← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

الصمة، أن رسول اللَّه ﷺ تيمم، فمسح وجهه وذراعيه. وقال ابن جرير (٤٩٨): حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا خارجة ابن [¬١] مصعب، عن عبد اللَّه بن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جهيم [¬٢] قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يبول، فسلمت عليه، فلم يرد على السلام [¬٣] حتى فرغ [¬٤]، ثم قام إلى الحائط [¬٥]، فضرب بيديه عليه، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيدده على

стр. 1717

الحائط فمسح بهما يديه إلى المرفقين، ثم ردّ علي السلام. والقول الثاني: أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين، وهو قول [الشافعي في القديم] [¬١]. والثالث: أنه يكفي مسح الوجه والكفين بضربة واحدة. وقال الإِمام أحمد (٤٩٩): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ذرّ [¬٢]، عن ابن [¬٣] عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن رجلًا أتى عمر، فقال: إنى أجنبت [¬٤] فلم أجد ماء، فقال عمر: لا تصلِّ. قال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأمّا أنت فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فلما أتينا النبي ﷺ ذكرت [له ذلك] [¬٥]، فقال: "إنما كان يكفيك وضرب النبي ﷺ بيده الأرض، ثم نفخ فيها، ومسح بها وجهه وكفيه". قال [¬٦] أحمد أيضًا (٥٠٠): حدثنا عفان، حدَّثنا أبان، حدثنا قتادة، عن عزرة (*)، عن سعيد ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار: أن رسول اللَّه ﷺ قال في التيمم: "ضربة للوجه والكفين".

стр. 1718

(طريق [¬١] أخرى) قال أحمد (٥٠١): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد، حدثنا سليمان الأعمش، حدثنا شقيق قال: كنت قاعدًا مع عبد اللَّه وأبي موسى، [فقال أبو موسى] [¬٢] لعبد اللَّه: لو أن رجلًا لم يجد الماء لم يصلِّ؟ فقال عبد اللَّه: لا؛ فقال أبو موسى: ألا [¬٣] تذكر ما [¬٤] قال عمار لعمر: ألا تذكر إذ بعثني رسول اللَّه ﷺ وإياك في إبل فأصابتني جنابة فتمرّغت في التراب، فلما رجعت إلى رسول اللَّه ﷺ أخبرته، فضحك [رسول اللَّه ﷺ ] [¬٥] وقال: "إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بكفيه [¬٦] إلى الأرض، ثم مسح كفيه جميعًا، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة". فقال عبد اللَّه: لا جرم ما رأيت عمر قنع بذلك [¬٧]. قال [¬٨]: فقال له أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة النساء ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ قال: فما درى عبد اللَّه ما يقول، وقال: لو رخصنا لهم في التيمم؛ لأوشك [¬٩] أحدهم إذا برد الماء على جلده أن يتيمم، وقال تعالى في آية المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [¬١٠] استدل بذلك الشافعي ﵀ على أنه لابد في التيمم أن يكون بتراب طاهر له غبار يعلق بالوجه واليدين منه شيء، كما رواه الشافعي (٥٠٢) بإسناده المتقدّم عن ابن الصمة، أنه مر بالنبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يردّ عليه، حتى قام إلى جدار، فحته بعصًا كانت معه، فضرب بيده عليه، [فمسح بها] [¬١١] وجهه وذراعيه. وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: في الدين الذي شرعه لكم ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَةِرَكُمْ﴾ فلهذا أباح لكم إن [¬١٢] لم تجدوا [¬١٣] الماء أن تعدلوا [¬١٤] إلى التيمم بالصعيد،

стр. 1719

﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ولهذا كانت هذه الأمة مخصوصة [¬١] بمشروعية [¬٢] التيمم دون سائر الأمم، كما ثبت في الصحيحين (٥٠٣)، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي؛ نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل". وفي لفظ: "فعنده [مسجده وطهوره] [¬٣]، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة". وتقدّم (٥٠٤) في حديث حذيفة عند [¬٤] مسلم: "فضلنا على الناس بثلاث؛ جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا إذا لم نجد الماء". وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ أي: ومن عفوه عنكم وغفرانه [¬٥] لكم، أن شرع لكم [¬٦] التيمم، وأباح لكم فعل الصلاة به إذا فقدتم الماء؛ توسعة عليكم، ورخصة لكم. وذلك أن هذه الآية الكريمة فيها تنزيه الصلاة أن تفعل على هيئة ناقصة من سكر حتى يصحو المكلف ويعقل ما يقول، أو جنابة حتى يغتسل، أو حدث حتى يتوضأ، إلا أن يكون مريضًا أو عادمًا للماء، فإن اللَّه قد أرخص في التيمم والحالة هذه؛ رحمة بعباده [¬٧] ورأفة بهم، وتوسعة عليهم، وللَّه [¬٨] الحمد والمنة.

