقدّمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا وشق عليه الصبر عن الجماع، وعنت بسبب ذلك كله فله حينئذ أن يتزوّج بالأمة، وإن ترك [تزوج الأمة] [¬١] وجاهد نفسه في الكف عن الزنا فهو خير له؛ لأنه إذا تزوّجها جاء أولاده [أرقاء لسيدها، إلا أن يكون الزوج عربيًا، فلا تكون أولاده منها] [¬٢] أرقاء في قول قديم للشافعي، ولهذا قال: ﴿وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم﴾. ومن هذه الآية الكريمة استدل جمهور العلماء في جواز نكاح الإماء على أنه لابد من عدم الطول لنكاح الحرائر، ومن خوف العنت؛ لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما فيهن من الدناءة في العدول عن الحرائر إليهن. وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين، فقالوا: متى لم يكن الرجل مزوّجا بحرّة جاز له [نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضًا] [¬٣]، سواء كان واجدا الطول لحرّة أم لا، وسواء خاف العنت أم لا. وعمدتهم فيما ذهبوا إليه قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ أي: العفائف، وهو يعم الحرائر والإِماء وهذه الآية عامّة، وهذه أيضًا ظاهرة في الدلالة في ما قاله الجمهور، والله أعلم. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ يخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم أيها المؤمنون ما [¬٤] أحل لكم وحرم عليكم، مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها ﴿ويهديكم سنن الذين من قبلكم﴾ يعني: طرائقهم الحميدة، واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها ﴿ويتوب عليكم﴾ [أي: من الإثم والمحارم] [¬٥] [﴿والله عليم حكيم﴾ أي: في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله، وقوله] [¬٦]: ﴿ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما﴾ أي: يريد

стр. 1595

أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق إلى الباطل ميلا عظيما. ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه [وما يقدّره لكم] [¬١]، ولهذا أباح الإماء بشروط، كما قال مجاهد وغيره ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ فناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته. قال ابن أبي حاتم (٢٦٨): حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل [الأحمسي] [¬٢]، حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ أي: في أمر النساء. وقال وكيع: يذهب عقله عندهنّ. وقال موسى الكليم -عليه [الصلاة و] السلام- لنبينا محمد ﷺ ليلة الإسراء حين مر عليه راجعًا من عند سدرة المنتهي، فقال له: ماذا فرض عليكم؟ فقال: أمرني بخمسين [صلاة في كل] [¬٣] يوم وليلة. فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمّتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمّتك أضعف أسماعًا وأبصارًا وقلوبًا. فرجع فوضع عشرًا، ثم رجع إلى موسى، فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسًا. الحديث (٢٦٩). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾

стр. 1596

ينهى الله ﵎ عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير (٢٧٠): حدثني ابن المثنى، حَدَّثَنَا عبد الوهاب، حَدَّثَنَا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهما. قال: هو الذي قال الله- فيه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. وقال ابن أبي حاتم (٢٧١): حَدَّثَنَا علي بن حرب الموصلي، حدَّثنا ابن فضيل، عن داود الأودي، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، في الآية قال: إنها محكمة، ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس لما أنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف للناس؟ فأنزل الله بعد ذلك: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ الآية. [وكذا قال قتادة] [¬١]. وقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ قرئ تجارة بالرفع وبالنصب وهو استثناء منقطع، كأنه يقول لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال، كما قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق﴾ وكقوله: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾. ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول؛ لأنه يدل على التراضي نصًّا، بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل على الرضا ولابد. وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم [¬٢] فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، وكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعًا، فصححوا بيع المعاطاة [مطلقًا، ومنهم من قال:

