[المهادنة والصلح] [¬١]، ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن القتال ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أسراء، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: أين لقيتموهم ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾، أي: بينا واضحًا.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾
يقول تعالى، ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، كما ثبت في الصحيحين (٦٦٩) عن ابن مسعود، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإِمام أو نائبه.
стр. 1822
وقوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ قالوا: هو استثناء منقطع، كقول الشاعر:
من البيض لم تظعن [¬١] بعيدًا ولم تطأ … على الأرض إلا رَيْط بُرْدٍ مُرَحَّل [¬٢] ولهذا شواهد كثيرة. واختلف في سبب نزول هذه، فقال مجاهد وغير واحد (٦٧٠): نزلت في عياش بن أبي ربيعة - أخي أبي جهل لأمه - وهى أسماء بنت مُخَرِّبة، وذلك أنه قتل رجلًا كان [¬٣] يعذبه مع أخيه على الإِسلام، وهو الحارث بن يزيد العامري، فأضمر له عياش السوء، فأسلم ذلك الرجل وهاجر، وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه؛ فحمل عليه فقتله فأنزل الله هذه الآية.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٦٧١): نزلت فى أبي الدرداء؛ لأنه قتل رجلًا، وقد قال كلمة الإسلام [¬٤] حين رفع عليه [¬٥] السيف، فأهوى به إليه، فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي، ﷺ ، قال: إنما قالها متعوذًا، فقال له: "هلا شققت عن قلبه؟! ".
وهذه القصة في الصحيح (٦٧٢) لغير أبي الدرداء.
وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ هذان واجبان [¬٦] في قتل الخطأ: أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم وإن كان خطأ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة، فلا تجزئ الكافرة.
وحكى ابن جرير، عن ابن عباس والشعبي، وإبراهيم النخعي والحسن البصري أنهم قالوا: لا يجزئ الصغير، حتى يكون قاصدًا للإِيمان. وروى (٦٧٣) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن
стр. 1823
قتادة قال: فى حرف أي ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، لا يجزئ فيها صبي.
واختار ابن جرير: أنه إن كان مولودًا بين أبوين مسلمين أجزأ، وإلا فلا، والذي عليه الجمهور أنه متى كان مسلمًا صح عتقه عن الكفارة سواء كان صغيرًا أو كبيرًا.
قال الإِمام أحمد (٦٧٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عُبيد [¬١] الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار، أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله، إنّ على عتق [¬٢] رقبة مؤمنة؛ فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله، ﷺ : "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ " قالت: نعم، قال: "أتشهدين أني رسول الله؟ " قالت: نعم، قال: "أتؤمين بالبعث بعد الموت"، قالت: نعم، قال: "أعتقها".
وهذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره [¬٣].
وفي موطأ مالك ومسندي [¬٤] الشافعي وأحمد، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود
стр. 1824
والنسائي (٦٧٥) من طريق هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم: أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله، ﷺ : "أين الله؟ " قالت: في السماء، قال: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله، ﷺ ، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة".
وقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ هو الواجب الثاني [¬١] فيما بين القاتل وأهل القتيل، عوضًا [لهم] [¬٢] عما فاتهم من قريبهم.
وهذه الدية [¬٣] إنما تجب أخماسًا [¬٤]، كما رواه الإِمام أحمد وأهل السنن (٦٧٦)، من حديث الحجاج بن أرطاة، عن زيد بن جبير، عن خِشْف بن مالك، عن ابن مسعود قال: قضى رسول
стр. 1825
الله، صلى الله عليه وآله ومسلم، في [¬١] دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورًا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جَذَعَة، وعشرين حِقَّةً [¬٢]. لفظ النسائي.
رقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفًا [¬٣]، كذا [¬٤]
стр. 1826
روي عن علي (٦٧٧) [¬١] و [¬٢] طائفة. وقيل: تجب أرباعًا، وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل لا في ماله، وقال الشافعي ﵀: لم أعلم مخالفًا أن رسول الله، ﷺ ، قضى بالدية على العاقلة، وهو أكثر من حديث الخاصة.
وهذا الذي أشار إليه، ﵀، قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين (٦٧٨) عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله، ﷺ ، فقضى أن دية جنينها غرّة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها.
وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم الخطأ المحض في وجوب الدية، لكن هذا تجب فيه
стр. 1827
الدية أثلاثًا [لشبهة العمد] [¬١].
