﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾
قال محمد بن كعب القرظي والسدي وقتادة: سأل اليهود رسول الله، ﷺ ، أن ينزل عليهم [¬١] كتابًا من السماء كما نزلت [¬٢] التوراة على موسى مكتوبة.
قال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفًا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه فيما جاءهم به. وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإِلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك، كما هو مذكور في سورة سبحان: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾، أي: بطغيانهم وبغيهم وعتوهم وعنادهم، وهذا مفسر في سورة البقرة حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى، ﵇، في بلاد مصر، وما كان من إهلاك عدو الله فرعون هو [¬٣] وجميع جنوده في اليم، فما جاوزوه إلا يسيرًا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة الأعراف وفي سورة طه بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله، ، [ثم لما رجع وكان ما كان، جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده،
стр. 1962
فجعل يقتل بعضهم بعضًا، ثم أحياهم الله، ] [¬١]، فقال [¬٢] الله تعالى: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى، ﵇، رفع الله على رءوسهم جبلًا، ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا وجعلوا ينظرون إلى فوق رءوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الآية.
﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس سجدًا وهم يقولون حطة، أي: اللهم حط عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد، ونكولنا عنه حتى تهنا في التيه أربعين سنة، فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعرة.
﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم ما دام مشروعًا لهم، ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ أي: شديدًا، فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب ما حرم [¬٣] الله كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ الآيات، وسيأتي حديث صفوان بن عسال في سورة سبحان عند قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وفيه: وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ
стр. 1963
الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾
وهذه [¬١] من الذنوب التي ارتكبوها، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم، وكفرهم بآيات الله، أي: حججه وبراهينه، والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء ﵈.
وقوله [¬٢]: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جمًّا غفيرًا من الأنبياء، ﵈، وقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة وغير واحد: أي: في غطاء، وهذا كقول المشركين: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾، وقيل: معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم، أي: أوعية للعلم قد حوته وحصلته. رواه الكلبي (٩٠٩) عن أبي صالح، عن ابن عباس، وقد تقدم نظيره في سورة البقرة.
قال الله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون اليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول؛ لأنها في غلف وفي أكنة، قال الله: بل هي مطبوع عليها بكفرهم. وعلى القول الثاني عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة.
﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ [¬٣] إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: مردت قلوبهم على الكفر والطغيان، وقلة الإيمان. ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس: يعني [¬٤]: أنهم رمرها بالزنا.
وكذا [¬٥] قال السدي، وجويبر، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد، وهو ظاهر من الآية أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية وقد حملت بولدها من ذلك، زاد بعضهم: وهي حائض، فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
وقولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي يدعى لنفسه
стр. 1964
ذلك [¬١] [المنصب قتلناه. وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾] [¬٢].
وكان من خبر اليهود، عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والعجزات الباهرات التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله ويصور من الطين طائرًا ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا يشاهد طيرانه بإذن الله، ، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى، ﵇، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه ﵉، ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلًا مشركًا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته: اليونان، وأنهوا إليه أن [ببيت] [¬٣] المقدس رجلًا يفتن الناس ويضلهم ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالقدس [¬٤] أن يحتاط على هذا المذكور وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه ويكف أذاه عن الناس. فلما وصل الكتاب امتثل [متولي البلد] [¬٥] ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى، ﵇، وهو في جماعة من أصحابه، اثنا [¬٦] عشر أو ثلاثة عشر، وقيل: سبعة عشر نفرًا، وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك، فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم [¬٧] قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم، فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب فقال: أنت هو، وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو، وفتحت رَؤزنة [¬٨] من سقف البيت وأخذت عيسى، ﵇، سنة من النوم، فرفع إلى السماء وهو كذلك كما قال الله [¬٩] تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
فلما رفع خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى فأخذوه في الليل
стр. 1965
وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من [¬١] النصارى ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم طنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال: إنه خاطبها، والله أعلم.
وهذا كله من امتحان الله عباده؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد وضَّحَ [¬٢] الله الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم الذي نزله [¬٣] على رسوله الكريم المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى وهو أصدق القائلين، وهو [¬٤] رب العالمين المطلع على السرائر والضمائر الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف [كان] [¬٥] يكون -: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: رأوا شبهه فظنوه إياه، ولهذا قال: ﴿وإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ يعني بذلك من ادعى قتله من اليهود، ومن سلمه اليهم [¬٦] من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسعر، ولهذا قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي: منيع الجناب، لا برام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه ﴿حَكِيمًا﴾ أي: فى جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة [¬٧] البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم والأمر القديم.
قال ابن أبي حاتم (٩١٠): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله [¬٨] أن يرفع
стр. 1966
عيسى إلى السماء خرج على أصحابه - وفي البيت اثنا عشر رجلًا من الحواريين يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء - فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي، فقام شاب من أحدثهم سنًّا، فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام ذلك [¬١] الشاب، فقال: اجلس. ثم أعاد عليهم [¬٢] فقام الشاب فقال: انا، فقال: [أنت هو] [¬٣] ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء، قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر [¬٤] به بعضهم اثنتي [¬٥] عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة [¬٦]: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله [¬٧] ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإِسلام طامسًا حتى بعث الله محمدًا، ﷺ .
وهذا اسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية بنحوه، وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة.
