قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية، قالت: والذي ذكر الله أنَّه يتلى عليهم في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
وبهذا الإسناد (٨٤١) عن عائشة قال: وقول الله : ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، رغبة أحدكم عن يتيمته التى تكون في حجره، حين تكون قليلة المال والجمال، فَنُهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ.
وأصله ثابت في الصحيحين من طريق يونس بن يزيد الأيلي، به.
والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوّجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسَّع الله ، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة.
وتارة لا يكون للرجل [¬١] فيها رغبة لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله، ، أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها، كما قال على ابن أبي طلحة (٨٤٢)، عن ابن عبَّاس [في الآية وهي] [¬٢] قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: كان [¬٣] الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فاٍ ذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوّجها أبدًا، فإن كانت جميلة وهويها تزوِّجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدًا حتَّى تموت، فإذا ماتت ورثها. فحرم الله ذلك ونهى عنه.
وقال في قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾: كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك كقوله [¬٤]: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فنهى الله عن ذلك، وبين لكل
стр. 1927
ذي سهم سهمه فقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ صغيرًا أو كبيرًا.
وكذا قال سعيد بن جبير وغيره. وقال [¬١] سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾: كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها، واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال ولا جمال فأنكحها واستأثر بها.
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ تهييجًا على فعل الخيرات، وامتثالًا للأوامر، وأن الله، ، عالم بجميع ذلك، ولم [¬٢] سيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه.
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾
يقول تعالى مخبرًا ومشرعًا عن حال [¬٣] الزوجين: تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة [عند] [¬٤] فراقه لها. فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها؛ فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت، أو غير ذلك من الحقوق [¬٥] عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا جناح [¬٦] عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا [¬٧] بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، ثم قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: من الفراق. وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أي: الصلح عند المشاحة خير من الفراق، ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة عزم رسول الله، صلى الله
стр. 1928
عليه وسلم، على فراقها، [فصالحته على] [¬١] أن يمسكها وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها، وأبقاها على ذلك.
(ذكر الرواية بذلك).
قال أبو داود الطيالسي (٨٤٣): حدَّثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله، ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني، واجعل يومي لعائشة. ففعل، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ الآية. قال ابن عبَّاس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
ورواه التِّرمِذي، عن محمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي، به. وقال: حسن غريب. وقال [¬٢] الشَّافعي (٨٤٤): أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس أن رسول الله، ﷺ ، توفي عن تسع نسوة، وكان يقسم لثمان.
وفي الصحيحين (٨٤٥) من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان النبي، ﷺ ، يقسم لها بيوم سودة.
وفي صحيح البخاري (٨٤٦) من حديث الزُّهْريّ عن عروة عن عائشة نحوه.
стр. 1929
وقال سعيد بن منصور (٨٤٧): أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام [بن عروة] [¬١]، عن أبيه عروة [¬٢] قال: [] [¬٣] أنزل الله في سودة وأشباهها: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾، وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت فَفزعَت أن يفارقها رسول الله، ﷺ ، وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله، ﷺ ، عائشة ومنزلتها منه، فوهبت يومها من رسول الله، ﷺ ، لعائشة، فقبل ذلك رسول الله.
قال البيهقي: وقد رواه أحمد بن يونس، عن الحسن بن أبي الزناد، موصولًا، وهذه الطَّرِيقِ رواها الحاكم في مستدركه (٨٤٨)، فقال:
حدَّثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حدَّثنا أحمد بن يونس، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنَّها قالت له: يا ابن أختي، كان رسول الله، ﷺ ، لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا، وكان قل يوم إلَّا وهو يطوف علينا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتَّى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله، ﷺ : يا رسول الله، يومي هذا لعائشة، فقبل ذلك رسول الله، صلى الله عليه ومسلم، قالت عائشة: ففي ذلك أنزل الله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾.
وكذا [¬٤] رواه أَبو داود، عق أحمد بن يونس، به. ثم قال الحاكم [¬٥]: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
стр. 1930
وقد رواه [] [¬١] ابن مردويه (٨٤٩): من طريق أبي بلال الأشعري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، به نحوه، ومن رواية عبد العزيز بن [¬٢] محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، بنحوه [¬٣] مختصرًا، والله أعلم.
وقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي في أول "معجمه" (٨٥٠): حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا مسلم [¬٤] بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة، قال: بعث النبي، ﷺ ، إلى سودة بنت زمعة بطلاقها، فلما أن أتاها جلست له على طريق عائشة فلما رأته قالت له: أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه [¬٥] واصطفاك على خلقه، لما راجعتني فإني قد كبرت ولا حاجة لي في الرجال. [لكن أريد أن] [¬٦] أبعث مع نسائك يوم القيامة. فراجعها فقالت: إني [¬٧] جعلت يومي وليلتي لحِيَّة رسول الله، ﷺ . وهذا غريب ومرسل.
وقال البخاري (٨٥١): حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا [عبد الله] [¬٨]، أنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت [¬٩]: الرجل تكون عنده المرأة المسنة [¬١٠] ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأنى في حِلٍّ، فنزلت هذه الآية.
