← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

نافع مولى يوسف السلمي البصري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قرأ رجل عند عمر هذه الآية ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فقال عمر: أعدها على. فأعادها، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: تبدل في ساعة مائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله ﷺ . وقد رواه ابن مردويه، عن محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن عبدان بن محمد المروزي، عن هشام بن عمار - به. ورواه من وجه آخر بلفظ آخر فقال (٥٥٦): حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمران، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا نافع أبو هرمز، حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: تلا رجل عند عمر هذه الآية: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. الآية: قال: فقال عمر: أعدها [¬١] على. وثَمَّ كعب، فقال: يا أمير المؤمنين أنا عندي تفسير هذه الآية، قرأتها قبل الإسلام. قال: فقال: هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله ﷺ صدقناك وإلا لم ننظر إليها. فقال: إنى قرأتها قبل الإِسلام: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. ففال عمر: هكذا سمعت من رسول الله ﷺ . وقال الربيع بن أنس: مكتوب في الكتاب الأوّل: أن جلد أحدهم أربعون ذراعًا وسنه تسعون ذراعًا، وبطه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودًا غيرها.

стр. 1752

وقد ورد في الحديث ما هو أبلغ من هذا، فقال الإِمام أحمد (٥٥٧)، حدثنا وكيع، حدثنا أبو يحيى الطويل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبى ﷺ قال: "يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعًا، وإن ضرسه مثل أحد". تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقيل: المراد بقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: سرابيلهم. حكاه ابن جرير، وهو ضعيف؛ لأنه خلاف الظاهر. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن التى [تجري فيها] [¬١] الأنهار في جميع فجاجها، ومحالها [¬٢] وأرجائها حيث شاءوا، وأين أرادوا، وهم خالدون فيها أبدًا، لا يحولون ولا يزولون، ولا يبغون عنها حولًا. وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من الحيض والنفاس والأذى [والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة. كما قال ابن عباس: مطهرة من الأقذار والأذى] [¬٣]. وكذا قال عطاء والحسن والضحاك والنخعي وأبو صالح وعطية والسدي.

стр. 1753

وقال مجاهد: [مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد. وقال قتادة] [¬١]: مطهرة من الأذى والمآثم، ثم لا حيض ولا كلف. وقوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ أي: ظلاً عميقًا كثيرًا غزيرًا طيبًا أنيقًا. قال ابن جرير (٥٥٨): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، وحدثنا ابن المثنى [¬٢]، حدثنا ابن جعفر، قالا: حدثنا شعبة قال: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، شجرة الخلد". ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". رواه الإمام أحمد وأهل السنن (٥٥٩)، وهو [¬٣] يعم جميع الأمانات الواجبة على الإِنسان؛ من حقوق الله -عز

стр. 1754

وجل- على عباده، من [الصلاة، والزكاة] [¬١]، والصيام [¬٢]، والكفارات، والنذور، وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه لا يطع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض، كالودائع وغير ذلك، مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بنية [¬٣] على ذلك، فأمر الله بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لتؤدّن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء" (٥٦٠). وقال ابن أبي حاتم (٥٦١): حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي [¬٤]، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان [¬٥]، عن عبد الله بن مسعود قال: إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة، وإن كان قد قتل في سبيل الله، فيقال: أدِّ أمانتك. فيقول: وأنَّى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟ فتمثل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها، فيحملها على عاتقه، قال: فتنزل عن عاتقه، فيهوي [¬٦] على أثرها أبد الآبدين. قال زاذان [¬٧]: فأتيت البراء، فحدّثته، فقال: صدق أخي ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.

