محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث.، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة - مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشدّ النهي، ثم [¬١] قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون [سواد المشركين] [¬٢]، على رسول الله، ﷺ ، يأتي السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه، فيقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ رواه الليث عن أبي الأسود.
وقال ابن أبي حاتم (٧٢٥): حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري - حدثنا محمد بن شريك المكي، حدثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض، قال المسلمونَ: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين [¬٣] وأكرهوا. فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ الآية. قال: فكتبت [¬٤] إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية: لا عذر لهم، قال: فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية: ﴿ومن الناس
стр. 1857
من يقول آمنا بالله﴾ الآية.
وقال عكرمة (٧٢٦): نزلت [هذه] [¬١] الآية في شباب من قريش، كانوا تكلموا بالإِسلام بمكة، منهم على بن أمية بن خلف، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاصي بن منبه بن الحجاج، والحارث ابن زمعة.
وقال الضحاك (٧٢٧): نزلت في أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله، ﷺ ، بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر؛ فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهرانَي المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين؛ فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع، بنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بترك الهجرة، ﴿قالوا فيم كنتم﴾ أي: لمَ مكثتم هاهنا، وتركتم الهجرة؟ ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض؛ ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ الآية.
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان ابن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خُبَيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة بن جندب، عن سمرة بن جندب أما بعد: قال رسول الله: "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله".
стр. 1858
وقال السدي: لما أسر العباس وعقيل ونوفل، قال رسول الله، ﷺ ، للعباس: "افد نفسك وابن أخيك"، فقال: يا رسول الله، ألم نصل إلى [¬١] قبلتك، ونشهد شهادتك؟ قال: "يا عباس، إنكم خاصمتم فخصمتم" ثم تلا عليه هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ " رواه ابن أبي حاتم (٧٢٨).
وقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، هذا عذر من الله تعالى لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم [¬٢] لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ قال مجاهد: عكرمة والسدي يعني: طريقًا. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ أي: يتجاوز عنهم بتركهم [¬٣] الهجرة، و (عسى) من الله موجبة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ [عَفُوًّا غَفُورًا] [¬٤]﴾.
قال البخاري (٧٢٩): حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان، عن يحيى، عِن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: بينا النبي ﷺ يصلي العشاء إذ قال: "سمع الله لمن حمده"، ثم قال قبل أن يسجد: "اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج [¬٥]، سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نج [¬٦] المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف".
стр. 1859
وقال ابن أبي حاتم (٧٣٠): حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقرئ، حدثنا عبد الوارث، حدثنا على بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله، صلى الله عليه ومسلم، رفع يده بعد ما سلم، وهو مستقبل القبلة، فقال: "اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وضعفة المسلمين؛ الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، من أيدي الكفار".
وقال ابن جرير (٧٣١): حدثنا المثني، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن عبد الله [¬١]- أو إبراهيم بن عبد الله القرشي، عن أبي هريرة، أن رسول الله، ﷺ ، كان يدعو في دبر صلاة الظهر: "اللهم خلص الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً".
ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه، كما تقدم.
وقال عبد الرزاق (٧٣٢): أنبأنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعث ابن عباس يقول: كنت أنا رأمي من المستضعفين من النساء والولدان.
وقال البخاري (٧٣٣): أنبأنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﴿إلا المستضعفين﴾، قال: [كانت أمي] [¬٢] ممن عذر الله .
стр. 1860
وقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وإن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة، وملجأ يتحصن فيه، "والمراغم": مصدر، تقول العرب: راغم فلان قومه مراغمًا ومراغمة، قال نابغة بني جعدة:
كطود يُلاذ بأركانه … عزيز المراغم والمهرب
وقال ابن عباس: "المراغم" التحول من أرض إلى أرض. وكذا روي عن الضحاك والربيع ابن أنس والثوري. وقال مجاهد: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ يعني: متزحزحًا عما يكره، وقال سفيان ابن عيينة: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، يعني: بروجًا. والظاهر، والله أعلم، [أن المراغم] [¬١] التمنع الذي يتحصن به، ويراغم به الأعداء.
وقوله ﴿وَسَعَةً﴾ يعني [¬٢]: الرزق. قاله غير واحدٍ، منهم قتادة، حيث قال في قوله: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾: أي والله، من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: ومن خرج [¬٣] من منزله بنية الهجرة، فمات في أثناء الطريق، فقد حصل له من [¬٤] الله ثواب من هاجر. كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن (٧٣٤)، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله، ﵌: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته [لدنيا] [¬٥] يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
стр. 1861
وهذا عام في [الهجرة وفى كل] [¬١] الأعمال. ومنه الحديث الثابت فى الصحيحين (٧٣٥)، في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا [¬٢]، ثم أكمل بذلك العابد [¬٣] المائة، ثم سأل عالمًا هل له من توبة؟ فقال له [¬٤]: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر [¬٥] يعبد الله فيه، فلما ارتحل من بلده مهاجرًا إلى البلد الآخر [¬٦] أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائبًا، وقال هؤلاء: إنه لم يصل بعد، فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب كان [¬٧] منها، فأمر الله هذه أن تقرب [¬٨] من هذه، وهذه أن تبعد، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة، وفي رواية أنه لما جاءه الموت؛ ناء [¬٩] بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها.
