← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

الله، ومن قال سبحان الله وبحمده كتب له بها [¬١] مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة" فقال رجل: كيف نهلك بعدها يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله، فتقوم النعمة من نعم الله فتكاد أن تستنفد ذلك كله، إلا أن يتغمده [¬٢]، الله برحمته". ونزلت هذه السورة [¬٣]: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ إلى قوله: ﴿نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ فقال الحَبشي: وإن عيني لتريان ما ترى عيناك في الجنة؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم". فاستبكي حتى فاضت نفسه. قال ابن عمر: فلقد [¬٤] رأيت رسول الله ﷺ يدليه في حفرته بيديه. فيه غرابة ونكارة، وسنده ضعيف. ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عند الله برحمته و [¬٥] هو الذي أهلهم لذلك، لا بأعمالهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا﴾

стр. 1787

عَظِيمًا (٧٤)﴾. يأمر تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد، وتكثير العدد بالنفير في [سبيل الله] [¬١]. ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية، والثبات جمع ثبة، وقد تجمع الثبة على ثبين. قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ أي: عصبا، يعني سرايا متفرقين. ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يعني كلكم. وكذا روي عن مجاهد: عكرمة والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وخصيف الجزري. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ قال مجاهد وغير واحد: نزلت في المنافقين. و [¬٢] قال مقاتل بن حيان: ﴿لَيُبَطِّئَنّ﴾ أي: ليتخلفن عن الجهاد. ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو فى نفسه ويبطئ غيره عن الجهاد، كما كان عبد الله ابن أبي ابن سلول قبحه الله يفعل، يتأخر عن الجهاد، ويثبط الناس عن الخروج فيه، وهذا قول ابن جريج وابن جرير، ولهذا قال تعالى إخبارا عن المنافق: إنه يقول إذ تأخر عن الجهاد: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: قتل وشهادة وغلب العدو لكم لما لله في ذلك من الحكمة ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي: إذ لم أحضر معهم وقعة القتال، يعد ذلك من نعم الله عليه، [ولم يدر] [¬٣] ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: نصر وظفر وغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ [¬٤] كَأَنْ لَمْ تَكُنْ [¬٥] بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أي: كأنه ليس من أهل دينكم ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي: بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه، وهو أكبر قصده وغاية مراده. ثم قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ أي: المؤمن النافر ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

стр. 1788

بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا، وما ذلك [¬١] إلا لكفرهم وعدم إيمانهم. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [أي: كل من قاتل فى سبيل الله سواء] [¬٢] قتل أو غلب [] [¬٣] فله عند الله مثوبة عطمة وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين (٦١٧). وتكفل الله للمجاهد فى سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه [نائلاً ما] [¬٤] نال من أجر أو غنيمة. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾ يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله وعلي السعي فى استنقاذ [¬٥] المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين [من المقام] [¬٦] بها، ولهذا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعني: مكة، كقوله [¬٧] تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾. ثم وصفها بقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ أي سخر لنا من عندك وليًّا وناصرًا. قال البخاري (٦١٨): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن [¬٨] عبيد الله، قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين.

стр. 1789

حدثنا سليمان [بن حرب] [¬١]، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، أن ابن العباس [¬٢] تلا: ﴿إلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله -عز رجل-. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ أي: المؤمنون يقاتلون فى طاعة الله ورضوانه، والكافررن يقاتلون فى طاعة الشيطان. ثم هيج تعالى المؤمنين على قتال أعدائه بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.

стр. 1790

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين [¬١] بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، لكن كانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين، والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال؛ ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة؛ منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء لائقًا [¬٢] [] [¬٣] فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلَّا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه جزع بعضهم منه وخافوا من مواجهة النَّاس خوفًا شديدًا ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: [لو ما] [¬٤] أخرت فريضته [¬٥] إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويُتْمَ الأبناء [¬٦]، وتأَيّمَ النساء. وهذه الآية [في معنى] [¬٧] قوله [¬٨] تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ

стр. 1791

فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾ الآيات. قال ابن أبي حاتم (٦٢٠): حدّثنا على بن الحسين، حدّثنا محمَّد بن عبد العزيز بن [¬١] أبي رزمة وعلى بن زنجة؛ قالا: حدّثنا على بن الحسن، عن الحسين بن واقد [¬٢]، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النَّبيُّ ﷺ بمكة فقالوا: يا نبي الله، كُنَّا في عز [¬٣] ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال: "إنِّي أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم". فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال، فكفوا، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية. ورواه النَّسائيّ والحاكم وابن مردويه من حديث على بن الحسن بن شقيق، به. وقال أسباط، عن السدي: لم يكن عليهم إلَّا الصَّلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، فلما كتب [¬٤] عليهم القتال ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الموت. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾. وعن مجاهد: أن هذه الآيات نزلت في اليهود. رواه ابن جرير (٦٢١). وقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: آخرة المتقي خير من دنياه. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: من أعمالكم، بل توفونها أتم الجزاء. وهذه تسلية لهم عن الدُّنيا، وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد. وقال ابن أبي حاتم (٦٢٢): حدّثنا أبي، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدّثنا

стр. 1792

عبد الرحمن [¬١] ابن مهدي، حدّثنا حماد بن زيد، عن هشام قال: قرأ الحسن ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ قال: رحم الله عبداً صحبها على حسب ذلك، وما الدُّنيا كلها أودها وآخرها إلا كرجل نام نومة [¬٢] فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه. وقال ابن معين: كان أبو مُشهر ينشد: ولا خيرَ في الدُّنيا لمن لم يكن له … منَ الله في دار المقام نصيبُ فإنْ تُعجِبِ الدُّنيا رجالاً فإنها … متاعٌ قليل والزَّوال قريب وقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ [¬٣] الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: أنتم صائرون إليَّ الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد منكم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ والمقصود، أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا ينجيه من ذلك شيء، [وسواء عليه] [¬٤] جاهد أو لم يجاهد؛ فإن له أجلًا محتومًا، وأمداً [¬٥] مقسومًا، كما قال خالد بن الوليد حين جاءه الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفًا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء. وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: حصينة منيعة عالية رفيعة. وقيل: هي بروج في السماء. قاله السدي، وهو ضعيف، والصحيح أنها المنيعة، أي: لا يغني حذر وتحصن من الموت، كما قال [زهير بن أبي سلمى] [¬٦]: ومَنْ هاب [¬٧] أسبابَ المنية يَلْقَها … ولو رام أسبابَ السماء بسُلَّمِ ثم قيل [¬٨]: المشيدة هي المشيدة، كما قال ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ وقيل: بل بينهما فرق، وهو أن المشيدة بالتشديد هي المطوّلة، وبالتخفيف هي المزينة بالشيد، وهو الجص. وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم (٦٢٣) ها هنا حكاية مطوّلة عن مجاهد أنَّه ذكر أن امرأة فيمن

стр. 1793

كان قبلنا أخذها الطلق، فأمرت أجيرها أن يأتيها بنار، فخرج فإذا هو برجل واقف على الباب، فقال: ما ولدت المرأة؟ فقال: جارية. فقال: أما إنَّها [¬١] ستزني بمائة رجل ثم يتزوّجها أجيرها ويكون موتها بالعنكبوت. قال فكرّ راجعًا فبعج بطن [¬٢] الجارية بسكين [] [¬٣] فشقه، ثم ذهب هاربًا وظنّ أنَّها قد ماتت، فخاطت أمّها بطنها فبرئت وشبت وترعرعت ونشأت أحسن امرأة ببلدتها، فذهب ذاك الأجير [¬٤] ما ذهب ودخل البحور فاقتنى أموالاً جزيلة، ثم رجع إلى بلده وأراد التزويج فقال لعجوز: أريد أن أتزوّج بأحسن امرأة بهذه البلدة. فقالت له [¬٥]: ليس ها هنا [¬٦] أحسن من فلانة. فقال: اخطبيها على. فذهبت إليها، فأجابت فدخل بها، فأعجبته إعجابا شديدًا، فسألته من أمره ومن أين مقدمه فأخبرها خبره وما كان من أمره في هربه [¬٧]، فقالت: أنا هي. وأرته مكان السكين. فتحقق ذلك، فقال: لئن كنت إياها فلقد أخبرتني [¬٨] باثنتين لابد منهما؛ إحداهما أنك قد زنيت بمائة رجل. فقالت: لقد كان شيء من ذلك ولكن لا أدري ما عددهم. فقال: هم مائة، والثانية [¬٩] أنك تموتين بالعنكبوت. فاتخذ لها قصرًا منيعًا شاهقًا ليحرزها من ذلك، فبينما هم يوماً إذا [¬١٠] بالعنكبوت في السقف، فأراها إياها، فقالت: أهذه التى تحذرها على، والله لا يقتلها إلَّا أنا. فأنزلوها من السقف فعمدت إليها فوطئتها [¬١١] بإبهام رجلها فقتلتها [¬١٢]، فطار [¬١٣] من سمها شيء فوقع بن ظفرها ولحمها فاسودّت [¬١٤] رجلها، وكان [¬١٥] في ذلك أجلها فماتت [¬١٦].