стр. 1720

(ذكر [¬١] سبب نزول مشروعية التيمم) وإنما ذكرنا ذلك هاهنا؛ لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على [¬٢] آية المائدة، وبيانه أن هذه نزلت قبل تحتم تحريم الخمر، والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير [¬٣]. يقال: في محاصرة النبي ﷺ لبني النضير [بعد أحد بيسير] [¬٤]، وأما المائدة! فإنها من أواخر [¬٥] ما نزل، ولا سيما صدرها، فناسب أن يذكر السبب هاهنا، وبالله الثقة. وقال الإمام أحمد (٥٠٥): حدّثنا ابن نمير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجالًا في طلبها فوجدوها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوها [¬٦] بغير وضوء، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله آية التيمم. فقال أسيد بن الحضير لعائشة: جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك [¬٧] وللمسلمين فيه خيرًا. (طريق [¬٨] أخرى): قال البخاري (٥٠٦): حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء [¬٩] أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله ﷺ وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ

стр. 1721

واضع رأسه على فخذي، قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، قالت عائشة [¬١]: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، ولا يمنعني بن [¬٢] التحرك إلا مكان رأس [¬٣] رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ [على غير ماء حين أصبح] [¬٤]، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته. وقد رواه البخاري أيضًا عن قتيبة، وإسماعيل، ورواه مسلم [¬٥]، عن [¬٦] يحيى بن [¬٧] يحيى، عن مالك. (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٥٠٧): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح، قال: قال ابن شهاب: حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر، أن رسول الله ﷺ عرس بأولات الجيش [¬٨] ومعه [زوجته عائشة] [¬٩]، فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء، فأنزل الله على رسول الله ﷺ رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم إلى [¬١٠] الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا [¬١١] من التراب شيئًا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط.

стр. 1722

وقد رواه ابن جرير (٥٠٨): حدثنا أبو كريب، حدثنا الصيفي، عن ابن أبي ذئب [عن الزهري] [¬١] عن عبيد الله بن عبد الله عن [] [¬٢] أبى اليقظان، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله ﷺ حتى أضاء الفجر [¬٣]، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليه [رخصة المسح] [¬٤] بالصعيد الطيب، فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة، نزلت [¬٥] فيك رخصة. فضربنا بأيدينا ضربة لوجوهنا، وضربة لأيدينا إلى المناكب والآباط.

стр. 1723

(حديث آخر): قال الحافظ أبو بكر بن مردويه (٥٠٩): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا العلاء (*) بن أبي سوية، حدثني الهيثم بن رزيق المالكي من بني مالك بن كعب بن سعد -وعاش مائة وسبعة عشر سنة- عن أبيه، عن الأسلع بن شريك، قال: كنت أرحل ناقة رسول الله ﷺ ، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله ﷺ الرحلة، فكرهت أن أرحل [ناقة رسول الله ﷺ ] [¬١] وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد؛ فأموت أو أمرض، فأمرت رجلًا من الأنصار فرحلها، ثم رضفت أحجارًا فأسخنت بها ماء فاغتسلت، ثم لحقت رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال: "يا أسلع، مالي أرى رحلتك قد [¬٢] تغيرت". قلت: يا رسول الله لم أرحلها، رحلها رجل من الأنصار. قال: "ولم؟ " قلت: إني أصابتني جنابة، فخشيت القرّ على نفسي، فأمرته أن يرحلها، ورضفت أحجارًا، فأسخنت بها ماء، فاغتسلت به. فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. وقد روي من وجه آخر عنه (٥١٠).

стр. 1724

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾ يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة [¬١] إلى يوم القيامة أنهم يشترون الضلالة بالهدى، ويعرضون عما أنزل الله على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأوّلين [¬٢] في صفة محمد ﷺ ، ليشتروا به ثمنا قليلا من حطام الدنيا ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: -يودّون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أي: هو أعلم [¬٣] بهم، ويحذركم منهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: كفى به وليًّا لمن لجأ إليه، ونصيرًا لمن استنصره.

стр. 1725

ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ "من" [في هذا] [¬١] لبيان الجنس، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: [يتأولون الكلام] [¬٢] على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله ؛ قصدًا منهم وافتراء ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أي: يقولون: سمعنا ما قلته يا محمد، ولا نطيعك فيه. هكذا فسره مجاهد وابن زيد، وهو المراد، وهذا أبلغ في [كفرهم وعنادهم] [¬٣]، و [¬٤] أنهم يتولون عن كتاب الله بعد ما عقلوه، وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة. وقولهم: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: اسمع ما نقول لا سمعت. رواه الضحاك عن ابن عباس (٥١١). وقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك. قال ابن جرير: والأوّل أصح. وهو كما قال. وهذا استهزاء منهم واستهتار عليهم لعنة الله. ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ أي: يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم: راعنا وإنما يريدون الرعونة [بسبهم النبي] [¬٥]، وقد تقدم الكلام في هذا عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾. ولهذا قال تعالى عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم خلاف ما يظهرونه ليًّا بألسنتهم وطعنا في الدين، يعني بسبهم النبي ﷺ . ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: قلوبهم مطرودة عن الخير، مبعدة منه، فلا يدخلها من الإِيمان شيء نافع لهم. [وقد تقدم الكلام على] [¬٦] قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا

стр. 1726

يُؤْمِنُونَ﴾ والمقصود أنهم لا يؤمنون إيمانًا نافعًا. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ يقول تعالى آمرًا أهل الكتاب بالإِيمان بما [أنزل الله] [¬١] على عبده ورسوله محمد ﷺ من الكتاب العظيم، الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات، ومتهددًا لهم إن لم [¬٢] يفعلوا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ قال بعضهم: معناه من قبل أن نطمس وجوهًا، فطمسها [¬٣] هو ردّها إلى [¬٤] الأدبار، وجعل أبصارهم من ورائهم. ويحتمل أن يكون المراد من قبل أن نطمس وجوهًا، فلا [يبقى لها سمع ولا بصر ولا أثر] [¬٥]، [ومع ذلك نردها] [¬٦] إلى ناحية الأدبار. وقال العوفي عن ابن عباس ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ وطمسها: أن تعمى ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين من قفاه. وكذا قال قتادة وعطية العوفي، وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهذا [¬٧] مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبل الضلالة، يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: إن هذا مثل سوء [¬٨] ضربه الله لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى.