стр. 1597

يصح] [¬١] في المحقرات وفيما يعده الناس بيعًا، وهو احتياط نظر من محققي المذهب والله أعلم. وقال مجاهد: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ بيعًا [¬٢] أو عطاء يعطه أحد أحدًا. ورواه ابن جرير، ثم قال (٢٧٢): وحَدّثَنَا ابن وكيع، حَدثَنَا أبي، عن القاسم، عن سليمان الجعفي [¬٣]، عن أبيه، عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله ﷺ : "البيع عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش [¬٤] مسلمًا". هذا حديث مرسل. ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، كما ثبت في الصحيحين (٢٧٣)، أن رسول الله ﷺ قال: "البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا". وفي لفظ البخاري: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا". وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف. ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، بحسب ما يتبين فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية. ونحوها، كما هو المشهور عن مالك ﵀، وصححوا بيع المعاطاة مطلقا، وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا، وهو اختيار طائفة من الأصحاب [كما هو متفق عليه] [¬٥]. وقوله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ أى: بارتكاب محارم الله، وتعاطي معاصيه، وأكل أموالكم بينكم [¬٦] بالباطل ﴿إن الله كان بكم رحيما﴾ أي: فيما أمركم به ونهاكم عنه. وقال الإِمام أحمد (٢٧٤): حَدَّثَنَا حسن بن موسى، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حَدَّثَنَا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص رضي الله

стр. 1598

عنه أنه، قال، لما بعثه النبي ﷺ عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال [¬١]: فلما قدمت على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب"؟ قال: قلت يا رسول الله؛ إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله : ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا. وهكذا رواه أبو داود من حديث يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب به، ورواه أيضا عن [محمد بن أبي سلمة] (*)، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، وعمر (*) بن الحارث، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبى أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عنه فذكره [¬٢] نحوه. وهذا والله أعلم أشبه بالصواب. وقال أبو بكر بن مردويه (٢٧٥): حدّثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد البلخي، حدَّثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي، حَدَّثَنَا عبيد [¬٣] الله بن عمر القواريري، حَدثَنَا يوسف ابن خالد، حَدَّثنا زياد بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله ذكروا ذلك له، فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله؛ خفت أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا

стр. 1599

أنفسكم﴾ … الآية. قال: فسكت عنه رسول الله ﷺ ، ثم أورد ابن مردويه (٢٧٦) عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يَجَأ [¬١] بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل [¬٢] نفسه بسم تردّى به فسمه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالدا مخلدًا فيها أبدًا" [ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا] [¬٣]. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، وكذلك رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه (٢٧٧)، وعن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحاك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة". وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي قلابة (٢٧٨). وفي الصحيحين (٢٧٩) من حديث الحسن، عن [¬٤] جندب بن [¬٥]

стр. 1600

عبد الله بن البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : "كان رجل ممن كان قبلكم، وكان به جرح، فأخذ سكينا نحر بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله- : عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة". ولهذا قال تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما﴾ أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديا فيه ظالما في تعاطيه، أي: عالما بتحريمه متجاسرًا على انتهاكه ﴿فسوف نصليه نارًا﴾ الآية. وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد. قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ الآية. أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام انتي نهيتم عنها [كفرنا عنكم صغائر الذنوب] [¬١] وأدخلناكم الجنة، ولهذا قال: ﴿وندخلكم مدخلا كريما﴾ وقال الحافظ أبو بكر البزار (٢٨٠): حَدَّثنَا مؤمل بن هشام، حَدثَنَا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا [خالد] (*) بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس [رفعه قال: "لم نر مثل] [¬٢] الذي بلغنا عن ربنا ، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، يقول الله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ الآية. وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر، قال الإِمام أحمد (٢٨١):

стр. 1601

حَدَّثَنَا هشيم، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن قرثع الضبي، عن سلمان الفارسي، قال: قال لي النبي ﷺ : "أتدري ما يوم الجمعة" قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم. قال: لكن أدري ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كان كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة، ما اجتنبت المقتلة". وقد روى البخاري (٢٨٢) من وجه آخر عن سلمان نحوه. وقال أبو جعفر بن جرير (٢٨٣): حدثني المثنى [بن براهيم] [¬١]، حَدَّثَنَا أبو صالح، حدثني