وقال ابن جرير (٩١١): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى [وعنده] [¬٨] سبعة عشر من الحواريين في بيت فأحاطوا [¬٩] بهم، فلما دخلوا عليه صوّرهم الله، عز رجل، كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا ليبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعًا، فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فخرج اليهم فقال [¬١٠]: أنا عيسى، وقد صوره الله على
стр. 1967
صورة عيسى، فأخذوه وقتلوه [¬١] وصلبوه. فمن ثم شبه لهم، فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى؛ ورفع الله عيسى من يومه ذلك.
وهذا سياق غريب جدًا.
قال ابن جرير (٩١٢): وقد روي عن وهب نحو هذا القول، وهو ما حدثنى به [¬٢] المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبًا يقول: إن عيسى ابن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه، فدعا الحواريين فصنع [¬٣] لهم طعامًا، فقال: احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من رد على شيئًا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه فأقروه، حتى إذا فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، فلا يتعظم [¬٤] بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسيٍ لكم، وأما حاجتي الليلة التي أستعينكم [¬٥] عليها [¬٦] فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي. فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، فأخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم [¬٧]، ويقول: سبحان الله! أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينونني فيها؟ قالوا [¬٨]: والله ما ندري ما لنا؛ لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرًا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه، فقال: يُذهب بالراعي [¬٩] وتفرق الغنم. وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به [¬١٠] نفسه. ثم قال [¬١١]: الحق، ليكفرنَّ بى أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعنى أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن [¬١٢] ثمني. فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين، وقالوا:
стр. 1968
هذا من أصحابه، فجحد، وقال: ما أنا بصاحبه؛ فتركوه. ثم أخذه آخرون فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا [¬١] له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه ويقولون له [¬٢]: أنت كنت تحيي الموتى وتنهر الشيطان وتبرئ [¬٣] المجنون؛ أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي [¬٤] أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه وصلبوا ما شبه لهم، فمكث سبعًا.
ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى، ﵇، فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان [¬٥] حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: علام [¬٦] تبكيان؟ فقالتا: عليك. فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبنى إلا خيرٌ، وإن هذا شبه لهم فأمرا الحواريين يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقدوا الذي كان [¬٧] باعه ودل عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه فقال: إنه ندم على ما صنع فاختنق، وقتل نفسه. فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام كان [¬٨] تبعهم يقال له: يحيى، فقال: هو معكم فانطلقوا، فإنه سيصبح كل إنسان يحدث بلغة قومه [¬٩] فلينذرهم وليدعهم. سياق غريب جدًّا.
ثم قال ابن جرير (٩١٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلًا منهم، يقال له: داود، فلما أجمعوا لذلك منه، لم يفظع عبد من عباد الله بالموت فيما ذكر لي فظعه، ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع اللَّه في صرفه عنه دعاءه، حتى إنه ليقول فيما يزعمون: اللهم إن كنت صارفًا هذه الكأس عن أحد من خلقك؛ فاصرفها عني، وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد دمًا، فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر [¬١٠] بعيسى ﵇، فلما أيقن أنهم داخلون عليه قال لأصحابه من الحواريين - وكانوا اثني عشر رجلًا: فطرس [¬١١]،
стр. 1969
[ويعقوب بن زبدي] [¬١] ويحنس أخو يعقوب، وأنداراييس [¬٢]، وفيلبس [وأبر ثلما] [¬٣]، ومتى [¬٤] وتوماس [¬٥]، ويعقوب بن حلفيا [¬٦]، وتداوسيس، وقثانيا، ويودس [¬٧] [زكريا يوطا] [¬٨].
قال ابن حميد: قال سلمة، قال ابن إسحاق. وكان فيهم - فيما ذكر لي - رجل اسمه سرجس، فكانوا [¬٩] ثلاثة عشر رجلًا سوى عيسى، ﵇، جحدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شبه ليهود [¬١٠] مكان [¬١١] عيسى، قال: فلا أدري ما [¬١٢] هو؟ من هؤلاء الاثني عشر أو كان ثالث عشر، فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى، وكفروا بما جاء به محمد، ﷺ ، من الخبر عنه. فإن كانوا ثلاثة عشر؛ فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا [وهم بعيسى أربعة عشر] [¬١٣]، [وإن كانوا اثني عشر فإنهم دخلوا المدخل وهم ثلاثة عشر] [¬١٤].
قال ابن إسحاق: وحدثني رجل كان نصرانيًّا فأسلم: أنّ عيسى حين جاءه من الله ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ﴾ قال -: يا معشر الحواريين، أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة، [على أن يشبه للقوم] [¬١٥] في صورتي؛ فيقتلوه في مكاني. فقال سرجس: أنا يا روح الله. قال: فاجلس في مجلسي، فجلس فيه، ورفع عيسى، ﵇، فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه، وشبه لهم به، وكانت [¬١٦] عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة؛ قد رأوهم وأحصوا عدتهم، فلما دخلوا عليهم [¬١٧] ليأخذوه، وجدوا عيسى [فيما يرون وأصحابه] [¬١٨]، وفقدوا رجلًا من العدة فهو الذي اختلفوا [¬١٩] فيه، وكانوا لا يعرفون عيسى حتى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهمًا على أن يدلهم عليه، ويعرفهم إياه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه، فإني سأقبله وهو الذي أقبل، فخذوه [¬٢٠] فلما دخلوا
стр. 1970
وقد رفع عيسى، ورأى سرجس في صورة عيسى فلم يشكِّك [¬١] أنه عيسى، فأكب عليه فقبله فأخذوه فصلبوه.