وقال ابن جرير (٨٥٢): حدثنا ابن [¬١١] وكيع، حدّثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
стр. 1931
عن عائشة: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا [¬١] وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قالت: هذا في المرأة تكون عند الرجل فلعله ألا يكون يستكثر منها، ولا يكون لها ولد، و [¬٢] لها صحبة، فتقول: لا تطلقني وأنت في حل عن شأني.
حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام، عن عروة، عن عائشة في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت: هو الرجل يكون له المرأتان: إحداهما قد كبرت، [أو هي] [¬٣] دميمة وهو لا يستكثر منها فتقول: لا تطلقني، وأنت في حل من شأني.
وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، من غير وجه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بنحو ما تقدم، ولله الحمد والمنة.
قال ابن جرير (٨٥٣): حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا: حدثنا جرير، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: جاء رجل إلى عمر [﵁] [¬٤] فسأله عن آية، فكره ذلك وضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ فقال: عن مثل هذا فاسألوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل، قد خلا [¬٥] من سِنِّها فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
وقال ابن أبي حاتم (٨٥٤): حدثنا على بن الحسن الهسنجاني، حدثنا مسدد، حدثنا
стр. 1932
أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فسأله عن قول الله : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ قال على: يكون الرجل عنده المرأة، فتنبو عيناه عنها من دمامتها، أو كبرها، أو سوء خلقها، أو فقرها [¬١] فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئًا حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج.
وكذا رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، و [¬٢] حماد بن سلمة وأبي الأحوص. ورواه ابن جرير من طريق إسرائيل أربعتهم عن سماك، به.
وكذا فسرها ابن عباس وعَبِيدة السلماني ومجاهد بن جبر [¬٣] والشعبي وسعيد بن جبير وعطاء وعطية العوفي ومكحول والحسن والحكم بن عتيبة [¬٤] وقتادة وغير واحد من السلف والأئمة، ولا أعلم [خلافًا في ذلك] [¬٥]، أن المراد بهذه الآية هذا، والله أعلم.
وقال الشافعي (٨٥٥): أنبأنا ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمرًا إما كبرًا أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك، فأنزل الله : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية.
وقد رواه الحاكم في مستدركه (٨٥٦) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار بأطول من هذا السياق.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (٨٥٧): أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو محمد أحمد
стр. 1933
ابن عبد الله المزني، أخبرنا على بن محمد بن عيسى، أنبأنا أبو اليمان، أخبرني شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: أن السنة في هاتين الآيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوز المرء وإعراضه عن امرأته في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ إلى تمام الآيتين [¬١] أن المرء [¬٢] إذا نشز عن امرأته وآثر عليها؛ فإن من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها، أو تستقر عنده على ما كانت من أثرة في القسم من ماله ونفسه، [فإن استقرت عنده على ذلك، فكرهت أن يطلقها، فلا حرج عليه فيما آثر عليها من ذلك، فإن لم يعرض عليها الطلاق وصالحها على أن يعطها من ماله ما ترضاه وتقر عنده على الأثر في القسم من ماله ونفسه] [¬٣] صلح له ذلك، وجاز [¬٤] صلحها عليه. كذلك ذكر سعيد بن المسيب وسليمان الصلح الذي قال الله : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ وقد ذكر لي أن رافع بن خديج الأنصاري، وكان من أصحاب النبي، ﷺ ، كانت عنده امرأة حتى إذا كبرت تزوَّج عليها فتاة شابة، وآثر عليها الشابة، فناشدته الطلاق فطلقها تطليقة، ثم أمهلها [¬٥]، حتى إذا كادت تحل راجعها، [ثم عاد فآثر] [¬٦] [عليها الشابة فناشدته الطلاق] [¬٧] [فطلقها تطليقة أخرى ثم أمهلها حتى إذا كادت تحل راجعها [¬٨]، [ثم عاد فآثر الشابة عيها فناشدته الطلاق] [¬٩] فقال لها: ما شئت إنما بقيت لك تطليقة واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين [¬١٠] من الأثرة، وإن شئت فارقتك، فقالت: لا بل أستقرّ على الأثرة. فأمسكها على ذلك، فكان ذلك صلحهما، ولم ير رافع عليه إثمًا [¬١١] حين رضيت أن تستقرّ عنده على الأثرة، فيما آثر به عليها.
وهكذا [¬١٢] رواه بتمامه عبد الرحمن بن أبي حاتم: عن أبيه، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، فذكره بطوله، والله أعلم.
стр. 1934
وقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قال على بن أبي طلحة (٨٥٨) عن ابن عباس: يعني التخيير أن يخير الزوج لها بين الإِقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها.
والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية كما أمسك النبي، ﷺ ، سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة، ﵂، ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية [¬١] ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه، ﵊، لما كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق؛ قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، بل الطلاق بغيض إليه ، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة جميعًا (٨٥٩) عن كثير ابن عبيد، عن محمد بن خالد، عن معرِّف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن عبد الله ابن عمر؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "أبغض الحلال إلى الله الطلاق".
ثم رواه أبو داود: عن أحمد بن يونس، عن معرِّف [¬٢]، عن محارب قال: قال رسول الله، ﷺ ،. . . فذكر معناه مرسلًا.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما [¬٣] تكرهون منهن، وتقسموا لهنّ أسوة أمثالهن فإنّ الله عالم بذلك، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي: لن [¬٤] تستطيعوا أيها الناس، أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن حصل [¬٥] القسم الصوري: ليلة وليلة، فلابد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع، كما قاله ابن عباس وعبيدة السلمانى ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم.