стр. 1727

قال مجاهد: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يقول: عن صراط الحق، فنردها على أدبارها أي: في الضلالة. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس والحسن نحو هذا. قال السدي: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ فنمنعها عن الحق. قال: نرجعها كفارا ونردهم قردة. [قال ابن] [¬١] زيد: نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز. وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية. قال [¬٢] ابن جرير (٥١٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة، قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب، فقال: أسلم كعب زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة فخرج إليه عمر، فقال: يا كعب أسلم، فقال [¬٣]: ألستم تقولون [¬٤] في كتابكم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وأنا قد حملت التوراة. قال: فتركه عمر، ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلًا من أهلها حزينًا وهو يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية قال كعب: يا رب [آمنت يارب] [¬٥]، أسلمت؛ مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين. وقد [¬٦] رواه ابن أبي حاتم [بلفظ آخر من وجه آخر] [¬٧] فقال (٥١٣): حدثنا أبي، حدثنا ابن

стр. 1728

نفيل، حدثنا عمرو بن [¬١] واقد، عن يونس بن حَلْبَس [¬٢]، عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني، قال: كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب، وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله ﷺ ، قال: فبعثه إليه ينظر [¬٣] أهو هو. قال كعب: فركبت [¬٤] حتى أتيت المدينة، فإذا تال [¬٥] يقرأ القرآن يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ فبادرت الماء فاغتسلت، وإني لأمسح وجهي مخافة أن أطمس، ثم أسلمت. وقول: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد، وقد مسخوا قردة وخنازير، وسيأتي بسط قصتهم في سورة الأعراف. وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: إذا أمر بأمر فإنه لا يخالف ولا يمانع. ثم أخبر تعالى أنه: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: من الذنوب ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، أي: من عباده. وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر: (الحديث الأول): قال الإِمام أحمد (٥١٤): حدثنا يزيد [بن هارون] [¬٦]، حدثنا [¬٧] صدقة

стр. 1729

ابن موسى، حدثنا أبو عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسدم: "الدواوين عند الله ثلاثة؛ ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله : [﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية. وقال: ﴿إِنَّهُ] [¬١] مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا، فظلم العبد نفسه [فيما بينه وبين ربه من صوم يومٍ تركه أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء] [¬٢]، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا، فظلم العباد بعضهم بعضًا، القصاص لا محالة". تفرد به أحمد. (الحديث الثاني): قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (٥١٥): حدثنا أحمد بن مالك، حدثنا زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النميري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "الظلم ثلاثة؛ فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم [لا يترك الله منه شيئًا] [¬٣]: فأما الظلم الذي لا يغفره الله، فالشرك، وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وأما الظلم الذي يغفره الله؛ فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه؛ فظلم العباد بعضهم بعضًا حتى يدين لبعضهم من بعض".

стр. 1730

(الحديث الثالث): قال الإِمام أحمد (٥١٦): حدَّثنا صفوان بن عيسى، حدَّثنا ثور بن يزيد، عن أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ذنب عسى الله أن [¬١] يغفره إلَّا الرجل يموت كافرًا، أو [¬٢] الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا". و [¬٣] رواه النَّسائي عن محمد بن مثنى عن صفوان بن عيسى، به. (الحديث الرابع) قال الإِمام أحمد (٥١٧): حدَّثنا هاشم بن القاسم، حدَّثنا عبد الحميد، حدَّثنا شهر، حدَّثنا [ابن غنم] [¬٤]: أن أبا ذر حدثه عن رسول الله ﷺ قال "إن الله يقول: يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك، يا عبدي إنك [¬٥] إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة، [ثم لقيتني] [¬٦] لا [¬٧] تشرك بي شيئًا [¬٨] لقيتك بقرابها مغفرة" تفرد به أحمد من هذا الوجه. (الحديث الخامس) قال الإِمام أحمد (٥١٨): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا أبي، حدَّثنا حسين

стр. 1731

عن ابن بريدة: أن يحيى بن يعمر حدثه، أن أبا الأسود الدّيلي حدثه، أن أبا ذر حدثه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: "ما من عبد قال لا إله إلَّا الله، ثم مات على ذلك إلَّا دخل الجنَّةَ". قلت وإن زنى وإن سرق، قال: "وإن زنى وإن سرق"، قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: "وإن زنى وإن سرق" ثلًاثا، ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر" قال: فخرخ أَبو ذرٍّ وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر، وكان أَبو ذرٍّ يحدث بهذا بعد ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر. أخرجاه من حديث حسين، به (طريق [¬١] أخرى [لحديث أبي ذر] [¬٢] قال أحمد (٥١٩): حدَّثنا أَبو معاوية، حدَّثنا الأعمَش، عن زيد ابن وَهْب، عن أبى ذر قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة عشاء ونحن ننظر إلى أحد فقال: "يا أبا ذر". قلت [¬٣]: لَبَّيكَ يا رسول الله، قال [¬٤]: "ما أحب أن لي أحدًا ذاك عندي ذهبًا أمسى ثالثة وعندي منه دينارًا إلَّا دينارًا [¬٥] أرصده - يعني لدين إلَّا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا [¬٦] فحثا [¬٧] عن يمينه [وعن يساره وبين يديه] [¬٨] ". قال: ثم مشينا. فقال: "يا أبا ذر إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلَّا من قال هكذا وهكذا فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره" قال: ثم مشينا. فقال: "يا أبا ذر، كما أنت حتَّى آتيك". قال: فانطلق حتَّى توارى عني، قال: فسمعت لغطًا، فقلت: لعل رسول الله ﷺ عرض له. قال: فهممت أن أتبعه، [قال: فذكرت] [¬٩] قوله: "لا برح حتى آتيك" فانتظرته حتَّى

