ورواه النَّسائي (٣٦٩) من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه به.
وقال الإِمام أحمد (٣٧٠): حدَّثنا هُشَيم، قال: أخبرنا [¬١] مغيرة، [] [¬٢] عن أبيه، عن شعبة ابن التوأم، عن قيس بن عاصم، أنَّه سأل النبي ﷺ عن الحلف فقال: "ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا [¬٣] به، ولا حلف في الإسلام".
وكذا رواه شعبة، عن مغيرة - وهو ابن مقسم عن أبيه به.
وقال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، قال: كنت أقرأ على أم سعد بنت سعد [¬٤] ابن [¬٥] الربيع مع ابن ابنها موسى بن سعد، وكانت يتيمة في حجر أبي بكر، فقرأت عليها: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فقالت: لا ولكن ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قالت: إنما نزلت في أبي بكر، وابنه عبد الرحمن، حين أَبى أن يسلم، فحلف أَبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم حين حمل على الإِسلام بالسيف أمر الله أن يؤتيه نصيبه.
رواه ابن أبي حاتم (٣٧١)، وهذا قول غريب، والصحيح الأول، وأن هذا كان في ابتداء
стр. 1647
الإِسلام يتوارثون بالحلف، ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمروا أن يوفوا [بالعهود والعقود] والحلف الذي كانوا قد تعاقدوه قبل ذلك، وتقدم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة: "لا حلف في الإِسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة".
وهذا نص في الزد على من ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل [﵀].
والصحيح قول الجمهور ومالك والشَّافعى وأحمد في المشهور عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي: ورثة [¬١] من قراباته [¬٢]: من أَبويه وأقربيه. وهم يرثونه دون سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين (٣٧٢) عن ابن عبَّاس أن رسول الله ﷺ قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها، [فما بقي] [¬٣] فهو لأولى رجل ذكر".
أي: اقسموا الميراث على أصحاب الفروض [¬٤]، الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة [¬٥]. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ [¬٦] أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: قبل نزول هذه الآية ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: أي من الميراث: فأما حلف عقد بعد ذلك فلا تأثير له.
стр. 1648
وقد قيل: إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل، وحكم الحلف [¬١] الماضي أيضًا، فلا توارث به. كما قال ابن أبي حاتم (٣٧٣): حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أَبو أسامة، حدَّثنا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، قال: من النصرة والنصيحة والرفادة، و [¬٢] يوصى له، وقد ذهب الميراث.
ورواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن أبي أسامة، وكذا يروي عن مجاهد و أبي مالك نحو ذلك.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ [¬٣] أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. يقول: إلَّا أن توصوا [¬٤] [لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو] [¬٥] لهم جائز [¬٦] من ثلث المال.
وهذا [¬٧] هو المعروف.
وهكذا [¬٨] نص غير واحد من السلف: أنَّها منسوخة بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.
وقال سعيد بن جبير: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، أي: من الميراث. قال: وعاقد أبو بكر مولى فورثه. رواه ابن جرير (٣٧٤).
وقال الزُّهْريّ عن [سعيد] [¬٩] ابن المسيب: نزلت [¬١٠] هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالًا غير أبنائهم، ويورثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيبًا في الوصية، وردّ الميراث إلى
стр. 1649
الموالي، في ذي الرحم والعَصَبَة، وأبى الله [أن يكون] [¬١] للمدَّعين ميراثًا ممن ادعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيبًا من الوصية. رواه ابن جرير (٣٧٥).
وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: قآتوهم نصيبهم، أي: من النصرة والنصيحة والمعونة، لا أن المراد فآتوهم نصيبهم من الميراث حتَّى تكون الآية منسوخة، ولا أن ذلك كان حكما ثم نسخ، بل إنما دلت الآية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي محكمة لا منسوخة. وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على الإِرث، كما حكاه غير واحد من السلف، وكما قال ابن عبَّاس (٣٧٦): كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه، حتَّى نسخ ذلك. فكيف يقول: إن هذه الآية محكمة غير منسوخة؟ والله أعلم.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾
يقول تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ أي: الرجل قيم على المرأة، أي: هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدِّبها إذا اعوجت ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة؛ ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الأعظم؛ لقوله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهُم امرأة". رواه البخاري (٣٧٧) من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه. وكذا منصب القضاء، وغير ذلك.
