يغفر من حقوق الناس شيئا، فينصب للناس، فينادى: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه. فيقول: يا [¬١] رب فنيت الدنيا، من أين أوتيهم حقوقهم قال: خذوا الناس [¬٢] من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذي حق حقه [¬٣] بقدر مظلمته [¬٤]، فإن كان وليًّا للَّه ففضل له مثقال ذرّة ضاعفها اللَّه له حتى يدخله بها [¬٥] الجنة ثم قرأ علينا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قال: ادخل الجنة، وإن كان عبدًا شقيا، قال الملك: رب فنيت حسناته وبقي طالبون كثير؟. فيقول [¬٦]: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها [¬٧] إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار.
ورواه ابن جرير من وجه [¬٨] آخر عن زاذان به نحوه، ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح.
وقال ابن أبي حاتم (٤٣٢) حدّثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا فضيل -يعني ابن مرزوق- عن عطية العوفي، حدثني عبد اللَّه بن عمر، قال: نزلت هذه الآية في الأعراب ﴿مَنْ جَاءَ
стр. 1682
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ فال رجل: فما للمهاجونى يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ما هو أفضل من ذلك [¬١] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.
وحدثنا أبو زرعة (٤٣٣)، حدثنا يحيى بن عبد اللَّه بن بكير، حدثني عبد اللَّه بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة، ولا يخرج من النار أبدًا. وقد يستدل [¬٢] له بالحديث الصحيح (٤٣٤)، أن العباس قال: يا رسول اللَّه [¬٣]؛ إن عمك [¬٤] أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعته بشيء؟ قال "نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار".
وقد يكون هذا خاصًّا بأبي طالب من دون الكفار، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٤٣٥)، حدثنا عمران، حدثنا قتادة، عن أنس، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة".
وقال أبو هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك في قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة. [نسأل اللَّه الجنة] [¬٥].
стр. 1683
وقال الإِمام أحمد (٤٣٦): حدثنا عبد الصمد، حدثنا سليمان -يعني ابن المغيرة- عن علي ابن زيد، عن أبي عثمان، قال: بلغني عن أبى هريرة، أنه قال: بلغني أن اللَّه تعالى يعطي العبد [¬١] المؤمن [¬٢] بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. قال: فقضي أني انطلقت حاجا أو معتمرًا فلقيته، فقلت: بلغني عنك حديث أنك تقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [﴿إن اللَّه -عز رجل-[يعطي العبد بالحسنة ألف ألف حسنة". قال: أبو هريرة: لا بل سمعت رسول اللَّه ﷺ ] [¬٣] يقول [¬٤]: "إن اللَّه يعطيه ألفي ألف حسنة. ثم تلا: ﴿يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فمن يقدر قدره؟.
ورواه الإمام [¬٥] أحمد [أيضًا فقال] [¬٦]: حدثنا يزيد، حدثنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي [¬٧]، قال: أتيت أبا هريرة، فقلت له: بلغني أنك تقول إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة. قال: وما أعجبك من ذلك، فواللَّه لقد سمعت -يعني- النبي
стр. 1684
ﷺ -كذا قال أبى- يقول: "إن اللَّه ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة" على بن زيد في أحاديثه نكارة، فالله أعلم.
[ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال: حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدب، حدثنا محمد الرفاعي، عن زياد بن الجصاص، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحدٌ أكثر مجالسة مني لأبي هريرة، فقدم قبلي حاجا، وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة" فقلت: ويحكم، ما كان أحد أكثر مجالسة مني لأبي هريرة، وما سمعت منه هذا الحديث، فهممت أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجا، فانطقت إلى الحج أن ألقاه -في هذا الحديث- ورواه ابن أبي حاتم من طريق أخرى فقال: حدثنا بشر بن مسلم، حدثنا الربيع بن روح، حدثنا محمد بن خالد الوهبي عن زياد بن الجصاص عن أبى عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة، سمعت إخواني بالبصرة يزعمون أنك تقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة". ففال أبو هريرة: بلى واللَّه سمعت نبي اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة". ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [¬١].
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن هول يوم القيامة وشدَّة أمره وشأنه، فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة، حين [¬٢] يجيء من كل أمّة بشهيد يعني الأنبياء ﵈، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
و [¬٣] قال البخاري (٤٣٧): حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن
стр. 1685
إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال لى رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ علي". فقلت [¬١]: يا رسول اللَّه، أقرأ عليك وعليك أنزل. قال: "نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري". فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فقال [¬٢]: "حسبك الآن". فإذا عيناه تذرفان.
ورواه هو ومسلم أيضا من حديث الأعمش به. وقد روي من طرق متعدّدة عن ابن مسعود، فهو مقطوع به عنه.