стр. 1732

جاء، فذكرت له الذي سمعت. فقال: "ذاك جبريل أتانى فقال: من مات من أمّتك لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة". قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: "وإن زنى وإن سرق". أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمَش به: قد رواه البخاري ومسلم (٥٢٠) أيضًا كلاهما عن قتيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن زيد بن وَهْب، عن أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي؛ فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده و [¬١] ليس معه إنسان. قال: فظننت أنَّه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني فقال: "من هذا"؟ فقلت: أبو ذر جعلني الله فداك. قال: "يا أبا ذر، تعال [¬٢] " قال: فمشيت معه ساعة فقال لي [¬٣]: "إن المكثرين هم المقلون وم القيامة إلَّا من أعطاه الله خيرًا، فنفخ [¬٤] فيه عن [¬٥] يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرًا" قال: فمشيت معه [¬٦] ساعة فقال لي: "اجلس هاهنا" [] [¬٧] فأجلسني في قاع حوله حجارة فقال لي: "اجلس هاهنا حتَّى أرجع إليك". قال: فانطلق في الحرة حتَّى لا أراه، فلبث عني فأطال اللبث، حتَّى [¬٨] إني سمعته وهو مقبل، وهو يقول: "وإن سرق وإن زنى" قال: فلما جاء لم أصبر حتَّى قلت: يا نبي الله جعلني الله فداءك من تكلمه [¬٩] في جانب الحرة؛ [ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئا؟ قال: ذلك جبريل عرض لي من جانب الحرة] [¬١٠] فقال: "بشر أمّتك [] [¬١١] من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّةَ، قلت: يا جبريل: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، قلت: وإن سرق وإن زنى. قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى. قال: نعم وإن شرب الخمر". (الحديث السادس) فال عبد بن حميد في مسنده (٥٢١): أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن

стр. 1733

ابن أبي ليلى، عن أبي الزُّبَير، عن جابر قال: جاء رجل إِلى رسُول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: " من مات لا يشرك باللِّه شيئًا وجبت له الجنَّةَ، ومن مات يشرك بالله شيئًا وجبت له النار": [تفرد به من هذا الوجه، وذكر تمام الحديث] [¬١]. (طريق [¬٢] أخرى) قال ابن أبي حاتم (٥٢٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا [الحسن بن] [¬٣] عمرو بن خلاد الحراني، حدَّثنا منصور بن إسماعيل القرشي، حدَّثنا موشى بن عبيدة الربذي [¬٤]، أخبرني عبد الله بن عبيدة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئا إلَّا حلت لها المغفرة إن شاء اللَّه عذبها، وإن شاء غفر لها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ". ورواه الحافظ أَبو يعلى في مسنده (٥٢٣) من حديث موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، [عن جابر] [¬٥]: أن النبي ﷺ قال: "لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب". قيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ قال: "الإشراك بالله. قال: ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئًا إلَّا حلت لها [¬٦] المغفرة من الله تعالى إن يشأ أن يعذبها، وإن يشاء أن يغفر لها [غفر لها] [¬٧] "، ثم قرأ نبي الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.

стр. 1734

(الحديث السابع) قال الإِمام أحمد (٥٢٤): حدثت أبو نعيم، حدثنا زكريا، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه: سلم: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّةَ". تفرد به من هذا الوجه. (الحديث الثامن) قال الإِمام أحمد (٥٢٥): حدثنا حسن بن موسى، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا أَبو قبيل، عن [عبد الله بن ناشر] (*) من بني سريع قال: سمعت أبا رهم قاص أهل الشام يقول: سمعت أبا أيوب الأنصاري يقول: إن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم إليهم، فقال لهم: "إن ربكم خيرني بين سبعين ألفًا يدخلون الجنَّةَ عفوًا [¬١]، بغير حساب، وبين الخبيئة [¬٢] عنده لأمتي". فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله أيخبأ ذلك ربك؟ فدخل رسول الله ﷺ [ثم خرج] [¬٣] وهو يكبر فقال: "إن ربي زادني مع كل ألف سبعين ألفًا والخبيئة عنده". قال أُبو رهم: يا أبا أيوب، وما تظن خبيئة رسول الله صلى الله عليه: سلم؟ فأكله الناس بأفواههم. فقالوا: وما أنت وخبيئة رسول الله ﷺ . فقال أبو أيوب: دعوا الرجل عنكم، أخبركم عن خبيئة رسول الله ﷺ كما أظن، بل كالمستيقن إن خبيئة رسول الله ﷺ أن يقول: "من شهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله مصدقًا لسانه قلبه أدخله [¬٤] الجنَّةَ".