وفي صحيح البخاري (٦٧٩) عن عبد الله بن عمر؛ قال: بعث رسول الله، ﷺ ، خالد بن الوليد إلى بني خزيمة، فدعاهم إلى الإِسلام، فلم يحسنوا أن [¬٢] يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتلهم، فبلغ ذلك رسول اللَّه، ﷺ ، فرفع يديه، وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"، وبعث عليًّا فودى قتلاهم، وما أتلف من أموالهم، حتى ميلغة [¬٣] الكلب.
وهذا الحديث [¬٤] يؤخذ منه أن خطأ الإِمام أو نائبه يكون في بيت المال.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي: فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدّقوا بها، فلا تحب.
وقوله: ﴿فَإِنْ [¬٥] كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: إذا كان القتيل مؤمنًا ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم، وعلى القاتل [¬٦] تحرير رقبة مؤمنة لا غير.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، أي:
стр. 1828
فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمنًا فدية كاملة، وكذا إن كان كافرًا أيضًا عند طائفة من العلماء. وقيل: يجب في الكافر نصف دية المسلم، وقيل: ثلثها [¬١] كما هو مفصل [في كتاب الأحكام] [¬٢]. ويجب أيضًا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: لا إفطار بينهما، بل يسرد صومهما إلى آخرهما؛ فإن أفطر من غير عذر من مرض أو حيض أو نفاس استأنف، واختلفوا في السفر: هل يقطع أم لا؟ على قولين.
وقوله: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: هذه توبة القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين.
واختلفوا فيمن لا يستطع الصيام؛ هل يجب عليه إطعام ستين مسكينًا، كما في كفارة الظهار؟ على قولين: أحدهما: نعم، كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر هاهنا؛ لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير، فلا يناسب أن يذكر فيه [¬٣] الإِطعام لما فيه من التسهيل والترخيص. والقول الثاني: لا يعدل إلى الإطعام؛ لأنه لو كان واجبًا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ قد تقدّم تفسيره غير مرّة.
ثم لما بين تعالى حكم القتل الخطأ، شرع في بيان حكم القتل العمد فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في [¬٤] كتاب الله، حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، والآيات والأحاديث فى تحريم القتل كثيرة جدًا؛ فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين (٦٨٠) عن ابن مسعود؛ قال: قال
стр. 1829
رسول الله، صلى الله عديه وسلم: "أوّل ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء". وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود (٦٨١) من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله، ﷺ : "لا يزال المؤمن مستعفًى [¬١] صالحًا،
стр. 1830
ما لم يصب دمًا حرامًا؛ فإذا أصاب دمًا حرامًا بَلَّح [¬١] ". وفي حديث آخر (٦٨٢): " لزوال الدنيا
стр. 1831
أهون عند الله من قتل رجل مسلم". وفي الحديث الآخر (٦٨٣): " لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار". وفي الحديث الآخر (٦٨٤): " من أعان
стр. 1832
على قتل مسلم، ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله".
وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدًا.
وقال البخاري (٦٨٥): حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا المغيرة بن النعمان، قال: سمعت ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت إلى ابن عباس، فسألته عنها [¬١]، فقال: نزلت هذه الآية ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ هي آخر ما نزل [¬٢]، وما نسخها شيء.
وهكذا رواه هو أيضًا ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة، به. ورواه أبو داود (٦٨٦) عن أحمد بن حنبل، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن مغيرة بن النعمان، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس في [¬٣] قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ فقال: لم ينسخها شيء.
[وقال ابن جرير (٦٨٧): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عون، حدثنا شعبة، عن سعيد بن جبير، قال: قال عبد الرحمن بن أبزى: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾ الآية. قال: لم ينسخها شيء] [¬٤]. وقال في هذه الآية: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ إلى آخرها، قال: نزلت في أهل الشرك.
وقال ابن جرس أيضًا (٦٨٨) [¬٥]: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، حدثني سعيد
стр. 1833
ابن جبير - أو حدثني الحكم، عن سعيد بن جبير - قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام، وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه جهنم، ولا توبة له. فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: إلا من ندم.
حدثنا ابن حميد وابن [¬١] وكيع؛ قالا (٦٨٩): حدثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن سالم بن أبي الجعد؛ قال: كنا عند ابن عباس، بعدما كف بصره، فأتاه رجل، فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾. قال: أفرأيت إن تاب وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمّه! وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده، لقد سمعت نبيكم، ﵌، يقول: "ثكلته أمه! قاتل مؤمن متعمدًا [¬٢]، جاء يوم القيامة [¬٣] أخذه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دمًا [¬٤] في قبُل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله، و [¬٥] بيده الأخرى رأسه [¬٦]، ويقول: يارب [¬٧] سل هذا فيم قتلني"، وايم الذي نفس عبد الله بيده، لقد أنزلت هذه الآية، فما نسختها من آية، حتى قبض نبيكم، ﵌، وما نزل بعدها من برهان.