стр. 1650
﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها اللُّه عليهم لهنّ في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيما عليها، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ الآيةَ.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ يعني أمراء، عليها [¬١] أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته: أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله. وكذا قال مقاتل والسدي والضحاك.
وقال الحسن البصري: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم [تستعديه على] [¬٢] زوجها أنَّه [¬٣] لطمها، فقال رسول الله ﵌: "القصاص". فأنزل الله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. فرجعت بغير قصاص.
رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عنه، وكذلك أرسل هذا الخبر قَتَادة وابن جريج والسدي. أورد ذلك كله ابن جرير (٣٧٨)، وقد أسنده ابن مردويه من وجه آخر، فقال (٣٧٩): حدَّثنا أحمد بن علي النَّسائي، حدَّثنا محمد بن عبد الله الهاشمي، حدَّثنا محمد بن محمد بن الأشعث، حدَّثنا موسى بن اٍ سماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، قال [¬٤]: حدثني أبي، عن جدي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، قال: أتى رسول الله ﷺ رجل من الأنصار بامرأة له، فقالت: يا رسول الله إن
стр. 1651
زوجها فلان بن فلان الأنصاري، وإنه ضربها فأثر في وجهها. فقال رسول الله ﷺ : ["ليس ذلك له". فأنزل الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: قوامون على النساء في الأدب. فقال رسول الله ﷺ ] [¬١]: "أردت أمرًا، وأراد الله غيره".
[وكذلك أرسل هذا الخبر قَتَادة وابن جريج والسدي. أورد ذلك كله ابن جرير] [¬٢].
وقال الشعبي في هذه الآية: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ قال: الصداق الذي أعطاها، ألا ترى أنَّه لو قذفها لاعنها، ولو قذفته جلدت.
وقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ أي: من النساء ﴿قَانِتَاتٌ﴾ قال ابن عبَّاس وغير واحد: يعني: مطيعات لأزواجهن.
﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ قال السدي وغيره: أي: تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله.
وقوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: المحفوظ من حفظه الله [¬٣].
قال ابن جرير (٣٨٠): حدثني المثنى، حدَّثنا أَبو صالح، حدَّثنا أَبو معشر، حدَّثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "خير النساء
стр. 1652
امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في [نفسها ومالك] [¬١] ". ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلى آخرها.
ورواه ابن أبي حاتم (٣٨١)، عن يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبري -به مثله سواء.
وقال الإمام أحمد (٣٨٢): حدَّثنا يحيى بن إسحاق حدَّثنا ابن لهيعة، عن عبيد [¬٢] الله بن أبي جعفر، أنَّ ابن قارظ أخبره: أن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنَّةَ من أي [¬٣] أَبواب الجنَّةَ شئت".
تفرد به أحمد من طريق عبد الله بن قارظ، عن عبد الرحمن بن عوف.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ أي: والنساء اللائي تتخوفون أن ينشزن
стр. 1653
على [¬١] أزواجهن، والنشوز: هو الارتفاع، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه، فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته؛ لما له عليها من الفضل والإفضال.
وقد قال رسول الله ﷺ : "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت
стр. 1654
المرأة أن تسجد لزوجها؛ من عظم حقة عليها" (٣٨٣). وروى البخاري (٣٨٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتَّى تصبح".
ورواه مسلم (٣٨٥)، ولفظه: "إذا باتت المرأة هاجرة [¬١] فراش زوجها، لعنتها الملائكة حتَّى تصبح". ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾.
وقوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: الهجران [هو أن] [¬٢] لا يجامعها ويضاجعها على فراشها، ويوليها ظهره. وكذا قال غير واحد، وزاد آخرون، منهم السدي والضحاك وعكرمة وابن عبَّاس في رواية، ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها.
وقال على بن الي طلحة أيضًا، عن ابن عبَّاس: يعظها، فإن هي قبلت، وإلَّا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر [¬٣] نكاحها، وذلك عليها شديد.
وقال مجاهد والشعبي دابراهيم ومحمد بن كعب ومقسم وقَتَادة: الهجر هو أن لا
стр. 1655
يضاجعها.
وقد قال أَبو داود (٣٨٦): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حمَّاد، عن على بن زيد، عن أبي حُرّة الرقاشي، عن عمه، أن النبي صلى الله عليه وصلم قال: "فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع". قال حمَّاد: يعني: النكاح.