ثم إن يودس [¬٢] زكريا يوطا ندم على ما صنع فاختنق بحبل حتى قتل نفسه، وهو ملعون في النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النصارى يزعم أن يودس زكريا يوطا هو الذي شبه لهم فصلبوه، وهو يقول: إنى لست بصاحبكم، أنا الذي دللتكم عليه، فالله [¬٣] أعلم أي ذلك كان.
و [¬٤] قال ابن جريج [¬٥] عن مجاهد: صلبوا رجلًا شبهوه بعيسى، ورفع الله، ، عيسى إلى السماء حيًّا. واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾.
قال ابن جرير (٩١٤): اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [يعني: بعيسى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾] [¬٦] يعني قبل موت عيسى، يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإِسلام الحنيفية، دين إبراهيم ﵇.
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن بشار (٩١٥)، حدثنا عبد الرحمن، عن [¬٧] سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت
стр. 1971
عيسى ابن مريم، ﵇،. وقال العوفي: عن ابن عباس مثل ذلك.
وقال أبو مالك في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: ذلك عند نزول عيسى ابن مريم، ﵇، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به.
وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعني اليهود خاصة، وقال الحسن البصري: يعني النجاشي وأصحابه. رواهما ابن أبي حاتم (٩١٦).
وقال ابن جرير (٩١٧): وحدثني يعقوب، حدثنا ابن علية [¬١]، حدثنا أبو رجاء، عن الحسن: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى، والله إنه الآن حيٌّ عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون.
وقال ابن أبي حاتم (٩١٨)، حدثنا أبي، حدثنا على بن عثمان اللاحقي، حدثنا جويرية بن بشير، قال: سمعت رجلًا قال للحسن: يا أبا سعيد، قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى، إن الله رفع إليه [¬٢] عيسى وهو باعثه قبل يوم القيامة مقامًا يؤمن به البر والفاجر.
وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد. وهذا القول هو الحق، كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
قال ابن جرير، وقال آخرون: معنى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به [قبل موت] [¬٣] الكتابي، ذكر من كان يوجه ذلك إلى أنه إذا عاين علم الحق من الباطل؛ لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه.
стр. 1972
قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى (٩١٩).
حدثني المثنى، حدثنا [¬١] أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، كل صاحب كتاب يؤمن بعيسى قبل موته، قبل موت صاحب الكتاب. و [¬٢] قال ابن عباس: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى. (٩٢٠)
حدثنا ابن حميد، حدثنا أبو تميلة يحيى بن واضح، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، ولو عجل عليه بالسلاح (٩٢١).
حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، قال: هي فى قراءة أبي: "قبل موتهم" ليس يهودي [¬٣] يموت أبدًا، حتى يؤمن بعيسى. قيل لابن عباس: أرأيت إن خرّ من فرق بيت، قال: بتكلم به [¬٤] في الهُوِيّ [¬٥]، فقيل: أرأيت إن ضربت عنق [أحد منهم] [¬٦]، قال: يلجلج بها لسانه (٩٢٢).
وكذا روى سفيان الثوري، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى، ﵇، وإن ضرب بالسيف تكلم به؛ قال: وإن هوى تكلم به وهو يهوي (٩٢٣).
стр. 1973
وكذا روى أبو داود الطيالسي (٩٢٤)، عن شعبة، عن أبي هارون الغنوي، عن عكرمة، عن ابن عباس. فهذه كلها [¬١] أسانيد صحيحة ابن ابن عباس، وكذا صح عن مجاهد وعكرمة، ومحمد بن سيرين، وبه يقول الضحاك وجويبر، وقاله [¬٢] السدي، وحكاه عن ابن عباس، ونقل قراءة أبي بن كعب: "قبل موتهم".
وقال عبد الرزاق (٩٢٥): عن إسرائيل، عن فرات القزاز، عن الحسن في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: لا يموت أحد منهم حتى يؤمن بعيسى قبل أن يموت.
وهذا يحتمل أن يكون مراد الحسن ما تقدم عنه، ويحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء.
قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد، ﵌، قبل موت الكتابي.
(ذكر من قال ذلك)
حدثني ابن المثنى، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد، عن حميد، قال: قال عكرمة: لا يموت النصراني ولا اليهودي حتى يؤمن بمحمد، ﷺ . [] [¬٣] قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (٩٢٦).
ثم قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول؛ وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى، ﵇، إلا آمن به [قبل موته، أي] [¬٤]: قبل موت عيسى ﵇. ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادّعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة
стр. 1974
ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك [¬١]، وإنما كذلك شبه لهم فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حيٌّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها إن شاء الله قريبا، فيقتل مسيح [¬٢] الضلالة ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، يعني: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة: أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلَّفَ [¬٣] عن التصديق به واحد منهم؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي. قبل موت عيسى ﵇، الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء، وبعد نزوله إلى الأرض.
فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى: أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد، عليهما الصلاة والسلام، فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به؛ فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعًا له إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في أوّل [¬٤] هذه السورة: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية، وهذا يدل على ضعف ما احتج به ابن جرير في ردّ هذا القول حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا لكان كل من آمن بمحمد أو بالمسيح ممن كفر بهما يكون على دينهما، وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه، [لأنه قد] [¬٥] أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته، فهذا ليس بجيد إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى [¬٦] قول ابن عباس: ولو تردّى من شاهق، أو ضرب بسيف، أو افترسه سبع، فإنه لابد أن يؤمن بعيسى، فالإِيمان به [¬٧] في [مثل] [¬٨] هذه الحالات [¬٩] ليس بنافع ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدّمناه، والله أعلم.