стр. 1755

وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن رجل، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: هي مبهمة للبر والفاجر. وقال محمد بن الحنفية: هي مُسْجَلَةٌ للبر والفاجر. وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه. وقال ابن أبي حاتم (٥٦٢): حدثنا أبو سعيد، حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة ائتمنت على فرجها. وقال الربيع بن أنس": هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: يدخل فيه وعظ السلطان النساء -يعني يوم العيد-. وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدرى حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان [بن طلحة] [¬١] بن أبي طلحة فكان معه لواء المشركين هم أحد، وقتل يومئذ كافرًا، وإنما نبهنا على هذا النسب لأن كثيرًا من المفسرين قد يشتبه عليه [¬٢] هذا بهذا، وسبب نزولها فيه، لما أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة ووم الفتح ثم رده عليه. وقال محمد بن إسحاق في غزوة الفتح (٥٦٣): حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله [] [¬٣] ابن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله ﷺ لما نزل بمكة واطمان الناس خرج حتى جاء إلى [¬٤] البيت، فطاف به سبعًا على راحلته يستلم الركن بمحجن في كده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن [] [¬٥] طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحه [¬٦] له،

стр. 1756

فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف [¬١] له الناس في المسجد. قال ابن إسحاق (٥٦٤): فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قام على باب الكعبة، فقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة، أو دم، أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج". وذكم بقية الحديث في خطة النبي ﷺ يومئذ، إلى أن قال: ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد، فقام إليه على بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك. فقال رسول الله ﷺ : "أين عثمان بن طلحة؟ ". فدعي له، فقال له: "هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم وفاء وبر". قال ابن جرير (٥٦٥): حدثني القاسم، حدثنا الحسين، عن [¬٢] حجاج، عن ابن جريج [في الآية] [¬٣]، قال نزلت في عثمان بن طلحة قبض منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة، فدخل في [¬٤] البيت سوم الفتح فخرج وهو يتلو هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية، فدعا عثمان إليه فدفع [¬٥] إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله ﷺ من الكعبة وهو يتلو هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فداه أبي وأمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك. حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري، قال دفعه إليه وقال: "أعينوه [¬٦] " (٥٦٦).

стр. 1757

وروى ابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة دعا عثمان بن طلحة بن أبى طلحة فلما أتاه قال: "أرني المفتاح". فأتاه به، فلما بسط يده إليه، قام إليه [¬١] العباس، فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجمعه لى مع السقاية، فكف عثمان يده، فقال رسول الله ﷺ "أرني المفتاح يا عثمان". فبسط يده يعطه، فقال العباس مثل كلمته الأولى، فكف عثمان يده، ثم قال رسول الله ﷺ : "يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر [فهاتني المفتاح] [¬٢] " فقال: هاك بأمانة الله. قال: فقام رسول الله ﷺ ففتح باب الكعبة، فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم ﵊ معه قداج يستقسم بها، ففال رسول الله ﷺ : "ما للمشركين قاتلهم الله، وما شأن إبراهيم وشأن القداح، ثم دعا بجفنة

стр. 1758

فيها ماء، فأخذ ماء فغمسه فيه، ثم غمس به تلك التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم، وكان في الكعبة [فألزقه في حائط الكعبة] [¬١]، ثم قال: "يا [¬٢] أيها الناس هذه القبلة". قال: ثم خرج رسول الله ﷺ فطاف بالبيت شوطا أو شوطين، ثم نزل عليه جبريل فيما ذكر لنا برد المفتاح، [ثم قال] [¬٣] رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ حتى فرغ من الآية". وهذا من المشهورات أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسواء كانت نزلت في ذلك أولا، فحكمها عام، ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: هي [¬٤] للبر والفاجر، أي: هي أمر لكل أحد. وقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس، ولهذا قال محمد بن كعب وزيد بن اً سلم وشهر بن حوشب: [إن هذه الآية] [¬٥] إنما نزلت في الأمراء، يعني: الحكام بين الناس. وفي الحديث: "إن الله مع الحاكم مما لم يجر، فإذا جار وكله الله إلى نفسه" وفي الأثر: "عدل يوم كعبادة أربعين سنة". وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: يأمركم به من أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة. وقولى تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي: سميعًا لأقوالكم، بصيرًا بأفعالكم. كما قال [¬٦] ابن أبي حاتم (٥٦٧): حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو يقرأ هذه الآية ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ يقول: "بكل شيء بصير". وقد قال ابن أبي حاتم (٥٦٨): أخبرنا يحيى بن عبدك القزويني، أنبأنا المقري -يعني أبا