ورواه أحمد (٤٣٨) من طريق أبي حيان وأبي رزين عنه. وقال ابن أبي حاتم (٤٣٩): حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الصلت ابن مسعود الجحدري، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري، عن أبيه، قال: -وكان أبي ممن صحب النبي ﷺ أن النبي ﷺ أتاهم في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وناس من أصحابه، فأمر النبي ﷺ قارئًا فقرأ حتى أتى [¬٣] على هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فبكى رسول اللَّه ﷺ حتى اضطرب لحياه وجنباه، فقال: "يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه، فكيف بمن لم أره".
стр. 1686
وقال ابن جرير (٤٤٠): حدثني أعبد اللَّه بن محمد] [¬١] الزهري. حدثنا سفيان، عن المسعودى، عن جعفر بن عمرو بن حريث [¬٢]، [عن أبيه] [¬٣]، عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود-[في هذه الآية] [¬٤] قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "شهيد عليهم ما دمت فيهم فإذا توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم".
وأما ما ذكره أبو عبد اللَّه القرطبي في التذكرة حيث قال: باب ما جاء في شهادة النبي ﷺ على أمته، قال: أخبرنا [¬٥] ابن المبارك، أخبرنا رجل من الأنصار، عن المنهال بن عمرو، حدثه أنه سمع سعيد بن المسيب، يقول: ليس من يوم إلا يعرض فيه [¬٦] على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم يقول اللَّه تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾. فإنه أثر، وفيه انقطاع؛ فإن فيه رجلا مبهما لم يسم، وهو من كلام سعيد بن المسيب، لم يرفعه، وقد قبله القرطبي، فقال بعد إيراده: [قد تقدّم] [¬٧] أن الأعمال تعرض على اللَّه كل يوم اثنين وخميس، [فإنها تعرض على] [¬٨] الأنبياء والآباء والأمّهات يوم الجمعة. قال: ولا تعارض [¬٩]، فإنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم، وسرم الجمعة مع الأنبياء [عليه و] [¬١٠] عليهم [أفضل
стр. 1687
الصلاة و] [¬١] السلام.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي: لو انشقت وبلعتهم، مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ لقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ إخبار [¬٢] عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئًا.
و [¬٣] قال ابن جرير (٤٤١): [حدثنا ابن حميد] [¬٤]، حدثنا حكام [¬٥]، حدثنا عمرو، عن مطرف، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: أتى رجل إلى [¬٦] ابن عباس فقال له [¬٧] سمعت اللَّه يقول -يعني إخبارًا عن المشركين يوم القيامة- إنهم قالوا: ﴿واللَّه ربنا ما كنا مشركين﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فقال ابن عباس: أما قوله: ﴿واللَّه ربنا ما كنا مشركين﴾ فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا: تعالوا فلنجحد. فقالوا: ﴿واللَّه ربنا ما كنا مشركين﴾ فختم اللَّه على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾.
وقال عبد الرزاق (٤٤٢): أخبرنا معمر، عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياء تختلف عليَّ في القرآن. قال: ما هو أشك [¬٨] في القرآن؟ قال: ليس هو بالشك ولكن اختلاف. قال: فهات ما اختلف عليك من ذلك. قال: أسمع الله يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ وقال [¬٩]: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فقد كتموا [فقد كتموا] [¬١٠]. فقال ابن عباس: أما قوله ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ فإنهم
стр. 1688
لما رأوا يوم القيامة أن اللَّه لا يغفر إلا لأهل الإِسلام [¬١]، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ويغفر الذنوب ولا يغفر شركا، جحد المشركون، فقالوا: ﴿واللَّه ربنا ما كنا مشركين﴾ رجاء أن يغفر لهم، فختم اللَّه على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾.
وقال جوبير، عن الضحاك: إن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس، فقال: يا ابن عباس قول اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ وقوله: ﴿واللَّه ربنا ما كنا مشركين﴾ فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت ألقي على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن اللَّه تعالى يجمع [¬٢] الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن اللَّه لا يقبل من أحد شيئًا إلا ممن وحده. فيقولون: تعالوا نقل. فيسألهم، فيقولون: ﴿واللَّه ربنا ما كنا مشركين﴾ قال: فيختم اللَّه [¬٣] على أفواههم ويستنطق [¬٤] جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك يتمنون [¬٥] لو أن الأرض سويت بهم ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ رواه ابن جرير (٤٤٣) [¬٦].
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)
ينهى ﵎ عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان [محالها التي] [¬٧] هي المساجد للجنب، إلا أن يكون مجتازًا من باب إلى
стр. 1689
باب، من غير مكث، وقد كان هذا قبل تحريم الخمر، كما دل عليه [¬١] الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير﴾ الآية. فإن رسول اللَّه ﷺ تلاها على عمر فقال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانًا شافيًا. فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانًا شافيًا. فكانوا لا يشربون الخمر فى أوقات الصلوات، حتى [¬٢] نزلت [] [¬٣]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ فقال عمر: انتهينا انتهينا.