стр. 1834
وقال الإمام أحمد (٦٩٠): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت يحيى بن المجبر [¬١] يحدث عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس: أن رجلًا أتاه، فقال: أرأيت رجلًا قتل رجلًا متعمدًا؟ فقال: ﴿جزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾ الآية. قال. لقد نزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء، حتى قبض رسول الله، ﵌، وما نزل وحي بعد رسول الله ﷺ . قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة، وقد سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "ثكلته أمّه! رجل قتل رجلًا متعمدًا، يجيء يوم القيامة آخذًا قاتله بيمينه أو بيساره، وآخذًا رأسه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دمًا في [¬٢] قبل العرش، يقول: يارب: سل عبدك فيم قتلني".
وقد رواه النسائي، عن قتيبة، وابن ماجة عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني [¬٣] ويحيى الجابر [¬٤] وثابت الثمالي، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس فذكره. وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة (٦٩١).
стр. 1835
وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف: زيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبو سلمة [بن عبد الرحمن] [¬١]، وعبيد بن عمير، والحسن، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم (٦٩٢).
وفي الباب أحاديث كثيرة، فمن ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ في تفسيره (٦٩٣): حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي (ح). وحدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن فهد، قالا: حدثنا عبيد بن عبيدة، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي، ﷺ ، قال: "يجيء المقتول متعلقًا بقاتله يوم القيامة، آخذًا رأسه بيده الأخرى، فيقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ [قال: فيقول: قتلته لتكون العزة] [¬٢] لك [¬٣]، [فيقول: فإنها لي، قال: ويجئ آخر متعلقًا بقاتله فيقول: رب سل هذا فيما قتلني] [¬٤]؟ [قال: فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان] [¬٥]، قال: فإنها ليست له بؤ بإثمه، قال: فيهوي في النار سبعين خريفًا".
وقد رواه النسائي عن إبراهيم بن المستمر العُروقي، عن عمرو بن عاصم، عن معتمر بن سليمان، به.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٦٩٤): حدثنا صفوان بن عيسى، حدّثنا ثور بن يزيد، عن
стр. 1836
أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية، ﵁، يقول: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا".
وكذا رواه النسائي عن محمد بن المثنى، عن صفوان بن عيسى، به.
وقال ابن مردويه (٦٩٥): حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا سمويه، حدثنا عبد الأعلى بن مسهر، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا خالد بن دهقان، حدثنا ابن أبي زكريا قال: سمعت أمِّ الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركًا، أو من قتل مؤمنًا متعمدًا".
وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه. والمحفوظ حديث معاوية المتقدم، فالله أعلم.
ثم روى ابن مردويه (٦٩٦) من طريق بقية بن الوليد، عن نافع بن يزيد، حدثني ابن جبير الأنصاري، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من قتل مؤمنًا متعمدًا فقد كفر بالله ".
وهذا حديث منكر أيضًا، وإسناده [¬١] [مظلم] [¬٢] جدًّا.
وقال الإِمام أحمد (٦٩٧): حدثنا النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد قال: أتاني
стр. 1837
أبو العالية أنا وصاحب لي، فقال لنا: هلما، فأنتما أشب شيئًا مني؛ وأوعى للحديث مني، فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم، فقال له أبو العالية: حدث هؤلاء حديثك فقال: حدثنا عقبة بن مالك الليثي قال: بعث النبي، ﷺ ، سرية فأغارت على قوم، فشدّ من القوم رجل، فاتبعه رجل من السرية شاهرًا سيفه [¬١]، فقال الشاد من القوم: إني مسلم، فلم ينظر فيما قال، فضربه فقتله. فنمى الحديث إلى رسول الله، ﷺ ، فقال فيه قولًا شديدًا، فبلغ القاتل، فبينا رسول الله، ﵌، يخطب، إذ قال القاتل: والله ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل، قال: فأعرض رسول الله، ﵌، عنه [وعمَّن] [¬٢] قبله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم قال أيضًا: يا رسول الله، ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل، فأعرض عنه وعمَّن قبله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم لم يصبر [فقال] [¬٣] الثالثة: والله يا رسول الله، ما قال [الذي قال] [¬٤] إلا تعوذًا من القتل، فأقبل عليه رسول الله، ﷺ ، تعرف المساءة في وجهه، فقال: "إن الله أبى عليَّ من قتل مؤمنًا ثلاثًا". ورواه النسائي من حديث سليمان بن المغيرة.