стр. 1759

عبد الرحمن عبد الله بن يزيد -حدثنا حرملة- يعني ابن عمران التجيبي المصري- حدثني أبو يونس، سمعت أبا هريرة: يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا] ويضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، ويقول: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرأها ويضع إصبعيه [¬١]. وقال أبو زكريا: وصفه لنا المقري، ووضع أبو زكريا إبهامه اليمنى على عينه اليمنى، والتي تليها على الأذن اليمنى، وأرانا فقال: هكذا وهكذا [¬٢]. رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، وابن مردويه في تفسيره من حديث أبي عبد الرحمن المقري بإسناده نحوه. وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة، واسمه سليم بن جبير. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ قال البخاري (٥٦٩): حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا حجاج بن محمد [¬٣] الأعور، عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا

стр. 1760

الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ بعثه النبي ﷺ في سرية. وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من حديث رواية [¬١] حجاج بن محمد الأعور، به، وقال الترمذي: حديث [¬٢] حسن غريب، و [¬٣] لا نعرفه إلا من حديث ابن جريج. وقال الإِمام أحمد [] [¬٤] (٥٧٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، فلما خرجوا وجد عليهم في شيء، قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: فاجمعوا [¬٥] حطبًا. ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها. قال [¬٦]: [فَهَمَّ القوم أن يدخلوها] [¬٧]. قال [¬٨]: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها. قال: فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه. فقال لهم: "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف". أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به.

стр. 1761

وقال أبو داود (٥٧١): حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثني نافع، عن عبد الله ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". وأخرجاه من حديث يحيى القطان. وعن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله قال: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا [] [¬١] عندكم فيه من الله برهان". أخرجاه (٥٧٢). وفي الحديث الآخر عن أنس، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اسمعوا وأطيعوا، وان أمر عليكم [عبد حبشي] [¬٢] كأن رأسه زبيبة". رواه البخاري (٥٧٣). وعن أبي هريرة (٥٧٤) ﵁ قال: أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا حبشيًّا مُجَدّع [¬٣] الأطراف. رواه مسلم. وعن أُم الحصين، أنها سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع

стр. 1762

يقول: "ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا". رواه مسلم (٥٧٥)، وفي لفظ له: "عبدًا حبشيًّا مجذوعًا". وقال ابن جرير (٥٧٦): حدثنى على بن مسلم الطوسي، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عبد الله بن محمد بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ [قال: "سيليكم] [¬١] بعدىِ ولاة، فيليكم البر ببره ويليكم الفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق [¬٢]، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم".

стр. 1763

وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كانت بنو إسرائل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون" قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: "أوفوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم". أخرجاه (٥٧٧). وعن ابن عباس-﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية". أخرجاه (٥٧٨). وعن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من خلع يدًا من طاعة لقي اللَّه يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية". رواه مسلم (٥٧٩). وروى مسلم أيضًا (٥٨٠) عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس [] [¬١] مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه فقال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا، فمنا مز يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : [الصلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ ] [¬٢] فقال: "إنه لم يكن

стр. 1764

نبي من [¬١] قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، [وينذرهم شر ما يعلمه لهم] [¬٢]، وان أمتكم هذه جعلت [¬٣] عافيتها في أولها، وسيصيب [¬٤] آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرفق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: [هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن] [¬٥]: هذه هذه. فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" قال: فدنوت منه فقلت: أنشدك الله أأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال [¬٦]: سمعته أذناي؛ ووعاه قلبي. فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ قال [¬٧]: فسكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله؛ واعصه في معصية الله. والأحاديث في هذا كثيرة. وقال ابن جرير (٥٨١): حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أسباط، عن السدي [في قوله] [¬٨]: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: بعث رسول الله صلي الله تعالى عليه وآله وسلم سرية عليها [¬٩] خالد بن الوليد، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قبل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبًا منهم عرسوا، وأتاهم ذو العيينتين فأخبرهم،