стр. 1975
ومن تأمّل هذا جيدًا، وأمعن النظر اتضح له [أن هذا وم] [¬١] إن [¬٢] كان [¬٣] هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا، بل المراد بها ما ذكرناه من تقرير وجود عيسى، ﵇، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه، وتضادت [¬٤] وتعاكست وتناقضت وخلت عن الحق، ففرط هؤلاء اليهود، وأفرط هؤلاء النصارى، تنقَّصه اليهود بما رموه به وأمّه من العظائم، وأطراه النصارى بحيث ادّعوا فيه ما [¬٥] ليس فيه؛ فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوّة إلى مقام الربوبية، تعالى الله، عما يقول هؤلاء وهؤلاء علوًّا كبيرًا، وتنزه وتقدّس، لا إله إلا هو.
(ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له)
قال البخاري، ﵀، في كتاب ذكر الأنبياء من صحيحه المتلقى بالقبول: (نزول عيسى ابن مريم ﵇ حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "والذي نفسي بيده، ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى تكون السجدة خيرًا من الدنيا وما فيها". ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٩٢٧).
стр. 1976
وكذا رواه مسلم، عن الحسن الحلواني وعبد بن حميد، كلاهما عن يعقوب، به، وأخرجه البخاري ومسلم أيضًا من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري به، وأخرجاه من طريق الليث عن الزهري، به. ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ : "يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، يقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين"، قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ موت عيسى ابن مريم، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات.
(طريق أخرى عن أبي هريرة). قال الإِمام أحمد (٩٢٨): حدثنا روح، حدثنا محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، قال: "ليهلنّ عيسى ابن مريم بفج الروحاء بالحج أو العمرة، أو ليثنيهما جميعًا".
وكذا رواه مسلم منفردًا به من حديث سفيان بن عيينة والليث بن سعد ويونس بن يزيد، ثلاثتهم عن الزهري به.
وقال أحمد (٩٢٩): حدثنا يزيد، حدثنا سفيان - هو ابن حسين - عن الزهري، عن حنطة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويعطي المال حتى لا يقبل، ويضع الحراج، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما". قال: وتلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية، فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال:
стр. 1977
يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري: هذا كله حديث النبي ﷺ ، أو شيء قاله أبو هريرة.
وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، به.
(طريق أخرى) قال البخاري (٩٣٠): حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري، أنّ أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم، وإمامكم منكم". تابعه عقيل والأوزاعي.
وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عثمان بن عمر، عن ابن [¬١] أبي ذئب، كلاهما عن الزهري، به. وأخرجه مسلم من رواية يونس، والأوزاعي وابن أبي ذئب، به.
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد (٩٣١): حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا قتادة، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أنّ النبي ﷺ قال: "الأنبياء إخوة لعلّات،
стр. 1978
أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بينى وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران كأنّ رأسه يقطر و [¬١]، إن لم يصبه بلل: فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإِسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإِسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض؛ حتى ترتع الأسود مع الإِبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة ثم يتوفق ويصلي عليه المسلمون".
كذا رواه أبو داود، عن هدبة بن خالد، عن همام بن يحيى، ورواه ابن جرير، ولم يورد عند هذه الآية سواه، عن بشر بن معاذ، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، كلاهما عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم - وهو مولى أم برثن صاحب السقاية - عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، فذكر نحوه، وقال: "فليقاتل الناس على الإِسلام".
وقد روى البخاري (٩٣٢)، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، والأنبياء أولاد [¬٢] علات ليس بيني وبينه نبي".
ثم روى عن محمد بن سنان، عن فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : ["أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات: أمّهاتهم شتى ودينهم واحد". وقال إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ] (٩٣٣) [¬٣].
стр. 1979
(حديث [¬١] آخر) قال مسلم في صحيحه (٩٣٤): حدثني زهير بن حرب، حدثنا معلى [¬٢] بن منصور، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل [ثلث هم] [¬٣] أفضل الشهداء عند الله ، ويفتتح الثلث لا يفتنون أبدًا، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان، إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام، خرج، فبينما هم يعدّون للقتال، يسوّون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم أمامهم [¬٤]، فإذا رآه عدوّ الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده؛ فيريهم دمه في حربته".