стр. 1838
والذي عليه الجمهور من سلف الأمّة وخلفها، أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله، ، فإن تاب وأناب، وخشع وخضع، وعمل عملًا صالحا بدّل الله سيئاته حسنات، وعوّض المقتول من ظلامته، وأرضاه عن طلابته، قال الله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ إلى قوله: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا﴾ الآية. وهذا خبر لا يجوز نسخه، وحمله على المشركين وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله [¬١] إلى دليل، والله أعلم.
وقال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ الآية. وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق وغير ذلك، كل من تاب من أي ذلك، تاب الله عليه.
وقال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فهذه الآية عامّة في جميع الذنوب، ما عدا الشركَ، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة، بعد هذه الآية وقبلها؛ لتقوية الرجاء. والله أعلم.
стр. 1839
وثبت في الصحيحين (٦٩٨) خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالمًا: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة كما ذكرناه غير مرة، وإن كان هذا في بني إسرائيل، فلأن يكون في هذه الأمّة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى؛ لأنَّا [¬١] وُضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة. فأما الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا﴾؛ فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، وقد رواه ابن مردويه بإسناده [¬٢] مرفوعًا، من طريق محمد بن جامع العطار، عن العلاء بن ميمون العنبري، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا (٦٩٩)، ولكن لا يصح، ومعنى هذه الصيغة: أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون ذلك [¬٣] معارضًا من أعمال صالحة، تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة أو الإحباط، وهذا أحسن ما يسلك [¬٤] في باب الوعيد، والله أعلم بالصواب، وبتقدير دخول القاتل في [¬٥] النار، إما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحًا ينجو به، فليس يخلد فيها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواردت الأحاديث عن رسول الله، ﷺ (٧٠٠): " أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال [¬٦] ذرة من إيمان". وأما
стр. 1840
حديث معاوية (٧٠١): " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلَّا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا" فعسى للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين، لا ينتفي [¬١] وقوع ذلك في أحدهما، وهو القتل، لما ذكرنا من الأدلة. وأما من مات كافرًا، فالنص [أنَّه] [¬٢] لا يغفر له البتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة، فإنه حق من حقوق الآدميين، وهي لا تسقط بالتوبة، [ولكن لابد من ردّها إليهم] [¬٣]: لا فرق بين المقتول والمسروق منه والمغصوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإِجماع منعقد على أنَّها لا تسقط بالتوبة، ولكنه [¬٤] لابد من أدائها [¬٥] إليهم في صحة التوبة؛ فإن تعذر ذلك فلابد من الطلابة [¬٦] يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع الطلابة [¬٧] وقوع المجازاة، إذا [¬٨] قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنَّةَ، أو يعوض الله المقتول من فضله بما يشاء، من قصور الجنَّةَ ونعيمها، ورفع درجته فيها، ونحو ذلك. والله أعلم [¬٩].
ثم للقتل العمد أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة؛ فأما [¬١٠] في الدنيا فتسلط أولياء المقتول عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾، ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا، أو يعفوا، أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثًا - ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة - كما هو مقدر [¬١١] في كتب الأحكام.
واختلف الأئمة: هل تجب عليه كفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أُو إطعام؟ على أحد القولين كما تقدَّم في كفارة الخطأ - على قولين، فالشَّافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون: نعم يجب عليه؛ لأنه إذا وجبت عليه [¬١٢] الكفارة في الخطأ، فلأن تجب عليه في العمد أولى، فطردوا [¬١٣] هذا في كفارة اليمين الغموس [¬١٤]، واعتضدوا بقضاء
стр. 1841
الصلوات [¬١] المتروكة عمدًا، كما أجمعوا على ذلك في الخطأ. وقال أصحاب الإِمام أحمد وآخرون: قتل العمد أعظم من أن يكفر فلا كفارة فيه، وكذا اليمين الغموس، ولا سبيل لهم إلى الفرق ببن هاتين الصورتين وبين الصلاة المتروكة عمدًا، فإنهم يقولون بوجوب قضائها إذا [¬٢] تركت عمدًا، وقد احتج من ذهب إلى وجوب الكفارة فى قتل العمد؛ بما رواه الإِمام أحمد (٧٠٢)، حيث قال: حدَّثنا عارم بن الفضل، حدَّثنا عبد الله بن المبارك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش، عن واثلة بن الأسقع قال: أتى النبي ﷺ ، نفر من بني سليم، فقالوا: إن صاحبًا لنا قد أوجب [¬٣]، قال [¬٤]: "فليعتق رقبة؛ يفدي الله بكل عضو منها عضوًا [¬٥] منه من النار".