стр. 1765

فأصبحوا وقد هربوا، غير رجل أمر [¬١] أهله فجمعوا [¬٢] متاعهم، ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل، حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر، فأتاه فقال: ياأبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت، فهل إسلامي نافعي غدًا وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفعك، فأقم. فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدًا غير الرجل فأخذه وأخذ ماله، فبلغ عمارًا الخبر، فأتى خالدًا فقال: خل عن الرجل، فإنه قد أسلم، وإنه في أمان مني. فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبَّا وارتفعا إلى النبي ﷺ فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير، فاستبَّا عند رسول الله ﷺ ، فقال خالد: يا رسول الله، أتترك هذا العبد الأجدع يسبني. فقال رسول الله ﷺ : "يا خالد، لا تسب عمارًا، فإنه من سب عمارًا يسبه الله؛ ومن [يبغض عمارًا] [¬٣] يبغضه الله [¬٤]؛ ومن يلعن عمارًا يلعنه [¬٥] اللَّه". فغضب عمار فقام، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه، فرضي عنه، فأنزل الله قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عن السدي مرسلا، ورواه ابن مردويه من رواية الحكم بن ظهير، عن السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فذكره بنحوه، والله أعلم. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: أهل الفقه والدين. وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصري وأبو العالية ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: العلماء. والظاهر والله أعلم أنها [¬٦] عامة في [¬٧] كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء كما تقدم. وقد قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وَفي الحديث الصحيح المتفق [على صحته] [¬٨] عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصانى" (٥٨٢).

стр. 1766

فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتبعوا كتابه ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: خذوا بسنته ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي: فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما تقدم في الحديث الصحيح (٥٨٣): " إنما الطاعة في المعروف". وقال الإِمام أحمد (٥٨٤): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أبى مراية، عن [] [¬١] عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: "لا طاعة في معصية الله". وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله- بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا [¬٢] له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فدل على أن من لم [¬٣] يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر. وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع في فصل النزاع إليهما ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: وأحسن عاقبة ومآلا، كما قاله السدي وغير واحد. وقال مجاهد: و [¬٤] أحسن جزاء. وهو قريب. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا

стр. 1767

بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ هذا إنكار من الله -عز رجل- على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد [أن يتحاكم] [¬١] في فصل الخصومات [¬٢] إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار، ورجل من اليهود تخاصما فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد. وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل: في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله؛ فإنها ذامّه لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما [¬٣] سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا ولهذا قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾. [وقوله: ﴿و] [¬٤] يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي: يعرضون عنك إعراضًا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا [¬٥] عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [وهؤلاء] [¬٦] بخلاف المؤمنين الذين قال اللَّه فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ثم قال تعالى في ذم المنافقين: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي:

стр. 1768

فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرفهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أي: يعتذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى أعدائك [¬١] إلا الإِحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقادًا منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرَ تعالى عنهم في قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [إلى قوله] [¬٢]: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. وقد قال الطبراني (٥٨٥): حدثنا أبو زيد أحمد بن يزيد الحوطي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو [¬٣]، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم] [¬٤]، وسيجزيهم على ذلك؛ فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم. ولهذا قال له: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تعنفهم على ما في قلوبهم ﴿وَعِظْهُمْ﴾ اي: وانههم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا

стр. 1769

وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ أي: فرضت طاعته على من أرسله اليهم. وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال مجاهد: أي: لا يطيع أحد الا بإذني، يعني: لا يطيعهم الا من وفقته لذلك. كقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أي: عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ الآية [¬١] يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقعٍ منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ﷺ فيستغفروا اللَّه عنده ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب اللَّه عليهم ورحمهم وغفر لهم، ولهذا قال: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه "الشامل" الحكاية المشهورة عن العتبي قال: كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ ، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد جئتك مستغفرًا لذنبي مستشفعًا بك إلى ربي. ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهنّ القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني، فرأيت النبي ﵌ فى النوم فقال: "يا عُتَبِى الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له". وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ فى جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له [باطنا وظاهر] [¬٢]. ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: إذا حكموك يطعونك في بواطنهم، فلا يجدون [¬٣] في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون [¬٤] له في الظاهر

стр. 1770

والباطن [¬١]، فيسلمون [¬٢] لذلك تسليمًا كليًّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث (٥٨٦): " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". وقال البخاري (٥٨٧): حدثنا على بن عبد الله، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة قال: خاصم الزبير رجلًا في شريج من الحرة، فقال النبي ﷺ : "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك". فقال الأنصاري: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه زسلم ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك". فاستوعى [¬٣] النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما ﷺ بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآية [¬٤] إلا نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [¬٥].