(حديث آخر) قال الإمام أحمد (٩٣٥): حدثنا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن عفازة، عن ابن مسعود، عن رسول الله، ﷺ ، قال: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا أمر الساعة، فردّوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردّوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلى ربي أن الدجال خارج، قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص [¬٥]، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرًا فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيطئون بلادهم، فلا يأتون
стр. 1980
على شيء إلَّا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلَّا شربوه، قال: ثم يرجع النَّاس يشكونهم فأدعو الله عليه، فيهلكهم ويميتهم حتَّى تجوى الأرض من نتن ريحكم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم، حتَّى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلى ربي، ، أن ذلك إذا كان كذلك، أن الساعة كالحامل المتم؛ لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلاً أو نهارًا" رواه ابن ماجة عن محمَّد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب - به نحوه.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٩٣٦): حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن أبي نضرة قال: أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم جمعة لنعرض عليه مصحفًا لنا [¬١] على مصحفه؛ فلما حضرت الجمعة أمرنا فاغتسلنا، ثم أتينا بطيب فتطيبنا، ثم جئنا المسجد فجلسنا إلى رجل فحدثنا عن الدجال، ثم جاء عثمان بن أبي العاص، فقمنا إليه، فجلسنا فقال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "يكون للمسلمين ثلاثة [¬٢] أمصار: مصر [¬٣] بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام، فيفزع [¬٤] النَّاس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض النَّاس، فيهزم من قبل الشرق، فأوّل مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين؛ فيصير أهلهم ثلاث فرق؛ فرقة [¬٥] [تقيم تقول] [¬٦] [نُشَامُّه [¬٧] ننظر] [¬٨] [] [¬٩] ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم. ومع الدجال سبعون ألفاً عليهم السيجان [¬١٠]، وأكثر من معه اليهود والنساء، [ثمَّ يأتي المصر الذي يليه، فيصير أهله ثلاث فرق. فرقة تقول: نشامه وننظر ما هو؟ وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم بغرب
стр. 1981
الشام] (١)، وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق، فيبعثون [¬٢] سرحًا لهم، فيصاب سرحهم، فيشتد ذلك عليهم، وتصيبهم [¬٣] مجاعة شديدة وجهد شديد؛ حتَّى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من السَّحر [¬٤]: يا أيها الناس، أتاكم الغوث "ثلاثاً" فيقول بعضهم لبعض: أن هذا لصوت رجل شبعان، وينزل عيسى ابن مريم ﵇ عند صلاة الفجر، فيقول له أميرهم: يا روح الله، تقدم صلِّ [¬٥]، فيقول: هذه الأمّة أمراء بعضهم على بعض، فيتقدم أميرهم فيصلي [فإذا] [¬٦] قضى صلاته، أخذ عيسى حربته فيذهب [¬٧] نحو الدجال، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الرصاص، فيضع حربته بين ثندوته فيقتله، ويهزم [¬٨] أصحابه، فليس يومئذٍ شيء يواري منهم أحدًا، حتَّى أن الشجرة لتقول [¬٩]: يا مؤمن، هذا كافر. ويقول الحجر: يا مؤمن، هذا كافر". تفرّد به أحمد من هذا الوجه.
(حديث آخر) قال أبو عبد الله محمَّد بن يزيد بن ماجه في سننه المشهورة [¬١٠] (٩٣٧)،
стр. 1982
حدّثنا على بن محمَّد، حدّثنا عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل بن رافع - أبي رافع - عن أبي زرعة السيباني - يَحْيَى بن أبي عمرو - عن أبي أمامة الباهلي، قال: خطبنا رسول الله، ﷺ ، فكان أكثر خطبته حديثًا حدثناه عن الدجال، وحذرناه، فكان من قوله أن قال: "لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم ﵇ أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيا إلَّا حذر أمته الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم؛ فأنأ حجيج لكل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكلٌّ حجيج نفسه، وإن [¬١] الله خليفتي على كل مسلم، وإنه يخرج من خَلّة [¬٢] بين الشَّام والعراق فيعيث [¬٣] يمينًا ويعيث شمالًا، ألا [¬٤] يا عباد الله، أيها الناس: فاثبتوا، وإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي: إنَّه يبدأ فيقول: أنا نبي. فلا نبي من [¬٥] بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم. ولا ترون ربكم حتَّى تموتوا، وأنَّه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وأنَّه مكتوب بين عينيه: كافر؛ يقرؤه كل مؤمن كاتب أو [¬٦] غير كاتب، وإن من فتنته أن معه جنة وناراً. فناره جنة، وجنته نار؛ فمن ابتلي بناره فليستغث بالله، وليقرأ فواتح الكهف؛ فتكون عليه برداً وسلاماً، كما كانت النار على إبراهيم. وإن من فتنته أن يقول لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك، أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني، اتبعه فإنَّه ربك، وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها وينشرها بالميشار [¬٧] [¬٨] حتَّى يلقى شقين، ثم يقول: انظروا [¬٩] إلى عبدي هذا فإنّي أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربِّا غيري، فيبعثه الله، فيقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدوّ الله [أنت] [¬١٠] الدجال، والله ما كنت بعد أشد بصيرة
стр. 1983
بك مني اليوم"، قال أبو الحسن الطنافسى، فحدثنا [¬١] المحاربي، حدّثنا عبيد [¬٢] الله بن الوليد الوصَّافي، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "ذلك الرجل أرفع امتي درجة في الجنَّة". قال: قال أبو سعيد: والله ما كُنَّا نرى ذلك الرجل إلَّا عمر بن الخطاب، حتَّى مضى لسبيله.
ثم [¬٣] قال المحاربي: ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع قال: "وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت. وإن من فتنته أن يمر بالحي [فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة [¬٤] إلَّا هلكت. وإن من فتنته أن يمر بالحي] [¬٥] فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، حتَّى تروح [¬٦] مواشيهم من يومهم ذلك [¬٧] أسمن ما كانت وأعظمه وأمدّه خواصر وأدرَّه ضروعًا، وإنه لا يبقي شيء من الأرض إلَّا وطئه وظهر عليه إلَّا مكّة والمدينة؛ فإنَّه لا يأتيهما [¬٨] من نقب [¬٩] من نقابهما [¬١٠] إلَّا لقيته الملائكة بالسيوف صَلتةً [¬١١]، حتَّى ينزل عند الظريب [¬١٢] [¬١٣] الأحمر، عند منقطع السبخة [¬١٤] فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقي منافق ولا منافقة إلَّا خرج إليه، فَيُنْفَي [¬١٥] الخبث منها كما ينفي [¬١٦] الكِيرُ خَبَثَ الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص". فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله، فأين العرب يومئذٍ؟ قال: "هم قليل، وجُلُّهم يومئذ [¬١٧] ببيت المقدس، وإمامهم [رجل صالح، فبينما إمامهم] [¬١٨] قد تقدم يصلِّي بهم الصبح، إذ نزل عليهم [¬١٩] عيسى [ابن مريم] [¬٢٠]﵇ الصبح، فرجع ذلك الإِمام [ينكص] [¬٢١]، يمشي القهقرى؛ ليتقدم عيسى ﵇[يصلِّي
стр. 1984
بالنَّاس] [¬١]، فيضع عيسى ﵇ يده بين كتفيه ثم يقول [له] [¬٢]: تقدم فصل؛ فإنها لك أقيمت، فيصلى بهم إمامهم، فإذا انصرف، قال عيسى ﵇: افتحوا الباب، فيفتح ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلًّى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربًا فيقول [¬٣] عيسى: إن لي فيك ضربة لن تستبقني بها، فيدركه عند باب لُد [¬٤] الشرقيِّ فيقتله، ويهزم الله اليهودَ، فلا يبقي شيء مما خلق الله تعالى يتوارى به يهودي [¬٥] إلَّا أنطق الله ذلك الشيء: لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة - إلَّا الغرقدة فإنَّها من شجرهم لا تنطق [¬٦]- إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي فتعال اقتله".