стр. 1842
وقال أحمد: حدَّثنا إبراهيم بن إسحاق، حدَّثنا ضمرة بن ربيعة، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن [¬١] الغريف [¬٢] الديلمي قال: أتينا واثلة بن الأسقع الليثي، فقلنا: حدِّثنا حديثًا سمعته من رسول الله، ﷺ ، [قال: أتينا رسول الله، ﷺ ،] [¬٣] في
стр. 1843
صاحب لنا قد أوجب، فقال: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا مه من النار".
وكذا رواه أَبو داود والنَّسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة، به، ولفظ أبي داود عن [الغريف الديلمي] [¬١] قال: أتينا واثلة بن الأسقع، فقلنا له [¬٢]: حدَّثنا حديثًا ليس فيه زيادة ولا نقصان، فغضب فقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه [معلق في] [¬٣] بيته [¬٤] فيزيد وينقص، قلنا: إنما [¬٥] أردنا حديثًا سمعته من رسول، ﷺ ، قال: أتينا رسول الله، ﷺ ، في صاحب لنا قد أوجب، يعني النار بالقتل فقال: "اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو فه عضوًا [¬٦] من [¬٧] النار".
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾
قال الإِمام أحمد (٧٠٣): حدَّثنا يحيى بن أبي بكير، وخلف بن الوليد، وحسين بن محمد،
стр. 1844
قالوا: حدَّثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس؛ قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي، ﷺ ، وهو يسوق غنمًا له، فسلم عليهم، فقالوا: [ما سلم] [¬١] علينا إلا ليتعوذ منا. فعمدوا إليه فقتلوه وأتوا بغنمه النبي، ﷺ ، [فنزلت هذه الآية] [¬٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرها.
ورواه التِّرمِذي في التفسير، عن عبد بن حميد، عن عبد العزيز بن أبي رِزْمة، عن إسرائيل، به، و [¬٣] قال: هذا حديث حسن صحيح [¬٤]. وفي الباب عن أسامة بن زيد.
ورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، به. ثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن إسرائيل، به. وقال في بعض كتبه غير التفسير: وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط، وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيفًا، لعلل منها: أنَّه لا يعرف له مخرج عن سماك إلَّا من هذا الوجه، ومنها: أن عكرمة: في روايته عندهم نظر، ومنها: أن الذي أنزلت [¬٥] فيه هذه [¬٦] الآية عندهم مختلف فيه؛ فقال بعضهم: أنزلت [¬٧] في مُحَلِّم بن جثامة، وقال بعضهم: أسامة بن زيد، وقيل: غير ذلك.
قلت: وهذا كلام غريب، وهو مردود من وجوه أحدها: أنَّه ثابت عن سماك، حدث به عنه غير واحد من الأئمة [¬٨] الكبار. الثاني: أن عكرمة محتج به في الصحيح. الثالث: أنَّه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عبَّاس؛ كما قال البخاري (٧٠٤): حدَّثنا على بن عبد الله،
стр. 1845
حدَّثنا سفيان، عن عمرو [بن دينار] [¬١]، عن عطاء، عن ابن عبَّاس: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال: قال ابن عبَّاس: كان رجل في غنيمته، فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا غنيمته، [فنزلت] [¬٢]: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾.
[قال ابن عبَّاس: عرض الدنيا تلك الغنيمة، وقرأ ابن عبَّاس: ﴿السلام﴾ [¬٣].
وقال سعيد بن منصور (٧٠٥): حدَّثنا منصور، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن ابن عبَّاس قال: لحق المسلمون رجلًا في غنيمة له، فقال: السلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا غنيمته، فنزلت: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾] [¬٤].
[وقد رواه] [¬٥] ابن جرير وابن أبي حاتم (٧٠٦) من طريق سفيان بن عيينة، به.
[وقال في ترجمته: إن أخاه فزارًا هاجر إلى رسول الله، عن أمر أبيه، بإسلامهم وإسلام قومهم، فلقيته سرية لرسول الله في عماية الليل، وكان قد قال لهم: إنه مسلم، فلم يقبلوا منه فقتلوه، فقال أَبوه: فقدمت إلى رسول الله فأعطاني ألف دينار، ودية أخرى، وسيرني، فنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية] [¬٦].