[وقال الإمام أحمد (٧٣٦): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله] [¬١٠] بن عتيك، عن أبيه عبد الله بن عتيك قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "من خرج من بيته مهاجرًا [¬١١]، في سبِيل الله" ثم قال [¬١٢] بأصابعه [¬١٣] هؤلاء الثلاث: الوسطى، والسبابة، والإبهام فجمعهن وقال: وأين
стр. 1862
المجاهدون [في سبيل الله] [¬١]، فخرّ عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات، فقد وقع أجره على الله، أو مات حَتْفَ أنفه، فقد وقع أجره على الله". [يعني بحتف أنفه: على فراشه] [¬٢]، والله، إنها لكلمة ما سمعتها من [¬٣] [أحد من] [¬٤] العرب قبل رسول الله، ﷺ ، ومن قتلـ قَعْصًا [¬٥] [¬٦] فقد استوجب المآب.
وقال ابن أبي حاتم (٧٣٧): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الحزامي [¬٧]، حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي [¬٨]، عن المنذر بن عبد الله، عن هشام ابن عروة، عن أبيه أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق فمات، فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فقال [¬٩] الزبير: فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه، وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغني؛ لأنه قل أحد ممن هاجر من قريش إلا و [¬١٠] معه بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحد
стр. 1863
من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره.
وهذا الأثر غريب جدًّا، فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدني، فلعله أراد أنها أنزات تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم (٧٣٨): حدثنا سليمان بن داود، مولى عبد الله بن جعفر، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا عبد الرحمن [¬١] بن سليمان، عن أشعث - هو ابن سوار - عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: خرج ضمرة بن جندب إلى رسول الله ﵌، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله، ﵌؛ فنزلت: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية.
وحدثنا أبي (٧٣٩)، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن أبي ضمرة [¬٢] بن العيص الزرقي، الذي كان مصاب البصر، وكان بمكة، فلما نزلت: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ فقلت: إني لغني، وإني لذو حيلة، فتجهز يريد النبي، ﷺ ، فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
[وقال الطبراني (٧٤٠): حدثنا [خير بن عرفة المصري] (٥)، حدثنا حيوة بن شريح الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، حدثنا مكحول، عن عبد الرحمن بن غنم
стр. 1864
الأشعري، أنبأنا أبو مالك، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه - وسلم، يقول: "إن اللَّه قال من انتدب خارجًا في سبيلي، غازيًا ابتغاء وجهي، وتصديق وعدي، وإيمانًا برسلي فهو في ضمان على الله: إما أن يتوفاه بالجيش فيدخله الجنة، واما أن يسيح في ضمان الله، وإن طالت غيبته حتى يرده إلى أهله مع ما نال من أجر، أو غنيمة، وقال: من فصل في سبيل الله فمات، أو قتل، أو رفصته فرسه، أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فهو شهيد". وروى أبو داود من حديث بقية "من فصل في سبيل الله" إلى آخره، وزاد بعد قوله: "فهو شهيد، وإن له الجنة] [¬١].
وقال الحافظ أبو يعلي (٧٤١): حدثنا إبراهيم بن زياد سبلان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد ابن إسحاق، عن [جميل بن أبي ميمونة] [¬٢]، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : "من خرج حاجًا فمات، كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرًا فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيًا في سبيل الله فمات؛ كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة".
стр. 1865
وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.
وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ أي: تخففوا فيها، إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في ذلك، فمن [¬١] قائل: لا بد [¬٢] أن يكون سفر طاعة من جهاد، أو حج، أو عمرة، أو طلب علم، أو [¬٣] زيارة، أو غير ذلك كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء، ويحكى عن مالك في رواية عنه نحوه، لظاهر قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
ومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا بد أن يكون مباحًا، لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية، فما [¬٤] أباح له تناول [¬٥] الميتة مع اضطراره [¬٦]، إلا [¬٧] بشرط أن لا يكون عاصيًا بسفره. وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من [¬٨] الأئمة.
стр. 1866
وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة (٧٤٢): حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل تاجر، أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين. وهذا مرسل.
ومن قائل: يكفي مطلق السفر، سواء كان مباحًا أو محظورًا، حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل، ترخص لوجود مطلق السفر. وهذا قول أبي حنيفة [﵀] [¬١] والثوري وداود لعموم الآية وخالفهم الجمهور.
