← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الخولاني؛ أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "يكون خلف من بعد الستين سنة، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر". قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به. وقال أحمد (٤١٥): حدثنا حجاج، حدثنا الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي الخطاب، عن أبي سعيد أنه قال: إن رسول الله، ﷺ ، عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال: "ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس؛ إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئًا يقرأ كتاب الله، ولا ويرعوي [¬١] إلى شيء منه". قال الحافط أبو بكر البزار (٤١٦): حدثنا محمد بن عمر بن هياج الكوفي، حدثنا الحسين ابن

стр. 212

عبد الأول، حدثنا محمد بن الحسن الهمداني، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: من شغله قراءة القرآن عن دعائي أعطيته أفضل ثواب السائلين". وقال رسول الله ﷺ : "إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه"، ثم قال: تفرد به محمد بن الحسن ولم يتابع عليه. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثني عبد الرحمن بن بُدَيل بن ميسرة، حدثني أبي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله أهْلِين من الناس". قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "أهْل القرآن هم أهل اللَّه وخاصته" (٤١٧).

стр. 213

وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا خالد بن خِدَاش، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، أن أنس بن مالك، ﵁: كان إذا ختم القرآنَ جمع أهله وولده فدعا لهم (٤١٨). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن عباد المكي، حدثنا حاتم بن إسماعيل عن شريك، عن الأعمش، عن يزيد بن أبان، عن الحسن، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "القرآن غنى لا فقر بعده ولا غنى دونه" (٤١٩). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا عبد الله بن المحرر، عن قتادة، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل شيء حلية، وحلية القرآن الصوت الحسن" (٤٢٠). ابن المحرر ضعيف. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا بكر بن سوادة، عن وفاء الخولاني، عن أنس بن مالك قال: بينما نحن نقرأ فينا العربي والعجمي والأسود والأبيض، إذ خرج علينا رسول الله، ﷺ ، فقال: "أنتم في خير، تقرءون كتاب الله وفيكم رسول الله، ﷺ ، وسيأتي على الناس زمان يثقونه كما يثقف القدح، يتعجلون أجورهم ولا يتأجلونها" (٤٢١). وقد رواه الإمام أحمد -أيضًا- عن حسن، عن ابن لَهِيعة، عن بكر، عن وفاء، عن سهل

стр. 214

ابن سعد، عن النبي، ﷺ ، فذكره (٤٢٢). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الله بن الجهم، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن عبد ربه بن عبد الله، عن عمر بن نبهان، عن الحسن، عن أنس؛ أن النبي، ﷺ ، قال: "إن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يكثر خيره، والبيت الدي لا يقرأ فيه القرآن يقل خيره" (٤٢٣). وقال الحافظ أبو يعلى (٤٢٤): حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا أبو عبيدة، عن محتسب، حدثني يزيد الرقاشي، عن أنس؛ قال: قعد أبو موسى في بيت واجتمع إليه ناس، فأنشأ يقرأ عليهم القرآن، قال: فأتى رسول الله، ﷺ ، رجل، فقال: يا رسول الله، ألا أعجبك من أبي موسى؟ إنه قعد في بيت فاجتمع إليه ناس فأنشأ يقرأ عليهم القرآن قال: فقال رسول الله ﷺ : "أتستطيع أن تقعدني حيث لا يراني منهم أحد؟ ". قال: نعم. قال: فخرج رسول الله، ﷺ ، فأقعده الرجل حيث لا يراه منهم أحد، فسمع قراءة أبي موسى فقال: "إنه ليقرأ على مزمار من مزامير داود، ﵇". هذا غريب، ويزيد الرقاشي ضعيف. وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا جعفر -هو ابن محمد بن علي بن الحسين- عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله، ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: "أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أفضل الهدي هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" ثم يرفع صوته وتحمر وجنتاه، ويشتد غضبه إذا ذكر الساعة، كأنه منذر جيش. قال: ثم يقول: "أتتكم الساعة بعثت أنا والساعة هكذا -وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى- صبحتكم الساعة ومستكم، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دَينًا أو ضياعًا فإليّ وعليّ" (٤٢٥).

стр. 215

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب -يعني ابن عطاء- أنبأنا أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن المنُكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله، ﷺ ، المسجد، فإذا قوم يقرءون القرآن فقال: "اقرءوا القرآن وابتغوا به وجه الله من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح [¬١]، يتعجلونه [¬٢] ولا يتأجلونه [¬٣] " (٤٢٦). قال أحمد -أيضًا- حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، حدثنا حميد الأعرج، عن محمد بن المنْكَدر، عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا العجمي والأعرابي قال: فاستمع فقال: اقرءوا فكل حسن، وسيأتي قوم يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه" (٤٢٧). وقال أبو بكر البزار: حدثنا أبو كُرَيب محمد بن العلاء، حدثنا عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، عن المعلى الكندي، عن عبد الله بن مسعود قال: إن هذا القرآن شافع مشفع، من اتبعه قاده إلى الجنة، ومن تركه أو أعرض عنه -أو كلمة نحوها- زجّ في قفاه إلى النار" (٤٢٨).

стр. 216

وحدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ بنحوه (٤٢٩). وقال الحافظ أبو يعلى (٤٣٠): حدثنا أحمد بن عبد العزيز بن مروان أبو صخر، حدثني بكر بن يونس، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ ألف آية كتب الله له قنطارا، والقنطار مائة رطل، والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية ستة دنانير، والدينار أربعة وعشرون قيراطا، والقيراط مثل أحُد، ومن قرأ ثلاثمائة آية قال الله لملائكته: نصب عبدي لي، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت له، ومن بلغه عن اللَّه فضيلة فعمل بها إيمانًا به ورجاء ثوابه، أعطاه اللَّه ذلك وإن لم يكن ذلك كذلك". وقال أحمد (٤٣١): حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب". قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثني أبي قال: وجدت في كتاب أبي بخطه عن عمران بن أبي عمران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من اتبع كتاب الله هداه اللَّه من الضلالة، ووقاه سوء الحساب يوم القيامة، وذلك أن الله يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه:

стр. 217

١٢٣] " (٤٣٢). وقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا أبي، حدثنا ابن لَهِيعة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس؛ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن أحسن الناس قراءة من قرأ القرآن يتحزن به" (٤٣٣). وقال -أيضًا-: حدثنا أبو يزيد القراطيسي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبدة بن سليمان، عن سعيد أبي سعد البقال، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أحسنوا الأصوات بالقرآن" (٤٣٤). وروى -أيضًا- بسنده إلى الضحاك عن ابن عباس مرفوعًا: "أشراف أمتي حملة القرآن" (٤٣٥). وقال الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا إبراهيم بن أبي سويد الذارع، حدثنا صالح المري، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال: "الحال المرتحل". قال: يا رسول اللَّه، ما الحال المرتحل؟ قال: "صاحب القرآن يضرب في أوله حتى يبلغ آخره، وفي آخره حتى يبلغ أوله" (٤٣٦).

