← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحرّاني، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، ﵁، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشر، وبشير، ومبشر، وكان بشير رجلًا منافقًا [فكان] [¬١] يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، و [¬٢] قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله، ﷺ ، ذلك [¬٣] الشعر [¬٤] قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، [فقال: أَوَ كلَّما قال الرجال قصيدة … أَضِموا وقالوا: ابن الأبيرقِ قالها] [¬٥] قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة [¬٦] [¬٧] من الشام من الدّرْمَك [¬٨]

стр. 1892

ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأمّا العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة [¬١] من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملًا من الدرمك، فحطه، في مشرُبة له، وفي المشربة سلاح: درع وسيف فعدي عليه من تحت البيت، فنُقبت الشربة وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي؛ إنه قد عُدى علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتجسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم. قال: [وكان بنو] [¬٢] أبيرق قالوا - و [¬٣] نحن نسأل في الدار -: والله، ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل - رجلًا منا له صلاح وإسلام. فلما سمع لبيد اخترط سيفه، وقال: أنا أسرق؟! والله ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن [¬٤] هذه السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فما أنت بصاحبها. فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها. فقال لي عمي: يا ابن أخي، لو أتيت رسول الله، ﷺ ، فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول الله، ﷺ ، فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، فأمّا الطمام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي، ﷺ : "سآمر في ذلك". فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلًا منهم يقال له: أسيد بن عمرو فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار، فقالوا: يا رسول الله، ﷺ : إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا، أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت النبي، ﷺ ، فكلمته فقال: "عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثَبَتٍ [¬٥] ولا [¬٦] بينة؟ ".

стр. 1893

قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي، ولم أكلم رسول الله، ﷺ ، في ذلك، فأتاني عمي رفاعة [¬١] فقال: يا أبن أخى، ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي [¬٢] رسول الله، ﷺ ، فقال: الله المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يعني [¬٣]: بني أبيرق ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي [¬٤]: مما قلت لقتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿رَحِيمًا﴾ أي: لو استغفروا الله لغفر لهم ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ قولهم للبيد ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. فلما نزل القرآن أتى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، بالسلاح فردّه إلى رفاعة. قال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح، وكان شيخًا قد عشا أو عسا [¬٥]- الشك من أبي عيسى (*) - في الجاهلية، و كنت أرى إسلامه مدخولًا، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو [¬٦] في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ فلما نزل على سلافة [بنت سعد] [¬٧] رماها حسان بن ثابت، [بأبيات من] [¬٨] شعر [¬٩] فأخذت رحله فوضعته [¬١٠] على رأسها، ثم خرجت به فرمته [¬١١] في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان، ما كنت تأتيني بخير. لفظ الترمذي.

стр. 1894

ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير [¬١] محمد بن سلمة الحراني، وروى يونس بن بكير وغير واحد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر ابن قتادة مرسلًا لم يذكروا فيه عن أبيه عن جدّه. ورواه ابن أبي حاتم، عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن سلمة، به ببعضه. ورواه ابن المنذر في تفسيره، حدثنا محمد بن إسماعيل - يعني الصائغ - حدثنا [الحسن ابن] [¬٢] أحمد بن ابي شعيب الحراني [¬٣]، حدثنا محمد بن سلمة … فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن العباس بن أيوب، والحسن بن يعقوب، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، به [¬٤]. ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق ابن إسرائيل. وقد روى هذا الحديث الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، في كتابه "المستدرك" عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه - أتم منه، وفيه الشعر، ثم قال: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس؛ لئلا ينكروا [¬٥] عليهم ويجاهرون الله بها؛ لأنه مطلع على سرائرهم، وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ تهديد لهم ووعيد. ثم قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. أي: هب أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدى لهم عند الحكام الذين يحكمون [¬٦] بالظاهر وهم متعبدون [¬٧] بذلك، فماذا يكون صنيعهم يوم

стр. 1895

القيامة بين يدي الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى، ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ [يوم القيامة] [¬١] في ترويج دعواهم. أي: لا أحد يومئذ يكون لهم وكيلًا، ولهذا قال: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾؟. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ يخبر تعالى عن كرمه وجوده أن كل من تاب إليه تاب عليه من أي ذنب كان، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إنه قال في هذه الآية: أخبر الله عباده بعفوه، وحلمه، وكرمه، وسعة رحمته، ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال. رواه ابن جرير (٧٨٥). وقال ابن جرير أيضًا (٧٨٦): حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل قال: قال عبد الله: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبًا، أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول شيئًا منه قرضه بالمقراض [¬٢]، فقال