стр. 1935
وقد [¬١] قال ابن أبى حاتم (٨٦٠): حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ في عائشة. يعني أن النبي، ﷺ ، كان يحبها أكثر من غيرها، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن (٨٦١) من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن [¬٢] عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله، ﷺ ، يقسم بين نسائه، فيعدل، ثم يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" يعني القلب. هذا [¬٣] لفظ أبى داود، وهذا إسناد صحيح، لكن قال الترمذي: رواه حماد بن زيد وغير واحد، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا. قال: وهذا أصح.
وقوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهنّ فلا تبالغوا في الميل بالكلية، ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، أي: فتبقى هذه [¬٤] الأخرى معلقة.
قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل ابن حيان: معناه [¬٥] لا ذات زوج ولا مطلقة.
و [¬٦] قال أبو داود الطيالسي (٨٦٢): أنبأنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ : "من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط".
стр. 1936
وهكذا رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث همام بن يحيى، عن قتادة، به. وقال الترمذي: إنما أسنده همام، ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة، قال: كان يقال، ولا يعرف هذا الحديث مرفوعًا، إلا من حديث همام.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: وإن أصلحتم في أموركم، وقسمتم بالعدل فيما تملكون، واتقيتم الله في جميع الأحوال، غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾، وهذه هي الحالة [¬١] الثالثة، وهي حالة الفراق، وقد أخبر الله [¬٢] تعالى أنهما إذا تفرقا؛ فإن الله يغنيه عنها، ويغنيها عنه، بأن يعوّضه الله [¬٣] من هو خير له منها، ويعوّضها عنه بمن هو خير لها منه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ أي: واسع الفضل عظيم المنّ حكيمًا في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾
يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه الحاكم فيهما، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: وصيناكم بما وصيناهم به من تقوى الله، ، بعبادته وحده لا شريك له.
стр. 1937
ثم قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾، كما قال تعالى إخبارًا عن موسى أنه قال لقومه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وقال: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي: غنى عن عباده، ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود في جميع ما يقدره ويشرعه.
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء.
وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم، إذا عصيتموه، كما [¬١] قال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ وقال [¬٢] بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره! وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي: وما [¬٣] هو عليه بممتنع. وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: يا من ليس همته [¬٤] إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك؛ كما قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ إلى قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية.
وقد زعم ابن جرير (٨٦٣) أن المعنى في هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: من المنافقين الذين أظهروا الإيمان لأجل ذلك ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾، وهو [¬٥] ما حصل لهم [¬٦] من المغانم وغيرها مع المسلمين. وقوله: ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أي: وعند الله ثواب الآخرة، وهو ما ادّخره لهم من العقوبة بنار [¬٧] جهنم، وجعلها كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾
стр. 1938
إلى قوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ولا شك أن هذه الآية معناها ظاهر، وأما تفسيره الآية الأولى بهذا ففيه نظر؛ فإن قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ظاهر في حضور الخير في الدنيا والآخرة، أي: بيده هذا وهذا، فلا يقتصرنّ قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذى [¬١] لا إله إلا هو الذي قد قسم السعادة والشقاوة بين الناس في الدنيا والآخرة، وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا. ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾
يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوّامين بالقسط، أي: بالعدل فلا يعدلوا [¬٢] عنه يمينًا ولا شمالًا، [أن لا] [¬٣] يأخذهم [¬٤] في الحقِّ [¬٥] لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه.
وقوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، كما قال: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ أي: [ليكن أداؤها] [¬٦] ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقًّا خالية من التحريف والتبديل والكتمان، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه؛ وإن [¬٧] [كان مضرةً] [¬٨] عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا، من كل أمر يضيق عليه.
وقوله: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا
стр. 1939
تراعهم فيها؛ بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم؛ فإن الحق حاكم على كل أحد، [وهو مقدم على كل أحد] [¬١].
وقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي: لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما.
وقوله: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضة [¬٢] الناس [] [¬٣] إليكم على ترك العدل في أموركم وشئونكم، بل الزموا العدل على أي حال كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
ومن هذا القبيل [¬٤] قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي، ﷺ ، يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلى، ولأنتم أبغض إلى من أعدادكم من القردة والخنازير، وما [¬٥] يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. وسيأتي الحديث مسندًا في سورة المائدة (٨٦٤)، إن شاء الله تعالى.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف: ﴿تَلْوُوا﴾ أي: تحرفوا الشهادة وتغيروها، واللي: هو التحريف وتعمد الكذب، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ الآية. والإعراض هو: كتمان الشهادة وتركها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. وقال النبي، ﷺ : "خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها" (٨٦٥). ولهذا توعدهم الله بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أي: وسيجازيكم [¬٦] بذلك.