وأما قصة محلم بن جثامة، فقال الإِمام أحمد ﵀ (٧٠٧): حدثنا يعقوب، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله ابن أبي حدرد ﵁ قال: بعثنا رسول الله إلى إضم [¬٧]، فخرجت في نفر
стр. 1846
من المسلمين فيهم أَبو قَتَادة الحارث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتَّى إذا كنا ببطن إضم؛ مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، معه متيع ووَطْبٌ [¬١] من لبن، فلما مر بنا سلم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله بشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه.
فلما قدمنا على رسول الله، ﷺ ، وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن [¬٢]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
تفرد به أحمد. وقال ابن جرير (٧٠٨): حدَّثنا ابن وكيع، حدَّثنا جرير، عن ابن إسحاق،
стр. 1847
عن نافع، أن [¬١] ابن عمر قال [¬٢]: بعث رسول الله محلم بن جثامة مبعثا، فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإِسلام، وكانت بينهم حِنَّةٌ [¬٣] [في الجاهلية] [¬٤] فرماه محلم بسمهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع: يا رسول الله، سُنَّ اليوم وغير غدًا، فقال عيينة: لا والله، حتَّى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي، فجاء محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله ليستغفر له، فقال رسول الله: "لا غفر الله لك" فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتَّى مات ودفنوه، فلفظته الأرض فجاءوا إلى النبي، ﷺ ، فذكروا ذلك له، فقال: (إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم". ثم طرحوه بين [¬٥] صدفي [¬٦]، جبل، وألقوا عليه من [¬٧] الحجارة، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية.
وقال البخاري (٧٠٩): قال حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله للمقداد: "إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت [أنت] [¬٨] تخفي إيمانك بمكة من قبل".
هكذا ذكره البخاري معلقًا مختصرًا وقد روي مطولًا موصولًا. فقال الحافظ أَبو بكر البزار (٧١٠): حدَّثنا حمَّاد بن علي البغدادي، حدَّثنا جعفر بن سلمة، حدَّثنا أَبو بكر بن
стр. 1848
علي بن مُقَدَّم، حدَّثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عنْ ابن عبَّاس، قال: بعث رسول الله سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأهوى إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلًا شهد أن لا إله إلَّا الله؛ والله لأذكرن ذلك للنبي، ﷺ ، فلما قدموا على رسول الله، ﷺ ، قالوا: يا رسول الله، إن رجلًا شهد أن لا إله إلَّا الله، فقتله المقداد، فقال: (ادعوا لي المقداد، يا مقداد، أقتلت رجلًا يقول: لا إله إلَّا الله، فكيف لك بلا إله إلَّا الله غدًا؟! " قال: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ فقال رسول الله، ﷺ ، للمقداد: "كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل".
وقوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي: خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا؛ الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر إليكم [¬١] الإِيمان؛ فتغافلتم عنه، واتهمتموه بالمصانعة والتقية لتبتغوا عرض الحياة الدنيا فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من
стр. 1849
مال هذا.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفًا؛ وكما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ [¬١] قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ الآية. وهذا [هو] [¬٢] مذهب سعيد بن جبير، لما رواه الثَّوري (٧١١)، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير فى قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تخفون إيمانكم في المشركين.
ورواه عبد الرزاق (٧١٢)، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه.
وهذا اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم (٧١٣)، وذكر عن قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ لم تكونوا مؤمنين ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: تاب عليكم. فحلف أسامة لا يقاتل [¬٣] رجلًا يقول لا إله الا الله بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله فيه.
وقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ تأكيدًا [¬٤]، لما تقدم، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قال سعيد بن جبير: هذا تهديد ووعيد.
стр. 1850
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾
قال البخاري (٧١٤): حدّثنا حفص بن عمر، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما نزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ دعا رسول الله زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته، فأنزل الله: ﴿غير أولي الضرر﴾.
حدّثنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾، قال النبي، صدى الله عليه وسلم: "ادع فلانًا" فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: "اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) " وخلف النبي ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، أنا ضرير؛ فننرلت مكانها: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله﴾.