وفى رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو [هو ابن] [¬٤] شرحبيل، عن عمر بن الخطاب، في قصة تحريم الخمر فذكر الحديث، وفيه: فنزلت الآية التى في النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فكان منادي رسول اللَّه ﷺ إذا قامت الصلاة ينادي أن لا يقربن الصلاة سكران، لفظ أبي داود (٤٤٤).
[وذكر ابن أبي شيبة] [¬٥] في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم (٤٤٥)، حدّثنا يونس ابن حبيب، حدّثنا أبو داود، حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: نزلت في أربع آيات: صنع رجل من الأنصار طعامًا فدعا أناسًا من المهاجرين وأناسًا من الأنصار، فأكلنا وشربنا حتى سكرنا، ثم افتخرنا، فرفع رجل [¬٦] لحي بعير ففزر بها أنف سعد، فكان سعد مفزور الأنف، وذلك قبل تحريم [¬٧] الخمر، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية.
стр. 1690
والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة ورواه أهل السنن إلا ابن ماجه من طرق عن سماك به (٤٤٦). (سبب آخر): قال ابن أبي حاتم (٤٤٧): حدّثنا محمَّد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثنا أبو جعفر، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموا فلانا قال فقرأ: قل يا أيها الكافرون ما أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون. فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
هكذا رواه ابن أبي حاتم، وكذا رواه الترمذي، عن عبد [¬١] بن حميد، عن عبد الرحمن الدشتكي -به، وقال: حسن صحيح.
وقد رواه ابن جرير (٤٤٨)، عن محمَّد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١] فخلط فيها، فنزلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾.
стр. 1691
وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث الثوري -به.
ورواه ابن جرير أيضًا (٤٤٩) عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: كان على في نفر من أصحاب النبي ﷺ في بيت عبد الرحمن ابن عوف، فطعموا، فأتاهم بخمر فشربوا منها، وذلك قبل أن يحرم الخمر، فحضرت الصلاة، فقوموا عليًّا فقرأ بهم ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١] فلم يقرأها كما ينبغى فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾.
ثم قال (٤٥٠): حدثني المثني، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب، وهو أبو عبد الرحمن السلمي، أن عبد الرحمن بن عوف منع طعامًا وشرابًا، فدعا نفرًا من أصحابي النبي ﷺ فصلى بهم المغرب، فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين. فأنزل الله [] [¬١]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
[وقال العوفي عن ابن عباس في الآية [¬٢]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾: وذلك أن رجالًا كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى، قبل أن تحرم الخمر، فقال الله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية. رواه ابن
стр. 1692
جرير (٤٥١)] [¬١] قال [¬٢] وكذا قال أبو رزين ومجاهد.
وقال عبد الرزاق (٤٥٢)، عن معمر، عن قتادة: كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات، ثم نسخ بتحريم الخمر.
وقال الضحاك في الآية [¬٣]: لم يعن بها سكر الخمر. وإنما عني بها سكر النوم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (٤٥٣).
ثم قال ابن جرير: والصواب أن المراد سكر الشراب. قال: ولم يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب؛ لأن ذاك في حكم المجنون، وإنما خوطب بالنهي الثمل الذي يفهم التكليف و [¬٤] هذا حاصل ما قاله. وقد ذكره غير واحد من الأصوليين، وهو أن الخطاب يتوجه [¬٥] إلى من يفهم الكلام دون السكران الذي لا يدري ما يقال له فإن الفهم شرط التكليف، وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية، لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل والنهار، فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائمًا، والله أعلم. وعلى هذا فيكون كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإِسلام، والمداومة على الطاعة لأجل ذلك.
وقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ هذا أحسن ما يقال في حد السكران، أنه الذي لا يدري ما يقول؛ فإن الخمور فيه تخليط في القراءة وعدم تدبره [¬٦] وخشوعه فيها. وقد قال الإِمام أحمد (٤٥٤): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة عن
стр. 1693
أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فلينصرف فلينم، حتى يعلم ما يقول". انفرد بإخراجه [البخاري دون] [¬١] مسلم، فرواه هو والنسائي من حديث أيوب، به، وفي بعض ألفاظ الحديث (٤٥٥): " فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه".
وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال ابن أبي حاتم (٤٥٦): حدثنا محمَّد ابن عمار، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال: لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب، إلا عابري سبيل. قال: تمر به مرًّا، ولا تجلس. ثم قال: وروي عن عبد الله بن مسعود وأنس وأبي عبيدة وسعيد بن المسيب وأبى الضحى وعطاء ومجاهد ومسروق وإبراهيم النخعي وزيد بن أسلم وأبي مالك وعمرو بن دينار والحكم ابن عتيبة [¬٢] وعكرمة والحسن البصري ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن شهاب وقتادة - نحو ذلك.