وفي السنن والمسند (٣٨٧) عن معاوية بن حيدة القشيري أنَّه قال: يا رسول الله؛ ما حق امرأة أحدنا عليه [¬١]؟ قال: "أن تطعمها [¬٢] إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلَّا في البيت".
وقوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ [¬٣]﴾ أي: إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضربًا غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر (٣٨٨)، عن النبي صلى الله عليه رسلم أنَّه قال في حجة الوداع: "واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن أن لا يوطئن فُرُشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم [¬٤] رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
стр. 1656
وكذا قال ابن عبَّاس وغير واحد ة ضربًا غير مبرح. قال الحسن البصري: يعني: غير مؤثر. وقال الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضوًا، ولا يؤثر فيها [¬١] شيئًا.
و [¬٢] قال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: يهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربًا غير مبرح، ولا تكسر لها عظمًا، فإن أقبلت وإلا فقد [أحل الله] [¬٣] لك [¬٤] منها الفدية.
وقال سفيان بن عيينة (٣٨٩)، عن الزُّهْريّ، على عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب [¬٥]، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تضربوا إماء الله". فجاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئرت [¬٦] النساء على أزواجهن. فرخص [رسول الله] [¬٧] في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى
стр. 1657
الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ : "لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم". رواه أبو داود والنَّسائي، وابن ماجة.
وقال الإِمام أحمد (٣٩٠): حدَّثنا سليمان بن داود - يعني أبا داود الطيالسي - حدَّثنا أَبو عوانة، عن داود الأودي، عن عبد الرحمن المسلى [¬١]، عن الأشعث بن قيس، قال:
стр. 1658
ضفت عمر ﵁، فتناول امرأته فضربها، وقال: يا أشعث، احفظ عني ثلاثا، حفطتهن عن رسول الله ﷺ : لا تسأل الرجل فيما ضرب امرأته، ولا تنم إلا على وتر، ونسى [¬١] الثالثة.
وكذا رواه أبو داود والنَّسائي وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن أَبى عوانة، عن داود الأودي - به. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي: إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها مما أباحه الله له منها فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ تهديدًا للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليهن، وهو منتقم [¬٢] ممن ظلمهن وبغى عليهن.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾
ذكر [¬٣] الحال الأول، وهو إذا كان النفور والنشوز من الزوجة. ثم ذكر الحال الثاني وهو إذا كان النفور من الزوجين، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.
وقال الفقهاء: إذا وقع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة، ينظر في أمرهما، ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإن تفاقم أمرهما، وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة وثقة من قوم الرجل ليجتمعا، وينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما [¬٤] يريانه [¬٥] من [التفريق أو التوفيق] وتشوف الشارع إلى التوفيق. ولهذا قال
стр. 1659
تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: أمر الله أن يبعثوا رجلًا صالحًا من أهل الرجل ورجلًا مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره [ذلك] [¬١] الآخر، ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (٣٩١).
وقال عبد الرزاق (٣٩٢): أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عبَّاس، قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين. قال معمر: بلغنى [¬٢] أن عثمان بعثهما، وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما [¬٣].
وقال (٣٩٣): أنبأنا ابن جريج، حدثني ابن أبي مليكة، أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، فقالت: تصير [¬٤] إلي [¬٥] وأنفق عليك، فكان إذا دخل عليها، قالت: أين عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت. فشدت عليها ثيابها، فجاءت عثمان، فذكرت [له ذلك] فضحك، وأرسل ابن عبَّاس ومعاوية، فقال ابن عبَّاس: لأفرقن بينهما. فقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف.
стр. 1660
فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما فرجعا.
قال عبد الرزاق (٣٩٤): أخبرنا معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، قال: شهدت عليًّا وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكمًا، وهؤلاء حكمًا، فقال على للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب [¬١]- الله لي وعلي. وقال الزوج: أمّا الفرقة فلا. فقال علي: كذبت والله، لا تبرح حتى ترضي بكتاب الله لك وعليك.
رواه ابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير، عن يعقوب، عن ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي -مثله، ورواه من وجه آخر، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي، به.
وهذا مذهب جمهور العلماء على أن الحكمين إليهما الجمع والتفرقة، حتى قال إبراهيم النخعي: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو بطلقتين أو ثلاثًا فعلا. وهو رواية عن مالك.