стр. 1771

وهكذا رواه البخاري هاهنا، أعني في كتاب "التفسير" من [¬١] صحيحه من حديث معمر، و [¬٢] في كتاب "الشرب" من حديث ابن جريج ومعمر أيضا، وفي كتاب "الصلح" من حديث شعيب بن أبي حمزة ثلاثتهم عن الزهري، عن عروة فذكره، وصورته صورة الإرسال، وهو متصل في المعنى، وقد رواه الإِمام أحمد (٥٨٨) من هذا الوجه فصرح بالإرسال فقال: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أنَّ الزبير كان يحدث أنه كان يخاصم رجلًا من الأنصار فد شهد بدرًا إلى النبي ﷺ في شراج الحرة، كانا يسقيان بها كلاهما فقال النبي ﷺ للزبير: "اسق ثم أرسل إلى جارك". فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر". فاستوعى النبي ﷺ للزبير حقه، وكان النبي ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ [¬٣] الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم. [ثم قال] [¬٤]: قال عروة: فقال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا

стр. 1772

يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. هكذا رواه الإِمام أحمد، وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير؛ فإنه لم بسمع منه، والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله، فإن أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رواه كذلك في تفسيره، فقال (٥٨٩): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثنا الليث ويونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، أن عبد الله بن الزبير حدثه، عن الزبير بن العوام، أنه خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرا مع النبي ﷺ إلى رسول الله ﷺ في شراج في الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر. فأبى عليه الزبير [¬١]، فقال رسول الله ﷺ : "اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك". فغضب الأنصاري، وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر". واستوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وهكذا رواه النسائي من حديث ابن وهب، به. ورواه أحمد والجماعة كلهم من حديث الليث به (٥٩٠)، وجعله أصحاب الأطراف في مسند عبد الله بن الزبير، وكذا ساقه الإِمام

стр. 1773

أحمد في مسند عبد الله بن الزبير. والله أعلم. والعجب كل العجب من الحاكم أبي عبد الله النيسابوري؛ فإنه روى هذا الحديث (٥٩١) من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير، فذكره ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فإني لا أعلم أحدًا أقام بهذا الإِسناد عن الزهري بذكر عبد الله بن الزبير غير ابن أخيه، وهو عنه ضعيف. وقال [] [¬١] أبو بكر بن مردويه (٥٩٢): حدثنا محمد بن علي أبو دحيم، حدثنا أحمد بن

стр. 1774

حازم، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا ابن عيينة، عن عمر: بن دينار، عن سلمة- رجل من آل أبي سلمة- قال: خاصم الزبير رجلًا إلى النبي ﷺ ، فقضى للزبير، فقال الرجل له [¬١]: إنما قضى له لأنه ابن عمته. فنزلت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ الآية. وقال ابن أبي حاتم (٥٩٣): حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو حيوة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، في قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [] [¬٢] قال: نزلت [¬٣] فى الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء فقضى النبي ﷺ أن يسقي الأعلى ثم الأسفل. هذا مرسل، ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري. ذكر سبب آخر غريب جدًّا قال ابن أبي حاتم (٥٩٤): حدثنا يونس بن عبد الأعلى. قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ فقضى

стр. 1775

بينهما، [فقال الذي قضى عليه] [¬١]: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ : "نعم [¬٢]، انطلقا إليه" فلما أتيا اليه قال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله ﷺ على هذا، فقال: ردنا إلى عمر بن الخطاب. فردنا إليك، فقال: أكذاك؟ قال [¬٣]: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما. فخرج إليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر، فارًّا إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قتل عمر والله [¬٤] صاحبي ولولا [¬٥] أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله ﷺ : "ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن". فأنزل الله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فأنزل [¬٦]: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ الآية. وكذا رواه ابن مردويه من طربق ابن لهيعة، عن أبي الأسود به. وهو أثر غريب وهو [¬٧] مرسل، وابن لهيعة ضعيف والله أعلم. (طريق أخرى): قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في تفسيره (٥٩٥): حدثنا شعيب بن شعيب، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عتبة بن ضمرة، حدثني أبي، أن رجلين اختصما [إلى النبي] [¬٨] ﷺ فقضى للمحق على المبطل،