وأمّا قول تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإنّ في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو سرية خَاصة، وسائر الأحياء [¬٢] حرب للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة، فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ الآية.
وقد [¬٣] قال الإِمام أحمد (٧٤٣): حدثنا ابن إدريس، حدثنا ابن جريج، عن ابن [¬٤] أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب، قلت [] [¬٥]: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد أمن [] [¬٦] الناس، فقال لي عمر بن الخطاب ﵁: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله أصلى الله عليه: سلم، عن ذلك] [¬٧] فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".
стр. 1867
وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث ابن جريج، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال على بن المدينى: هذا حديث صحيح من حديث عمر، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه، ورجاله معروفون.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٧٤٤): حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك بن مغول، عن أبي حنظلة الحذاء، قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان، فقلت: أين قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونحن آمنون؟ فقال [¬١]: سنة رسول الله، ﷺ .
وقال ابن مردويه (٧٤٥): حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى، حدثنا على بن محمد بن سعيد، حدثنا منجاب، حدثنا شريك، عن قيس بن وهب، عن أبي الوداك قال [¬٢]: سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر؟ فقال: هي رخصة نزلت من السماء؛ فإن شئتم فردوها.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٧٤٦): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، ابن عباس قال: صلينا مع رسول الله، ﷺ ، بين مكة والمدينة، ونحن
стр. 1868
آمنون، لا نخاف بينهما، ركعتين ركعتين.
وهكذا [¬١] رواه النسائي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن عون، به. قال أبو عمر بن عبد البر: وهكذا رواه أيوب وهشام ويزيد بن إبراهيم التستري، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس ﵄ عن النبي، ﷺ ، مثله.
قلت: وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعًا، عن قتيبة، عن هشيم، عن [¬٢] منصور بن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس: أن رسول الله، ﷺ ، خرج من المدينة إلى مكة، لا يخاف إلا رب العالمين، يصلي [¬٣] ركعتين، ثم قال الترمذي: صحيح.
وقال البخاري (٧٤٧): حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا يحيى بن أبى إسحاق، قال: سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين [¬٤]، حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئًا، قال: أقمنا بها عشرًا.
وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، به.
стр. 1869
وقال الإِمام أحمد (٧٤٨): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن وهب الخزاعي، قال: صليت مع النبي، ﷺ ، الظهر والعصر بمنى [¬١] أكثر ما كان الناس وآمنَه ركعتين.
ورواه الجماعة سوى ابن ماجة من طرق عن [¬٢] ابن أبي إسحاق السبيعي، عنه، به. ولفظ البخاري (٧٤٩): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت حارثة بن وهب قال: صلى بنا رسول الله، ﷺ ، آمن ما كان بمنى ركعتين.
وقال البخارى (٧٥٠): حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، حدثنا عبيد الله، أخبرنا نافع، عن عبد الله ابن عمر؛ قال: صليت مع رسول الله، ﷺ ، ركعتين وأبي بكر وعمر ومع عثمان صدرًا من إمارته ثم أتمها.
وكذا رواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان، به.
وقال البخاري (٧٥١): حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد، عن الأَعمش، حدثنا إبراهيم،
стр. 1870
سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلي بنا عثمان بن عفان، ﵁، بمني أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود، ﵁، فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله، ﷺ ، بمني ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمني ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمني ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان.
ورواه البخاري أيضًا من حديث الثوري، عن الأعمش، به. وأخرجه مسلم من طرق، عنه منها عن قتيبة كما تقدم.
فهذه الأحاديث دالة صريحًا على [¬١] أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف؛ ولهذا قال من قال من العلماء: إن المراد من القصر هاهنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية. وهو قول مجاهد والضحاك والسدي كما سيأتي بيانه، واعتضدوا [¬٢] أيضًا بما رواه الإِمام مالك (٧٥٢)، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، ﵂، أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.
وقد روي هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم عن يحيي بن يحيي، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة؛ أربعتهم عن مالك، به.
قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد بالقصر هاهنا قصر الكمية؛ لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾؟.
وأصرح من ذلك دلالة على هذا، ما رواه الإِمام أحمد (٧٥٣): حدّثنا وكيع، حدثنا [¬٣] سفيان وعبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن زبيد اليامي [¬٤]، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي،
стр. 1871
عن عمر، ﵁، قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان محمد ﷺ .
وهكذا رواه النسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه (٧٥٤) من طرق عن زبيد اليامي [¬١]،
стр. 1872
به. وهذا إسناد على شرط مسلم. وقد حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابي أبي ليلي عن عمر، وقد جاء مصرحًا به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصواب إن شاء الله، وإن كان يحيي بن معين وأبو حاتم والنسائي قد قالوا: إنه لم يسمع منه. وعلى هذا أيضًا [¬١]- فقد وقع في بعض طرق أبي يعلي الموصلي (٧٥٥)، من طريق الثوري، عن زبيد، عن عبد الرحمن [بن أبي ليلي] [¬٢]، عن الثقة، عن عمر فذكره، وعند ابن ماجة (٧٥٦) من طريق يزيد بن [] زياد بن
стр. 1873
أبي الجعد، عن زبيد، عن عبد الرحمن؛ عن كعب بن عجرة، عن عمر، به. فالله أعلم.