قال رسول الله ﷺ : "وإن أيامه أربعون سنة [¬٧]، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة [¬٨]، يصبح أحدكم على باب المدينة، فلا يبلغ بابها الآخر حتَّى يمسي" فقيل له: يا نبي الله، كيف نصلي في تلك الأيَّام القصار؟ قال: "تقدرون فيها [¬٩] الصَّلاة، كما تقدرون [¬١٠] في هذه الأيام الطوال، ثم صلوا".
قال رسول الله، ﷺ : "فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكما عدلاً وإماما مقسطا؛ يدق الصليب، ويقتل [¬١١] الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترتفع [¬١٢] الشحناء والتباغض، وتنزغ حمة كل ذات حمة، حتى يدخِل الوليدُ يدَه في الحية فلا تضره، [وتفر [¬١٣] الوليدة] [¬١٤] الأسدَ فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم [¬١٥] كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلَّا الله وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريشَ ملكها، وتكون الأرض كفاثور [¬١٦] الفضة تنبت نباتها كعهد آدم؛ حتى يجتمع النفر
стр. 1985
على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات".
قيل: يا رسول الله، وما يرخص الفرس؟ قال: "لا تركب لحرب أبداً" فقيل له: فما يغلي الثور؟ قال: "يحرث [¬١] الأرض كلها".
"وإن قبل خروج الدجال [¬٢] ثلاث سنوات شداد يصيب النَّاس فيها جوع شديد، و [¬٣] يأمر الله السماء في السنة [الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة] [¬٤] الثَّالثة فتحبس مطرها كله، فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض أن تحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء، فلا تبقى [¬٥] ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله".
فقيل: فما يعيش النَّاس في ذلك الزمان؟! قال: "التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطَّعام".
قال ابن ماجة: سمعت أبا الحسن الطنافسي، يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول [¬٦]: ينبغي أن يدفع [¬٧] هذا الحديث إلى المؤدب حتَّى يعلمه الصبيان في الكتاب.
هذا حديث غريب جدّا من هذا الوجه، ولبعضه شواهد من أحاديث آخر؛ [من ذلك ما رواه مسلم من حديث نافع وسالم عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله: "لتقاتلن اليهود، فلتقتلنهم حتَّى يقول الحجر: يا مسلم، هذا يهودي، فتعال فاقتله" (٩٣٨). وله من طربق
стр. 1986
سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا تقوم الساعة حتَّى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتَّى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله - إلَّا الغرقد فإنَّه من شجر اليهود" (٩٣٩)] [¬١]. ولنذكر حديث النواس بن سمعان هاهنا لشبهه [بسياق هذا] [¬٢] الحديث؛ قال مسلم بن الحجاج في صحيحه (٩٤٠): حدّثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر [حدثني يَحْيَى بن جابر] [¬٣] الطَّائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي، أنَّه سمع النواس بن سمعان الكلابي (ح) [¬٤] وحدثنا [محمَّد بن] [¬٥] مهران الرَّازي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن يَحْيَى بن جابر الطَّائي [قاضي حمص] [¬٦]، عن عبد الرحمن ابن جبير، عن أبيه جبير بن نفير [الحضرمي أنَّه سمع النواس بن سمعان الكلابي] [¬٧] [وحدثنا محمَّد بن مهران الرَّازي حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن يَحْيَى بن جابر الطَّائي عن عبد الرحمن بن جُبَير، عن أبيه جبير بن نفير] [¬٨]، [عن النواس بن سمعان] [¬٩] قال: ذكر رسول الله، ﷺ ، الدجال ذات غداة، فخفض فيه [¬١٠] ورفع حتَّى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك [] [¬١١] فينا [¬١٢]؛ فقال: "ما شأنكم؟ " قلنا: يا
стр. 1987
رسول الله، ذكرت الدجال غداة [¬١] فخفضت فيه ورفعت حتَّى ظنناه في طائفة النخل، فقال: "غير الدجال أخوفني عليكم؛ إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنَّه شاب قطط عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، من أدركه [¬٢] منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنَّه خارج من خلة بين الشَّام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالاً، يا عباد الله، فاثبتوا"، قلنا: يا رسول الله، وما [¬٣] لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون [¬٤] يوماً: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم".