وقال الحسن البصري: الحكمان يحكمان في الجمع [ولا يحكمان في] [¬٢] التفرقة [¬٣]. وكذا قال قتادة وزيد ابن أسلم، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود. ومأخذهم قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. ولم يذكر التفريق.
وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين، فإنه ينفذ حكمهما [¬٤] في الجمع والتفرقة بلا خلاف. وقد اختلف الأئمة في الحكمين: هل هما منصوبان من جهة [¬٥] الحاكم، فيحكمان وإن لم يرض الزوجان، أو هما وكيلان من جهة الزوجين، على قولين. والجمهور على الأول؛ لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ فسماهما حكمين، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديد من مذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة
стр. 1661
وأصحابها الثاني منهما لقول [¬١]، علي ﵁ للزوج حين قال: أما الفرقة فلا. فقال: كذبت حتى تقر بما أقرت به.
قالوا: فلو كانا حاكمين لما افتفر إلى إقرار الزوج، والله أعلم.
قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحكمين إذا اختلف قولهما، فلا عبرة بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا هل ينفذ قولهما في التفرقة؟ ثم حكي عن الجمهور أنه ينفذ قولهما فيها [¬٢] أيضًا [من غير توكيل] [¬٣].
* ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾
يأمر ﵎ بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه هو [¬٤] الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآيات [¬٥] والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا [به شيئًا] [¬٦] من مخلوقاته، كما قال النبي ﷺ (٣٩٥) لمعاذ [بن جبل] [¬٧]: "أتدري ما حق الله على العباد؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا" ثم قال: أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم".
ثم أوصي بالإِحسان إلى الوالدين، فإن الله سبحانه جعلهما سببًا لخروجك من العدم إلى الوجود، وكثيرًا ما يقرن الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾. وكقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
стр. 1662
ثم عطف على الإِحسان [إلى الوالدين] [¬١] الإِحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، كما جاء في الحديث: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة" (٣٩٦).
ثم قال تعالى: ﴿واليتامي﴾ وذلك لأنهم قد فقدوا من يقوم بمصالحهم، ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإِحسان اليهم، والحنوّ عليهم.
ثم قال: ﴿والمساكين﴾ وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون من يضوم بكفايتهم، فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم، وسيأتي الكلام على الفقير والمسكين في سورة براءة.
وقوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: والجار ذي القربى، يعني: الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجنب: الذي ليس بينك وبينه قرابة. وكذا روي عن عكرمة ومجاهد، وميمون بن مهران والضحاك، وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة.
وقال أبو إسحاق عن نوف البكالي، في قوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ يعني: الجار [¬٢] المسلم، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ يعني: اليهودي والنصراني. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (٣٩٧).
وقال جابر الجعفي (٣٩٨)، عن الشعبي، عن علي، وابن مسعود: (والجار ذي القربى)
стр. 1663
يعني: المرأة وقال مجاهد أيضًا في قوله: (والجار الجنب) يعني: الرفيق في السفر.
وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار، فلنذكر منها ما تيسر، وبالله المستعان.
(الحديث الأول) قال الإِمام أحمد (٣٩٩): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمر ابلأ محمد بن زيد، أنه سمع أباه [¬١] محمدًا يحدث عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه رسلم قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه". [أخرجاه في الصحيحين [¬٢] من حديث عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، به.
(الحديث الثاني) قال الإِمام أحمد (٤٠٠): حدثنا سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو [¬٣]، قال: قال رسول الله صلى الله عليه رسلم "مازال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورّثه"] [¬٤].
стр. 1664
وروي أبو داود والترمذي نحوه، من حديث سفيان بن عيينة، عن بشير أبي إسماعيل، زاد الترمذي، وداود بن شابور، كلاهما عن مجاهد به، ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي عن مجاهد و [¬١] عائشة (٤٠١) وأبي هريرة (٤٠٢) عن النبي ﷺ
стр. 1665
(الحديث الثالث [] [¬١] قال أحمد أيضًا (٤٠٣): وحدثنا عبد الله بن يزيد، أخبرنا حيوة، أخبرنا شرحبيل بن شريك، أنه [¬٢] سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره".
ورواه الترمذي، عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح -به، وقال: حسن غريب.