وقال ابن جرير (٤٥٧): حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن قول الله : ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم الجنابة [¬٣] ولا ماء عندهم فيريدون الماء، ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
стр. 1694
ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب ﵀ ما [¬١] ثبت في صحيح البخاري (٤٥٨)، أن رسول الله ﷺ قال: "سدوا كل خوخه في المسجد إلا خوخة أبي بكر".
وهذا قاله في آخر حياته ﷺ علمًا منه أن أبا بكر ﵁ سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرًا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه ﵁، ومن روى إلا باب على (٤٥٩)، كما وقع في بعض السنن، فهو خطأ، والصواب [¬٢] ما ثبت في الصحيح. ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب اللبث [¬٣] في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضا في معناه، إلا أن بعضهم قال: يحرم [¬٤] مرورهما [¬٥]؛ لاحتمال التلويث. ومنهم
стр. 1695
من قال: إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور جاز لهما المرور، وإلا فلا.
وقد ثبت في صحيح مسلم (٤٦٠)، عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "ناوليني الخمرة من المسجد"، فقلت: إني حائض فقال: "إن حيضتك ليست في يدك" وله عن أبي هريرة مثله (٤٦١)، وفيه [¬١] دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها، والله أعلم.
وروى أبو داود (٤٦٢) من حديث أفلت بن خليفة العامري عن جسرة [¬٢] بنت دجاجة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﵌ "إني لا أحل المسجد لحائض ولا
стр. 1696
جنب". قال أبو مسلم [¬١] الخطابي: ضعف هذا الحديث جماعة، وقالوا: أفلت مجهول. لكن رواه ابن ماجه (٤٦٣) من حديث أبي الخطاب الهجري، عن محدوج الذهلي، عن جسرة [¬٢]، عن أمِّ سلمة، عن النبي ﷺ به، قال أبو زرعة الرازي:
стр. 1697
يقول: جسرة [¬١] عن أم سلمة، والصحيح جسرة [¬٢] عن عائشة.
فأما ما رواه أبو عيسى الترمذي (٤٦٤) من حديث سالم بن أبي حفصة، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي، لا يحل لأحدٍ أن [¬٣] يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك" فإنه حديث: ضعيف، لا يثبت، فإن [سالمًا هذا] [¬٤] متروك، وشيخه عطية ضعيف، والله أعلم.
стр. 1698
(قول [¬١] آخر) في معنى الآية: قال ابن أبي حاتم (٤٦٥): حدّثنا المنذر بن شاذان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرني ابن [¬٢] أبي ليلى، عن المنهال، عن زر بن حبيش، عن علي ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال: لا يقرب الصلاة إلا أن يكون مسافرًا تصيبه الجنابة فلا يجد الماء، فيصلي حتى يجد الماء.
ثم رواه من وجه آخر، عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن علي بن أبي طالب، فذكره، قال: وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات وسعيد بن جبير والضحاك نحو ذلك.
وقد روى ابن جرير (٤٦٦) من حديث وكيع، عن ابن أبي ليلى، [عن المنهال] [¬٣]، عن عباد بن
стр. 1699
عبد الله أو عن زر بن حبيش، عن علي فذكره. ورواه من طريق العوفي وأبي مجلز [¬١]، عن ابن عباس، فذكره، ورواه عن سعيد بن جبير، وعن مجاهد والحسن بن مسلم والحكم بن عتيبة [¬٢] وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن مثل ذلك.
وروي من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير، قال: كنا نسمع أنه في السفر.
ويستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه الإِمام [¬٣] أحمد وأهل السنن (٤٦٧) من حديث أبي قلابة، عن عمرو بن [¬٤] بجدان، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك، فإن ذلك خير".
ثم قال ابن جرير بعد حكايته القولين: والأولى قول من قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي [¬٥]: إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فكان معلوهًا بذلك أن قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [لو كان] [¬٦]، معنيا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر﴾ معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية يا أيها الذين آمنوا لا تقوبوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى، حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضًا جنبًا حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل، قال: والعابر السبيل: المجتاز مرًّا وقطعًا، يقال: منه عبرت هذا الطريق، فأنا أعبره عبرًا، وعبورًا، ومنه قيل [¬٧]: عبر فلان النهر إذا قطعه وجاوزه، ومنه قيل. للناقة القوية على الأسفار: هي عَبر أسفار؛ لقوتها على قطع الأسفار.
стр. 1700
وهذا الذي نصره هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة وهي الجنابة المباعدة للصلاة و [¬١] لمحلها أيضًا، والله أعلم.
وقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك والشافعي، أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل، أو يتيمم إن عدم الماء أو لم يقدر على استعماله بطريقة، وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد، لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بسند صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك.
[قال سعيد بن منصور] [¬٢] [في سننه] [¬٣]: حدّثنا عبد العزيز بن محمد -هو الدراوردي- عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالاً [¬٤] من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة. وهذا إسناد صحيح [¬٥] على شرط مسلم، فالله أعلم.