стр. 218

ذكر الدعاء المأثور لحفظ القرآن وطرد النسيان قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن إبراهيم القرشي، حدثني أبو صالح وعكرمة، عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب: يا رسول اللَّه، القرآن يتفلت من صدري، فقال النبي ﷺ : "أعلمك كلمات ينفعك اللَّه بهن وينفع من علمته". قال: قال: نعم بأبي أنت وأمي، قال: "صل ليلة الجمعة أربع ركعات تقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب ويس، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان، وفي الثالثة بفاتحة الكتاب والم تنزيل السجدة، وفي الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل، فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله وأثن عليه، وصل على النبيين، واستغفر للمؤمنين، ثم قل: اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتني، وارحمني من أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، اللَّهم بديع السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام، أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ [¬١] كتابك كما علمتني، وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني، وأسألك أن تنور بالكتاب بصري، وتطلق به لساني، وتفرج به عن قلبي، وتشرح به صدري، وتستعمل به بدني، وتقويني على ذلك وتعينني [على ذلك] [¬٢]، فإنه لا يعينني على الخير غيرك، ولا يوفق له إلا أنت، فافعل ذلك ثلاث جمع أو خمسًا أو سبعا تحفظه بإذن الله وما أخطأ مؤمنا قط". فأتى النبي ﷺ بعد ذلك بسبع جمع فأخبره بحفظ القرآن والحديث، فقال النبي ﷺ : "مؤمن ورب الكعبة" علم أبو الحسن [¬٣]، علم أبو الحسن [¬٤] " هذا سياق الطبراني (٤٣٧). وقال أبو عيسى الترمذي في كتاب الدعوات من جامعه (٤٣٨): حدثنا أحمد بن الحسن،

стр. 219

حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه على بن أبي طالب فقال: بأبي أنت وأمي، تفلت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه، فقال له رسول الله ﷺ : "يا أبا الحسن، أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، وينفع بهن من علمته، ويثبت ما تعلمت في صدرك؟ " قال: أجل يا رسول الله، فعلمني، قال: "إذا كان ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة، والدعاء فيها مستجاب، وقد قال أخي يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (٤٣٩)، يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة، فإن لم تستطع فقم في وسطها، فإن لم تستطع فقم في أولها فصل أربع ركعات، تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان، وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب والم تنزيل السجدة، وفي الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل، فإذا فرغت من التشهد، فاحمد الله وأحسن الثناء على الله، وصل عليّ وأحسن وعلى سائر النبيين، واستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولإخوانك الذين سبقوك بالإيمان، ثم قل في آخر ذلك: اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدا ما أبقيتني، وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، اللَّهم بديع السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام، أسألك يا اللَّه يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني، وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني، اللهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام، أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك، أن تنور بكتابك بصري، وأن تطلق به لساني، وأن تفرج به عن قلبي، وأن تشرح به صدري، وأن تغسل به بدني، فإنه لا يعينني على الحق غيرك ولا يؤتيه إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يا أبا الحسن، تفعل ذلك ثلاث جمع أو خمسا أو سبعا تجاب بإذن الله تعالى، والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمنا قط". قال ابن عباس: فوالله ما لبث عليٌّ إلا خمسًا أو سبعًا حتى جاء عليٌّ [¬١] رسول الله ﷺ في مثل ذلك المجلس، فقال: يا رسول الله، الله إني كنت فيما خلا لا آخذ إلا أربع آيات أو نحوهن، فإذا قرأتُهُن على نفسي تَفَلَّتْنَ وأنا أتعلَّم اليوم أربعين آية أو نحوها، فإذا قرأتها على نفسي فكأنما كتاب الله بين عَينَيّ، ولقد كنت أسمع الحديث، فإذا رَدَّدْتُه تَفَلَّت، وأنا اليوم أسمع الأحاديث، فإذا تحدثتُ

стр. 220

بها لم أخْرِم منها حرفًا، فقال له رسول اللَّه، ﷺ ، عند ذلك: "مؤمن ورب الكعبة يا أبا الحسن". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم. كذا قال: وقد تقدم من غير طريقه. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق الوليد، ثم قال: على شرط الشيخين ولا شك أن سنده من الوليد على شرط الشيخين حيث صرح الوليد بالسماع من ابن جريج، فالله أعلم- فإنه في المتن غرابة بل نكارة، واللَّه أعلم. وقال الإمام أحمد (٤٤٠): حدثنا وَكِيع، حدثنا العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل القرآن مثل الإبل المعقلة إن تعاهدها صاحبها أمسكها، وإن تركها ذهبت". ورواه -أيضًا- عن محمد بن عبيد ويحيى بن سعيد، عن عبيد الله العمري به (٤٤١). ورواه أيضًا عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا نحوه (٤٤٢). وقال البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا حميد بن حماد بن أبي الحوار، حدثنا مِسْعر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سئل رسول اللَّه ﷺ : أي الناس أحسن قراءة؟ قال: "من إذا سمعته يقرأ رؤيت أنه يخشى الله، " (٤٤٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "يقال لصاحب القرآن: اقْرأ وارْقَ ورَتِّل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها" (٤٤٤).