قلنا: يا رسول الله؛ [فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا. اقدروا له قدره"، قلنا: يا رسول الله] [¬٥]، وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على قوم فيدعوهم [فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم [¬٦] أطول ما كانت ذرى [¬٧]، وأسبغه [¬٨] [¬٩] ضروعا وأمده خواصر [¬١٠]، ثم يأتي القوم فيدعوهم] [¬١١] فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين [¬١٢] ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمرّ بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك؛ فتتبعه [بكنوزها كيعاسيب] [¬١٣] النحل، لم يدعو
стр. 1988
رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جَزلتين [¬١] رمية الغرض [¬٢]، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك [¬٣]. فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، ﵇، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين [¬٤] واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ [¬٥]، ولا يحل لكافر يجد ريح نَفَسِهِ إلَّا مات ونَفَسُهُ ينتهي حيث ينتهي طَرفُهُ، فيطلبه حتَّى يدركه بباب لدٍّ فيقتله.
لم يأتي عيسى، ﵇، قومًا قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنَّة، فبينما هو كذلك، إذ أوحى الله، ، إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي، لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أولهم على بحيرة طبرية [¬٦] فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرَّة ماء، ويُحْصَر [¬٧] نبي الله عيسى وأصحابه؛ حتَّى يكون رأس الثور لأحدهم خير من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النَّغفَ [¬٨] في رقابهم، فيصبحون فرسى [¬٩] كموت نفس واحدة.
ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إليَّ الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلَّا ملأه زهمهم [¬١٠] ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت؛ فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا لا يَكُنُّ [¬١١] [¬١٢] منه بيت [¬١٣] مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتَّى يتركها كالزلفة [¬١٤] [¬١٥]، ثم يقال للأرض: أخرجي ثمرك وردى بركتك، فيومئذ تأكل [¬١٦] العصابة من الرمانة، ويستظلون بقِحْفِها [¬١٧]، ويبارك الله في الرسل حتَّى إن اللقحة من الإِبل لتكفي الفئام من الناس، [واللقحة من الغنم [¬١٨] لتكفي الفخذ من الناس [¬١٩] فبينما هم كذلك، إذ بعث الله
стр. 1989
ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض [¬١] روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار النَّاس يتهارجون [¬٢] فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة".
ورواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، به. وسنذكره أيضاً من طريق أحمد عند قوله تعالى، في سورة الأنبياء: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾.
(حديث [¬٣] آخر) قال مسلم في صحيحه أيضاً (٩٤١): حدّثنا عبيد [¬٤] الله بن معاذ بن معاذ العنبري، حدّثنا أبي، حدّثنا شعبة، عن النُّعمان بن سالم قال: سمعت يعقوب بن عاصم ابن عروة بن مسعود الثَّقفيُّ يقول: سمعت عبد الله بن عمرو، وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به؛ تقول: إن الساعة تقوم إليَّ كذا وكذا؟!. فقال: سبحان الله - أو لا إله إلَّا الله، أو كلمة نحوها - لقد هممت أن لا أحدث أحدًا شيئًا أبداً، إنما قلت: إنكم [¬٥] سترون بعد قليل أمراً عظيمًا: يحرق البيت ويكون ويكون، ثم قال: قال رسول الله، ﷺ : "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين - لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهراً أو أربعين عامًا - فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث النَّاس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشَّام؛ فلا يبقي على وجه الأرض [أحد في قلبه] [¬٦] مثقال ذرة من خير أو [¬٧] إيمان إلَّا [¬٨] قبضته، حتَّى لو أن أحدكم دخل في [¬٩] كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه". قال: سمعتها من رسول الله، ﷺ ، قال: "فيبقي شرار النَّاس في خفة الطير وأحلام السباع؛ لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشَّيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما [¬١٠] تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان،
стр. 1990
وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ [¬١] في الصور. فلا يسمعه أحد إلَّا أصغى لِيتًا، ورفع لِيتًا، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس، ثم يرسل الله [¬٢] أو قال: ينزل الله مطرًا كأنه الطل أو قال: الظل [¬٣]- نعمان الشاك - فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ [¬٤] فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، قال [¬٥]: ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال [¬٦]: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين [¬٧]. قال: فذلك يوم يجعل الولدان شيبًا، وذلك يوم يكشف عن ساق". ثم رواه مسلم والنَّسائي في تفسيره جميعًا عن محمد بن بشار، عن غندر، عن شعبة، عن النعمان [¬٨] بن سالم، به.
(حديث [¬٩] آخر) قال الإِمام أحمد (٩٤٢): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزُّهْريّ، عن عبد الله ابن عبيد الله بن ثعلبة الأنصاري، عن عبد الله بن زيد الأنصاري، عن مجمع بن جاردة [¬١٠] قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "يقتل ابنُ مريم المسيح الدجالَ بباب لُدٍّ أو إلى جانب لد".
ورواه أحمد أيضًا عن سفيان بن عيينة، [ومن] [¬١١] حديث اللَّيث والأوزاعي، ثلاثتهم عن الزهرى، عن عبد الله بن عبيد الله بن ثعلبة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمع بن جارية [¬١٢]، عن رسول الله، ﷺ ، قال: "يقتل ابن مريم الدجال بباب لد".
стр. 1991
وكذا رواه التِّرمِذي عن قتيبة، عن اللَّيث، به. وقال: هذا حديث صحيح. قال: وفي الباب عن عمران بن حصين، ونافع بن عتبة [¬١] وأبي برزة وحذيفة بن أسيد، وأبي هريرة، وكيسان، وعثمان بن أبي العاص، وجابر، وأبي أمامة، وابن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وسمرة بن جندب، والنواس بن سمعان، وعمرو [¬٢] بن عوف، وحذيفة بن اليمان، ﵃.