стр. 1794

ونذكر [¬١] ها هنا قصَّة صاحب الحضر وهو الساطرون لما احتال عليه سابور حتَّى حصره [¬٢] فيه [¬٣] وقتل من فيه بعد محاصرة سنتين، وقالت العرب في ذلك أشعارًا منها: وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ … لة تجبى إليه والخابورُ شاده مرمرًا وجد له كلـ … سا فللطير في ذراه وُكورُ لم تهبه أيدي المنون فباد إلـ … ملكُ عنه فبابُه مهجورُ ولما دخل على عثمان جعل يقول: اللَّهم اجمع أمّة محمَّد. ثم تمثل بقول الشَّاعر: أرى الموت لا يبقي عزيزًا ولم يدع … لعاد ملاذًا في البلاد ومربعا يبيِّت أهل الحصن والحصن مغلق … ويأتي الجبال في شماريخها معًا [¬٤] [قال ابن هشام: وكان كسرى سابور ذو الأكتاف قتل الساطرون ملك الحضر، وقال ابن هشام: إن الذي قتل صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أوّل ملوك بني ساسان، وأذل ملوك الطوائف، وردّ الملك إلى الأكاسرة، فأمَّا سابور ذو الأكتاف فهو من بعد ذلك بزمن طويل، والله أعلم. ذكره السهيلي. قال ابن هشام: فحصره سنتين، وذلك لأنَّه كان أغار على بلاد سابور في غيبته وهو في العراق، وأشرفت بنت الساطرون وكان اسمها النضيرة، فنظرت إلى سابور، وعليه ثياب ديباج، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ فدست إليه أن تتزوّجني إن فتحت لك باب الحصن. فقال: نعم. فلما أمسى ساطرون شرب حتَّى سكر وكان لا يبيت إلَّا سكران، فأخذت مفاتيح باب الحصن من تحت رأسه فبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب، ويقال دلتهم على طلسم كان في الحصن، لا يفتح حتَّى تؤخذ حمامة ورقاء، فتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم ترسل فإذا وقعت على سور الحصن سقط ذلك ففتح الباب، ففعل ذلك فدخل سابور فقتل ساطرون واستباح الحصن وخرّبه، وسار بها معه وتزوّجها، فبينما هي نائمة على فراشها إذ جعلت تتململ لا تنام، فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد فيه ورقة آس، فقال لها سابور: هذا الذي أسهرك فما كان أبوك يصنع بك؟ قالت: كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير، ويطعمني المخ، ويسقيني الخمر. قال الطبري: كان يطعمني المخ والزبد، وشهد أبكار النحل، وصفو الخمر. وذكر أنَّه كان

стр. 1795

يرى مخ ساقها. قال: فكان جزاء أبيك ما صنعت به، أنت إلى بهذا أسرع. ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس فركض الفرس حتَّى قتلها، وفيه يقول عدي بن زيد العبادي أبياته المشهورة السائرة: أيها الشامت المعير بالدهـ … ر أأنت المبرأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الأيَّـ … ام بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون خلد أم من … ذا عليه من أن يضام خفير أين كسرى كسرى الملوك أنوشر … وإن أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرام ملوك إلـ … روم لم يبق منهم مذكور وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ … لة تحبى إليه والخابور شاده مرمرًا وجد له كلـ … سًا فللطير في ذراه وكور لم تهبه أيدي المنون فباد إلـ … ملك عنه فبابه مهجور وتذكر رب الخورنق إذ أشر … ف يوماً وللهدى تفكير سره ماله وكثرة ما يمـ … لك والبحر معرضًا والسدير فارعوى قلبه وقال فما غبـ … طة حي إليَّ الممات يصير ثم أضحوا كأنهم ورق جف … فألوت به الصبا والدبور ثم بعد الفلاح والملك والأمـ … ة وارتهم هناك القبور] [¬١] وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: خصب ورزق، من ثمار وزروع وأولاد وغير [¬٢] ذلك، هذا معنى قول ابن عباس وأبي العالية والسدي ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع، أو موت أولاد أو نتاج، أو غير ذلك؛ كما يقول أبو العالية والسدي، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: من قبلك، وبسبب اتباعنا لك، واقتدائنا بدينك، كما قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الآية، وهكذا قال هؤلاء المنافقون الذين دخلوا في الإِسلام ظاهرًا وهم كارهون له في نفسه، الأمر، ولهذا إذا أصابهم شر إنَّما يسندونه إلى اتباعهم للنبي، ﷺ . وقال السدّي: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ قال: والحسنة الخصب، تنتج مواشيهم وِخيولهم وأنعامهم، ويحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان، قالوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، والسيئة: الجدب والضرر في

стр. 1796

أموالهم - تشاءموا بمحمد ﷺ ، وقالوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، يقولون: بتركنا ديننا واتباعنا محمدًا أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله : ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [] [¬١] أي: الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البر والفاجر والمؤمن والكافر. قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: الحسنة والسيئة وكذا قال الحسن البصري. ثم قال تعالى منكرًا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾. ذكر حديث غريب يتعلق بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. قال الحافظ أبو بكر البزار (٦٢٤): حدّثنا السكن بن سعيد، حدّثنا عمر بن يونس، حدّثنا إسماعيل بن حماد، عن مقاتل بن حيان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ قال: كُنَّا جلوسًا عند رسول الله، ﷺ ، فأقبل [¬٢] أبو بكر وعمر في قبيلتين من النَّاس، وقد ارتفعت أصواتهما، فجلس أبو بكر قربها من النَّبيُّ، ﷺ ، وجلس عمر قريبًا [عن أبي بكر] [¬٣]، فقال رسول الله، ﷺ : "لم ارتفعت أصواتكما؟ "، فقال رجل: يا رسول (١) الله، قال أبو بكر [] [¬٤]: الحسنات من الله، والسيئات من أنفسنا، فقال رسول الله ﷺ : "فما قلت يا