стр. 1602

الليث، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، أخبرني صهيب مولى العُتواري [¬١]، أنه سمع أبا هروة وأبا سعيد يقولان: خطنا رسول الله ﷺ يوما فقال: "والذي نفسي بيده" - ثلاث مرات ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري على ماذا حلف عليه، ثم رفع رأسه وفي وجهه البشرى [¬٢]، فكان أحب إلينا من حمر النعم فقال: "ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له ادخل بسلام". وهكذا رواه النسائي والحاكم في مستدركه من حديث الليث بن سعد به، ورواه الحاكم أيضا وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال به، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الصحيحين ولم يخرجاه. (تفسير هذه السبع) وذلك بما ثبت في الصحيحين (٢٨٤)، من حديث سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل: يا رسول الله؛ وما هن؟ قال: "الشرك بالله، وقتل النفس [التي حرم الله إلا بالحق] [¬٣]، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".

стр. 1603

(طريق [¬١] أخرى عنه) قال ابن أبي حاتم (٢٨٥): حَدَّثنا أبي، حَدثَنَا فهد بن عوف، حَدثَنَا أبو عوانة، عن [عمرو] (*) بن أبي سلمة، عن أبيه عن أبي هريرة، مرفوعًا [¬٢] أن رسول الله ﷺ قال: "الكبائر سبع، أولها الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة". فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر لا ينفي ما عداهن إلا عند من يقول بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند عدم القرينة، ولا سيما عند قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم، كما سنورده من الأحاديث المتضمنة من الكبائر غير هذه السبع، فمن ذلك مما رواه الحاكم في مستدركه حيث قال (٢٨٦): حَدَّثَنَا أحمد بن كامل القاضي إملاءً، حدَّثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد، حَدَّثَنَا معاذ بن هانئ، حدَّثنا حرب بن شداد، حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الحميد بن سنان،

стр. 1604

عن عبيد بن عمير، عن أبيه يعني عمير بن قتادة ﵁ أنَّه حدثه - وكانت له صحبة - أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: "ألا إن أولياء الله المصلون، من يقيم الصلوات الخمس التي [كتب الله] [¬١] عليه، ويصوم رمضان، ويحتسب صومه، يرى أنَّه عليه حق، ويعطي زكاة ماله يحتسبها، ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها"، ثمَّ إن رجلًا سأله فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ فقال: "تسع: الشرك بالله، وقتل نفس مؤمن بغير حق، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا، [ثمَّ قال] [¬٢]: لا يموت رجل لا يعمل هؤلاء الكبائر. ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، إلا كان مع النبي ﷺ في دار [أبوابها مصاريع] [¬٣] من ذهب". هكذا رواه الحاكم [¬٤] مطولًا، وقد أخرجه أبو داود والترمذي (*) مختصرًا من حديث معاذ بن هانئ به، وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديثه مبسوطا، ثمَّ قال الحاكم: رجاله كلهم محتج [¬٥] بهم في الصحيحين، إلا عبد الحميد بن سنان. (قلت): وهو حجازي لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقد ذكره ابن حبَّان في كتاب الثقات. وقال البخاري: في حديثه نظر. وقد [¬٦] رواه ابن جرير (٢٨٧) عن سليمان بن ثابت الجحدري، عن سلم [¬٧] بن سلام، عن