стр. 1896

رجل: لقد آتى الله بني اسرائيل خيرًا، فقال عبد الله ﵁: ما آتاكم الله [¬١] خير مما آتاهم، جعل الماء لكم طهورًا، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقال أيضًا (٧٨٧): حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، حدثنا ابن عون، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: جاءت امرأة إلى [¬٢] عبد الله بن مغفل، [فسألته عن امرأة فجرت فحبلت، فلما ولدت قتلت ولدها؟ قال عبد الله بن مغفل] [¬٣]: ما لها؟ لها النار!، فانصرفت وهي تبكي، فدعاها ثم قال: ما أرى [¬٤] أمرك إلا أحد أمرين: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال: فمسحت عينها، ثم مضت. وقال الإِمام أحمد (٧٨٨): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن عثمان بن المغيرة؛ قال: سمعت على بن ربيعة من بني أسد يحدث عن أسماء، أو ابن أسماء من بي فزارة قال: قال على ﵁: كنت إذا سمعت من رسول الله، ﷺ ، شيئًا نفعني الله فيه [¬٥] بما شاء أن ينفعني منه. وحدثني أبو بكر - وصدق أبو

стр. 1897

بكر - قال: قال رسول الله، ﷺ : "ما من مسلم يذنب ذنبًا، ثم يتوضأ فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر له" وقرأ هاتين الآيتين: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. وقد تكلمنا على هذا الحديث، وعزيناه إلى من رواه من أصحاب السنن، وذكرنا ما في سنده من مقال في مسند أبي بكر الصديق، ﵁، وقد تقدم بعض ذلك في سورة آل عمران أيضًا. وقد رواه ابن مردويه في تفسيره (٧٨٩) من وجه آخر عن علي، فقال: حدثنا أحمد بن محمد ابن زياد، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، حدثنا داود بن مهران الدباغ، حدثنا عمر بن يزيد، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي؛ قال: سمعت أبا بكر - هو الصديق - يقول: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "ما من عبد أذنب، فقام فتوضأ فأحسن وضوءه، ثم قام فصلى واستغفر من ذنبه، إلا كان حقًّا على الله أن يغفر

стр. 1898

له" [لأنه] [¬١] يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ثم رواه من طريق أبان بن أبي عياش عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي، عن الصديق بنحوه، وهذا إسناد لا يصح. وقال ابن مردويه (٧٩٠): حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، حدثني كعب ابن ذهل [¬٢] الأزدي؛ قال: سمعت أبا الدرداء يحدث قال: كان رسول الله، ﷺ ، إذا جلسنا حوله، وكانت له حاجة فقام إليها وأراد الرجوع، ترك نعليه في مجلسه أو بعض ما عليه، وأنه قام فترك نعليه، قال أبو الدرداء: فأخذ ركوة من ماء فأتبعته، فمضى ساعة ثم رجع، ولم يقض حاجته، فقال: "إنه أتاني آت من ربي فقال: إنه ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فأردت أن أبشر أصحابي" قال أبو الدرداء: وكانت قد شقت على الناس الآية التي قبلها ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقلت: يا رسول الله، ﷺ ، وإن زنى وإن سرق ثم استغفر ربه غفر له؟ قال: "نعم" ثم قلت الثانية، قال: "نعم" ثم قلت الثالثة، قال: "نعم، وإن زنى وإن سرق ثم استغفر الله غفر الله [¬٣] له، على رغم أنف عويمر". قال: فرأيت أبا الدرداء يضرب أنف نفسه بأصبعه. هذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه بهذا السياق. وفي إسناده ضعف. وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، كقوله

стр. 1899

تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، يعني أنه لا يجني أحد عن [¬١] أحد، وإنما على كل نفس ما عملت لا يحمل عنها غيرها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: من علمه وحكمته، وعدله ورحمته كان ذلك. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، يعني كما اتهم بنو [¬٢] أبيرق بصنيعهم القبيح ذلك الرجل الصالح، وهو لبيد بن سهل كما تقدم في الحديث، أو زيد بن السمين اليهودي على ما قاله الآخرون، وقد كان بريئًا وهم الظلمة الخونة، كما أطلع الله على ذلك رسوله، ﷺ ، ثم هذا التقريع وهذا التوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بصفتهم [¬٣]، فارتكب مثل خطئتهم فعليه مثل عقوبتهم. وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الإِمام ابن أبي حاتم (٧٩١): أنبأنا هاشم بن القاسم الحراني، في كتب إليّ، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن [¬٤] قتادة الأنصاري، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، وذكر قصة بني أبيرق، فأنزل الله: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: أسير بن [¬٥] عروة وأصحابه، يعني بذلك لما أثنوا على بني أبيرق ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم صلحاء برآء، ولم يكن الأمر كما أنهوه إلى رسول الله، ﷺ ، ولهذا أنزل الله فصل القضية وجلاءها لرسول الله، ﷺ . ثم امتن عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال، وعصمته له، وما أنزل عليه من الكتاب، وهو القرآن والحكمة، وهى السنة: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ أي: قبل نزول ذلك عليك، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو

стр. 1900

أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ولهذا قال: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ يقول تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ يعني كلام الناس، ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: إلا نجوى من قال ذلك، كما جاء في الحديث الذي رواه ابن مردويه (٧٩٢): حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث، حدثنا محمد ابن يزيد بن خنيس؛ قال: دخلنا على سفيان الثوري [نعوده - وأومأ إلى دار العطارين - فدخل علينا سعيد بن حسان المخزومي، فقال له الثوري] [¬١]: الحديث الذي كنت حدثتنيه [¬٢] عن أم صالح اردُدْه [¬٣]، عليّ فقال: حدثتني أم صالح، عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة قالت:

стр. 1901

قال رسول الله، ﷺ : "كلام ابن آدم كله عليه لا له [إلا ذكر الله ، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر"] [¬١]، [فقال محمد بن يزيد: ما أشد هذا الحديث] [¬٢] فقال [¬٣] سفيان: [وما شدة] [¬٤] [هذا الحديث؟ إنما جاءت به امرأة عن امرأة، هذا في كتاب الله الذي أرسل به نبيكم، ﷺ ، أوَ ما سمعت الله في كتابه يقول: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾؟ فهو هذا بعينه، أو ما سمعت الله يقول: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾؟ فهو هذا بعينه] [¬٥]، أو ما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ إلى آخر الآيات، فهو هذا بعينه، وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجة من حديث محمد بن يزيد بن خُنيس، عن سعيد بن حسان، به، ولم يذكر أقوال الثوري إلى آخره [¬٦]، ثم قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه [¬٧] إلا من حديث [ابن خُنيس] [¬٨]. وقال الإمام أحمد (٧٩٣): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا صالح بن كيسان، حدثنا

стр. 1902

محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب: أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره: أن أمه أم كلثوم بنت عقبة؛ أخبرته أنها سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا، أو يقول خيرًا" وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. قال: وكانت أم كلثوَم بنت عقبة من المهاجرات اللاتي بايعن رسول الله، ﷺ . وقد رواه الجماعة سوى ابن ماجة من طرق عن الزهري، به نحوه. قال الإمام أحمد (٧٩٤): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة [¬١]، عن سالم ابن أبى الجَعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة؟ " قالوا: بلى. قال: "إصلاح ذات البين". قال: "وفساد ذات البين هي الحالقة". ورواه أبو داود والترمذي من حديث أبي معاوية. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحافظ أبو بكر البزار (٧٩٥): حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سُريج بن يونس،

стр. 1903

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، حدثنا أبي، عن حميد، عن أنس أن النبي، ﷺ ، قال لأبي أيوب: "ألا أدلك على تجارة؟ " قال: بلي [يا رسول الله] [¬١]، قال: "تسعي في صلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا" ثم قال البزار: وعبد الرحمن بن عبد الله العمري لين، وقد حدث بأحاديث [¬٢] لم يتابع عليها. ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: مخلصًا في ذلك محتسبًا ثواب ذلك عند الله ، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلاً كثيرًا واسعًا. وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾. أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول، ﷺ ، فصار في شق، والشرع في شق وذلك عن عمد منه بعد ما ظهر له الحق وتبين له واتضح له. وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما أجتمعت [¬٣] عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفًا [¬٤] لهم وتعظيمًا لنبيهم، وقد وردت أحاديث صحيحة [¬٥] كثيرة في ذلك قد ذكرنا منها طرفًا صالحاً، في كتاب "أحاديث الأصول" ومن العلماء من ادّعى تواتر معناها، والذي عوّل عليه الشافعي، ﵀، في الاحتجاج على كون الإِجماع حجة تحرم [¬٦] مخالفته - هذه الآية الكريمة بعد التروّي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك واستبعد [¬٧] الدلالة منها على ذلك. ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له، استدراجًا له كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وجعل النار مصيره في الآخرة؛ لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾.

стр. 1904

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ قد تقدم الكلام على هذه الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وذكرنا ما يتعلق بها من الأحاديث في صدر هذه السورة. وقد روى الترمذي (٧٩٦) حديث ثوير بن أبي فاختة سعيد بن علاقة، عن أبيه، عن علي، ﵁، أنه قال: ما في القرآن آية أحب إلى من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ثم قال: حسن غريب. وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: فقد سلك غير [¬١]، الطريق

стр. 1905

الحق، وضل عن الهدى، وبعد عن الصواب وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال ابن أبي حاتم (٧٩٧): [حدثنا أبي] [¬١]، حدثنا محمود بن غيلان، أنبأنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسين [¬٢] بن واقد، عن الربيع ابن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال: مع كل صنم جِنِّية. و [¬٣] حدثنا أبي (٧٩٨)، حدثنا محمد بن سلمة الباهلي، عن عبد العزيز بن محمد، عن هشام - يعني ابن عروة - عن أبيه، عن عائشة: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [قالت: أوثانًا. وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، ومجاهد، وأبى مالك، والسدّي، ومقاتل بن حيان نحو ذلك. وقال جويبر (٧٩٩) عن الضحاك في] [¬٤] قوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفي. قال: اتخذوها [¬٥] أربابًا، وصوروهنّ [¬٦] صور الجواري فحكموا وقلدوا، وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده، يعنون الملائكة. وهذا التفسير شبيه [بقوله] [¬٧] تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ

стр. 1906

الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. وقال على بن أبي طلحة والضحاك، عن ابن عباس (٨٠٠): ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال: يعني موتى. وقال مبارك - يعني ابن فضالة - عن الحسن: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح، إما خشبة يابسة وإمّا حجر يابس. ورواه ابن أبي حاتم، وابن جرير وهو غريب (٨٠١). وقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أي: هو الذى أمرهم بذلك وحسنه لهم وزينه، وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وقال تعالى إخبارًا عن الملائكة أنهم يقولون يوم القيامة عن المشركين الذين ادّعوا عبادتهم في الدنيا: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. وقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: طرده وأبعده من رحمته، وأخرجه من جواره. وقال: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي: معينا مقدّرًا معلومًا، قال مقاتل بن حيان: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة. ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الحق ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي: أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم. قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ [¬١] فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ قال قتادة والسدي وغيرهما: يعني تشقيقها [¬٢] وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة [¬٣].