(الحديث الرابع) قال الإِمام أحمد (٤٠٤): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يشبع الرجل دون جاره". تفرّد به أحمد.
стр. 1666
(الحديث الخامس) قال الإِمام أحمد (٤٠٥): حدثنا على بن عبد الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا ظبية [¬١] الكلاعي، سمعت
стр. 1667
المقداد بن الأسود يقول، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: ["ما تقولون في الزنا"؟ قالوا] [¬١]: [حرام حرّمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال رسول الله ﷺ :] [¬٢] "لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره". قال: "ما تقولون في السرقة"؟ قالوا: حرّمها الله ورسوله، فهي حرام. قال: "لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره". تفرّد به أحمد، وله شاهد في الصحيحين من حديث ابن مسعود (٤٠٦)، قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك". قلت: ثم أي؟ قال "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك". قلت: ثم أي؟ قال "أن تزاني حليلة جارك".
(الحديث السادس) قال الإِمام أحمد (٤٠٧): حدثنا يزيد، أخبرنا هشام، عن حفصة، عن أبي العالية، عن رجل من الأنصار، قال: خرجت من أهلي أريد النبي ﷺ فإذا به قائم ورجل معه مقبل [¬٣] عليه، فظنت أن لهما حاجة، قال الأنصاري: لقد قام رسول الله ﷺ حتى جعلت أرثي لرسول الله ﷺ من طول القيام، فلما انصرف قلت: يا رسول الله لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثى لك من طول القيام. قال: "ولقد رأيته"؟ قلت: نعم. قال: "أتدري من هو؟ " قلت: لا. قال: "ذاك جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" ثم [¬٤] قال: "أما إنك لو سلمت عليه [¬٥]، لرّد [¬٦] عليك السلام".
стр. 1668
(الحديث السابع) قال عبد بن حميد في مسنده (٤٠٨): حدثنا يعلي بن عبيد، حدثنا أبو بكر -يعني: المدني- عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل من العوالي ورسول الله ﷺ وجبريل ﵇ يصليان حيث يصلى على الجنائز فلما انصرف قال الرجل: يا رسول الله، من هذا الرجل الذي رأيت يصلي [¬١] معك؟ قال: "وقد رأيته؟ ". قال: نعم. قال: "لقد رأيت خيرًا كثيرًا، هذا جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى رأيت [¬٢] أنه سيورثه". تفرّد به من هذا الوجه، وهو شاهد للذي قبله.
(الحديث الثامن) قال أبو بكر البزار (٤٠٩): حدثنا عبيد الله [¬٣] بن محمد أبو الربيع الحارثي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني عبد الرحمن بن الفضيل [¬٤]، عن عطاء الخراساني، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 1669
وسلم: "الجيران ثلاثة؛ جار له حق واحد، وهو أدني الجيران حقًّا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقًّا؛ فأمّا الجار [¬١]، الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار، وأما الجار [¬٢] الذي له حقّان: فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق: فجار مسلم ذو رحم، له حق الجوار وحق الإِسلام وحق الوحم".
قال البزار [¬٣]: لا نعلم أحدًا روي عن عبد الرحمن بن الفضيل إلا ابن أبي فديك.
(الحديث التاسع) قال الإمام أحمد (٤١٠): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي عمران، عن طلحة بن عبد [¬٤] الله، عن عائشة، أنها سألت رسول الله ﷺ فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابا".
ورواه البخاري من حديث شعبة به.
[(الحديث العاشر) روي الطبراني (٤١١)، وأبو نعيم، عن عبد الرحمن [بن أبي قراد]، قال: إن رسول الله ﷺ توضأ، فجعل الناس يتمسحون
стр. 1670
بوضوئه، فقال: "ما يحملكم على ذلك" قالوا: حب الله ورسوله. قال: "من سرَّه أن [يحبه] الله ووسوله، فليصدق الحديث إذا حدث، وليؤدّ الأمانة إذا ائتمن"
(الحديث الحادي عشر) قال أحمد (٤١٢): حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، [عن أبي عشانة عن
стр. 1671
عقبة بت عامر] قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أوّل خصمين يوم القيامة جاران". الحديث] [¬١].
وقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قال الثوري، عن جابر الجعفي، عن الشعبي، عن على وابن مسعود: قالا: هي المرأة (٤١٣).