قال البخاري أيضًا (٧١٥): حدّثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح ابن كيسان، عن ابن شهاب، حدثني سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، قال: فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره: أن رسول الله أملى علي (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها على، قال: يا رسول الله، والله [¬١] لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان
стр. 1851
أعمى، فأنزل الله على رسوله، وفخذه على فخذي، فثقلت على حتى خفت أن ترضَّ [¬١] فخذي، ثم سُري عنه، فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾. انفرد [¬٢] به البخاري دون مسلم (٥)، وقد روي من وجه آخر عند الإمام أحمد، عن زيد، فقال الإمام أحمد (٧١٦):
حدثنا سليمان بن داود، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد [عن أبيه]، عن خارجة بن زيد، قال: قال زيد بن ثابت: إني قاعد إلى جنب رسول الله، ﷺ ، إذ أوحي إليه قال [¬٣] وغشيته السكينة، قال: فرفع [¬٤] فخذه على فخذي حين غضيته السكينة. قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئًا قط أثقل من فخذ رسول الله، ﷺ ، ثم سري عنه، فقال: "اكتب يا زيد" فأخذت كتفا، فقال: "اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين … والمجاهدون) [الآية كلها] [¬٥] إلى قوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ " فكتبت ذلك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم، وكان رجلًا أعمى فقام حين سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطع الجهاد ممن هو أعمى وأشباه ذلك؛ قال زيد: فوالله ما مضى [¬٦] كلامه أو ما هو إلا أن قضى كلامه - حتى [¬٧] غشيت النبي السكينة فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه، فقال: "اقرأ" فقرأت عليه: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين … والمجاهدون)، فقال النبي، ﷺ : " ﴿غير أولي الضرر﴾ " قال زيد: فألحقتها، فوالله كأنى أنظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف.
ورواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة ابن زيد بن ثابت، عن أبيه به نحوه.
وقال عبد الرزاق (٧١٧): أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن قبيصة بن [¬٨]، ذؤيب، عن زيد بن
стр. 1852
ثابت؛ قال: كنت أكتب لرسول الله، صلى الله عليه: سلم [فقال": "اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) "] [¬١] فجاء عبد الله بن أم مكتوم فقال: يا رسول الله، إني أحب الجهاد في سبيل الله، ولكن بي من الزمانة ما قد ترى، و [¬٢] ذهب بصري، قال زيد: فثقلت فخذ رسول الله، ﷺ ، على فخذي حتى خشيت أن ترضها، ثم سري عنه، ثم قال: (اكتب ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله﴾ ".
ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
وقال عبد الرزاق (٧١٨): أخبرني ابن جريج، أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجزري [¬٣]- أن مقسمًا مولى عبد الله بن الحارث، أخبره أن ابن عباس؛ أخبره: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾، عن بدر والخارجون إلى بدر.
انفرد به البخاري دون مسلم. وقد رواه الترمذي (٧١٩) من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس؛ قال: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾ عن بدر، والخارجون إلى بدر. ولا نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش (*)
стр. 1853
وابن أم مكتوم، إنا أعميان يا رسول الله، فهل لنا رخصة؛ فنزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾. وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيما درجات منه﴾ على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.
هذا لفظ الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وقوله: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ كان مطلقًا، فلما نزل بوحي سريع ﴿غير أولي الضرر﴾ صار ذلك مخرجًا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد: من العمى، والعرج، والمرض، عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.
ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين، قال ابن عباس: غير أولي الضرر. وكذا ينبغي أن يكون؛ لما [¬١] ثبت في صحيح البخاري (٧٢٠)، من طريق زهير بن معاوية، عن حميد، عن أنس أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه،" قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: "نعم، حبسهم العذر".
وهكذا رواه الإمام أحمد، عن محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، به. وعلقه البخاري مجزومًا. ورواه أبو داود (٧٢١) عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن موسى بن أنس بن
стр. 1854
مالك، عن أبيه، عن النبي، ﷺ ، قال: "لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه"، قالوا: [يا رسول الله كيف] [¬١]، يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: "حبسهم العذر".
لفظ أبي داود، وفي هذا المعنى قال الشاعر:
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد … سرتم جسومًا وسرنا نحن أرواحًا
إنا أقمنا على عذر وعن قدر … ومن أقام على عذر فقد راحا
وقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أي: الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين، بل هو فرض على الكفاية.
ثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، ثم أخبر بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجنان العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وحلول [¬٢]، الرحمة والبركات، إحسانًا منه وتكريمًا، ولهذا قال: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقد ثبت في الصحيحين (٧٢٢)، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إن في الجنة مائة [¬٣]، درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض".
стр. 1855
وقال الأعمش (٧٢٣)، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "من بلغ بسهم فله أجره درجة"، فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال "أما إنها ليست بعتبة أمك. ما بين الدرجتين مائة عام".
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
قال البخاري (٧٢٤): حدثنا عبد الله بن يزيد [¬١] المقرئ، حدثنا حيوة وغيره، قال: حدثنا
стр. 1856
محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث.، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة - مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشدّ النهي، ثم [¬١] قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون [سواد المشركين] [¬٢]، على رسول الله، ﷺ ، يأتي السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه، فيقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ رواه الليث عن أبي الأسود.