стр. 1735

(الحديث التاسع) قال ابن أبي حاتم (٥٢٦): حدَّثنا أبي، [حدَّثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدَّثنا] [¬١] عيسى بن يونس (ح) وأخبرنا هاشم بن القاسم الحراني - فيما كتب إليَّ - قال: حدَّثنا عيسى بن يونس نفسه، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن أبي سورة ابن [أخي أبي] [¬٢] أيوب الأنصاري [¬٣]، عن أبي أيوب [] [¬٤] قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام. قال "وما دينه"؟ قال: يصلي ويوحد اللَّه تعالى. قال "استوهب منه دينه، فإن أَبى فابتعه منه" فطلب الرجل ذاك [¬٥] منه فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ فأخبره. فقال: "وجدته شحيحًا في دينه" قال: فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. (الحديث العاشر) قال الحافظ أبو يعلى (٥٢٧): حدَّثنا عمرو بن الضحاك، حدَّثنا أبي، حدَّثنا مستور أَبو همام الهنائي، حدَّثنا ثابت، عن أَنس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما تركت حاجة ولا داجة [¬٦] إلَّا قد أتيت، قال: "أليس تشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول اللَّه؟ " ثلاث مرات قال نعم، قال "فإن ذلك يأتي على ذلك كله ". (الحديث الحادي عشر) قال الإِمام أحمد (٥٢٨): حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا عكرمة بن عمار،

стр. 1736

عن ضمضم بن جوش اليمامي [¬١] قال: قال لي أَبو هريرة: يا يمامي [¬٢] لا تقولنَّ لرجل والله [¬٣] لا يغفر الله لك، أو [¬٤] لا يدخلك الجنَّةَ أبدًا. قلت: [يا أبا هريرة] [¬٥] إن هذه كلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب، قال: لا تقلها؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول [¬٦]: "كان في بني إِسرائيل رجلان أحدهما مجتهد في العبادة، وكان الآخر مسرفًا على نفسه وكانا متآخيين، وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على الذنب [¬٧] فيقول: يا هذا أقصر، فيقول: خلني وربي أبعثت عليَّ رقيبًا قال [¬٨]: إلى أن رآه يومًا على ذنب استعظمه، فقال له [¬٩]: ويحك أقصر، قال [¬١٠]: خلني وربي أبعثت على رَقيبًا، فقال: والله لا يغفر الله [¬١١] لك أو لا يدخلك الله الجنَّةَ أبدًا، قال: فبعث الله إليهما ملكًا فقبض أرواحهما واجتمعا عنده. فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنَّةَ برحمتي، وقال للآخر أكنت بي [¬١٢] عالمًا، أكنت على ما في يدي قادرًا اذهبوا به إلى النار، قال: فو الذي نفس أبي القاسم بيده إنه [¬١٣] لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته". و [¬١٤] رواه أَبو داود من حديث عكرمة بن عمار حدثني ضمضم بن جوش، به. (الحديث الثاني عشر) قال الطبراني (٥٢٩): حدَّثنا أَبو الشيخ [¬١٥]، [محمد بن الحسين] (*)

стр. 1737

ابن عجلان الأصبهانى، حدَّثنا سلمة بن شبيب حدَّثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس عن رسول الله ﷺ قال [¬١] "قال الله : من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب [¬٢] غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئًا". (الحديث الثالث عشر) قال الحافظ أَبو بكر البزار والحافظ أَبو يعلى (٥٣٠): حدَّثنا هدبة - هو ابن خالد - حدَّثنا سهيل [¬٣] بن أبي حازم [¬٤]، عن ثابت، عن أَنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من وعده الله على عمل ثوابًا فهو منجزه له، ومن توعده [¬٥] على عمل عقابًا فهو فيه بالخيار" تفردا به. وقال ابن أبي حاتم (٥٣١): حدَّثنا بحر بن نصر الخولاني، حدَّثنا خالد - يعني ابن عبد الرحمن الخراساني - حدَّثنا الهيثم بن جماز عن سلام بن أبي مطيع، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر قال: كنا أصحاب النبيّ ﷺ لا نشك في قاتل النفس؛ وآكل مال اليتيم وقاذف [¬٦] المحصنات؛ وشاهد [¬٧] الزور حتَّى نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءً﴾ فأمسك أصحاب النبي ﷺ عن الشهادة، ورواه ابن جرير من حديث الهيثم بن جمَّازٍ [¬٨]، به. وقال ابن

стр. 1738

أبي حاتم أيضًا (٥٣٢): حدَّثنا عبد الملك بن أبي عبد الرحمن المقري حدَّثنا [عبد الله بن عاصم، حدَّثنا صالح - يعني المرى أَبو بشر] [¬١] عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في الكتاب حتَّى نزلت علينا هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال: فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله - عَزَّوَجّلَ -. وقال البزار حدَّثنا (٥٣٣): محمد بن عبد الرحيم، حدَّثنا شيبان بن أبي شيبة، حدَّثنا حرب بن سُريج، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتَّى سمعنا نبينا ﷺ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال: "أخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة" وقال أَبو جعفر الرازي، عن الربيع، أخبرني مُجَبَّر [¬٢]، عن عبد الله بن عمر: أنَّه قال: لما نزلت ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ قام رجل فقال: والشرك بالله [¬٣]، يا نبي الله؟ فكره ذلك رسول الله صلى الله