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم النخعي والحسن وسعيد بن جبير -في إحدى الروايات- نحو ذلك.
وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: هو الرفيق في السفر. وقال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح. وقال زيد بن أسلم هو: جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر.
وأما ﴿ابْنِ السَّبِيلِ﴾ فعن ابن عباس وجماعة: هو الضيف.
وقال مجاهد وأبو جعفر الباقر، والحسن والضحاك ومقاتل: هو الذي يمر عليك مجتازًا في السفر. وهذا أظهر، وإن كان مراد القائل بالضيف: المار في الطريق؛ فهما سواء، وسيأتي الكلام على أبناء السبيل في سورة براءة، وبالله الثقة وعليه التكلان.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وصية بالأرقاء؛ لأن الرقيق ضعيف الجنبة [¬٢]، أسير في أيدي الناس، ولهذا ثبت أن رسول الله ﷺ جعل يوصي أمّته في مرض الموت، يقول: "الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم" (٤١٤). فجعل يردّدها حتى ما يفيض بها لسانه.
стр. 1672
وقال الإِمام أحمد (٤١٥): حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثنا بحير [¬١] بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، [وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة] [¬٢]، وما أطعمت زوجتك [¬٣] فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة".
ورواه النسائي من حديث بقية، وإسناده صحيح، ولله الحمد.
وعن عبد الله بن عمرو، أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطق فأعطهم، فإن رسول الله ﷺ قال: "كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوتهم". رواه مسلم (٤١٦).
وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". رواه مسلم أيضًا (٤١٧). وعنه عن النبي صلى الله عليه
стр. 1673
وسلم قال: "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسة [¬١] معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي حره وعلاجه".
أخرجاه (٤١٨)، ولفظه للبخاري، ولمسلم: "فليقعده معه، فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهًا قليلًا، فليضع في يده أكلة أو أكلتين".
وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "هم إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم". أخرجاه (٤١٩).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ أي: مختالًا في نفسه، معجبًا متكبرًا فخورًا على الناس، يرى أنه خير منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض.
قال مجاهد، في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا﴾: يعني متكبرًا. ﴿فَخُورًا﴾ يعني: يعد ما أعطي، وهو لا يشكر الله تعالى، يعنى: يفخر على الناس بما أعطاه الله من نعمه، وهو قليل الشكر لله على ذلك.
وقال ابن جرير (٤٢٠): حدثني القاسم، حدّثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن عبد الله ابن واقد [] [¬٢] أبي رجاء الهروي، قال: لا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، وتلا:
стр. 1674
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. ولا عاقًّا إلا وجدته جبارًا شقيًّا، وتلا: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾.
وروى ابن أبي حاتم، عن العوام بن حوشب، مثله في المختال الفخور، وقال (٤٢١): حدثنا أبى، حدثنا أبو نعيم، حدثنا الأسود بن شيبان، حدثنا يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال: قال مطرف: كان يبلغني عن أبي ذر حديث، كنت أشتهي لقاءه، فلقيته، فقلت: با أبا ذر، بلغني أنك تزعم أن رسول الله ﷺ حدثكم: "إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة"، قال: أجل. فلا إخالني [¬١]، أكذب على خليلي، ثلاثًا [¬٢]، قلت: من الثلاثة الذين يبغض الله؟ قال: المختال الفخور، أو ليس تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل، ثم قرأ الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
стр. 1675
وحدثنا أبي (٤٢٢)، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب بن [¬١] خالد، عن أبي تميمة، عن رجل من بني [¬٢] بَلْهُجَيم، قال: قلت يا رسول الله؛ أوصني؛ قال: "إياك وإسبال الإِزار، فإن إسبال الإِزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة".
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾
يقول تعالى ذامًّا الذين [¬٣] يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به -من بر الوالدين، والإِحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم من الأرقاء- ولا يدفعون حق الله فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضًا، وقد قال رسول الله ﷺ : "وأي داء أدوأ من
стр. 1676
البخل" (٤٢٣). وقال: "إياكم والشح؛ فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا" (٤٢٤).
وقوله تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فالبخيل جحود لنعمة الله عليه لا تظهر عليه، ولا تبين، لا في مأكله [¬١]، ولا في ملبسه، ولا في إعطائه وبذله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي: بحاله وشمائله ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ وقال هاهنا: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ولهذا توعدهم بقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ والكفر: هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله عليه.