стр. 1907

﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يعني بذلك خصي الدواب: وكذا روي عن ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب وعكرمة وأبي عياض [وقتادة وأبي صالح] [¬١] والثوري، وقد ورد في حديث النهي عن ذلك. وقال الحسن بن اً بي الحسن البصري: يعني بذلك الوشم، وفي صحيح مسلم (٨٠٢) النهى عن الوشم في الوجه، وفي لفظ: " [لعن الله] [¬٢] من فعل ذلك" (٨٠٣)، وفي الصحيح، (٨٠٤) عن ابن مسعود أنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله . ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله، وهو في كتاب الله ، يعني قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وقال ابن عباس في رواية عنه ومجاهد وعكرمة [] [¬٣] وابراهيم النخعي والحسن وقتادة والحكم والسدي والضحاك وعطاء الحراسانى فى قوله ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، يعني: دين الله وهذا كقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، على قول من جعل ذلك أمرًا، أي: لا تبدلوا فطرة الله، ودعوا الناس على فطرتهم، كما ثبت في الصحيحين (٨٠٥) عن اً بي هرهة قال: قال رسول الله صلى الله على yyy

стр. 1908

وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه، وينصرانه، ويمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة عجماء، هل يحسون فيها من جدعاء"، وفي صحيح مسلم (٨٠٦)، عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم [¬١]، عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت [¬٢] لهم". [ثم قال] [¬٣] تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾، أي: فقد خسر الدنيا والآخرة وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها. وقوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾، وهذا إخبار عن الواقع؛ فإن [¬٤] الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ كما قال تعالى مخبرًا عن إبليس يوم المعاد: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المستحسنون [¬٥] له فيما وعدهم ومناهم ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: مصيرهم ومآلهم يوم حسابهم [¬٦] ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ أي: ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص، ولا مناص. ثم ذكر تعالى حال السعداء والأتقياء وما لهم في مآلهم من الكرامة التامة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: صدقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به

стр. 1909

من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: بلا زوال ولا انتقال، ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: هذا وعد من الله، ووعد الله معلوم حقيقة [أنه واقع لا محالة] [¬١]، ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر، وهو قوله: ﴿حَقًّا﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ أي: لا أحد أصدق منه قولاً أي: خبرًا [¬٢] لا إله إلا هو ولا رب سواه، وكان رسول الله، ﷺ ، يقول في خطته (٨٠٧): " إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، [وكل محدثة بدعة] [¬٣]، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ قال قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، [] [¬٤] نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله. فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. فأفلج [¬٥]، الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان. وكذا روي عن السدي ومسروق والضحاك وأبي صالح وغيرهم، وكذا روى العوفى عن ابن عباس، ﵁، أنه قال في هذه الآية: تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا

стр. 1910

خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإِسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتَم النبيين، أمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا. فقضى الله بينهم فقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية. وخير بين الأديان، فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [إلى قوله] [¬١]: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. وقال مجاهد: قالت [¬٢] العرب: لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾: وقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. والمعنى في هذه الآية، أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، [ولكن ما وقر في القلوب وصدّقته الأعمال] [¬٣]، وليس كل من ادّعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه هو المحق [¬٤]، سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع ما شرعه على ألسنة رسله [¬٥] الكرام، ولهذا قال بعده: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من الصحابة، قال الإِمام أحمد (٨٠٨):

стр. 1911

حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي زهير؛ قال: أخبرت أن أبا بكر، ﵁، قال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فكل [¬١] سوء عملناه [¬٢]، جزينا به؟ فقال النبي، ﷺ : "غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟ "، قال: بلى. قال: "فهو ما تجزون به". ورواه سعيد بن منصور، عن خلف بن خليفة، عن إسماعيل بن أبي خالد، به. ورواه [ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى، عن أبي خيثمة، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، به. ورواه] [¬٣] الحاكم من طريق سفيان الثوري، عن إسماعيل، به. وقال الإِمام أحمد (٨٠٩): حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: سمعت أبا بكر يقول: قال رسول الله، ﷺ : "من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا". وقال أبو بكر بن مردويه (٨١٠): حدثنا أحمد بن هشيم بن جهيمة، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد؛ قال: قال عبد الله بن عمر: انظروا المكان الذي به [¬٤] عبد الله بن الزبير مصلوبًا، ولا تمُرُّن عليه. قال: فسها الغلام فإذا [عبد الله] [¬٥] بن عمر ينظر إلى ابن