стр. 221

وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني أقرأ القرآن فلا أجد قلبي يعقل عليه، فقال رسول الله ﷺ : "إن قلبك حُشِيَ الإيمان، وإن [العبد يُعطى الإيمان] [¬١] قبل القرآن" (٤٤٥). وبهذا الإسناد: أن رجلًا جاء بابن له فقال: يا رسول الله، إن أبني هذا يقرأ المصحف بالنهار ويبيت بالليل، فقال رسول الله، ﷺ : "ما تنقم أن ابنك يظل ذاكرًا ويبيت سالمًا" (٤٤٦). وقال أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لَهِيعة، عن حيي، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه"، قال: "فيشفعان" (٤٤٧). وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهيعة، حدثنا دراج، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أكثر منافقي أمتي قراؤها" (٤٤٨).

стр. 222

وقال أحمد (٤٤٩): حدثنا وَكِيع، حدثني همام، في قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه". ورواه -أيضًا- عن غُنْدَر، عن شعبة، عن قتادة، به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال أبو القاسم الطبراني (٤٥٠): حدثنا محمَّد بن إسحاق بن راهويه، حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن يونس، ويحيى بن أبي الحجاج التميمي، عن إسماعيل بن رافع، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن عبد الله بن عَمْرو، عن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ القرآن فكأنما استُدْرِجَت النبوة بين جنبيه، غير أنه لا يوحَي إليه، ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدًا أعْطِيَ أفضلَ مما أُعْطِيَ فقدَ عَظَّمَ ما صَغَّر الله، وصَغر ما عظّم الله، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يَسْفه فيمن يَسْفَه، أو يَغْضَب فيمن يَغْصب، أو يَحتَدَّ فيمن يَحْتَدُّ، ولكن يعفو ويصفح، لِفضل القرآن".

стр. 223

وقال الإِمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن ميسرة، عن الحَسَنُ، عن أبي هُرَيرةَ؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من استمع إلى آية من كتاب الله كُتبِتْ له حسنة مضاعفةٌ ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة" (٤٥١). وقال البزار: حدثنا محمَّد بن حرب، حدثنا يحيى بن المتوكل، حدثنا عَنْبَسة بن مهْران، عن الزهريّ، عن سَعِيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "مراءٌ في القرآن كفر". ثم قال: عنبسة هذا ليس بالقويّ. وعنده فيه إسناد آخر (٤٥٢). وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو بكر، حدثنا ابن إدريس، حدثنا المقبري، عن جده، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه" (٤٥٣). وقال الطبراني: حدثنا موسى بن حازم الأصبهاني، حدثنا محمَّد بن بكير الحضرمي، حدثنا إسماعيل بن عَيّاشٍ، عن يحيى بن الحارث الذماري، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن فضالة بن عُبَيد، وَتمِيم الداري، عن النبي ﷺ قال: "من قرأ عشر آيات في ليلة كتب له قنطار، والقنطار خير من الدنيا وما فيها، فإذا كان يوم القيامة يقول ربك، : اقرأ وارقَ بكل آية درجة حتى ينتهى إلى آخر آية معه، يقول ربك: اقبض، فيقول العبد بيده: يا رب أنت أعلم. فيقول: بهذه الخلد وبهذه النعيم" (٤٥٤).

стр. 224

وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة معقس بن عمران بن حطان قال: قال: دخلت مع أبي علي أم الدرداء، ﵂، فسألها أبي: ما فضل من قرأ القرآن على من لم يقرأ؟ قالت: حدثتني عائشة قالت: جُعِلت دَرَجُ الجنة على عدد آي القرآن، فمن قرأ ثلث القرآن ثم دخل الجنة كان على الثلث من دَرَجها، ومن قرأ نصف القرآن كان على النصف من درَجها، ومن قرأه كُله كان في علِّيِّينَ، لم يكن فوقه إلا نبي أو صديق أو شهيد (٤٥٥). وقال الطبراني: حدثنا مسعَدةُ بن سَعْد العطارُ المكي، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم مولى جميع بن حارثة الأنصاري، حدثنا عبد الله بن ماهان الأزدي، حدثني فائد مولى عُبَيد الله بن أبي رافع، حدثتني سُكينة بنت الحُسَين بن علي، عن أبيها قال: قال رسول الله ﷺ : "حملة القرآن عُرَفاء أهل الجنة يوم القيامة" (٤٥٦). وروى الطبراني من حديث بقيَّة، في أبي بكر بن أبي مريم، عن المهاصر بن حبيب، عن عبيدة المليكي، عن رسول الله، ﷺ ، إنّه كان يقول: "يا أهل القرآن، لا توسَّدوا القرآن، واتلوه حَق تلاوته من آناء الليل والنهار، وتغنوه وتقَنَّوه، واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون، ولا تسعجلوا ثوابه، فإن له ثوابًا" (٤٥٧). وفي حديث عقبة بن عامر نحوه، كما تقدم. وقال الإِمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا ابن لَهِيعَة، عن مِشْرَح، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله، ﷺ : "لو أن القرآن جُعِل في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق" (٤٥٨).

стр. 225

تفرد به. قيل: معناه: أن الجسد الذي يقرأ القرآن لا تمسه النار. وفي سُنن ابن ماجه من طريق المغيرة بن نَهِيك، عن عقبة بن عامر مرفوعًا: "من تعلم القرآن [¬١]، ثم تركه فقد عصاني / (٤٥٩). وفي حديث رواه أبو يعلى من طريق ليث، عن مجاهد، عن أبي سعيد مرفوعًا: "عليك بتقوى الله، فإنها رأس كل خير، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية [¬٢]، الإِسلام، وعليك بِذِكْرِ

стр. 226

الله وتلاوة القرآنِ، فإنه نورٌ لك في الأرض وذكر لك في السماء، واخْزُنْ لسانَكَ إلا من خَيَر، فإنك بذلك تَغْلِب الشيطان" (٤٦٠). وهكذا أذكُرُ آثارًا مروية عن ابن أمِّ عَبْد -عبد الله بن مسعود- أحدِ قُرَّاء القرآن مِنَ الصَّحَابةِ المأمورِ بالتلاوة على نحوهم. روى الطبراني، عن الدَّبَرِي، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أبي إسحاق، قال: قال ابن مسعود: كل آية في كتاب الله خيرٌ مما في السماء والأرض (٤٦١). ومن طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن مرة قال ابن مسعود: من أراد العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين (٤٦٢).