وفي الحديث (٤٢٥): " إن الله إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن يظهر أثرها علية". وفي
стр. 1677
الدعاء النبوي: "واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك [¬١] قابليها -[ويروى: قائليها] [¬٢] وأتممها علينا" (٤٢٦).
وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود، بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد ﷺ وكتمانهم ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقاله مجاهد وغير واحد.
ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا [¬٣] في ذلك بطريق الأولى، فإن سياق الكلام في الإِنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذلك [¬٤] الآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ فإنه ذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين، الذين يقصدون بإعطائهم
стр. 1678
السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله، وفي [الحديث الذي فيه] [¬١] الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار، وهم العالم والغازي والمنفق المراءون بأعمالهم، يقول صاحب المال: ما تركت من شئ تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك. فيقول الله: كذبت؛ إنما أردت أن يقال: جواد [¬٢] فقد قيل. أي: فقد أخذت جزاءك في الدنيا، وهو الذي أردت بفعلك (٤٢٧).
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال لعدي [بن حاتم] [¬٣]: "إن أباك رام [¬٤] أمرًا فبلغه" (٤٢٨).
وفي حديث آخر أن رسول الله ﷺ سئل عن عبد الله بن جدعان، هل ينفعه إنفاقه وإعتاقه؟ فقال: "لا، إنه لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (٤٢٩).
стр. 1679
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾. أي: إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطانُ، فإنه سوّل لهم وأملى لهم، وقارنهم وحسن [¬١] لهم القبائح، [ولهذا قال تعالى] [¬٢]: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ ولهذا قال الشاعر:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه … فكل قرين بالمقارن يقْتدي
ثم قال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي: وأي شيء يضرهم [¬٣] [لو آمنوا بالله] [¬٤]، وسلكوا الطريق [¬٥] الحميدة، وعدلوا عن الرياء إلى الإِخلاص والإِيمان بالله، رجاء موعوده في الدار الآخرة لمن يحسن عمله، وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي: وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه، ويلهمه رشده، ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن الجناب [¬٦] الأعظم الإِلهي الذي من طرد عن بابه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة، عياذًا بالله من ذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾
[يقول تعالى مخبرًا] [¬٧] أنه لا يظلم أحدًا [¬٨] من خلقه [¬٩] يوم القيامة مثقال حبة خردل
стр. 1680
ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾. وقال تعالى مخبرًا عن لقمان أنه قال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.
وفي الصحيحين (٤٣٠)، من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللَّه ﷺ في حديث الشفاعة الطويل وفيه: فيقول اللَّه : "ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مقال [حبة خردل] [¬١] من إيمان فأخرجوه من النار" وفي لفظ: "أدنى أدنى أدنى معقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار. فيخرجون خلقا كثيرا". ثم يقول أبو سعيد: اقرءوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٤٣١): حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن عنترة، عن عبد اللَّه بن السائب، عن زاذان، قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: يؤتى بالعبد أو [¬٢] الأمة يوم القيامة، فينادي مناد على رءوس الأوّلين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه. فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو [¬٣] أمها [¬٤] أو أخيها أو زوجها [ثم قرأ] [¬٥]: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ فيغفر اللَّه من حقه ما يشاء، ولا
стр. 1681
يغفر من حقوق الناس شيئا، فينصب للناس، فينادى: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه. فيقول: يا [¬١] رب فنيت الدنيا، من أين أوتيهم حقوقهم قال: خذوا الناس [¬٢] من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذي حق حقه [¬٣] بقدر مظلمته [¬٤]، فإن كان وليًّا للَّه ففضل له مثقال ذرّة ضاعفها اللَّه له حتى يدخله بها [¬٥] الجنة ثم قرأ علينا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قال: ادخل الجنة، وإن كان عبدًا شقيا، قال الملك: رب فنيت حسناته وبقي طالبون كثير؟. فيقول [¬٦]: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها [¬٧] إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار.
ورواه ابن جرير من وجه [¬٨] آخر عن زاذان به نحوه، ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح.
وقال ابن أبي حاتم (٤٣٢) حدّثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا فضيل -يعني ابن مرزوق- عن عطية العوفي، حدثني عبد اللَّه بن عمر، قال: نزلت هذه الآية في الأعراب ﴿مَنْ جَاءَ
стр. 1682
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ فال رجل: فما للمهاجونى يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ما هو أفضل من ذلك [¬١] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.