وقد روي مسلم في صحيحه، وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث (٧٥٧) أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، زاد مسلم والنسائي: وأيوب بن عائذ [¬١]، كلاهما عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس؛ قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد [¬٢] في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، [وفي الخوف ركعة] [¬٣]، فكما يصلي في الحضر قبلها وبعدها، فكذلك يصلي في السفر.
ورواه ابن ماجة (٧٥٨) من حديث أسامة بن زيد، عن طاوس نفسه.
стр. 1874
فهذا ثابت عن ابن عباس، ﵄، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة، ﵂؛ لأنها أخبرت أن أصل الصلاة ركعتان، ولكن زِيد في صلاة الحضر، فلما استقر ذلك، صح أن يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس، والله أعلم، لكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرح به في حديث عمر، ﵁، وإذا كان كذلك، فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ قصر الكيفية كما في صلاة الخوف، ولهذا قال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، ولهذا قال بعدها: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية [¬١]، فبين المقصود من القصر هاهنا، وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لما عقد [¬٢] البخاري (٧٥٩): " كتاب صلاة الخوف"، صدره بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
وهكذا قال جوبير، عن الضحاك في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، قال: ذاك عند القتال، يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه.
وقال أسباط عن السدي في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ الآية، إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام، التقصير لا يحل إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يفتنوك عن الصلاة. فالتقصير ركعة.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ يوم
стр. 1875
كان النبي، ﷺ ، وأصحابه بعُسْفَان، والمشركون بضجنان، فتوافقوا، فصلى النبي بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات، ركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فهمَّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم.
روي ذلك ابن أبي حاتم (٧٦٠)، ورواه ابن جرير (٧٦١)، عن مجاهد والسدي، وعن جابر ابن عمر. واختار ذلك أيضًا؛ فإنه قال - بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك -: وهو الصواب.
وقال ابن جرير (٧٦٢): حدّثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن أبي فديك، حدّثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، أنه قال لعبد الله ابن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا، ﷺ ، يعمل عملًا عملنا به.
فقد سمي صلاة الخوف مقصورة، وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع لا [¬١] بنص القرآن.
وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضًا (٧٦٣): حدثني أحمد بن الوليد القرشي، حدّثنا محمد ابن جعفر، حدّثنا شعبة، عن سماك الحنفي، قال [¬٢]: سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإِمام بطائفة [¬٣] ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء،
стр. 1876
فيصلي بهم ركعة، فيكون للإِمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة.
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾
صلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدو تارة يكونون [¬١]- تجاه القبلة، وتارة يكونون [¬٢] في غير صوبها، والصلاة تكون رباعية، وتارة تكون [¬٣] ثلاثية كالمغرب؛ وتارة تكون [¬٤] ثنائية كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ورجالًا وركبانًا. ولهم أن يمشوا والحالة هذه، ويضربوا الضرب المتتابع في من الصلاة.
ومن العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة؛ لحديث ابن عباس المتقدم. وبه قال أحمد بن حنبل، قال المنذري في الحواشي، وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد [¬٥]، وإليه ذهب طاوس والضحاك.
وقد حكي أبو عاصم العبادي [¬٦]، عن محمد بن نصر المروزي أنه يري ردّ الصبح إلى ركعة في الخوف. وإليه ذهب ابن حزم أيضًا.
وقال إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومئ بها إيماء. فإن لم تقدر [¬٧] فسجدة واحدة؛ لأنها ذكر الله.
стр. 1877
وقال آخرون: يكفي تكبيرة واحدة. فلعله أراد ركعة واحدة، كما قاله الإِمام [¬١]- أحمد بن حنبل وأصحابه، [وبه قال جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وكعب، وغير واحد من الصحابة، والسدي، ورواه ابن جرير] [¬٢]، ولكن الذني حكوه إنما حكوه على ظاهره [في الاجتزاء] [¬٣]، بتكبيرة واحدة، كما هو مذهب إسحاق بن راهويه، وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بخت المكي، حتى قال: فإن لم يقدر على التكبيرة [¬٤] فلا يتركها في نفسه، يعني بالنية. رواه سعيد بن منصور [في سننه] [¬٥]، عن إسماعيل بن عياش، عن شعيب ابن دينار، عنه. فالله أعلم.
ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخر النبي، صلى الله عليه ومسلم، يوم الأحزاب صلاة العصر (٧٦٤)، قيل: والظهر، فصلاهما [¬٦] بعد الغروب، ثم صلي بعدهما المغرب، ثم العشاء، وكما قال بعدها، يوم بني قريظة، حين جهز إليهم الجيش: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" (٧٦٥) فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول الله، ﷺ ، إلا تعجيل السير [¬٧]، ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق، وأخر آخرون منهم صلاة العصر فصلوها فما بني قريظة بعد الغروب، ولم يعنف رسول الله، ﷺ ، أحدًا من الفريقين، وقد تكلمنا على هذا في كتاب السيرة، وبينا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة الحق في نفس الأمر، إن كان الآخرون معذورين أيضًا، والحجة هاهنا في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد، من الطائفة الملعونة اليهود.
стр. 1878
وأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف، فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك، وهذا بين في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الشافعي، ﵀، وأهل السنن (٧٦٦)، ولكن يشكل [على هذا] [¬١] ما حكاه البخاري، ﵀، في صحيحه (٧٦٧)، حيث قال:
(باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدوّ).
قال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء؛ كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإِيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا، لا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا، وبه قال مكحول، وقال أنس بن مالك: حضرت عند [¬٢] مناهضة حصن تُسْتَر عند إضاءة الفجر، واشتدّ اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، قال أنس: ما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها.
انتهى ما ذكره، ثم أتبعه بحديث تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، وكأنه كالمختار لذلك [¬٣]، والله أعلم.
ولمن جنح إلى ذلك [له أن يحتج بصنيع] [¬٤] أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر [فإنه يشتهر] [¬٥] غالبًا، ولكن كان ذلك في إمارة عمر بيت الخطاب، ولم ينقل أنه أنكر عليهم،
стр. 1879
ولا أحد من الصحابة، والله أعلم.
قال هؤلاء: وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق؛ لأن غزوة [¬١] ذات الرقاع كانت قبل الخندق في قول جمهور علماء السير والمغازي، و [¬٢] ممن نص على ذلك محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة، والواقدي، ومحمد بن سعد كاتبه وخليفة بن خياط، وغيرهم، وقال البخاري (٧٦٨) وغيره: كانت ذات الرقاع بعد الخندق، لحديث أبي موسى وما قدم إلا في خيبر [¬٣]، والله أعلم.
والعجب كل العجب أن المزني، وأبا يوسف القاضي، وإبراهيم بن إسماعيل بن علية ذهبوا إلى أن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره، ﵊، الصلاة يوم الخندق، وهذا غريب جدًّا، وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف، وحمل تأخير الصلاة يومئذ على ما قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب، والله أعلم.
فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ أي: إذا صليت بهم إمامًا في صلاة الخوف، وهذه حالة غير الأولى، فإن تلك قصرها إلى ركعة، كما دل عليه الحديث - فرادي ورجالًا وركبانًا، مستقبلي القبلة: غير مستقبليها، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد. وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة، حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة لما [¬٤] ساغ [¬٥] ذلك، وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبيِّ، ﷺ ، لقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فبعده تفوت هذه الصفة [¬٦]- فإنه استدلال ضعيف، ووود عليه مثل قول مانعي [¬٧] الزكاة، الذين احتجوا بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا [بعد رسول الله] [¬٨]، ﷺ ، إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا [¬٩] على من نراه، ولا ندفعها [إِلا] [¬١٠]، إلى من صلاته - أي: دعاؤه - سكن لنا، ومع هذا ردّ عليهم الصحابة، وأبَوْا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء
стр. 1880
الزكاة، وقاتلوا من منعها منهم.
ولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولًا قبل ذكر صفتها: قال ابن جرير (٧٦٩): حدثنا ابن [¬١] المثنى، حدثني إسحاق، حدثنا عبد الله بن هاشم، أنبأنا سيف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي، ﵁، قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله، ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا رسول الله، ﷺ ، فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم [¬٢] عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في إثرها، قال: فأنزل الله، ، بين الصلاتين: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيتين، فنزلت صلاة الخوف.
وهذا سياق غريب جدًّا، ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي، واسمه زيد بن الصامت ﵁[] [¬٣]، قال [¬٤] الإِمام أحمد (٧٧٠):
حدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي [¬٥] قال: كنا مع رسول الله، ﷺ ، بعُسْفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم
стр. 1881
خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النبي، ﷺ ، الظهر، فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾، قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله، ﷺ ، فأخذوا السلاح، قال [¬١]: فصفنا خلفه صفين، قال: [] [¬٢] ثم ركع، فركعنا جميعًا، ثم رفع فرفعنا جميعًا، ثم سجد النبي، ﷺ ، بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، ثم
стр. 1882
تقدم [¬١] هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، و [¬٢] هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع فركعوا جميعًا، ثم رفع فرفعوا جميعًا، ثم سجد رسول الله، ﷺ ، والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم، ثم انصرف. قال: فصلاها رسول الله، ﷺ ، مرتين: مرة بعُسْفان، ومرة بأرض بني سليم.