стр. 227

ومن طريق سُفيان وشعبة، عن سلمة بن كُهَيل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: إن هذا القرآن ليس فيه حرف إلَّا له حدٌّ، ولكل حد مَطلع (٤٦٣). ومن حديث الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سيار أبي الحكم، عن ابن مسعودٍ أنه قال: أعربوا هذا القرآن فإنه عربي، وسيجيءُ قوم يثقَفُونه وليسوا بخياركم (٤٦٤). والثوري، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن ابن مسعود قال: أديموا النظر في المصحف، وإذا اخلفتم في ياء أو تاء فاجعلوها ياء، ذكروا القرآن فإنه مذكر (٤٦٥). وقال عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن شَدَّاد بن مَعْقِل، سَمِعْتُ ابن مسعود يقول: إن أول ما تفقدونَ من دينكم الأمانة، وآخر ما يبقى من دينكم الصلاة، وَلَيُصَلِّينَ قوم لا خَلَاقَ لهم، ولينزعن القرآن من بين أظهركم. قالوا: يا أبا عبد الرحمن، ألسنا نقرأ القرآن وقد أثبتناه في مصاحفنا؟ قال: يُسرَى على القرآن ليلًا فَيُذْهَبُ به من أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شيء -وفي رواية: لا يبقى في مصحف منه شيءٌ- ويصِبح الناس فُقَراءَ كالبهائم. ثم قرأ عبد الله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَينَا وَكِيلًا﴾ (٤٦٦). وقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثني شيبة، عن علي بن بذيمةَ، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه قال: من قرأ القرآن في أقَل من ثلاثٍ فهو راجز (٤٦٧). قال هشام عن الحسَنِ: إنه بلغه عن ابن مسعود مثلُ ذلك. ومن طريق الأعمش، عن أبي وائل قال: كان عبد الله بن مسعود يقل الصوم، فيقال له في

стр. 228

ذلك، فيقول: إني إذا صُمْتُ ضَعُفْتُ عن القراءةِ والصلاة، والقراءة والصلاة أحبُّ إلي (٤٦٨).

стр. 229

[مقدمة مفيدة تذكر في أول التفسير قبل الفاتحة قال أبو بكر بن الأنباري: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا الحجاج بن منهال، حدَّثنا همام، عن قتادة؛ قال: نزل في المدينة من القرآن البقرة وآل عمران، والنساء والمائدة، وبراءة والرعد، والنحل والحج، والنور والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات والرحمن، والحديد والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون والتغابن والطلاق و ﴿يا أيها النبي لم تحرم﴾ إلى رأس العشر و ﴿إذا زلزلت … ﴾ و ﴿إذا جاء نصر الله﴾ هؤلاء السور نزلت بالمدينة وسائر السور بمكة. فأما عدد آيات القرآن العظيم فستة آلاف آية؛ ثم اختلف فيما زاد على ذلك على أقوال: فمنهم من لم يزد على ذلك، ومنهم من قال: ومائتا آية وأربع آيات، وقيل: وأربع عشرة آية، وقيل: ومائتان وتسع عشرة آية، وقيل: ومائتان وخمس وعشرون آية، أو ست وعشرون آية، وقيل: ومائتان وست وثلاثون، حكى ذلك أبو عمرو الداني في كتابه البيان (٤٦٩). وأما كلماته؛ فقال الفضل بن شاذان، عن عطاء بن يسار: سبع وسبعون ألف كلمة، وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة. وأما حروفه؛ فقال عبد الله بن كثير عن مجاهد: هذا ما أحصينا من القرآن، وهو ثلثمائة ألف حرف، واحد وعشرون ألف حرف، ومائة وثمانون حرفًا. وقال الفضل عن عطاء بن يسار: ثلثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشرة حرفًا. وقال سلام أبو محمَّد الحماني: إن الحجاج جمع القراء والحفاظ والكتاب فقال: أخبروني عن القرآن كله كم من حرف هو؟ قال: فحسبنا فأجمعوا أنه ثلثمائة ألف وأربعون ألفا وسبعمائة وأربعون حرفًا. قال: فأخبرونى عن نصفه فإذا هو إلى الفاء من قوله في الكهف: ﴿وليتلطف﴾. وثلثه الأول عند رأس مائة آية من براءة، والثاني على رأس مائة أو إحدى ومائة من الشعراء، والثالث إلى آخره. وسُبعه الأول إلى الدال من قوله تعالى: ﴿فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ﴾ والسبع الثاني إلى التاء من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿أولئك حبطت﴾ والثالث إلى الألف الثانية من قوله

стр. 230

تعالى في الرعد: ﴿أكلها﴾، والرابع إلى الألف في الحج من قوله: ﴿جعلنا منسكًا﴾ والخامس إلى الهاء من قوله في الأحزاب: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة﴾، والسادس إلى الواو من قوله تعالى في الفتح: ﴿الظانين بالله ظن السوء﴾، والسابع إلى آخر القرآن. قال سلام أبو محمَّد: علمنا ذلك في أربعة أشهر. قالوا: وكان الحجاج يقرأ في كل ليلة ربع القرآن، فالأول إلى آخر الأنعام والثاني إلى ﴿وليتلطف﴾ من سورة الكهف، والثالث إلى آخر الزمر، والرابع إلى آخر القرآن. وقد حكى الشيخ أبو عمرو الداني في كتابه (البيان) خلافًا في هذا كله، فالله أعلم (٤٧٠). وأما (التحزيب والتجزئة) فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الرُبعات بالمدارس وغيرها، وقد ذكرنا فيما تقدم الحديث الوارد في تحزيب الصحابة للقرآن، والحديث في مسند الإِمام أحمد، وسنن أبي داود وابن ماجه وغيرهم عن أوس بن حذيفة (٤٧١)؛ أنه سأل أصحاب رسول الله ﷺ في حياته: كيف تُحزبون القرآن؟ قالوا: ثلث وخمس وسبع وتسع واحد عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل حتى تختم. [فصل] واختلف في معنى السورة مما هي مشتقة فقيل: من الإبانة والارتفاع، قال النابغة: ألم تر أن الله أعطاك سورة … ترى كل ملك دونها يتذبذب فكأن القاري ينتقل بها من منزلة إلى منزلة. وقيل: لشرفها وارتفاعها كسور البلدان، وقيل: سميت سورة لكونها قطعة من القرآن وجزءًا