стр. 1605

أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبيد بن عمير، عن أبيه فذكره، ولم يذكر في الإِسناد عبد الحميد بن سنان، فالله اعلم. (حديث آخر في معنى ما تقدم) قال ابن مردويه (٢٨٨): حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا أحمد بن يونس، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الحميد، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن مسلم بن الوليد، عن المطلب بن [¬١] عبد الله بن حنطب، عن عبد الله بن عمرو قال: صعد النبي ﷺ المنبر فقال: "لا أقسم لا أقسم" ثمَّ نزل فقال "أبشروا أبشروا، من صلى الصلوات الخمس، واجتنب الكبائر السبع نودي من أبواب الجنة: ادخل" قال عبد العزيز: لا أعلمه إلا قال: "بسلام" وقال المطلب: سمعت من سأل عبد الله بن عمرو: أسمعت رسول الله ﷺ يذكرهن؟ قال: نعم "عقوق الوالدين، وإشراك بالله، وقتل النفس؛ وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وأكل الربا". (حديث آخر في معناه) قال أبو جعفر بن جرير في التفسير (٢٨٩): حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا ابن [¬٢] علية، أخبرنا زياد بن مخراق عن طيسلة [¬٣] بن مياس قال: كنت مع [¬٤] النجدات، فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر، فلقيت ابن عمر، فقلت له [¬٥]: إني أصبت ذنوبا لا

стр. 1606

أراها إلا من الكبائر قال: ما هي؟ قلت: أصبت كذا وكذا. قال: ليس من الكبائر. قلت: وأصبت كذا وكذا قال: ليس من الكبائر قال: بشيء لم يسمه طيسلة [¬١]؟ قال: هي تسع وسأعدّهن عليك: الإِشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلما. وإلحاد في المسجد الحرام، والذي [¬٢] يستحسر، وبكاء الوالدين من العقوق. قال زياد: وقال طيسلة [¬٣]: لما رأي ابن عمر فرقي قال: أتخاف النار أن تدخلها؟ قلت: نعم. قال: وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: نعم. قال: أحيٌّ والداك؟ قلت: عندي أمي. قال: فو الله لئن أنت ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات. (طريق [¬٤] أخرى) قال ابن جرير (٢٩٠): حَدَّثَنَا سليمان بن ثابت الجحدري الواسطي، حَدَّثَنَا سلم [¬٥] بن سلام حَدَّثَنَا أيوب بن عتبة، عن طيسلة [¬٦] بن علي النهدي قال: أتيت ابن عمر وهو في ظل أراك يوم عرفة، وهو يصب الماء على رأسه ووجهه قلت: أخبرني عن الكبائر؟ قال: هي تسع. قلت: ما هي؟ قال: "الإِشراك بالله، وقذف المحصنة" قال: قلت: [قبل قتل] [¬٧] النفس قال: نعم ورغما "وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وإلحاد بالبيت

стр. 1607

الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا". هكذا رواه من هذين الطريقين موقوفًا، وقد رواه علي بن الجعد، عن أيوب بن عتبة، عن [طيسلة بن علي] [¬١] قال: أتيت ابن عمر عشية عرفة، وهو تحت ظل أراكة، وهو يصب الماء على رأسه فسألته عن الكبائر؟ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هن سبع" قال: قلت: وما هن؟ قال: "الإِشراك بالله، وقذف المحصنة". قال: قلت: قبل الدم. قال: نعم، ورغما. "وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا". وهكذا رواه الحسن بن موسى الأشيب، عن أيوب بن عتبة اليماني، وفيه ضعف، والله أعلم. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢٩١): حَدَّثَنَا زكريا بن عديّ، حَدَّثَنَا بقية، عن [بحير بن