стр. 1912

الزبير، فقال: يغفر الله لك - ثلاثًا - أما والله ما علمتك إلا صوّامًا قوامًا وصالًا للرحم، أما والله إني لأرجو مع متساوى ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها، قال: ثم التفت إليّ فقال: سمعت أبا بكر الصدّيق يقول: قال رسول الله، ﷺ : "من يعمل سوءًا في الدنيا يجز به". ورواه أبو بكر البزار في مسنده، عن الفضل بن سهل، عن عبد الوهاب بن عطاء، به مختصرًا. وقد [¬١] قال في مسند الزبير [¬٢] (٨١١): حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي [¬٣]، حدثنا عبد الرحمن بن سليم بن حيان، حدثني أبي، عن جدي حيان بن بسطام، [] [¬٤]: قال: كنت مع ابن عمر، فمر بعبد الله بن الزبير، وهو مصلوب، فقال: [رحمك الله] [¬٥] أبا خُبَيْب، سمعتُ أباك - يعني الزبير - يقول: قال رسول الله، صلى الله عليه

стр. 1913

وسلم: (من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا والآخرة"، ثم قال: لا نعلمه يروى عن الزبير إلا من هذا الوجه. وقال أبو بكر بن مردويه (٨١٢): حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا محمَّد بن سعد العوفى، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني مولى بن سباع، قال: سمعت ابن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق، قال: كنت عند النبي، ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ فقال رسول الله، ﷺ : "يا أبا بكر، ألا [¬١] أقرئك آية نزلت [¬٢] علىّ؟ " قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني قد [¬٣] وجدت انفصامًا [¬٤] في ظهري حتى تمطأت [¬٥] لها، فقال رسول الله، ﷺ : "مالك يا أبا بكر"

стр. 1914

قلت: بأبي أنت [¬١] وأمي يا رسول الله، وأينا لم يعمل السوء، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه، فقال رسول الله، ﷺ : "أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون، فإنكم [¬٢] تجزون [¬٣] بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة". وهكذا رواه الترمذي عن يحيى بن موسى وعبد [¬٤] بن حميد، عن روح بن عبادة، به. ثم قال: وموسى بن عبيدة يضعف، ومولى ابن سباع مجهول. [وقال ابن جرير (٨١٣): حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء بن أبي رباح، قال: لما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله، ﷺ : "إنما هي المصيبات في الدنيا] [¬٥] ". (طريق [¬٦] أخرى عن الصديق) قال ابن مردويه (٨١٤): حدثنا محمَّد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حدثنا محمَّد بن عامر السعدي، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا فضيل بن عياض، عن سليمان بن مهران، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، قال: قال أبو بكر الصديق [¬٧]: يا

стр. 1915

رسول الله، ما أشدّ هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال رسول الله، ﷺ : "المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا، جزاء". (طريق [¬١] أخرى) قال ابن جرير (٨١٥): حدثني عبد الله بن أبي زياد، وأحمد بن منصور، قالا: أخبرنا زيد بن الحباب، حدثنا عبد الملك بن الحسن الحارثى، حدثنا محمَّد بن زيد بن قنفذ [¬٢]، عن عائشة، عن أبي بكر، قال: لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله، كل ما نعمل نؤاخذ به؟ فقال: "يا أبا بكر، أليس يصيبك كذا وكذا؟ فهو كفارة". (حديث آخر) قال سعيد بن منصور (٨١٦): أنبأنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة، حدثه أن يزيد بن أبي يزيد، حدثه عن عبيد بن عمير، عن عائشة أن رجلًا تلا هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال: إنا لنُجزى بكل عمل [¬٣] هلكنا إذا. فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ ، فقال: "نعم، يُجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه في جسده فيما يؤذيه".

стр. 1916

(طريق [¬١] أخرى) قال ابن أبي حاتم (٨١٧)، حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن بشير، حدثنا هشيم، عن أبي عامر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني لأعلم أشد آية في القرآن، فقال: "ما هي يا عائشة؟ " قلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. فقال "هو ما يصيب العبد المؤمن حتى النكبة ينكبها". رواه ابن جرير من حديث هشيم، به، ورواه أبو داود من حديث أبي عامر صالح بن رستم [الخراز] [¬٢]، به. (طريق [¬٣] أخرى) قال أبو داود الطيالسي (٨١٨): حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن [¬٤] زيد، عن أمية [¬٥] أنها سألت عائشة عن هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقالت: ما سألنى أحد عن هذه الآية منذ سألت عنها رسول الله، ﷺ ، سألت رسول الله ﷺ فقال: "يا عائشة، هذه معاتبة الله للعبد مما يصيبه من الحُمَّى والنكبة والشوكة حتى البضاعة يضعها [¬٦] في كمه، فيفزع لها فيجدها في جيبه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير".