ثم رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، عن منصور، به نحوه، وهكذا رواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن جرير بن عبد الحميد، والنسائي من حديث شعبة وعبد العزيز بن عبد الصمد، كلهم عن منصور، به.
وهذا إسناد صحيح وله شواهد كثيرة، فمن ذلك ما رواه البخاري حيث قال (٧٧١): حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة، عن ابن عباس، ﵄، قال: قام النبي، ﷺ ، وقام الناس معه، فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس منهم ثم سجد و [¬٣] سجدوا معه، ثم [قام للثانية] [¬٤]، فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى، فركعوا وسجدوا معه، والناس كلهم في الصلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضًا.
وقال ابن جرير (٧٧٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن سليمان [¬٥] [بن قيس] [¬٦] اليشكري: أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة، أي يوم أنزل؟ أو أي يوم هو؟ فقال جابر: انطلقنا [نتلقي] [¬٧] عير قريش آتية من الشام، حتى إذا كنا بنخل جاء رجل من القوم إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: يا محمد، قال: نعم. قال: هل تخافني؟ قال: "لا" قال: فما يمنعك مني؟ قال: " الله يمنعني منك "
стр. 1883
قال: فسل السيف ثم تهدّده وأوعده، ثم نادى بالترحل، وأخذ السلاح ثم نودي بالصلاة، فصلى رسول الله، ﷺ ، بطائفة من القوم، وطائفة أخرى تحرسهم، فصلى بالذت يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم، فقاموا في مصاف أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم ثم سلم، فكانت للنبي، ﷺ ، أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين. فيومئذ انزل الله في إقصار الصلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح.
وقال الإمام أحمد (٧٧٣): حدثنا سُريج، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس - هو [¬١] اليشكري - عن جابر بن عبد الله؛ قال: قاتل رسول الله، ﷺ ، محارب خصَفَة [¬٢]، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث، حتى قام على رسول الله، ﷺ ، بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال: " الله " فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله، ﷺ ، فقال: "ومن يمنعك مني؟ " قال: كن خيرَ آخذ، قال: " أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ " قال: لا، ولكني أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك [¬٣] فخلى سبيله، [فأتى قومه] [¬٤] فقال: جئتكم من عند خير الناس، فلما حضرت الصلاة صلى رسول الله، ﷺ ، صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين، طائفة بإزاء العدوّ، وطائفة صلوا مع رسول الله، ﷺ ، فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين، وانصرفوا فكانوا مكان [¬٥] أولئك [¬٦] الذين [كانوا] [¬٧] بإزاء عدوهم [¬٨]، وانصرف الذين كانوا [¬٩] بإزاء عدوهم، فصلوا مع رسول الله، ﷺ ، ركعتين، فكان
стр. 1884
لرسول الله، ﷺ ، أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين.
تفرد به [¬١] من هذا الوجه.
وقال ابن أبي حاتم (٧٧٤): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم، حدثنا المسعودي، عن يزيد الفقير، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما؟ فقال [¬٢]: الركعتان في السفر تمام، إنما القصر واحدة عند القتال، بينما نحن مع رسول الله، ﷺ ، في قتال إذ [¬٣] أقيمت الصلاة، فقام رسول الله، ﷺ ، فصف طائفة [¬٤]، وطائفة وجهها قِبَلَ العدو، فصلى بهم ركعة، وسجد بهم سجدتين، ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك، فقاموا مقامهم ومكانهم نحو ذا، وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله، ﷺ ، فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله ﷺ ، جلس وسلم، وسلم الذين خلفه، وسلم أولئك فكانت لرسول الله، ﷺ ، ركعتين، وللقوم ركعة ركعة [¬٥]، ثم قرأ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية.
стр. 1885
وقال الإِمام أحمد (٧٧٥): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله، ﵌، صلى بهم صلاة الخوف، فقام صف بين يديه، وصف خلفه، فصلى [بالذي خلفه] [¬١] ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا في [¬٢] مقام هؤلاء، فصلى بهم رسول الله، ﵌، ركعة وسجدتين، ثم سلم، فكانت للنبي، ﵌، ركعتين ولهم ركعة. ورواه النسائي من حديث شعبة، ولهذا الحديث طرق عن جابر، وهو في صحيح مسلم (٧٧٦) من وجه آخر بلفظ آخر، وقد رواه عن جابر جماعة (٧٧٧) كثيرون في الصحيح والسنن والمسانيد [¬٣].