стр. 1940
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾
تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة [¬١]: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ أي: بصرنا فيه، وزدنا هدي، وثبتنا عليه فأمرهم بالإِيمان به وبرسوله، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
وقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يعني القرآن، ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾، وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدّمة. وقال في القرآن ﴿نزل﴾ لأنه نزل مفرقًا منجمًا على الوقائع بحسب ما يحتاج العباد إليه في معادهم ومعاشهم، وأما الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة، لهذا قال تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: فقد خرج عن طريق الهدى، وبعد عن القصد كل البعد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾
стр. 1941
يخبر تعالى عمن دخل في الإِيمان، ثم رجع عنه، ثم عاد فيه، ثم رجع واستمرّ على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته. ولا يغفر الله له ولا يجعل له مما هو فيه فرجًا ولا مخرَجًا، ولا طريقًا إلى الهدى؛ ولهذا قال: ﴿لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾.
قال ابن أبي حاتم (٨٦٦): حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، قال: تمموا [¬١] على كفرهم حتى ماتوا، وكذا قال مجاهد.
وروى ابن أبي حاتم (٨٦٧) من طريق جابر المعلى، عن عامر الشعبي، عن علي، ﵁، أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثًا ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ ثم قال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يعني: أن المنافقين من هذه الصفة، فإنهم آمنوا ثم كفروا فطبع الله [¬٢] على قلوبهم، ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون اليهم بالمودَّة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون. أي: بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة؛ قال الله تعالى منكرًا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾.
ثم أخبر الله تعالى بأن العزة كلها لله [¬٣] وحده لا شريك له، ولمن جعلها له، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
стр. 1942
والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله، والالتجاء [¬١] إلى [¬٢] عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.
[ومناسب هنا أن يذكر] الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (٨٦٨): حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الكندي، عن عبادة بن نُسَيّ عن أبي ريحانة أن النبي، صلى الله عديه وسلم، قال: "من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزًّا وفخرًا فهو عاشرهم في النار".
تفرد به أحمد، وأبو ريحانة هذا هو أزدي، ويقال: أنصاري. واسمه شمعون بالمعجمة فيما قاله البخاري، وقال غيره: بالمهملة، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أي: إنكم [¬٣] إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: ﴿إنكم إذا مثلهم﴾ في المأثم، كما جاء في الحديث (٨٦٩): " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا
стр. 1943
يجلس على مائدة يدار عليها الخمر".
والذي أُحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك، هو قوله تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم﴾ الآيه. قال مقاتل بن حيان نسخت هذه الآية التي في سورة [¬١] الأنعام. يعني: نسخ قوله: ﴿إنكم إذا مثلهم﴾ لقوله: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ولكن ذكرى لعلهم يتقون﴾
وقوله: ﴿إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا﴾ أي: كما اشتركوا [¬٢] في الكفر، كذلك شارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبدًا، وجمع بينهم في دار العقوبة والنكال والقيود والأغلال وشرب [¬٣] الحميم والغسلين لا الزلال.
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾
يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكفرة [¬٤] عليهم، وذهاب ملتهم. ﴿فإن كان لكم [¬٥] فتح من الله﴾ أي: نصر وتأييد وظفر وغنيمة، ﴿قالوا ألم نكن معكم﴾ أي: يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة، ﴿وإن كان للكافرين نصيب﴾ أي: إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان، كما وقع يوم أحد؛ فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة؛ ﴿قالوا ألم نستحوذ عليكم وتمنعكم من المؤمنين﴾
стр. 1944
أي: ساعدناكم في الباطن، وما ألوناهم خبالًا وتخذيلًا حتى انتصرتم عليهم.
وقال السدي: ﴿نستحوذ عليكم﴾: نغلب عليكم؛ كقوله: ﴿استحوذ عليهم الشيطان﴾ وهذا أيضًا تودد منهم إليهم؛ فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء ليحظوا عندهم، ويأمنوا كيدهم، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم، وقلة إيقانهم.
قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: بما يعلمه منكم أيها المنافقون، من البواطن الرديئة، فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرًا في الحياة الدنيا، لما له في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم [¬١] ظواهركم؛ بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويُحَصَّل ما في الصدور.
وقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٨٧٠): أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن ذر عن [¬٢]، يُسَيْعٍ الكندي، قال: جاء رجل إلى على بن أبي طالب فقال: كيف هذه الآية ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾؟ فقال على ﵁: ادنه ادنه، [ثم قال] [¬٣]: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
وكذا روى ابن جريج (٨٧١) عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ قال: ذاك يوم القيامة. وكذا روى السدي عن أبي مالكٍ الأشجعي: يعني يوم القيامة. وقال السدي: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ أي: حجة.
стр. 1945
ويحتمل أن يكون المعنى [¬١]: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ أي: في الدنيا، بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس؛ فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. وعلى هذا فيكون ردًّا على المنافقين فيما أملوه وتربصوه [¬٢] وانتظروه من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافر كان خوفًا على أنفسهم منهم، إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿نادمين﴾.
وقد استدل كثير من الفقهاء [¬٣] بهذه الآية الكريمة على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافرين [¬٤] لما في صحة ابتياعه من التسليط له [¬٥] عليه، والإذلال [¬٦]، ومن قال منهم بالصحة يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾
قد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ وقال هاهنا: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ ولا شك أن الله لا يخادع؛ فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم يعتقدون أن أمرهم كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرًا، فكذلك يكون حكمهم يوم القيامة عند الله، وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة، يحلفون له: أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده [كما قال] [¬٧] تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ الآية.