стр. 1797

عمر؟ " فقال: قلت: الحسنات والسيئات من الله تعالى [¬١]، فقال رسول الله ﷺ : "إن أول من تكلم فيه جبريل ومكائيل، فقال ميكائيل مقالتك يا أبا بكر، وقال جبريل مقالتك يا عمر"، فقال: "فيختلف أهل السماء، وإن يختلف أهل السماء يختلف أهل الأرض، فتحاكما إلى إسرافيل فقضى بينهما: إن الحسنات والسيئات من الله". ثم أقبل على أبي بكر وعمر، فقال: "احفظا قضائي بينكما، لو أراد الله أن لا يعصى [لم يخلق] [¬٢] إبليس". قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس بن تيمية: هذا حديث موضوع مختلق باتفاق أهل المعرفة. ثم قال تعالى مخاطبًا لرسوله، ﷺ والمراد جنسٍ الإِنسان ليحصل الجواب -: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: من فضل الله ونِّه [¬٣] ولطفه ورحمته، ﴿أي: فمن قِبَلِكَ، ومن عملك أنت [¬٤]، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. قال السدي والحسن البصري وابن جريج وابن زيد: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: بذنبك، قال قتادة (٦٢٥) [في الآية] [¬٥]: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ

стр. 1798

نَفْسِكَ﴾ عقوبة لك [¬١] يا ابن آدم بذنبك. قال: وذكر لنا أن النَّبيَّ، ﷺ [كان يقول] [¬٢]: "لا يصيب رجلًا خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، إلَّا بذنب، وما يعفو الله أكثر". وهذا الذي أرسله قتادة، قد روي متصلًا في الصَّحيح (٦٢٦): "والذي نفسي بيده، لا يصيب المؤمن هم ولا حزن، ولا نصب حتَّى الشوكة يشاكها، إلَّا كفر الله عنه بها من [¬٣] خطاياه". وقال أبو صالح: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ] أي: بذنبك، وأنا الذي قدرتها عليك، رواه ابن جرير (٦٢٧). وقال ابن أبي حاتم (٦٢٨): حدّثنا محمَّد بن عمار، حدّثنا سهل - يعني [¬٤] بن بكار - حدّثنا الأسود بن شيبان، حدثني عقبة بن واصل ابن أخي مطرف، عن مطرف بن عبد الله قال: ما تريدون منى القدر، أما تكفيكم [¬٥] الآية التي في سورة النساء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: من نفسك، والله ما وكلوا إليَّ القدر، وقد أمروا وإليه يصيرون. وهذا كلام متين [¬٦] قوي في الرد على القدرية والجبرية أيضاً، ولبسطه موضع آخر.

стр. 1799

وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ أي: تبلغهم شرائع الله، وبما [¬١] يحبه الله وورضاه، وبما [¬٢] يكرهه ويأباه. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: على أنَّه أرسلك، وهو شهيد أيضاً بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إيَّاه، وبما يردّون عليك من الحق كفرًا أو عنادًا. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾ يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمَّد، ﷺ ، بأن من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، [إِنْ هُوَ] [¬٣] إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. قال ابن أبي حاتم (٦٢٩): حدّثنا أحمد بن سنان، حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبيِ هريرة، قال: قال رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وعلى الله وسلم: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقده عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني". وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن الأعمش، به.

стр. 1800

وقوله: ﴿وَمَنْ [¬١] تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: لا [¬٢] عليك منه، إن عليك إلا البلاغ، فمن اتبعك سعد ونجا، وكان لك من الأجر نضير ما حصل له، ومن تولى عنك خاب وخسر، وليس عليك من أمره شيء، كما جاء في الحديث (٦٣٠): " من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه". وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة، ﴿فَإِذَا بَرَزُوا [مِنْ عِنْدِكَ] [¬٣]﴾ أي: خرجوا [من عندك] [¬٤]، وتواروا عنك، ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أي: استسروا ليلاً فيما بينهم بغير ما ظهروه لك [¬٥]، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظه الكاتبين، الذين هم موكلون بالعباد، يعلمون ما يفعلون، والمعنى في هذا التهديد: أنه [¬٦] تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلاً من مخالفة الرسول، ﵌، وعصيانه، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ الآية. وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: اصفح عنهم واحلم عليهم [¬٧] ولا تؤاخذهم، ولا تكشف أمورهم للناس، ولا تخف منهم أيضًا، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: كفى به وليًّا وناصرًا ومعينًا لمن توكل عليه وأناب إليه. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا

стр. 1801

جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ يقول تعالى آمرًا عباده [¬١] بتدبر القرآن، وناهيًا [لهم] [¬٢] عن الإِعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة [¬٣]، ومخبرًا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، [ولا تضاد] [¬٤]، ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حقٌّ من حقٍّ، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ثم قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ أي: لو كان مفتعلاً مختلقًا كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم؛ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، أي: اضطرابًا وتضادًّا كثيرًا، أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله، كما قال تعالى مخبرًا عن الراسخين في العلم، حيث قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي: محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردّوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردّوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح تعالى الراسخين وذم الزائغين. قال الإِمام أحمد (٦٣١): حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسًا ما أحب أن لي به حُمر النَّعَم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من صحابة رسول الله، ﷺ ، على باب من أبوابه، فكرهنا

стр. 1802

أن نفرق بينهم فجلسنا حَجْرَةً [¬١]، إذ ذكروا آية من القرآن، فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله، ﷺ ، مُغْضَبًا حتى احمر وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: "مهلًا يا قوم! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، [بل] [¬٢]، يصدّق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه"، وهكذا رواه أيضًا (٦٣٢) عن أبي معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: [¬٣] خرج رسول الله، ﷺ ، ذات يوم، والناس يتكلمون في القدر، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمّان من الغضب، فقال لهم: "ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟! بهذا هلك من كان قبلكم"، قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله ﷺ ولم أشهده، ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده. ورواه ابن ماجة، من حديث داود بن أبى هند، به نحوه. وقال أحمد (٦٣٣): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، قال: كتب إلي عبد اللَّه بن رباح، يحدّث عن عبد الله بن عمرو قال: هَجَّرت إلى رسول الله، ﷺ ، يومًا، فإنا لجلوس؛ إذ اختلف اثنان في آية، فارتفعت أصواتهما، فقال: "إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب". ورواه مسلم والنسائى من حديث حماد بن زيد، به.

стр. 1803

وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة. وقد قال مسلم في مقدّمة صحيحه (٦٣٤): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا على بن حفص، حدثنا شعبة، عن خبيب [¬١] بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة عن النبي، ﷺ ، قال: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع". وكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه، عن محمد بن الحسين بن إشكاب، عن علي ابن حفص، عن شعبة مسندًا، ورواه مسلم أيضًا (٦٣٥) من حديث معاذ بن هشام العنبري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأخرجه أبو داود أيضًا من حديث حفص بن عمر النَّمَري [¬٢]،

стр. 1804

ثلاثتهم عن شعبة، عن خُبيب، عن حفص بن عاصم، به مرسلًا. وفي الصحيحين (٦٣٦) عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله، ﷺ ، نهى عن قيل وقال. أي: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت، [ولا تدبر] [¬١]، ولا تبين. وفى سنن أبي داود (٦٣٧): أن رسول الله، ﷺ ، قال [¬٢]: "بئس مطية

стр. 1805

الرجل زعموا". وفي الصحيح (٦٣٨): " من حدث بحديث، وهو يرى أنه كذب؛ فهو أحد الكاذبين".

стр. 1806

ولنذكر هاهنا حديث عمر بن الخطاب المتفق [عليه] (٦٣٩) [¬١]، حين بلغه أن رسول الله، ﷺ ، طلق نساءه، فجاء من منزله حتى دخل المسجد، فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على النبي، ﷺ ، فاستفهمه: أطلقت نساءك؟ فقال: "لا"، فقلت: الله أكبر، وذكر الحديث بطوله. وعند مسلم فقلت: أطلقتهن؟ فقال: "لا"، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطق [رسول الله، ﷺ ،] [¬٢] نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. ومعنى قوله: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أي: يستخرجونه ويستعملونه من معادنه، يقال: استنبط [¬٣] الرجل العين، إذا حفرها واستخرجها من قعورها [¬٤]. وقوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس، يعني: المؤمنين (٦٤٠). وقال عبد الرزاق (٦٤١)، عن معمر، عن قتادة: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني:

стр. 1807

كلكم، واستشهد من نصر هذا القول بقول الطِّرِمَّاح بن حكيم، في مدح يزيد بن المهلب: أشم [كثير يُدِيَّ] [¬١] النوال … قليل المثالب والقادحهْ يعني: لا مثالب له ولا قادحة فيه. ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ يأمر تعالى عبده ورسوله محمدًا، ﷺ ، بأن يباشر القتال بنفسه ومن نكل عنه [¬٢] فلا عليه منه ولهذا قال ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾. وقال ابن أبي حاتم (٦٤٢): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمرو بن [زُنَيْج] (*)، حدثنا حكام، حدثنا الجرّاح الكندي، عن أبي إسحاق قال: سألت البراء بن عازب، عن الرجل يلقى مائة [¬٣] من العدوّ، فيقاتل، أيكون ممن قال الله فيه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: قد قال الله تعالى [لنبيه، ﷺ ] [¬٤]: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ

стр. 1808

وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ورواه الإِمام أحمد، عن سليمان بن داود، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين؛ أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا؛ لأن الله بعث رسوله، ﷺ ، وقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، إنما ذلك فى النفقة. وكذا رواه ابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش: على بن صالح، عن أبي إسحاق، عن البراء، به. ثم قال ابن مردويه (٦٤٣): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدّثنا مسلم بن عبد الرحمن الجرمي، حدثنا محمد بني حمير، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت على النبي، ﷺ : ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال لأصحابه: "قد أمرني ربي بالقتال فقالوا". حديث غريب. وقوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [] [¬١]﴾ أي: على القتال، ورغبهم فيه وشجعهم [¬٢] عنده، كما قال لهم، ﷺ ، يوم بدر، وهو يسوّي الصفوف: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" (٦٤٤). وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاري (٦٤٥)، عن أبي

стр. 1809

هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها"، قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس بذلك؟ فقال: "إن في الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله [¬١] فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، [وأعلى الجنة] [¬٢]، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة". وروي من حديث عبادة (٦٤٦) ومعاذ (٦٤٧)

стр. 1810

وأبي الدرداء (٦٤٨) نحو ذلك. وعن أبي سعيد الخدري (٦٤٩)، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "يا أبا سعيد، من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا و [¬١] نبيًّا وجبت له الجنَّةَ ". قال: فعجب لها أَبو سعيد، فقال: أَعدها عليَّ يا رسول الله؛ ففعل، ثم قال رسول الله، ﷺ : "وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة؛ في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء إلى [¬٢] والأرض"، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله". رواه مسلم. وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بتحريضك إياهم على القتال؛ تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم عن حوزة الإِسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم.

стр. 1811

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ أي: هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ أي: من سعى [¬١] في أمر، فترتَّب عليه خير، كان له نصيب من ذلك، ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ أي: يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح (٦٥٠) أن [¬٢] النبي، ﷺ ، [قال] [¬٣]: "اشفعوا تؤجروا [¬٤] "، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء". وقال مجاهد بن جَبْر [¬٥]: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض. وقال الحسن البصري: قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾ ولم يقل: من يشفع. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ قال ابن عبَّاس وعطاء وعطية وقَتَادة ومطر الوراق: ﴿مقيتًا﴾ أي: حفيظًا، وقال مجاهد: شهيدًا، وفى رواية عنه: حسيبًا. وقال سعيد [¬٦] بن جبير والسدي وابن زيد: قديرًا، وقال عبد الله بن كثير: المقيت: الواصب [¬٧]، وقال الضحاك: المقيت: الرزاق. وقال ابن أبي حاتم (٦٥١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبد الرحيم بن مطرف، حدَّثنا عيسى بن

стр. 1812

يونس، عن إسماعيل، عن رجل، عن عبد الله بن رواحة، وسأله رجل عن قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ قال: يقيت كل [¬١] إنسان بقدر [¬٢] عمله. وقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: إذا سلم عليكم السلم، فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل مما سلم [¬٣] فالزِّيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة. قال ابن جرير (٦٥٢): حدَّثنا موسى بن سهل الرملي، حدَّثنا عبد الله بن السري الأنطاكي، حدَّثنا هشام بن لاحق، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ ، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: "وعليك [¬٤] السلام ورحمة الله". ثم أتى آخر، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال [له] [¬٥]، رسول الله، ﷺ : " وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك [يا رسول الله] [¬٦] ورحمة الله وبركاته،

стр. 1813

فقال له: "وعليك" فقال له الرجل: يا نبي الله؛ بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت عليَّ، فقال: "إنك لم تدع لنا شيئًا. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ فرددناها عليك". وهكذا رواه ابن أبي حاتم معلقًا، فقال: ذكر عن أحمد بن الحسن التِّرمِذي، حدَّثنا عبد الله بن السري - أَبو محمد الأنطاكي - قال أَبو الحسن - وكان رجلًا صالحا -: حدَّثنا هشام بن لاحق … فذكر بإسناده مثله. ورواه أَبو بكر بن مردويه: حدَّثنا عبد الباقي بن قانع، حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدَّثنا أبي، حدَّثنا هشام بن لاحق - أبو عثمان - فذكره مثله، ولم أره في المسند، والله أعلم. وفي هذا الحديث دلالة على أنَّه لا زيادة في السلام على هذه الصفة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله، ﷺ . وقال الإِمام أحمد (٦٥٣): حدَّثنا محمد بن كثير - أخي [¬١] سليمان بن كثير - حدَّثنا جعفر ابن سليمان، عن عوف، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين، أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد عليه، ثم جلس فقال: "عشر"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه، ثم جلس فقال [¬٢]: ["عشرون"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه¬ السلام، ثم جلس] [¬٣]

стр. 1814

فقال [¬١]: "ثلاثون". وكذا رواه أَبو داود، عن محمد بن كثير، وأخرجه التِّرمِذي والنَّسائي والبزار من حديثه، ثم قال التِّرمِذي: حسن غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي سعيد، وعلى (٦٥٤)، وسهل بن حنيف (٦٥٥). وقال البزار: قد روي هذا عن النبي، ﷺ ، من وجوه هذا أحسنها إسنادًا. وقال ابن أبي حاتم (٦٥٦): حدَّثنا على بن حرب الموصلي، حدَّثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس فال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان مجوسيًّا، ذلك بأن الله يقول: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. وقال قتادة: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ يعني للمسلمين [¬٢]، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ يعني لأهل الذمة. وهذا التنزيل فيه نظر، كما تقدم في الحديث، من أن المراد أن يرد بأحسن مما حياه به، فإن