وقوله: ﴿وَإِنْ [¬٦] كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أما المرض المبيح للتيمم، فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء فوات عضو، أو [¬٧] شينه [¬٨]، أو تطويل البرء، ومن العلماء من جوز التيمم بمجرد المرض؛ لعموم الآية، وقال ابن أبي حاتم (٤٦٨): حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك ابن إسماعيل، حدثنا قيس، عن خصيف، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار كان مريضًا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ؛ ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه الآية.
هذا مرسل، والسفر معروف، ولا فرق فيه بين الطويل والقصير.
стр. 1701
وقوله [¬١]: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض، كنى بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر.
- وأما قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فقرئ لمستم ولامستم، واختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين: (أحدهما): أن ذلك كناية عن الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.
قال ابن أبى حاتم (٤٦٩): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قال: الجماع. وروي عن علي وأبيّ بن كعب ومجاهد وطاوس والحسن وعبيد بن عمير وسعيد ابن جبير والشعبي وقتادة ومقاتل بن حيان -نحو ذلك.
وقال ابن جرير (٤٧٠): حدثني حميد بن مسعدة، و [¬٢] حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع. وقال ناس من العرب: اللمس: الجماع. قال: فأتيت ابن عباس، فقلت له: إن ناسًا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع. وقالت العرب: الجماع. قال: فمن [¬٣] أي الفريقين كنت؟ قلت: كنت من الموالي. قال: غُلب فريقُ الموالي، إن [اللمس والمس] [¬٤] والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء.
ثم رواه عن ابن بشار، عن غندر، عن شعبة به نحوه، ثم رواه من غير وجه عن سعيد بن جبير -نحوه. ومثله.
стр. 1702
قال (٤٧١): حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، قال حدثنا [¬١] أبو بشر: أخبرنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: اللمس والمس والمباشرة: الجماع. ولكن الله يكني بما يشاء.
حدثنا عبد الحميد بن بيان، أنبأنا إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن عاصم الأحول، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عباس، [قال: الملامسة الجماع، ولكن الله كريم، يكني بما يشاء.
وقد صح من غير وجه عن عبد الله بن عباس] [¬٢] أنه قال ذلك، ثم رواه ابن جرير عن بعض من حكاه ابن أبي حاتم عنهم، ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: عنى الله تعالى بذلك كل من [¬٣] لمس، بيد كان أو بغيرها من أعضاء الإنسان، وواجب [¬٤] الوضوء على كل من مس بشيء من جسده شيئًا من جسدها مفضيًا إليه.
ثم قال (٤٧٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن مخارق، عن طارق، عن عبد الله بن مسعود قال: اللمس ما دون الجماع.
رقد روي [¬٥] من طرق متعددة عن ابن مسعود بمثله، وروى (٤٧٣) من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: القبلة من المس، وفيها الوضوء.
[روى الطبراني بإسناده عن عبد الله بن مسعود، قال: يتوضأ الرجل من المباشرة، ومن اللمس بيده، ومن القبلة. وكان يقول في هذه الآية: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قال: هو
стр. 1703
الغمز] [¬١]. وقال [¬٢] [ابن جرير (٤٧٤)] [¬٣]، حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبيد [¬٤] الله بن عمر، عن نافع، أن ابن عمر كان يتوضأ من قبلة المرأة. ويرى فيها الوضوء، ويقول: هي من اللماس.
وروى ابن أبي حاتم، وابن جرير أيضًا (٤٧٥) من طريق شعبة، عن مخارق، عن طارق، عن عبد الله قال: اللمس ما دون الجماع.
ثم قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن ابن عمر وعبيدة وأبي عثمان النهدي وأبي عبيدة، يعني ابن عبد الله بن مسعود، وعامر الشعبي وثابت بن الحجاج وإبراهيم النخعي وزيد بن أسلم نحو ذلك.
(قلت): وروى مالك (٤٧٦)، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أنه كان يقول: قبلة الرجل امرأته، وجسه بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته، أو جسها بيده فعليه الوضوء.
стр. 1704
وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني [في سننه (٤٧٧)] [¬١]، عن [أمير المؤمنين] [¬٢] عمر بن الخطاب نحو ذلك، ولكن روينا عنه من وجه آخر (٤٧٨)، أنه كان يقبل امرأته ثم يصلي ولا يتوضأ، فالرواية عنه مختلفة، فيحمل ما قاله في الوضوء إن صح عنه على الاستحباب، والله أعلم.
والقول بوجوب الوضوء من المس هو قول الشافعي وأصحابه، ومالك، والمشهور عن أحمد ابن حنبل. قال ناصرو [¬٣] هذه المقالة: قد قرئ في هذه الآية لامستم، ولمستم، واللمس يطلق في الشرع على الجس باليد، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ
стр. 1705
بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي: جسوه [¬١]. وقال [] [¬٢] ﷺ لماعز حين أقر بالزنا، يعرض له بالرجوع عن الإقرار: "لعلك قبلت أو لمست" (٤٧٩). وفي الحديث الصحيح (٤٨٠): " واليد زناها [¬٣] اللمس". وقالت عائشة ﵂: قل يوم إلا ورسول الله ﷺ يطوف علينا، فيقبل ويلمس (٤٨١).