стр. 1608

سعد] [¬١]، عن خالد بن معدان، أن أبا رهم السمعي حدثهم عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : "من عبد الله لا يشرك به شيئًا، وأقام الصلاة، وآتى الذكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر فله الجنة - أو دخل الجنة" فسأله رجل ما الكبائر؟ فقال: "الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة، والفرار يوم الزحف". ورواه أحمد أيضًا، والنسائيُّ من غير وجه عن بقية. (حديث آخر) روى [ابن مردويه في تفسيره (٢٩٢) من طريق سليمان بن داود اليماني - وهو ضعيف - عن الزهري، عن] [¬٢] الحافظ أبي بكر بن محمَّد [بن عمرو] [¬٣] بن حزم، عن أبيه، عن جده قال: كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم قال: وكان في الكتاب: "إن أكبر الكبائر عند الله يرم القيامة: إشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم". (حديث آخر فيه ذكر شهادة الزور) قال الإِمام أحمد (٢٩٣): حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، حدثني [عبيد الله] [¬٤] بن أبي بكر، قال: سمعت أنس بن مالك قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر - أو سئل عن الكبائر - فقال: "الشرك بالله [¬٥]، وقتل النفس، وعقوق الوالدين" - وقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال [¬٦]: قول الزور - أو شهادة الزور" [قال شعبة: أ كبر ظني أنَّه قال: شهادة الزور] [¬٧]

стр. 1609

أخرجاه من حديث شعبة به، وقد رواه ابن مردويه من طريقين آخرين غريبين عن أنس بنحوه. (حديث آخر) أخرجه الشيخان (٢٩٤) أيضًا [¬١] من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة [¬٢]، عن أبيه قال: قال النبي ﷺ "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر"؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "الإِشرك بالله، وعقوق الوالدين - وكان متكئا فجلس، فقال - ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور". فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. (حديث آخر) فيه ذكر قتل الولد، وهو ثابت في الصحيحين (٢٩٥)، عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله؛ أي: الذنب أعظم؟، وفي رواية أكبر قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك". قلت: ثمَّ أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك". قلت: ثمَّ أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". ثمَّ قرأ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. (حديث آخر) فيه ذكر شرب الخمر. قال ابن أبي حاتم (٢٩٦): أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثني أبو صخر، أن رجلًا حدثه، عن عمارة بن حزم، أنَّه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص [وهو بالحجر] [¬٣] بمكة، [وسأله رجل] [¬٤] على الخمر فقال: والله إن عظيما عند الله الشيخ مثلي يكذب في هذا المقام على رسول الله ﷺ

стр. 1610

فذهب فسأله ثمَّ رجع فقال: سألته عن الخمر فقال: "هي أكبر الكبائر، وأمّ الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة، ووقع على أمه وخالته وعمته". غريب من هذا الوجه. (طريق [¬١] أخرى) رواها الحافظ أبو بكر بن مردويه (٢٩٧) من حديث عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن داود بن صالح، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن أبا بكر الصدّيق ﵁ وعمر بن الخطّاب، وأناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ ﵃ أجمعين جلسوا بعد وفاة رسول الله ﷺ فذكروا أعظم الكبائر، فلم يكن عندهم مما ينتهون إليه، فأرسلونى إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم، فأنكروا ذلك، فوثبوا إليه حتى أتوه في داره فأخبرهم أنهم تحدّثوا عند رسول الله ﷺ أن ملكا من بني إسرائيل أخذ رجلًا فخيره بين أن يشرب خمرًا، أو يقتل نفسًا، أو يزاني، أو يأكل لحم خنزير أو يقتله، فاختار شرب الخمر. وإنه لما شربها لم يمتنع من شيء أراده منه، وإن رسول الله ﵌ قال لنا مجيبًا: "ما من أحد يشرب خمرًا [¬٢] إلا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت أحد في مثانته منها شيء إلا حرّم الله عليه الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية". هذا حديث غريب من هذا الوجه جدًّا، وداود بن صالح هذا هو التمار المدني مولى الأنصار، قال الإِمام أحمد: لا أرى به بأسًا. وذكره ابن حبَّان في الثقات، ولم أر أحدًا جرحه.