وحدثنا أبو زرعة (٤٣٣)، حدثنا يحيى بن عبد اللَّه بن بكير، حدثني عبد اللَّه بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة، ولا يخرج من النار أبدًا. وقد يستدل [¬٢] له بالحديث الصحيح (٤٣٤)، أن العباس قال: يا رسول اللَّه [¬٣]؛ إن عمك [¬٤] أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعته بشيء؟ قال "نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار".
وقد يكون هذا خاصًّا بأبي طالب من دون الكفار، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٤٣٥)، حدثنا عمران، حدثنا قتادة، عن أنس، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة".
وقال أبو هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك في قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة. [نسأل اللَّه الجنة] [¬٥].
стр. 1683
وقال الإِمام أحمد (٤٣٦): حدثنا عبد الصمد، حدثنا سليمان -يعني ابن المغيرة- عن علي ابن زيد، عن أبي عثمان، قال: بلغني عن أبى هريرة، أنه قال: بلغني أن اللَّه تعالى يعطي العبد [¬١] المؤمن [¬٢] بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. قال: فقضي أني انطلقت حاجا أو معتمرًا فلقيته، فقلت: بلغني عنك حديث أنك تقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [﴿إن اللَّه -عز رجل-[يعطي العبد بالحسنة ألف ألف حسنة". قال: أبو هريرة: لا بل سمعت رسول اللَّه ﷺ ] [¬٣] يقول [¬٤]: "إن اللَّه يعطيه ألفي ألف حسنة. ثم تلا: ﴿يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فمن يقدر قدره؟.
ورواه الإمام [¬٥] أحمد [أيضًا فقال] [¬٦]: حدثنا يزيد، حدثنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي [¬٧]، قال: أتيت أبا هريرة، فقلت له: بلغني أنك تقول إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة. قال: وما أعجبك من ذلك، فواللَّه لقد سمعت -يعني- النبي
стр. 1684
ﷺ -كذا قال أبى- يقول: "إن اللَّه ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة" على بن زيد في أحاديثه نكارة، فالله أعلم.
[ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال: حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدب، حدثنا محمد الرفاعي، عن زياد بن الجصاص، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحدٌ أكثر مجالسة مني لأبي هريرة، فقدم قبلي حاجا، وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة" فقلت: ويحكم، ما كان أحد أكثر مجالسة مني لأبي هريرة، وما سمعت منه هذا الحديث، فهممت أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجا، فانطقت إلى الحج أن ألقاه -في هذا الحديث- ورواه ابن أبي حاتم من طريق أخرى فقال: حدثنا بشر بن مسلم، حدثنا الربيع بن روح، حدثنا محمد بن خالد الوهبي عن زياد بن الجصاص عن أبى عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة، سمعت إخواني بالبصرة يزعمون أنك تقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة". ففال أبو هريرة: بلى واللَّه سمعت نبي اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة". ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [¬١].
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن هول يوم القيامة وشدَّة أمره وشأنه، فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة، حين [¬٢] يجيء من كل أمّة بشهيد يعني الأنبياء ﵈، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
و [¬٣] قال البخاري (٤٣٧): حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن
стр. 1685
إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال لى رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ علي". فقلت [¬١]: يا رسول اللَّه، أقرأ عليك وعليك أنزل. قال: "نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري". فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فقال [¬٢]: "حسبك الآن". فإذا عيناه تذرفان.
ورواه هو ومسلم أيضا من حديث الأعمش به. وقد روي من طرق متعدّدة عن ابن مسعود، فهو مقطوع به عنه.
ورواه أحمد (٤٣٨) من طريق أبي حيان وأبي رزين عنه. وقال ابن أبي حاتم (٤٣٩): حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الصلت ابن مسعود الجحدري، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري، عن أبيه، قال: -وكان أبي ممن صحب النبي ﷺ أن النبي ﷺ أتاهم في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وناس من أصحابه، فأمر النبي ﷺ قارئًا فقرأ حتى أتى [¬٣] على هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فبكى رسول اللَّه ﷺ حتى اضطرب لحياه وجنباه، فقال: "يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه، فكيف بمن لم أره".