стр. 231

منه مأخوذٌ من أسآر الإناء وهو البقية. وعلى هذا فيكون أصلها مهموزًا. وإنما خففت الهمزة فأبدلت الهمزة واوًا لانضمام ما قبلها. وقيل: لتمامها وكمالها؛ لأن العرب يسمون الناقة التامة سورة. (قلت): ويحتمل أن يكون من الجمع والإحاطة لآياتها كما يسمى سور البلد لإحاطته بمنازله دوره. وجمع السورة سوَر بفتح الواو، وقد يجمع على سورات وسوارات. وأما الآية فمن العلامة على انقطاع الكلام الذي قبلها عن الذي بعدها وانفصالها، أي: هي بائنة عن أختها ومنفردة، قال الله تعالى: ﴿إن آية ملكه﴾ وقال النابغة: توهمت آيات لها فعرفتها … لستة أعوام وذا العام سابع وقيل: لأنها جماعة حروف من القرآن وطائفة منه، كما يقال: خرج القوم بآياتهم أي بجماعاتهم، قال الشاعر (٤٧٢): خرجنا من النقبين لا حي مثلنا … بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا وقيل: سميت آية لأنها عجيب يعجز البشر عن التكلم بمثلها. قال سيبويه: وأصلها أيية مثل أكمة وشجرة، تحركت الياء وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألفا فصارت آية بهمزة بعدها مدة. وقال الكسائي: أصلها آيية على وزن آمنة فقلبت ألفًا ثم حذفت لالتباسها. وقال الفراء: أصلها أيية -بتشديد الياء الأولى- فقلبت ألفًا كراهة التشديد، فصارت آية وجمعها آي وآياي وآيات. وأما الكلمة؛ فهي اللفظة الواحدة، وقد تكون على حرفين، مثل: "ما" و"لا" ونحو ذلك. وقد تكون أكثر، وأكثر ما تكون عشرة أحرف مثل: ﴿ليستخلفنهم﴾ و ﴿أنلزمكموها﴾ و ﴿فأسقيناكموه﴾. وقد تكون الكلمة الواحدة آية، مثل: والفجر، والضحى، والعصر، وكذلك الم، وطه، ويس، وحم، في قول الكوفيين، وحم، وعسق، عندهم كلمتان وغيرهم لا يسمي هذه آيات بل يقول: هذه فواتح السور. وقال أبو عمرو الداني: لا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله تعالى ﴿مدهامتان﴾ بسورة الرحمن.

стр. 232

[فصل] قال القرطبي (٤٧٣): أجمعوا على أنَّه ليس في القرآن شيء من التراكيب الأعجمية، وأجمعوا أن فيه أعلامًا من الأعجمية، كإبراهيم، ونوح، ولوط، واختلفوا هل فيه شيء من غير ذلك بالأعجمية؟ فأنكر ذلك الباقلاني والطبري وقالا: ما وقع فيه مما يوافق الأعجمية فهو من باب ما توافقت فيه اللغات] [¬١].

стр. 233

سورة الفاتحة [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يقال لها: الفاتحة، أي: فاتحةُ الكتاب خطًّا، وبها تفتح [¬١] القراءة في الصلوات [¬٢]، ويقال لها أيضًا: (أم الكتاب) عند الجمهور، كرهه [¬٣] أَنس. والحسن وابن سيرين كرها تسميتها بذلك. قال الحسن وابن سيرين: إنما ذلك اللوح المحفوظ. وقال الحسن: الآيات المحكمات هن أم الكتاب. ولذا [¬٤] كرها أيضًا أن يقال لها: (أم القرآن). وقد ثبت في الصحيح عند التِّرمِذي، وصححه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الحمد لله رب العالين أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم" (١). ويقال لها: (الحمد) ويقال لها: (الصلاة)؛ لقوله ﷺ عن ربه: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي … " (٢). الحديث. فسُميت الفاتحة صلاة لأنها شرط فيها، ويقال لها: (الشفاء)، لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعًا: "فاتحة الكتاب شفاء من كل سُم" (٣).

стр. 234

ويقال لها: (الرقية)؛ لحديث أبي سعيد في الصحيح حين رقى بها الرجل السليم، فقال له رسول الله ﷺ : "وما يدريك أنَّها رقية؟ " (٤). وروى الشعبي عن ابن عبَّاس أنَّه سماها: (أساس القرآن)، قال: وأساسها بسم الله الرحمن الرحيم. وسماها سفيان بن عيينة: (بالواقية)، وسماها يحيى بن أبي كثير: (الكافية)؛ لأنها تكفي عما عداها، ولا يكفي ما سواها عنها، كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة (٥): " أم القرآن عِوض من غيرها، وليس [] [¬١]، غيرها عوض منها" (٦).

стр. 235

ويقال لها: (سورة الصلاة) و (الكنز)، ذكرهما الزمخشري في كشافه (٧)] [¬١]. وهي مكية [قاله ابن عبَّاس وقَتَادة وأَبو العالية] [¬٢]، وقيل: مدنية [قاله أَبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري] [¬٣] ويقال: نزلت مرتين، مرة بمكة، ومرة بالمدينة. [والأول أشبه لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾] [¬٤]، واللَّه تعالى أعلم. [وحكى أَبو اللَّيث السمرقندي أن نصفها نزل بمكة، ونصفها الآخر نزل بالمدينة، وهو غريب جدًّا، نقله القرطبي عنه] [¬٥]، وهي سبع آيات بلا خلاف، [وقال عمرو بن عبيد: ثمان. وقال حسين الجعفي: ستة، وهذان القولان شاذان] [¬٦] إنَّما اختلفوا في البسملة هل هي آية مستقلة من أولها كما هو المشهور [عن] [¬٧] جمهور قرَّاء الكوفة، وقول جماعة من الصحابة والتابعين وخلق من الخلف -أو بعض آية، أو لا تعدّ من أوَّلها بالكلية، كما هو قول أهل المدينة من القرَّاء والفقهاء؛ على ثلاثة أقوال [كما] سيأتي [تقريرها] [¬٨] في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة. قالوا: وكلماتها خمس وعشرون كلمة، وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفًا. قال البخاري في أول كتاب التفسير: وسميت (أم الكتاب) لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة. وقيل: إنما سميت بذلك لرجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمنته. قال ابن جرير (٨): والعرب تسمي كل جامع أمرًا أو مقدم لأمر إذا كانت له توابع تتبعه هو لها