стр. 1706
ومنه ما ثبت في الصحيحين (٤٨٢)، [أن رسول الله] [¬١] ﷺ نهى عن بيع الملامسة، وهو ورجع إلى الجس باليد على كلا التفسيرين قالوا: ويطلق في اللغة [] [¬٢] على الجس باليد كما يطلق على الجماع، قال الشاعر*
وألمست كفي كفه أطلب الغني*
واستأنسوا أيضا بالحديث الذي رواه [] [¬٣] أحمد (٤٨٣)، حدثنا [عبد الرحمن] [¬٤] بن مهدي
стр. 1707
وأبو سعيد، قالا: حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير -قال أبو سعيد: حدثنا عبد الملك بن عمير- عن عبد الرحمن بن أبى ليلي، عن معاذ، قال: أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله؛ ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئًا إلا قد [¬١] أتاه منها، غير أنه لم يجامعها؟. قال: فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قال: فقال له رسول الله ﷺ : "توضأ [¬٢] ثم صل" قال معاذ: فقلت: يا رسول الله، أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال [¬٣]: "بل للمؤمنين عامة".
ورواه الترمذي من حديث زائدة [¬٤] به، وقال: ليس بمتصل. وأخرجه النسائي من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي مرسلاً.
قالوا: فأمره بالوضوء؛ لأنه لمس المرأة ولم يجامعها. وأجيب بأنه منقطع بين ابن أبي ليلى ومعاذ؛ فإنه لم يلقه، ثم يحتمل أنه إنما أمره بالوضوء والصلاة للتوبة، كما تقدم في حديث الصديق (٤٨٤): " ما من عبد يذنب ذنبًا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر الله له". الحديث وهو مذكور في سورة آل عمران عند قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ الآية.
ثم قال ابن جرير (٤٨٥): وأولي القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى الله بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الجماع دون غيره من معاني اللمس؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ، ثم قال: حدثنى بذلك إسماعيل ابن موسى السدي، قال [¬٥]: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ، ثم
стр. 1708
يقبل، ثم يصلي، ولا يتوضأ.
ثم قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت.
وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن جماعة من مشايخهم عن وكيع -به.
ثم قال أبو داود: روي عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني. وقال يحيى القطان لرجل: احك [¬١] عني أن هذا الحديث شبه لا شيء.
وقال الترمذي: سمعت البخاري يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة.
وقد وقع في رواية ابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد الطنافسي، عن وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة.
وأبلغ من ذلك ما رواه الإِمام أَحمد في مسنده من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وهذا نص في كونه عروة بن الزبير ويشهد له قوله: من هي إلا أنت، فضحكت.
و [¬٢] لكن روى أبو داود، عن إبراهيم بن مخلد الطالقاني، عن عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش، قال: حدثنا أصحاب لنا عن عروة المزني [¬٣]، [عن عائشة] [¬٤] فذكره، [والله أعلم] [¬٥].
وقال ابن جرير أيضًا (٤٨٦): حدثنا أبو زيد [] [¬٦] عمر بن شبَّة [¬٧]، عن سهاد بن عباد،
стр. 1709
حدثنا [¬١] مندل بن علي [¬٢]، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة، وعن أبي روق، عن إبراهيم التيمي [¬٣]، عن عائشة ﵂ أن [¬٤] رسول الله ﷺ كان [¬٥] ينال مني القبلة بعد الوضوء ثم لا يعيد الوضوء.
وقال الإمام أحمد (٤٨٧): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي روق الهمداني، عن إبراهيم التيمى [¬٦]، عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قبل ثم صلى [¬٧] ولم يتوضأ.
ورواه أبو داود والنسائي من حديث يحيى القطان زاد أبو داود وابن مهدي كلاهما عن سفيان الثوري به.
стр. 1710
ثم قال أبو داود والنسائي: لم يسمع إبراهيم التيمي [¬١] من [¬٢] عائشة.
ثم [¬٣] قال ابن جرير أيضًا (٤٨٨): حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثني أبي، حدثنا يزيد ابن سنان، عن عبد الرحمن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أمً سلمة، أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم ثم لا يفطر، ولا يحدث وضوءًا.
وقال أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب [¬٤]، عن زينب السهمية، عن النبي ﷺ ، أنه كان يقبل صلي ولا يتوضأ.