стр. 1946
وقوله: ﴿وهو خادعهم﴾ أي: هو الذي يستدرجهم فى طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق، والوصول إليه في الدنيا، وكذلك فى [¬١] القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ قوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وقد ورد فى الحديث (٨٧٢): " من سمَّع [¬٢]، سمع الله به ومن راءى راءى الله به". وفي [الحديث الآخر] [¬٣]: "إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس، ويعدل به إلى النار". عياذًا بالله من ذلك!
وقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ الآية. هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها وهي الصلاة، إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها، كما روى ابن مردويه (٨٧٣) من طريق عبيد الله بن زَحْر، عن خالد بن أبي عمران، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس؛ قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة شديد الفرح، فإنه يناجي الله، كان الله أمامه [¬٤] يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو ابن عباس هذه الآية: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾.
وروي من غير هذا الوجه، عن ابن عباس نحوه.
فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ هذه صفة ظواهرهم، كما قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال:
стр. 1947
﴿يراءون الناس﴾ أي: لا إخلاص لهم، [ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة] [¬١]؛ ولهذا يتخلفون كثيرًا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبًا كصلاة العشاء في وقت العتمة، وصلاة الصبح في وقت الغلس، كما ثبت في الصحيحين (٨٧٤) أن رسول الله، ﷺ ، قال: "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال ومعهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار [¬٢] ".
وفي رواية: "والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم أنه يجد عَرْقًا ثمينا أو مرماتين [¬٣] حسنتين، لشهد الصلاة" (٨٧٥)، " ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار" (٨٧٦).
وقال الحافظ أبو يعلى (٨٧٧): حدّثنا محمد [بن إبراهيم بن] [¬٤] أبي بكر المقدمي، حدثنا
стр. 1948
محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله، صلى الله طيه وسلم: "من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ".
وقول: ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلاً﴾ أي: في صلاتهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم عن [¬١] صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون.
وقد روى الإمام مالك (٨٧٨)، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله، ﷺ : "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يجلس يرقب الشمس؛ حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلاً".
وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر المدني، عن العلاء بن عبد الرحمن، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقوله: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ يعني: المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكافرين ظاهرًا وباطنًا، بل ظواهرهم معَ المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل
стр. 1949
إلى أولئك، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ الآية.
وقال مجاهد: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء﴾، يعني: أصحاب محمد، ﴿ولا إلى هؤلاء﴾ يعني اليهود.
وقال ابن جرير (٨٧٩): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ ، قال: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة [¬١] بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيتهما تتبع".
تفرد به مسلم، وقد رواه (٨٨٠) عن محمد بن المثنى مرة أخرى، عن عبد الوهاب، فوقف به على ابن عمر، ولم يرفعه. قال: حدثنا به عبد الوهاب مرتين، كذلك.
قلت: وقد رواه الإِمام أحمد (٨٨١)، عن إسحاق بن يوسف عن عبيد الله، به مرفوعًا، وكذا رواه إسماعيل بن عياش، وعلى بن عاصم، عن عبيد الله، [عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا] [¬٢]. وكذا رواه عثمان بن محمد بن أبي شيبة، عن عبدة، عن عبد الله، به مرفوعًا. ورواه حماد بن سلمة، عن عبيد الله أو عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا. ورواه أيضًا صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ ، بمثله.
وقال الإمام أحمد (٨٨٢): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا الهذيل بن بلال، عن ابن [¬٣] عبيد، عن أبيه: أَنه جلس ذات يوم بمكة وعبد الله بن عمر معه، [فقال أبي] [¬٤]: قال رسول الله،
стр. 1950
ﷺ : "إن مثل المنافق يوم القيامة كالشاة بين الربيضين [¬١] من الغنم؛ إن أتت هؤلاء نَطَحْنَها [¬٢]، وإن أتت هؤلاء نَطَحْنَها" فقال له ابن عمر: كذبت. فأثنى القوم على أبي خيرًا أو معروفًا، فقال ابن عمر: لا أظن صاحبكم إلا كما تقولون، ولكني [شاهد نبي] [¬٣] الله، إذ قال: "كالشاة بين الغنمين [¬٤] "، فقال: هو سواء، فقال: هكذا سمعته.
وقال [¬٥] الإِمام [¬٦] أحمد (٨٨٣): حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي، عن أبي [¬٧] جعفر محمَّد بن على قال: بينما عبيد بن عمير يقص وعنده عبد الله بن عمر، فقال عبيد بن عمير، قال رسول الله، ﷺ : "مثل المنافق كشاة [¬٨] بين ربيضين إذا أتت هؤلاء نَطَحْنَها، وإذا أتت هؤلاء نطحتها [¬٩] "، فقال ابن عمر: ليس كذلك قال رسول الله، ﷺ ، إنما قال رسول الله، ﷺ : "كشاة بين غنمين [¬١٠] " قال: فاحتفظ [¬١١] [¬١٢] الشيخ وغضب، فلما رأى ذلك ابن عمر قال: أما إني لو لم أسمعه لم أردد ذلك عليك.