وقال ابن أبي حاتم (٧٢٥): حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري - حدثنا محمد بن شريك المكي، حدثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض، قال المسلمونَ: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين [¬٣] وأكرهوا. فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ الآية. قال: فكتبت [¬٤] إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية: لا عذر لهم، قال: فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية: ﴿ومن الناس
стр. 1857
من يقول آمنا بالله﴾ الآية.
وقال عكرمة (٧٢٦): نزلت [هذه] [¬١] الآية في شباب من قريش، كانوا تكلموا بالإِسلام بمكة، منهم على بن أمية بن خلف، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاصي بن منبه بن الحجاج، والحارث ابن زمعة.
وقال الضحاك (٧٢٧): نزلت في أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله، ﷺ ، بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر؛ فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهرانَي المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين؛ فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع، بنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بترك الهجرة، ﴿قالوا فيم كنتم﴾ أي: لمَ مكثتم هاهنا، وتركتم الهجرة؟ ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض؛ ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ الآية.
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان ابن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خُبَيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة بن جندب، عن سمرة بن جندب أما بعد: قال رسول الله: "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله".
стр. 1858
وقال السدي: لما أسر العباس وعقيل ونوفل، قال رسول الله، ﷺ ، للعباس: "افد نفسك وابن أخيك"، فقال: يا رسول الله، ألم نصل إلى [¬١] قبلتك، ونشهد شهادتك؟ قال: "يا عباس، إنكم خاصمتم فخصمتم" ثم تلا عليه هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ " رواه ابن أبي حاتم (٧٢٨).
وقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، هذا عذر من الله تعالى لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم [¬٢] لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ قال مجاهد: عكرمة والسدي يعني: طريقًا. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ أي: يتجاوز عنهم بتركهم [¬٣] الهجرة، و (عسى) من الله موجبة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ [عَفُوًّا غَفُورًا] [¬٤]﴾.
قال البخاري (٧٢٩): حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان، عن يحيى، عِن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: بينا النبي ﷺ يصلي العشاء إذ قال: "سمع الله لمن حمده"، ثم قال قبل أن يسجد: "اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج [¬٥]، سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نج [¬٦] المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف".
стр. 1859
وقال ابن أبي حاتم (٧٣٠): حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقرئ، حدثنا عبد الوارث، حدثنا على بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله، صلى الله عليه ومسلم، رفع يده بعد ما سلم، وهو مستقبل القبلة، فقال: "اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وضعفة المسلمين؛ الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، من أيدي الكفار".
وقال ابن جرير (٧٣١): حدثنا المثني، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن عبد الله [¬١]- أو إبراهيم بن عبد الله القرشي، عن أبي هريرة، أن رسول الله، ﷺ ، كان يدعو في دبر صلاة الظهر: "اللهم خلص الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً".
ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه، كما تقدم.
وقال عبد الرزاق (٧٣٢): أنبأنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعث ابن عباس يقول: كنت أنا رأمي من المستضعفين من النساء والولدان.
وقال البخاري (٧٣٣): أنبأنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﴿إلا المستضعفين﴾، قال: [كانت أمي] [¬٢] ممن عذر الله .
стр. 1860
وقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وإن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة، وملجأ يتحصن فيه، "والمراغم": مصدر، تقول العرب: راغم فلان قومه مراغمًا ومراغمة، قال نابغة بني جعدة:
كطود يُلاذ بأركانه … عزيز المراغم والمهرب
وقال ابن عباس: "المراغم" التحول من أرض إلى أرض. وكذا روي عن الضحاك والربيع ابن أنس والثوري. وقال مجاهد: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ يعني: متزحزحًا عما يكره، وقال سفيان ابن عيينة: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، يعني: بروجًا. والظاهر، والله أعلم، [أن المراغم] [¬١] التمنع الذي يتحصن به، ويراغم به الأعداء.
وقوله ﴿وَسَعَةً﴾ يعني [¬٢]: الرزق. قاله غير واحدٍ، منهم قتادة، حيث قال في قوله: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾: أي والله، من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: ومن خرج [¬٣] من منزله بنية الهجرة، فمات في أثناء الطريق، فقد حصل له من [¬٤] الله ثواب من هاجر. كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن (٧٣٤)، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله، ﵌: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته [لدنيا] [¬٥] يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".