وقال ابن أبي حاتم (٧٧٨): حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ قال هي صلاة الخوف، صلى رسول الله، ﷺ ، بإحدى الطائفتين ركعة، وللطائفة الأخرى مقبلة على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو؛ فصلى بهم رسول الله، ﷺ ، ركعة أخرى، ثم سلم بهم، ثم قامت كل طائفة منهم فصلت ركعة ركعة. [وقد روى هذا الحديث] [¬٤]
стр. 1886
الجماعة في كتبهم من طريق معمر به (٧٧٩)، ولهذا الحديث طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة. وقد أجاد الحافظ أبو بكر بن مردويه في سرد طرقه وألفاظه، وكذا ابن جرير ولنحرره في كتاب "الأحكام الكبير" إن شاء الله، وبه الثقة.
وأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف، فمحمول عند طائفة من العلماء على الوجوب لظاهر الآية، وهو أحد قولى الشافعي، ويدل عليه [قول الله تعالى] [¬١]: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: بحيث تكونون على أهبة؛ إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة، ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾
يأمر الله تعالى بكثرة الذكر عَقِيبَ صلاة الخوف؛ إن كان مشروعًا مرغبًا فيه أيضًا بعد غيرها؛ ولكن هاهنا آكد لا وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها، [كما قال تعالى في الأشهر الحرم: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وإن كان هذا منهيًّا عنه في غيرها] [¬٢]، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمتها [¬٣]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا
стр. 1887
وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: في سائر أحوالكم [¬١].
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: فإذا أمنتم وذهب الخوف، وحصلت الطمأنينة ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: فأتموها، وأقيموها كما أمرتم بحدودها، وخشوعها، وركوعها وسجودها، وجميع شئونها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ قال ابن عباس: أي: مفروضًا، [وقال أيضًا: إن للصلاة وقتًا كوقت الحج] [¬٢]، وكذا روي عن مجاهد وسالم ابن عبد الله، وعلى بن الحسين، ومحمد بن علي، والحسن، ومقاتل والسدي وعطية العوفي.
قال عبد الرزاق (٧٨٠)، عن معمر، عن قتادة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ قال ابن مسعود: إن للصلاة وقتًا [¬٣] كوقت الحج.
وقال زيد بن أسلم: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ فال: منجمًا كلما مضى نجم جاء نجم، يعني: كلما مضى وقت جاء وقت.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم، بل جدوا فيهم، وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد، ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ أي: كما يصيبكم الجراح والقتل، كذلك يحصل لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أي: أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد، [كما وعدكم إياه في كتابه، وعلى لسان رسوله وهو وعد حق، وخبر صدق] [¬٤]، وهم لا يرجون شيئًا من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم، وأشدّ رغبة [فيه، و] [¬٥] في إقامة كلمة الله وإعلائها.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: هو أعلم وأحكم فيما يقدره ويقضيه وينفذه ويمضيه من
стр. 1888
أحكامه الكونية والشرعية، وهو المحمود على كل حال.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾
يقول تعالى مخاطبًا لرسوله محمد، ﷺ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: هو حق من الله، وهو يتضمن الحق فى خبره وطلبه.
وقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان ﵇ له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين (٧٨١) من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة أن رسول الله، ﷺ ، سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: "ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له؛ فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار [¬١]، فليحملها أو ليذرها".
وقال الإِمام أحمد (٧٨٢): حدثنا وكيع، حدثنا أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم
стр. 1889
سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار، يختصمان إلى رسول الله، ﷺ [في مواريث بينهما قد دَرَسَتْ، ليس عندهما بينة] [¬١]، فقال [رسول الله، ﷺ ] [¬٢]: "إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضى بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطامًا [¬٣] في عنقه يوم القيامة". فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ : "أما إذ [¬٤] قلتما فاذهبا فاقتسما [¬٥]، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه".
وقد رواه أبو داود من حديث أسامة بن زيد، به. وزاد: "إني إنما أقضي بينكما برأي، فيما لم ينزل على فيه".
стр. 1890
وقد روى ابن مردويه (٧٨٣) من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: إن نفرًا من الأنصار غزوا مع رسول الله، ﷺ ، في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فاظُّنَّ [¬١] بها رجل من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله، ﷺ ، فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده، فانطقوا إلى نبي الله، ﷺ ، ليلًا فقالوا: يا نبي الله، إن صاحبنا بريء، وإن صاحب الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علمًا، فاعذر صاحبنا على رءوس الناس وجادل عنه، فإنه [إلا] [¬٢] يعصمه [¬٣] الله بك يهلك، فقام رسول الله ﷺ فبرأه وعذره على رءوس الناس، فأنزل [¬٤] الله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾. ثم قال تعالى للذين أتوا رسول الله، ﷺ ، مستخفين بالكذب: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآيتين. يعني الذين أتوا رسول الله، ﷺ ، مستخفين يجادلون عن الخائنين، ثم قال : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، يعني الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، يعني السارق والذين جادلوا عن السارق. وهذا سياق غريب، وكذا ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم في هذه الآية، أنها [¬٥] أنزلت [¬٦] في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم، وهي متقاربة.