стр. 1776

فقال المقضي عليه: لا أرضى فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق. فذهبا اليه، فقال الذي قضى له: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي. فقال أبو بكر: أنتما [¬١] على ما قضى به رسول الله ﷺ . فأبى صاحبه أن يرضى، فقال: نأتي عمر بن الخطاب، فأتياه. فقال المقضي له [¬٢]: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي عليه، فأبى أن يرضى، فسأله عمر بن الخطاب فقال: كذلك، فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله فضرب به رأس الذى أبى أن يرضى فقتله، فأنزل الله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ يخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبونه من المناهي لما فعلوه؛ لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر، وهذا من علمه ﵎ بما لم يكن أو كان فكيف كان يكون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾. قال ابن جرير [¬٣] (٥٩٦): حدثني المثنى، حدثنى إسحاق حدثنا أبو زهير [¬٤]، عن إسماعيل، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: لما نزلت ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ الآية؛ قال رجل: لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: "إن من أمتي لرجالًا الإِيمان أثبت في قلوبهم من

стр. 1777

الجبال الرواسي". وقال ابن أبي حاتم (٥٩٧): حدثنا جعفر بن منير، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن الحسن، قال: لما [¬١] نزلت [] [¬٢]: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، قال أناس من أصحاب النبي ﷺ : لو فعل ربنا لفعلنا. فبلغ النبي ﷺ فقال: "للإِيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي". وقال السدي: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا، فقال ثابت: والله لو كتب علينا ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لفعلنا [¬٣]. فأنزل الله هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم (٥٩٨). وقال ابن أبي حاتم (٥٩٩): حدثنا أبي، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا بشر بن السري، حدثنا مصعب بن ثابت، عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير، فال: لما نزلت ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو نزلت لكن [¬٤] ابن أم عبد منهم". وحدثنا أبي (٦٠٠)، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن

стр. 1778

شريح بن عبيد، قال: لما تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [¬١]، أشار رسول الله ﷺ بيده إلى عبد الله بن رواحة [فقال: "لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل" يعني ابن رواحة] [¬٢]. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به، وتركوا ما ينهون عنه ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: من مخالفة الأمر وارتكاب النهي. ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ قال السدي. أي: وأشد تصديقًا ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا] [¬٣] ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي: من عمل بما أمره الله به [¬٤] ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقًا للأنبياء، ثم من بعدهم في الرتبة وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم. ثم أثنى عليهم تعالى، فقال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. و [¬٥] قال البخاري (٦٠١): حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة". وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته [¬٦] بحة شديدة، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ فعلمت أنه خُيِّر. وكذا رواه مسلم من حديث شعبة عن سعد بن إبراهيم - به.

стр. 1779

وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الآخر (٦٠٢): " اللهم في الرفيق الأعلى". ثلاثًا، ثم قضى. عليه أفضل الصلاة والتسليم. (ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة) قال ابن جرير [¬١] (٦٠٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ : "يا فلان؛ ما لي أراك محزونًا". فقال: يا نبي الله؛ شيء فكرت فيه. فقال: "ما هو؟ " قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، و [¬٢] غدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يردّ عليه [¬٣] النبي ﷺ شيئًا، فأتاه جبريل بهذه الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. فبعث النبي ﷺ فبشره. وقد روي هذا الأثر مرسلًا عن مسروق وعن [¬٤] عكرمة وعامر الشعبي وقتادة وعن الربيع ابن أنس، وهو من أحسنها سندًا [¬٥]. قال [¬٦] ابن جرير (٦٠٤): حدّثنا المثنى، [ثنا إسحاق] (*) ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية، قال: إن أصحاب النبي ﷺ قالوا: قد علمنا أن النبي ﷺ له فضل على من آمن به في درجات