стр. 1611

(حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو فيه ذكر اليمين الغموس. قال الإمام أحمد (٢٩٨) حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أكبر [¬١] الكبائر الإِشراك بالله، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس [¬٢]- شعبة [¬٣] الشاك - واليمين الغموس". ورواه البخاري والترمذي والنسائيُّ من حديث شعبة، وزاد البخاري وشيبان كلاهما عن فراس به. (حديث آخر في اليمين الغموس) قال ابن أبي حاتم (٢٩٩): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو صالح كاتب الليث، حَدَّثَنَا الليث بن سعد، حَدَّثَنَا هشام بن سعد [¬٤]، عن محمَّد بن زيد بن مهاجر ابن قنفذ التيمي، عن أبي أمامة الأنصاري، عن عبد الله بن أنيس الجهني، عن رسول الله ﷺ قال: "من [¬٥] أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح البعوضة، إلا كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة". وهكذا رواه الإمام [¬٦] أحمد في مسنده وعبد بن حميد في تفسيره، [كلاهما عن يونس بن محمَّد المؤدب، عن الليث بن سعد به، وأخرجه الترمذي] [¬٧] عن عبد بن حميد به. ثمَّ [¬٨] قال: وهذا حديث حسن غريب، وأبو أمامة الأنصاري هذا هو ابن ثعلبة ولا يعرف

стр. 1612

اسمه. وقد روى عن أصحاب النبي ﷺ أحاديث. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي (٣٠٠): وقد رواه عبد الرحمن بن إسحاق المدني، عن محمَّد بن زيد، عن عبد الله بن أبي أمامة، عن أبيه، عن عبد الله بن أنيس [¬١]، فزاد عبد الله ابن أبي أمامة. (قلت): هكذا وقع في تفسير ابن مردويه، وصحيح ابن حبَّان، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق [¬٢] كما ذكره شيخنا فسح الله في أجله.

стр. 1613

(حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو في التسبب إلى شتم الوالدين. قال ابن أبي حاتم (٣٠١): حَدَّثَنَا عمرو بن عبد الله الأودي، حَدَّثَنَا وكيع، عن مسعر وسفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، رفعه سفيان إلى النبي ﷺ ووقفه مسعر على عبد الله بن عمرو قال: "من الكبائر أن يشتم الرجل والديه" قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". وقد [أخرج هذا الحديث] البخاري (٣٠٢) عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم بن سعد وبن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عمه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه". قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان وشعبة ويزيد بن الهاد ثلاثتهم عن سعد بن إبراهيم به مرفوعًا بنحوه، وقال الترمذي: صحيح. وثبت في الصحيح أن [¬١] رسول الله ﷺ قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". (حديث آخر في ذلك) قال ابن أبي حاتم (٣٠٣): حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن إبراهيم، دُحيَم،

стр. 1614

حَدَّثَنَا عمرو بن أبى سلمة، حَدَّثَنَا زهير بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكبر الكبائر [استطالة المرء في] عرض الرجل المسلم، والسبَّتان والسبَّة". هكذا روي هذا الحديث، وقد أخرجه أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن جعفر بن مسافر، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبى هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من أكبر الكبائر استطالة الرجل [¬١] في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة". وكذا رواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن العلاء بن زبر [¬٢]، عن العلاء، عن أببه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فذَكر مثله. (حديث آخر في ذكر [¬٣] الجمع بين الصلاتين من غير عذر) قال ابن أبي حاتم (٣٠٤): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا نعيم بن حماد، حَدَّثَنَا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر". وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي، عن أبي سلمة يحيى بن خلف، عن المعتمر بن

стр. 1615

سليمان، به، ثم قال: حنش: هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره. وقد روى ابن أبي حاتم (٣٠٥) حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن [¬١] الصباح، حَدَّثَنَا إسماعيل بن علية، عن خالد الحذاء، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة يعني [¬٢] العدوي قال: قرئ علينا كتاب عمر: من الكبائر جمع بين الصلاتين -يعني من غير عذر- والفرار من الزحف، والنهبة. وهذا إسناد صحيح. والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر، تقديمًا أو تأخيرًا، وكذا المغرب والعشاء هما من شأنه أن يجمع بسبب من الأسباب الشرعية فإذا
следующие страницы →