وقد روى هذه القصة [¬٧] محمد بن إسحاق مطولة، فقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية من جامعه وابن جرير في تفسيره (٧٨٤):
стр. 1891
حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحرّاني، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، ﵁، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشر، وبشير، ومبشر، وكان بشير رجلًا منافقًا [فكان] [¬١] يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، و [¬٢] قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله، ﷺ ، ذلك [¬٣] الشعر [¬٤] قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، [فقال:
أَوَ كلَّما قال الرجال قصيدة … أَضِموا وقالوا: ابن الأبيرقِ قالها] [¬٥]
قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة [¬٦] [¬٧] من الشام من الدّرْمَك [¬٨]
стр. 1892
ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأمّا العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة [¬١] من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملًا من الدرمك، فحطه، في مشرُبة له، وفي المشربة سلاح: درع وسيف فعدي عليه من تحت البيت، فنُقبت الشربة وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي؛ إنه قد عُدى علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتجسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم.
قال: [وكان بنو] [¬٢] أبيرق قالوا - و [¬٣] نحن نسأل في الدار -: والله، ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل - رجلًا منا له صلاح وإسلام. فلما سمع لبيد اخترط سيفه، وقال: أنا أسرق؟! والله ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن [¬٤] هذه السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فما أنت بصاحبها. فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها.
فقال لي عمي: يا ابن أخي، لو أتيت رسول الله، ﷺ ، فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول الله، ﷺ ، فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، فأمّا الطمام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي، ﷺ : "سآمر في ذلك".
فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلًا منهم يقال له: أسيد بن عمرو فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار، فقالوا: يا رسول الله، ﷺ : إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا، أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت النبي، ﷺ ، فكلمته فقال: "عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثَبَتٍ [¬٥] ولا [¬٦] بينة؟ ".
стр. 1893
قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي، ولم أكلم رسول الله، ﷺ ، في ذلك، فأتاني عمي رفاعة [¬١] فقال: يا أبن أخى، ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي [¬٢] رسول الله، ﷺ ، فقال: الله المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يعني [¬٣]: بني أبيرق ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي [¬٤]: مما قلت لقتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿رَحِيمًا﴾ أي: لو استغفروا الله لغفر لهم ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ قولهم للبيد ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
فلما نزل القرآن أتى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، بالسلاح فردّه إلى رفاعة.
قال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح، وكان شيخًا قد عشا أو عسا [¬٥]- الشك من أبي عيسى (*) - في الجاهلية، و كنت أرى إسلامه مدخولًا، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو [¬٦] في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ فلما نزل على سلافة [بنت سعد] [¬٧] رماها حسان بن ثابت، [بأبيات من] [¬٨] شعر [¬٩] فأخذت رحله فوضعته [¬١٠] على رأسها، ثم خرجت به فرمته [¬١١] في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان، ما كنت تأتيني بخير. لفظ الترمذي.
стр. 1894
ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير [¬١] محمد بن سلمة الحراني، وروى يونس بن بكير وغير واحد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر ابن قتادة مرسلًا لم يذكروا فيه عن أبيه عن جدّه.
ورواه ابن أبي حاتم، عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن سلمة، به ببعضه.
ورواه ابن المنذر في تفسيره، حدثنا محمد بن إسماعيل - يعني الصائغ - حدثنا [الحسن ابن] [¬٢] أحمد بن ابي شعيب الحراني [¬٣]، حدثنا محمد بن سلمة … فذكره بطوله.
ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن العباس بن أيوب، والحسن بن يعقوب، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، به [¬٤]. ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق ابن إسرائيل.
وقد روى هذا الحديث الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، في كتابه "المستدرك" عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه - أتم منه، وفيه الشعر، ثم قال: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس؛ لئلا ينكروا [¬٥] عليهم ويجاهرون الله بها؛ لأنه مطلع على سرائرهم، وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ تهديد لهم ووعيد.
ثم قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. أي: هب أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدى لهم عند الحكام الذين يحكمون [¬٦] بالظاهر وهم متعبدون [¬٧] بذلك، فماذا يكون صنيعهم يوم
стр. 1895
القيامة بين يدي الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى، ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ [يوم القيامة] [¬١] في ترويج دعواهم. أي: لا أحد يومئذ يكون لهم وكيلًا، ولهذا قال: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾؟.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾
يخبر تعالى عن كرمه وجوده أن كل من تاب إليه تاب عليه من أي ذنب كان، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إنه قال في هذه الآية: أخبر الله عباده بعفوه، وحلمه، وكرمه، وسعة رحمته، ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال. رواه ابن جرير (٧٨٥).
وقال ابن جرير أيضًا (٧٨٦): حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل قال: قال عبد الله: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبًا، أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول شيئًا منه قرضه بالمقراض [¬٢]، فقال