стр. 1815

بلغ المسلم غاية ما شرع في السلام، رد عليه مثل ما قال، فأما أهل الذمة فلا يبدءون بالسلام، ولا يزادون، بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين (٦٥٧)، عن ابن عمر أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إذا سلم عليكم اليهود، فإنما يقول أحدهم السام عليك فقل: وعليك [¬١] ". وفي صحيح مسلم (٦٥٨) عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه". وقال سفيان الثَّوري (٦٥٩): عن رجل، عن الحسن البصري قال: السلام تطوّع، والرد فريضة. وهذا الذي قاله هو قول العلماء قاطبة: إن الرد واجب على من سلم عليه؛ فيأثم إن لم يفعل لأنه خالف أمر الله في قوله ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ وقد جاء في الحديث الذي رواه [¬٢] [أبو داود بسنده (٦٦٠) إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنَّةَ حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؛ افشوا السلام بينكم] [¬٣] ".

стр. 1816

وقول [¬١] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إخبار بتوحيده، تفرده بالإلهية لجميع المخلوقات، وتضمن قسمًا لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهذه اللام موطئة للقسم، فقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر وقسم أنَّه سيجمع الأولين: الآخرين في صعيد واحد؛ فيجازي كل عامل بعمله. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي: لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ووعده ووعيده، فلا إله إلَّا هو، ولا رب سواه. ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾ يقول تعالى منكرًا على المؤمنين، في اختلافهم في المنافقين على قولين: واختلف في سبب ذلك، فقال الإِمام أحمد (٦٦١): حدَّثنا بهز، حدثا شعبة، قال عدي بن ثابت: أخبرني

стр. 1817

[] [¬١] عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت، أن رسول الله، ﷺ ، خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله، ﷺ ، فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا [هم المؤمنون] [¬٢]، فأنزل الله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، فقال رسول الله، ﷺ : "إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة". أخرجاه في الصحيحين، من حديث شعبة. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار فى وقعة أحد: أن عبد الله بن أبي ابن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش، رجع بثلاثمائة، وبقي النبي، ﷺ ، في سبعمائة. وقال العوفي، عن ابن عبَّاس: نزلت فى قوم كانوا بمكة، قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصَحاب محمد فليس علينا منهم بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم بم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله! أو كما قالوا، أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟، أمن أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم، نستحل دماءهم وأموالهم، فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحدًا [¬٣] من الفريقين عن شيء، فأنزل الله [¬٤]: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. رواه ابن أبي حاتم (٦٦٢)، وقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم: قريب من هذا.

стр. 1818

وقال زيد بن أسلم (٦٦٣)، عن ابنٍ سعد بن معاذ: إنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبي، حين استعذر منه رسول الله، ﷺ ، على المنبر في قضية الإِفك. وهذا غريب، وقيل غير ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ. قال ابن عباس (٦٦٤): ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: أوقعهم. وقال حمَّادة: أهلكهم، وقال السدي: أضلهم. وقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول، واتباعهم الباطل. ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي: لا طريق له إلى الهدى، ولا مخلص له إليه. [ثم قال] [¬١]: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي: هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلَّا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تركوا الهجرة، قاله العوفي، عن [¬٢] ابن عبَّاس. وقال السدي: أظهروا كفرهم ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: لا توالوهم، ولا تستنصروا بهم على [أعداء الله] [¬٣] ما داموا كذلك. - ثم استثنى له [¬٤] سبحانه من هؤلاء، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: إلَّا الذين لجئوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة، أو عقد ذمة،

стр. 1819

فاجعلوا [¬١] حكمهم كحكمهم، وهذا قول السدي وابن زيد وابن جرير. وقد روى ابن أبي حاتم (٦٦٥): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو سلمة، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن على بن زيد بن جدعان، عن الحسن، أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم، قال: لما ظهر النبي، ﷺ ، على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنَّه يريد أن يبعث خالد ابن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته، فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: صه. فقال النبي، ﷺ : "دعوه، مما تريد؟ " قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم؛ فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإِسلام، وإن لم يسلموا لم تخشن [¬٢] قلوب [¬٣] قومك عليهم. فأخذ رسول الله، ﷺ ، بيد خالد بن الوليد، فقال: "اذهب معه فافعل ما يريد". فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله، ﷺ ، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. ورواه ابن مردويه من طريق حمَّاد بن سلمة، وقال: فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. فكان من وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم، وهذا أنسب لسياق الكلام. وفى صحيح البخاري (٦٦٦)، فى قصة صلح الحديبية، فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد، ﷺ ، وأصحابه وعهدهم.