стр. 1739

تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ رواه ابن جرير (٥٣٤)، وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر. وهذه الآية التي في سورة "تنزيل" مشروطة بالتوبة، فمن تاب من أي ذنب وإن تكرر منه تاب الله عليه، ولهذا ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ أي: بشرط التوبة، ولو لم يكن كذلك لدخل الشرك فيه، ولا يصح ذلك؛ لأنه تعالى قد حكم [¬١] هاهنا بأنه لا يغفر الشرك، وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء، أي: وإن لم يتب صاحبه فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه والله أعلم. وقوله ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ كقوله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وثبت في الصحيحين (٥٣٥) عن ابن مسعود أنَّه قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك" وذكر تمام الحديث. وقال ابن مردويه (٥٣٦): حدَّثنا إسحاق ابن إبراهيم بن زيد، حدَّثنا أحمد بن عمرو، حدَّثنا إبراهيم بن المنذر، حدَّثنا معن، حدَّثنا سعيد ابن بشير، حدَّثنا قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1740

"أخبركم بأكبر الكبائر: الشرك بالله، ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وعقوق الوالدين، ثم قرأ ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ". ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ قال الحسن وقتادة: نزلت هذه الآية، وهي قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ في اليهود والنصارى، حين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. [وقال ابن زيد: نزلت في قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [¬١] وفي قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. وقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم، ويزعمون أنهم لا ذنب لهم. وكذا قال عكرمة وأبو مالك، وروى ذلك ابن جرير (٥٣٧). وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: وذلك أن اليهود قالوا: إن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة، وسيشفعون [¬٢] لنا [¬٣]، ويزكوننا، فأنزل الله على محمد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ

стр. 1741

فَتِيلًا﴾. و [¬١] رواه ابن جرير (٥٣٨). وقال ابن أبي حاتم (٥٣٩): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفي، حدثنا ابن حمير، عن ابن لهيعة، عن بشير [¬٢] بن أبي عمرو [¬٣]، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان [¬٤] اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله: إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، وأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. ثم قال: وروي عن مجاهد وأبي مالك والسدي وعكرمة والضحاك نحو ذلك. وقال الضحاك: قالوا: ليس لنا ذنوب، كما ليس لأبنائنا ذنوب. فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ فيهم] [¬٥]. وقيل: نزلت في ذم التمادح [¬٦] والتزكية [¬٧]. [وقد جاء في الحديث الصحيح] [¬٨] عند [¬٩] مسلم (٥٤٠)، عن المقداد بن الأسود قال: أمرنا رسول الله ﷺ ان نحثوَ في وجوه المداحين [¬١٠] التراب. وفي [الحديث الآخر المخرج في] [¬١١] الصحيحين (٥٤١)، من طريق خالد الحذاء، عن

стр. 1742

عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يثني على رجل، فقال: "ويحك! قطعت عنق صاحبك". ثم قال: " إن كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا [¬١]، ولا يزكي على الله أحدًا". و [¬٢] قال الإِمام أحمد (٥٤٢): حدثنا معتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر ابن الخطاب: من قال: أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال هو عالم فهو جاهل، ومن قال: هو في الجنة فهو في النار. ورواه ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة، عن صلحة بن عبيد الله بن كريز [¬٣]، عن عمر أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه، فمن قال: إنه مؤمن فهو [¬٤] كافر [¬٥]، [ومن قال] [¬٦]: [إنه عالم] [¬٧] [فهو جاهل] [¬٨]: من قال هو [¬٩] في الجنة فهو في النار. وقال الإمام أحمد (٥٤٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، أنبأنا شعبة، عن

стр. 1743

سعد بن إبراهيم، عن معبد الجهني قال: كان معاوية قلما يحدث عن النبي ﵌، قال: وكان قلما يكاد أن يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح فإنه الذبح". وروى ابن ماجة منه: "إياكم والتمادح فإنه الذبح" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن شعبة به، ومعبد هذا هو ابن عبد الله بن عُليم [¬١] البصري القدري. وقال ابن جرير (٥٤٤): حدثنا ابن [¬٢] يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل ليغدو بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء، يلقى الرجل ليس يملك له نفعًا ولا ضرًّا فيقول له [¬٣]: إنك [كنت والله] [¬٤] [كيت وكيت] [¬٥]، فلعله أن يرجع ولم يحظ [¬٦] من حاجته بشيء وقد أسخط الله. ثم قرأ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية. وسيأتي الكلام على ذلك مطولًا عند قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. ولهذا قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: المرجع في ذلك إنى الله ؛ لأنه عالم بحقائق الأمور وغوامضها.

стр. 1744

ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: ولا يترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: هو ما يكون في شق النواة. وعن ابن عباس أيضًا: هو ما فتلت بين أصابعك. وكلا القولين متقارب. وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ أي: في تزكيتهم أنفسهم، ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ وقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله أن أعمال [¬١] الآباء لا تجزي [¬٢] عن الأبناء شيئًا، في قوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ثم قال: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: وكفى بصنيعهم [¬٣] هذا كذبًا وافتراء ظاهرًا. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أما "الجبت"، فقال [محمد بن إسحاق] (٥٤٥)، عن حسان بن فائد، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: "الجبت" السحر، و "الطاغوت" الشيطان. وهكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد: عطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن والضحاك والسدي.