وقد رواه الإِمام أحمد (٤٨٩)، عن محمد بن فضيل، عن حجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة، عن النبى ﷺ به.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد [طلب الماء] [¬٥]، فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم، وقد ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع، كما هو مقرر في موضعه، كما هو [¬٦] في الصحيحين (٤٩٠) من حديث عمران بن حصين، أن رسول اللَّه ﵌ رأى رجلًا معتزلًا لم يصل مع [¬٧] القوم، فقال: "يا فلان؛ ما منعك أن تصلي مع القوم، ألست
стр. 1711
برجل مسلم؟ " قال: بلى يا رسول اللَّه، ولكن أصابتني جنابة، ولا ماء. قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك".
ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فالتيمم [في اللغة] [¬١] هو القصد، تقول [¬٢] العرب: تيممك [¬٣] اللَّه بحفظه أي: قصدك. ومنه قول امرئ القيس شعرًا [¬٤]
ولما رأت أن المنية وردها … وأن الحصى من تحت أقدامها دام
تيممت العين التي عند ضارج … يفيء عليها الفيء عرمضها طام
والصعيد، قيل: هو كل ما صعد على وجه الأرض، فيدخل فيه التراب والرمل، [¬٥] والشجر والحجر والنبات، وهو قول مالك. وقيل: ما كان من جنس التراب] [¬٦]؛ [فيختص التراب [¬٧] والرمل] [¬٨] والزرنيخ والنورة. وهذا مذهب أبي حنيفة. وقيل: هو التراب فقط. وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهما، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أي: ترابًا أملس طيبًا، وبما ثبت في صحيح مسلم (٤٩١)، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول
стр. 1712
اللَّه ﵌: "فضلنا على الناس بثلاث، جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء". وفي لفظ: "وجعل ترابها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء". قالوا. فخصص الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه.
والطيب هاهنا قيل: الحلال، وقيل: الذي ليس بنجس. كما رواه الإِمام أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجة من حديث أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﵌: "الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر حجج، [فإن وجده] [¬١] فليمسه بشرته فإن ذلك خير له [¬٢] " (٤٩٢).
وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن حبان أيضًا، ورراه الحافظ أبو بكر البزار [¬٣] في مسنده (٤٩٣)، عن أبي هريرة، وصححه الحافظ أبو الحسن القطان. و [¬٤] قال ابن عباس: أطيب
стр. 1713
الصعيد تراب الحرث. رواه ابن أبي حاتم (٤٩٤)، ورفعه ابن مردويه في تفسيره.
وقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ التيمم بدل عن الوضوء في التطهر به، [لا أنه] [¬١] بدل منه في جميع أعضائه، بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإِجماع، ولكن اختلف الأئمة في كيفية التيمم على أقوال؛ أحدها وهو مذهب الشافعي في الجديد، أنه يجب أن يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين؛ لأن لفظ اليدين يصدق [¬٢] إطلاقهما على مايبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما [ما يبلغ] [¬٣] الكفين، كما في آية السرقة ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ قالوا: وحَمْل ما أطلق هاهنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية. وذكر بعضهم ما رواه الدارقطني (٤٩٥)، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "التيمم ضربتان، ضربه للوجه، وضربه لليدين إلى المرفقين". ولكن لا يصح؛ لأن في إسناده [¬٤] ضعفاء لا يثبت
стр. 1714
الحديث بهم، وروى أبو داود (٤٩٦) عن ابن عمر في حديث، أن رسول اللَّه ﷺ ضرب بيديه [¬١] على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها [¬٢] ذراعيه.
стр. 1715
ولكن في إسناده محمد بن ثابت العبدي، وقد ضعفه بعض الحفاظ، ورواه غيره من الثقات، فوقفوه على فعل ابن عمر، قال البخاري وأبو زرعة وابن عدي: [هو الصحيح] [¬١]، وهو الصواب. وقال البيهقي: رفع هذا الحديث [] (*) منكر، واحتج الشافعي (٤٩٧) بما رواه عن إبراهيم بن محمد عن أبي [¬٢] الحويرث [] [¬٣] عبد الرحمن بن معاوية، عن الأعرج عن ابن
стр. 1716
الصمة، أن رسول اللَّه ﷺ تيمم، فمسح وجهه وذراعيه.
وقال ابن جرير (٤٩٨): حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا خارجة ابن [¬١] مصعب، عن عبد اللَّه بن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جهيم [¬٢] قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يبول، فسلمت عليه، فلم يرد على السلام [¬٣] حتى فرغ [¬٤]، ثم قام إلى الحائط [¬٥]، فضرب بيديه عليه، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيدده على
стр. 1717
الحائط فمسح بهما يديه إلى المرفقين، ثم ردّ علي السلام.
والقول الثاني: أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين، وهو قول [الشافعي في القديم] [¬١].
والثالث: أنه يكفي مسح الوجه والكفين بضربة واحدة.