стр. 1820

وقد روي عن ابن عباس (٦٦٧) أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ الآية، هؤلاء قوم آخرون من المستثنين من [¬١] الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصاف، وهم حصرة صدورهم أي: ضيقة صدورهم، مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضًا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ أي: من لطفه بكم أن كفهم عنكم، ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾، أي: المسالمة؛ ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أي: فليس لكم أن تقاتلوهم [¬٢] ما دامت حالهم كذلك وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي، ﷺ ، يومئذ عن قتل العباس، وأمر بأسره (٦٦٨). وقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا﴾، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن [¬٣] تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك؛ فإن هؤلاء توم [¬٤] منافقون، يظهرون للنبي، ﷺ ، ولأصحابه الإسلام ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، وقال هاهنا: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ أي: انهمكوا فيها. وقال السدي: الفتنة هاهنا الشك [¬٥]. وحكى ابن جرير، عن مجاهد، أنها نزلت في قوم من أهل مكة، كانوا يأتون النبي، ﷺ ، فيسلمون رياءً، ثم يرجعون إلى قريش، فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتلهم [¬٦] إن لم يعتزلوا ويصلحوا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾،

стр. 1821

[المهادنة والصلح] [¬١]، ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن القتال ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أسراء، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: أين لقيتموهم ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾، أي: بينا واضحًا. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ يقول تعالى، ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، كما ثبت في الصحيحين (٦٦٩) عن ابن مسعود، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة". ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإِمام أو نائبه.

стр. 1822

وقوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ قالوا: هو استثناء منقطع، كقول الشاعر: من البيض لم تظعن [¬١] بعيدًا ولم تطأ … على الأرض إلا رَيْط بُرْدٍ مُرَحَّل [¬٢] ولهذا شواهد كثيرة. واختلف في سبب نزول هذه، فقال مجاهد وغير واحد (٦٧٠): نزلت في عياش بن أبي ربيعة - أخي أبي جهل لأمه - وهى أسماء بنت مُخَرِّبة، وذلك أنه قتل رجلًا كان [¬٣] يعذبه مع أخيه على الإِسلام، وهو الحارث بن يزيد العامري، فأضمر له عياش السوء، فأسلم ذلك الرجل وهاجر، وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه؛ فحمل عليه فقتله فأنزل الله هذه الآية. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٦٧١): نزلت فى أبي الدرداء؛ لأنه قتل رجلًا، وقد قال كلمة الإسلام [¬٤] حين رفع عليه [¬٥] السيف، فأهوى به إليه، فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي، ﷺ ، قال: إنما قالها متعوذًا، فقال له: "هلا شققت عن قلبه؟! ". وهذه القصة في الصحيح (٦٧٢) لغير أبي الدرداء. وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ هذان واجبان [¬٦] في قتل الخطأ: أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم وإن كان خطأ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة، فلا تجزئ الكافرة. وحكى ابن جرير، عن ابن عباس والشعبي، وإبراهيم النخعي والحسن البصري أنهم قالوا: لا يجزئ الصغير، حتى يكون قاصدًا للإِيمان. وروى (٦٧٣) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن

стр. 1823

قتادة قال: فى حرف أي ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، لا يجزئ فيها صبي. واختار ابن جرير: أنه إن كان مولودًا بين أبوين مسلمين أجزأ، وإلا فلا، والذي عليه الجمهور أنه متى كان مسلمًا صح عتقه عن الكفارة سواء كان صغيرًا أو كبيرًا. قال الإِمام أحمد (٦٧٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عُبيد [¬١] الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار، أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله، إنّ على عتق [¬٢] رقبة مؤمنة؛ فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله، ﷺ : "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ " قالت: نعم، قال: "أتشهدين أني رسول الله؟ " قالت: نعم، قال: "أتؤمين بالبعث بعد الموت"، قالت: نعم، قال: "أعتقها". وهذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره [¬٣]. وفي موطأ مالك ومسندي [¬٤] الشافعي وأحمد، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود

стр. 1824

والنسائي (٦٧٥) من طريق هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم: أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله، ﷺ : "أين الله؟ " قالت: في السماء، قال: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله، ﷺ ، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". وقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ هو الواجب الثاني [¬١] فيما بين القاتل وأهل القتيل، عوضًا [لهم] [¬٢] عما فاتهم من قريبهم. وهذه الدية [¬٣] إنما تجب أخماسًا [¬٤]، كما رواه الإِمام أحمد وأهل السنن (٦٧٦)، من حديث الحجاج بن أرطاة، عن زيد بن جبير، عن خِشْف بن مالك، عن ابن مسعود قال: قضى رسول

стр. 1825

الله، صلى الله عليه وآله ومسلم، في [¬١] دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورًا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جَذَعَة، وعشرين حِقَّةً [¬٢]. لفظ النسائي. رقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفًا [¬٣]، كذا [¬٤]
следующие страницы →