стр. 1917

(طريق [¬١] أخرى) قال ابن مردويه: حدثنا محمَّد بن [¬٢] أحمد بن [¬٣] إبراهيم، حدثنا أبو القاسم، حدثنا سُريج بن يونس، حدثنا أبو معاوية، عن محمَّد بن إسماعيل، عن محمَّد بن زيد بن المهاجر، عن عائشة قالت: سئل رسول الله، ﷺ ، عن هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قال: "إن المؤمن يؤجر في كل شيء، حتى في الفيظ عند الموت". وقال الإِمام أحمد (٨١٩): حدثنا حسين، [عن زائدة] [¬٤]، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة، قالت: قال رسول الله، ﷺ : "إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه [¬٥] ". (حديث آخر) قال سعيد بن منصور (٨٢٠)، عن سفيان بن عيينة، عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، سمع محمَّد بن قيس بن مخرمة يخبر أن أبا هريرة، ﵁، قال: لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، شق ذلك على المسلمين، فقال لهم رسول الله، ﷺ : "سددوا وقاربوا؛ فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارةً حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها".

стр. 1918

وهكذا رواه أحمد عن سفيان بن عيينة، ومسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة - به. ورواه ابن مردويه (٨٢١) من حديث روح ومعتمر كلاهما، عن إبراهيم بن يزيد، عن عبد الله [¬١] بن إبراهيم، سمعت أبا هريرة يقول: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بكينا وحزنا وقلنا: يا رسول الله، ما أبقت هذه الآية من شيء! قال: "أما والذي نفسي بيده، إنها لكما نزلت [¬٢] ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا، فإنَّه لا يصيب أحدًا منكم مصيبة في الدنيا إلا كفر الله بها من [¬٣] خظيئته، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه". وقال عطاء بن يسار، عن أبي سعيد وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول الله، ﷺ ، يقول: "ما يصيب المسلم من نصب [¬٤] ولا وصب [¬٥] ولا سقم ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر به [¬٦] من سيئاته" أخرجاه (٨٢٢). (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٨٢٣): حدثنا يحيى عن [¬٧] سعد [¬٨] بن إسحاق، حدثتني زينب بنت كعب بن عجرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل إلى رسول الله، ﵌، فقال [¬٩]: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا بها؟ قال: "كفارات"،

стр. 1919

قال أبي: وإن قلَّتْ؟ قال: "حتى الشوكة فما فوقها" قالت: فدعا أبي على نفسه؛ أنه لا يفارقه الوعك [¬١] حتى يموت، في أن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة، فما مسه إنسان إلا وجد حره حتى مات، ﵁. تفرد به أحمد. (وحديث آخر) روى ابن مردويه (٨٢٤) من طريق حسين بن واقد، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: قيل: يا رسول الله، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: "نعم ومن يعمل حسنة يجز بها عشرًا". فهلك من [غلب واحدته] [¬٢] عشرًا. وقال ابن جرير (٨٢٥): حدثنا ابن وكيع، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: الكافر، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾.

стр. 1920

وهكذا روي عن ابن عبَّاس وسعيد بن جبير (٨٢٦) أنهما فسرا السوء هاهنا بالشرك أيضًا. وقوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: إلا أن يتوب، فيتوب الله عليه. رواه ابن أبي حاتم (٨٢٧). والصحيح أن ذلك عام في جميع الأعمال لما تقدم من الأحاديث، وهذا اختيار ابن جرير والله أعلم. وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. لما ذكر الجزاء على السيئات، وأنه لابد أن يأخذ مستحقها من العبد، إما في الدنيا وهو الأجود له، وأما في الآخرة - والعياذ بالله من ذلك، ونسأله العافية في الدنيا والآخرة، والصفح والعفو والمسامحة - شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذكرانهم وإناثهم [¬١] بشرط الإِيمان، وأنَّه سيدخلهم الجنَّةَ ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو: النقرة التي في ظهر نواة التمرة، [وقد تقدم الكلام على الفتيل، وهو الخيط الذي في شق النواة، وهذا النقير وهما في نواة التمرة] [¬٢]، وكذا القطمير: وهو اللفافة التي على نواة التمرة، والثلاثة في القرآن. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: أخلص العمل لربه فعمل إيمانًا واحتسابًا ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: متبعًا [¬٣] في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما: أن [¬٤] يكون خالصًا صوابًا، والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون متابعًا [¬٥] للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد؛ فمن فقد الإِخلاص كان منافقًا، وهمَ الذين يراءون الناس. ومن فقد المتابعة كان ضالًا جاهلًا، ومتى جمعهما فهو [¬٦]، عمل المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ

стр. 1921

إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. والحنيف هو المائل عن الشرك قصدًا، أي: تاركًا له عن بصيرة، ومقبل على الحق بكليته، لا يصده عنه صاد، ولا يرده عنه راد. وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، وهذا من باب الترغيب في اتباعه؛ لأنه إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له، فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك [¬١] إلا لكئرة طاعته لربه كما وصفه به في قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قال كثير من علماء السلف: أي قام بجميع ما أمر به، ووفى كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير، وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقال البخاري (٨٢٨): حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إن معاذًا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح، فقرأ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم. وقد ذكر ابن جرير في تفسيره (٨٢٩) عن بعضهم أنَّه إنما سماه الله خليلًا من أجل أنَّه أصاب أهل ناحيته جدب، فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل - وقال بعضهم: من أهل مصر - ليمتار طعامًا لأهله من قبله، فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب من أهله مرّ بمفازة ذات رمل فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا أغم [¬٢] أهلي برجوعي اليهم بغير ميرة، وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك، فتحول ما في غرائره من الرمل دقيقًا، فلما صار إلى منزله نام، وقام أهله ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقًا فعجنوا منه وخبزوا، فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فقال: نعم، هو من عند [¬٣] خليلي الله، فسماه الله بذلك خليلًا. وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرًا إسرائيليًّا لا يصدق