стр. 236

إمام جامع - أُمًّا، فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ: أم الرأس، ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها أُمًّا، واستشهد بقول ذي الرُّمة: على رأسه أم لنا نقتدي بها … جماع أمور [ليس نعصي] [¬١] لها أمرًا يعني: الرمح. قال: وسميت مكة (أمّ القرى) لتقدّمها أمام جميعها وجمعها ما سواها، وقيل: لأن الأرض دحيت منها [¬٢]. ويقال لها أيضًا: (الفاتحة)، لأنها تفتتح بها القراءة، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام، وصح تسميتها بالسبع المثاني. قالوا: لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة، وإن كان للمثاني معنى آخر غير هذا، كما سيأتي بيانه في موضعه، إن شاء الله تعالى. قال الإمام أحمد (٩): حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا ابن أبي ذئب، [وهاشم بن هاشم] [¬٣] عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنَّه قال [في أمّ] [¬٤] القرآن: "هي أمّ القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم]. ثم رواه عن إسماعيل بن عمر، عن ابن أبي ذئب، به. وقال أَبو جعفر محمد بن جرير الطَّبري: حدّثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا [¬٥] ابن وَهْب، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ قال: "هي أُمّ القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني" (١٠). وقال الحافظ أَبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في تفسيره: حدَّثنا أحمد بن محمد بن زياد، حدَّثنا محمد بن غالب بن حرب، حدَّثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي، حدَّثنا المعافى بن عمران، عن عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الحمد لله رب العالمين سبع آيات، بسم اللَّه الرحمن الرحيم إحداهن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أُمّ الكتاب وفاتحة الكتاب" (١١).

стр. 237

وقد رواه الدارقطني (١٢) أيضًا عن أَبي هريرة مرفوعًا بنحوه أو مثله، وقال: كلهم ثقات. وروى البيهقي عن علي (١٣) ابن عبَّاس (١٤) وأبي هريرة (١٥) أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ بالفاتحة، وأن البسملة هي الآية السابعة منها. وسيأتي تمام هذا عند البسملة. [وقد روى الأعمش، عن إبراهيم؛ قال: قيل لابن مسعود: لِمَ لَمْ تكتب الفاتحة في مصحفك؟ فقال: لو كتبتها؛ لكتبتها في أول كل سورة (١٦). قال أَبو بكر بن أبي داود - يعني - حيث يقرأ في الصلاة؛ قال: واكتفيت بحفظ المسلمين لها عن كتابتها. وقد قيل: إن الفاتحة أول شيء أنزل من القرآن، كما ورد في حديث رواه البيهقي (١٧) في دلائل النبوة، ونقله الباقلاني - أحد أقوال ثلاثة، وقيل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ كما في حديث جابر (١٨) في

стр. 238

الصحيح. وقيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وهذا هو الصحيح كما سيأتي تقريره في موضعه، والله المستعان] [¬١]. ذكر ما ورد في فضل الفاتحة قال الإمام أحمد بن محمد بن حنبل (١٩) - رحمه الله تعالى- في مسنده: حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدَّثني خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى، ﵁؛ قال: كنت أصلي فدعاني رسول الله ﷺ ، فلم أجبه حتَّى صليت فأتيته [¬٢] فقال: "ما منعك أن تأتيني؟ ". قال: قلت: يا رسول الله؛ إني كنت أصلي. قال: "ألم يقل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ ". ثم قال: "لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد". قال: فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله؛ إنك قلت: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن. قال: "نعم، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته". وهكذا رواه البخاري، عن مسدّد وعلي بن المديني - كلاهما - عن يحيى بن سعيد القطان، به.

стр. 239

[ورواه في موضع آخر من التفسير، وأَبو داود والنَّسائي وابن ماجة من طرق عن شعبة، به]. ورواه الواقدي عن محمد بن معاذ الأنصاري، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن العلي، عن أبي بن كعب فذكر نحوه (٢٠). وقد وقع في الموطأ للإمام مالك بن أَنس (٢١) ﵀ ما ينبغي التنبيه عليه، فإنه رواه مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي؛ أن أبا سعيد مولى ابن عامر [¬١]، بن كريز أخبرهم؛ أن رسول الله ﷺ نادى أبي بن كعب وهو يصلي في المسجد، فلما فرعٌ من صلاته لحقه؛ قال: فوضع النبي ﷺ يده على يدي وهو يريد أن يخرج من باب المسجد، ثم قال ﷺ : "إني لأرجو أن لا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن [¬٢] مثلها". قال أبي ﵁: فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك، ثم قلت: يا رسول الله؛ ما [¬٣] السورة التي وعدتني؟ قال: "كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ " قال: فقرأت عليه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ حتَّى أتيتُ على آخرها، فقال رسول الله ﷺ : "هي هذه السورة، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت".

стр. 240

فأَبو سعيد هذا ليس بأبي سعيد بن المعلى، كما اعتقده ابن الأثير في جامع الأصول (٢٢) ومن تبعه، فإنّ ابن المعلى صحابي أنصاري، وهذا تابعي من موالي خزاعة، وذاك الحديث متصل صحيح، وهذا ظاهره أنه منقطع، إن لم يكن سمعه أَبو سعيد هذا من أبي بن كعب، فإن كان قد سمعه منه فهو على شرط مسلم، والله أعلم. على أنَّه قد روي عن أبي بن كعب من غير وجه، كما قال الإمام أحمد (٢٣): حدَّثنا عفان، حدَّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدَّثنا العلاء [¬١] بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: خرج رسول الله ﷺ على أبي بن كعب وهو يصلي، فقال: "يا أبي" فالتفت ثم لم يجبه، ثم قال: "أبي". فخفف ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك أي رسول الله. فقال: "وعليك السلام، ما منعك -أي أبي- إذ دعوتك أن تجيبني؟ ". فقال: أي رسول الله؛ إني كنت في الصلاة. قال: "أولست تجد فيما أوحي الله [¬٢]، إلي ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ " قال: بلى يا رسول الله؛ لا أعود. قال: "أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل لا [¬٣] في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ " قلت: نعم، أي رسول الله. قال رسول الله ﷺ : "إني لأرجو أن لا أخرج من هذا الباب حتى تعلمها". قال: فأخذ رسول الله ﷺ بيدي يحدّثني وأنا أتبطأ مخافة أن يبلغ قبل أن يقضي الحديث، فلما دنونا من الباب قلت: أي رسول الله؛ ما السورة التي وعدتني؟ قال: "ما تقرأ في الصلاة؟ " قال: فقرأت عليه أمّ القرآن، قال: "والذي نفسي بيده ما أنزل الله [¬٤] في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، إنها السبع المثاني". ورواه التِّرمِذي عن قتيبة، عن الدراوردي، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁

стр. 241

فذكره، وعنده: "إنها من السبع المثاني والقوآن العظيم الذي أعطيته". ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن أَنس بن مالك (٢٤). ورواه عبد الله بن الإمام [¬١] أحمد (٢٥)، عن إسماعيل [] [¬٢] أبي معمر، عن أبي أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هو - سنة، عن أبي بن كعب فذكره مطوَّلا بنحوه أو قريبًا منه. وقد رواه التِّرمِذي والنسائي جميعًا (٢٦) عن أبي عمار حسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أمّ القرآن، وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي نصفين [¬٣] ". هذا لفظ النَّسائي. وقال التِّرمِذي: حديث [¬٤] حسن غريب.

стр. 242

وقال الإمام أحمد (٢٧): حدثنا محمد بن عُبيد، حدَّثنا هاشم -يعني بن البريد- حدَّثنا عبد الله بن محمد بن [¬١] عقيل، عن ابن جابر؛ قال: انتهيتُ إلى رسول الله ﷺ وقد أهراق الماء، فقلت: السلام عليك يا رسول الله؛ فلم يردَّ عليَّ، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله؛ فلم يردّ عليَّ، [قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله؛ فلم يردَّ عليَّ، قال] [¬٢]: فانطلق رسول الله ﷺ يمشي وأنا خلفه حتى دخل رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلستُ كئيبًا حزينًا، فخرج عليَّ رسول الله ﷺ [و] [¬٣] قد تطهر، فقال: "عليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله". ثم قال: "ألا أخبرك -يا عبد الله بن جابر- بأخير [¬٤] سورة في القرآن؟ ". قلت: بلى يا رسول الله. قال: "اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها". هذا إسناد جيد، وابن عقيل هذا [¬٥] يحتج [¬٦] به الأئمة الكبار، وعبد الله بن جابر هذا هو الصحابي، ذكر ابن الجوزي أنه هو العبدي، والله أعلم. ويقال: إنه عبد الله بن جابر الأنصاري البياضي (٢٨)، فيما ذكره الحافظ ابن عساكر. واستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض، كما هو المحكي عن كثير من العلماء، منهم إسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن العربي، وابن "الحصار" [¬٧] من المالكية، وذهبت طائفة أخرى [¬٨] إلى أنه لا تفاضل في ذلك؛ لأن الجميع كلام الله، ولئلا

стр. 243

[يوهم التفضيل نقص] [¬١] المفضل عليه، وإن كان الجميع فاضلًا. نقله القرطبي عن الأشعري وأبي بكر الباقلاني، وأبي حاتم بن حبان البستي، ويحي بن يحيى، ورواية عن الإمام مالك أيضًا. حديث آخر قال البخاري في فضائل القرآن (٢٩): حدَّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا وهب، حدَّثنا هشام، عن محمد، عن معبد [¬٢]، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: كنا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم، وإنّ نفرنا غُيّبٌ، فهل منكم راقٍ؟ فقام معها [¬٣] رجل ما كنا نأبنه [¬٤] برقية، فرقاه فبرأ، فأُمر له بثلاثين شاة وسقانا لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأمّ الكتاب. قلنا: لا تحدثوا شيئًا حتى نأتي -أو [¬٥] نسأل- رسول الله ﷺ ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي ﷺ ، فقال: "وما كان يدريه أنها رقية اقسموا واضربوا لي بسهم". وقال أبو معمر: حدَّثنا عبد الوارث، حدَّثنا هشام، حدَّثنا محمد بن سيرين، حدّثني معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري بهذا. وهكذا رواه مسلم وأبو داود من رواية هشام، وهو ابن حسان، عن ابن سيرين به (٣٠). وفي بعض روايات مسلم (٣١) لهذا الحديث أنّ أبا سعيد الخدري هو الذي رقى ذلك السليم - يعني اللديغ- يسمونه بذلك تفاؤلًا.

стр. 244

حديث آخر: روى مسلم في صحيحه والنسائي في سننه من حديث أبي الأحوص سلام بن سليم (٣٢)، عن عمار بن رُزَيْق [¬١]، عن عبد اللَّه بن عيسي بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس؛ قال: بينا رسول الله ﷺ وعنده جبريل؛ إذ سمع نقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قَطُّ. قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي ﷺ ، فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيته. وهذا لفظ النسائي ولمسلم نحوه. حديث آخر: قال مسلم (٣٣): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -هو ابن راهويه- حدثنا سفيان بن عيينة، عن العلاء -يعني ابن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرقي- عن أبيه، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ ؛ قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن ففي خداج -ثلاثًا- غير تمام". فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء [¬٢] الإمام فقال [¬٣]: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله : "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، [فإذا [¬٤] قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجَّدَني عبدي. وقال مرة: فوض إليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل] [¬٥]، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [] [¬٦]. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل". وهكذا رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه. وقد روياه أيضًا (٣٤)، عن قتيبة، عن مالك، عن العلاء، عن أبي السائب مولى هشام بن

стр. 245

زُهرة [¬١]، عن أبي هريرة به، وفي هذا السياق: "فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل". وهكذا [¬٢] رواه ابن إسحاق عن العلاء (٣٥). وقد رواه مسلم من حديث ابن جريج عن العلاء عن أبي السائب هكذا (٣٦). ورواه أيضًا من حديث [ابن أبي أويس] [¬٣] عن العلاء، عن أبيه وأبي السائب كلاهما عن أبي هريرة (٣٧). وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وسألت أبا زرعة عنه؟ فقال: كلا الحديثين صحيح، من قال: عن العلاء، عن أبيه، وعن العلاء، عن أبي السائب (٣٨). وقد روى هذا الحديث عبد الله بن الإمام أحمد (٣٩) من حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب مطولًا. وقال [¬٤] ابن جرير (٤٠): حدَّثنا صالح بن مسمار المروزي، حدَّثنا زيد بن الحباب، حدَّثنا عنبسة بن سعيد، عن مُطرف بن طريف، عن سعد بن إسحاق بن [¬٥] كعب بن عجرة، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله قال الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، وله ما سأل" فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال: "حمدني عبدي" وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: "أثنى عليّ عبدي". ثم قال:

стр. 246

"هذا لي وله ما بقي". وهذا غريب من هذا الوجه (٤١). ثم الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث مما يختص بالفاتحة [¬١]، من وجوه: (أحدها) أنه قد أطلق فيه لفظ الصلاة، والمراد القراءة كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي: بقراءتك، كما جاء مصرحًا به في الحديث [¬٢] الصحيح عن ابن عباس (٤٢)، وهكذا قال في هذا الحديث: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل" ثم بين [تفصيل [¬٣] هذه القسمة] [¬٤] في قراءة الفاتحة، فدل على عظمة [¬٥] القراءة في الصلاة، وأنها من أكبر أركانها، إذ [¬٦] أطلقت العبادة وأريد بها [¬٧] جزء واحد منها وهو القراءة، كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ والمراد صلاة الفجر، كما جاء مصرحًا به في الصحيحين (٤٣) من أنه يشهدها [¬٨] ملائكة الليل وملائكة النهار، فدل هذا كله على أنه لا بد من القراءة في الصلاة، وهو اتفاق من العلماء، ولكن اختلفوا في مسألة نذكرها في الوجه الثاني، وذلك أنه هل [¬٩] يتعين للقراءة في الصلاة [] [¬١٠] فاتحة الكتاب أم تجزئ هي [أو غيرها] [¬١١]؟ على قولين مشهورين: فعند أبي حنيفة ﵀ ومن وافقه من أصحابه وغيرهم أنها لا تتعين، بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة، واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وبما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته أن رسول الله ﷺ قال له: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن". قالوا: فأمره بقراءة ما تيسر، ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها، فدلَّ على ما قلنا [¬١٢].

стр. 247

(والقول الثاني) أنه يتعين [¬١] قراءة الفاتحة في الصلاة، ولا تجزئ الصلاة بدونها، وهو قول بقية الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم وجمهور العلماء، واحتجوا على ذلك بهذا الحديث المذكور حيث قال -صلوات الله وسلامه عليه-: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خداج" والخداج هو الناقص كما فسر [] [¬٢] في الحديث ["غير تمام"] [¬٣]. واحتجوا أيضًا بما ثبت في الصحيحين (٤٤) بن حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا صلاة لمن لم [¬٤] يقرأ بفاتحة الكتاب". وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة (٤٥) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأمّ القرآن". والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ووجه المناظرة هاهنا يطول ذكره، وقد أشرنا إلى [مأخذهم في ذلك] [¬٥]، ﵏. ثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم أنه تجب قراءتها في كل ركعة. وقال آخرون: إنما [¬٦] تجب قراءتها [¬٧] في معظم الركعات، وقال الحسن وأكثر البصريين: إنما تجب قراءتها [¬٨] في ركعة واحدة من الصلوات [¬٩] أخذًا بمطلق الحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحه الكتاب". وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: لا تتعين [¬١٠] قراءتها، بل لو قرأ بغيرها أجزأه لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا [¬١١] مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [كما تقدم] [¬١٢]، والله أعلم.

стр. 248

وقد روى ابن ماجة من حديث أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها" (٤٦). وفي صحة هذا نظر، وموضع [¬١] تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير، والله أعلم. (والوجه الثالث) هل تجب [¬٢] قراءة الفاتحة على المأموم؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء: (أحدها) أنه تجب عليه قراءتها، كما تجب على إمامه لعموم الأحاديث المتقدمة. (والثاني) لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها لا في الصلاة الجهرية ولا السرية، لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (٤٧) عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"، ولكن في إسناده ضعف. ورواه مالك عن وهب بن كيسان، عن جابر من كلامه (٤٨) وقد روي هذا الحديث من طرق ولا يصح شيء منها عن النبي، ﷺ ، والله أعلم. (والقول الثالث) أنه تجب القراءة على المأموم في السرية لما تقدم، ولا تجب في الجهرية لما ثبت في صحيح مسلم (٤٩) عن أبي موسى الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 249

"إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا". وذكر بقية الحديث. وكذا رواه أهل السنن (٥٠) أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "وإذا قرأ فأنصتوا". وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضًا (٥١)، فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول، وهو قولٌ قديمٌ للشافعي ﵀ ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- والغرض من ذكر هذه المسائل هاهنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور، والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار (٥٢): حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدَّثنا غسان بن عبيد، عن

стр. 250

أبي عمران الجوني، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد فقد أمنت من كل شيء إلا الموت". [الكلام على] [¬١] تفسير الاستعاذة [وأحكامها] [¬٢] قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فهذه ثلاث آيات ليس لهنّ رابعة في معناها، وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدوّ الإنسي والإحسان إليه؛ ليردّه عنه [¬٣] طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة [¬٤] والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة به من العدوّ الشيطاني لا محالة إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانًا، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم؛ لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل، كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ وقال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ وقد أقسم للوالد آدم ﵇ أنه له [¬٥] لمن الناصحين وكذب فكيف معاملته لنا وقد قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. قالت طائفة من القرّاء وغيرهم: يتعوّذ [¬٦] بعد القراءة واعتمدوا على ظاهر سياق الآية ولدفع الإعجاب بعد فراغ العبادة، وممن ذهب إلى ذلك حمزة فيما ذكره ابن قلوقا [¬٧] عنه وأبو حاتم السجستاني، حكى ذلك أبو القاسم يوسف بن علي بن جُبارة الهذلي المغربي في كتابه "الكامل"، وروي عن أبي هريرة أيضًا وهو غريب، [ونقله محمد بن عمر الرازي في تفسيره عن ابن سيرين في رواية عنه قال: وهو قول إبراهيم النخعي وداود بن علي الأصبهاني الظاهري.
следующие страницы →