(طريق [¬١٣] أخرى عن ابن عمر) قال الإِمام أحمد (٨٨٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر،
стр. 1951
عن عثمان بن بودويه، عن يعفر بن روذي قال: سمعت عبيد بن عمير، وهو يقص يقول: قال رسول الله ﷺ : "مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين" فقال ابن عمر: ويلكم! لا تكذبوا على رسول الله، ﷺ ، إنما قال رسول الله ﷺ : "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين". [ورواه أحمد أيضًا من طرق عن عبيد بن عمير عن ابن عمر] [¬١].
وقال ابن أبي حاتم (٨٨٥): حدثنا أبي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى واد فدفع أحدهم فعبر، ثمَّ وقع الآخر حتى إذا أتى على نصف الوادي، ناداه الذي على شفير الوادي: ويلك! أين تذهب؟ إلى الهلكة! ارجع عودك على بدئك [¬٢]، وناداه الذي عبر: هلم إلى [¬٣] النجاة، فجعل ينظر إلى هذا مرّة، وإلى هذا مرّة، قال: فجاءه سيل فأغرقه، فالذي عبر المؤمن والذي غرق المنافق ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ والذي مكث الكافر.
وقال ابن جرير (٨٨٦): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا شعبة، عن قتادة ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك. قال: وذكر لنا أن نبي الله، ﷺ ، كان يضرب مثلًا للمؤمن وللمنافق وللكافر، كمثل رهط ثلاثة دفعوا [¬٤] إلى نهر، فوقع المؤمن فقطع، ثمَّ وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن، ناداه الكافر: أن هلم إليَّ، فإني أخشى عليك. وناداه المؤمن: أن هلم إليّ، فإنّ عندي وعندي، يحصي [¬٥] له ما عنده، فما زال المنافق يتردّد بينهما حتى أتى آذيٌّ [¬٦] فغرَّقه، وإنّ المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت، وهو كذلك. قال وذكر لنا أن نبي الله، ﵌، كان يقول: "مثل المنافق كمثل ثاغية [¬٧] بين غنمين، رأت غنمًا على نَشَزٍ [¬٨]. فأتتها وشامَّتها [¬٩]
стр. 1952
فلم [¬١] تُعْرَفْ، ثمَّ رأت غنمًا على نشز فأتتها فشامَّتها فلم تعرف".
ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي ومن صرفه عن طريق الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ فإنَّه ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ والمنافقون الذين أضلهم عن سبيل النجاة فلا هادي [¬٢] لهم، ولا منقذ لهم مما هم فيه، فإنَّه تعالى لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾
ينهى الله [¬٣] تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني [¬٤] مصاحبتهم ومصادقتهم، ومناصحتهم وإسرار المودَّة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حجة عليكم في عقوبته إياكم.
قال ابن أبي حاتم (٨٨٧): حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ قال [¬٥]: كل سلطان
стр. 1953
في القرآن حجة.
وهذا إسناد صحيح، وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، والسدي، والنضر بن عربي.
ثمَّ أخبر تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي: يوم القيامة جزاء على كفرهم الغليظ. قال الوالبي (٨٨٨)، عن ابن عباس: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي: في أسفل النار، وقال غيره: النار دركات كما أن الجنة درجات. وقال سفيان الثوري: عن عاصم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي هريرة: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت ترتج عليهم. كذا رواه ابن جرير (٨٨٩): عن ابن وكيع، عن يحيى بن يمان، عن سفيان الثوري [¬١]، به. ورواه ابن أبي حاتم (٨٩٠) عن المنذر بن شاذان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليهم [¬٢]، فتوقد من تحتهم ومن فوقهم.
وقال ابن جرير (٨٩١): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن عبد الله - يعني ابن مسعود -: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت من نار تطبق عليهم. [أي: مغلقة مقفلة] [¬٣].
ورواه ابن أبي حاتم (٨٩٢): عن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، عن سفيان، عن سلمة، عن خيثمة، عن ابن مسعود: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت من حديد مبهمة عليهم. ومعنى قوله: مبهمة، أي: مغلقة مقفلة لا يهتدى لمكان فتحها.
стр. 1954
وقال [¬١] ابن أبي حاتم (٨٩٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو أسامة، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا على بن يزبد، عن القاسم بن عبد الرحمن: أن ابن مسعود سئل عن المنافقين فقال: يجعلون في توابيت من نار تطبق عليهم في أسفل درك من النار.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي: ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب.
ثمَّ أخبر تعالى أن من تاب في الدنيا، تاب عليه، وقبل ندمه وإذا أخلص في توبته وأصلح عمله، واعتصم بربه في جميع أمره فقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ أي: بدلوا الرياء بالإِخلاص، فينفعهم العمل الصالح وإن قلَّ.
قال ابن أبي حاتم (٨٩٤): أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يحيى ابن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، [] [¬٢] عن عمرو بن مرة، عن معاذ بن جبل: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "أخلص [¬٣] دينك يكفك القليل من العمل".
﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: في زمرتهم يوم القيامة ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ثمَّ قال تعالى مخبرًا عن غناه عما سواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم فقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أي: أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله
стр. 1955
﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ أي: من شكر شكر له، ومن آمن قلبه به، علمه وجازاه على ذلك أوفر الجزاء.