стр. 1922

ولا يكذب، وإنما سمي خليل الله لشدة محبة ربه، ، له، لما قام له به [¬١] من الطاعة التي يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في الصحيحين (٨٣٠) من حديث [¬٢] أبي سعيد الخدري أن رسول الله، ﷺ ، لما خطبهم في آخر خطبة خطبها، قال: "أما بعد أيها الناس فلو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا؛ لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله". وجاء من طريق جندب بن عبد الله البجلى (٨٣١)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (٨٣٢)، وعبد الله بن مسعود (٨٣٣)، عن النبي؛ قال: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلًا". وقال أَبو بكر بن مردويه (٨٣٤): حدَّثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدَّثنا إسماعيل بن

стр. 1923

أحمد بن أسيد، حدَّثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة، حدَّثنا عبيد الله [¬١] الحنفي، حدَّثنا زمعة [¬٢] بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله، ﷺ ، ينتظرونه، فخرج حتَّى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عجبًا [¬٣] إن الله اتخذ من خلقه خليلًا! فإبراهيم خليله. وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليمًا! وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته!، وقال آخر: آدم اصطفاه الله! فخرج عليهم فسلم، وقال: "قد سمعت كلامكم وتعجبكم أن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك، وكذلك [محمد قال] [¬٤]: ألا وإني حبيب الله ولا فخر، [وأنا حامل لواء الحمد ويوم القيامة ولا فخر] [¬٥] وأنا أول شافع، وأول مشفع ولا فخر، وأنا أول هن يحرك حلقة [¬٦] الجنَّةَ، فيفتح [¬٧] الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر". وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها. وقال قَتَادة: عن عكرمة، عن ابن عباس أنَّه قال: أتعجبون من أن تكون الخلة لإِبراهيم، والكلام لوسى، والرؤية لمحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟! رواه الحاكم في المستدرك (٨٣٥)، وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وكذا

стр. 1924

روي عن أنس بن مالك وغير واحد من الصحابة والتابعين والأئمة من السلف والخلف. وقال ابن أبي حاتم (٨٣٦): حدَّثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدَّثنا محمد - يعني ابن سعيد ابن سابق - حدَّثنا عمرو - يعني ابن أبي قيس - عن عاصم، عن أبي راشد، عن عبيد بن عمير، قال: كان إبراهيم، ﵇، يُضَيِّف الناس، فخرج يومًا يلتمس إنسانًا [¬١] يضيفه، فلم يجد أحدًا يضيفه، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلًا قائمًا، فقال: يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربها، قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت، أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بأن [¬٢] الله قد اتخذه خليلًا. قال: من هو؟ فوالله ان أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه، ثم لا أبرح له جارًا حتَّى يفرق بيننا الموت، قال: ذاك [¬٣] العبد أنت. قال: أنا؟ قال: نعم. قال [¬٤]: فبم اتخذني ربي خليلًا؟ قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم. [وحدثنا أبي] [¬٥] (٨٣٧)، حدَّثنا محمود بن خالد السلمي، حدَّثنا الوليد، عن إسحاق بن يسار، قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلًا ألقي في قلبه الوجل، حتَّى إنْ [كان] [¬٦] خفقان قلبه ليسمع من بعيد، كما يسمع خفقان الطير في الهواء. وهكذا جاء في صفة رسول الله، ﷺ ، أنَّه كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، [إذا اشتدّ غليانها] [¬٧]، من البكاء (٨٣٨). وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الجميع ملكه وعبيده وخلقه، وهو المتصرف في جميع ذلك، لا رادَّ لما قضى، ولا معقب لما حكم، ولا يسأل عما يفعل

стр. 1925

لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أي: علمه نافذ في جميع ذلك، لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر ولا تخفى عليه الذرة [¬١] لما تراءى للناظر [¬٢] وما توارى. ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ قال البخاري (٨٣٩): حدَّثنا عبيد بن إسماعيل، حدَّثنا أَبو أسامة، قال: حدثنا هشام بن عروة، أخبرني عن أبيه، عن عائشة ﵂: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إلى قوله، [¬٣] ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالت عائشة [¬٤]: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، [قد شركته] [¬٥] في ماله حتَّى في العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوِّجها رجلًا، فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها فنزلت هذه الآية. وكذلك [¬٦] رواه مسلم عن أبي كريب وعن [¬٧] أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي أسامة. وقال ابن أبي حاتم (٨٤٠): قرأت على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله، ﷺ ، بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ

стр. 1926

قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية، قالت: والذي ذكر الله أنَّه يتلى عليهم في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. وبهذا الإسناد (٨٤١) عن عائشة قال: وقول الله : ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، رغبة أحدكم عن يتيمته التى تكون في حجره، حين تكون قليلة المال والجمال، فَنُهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ. وأصله ثابت في الصحيحين من طريق يونس بن يزيد الأيلي، به. والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوّجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسَّع الله ، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة. وتارة لا يكون للرجل [¬١] فيها رغبة لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله، ، أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها، كما قال على ابن أبي طلحة (٨٤٢)، عن ابن عبَّاس [في الآية وهي] [¬٢] قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: كان [¬٣] الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فاٍ ذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوّجها أبدًا، فإن كانت جميلة وهويها تزوِّجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدًا حتَّى تموت، فإذا ماتت ورثها. فحرم الله ذلك ونهى عنه. وقال في قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾: كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك كقوله [¬٤]: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فنهى الله عن ذلك، وبين لكل

стр. 1927

ذي سهم سهمه فقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ صغيرًا أو كبيرًا. وكذا قال سعيد بن جبير وغيره. وقال [¬١] سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾: كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها، واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال ولا جمال فأنكحها واستأثر بها. وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ تهييجًا على فعل الخيرات، وامتثالًا للأوامر، وأن الله، ، عالم بجميع ذلك، ولم [¬٢] سيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه. ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ يقول تعالى مخبرًا ومشرعًا عن حال [¬٣] الزوجين: تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة [عند] [¬٤] فراقه لها. فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها؛ فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت، أو غير ذلك من الحقوق [¬٥] عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا جناح [¬٦] عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا [¬٧] بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، ثم قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: من الفراق. وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أي: الصلح عند المشاحة خير من الفراق، ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة عزم رسول الله، صلى الله

стр. 1928

عليه وسلم، على فراقها، [فصالحته على] [¬١] أن يمسكها وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها، وأبقاها على ذلك. (ذكر الرواية بذلك). قال أبو داود الطيالسي (٨٤٣): حدَّثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله، ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني، واجعل يومي لعائشة. ففعل، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ الآية. قال ابن عبَّاس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. ورواه التِّرمِذي، عن محمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي، به. وقال: حسن غريب. وقال [¬٢] الشَّافعي (٨٤٤): أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس أن رسول الله، ﷺ ، توفي عن تسع نسوة، وكان يقسم لثمان. وفي الصحيحين (٨٤٥) من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان النبي، ﷺ ، يقسم لها بيوم سودة. وفي صحيح البخاري (٨٤٦) من حديث الزُّهْريّ عن عروة عن عائشة نحوه.

стр. 1929

وقال سعيد بن منصور (٨٤٧): أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام [بن عروة] [¬١]، عن أبيه عروة [¬٢] قال: [] [¬٣] أنزل الله في سودة وأشباهها: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾، وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت فَفزعَت أن يفارقها رسول الله، ﷺ ، وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله، ﷺ ، عائشة ومنزلتها منه، فوهبت يومها من رسول الله، ﷺ ، لعائشة، فقبل ذلك رسول الله. قال البيهقي: وقد رواه أحمد بن يونس، عن الحسن بن أبي الزناد، موصولًا، وهذه الطَّرِيقِ رواها الحاكم في مستدركه (٨٤٨)، فقال: حدَّثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حدَّثنا أحمد بن يونس، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنَّها قالت له: يا ابن أختي، كان رسول الله، ﷺ ، لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا، وكان قل يوم إلَّا وهو يطوف علينا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتَّى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله، ﷺ : يا رسول الله، يومي هذا لعائشة، فقبل ذلك رسول الله، صلى الله عليه ومسلم، قالت عائشة: ففي ذلك أنزل الله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. وكذا [¬٤] رواه أَبو داود، عق أحمد بن يونس، به. ثم قال الحاكم [¬٥]: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.

стр. 1930

وقد رواه [] [¬١] ابن مردويه (٨٤٩): من طريق أبي بلال الأشعري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، به نحوه، ومن رواية عبد العزيز بن [¬٢] محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، بنحوه [¬٣] مختصرًا، والله أعلم. وقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي في أول "معجمه" (٨٥٠): حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا مسلم [¬٤] بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة، قال: بعث النبي، ﷺ ، إلى سودة بنت زمعة بطلاقها، فلما أن أتاها جلست له على طريق عائشة فلما رأته قالت له: أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه [¬٥] واصطفاك على خلقه، لما راجعتني فإني قد كبرت ولا حاجة لي في الرجال. [لكن أريد أن] [¬٦] أبعث مع نسائك يوم القيامة. فراجعها فقالت: إني [¬٧] جعلت يومي وليلتي لحِيَّة رسول الله، ﷺ . وهذا غريب ومرسل. وقال البخاري (٨٥١): حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا [عبد الله] [¬٨]، أنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت [¬٩]: الرجل تكون عنده المرأة المسنة [¬١٠] ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأنى في حِلٍّ، فنزلت هذه الآية. وقال ابن جرير (٨٥٢): حدثنا ابن [¬١١] وكيع، حدّثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
следующие страницы →