стр. 1780

الجنة ممن اتبعه وصدّقه، وكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضًا؟ فأنزل الله في ذلك يعني هذه الآية، فقال -يعني رسول الله ﷺ : "إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم، فيجتمعون في رياضها [¬١]، فيذكرون ما أنعم الله عليهم، ويثنون عليه، [وينزل لهم] [¬٢] أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه". وقد روي مرفوعًا من وجه آخر، فقال أبو بكر بن مردويه (٦٠٥): حدثنا عبد الرحيم بن محمد ابن مسلم، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؟ إنك لأحب إلى من نفسي، وأحب إلي من أهلى، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا فى خلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم ود عليه النبي ﷺ حتى نزلت عليه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه "صفة الجنة" من طريق الطبراني، عن أحمد بن عمرو بن مسلم الخلال، عن عبد الله بن عمران العابدي، به، ثم قال: لا أرى بإسناده بأسًا. والله أعلم. وقال ابن مردويه أيضًا (٦٠٦): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي،

стр. 1781

حدثنا [أبو بكر بن ثابت بن عباس البصري]، حدثنا خالد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن عامر الشعبي، عن ابن عباس، أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إني لأحبك، حتى إني لأذكرك في المنزل فيشق ذلك على، وأحب أن أكون معك في الدرجة. فلم ورد عليه النبي ﷺ شيئًا؛ فأنزل الله- [هذه الآية] [¬١]. وقد رواه ابن جرير (٦٠٧)، عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، عن الشعبي مرسلاً. وثبت في صحيح مسلم (٦٠٨) من حديث هقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ربيعة بن كعب الأسلمي، أنه قال: كنت أبيت عند النبي ﷺ فأتيته بوضوئه [¬٢] وحاجته. فقال لي: "سل". فقلت: يا رسول الله؛ أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: "أو غير ذلك". قلت: هو ذاك. قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود". وقال الإِمام أحمد (٦٠٩): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبيد [¬٣] الله بن أبي جعفر، عن عيسى بن طلحة، عن عمرو بن مرة الجهني، قال: جاء رجل إلى النبي صلي

стр. 1782

الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان. فقال رسول الله ﷺ : "من مات على ذلك [¬١]، كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا -ونصب أصبعيه- ما لم يعق والديه". تفرد به أحمد. قال [¬٢] الإمام أحمد أيضًا [¬٣] (٦١٠): حدثنا أبو سعيد مولي أبي هاشم، حدثنا ابنٍ لهيعة، عن زبان [¬٤] بن فَائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ ألف آية في سبيل الله كتِب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، إن شاء الله".

стр. 1783

وروى الترمذي (٦١١) من طريق سفيان الثوري، عن أبي حمزة، عن الحسن البصري، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء". ثم قال: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو حمزة اسمه عبد الله بن

стр. 1784

جابر، شيخ بصري. واُعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحاح [¬١] والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة (٦١٢) عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم فقال: "المرء مع من أحب". قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث. وفي رواية (٦١٣) عن أنس أنه قال: إنى لأحب [¬٢] رسول الله ﷺ وأحب [¬٣] أبا بكر وعمر ﵄، وارجو أُن يبعثني الله معهم، وإن لم أعمل كعملهم. قال [¬٤] الإِمام مالك بن أنس (٦١٤)، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، [قال: قال] [¬٥] رسول الله ﷺ [] [¬٦]: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم [¬٧]، كما تتراءون [¬٨] الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم". قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: "بلي، والذي نفسى بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين". أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك واللفظ [¬٩] لمسلم. قال [¬١٠] الإِمام أحمد [ابن حنبل] (٦١٥): حدثنا فزارة، أخبرني فليح، عن هلال -يعني ابن

стр. 1785

علي- عن عطاء، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون -أو ترون- الكوكب الدري الغارب في الأفق و [¬١] الطالع في تفاضل الدرجات". قالوا: يا رسول الله! أولئك النبيون. قال: "بلي، والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين". قال الحافظ الضياء المقدسي: هذا الحديث على شرط البخاري، والله أعلم. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير (٦١٦): حدثنا على بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدَّثنا [¬٢] [على بن عفيف بن سالم] [¬٣]، عن أيوب بن [¬٤] عتبة، عن عطاء، عن ابن عمر قال: أتى رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ يسأله، فقال له رسول الله ﷺ : "سل واستفهم". فقال: يا رسول الله؟ فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة. [ثم قال] [¬٥]، أفرأيت إن آمنت بمثل ما آمنت به، وعملت بما [¬٦] عملت به، إني لكائن معك في الجنة؟ قال [رسول الله ﷺ ] [¬٧] "نعم، [والذي نفسي بيده أنه ليضيء بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام"] [¬٨]. قال: ثم قال رسول الله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله كان له بها عهد عند