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾
قال على [¬١] بن أبي طلحة (٨٩٥) عن ابن عباس [في الآية] [¬٢] ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلومًا، فإنَّه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ وإن صبر فهو خير له.
وقد [¬٣] قال أبو داود (٨٩٦): حدثنا عبد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن عطاء، عن عائشة، قالت [¬٤]: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه، فقال النبي ﷺ : "لا تسبخي [¬٥] عنه".
وقال الحسن البصري (٨٩٧): لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعني عليه واستخرج حقي منه.
стр. 1956
وفي رواية عنه قال: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه.
وقال عبد الكريم بن مالك الجزري (٨٩٨) في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفترِ عليه؛ لقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
وقد [¬١] قال أبو داود (٨٩٩): حدثنا [¬٢] القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، قال: "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم".
وقال عبد الرزاق (٩٠٠): أنبأنا المثنى بن الصباح، عن مجاهد في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ قال: ضاف رجل رجلًا، فلم يؤدّ إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس فقال: ضفت فلانًا فلم يؤدّ الي حق ضيافتي. قال [¬٣]: فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم [حين لم] [¬٤] يؤدّ إليه الآخر حق ضيافته.
وقال محمَّد بن إسحاق (٩٠١): عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ قال: قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن. وفي رواية: هو الضيف المحول رحله، فإنَّه يجهر لصاحبه بالسوء من القول.
وكذا روي عن غير واحد، عن مجاهد نحو هذا، وقد روى الجماعة (٩٠٢) - سوى النسائي
стр. 1957
والترمذي - من طريق الليث بن سعد - والترمذي من حديث ابن لهيعة - كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر؛ قال: قلنا: يا رسول الله، ﷺ ، إنك تبعثنا [¬١] فننزل بقوم فلا يقرونا، فما ترى في ذلك؟، فقال: "إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا منهم، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم".
وقال الإِمام أحمد (٩٠٣): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا الجودي يحدث عن سعيد بن المهاجر، عن المقدام أبي [¬٢] كريمة [¬٣]، عن النبي، ﷺ ، أنَّه قال: "أيما مسلم ضاف قومًا فأصبح الضيف محرومًا، فإن حقًّا على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله".
تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقال أحمد أيضًا (٩٠٤): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شعبة، حدثني منصور، عن الشعبي، عن المقدام أبي كريمة، سمع رسول الله، ﷺ ، يقول: "ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محرومًا كان
стр. 1958
دينًا له [¬١] عليه، إن [¬٢] شاء اقتضاه وإن شاء تركه".
ثمَّ رواه أيضًا عن غندر، عن شعبة. وعن زياد بن عبد الله البكائي، عن وكيع وأبي نعيم، عن سفيان الثوري، ثلاثتهم عن منصور، به، وكذا رواه أبو داود من حدث أبي عوانة، عن منصور، به.
ومن هذه الأحاديث وأمثالها ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة، ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار (٩٠٥): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا محمَّد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رجلًا أتى النبي، ﷺ ، فقال: إن لي جارًا يؤذيني، فقال له: "أخرج متاعك فضعه على الطريق"، فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، [فجعل كل] [¬٣] من مر به قال: مالك؟، قال: جاري يؤذيني فيقول: اللهم العنه! اللهم اخزه! قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك والله [¬٤] لا أوذيك أبدًا.
وقد رواه أبو داود في كتاب الأدب عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر، عن محمَّد بن عجلان، به.
ثمَّ قال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإِسناد. ورواه أبو جحيفة وهب بن عبد الله، عن النبي، ﷺ (٩٠٦)، ويوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي،
стр. 1959
ﷺ (٩٠٧).
وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أي: إن تظهروا أيها الناس خيرًا أو أخفيتموه أو عفوتم عمن أساء إليكم فإن ذلك مما يقرّبكم عند الله، ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أنَّه [¬١] يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، ولهذا ورد في الأثر أن حملة العرش يسبحون الله، فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك. ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك. وفي الحديث الصحيح (٩٠٨): " ما نقص مال من صدقة، وما [¬٢] زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله".
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
يتوعد ﵎ الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى، حيث فرّقوا بين الله ورسله في الإِيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، بمجرد التشهي والعادة وما ألفوا عليه آباءهم، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنَّه لا سبيل لهم إلى ذلك، بل بمجرد الهوى والعصبية، فاليهود عليهم لعائن الله آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد - عليهما الصلاة السلام - والنصارى آمنوا بالأنبياء
стр. 1960
وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد، ﷺ ، والسامرة لا يؤمنون بنبي بعد يوشع خليفة موسى بن عمران، والمجوس يقال: إنهم كانوا يؤمنون بنبي لهم [اسمه] [¬١]: زرادشت ثم كفروا بشرعه، فرفع من بين أظهرهم، والله أعلم.
والمقصود أن من كفر بنبى من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن ردّ نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي، تبيَن أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا [¬٢] شرعيًّا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: في الإيمان ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ومسلكا، ثم أخبر تعالى عنهم فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ أي: كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به؛ لأنه ليس شرعيًّا، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله، ﷺ ، لآمنوا بنظيره وبمن هو أوضح دليلًا وأقوى برهانًا منه، أو نظروا حق النظر في نبوته.
وقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي: كما استهانوا بمن كفروا به، إما [¬٣] لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله، وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله، ﷺ ، حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة، وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني بذلك: أمة محمد ﷺ ، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وكل [¬٤] نبي بعثه الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية.
ثم أخبر تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل والثواب الجليل والعطاء الجميل، فقال: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ [¬٥] أُجُورَهُمْ﴾ على ما آمنوا بالله ورسله ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لذنوبهم، [] [¬٦] إن كان لبعضهم ذنوب.
стр. 1961
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾
قال محمد بن كعب القرظي والسدي وقتادة: سأل اليهود رسول الله، ﷺ ، أن ينزل عليهم [¬١] كتابًا من السماء كما نزلت [¬٢] التوراة على موسى مكتوبة.
قال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفًا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه فيما جاءهم به. وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإِلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك، كما هو مذكور في سورة سبحان: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾، أي: بطغيانهم وبغيهم وعتوهم وعنادهم، وهذا مفسر في سورة البقرة حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى، ﵇، في بلاد مصر، وما كان من إهلاك عدو الله فرعون هو [¬٣] وجميع جنوده في اليم، فما جاوزوه إلا يسيرًا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة الأعراف وفي سورة طه بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله، ، [ثم لما رجع وكان ما كان، جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده،
стр. 1962
فجعل يقتل بعضهم بعضًا، ثم أحياهم الله، ] [¬١]، فقال [¬٢] الله تعالى: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى، ﵇، رفع الله على رءوسهم جبلًا، ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا وجعلوا ينظرون إلى فوق رءوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الآية.
﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس سجدًا وهم يقولون حطة، أي: اللهم حط عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد، ونكولنا عنه حتى تهنا في التيه أربعين سنة، فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعرة.
﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم ما دام مشروعًا لهم، ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ أي: شديدًا، فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب ما حرم [¬٣] الله كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ الآيات، وسيأتي حديث صفوان بن عسال في سورة سبحان عند قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وفيه: وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ
стр. 1963
الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾
وهذه [¬١] من الذنوب التي ارتكبوها، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم، وكفرهم بآيات الله، أي: حججه وبراهينه، والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء ﵈.
وقوله [¬٢]: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جمًّا غفيرًا من الأنبياء، ﵈، وقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة وغير واحد: أي: في غطاء، وهذا كقول المشركين: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾، وقيل: معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم، أي: أوعية للعلم قد حوته وحصلته. رواه الكلبي (٩٠٩) عن أبي صالح، عن ابن عباس، وقد تقدم نظيره في سورة البقرة.
قال الله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون اليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول؛ لأنها في غلف وفي أكنة، قال الله: بل هي مطبوع عليها بكفرهم. وعلى القول الثاني عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة.
﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ [¬٣] إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: مردت قلوبهم على الكفر والطغيان، وقلة الإيمان. ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس: يعني [¬٤]: أنهم رمرها بالزنا.
وكذا [¬٥] قال السدي، وجويبر، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد، وهو ظاهر من الآية أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية وقد حملت بولدها من ذلك، زاد بعضهم: وهي حائض، فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
وقولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي يدعى لنفسه
стр. 1964
ذلك [¬١] [المنصب قتلناه. وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾] [¬٢].
وكان من خبر اليهود، عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والعجزات الباهرات التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله ويصور من الطين طائرًا ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا يشاهد طيرانه بإذن الله، ، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى، ﵇، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه ﵉، ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلًا مشركًا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته: اليونان، وأنهوا إليه أن [ببيت] [¬٣] المقدس رجلًا يفتن الناس ويضلهم ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالقدس [¬٤] أن يحتاط على هذا المذكور وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه ويكف أذاه عن الناس. فلما وصل الكتاب امتثل [متولي البلد] [¬٥] ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى، ﵇، وهو في جماعة من أصحابه، اثنا [¬٦] عشر أو ثلاثة عشر، وقيل: سبعة عشر نفرًا، وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك، فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم [¬٧] قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم، فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب فقال: أنت هو، وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو، وفتحت رَؤزنة [¬٨] من سقف البيت وأخذت عيسى، ﵇، سنة من النوم، فرفع إلى السماء وهو كذلك كما قال الله [¬٩] تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
فلما رفع خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى فأخذوه في الليل
стр. 1965
وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من [¬١] النصارى ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم طنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال: إنه خاطبها، والله أعلم.
وهذا كله من امتحان الله عباده؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد وضَّحَ [¬٢] الله الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم الذي نزله [¬٣] على رسوله الكريم المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى وهو أصدق القائلين، وهو [¬٤] رب العالمين المطلع على السرائر والضمائر الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف [كان] [¬٥] يكون -: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: رأوا شبهه فظنوه إياه، ولهذا قال: ﴿وإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ يعني بذلك من ادعى قتله من اليهود، ومن سلمه اليهم [¬٦] من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسعر، ولهذا قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي: منيع الجناب، لا برام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه ﴿حَكِيمًا﴾ أي: فى جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة [¬٧] البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم والأمر القديم.
قال ابن أبي حاتم (٩١٠): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله [¬٨] أن يرفع