стр. 1745

وعن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن، وعطية: "الجبت" الشيطان. و [¬١] زاد ابن عباس: بالحبشية. وعن ابن عباس أيضًا: الجبت: الشرك. وعنه: "الجبت" الأصنام. وعن الشعبي: "الجبت" الكاهن. وعن ابن عباس: "الجبت" حيي بن أخطب. وعن مجاهد: "الجبت" كعب بن الأشرف. وقال العلامة أبو نصر بن [¬٢] إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه "الصحاح": "الجبت" كلمة تقع على الصنم والكاهن [¬٣] والساحر ونحو ذلك. وفي الحديث: "الطيرة والعيافة والطرق من الجبت". قال: وليس هذا من محض العربية؛ لاجتماع الجيم والتاء في [كلمة واحدة من غير حرف] [¬٤] ذَوْلَقِيّ [¬٥]. وهذا الحديث الذي ذكره رواه الإمام أحمد في مسنده فقال (٥٤٦): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن [¬٦] حيان أبي العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه- وهو قبيصة بن مخارق- أنه سمع النبي ﷺ قال: "إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت". و [¬٧] قال عوف: "العيافة" زجر الطير. "والطرق" الخط يخط في الأرض، "والجبت" - قال الحسن- إنه [¬٨] الشيطان. وهكذا رواه أبو داود في سننه والنسائي، وابن أبي حاتم في تفسيرهما [¬٩] من حديث عوف الأعرابي به. وقد تقدم الكلام على "الطاغوت" في سورة البقرة بما [¬١٠] أغنى عن إعادته هاهنا.

стр. 1746

وقال ابن أبي حاتم (٥٤٧): حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله، أنه سئل عن الطواغيت فقال [¬١]: هم كهان تنزل عليهم الشياطين. وقال مجاهد: الطاغوت: الشيطان في سورة إنسان [¬٢]، يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم. وقال الإمام مالك: [] [¬٣] هو كل ما يعبد من دون الله . وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أي: يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم، وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم. وقد روى ابن أبي حاتم (٥٤٨)، حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرى، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال [¬٤]: جاء حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد. فقالوا: ما أنتم وما محمد. فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فنحن خير أم

стр. 1747

هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلًا. فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس وجماعة من السلف. وقال الإِمام أحمد (٥٤٩): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور [¬١] المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية. قال: أنتم يخر. قال: فنزلت فيهم: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ونزل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى ﴿نَصِيرًا﴾. و [¬٢] قال ابن إسحاق (٥٥٠): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وأبو رافع والربيع [بن الربيع] [¬٣] بن أبي الحقيق، وأبو عمار [¬٤] ووحوح بن عمار [¬٥] وهوذة [¬٦] بن قيس. فأما وحوح، وأبو عمار [¬٧] وهوذة [¬٨] فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش قالوا [¬٩]: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأول، فسلوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه،

стр. 1748

وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ إلى قوله : ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. وهذا لعن [¬١] لهم، وإخبار [¬٢] بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم وجاءوا معهم يوم الأحزاب، حتى حفر النبي صلى الله عليه: سلم وأصحابه حول المدينة الخندق، فكفى الله شرهم ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ يقول تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ وهذا استفهام إنكار، أي: ليس لهم نصيب من الملك، ثم وصفهم بالبخل، فقال: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ أي؛ لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لا أعطوا أحدًا من الناس، ولا سيما محمدًا ﷺ شيئًا ولا ما يملأ النقير، وهو النقطة التي في النواة، في قول ابن عباس والأكثرين. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي [¬٣] إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ أي: خوف [¬٤] أن يذهب ما بأيديكم، مع أنه لا يتصور نفاذه، وإنما هو من بخلكم وشحكم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ أي: بخيلًا. ثم قال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: بذلك حسدهم النبي ﷺ على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له؛ لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل.

стр. 1749

و [¬١] قال الطبراني (٥٥١): حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمى، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا قيس بن الربيع، عن السدي، عن عطاء، عن ابن عباس فى [¬٢] قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال ابن عباس: نحن الناس دون الناس، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أي: فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل الذين هم من ذرية إبراهيم النبوة، وأنزلنا عليهم الكتاب، وحكموا فيهم بالسنن، وهى الحكمة، وجعلنا منهم [¬٣] الملوك، ومع هذا ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: بهذا الإِيتاء وهذا [¬٤] الإنعام، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ أي: كفر به، وأعرض عنه، وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم أي [¬٥]: من بني إسرائيل، فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد، ولست من بني إسرائيل؟ وقال مجاهد: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾، فالكفرة منهم أشد تكذيبًا لك، وأبعد عما جئتهم به من الهدى، والحق المبين. ولهذا قال متوعدًا لهم: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته، وصد عن رسله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ

стр. 1750

كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾، أي: ندخلهم فيها دخولاً يحيط بجميع أجرامهم وأجزائهم. ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم فقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [قال الأعمش، عن ثوير، عن ابن عمر] [¬١]: إذا احترقت [¬٢] جلودهم بدلوا جلودًا غيرها [¬٣] بيضاء أمثال القراطيس. رواه ابن أبي حاتم (٥٥٢). وقال يحيى بن يزيد الحضرمي، أنه بلغه في قول الله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ الآية: قال يجعل للكافر مائة جلد بين كل جلدين لون من العذاب. رواه ابن أبي حاتم (٥٥٣). وقال ابن أبي حاتم (٥٥٤): حدثنا أبي، حدثنا على بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن، قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ قال: تنضجهم [¬٤] في اليوم سبعين ألف مرة. قال حسين: وزاد فيه فضيل، عن هشام، عن الحسن: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [¬٥] قيل لهم: عودوا، فعادوا. وقال أيضًا (٥٥٥): ذكر عن هشام بن عمار، حدثنا سعيد بن يحيى (يعني سعدان)، حدثنا yyy

стр. 1751

نافع مولى يوسف السلمي البصري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قرأ رجل عند عمر هذه الآية ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فقال عمر: أعدها على. فأعادها، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: تبدل في ساعة مائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله ﷺ . وقد رواه ابن مردويه، عن محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن عبدان بن محمد المروزي، عن هشام بن عمار - به. ورواه من وجه آخر بلفظ آخر فقال (٥٥٦): حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمران، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا نافع أبو هرمز، حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: تلا رجل عند عمر هذه الآية: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. الآية: قال: فقال عمر: أعدها [¬١] على. وثَمَّ كعب، فقال: يا أمير المؤمنين أنا عندي تفسير هذه الآية، قرأتها قبل الإسلام. قال: فقال: هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله ﷺ صدقناك وإلا لم ننظر إليها. فقال: إنى قرأتها قبل الإِسلام: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. ففال عمر: هكذا سمعت من رسول الله ﷺ . وقال الربيع بن أنس: مكتوب في الكتاب الأوّل: أن جلد أحدهم أربعون ذراعًا وسنه تسعون ذراعًا، وبطه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودًا غيرها.

стр. 1752

وقد ورد في الحديث ما هو أبلغ من هذا، فقال الإِمام أحمد (٥٥٧)، حدثنا وكيع، حدثنا أبو يحيى الطويل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبى ﷺ قال: "يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعًا، وإن ضرسه مثل أحد". تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقيل: المراد بقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: سرابيلهم. حكاه ابن جرير، وهو ضعيف؛ لأنه خلاف الظاهر. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن التى [تجري فيها] [¬١] الأنهار في جميع فجاجها، ومحالها [¬٢] وأرجائها حيث شاءوا، وأين أرادوا، وهم خالدون فيها أبدًا، لا يحولون ولا يزولون، ولا يبغون عنها حولًا. وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من الحيض والنفاس والأذى [والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة. كما قال ابن عباس: مطهرة من الأقذار والأذى] [¬٣]. وكذا قال عطاء والحسن والضحاك والنخعي وأبو صالح وعطية والسدي.

стр. 1753

وقال مجاهد: [مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد. وقال قتادة] [¬١]: مطهرة من الأذى والمآثم، ثم لا حيض ولا كلف. وقوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ أي: ظلاً عميقًا كثيرًا غزيرًا طيبًا أنيقًا. قال ابن جرير (٥٥٨): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، وحدثنا ابن المثنى [¬٢]، حدثنا ابن جعفر، قالا: حدثنا شعبة قال: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، شجرة الخلد". ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". رواه الإمام أحمد وأهل السنن (٥٥٩)، وهو [¬٣] يعم جميع الأمانات الواجبة على الإِنسان؛ من حقوق الله -عز

стр. 1754

وجل- على عباده، من [الصلاة، والزكاة] [¬١]، والصيام [¬٢]، والكفارات، والنذور، وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه لا يطع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض، كالودائع وغير ذلك، مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بنية [¬٣] على ذلك، فأمر الله بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لتؤدّن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء" (٥٦٠). وقال ابن أبي حاتم (٥٦١): حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي [¬٤]، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان [¬٥]، عن عبد الله بن مسعود قال: إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة، وإن كان قد قتل في سبيل الله، فيقال: أدِّ أمانتك. فيقول: وأنَّى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟ فتمثل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها، فيحملها على عاتقه، قال: فتنزل عن عاتقه، فيهوي [¬٦] على أثرها أبد الآبدين. قال زاذان [¬٧]: فأتيت البراء، فحدّثته، فقال: صدق أخي ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.

стр. 1755

وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن رجل، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: هي مبهمة للبر والفاجر. وقال محمد بن الحنفية: هي مُسْجَلَةٌ للبر والفاجر. وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه. وقال ابن أبي حاتم (٥٦٢): حدثنا أبو سعيد، حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة ائتمنت على فرجها. وقال الربيع بن أنس": هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: يدخل فيه وعظ السلطان النساء -يعني يوم العيد-. وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدرى حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان [بن طلحة] [¬١] بن أبي طلحة فكان معه لواء المشركين هم أحد، وقتل يومئذ كافرًا، وإنما نبهنا على هذا النسب لأن كثيرًا من المفسرين قد يشتبه عليه [¬٢] هذا بهذا، وسبب نزولها فيه، لما أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة ووم الفتح ثم رده عليه. وقال محمد بن إسحاق في غزوة الفتح (٥٦٣): حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله [] [¬٣] ابن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله ﷺ لما نزل بمكة واطمان الناس خرج حتى جاء إلى [¬٤] البيت، فطاف به سبعًا على راحلته يستلم الركن بمحجن في كده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن [] [¬٥] طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحه [¬٦] له،
следующие страницы →