стр. 1786

الله، ومن قال سبحان الله وبحمده كتب له بها [¬١] مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة" فقال رجل: كيف نهلك بعدها يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله، فتقوم النعمة من نعم الله فتكاد أن تستنفد ذلك كله، إلا أن يتغمده [¬٢]، الله برحمته". ونزلت هذه السورة [¬٣]: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ إلى قوله: ﴿نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ فقال الحَبشي: وإن عيني لتريان ما ترى عيناك في الجنة؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم". فاستبكي حتى فاضت نفسه. قال ابن عمر: فلقد [¬٤] رأيت رسول الله ﷺ يدليه في حفرته بيديه. فيه غرابة ونكارة، وسنده ضعيف. ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عند الله برحمته و [¬٥] هو الذي أهلهم لذلك، لا بأعمالهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا﴾

стр. 1787

عَظِيمًا (٧٤)﴾. يأمر تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد، وتكثير العدد بالنفير في [سبيل الله] [¬١]. ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية، والثبات جمع ثبة، وقد تجمع الثبة على ثبين. قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ أي: عصبا، يعني سرايا متفرقين. ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يعني كلكم. وكذا روي عن مجاهد: عكرمة والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وخصيف الجزري. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ قال مجاهد وغير واحد: نزلت في المنافقين. و [¬٢] قال مقاتل بن حيان: ﴿لَيُبَطِّئَنّ﴾ أي: ليتخلفن عن الجهاد. ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو فى نفسه ويبطئ غيره عن الجهاد، كما كان عبد الله ابن أبي ابن سلول قبحه الله يفعل، يتأخر عن الجهاد، ويثبط الناس عن الخروج فيه، وهذا قول ابن جريج وابن جرير، ولهذا قال تعالى إخبارا عن المنافق: إنه يقول إذ تأخر عن الجهاد: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: قتل وشهادة وغلب العدو لكم لما لله في ذلك من الحكمة ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي: إذ لم أحضر معهم وقعة القتال، يعد ذلك من نعم الله عليه، [ولم يدر] [¬٣] ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: نصر وظفر وغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ [¬٤] كَأَنْ لَمْ تَكُنْ [¬٥] بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أي: كأنه ليس من أهل دينكم ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي: بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه، وهو أكبر قصده وغاية مراده. ثم قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ أي: المؤمن النافر ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

стр. 1788

بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا، وما ذلك [¬١] إلا لكفرهم وعدم إيمانهم. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [أي: كل من قاتل فى سبيل الله سواء] [¬٢] قتل أو غلب [] [¬٣] فله عند الله مثوبة عطمة وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين (٦١٧). وتكفل الله للمجاهد فى سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه [نائلاً ما] [¬٤] نال من أجر أو غنيمة. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾ يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله وعلي السعي فى استنقاذ [¬٥] المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين [من المقام] [¬٦] بها، ولهذا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعني: مكة، كقوله [¬٧] تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾. ثم وصفها بقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ أي سخر لنا من عندك وليًّا وناصرًا. قال البخاري (٦١٨): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن [¬٨] عبيد الله، قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين.

стр. 1789

حدثنا سليمان [بن حرب] [¬١]، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، أن ابن العباس [¬٢] تلا: ﴿إلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله -عز رجل-. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ أي: المؤمنون يقاتلون فى طاعة الله ورضوانه، والكافررن يقاتلون فى طاعة الشيطان. ثم هيج تعالى المؤمنين على قتال أعدائه بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.

стр. 1790

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين [¬١] بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، لكن كانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين، والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال؛ ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة؛ منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء لائقًا [¬٢] [] [¬٣] فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلَّا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه جزع بعضهم منه وخافوا من مواجهة النَّاس خوفًا شديدًا ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: [لو ما] [¬٤] أخرت فريضته [¬٥] إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويُتْمَ الأبناء [¬٦]، وتأَيّمَ النساء. وهذه الآية [في معنى] [¬٧] قوله [¬٨] تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ
следующие страницы →