وقال الإِمام أحمد (٤٩٩): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ذرّ [¬٢]، عن ابن [¬٣] عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن رجلًا أتى عمر، فقال: إنى أجنبت [¬٤] فلم أجد ماء، فقال عمر: لا تصلِّ. قال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأمّا أنت فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فلما أتينا النبي ﷺ ذكرت [له ذلك] [¬٥]، فقال: "إنما كان يكفيك وضرب النبي ﷺ بيده الأرض، ثم نفخ فيها، ومسح بها وجهه وكفيه".
قال [¬٦] أحمد أيضًا (٥٠٠): حدثنا عفان، حدَّثنا أبان، حدثنا قتادة، عن عزرة (*)، عن سعيد ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار: أن رسول اللَّه ﷺ قال في التيمم: "ضربة للوجه والكفين".
стр. 1718
(طريق [¬١] أخرى) قال أحمد (٥٠١): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد، حدثنا سليمان الأعمش، حدثنا شقيق قال: كنت قاعدًا مع عبد اللَّه وأبي موسى، [فقال أبو موسى] [¬٢] لعبد اللَّه: لو أن رجلًا لم يجد الماء لم يصلِّ؟ فقال عبد اللَّه: لا؛ فقال أبو موسى: ألا [¬٣] تذكر ما [¬٤] قال عمار لعمر: ألا تذكر إذ بعثني رسول اللَّه ﷺ وإياك في إبل فأصابتني جنابة فتمرّغت في التراب، فلما رجعت إلى رسول اللَّه ﷺ أخبرته، فضحك [رسول اللَّه ﷺ ] [¬٥] وقال: "إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بكفيه [¬٦] إلى الأرض، ثم مسح كفيه جميعًا، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة". فقال عبد اللَّه: لا جرم ما رأيت عمر قنع بذلك [¬٧]. قال [¬٨]: فقال له أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة النساء ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ قال: فما درى عبد اللَّه ما يقول، وقال: لو رخصنا لهم في التيمم؛ لأوشك [¬٩] أحدهم إذا برد الماء على جلده أن يتيمم، وقال تعالى في آية المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [¬١٠] استدل بذلك الشافعي ﵀ على أنه لابد في التيمم أن يكون بتراب طاهر له غبار يعلق بالوجه واليدين منه شيء، كما رواه الشافعي (٥٠٢) بإسناده المتقدّم عن ابن الصمة، أنه مر بالنبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يردّ عليه، حتى قام إلى جدار، فحته بعصًا كانت معه، فضرب بيده عليه، [فمسح بها] [¬١١] وجهه وذراعيه.
وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: في الدين الذي شرعه لكم ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَةِرَكُمْ﴾ فلهذا أباح لكم إن [¬١٢] لم تجدوا [¬١٣] الماء أن تعدلوا [¬١٤] إلى التيمم بالصعيد،
стр. 1719
﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
ولهذا كانت هذه الأمة مخصوصة [¬١] بمشروعية [¬٢] التيمم دون سائر الأمم، كما ثبت في الصحيحين (٥٠٣)، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي؛ نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل". وفي لفظ: "فعنده [مسجده وطهوره] [¬٣]، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة".
وتقدّم (٥٠٤) في حديث حذيفة عند [¬٤] مسلم: "فضلنا على الناس بثلاث؛ جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا إذا لم نجد الماء".
وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ أي: ومن عفوه عنكم وغفرانه [¬٥] لكم، أن شرع لكم [¬٦] التيمم، وأباح لكم فعل الصلاة به إذا فقدتم الماء؛ توسعة عليكم، ورخصة لكم. وذلك أن هذه الآية الكريمة فيها تنزيه الصلاة أن تفعل على هيئة ناقصة من سكر حتى يصحو المكلف ويعقل ما يقول، أو جنابة حتى يغتسل، أو حدث حتى يتوضأ، إلا أن يكون مريضًا أو عادمًا للماء، فإن اللَّه قد أرخص في التيمم والحالة هذه؛ رحمة بعباده [¬٧] ورأفة بهم، وتوسعة عليهم، وللَّه [¬٨] الحمد والمنة.
стр. 1720
(ذكر [¬١] سبب نزول مشروعية التيمم)
وإنما ذكرنا ذلك هاهنا؛ لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على [¬٢] آية المائدة، وبيانه أن هذه نزلت قبل تحتم تحريم الخمر، والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير [¬٣]. يقال: في محاصرة النبي ﷺ لبني النضير [بعد أحد بيسير] [¬٤]، وأما المائدة! فإنها من أواخر [¬٥] ما نزل، ولا سيما صدرها، فناسب أن يذكر السبب هاهنا، وبالله الثقة.
وقال الإمام أحمد (٥٠٥): حدّثنا ابن نمير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجالًا في طلبها فوجدوها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوها [¬٦] بغير وضوء، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله آية التيمم. فقال أسيد بن الحضير لعائشة: جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك [¬٧] وللمسلمين فيه خيرًا.
(طريق [¬٨] أخرى): قال البخاري (٥٠٦): حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء [¬٩] أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله ﷺ وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