ومراده برواية هؤلاء، ما فيه ذكر الدجال، وقتل عيسى ابن مريم، ﵇، له، فأما أحاديث ذكر الدجال فقط فكثيرة جدًّا، وهي أكثر من أن تحصى [¬٣] لانتشارها وكثرة رواتها فى الصحاح والحسان والمسانيد وغير ذلك.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٩٤٣): حدَّثنا سفيان، عن فرات، عن أبي الطفيل، عن حذيفة ابن أسيد الغفاري، قَال: أشرف علينا رسول الله، ﷺ ، من غرفة [¬٤]، ونحن نتذاكر الساعة، فقال: "لا تقوم الساعة حتَّى تروا [¬٥] عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخررج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن، تسوق - أو تحشر - الناس تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا".
وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث فرات [¬٦] القزاز، به، ورواه مسلم أيضًا من رواية
стр. 1992
عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل، عن أبي سريحة [] [¬١] حذيفة بن أسيد الغفاري موقوفًا، فالله [¬٢] أعلم.
فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله، ﷺ ، من رواية أبي هريرة، وابن مسعود، وعثمان بن أبي العاص، وأبي أمامة، والنواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومجمع بن جارية [¬٣]، و أبي سريحة [] [¬٤] حذيفة بن أسيد، ﵃.
وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه من أنَّه بالشام، بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأن ذلك يكون عند إقامة صلاة الصبح [¬٥]، وقد بنيت في هذه الأعصار، في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، منارة للجامع الأموي بيضاء من حجارة منحوتة عوضًا عن المنارة التي هدمت بسبب الحريق المنسوب إلى صنيع النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة - وكان أكثر عمارتها من أموالهم، وقويت الظنون أنَّها هي التي ينزل عليها المسيح [¬٦] عيسى ابن مريم، ﵇، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجِزيَةَ، فلا يقبل إلَّا الإِسلام، كما تقدم في الصحيحين، وهذا إخبار من النبيّ ﷺ بذلك، وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان، حيث تنزاح عللهم، وترتفع شبههم من أنفسهم، ولهذا كلهم يدخلون في دفى الإسلام، متابعة لعيسى، ﵇، وعلى يديه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾.
стр. 1993
وهذه الآية كقوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ وقرئ "لَعَلَمٌ" [¬١] بالتحريك أي: أمارة [¬٢] ودليل على اقتراب الساعة، وذلك لأنه ينزل بعد خروج المسيح الدجال فيقتله الله على يديه، كما ثبت في الصحيحين [¬٣]: "إن الله لم يخلق داء إلَّا أنزل له شفاء" (٩٤٤). ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج، فيهلكهم الله تعالى ببركة دعائه، وقد قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الآية.
(صفة عيسى ﵇
قد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة: "فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل" (٩٤٥). وفي حديث النواس بن سمعان: "فينزل عد المنارة البيضاء، شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه [¬٤] تحدر منه مثل جمان اللؤلؤ، ولا يحل لكافر أن [¬٥] يجد ريح نفسه إلَّا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه" (٩٤٦).
وروى البخاري ومسلم من طريق الزُّهْريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ . "ليلة أسري بي لقيت [¬٦] [موسى"، قال: فنعته "فإذا رجل - قال: حسبته قال - مضطرب، رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة". قال: "و] [¬٧] لقيت [¬٨] عيسى" فنعته النبي، ﷺ ، فقال: "ربعة أحمر كأنما
стр. 1994
خرج من ديماس" يعني الحمام، "ورأيت إبراهيم، وأنا أشبه ولده ولده به" (٩٤٧) الحديث.
وروى البخاري (٩٤٨) من حديث مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ : "رأيت موسى وعيسى وإبراهيم: فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سبط، كأنه من رجال الزط". وله ولمسلم من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، قال [¬١] [قال عبد الله] [¬٢] ابن عمي: ذكر النبي، ﷺ ، يومًا بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فقال: "إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية" (٩٤٩).
[ولمسلم عنه مرفوعًا] [¬٣]: "وأراني الله عند الكعبة في المنام، فإذا [¬٤] رجل آدم كأحسن ما ترى من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماءً، واضعًا يديه على منكبى رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح ابن مريم، ثم رأيت رجلا وراءه جعدًا قططًا أعور العين [¬٥] اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن، واضعًا
стр. 1995
يديه على منكبي رجل، يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال" (٩٥٠). تابعه عبيد الله، عن نافع.
ثم رواه البخاري (٩٥١)، عن أحمد بن محمد المكى، عن إبراهيم بن سعد [¬١]، عن الزُّهْريّ، عن سالم، عن أبيه، قال: لا والله، ما قال النبي، ﷺ ، لعيسى: أحمر، ولكن قال: "بينما أنا نائم أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر، يُهَادَى [¬٢] بين رجلين ينطف رأسه ماء - أو يهراق رأسه ماء - فقلت: من هذا؟، فقالوا: ابن مريم، فذهبت ألتفت فإذا رجل أحمر جسيم جعد الرأس أعور عينه اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، قلت: من هذا؟، قالوا: الدجال، وأقرب الناس به شبهًا ابن قطن. قال الزُّهْريّ: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية.
هذه كلها ألفاظ البخاري، ﵀، وقد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة: أن عيسى، ﵇، يمكث في الأرض بعد نزوله أربعين سنة، ثم يُتوفى ويصلي عليه المسلمون (٩٥٢). وفى حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم (٩٥٣): أنَّه يمكث سبع سنين، فيحتمل - والله أعلم - أن يكون المراد بلبثه في الأرض أربعين سنة مجموع إقامته فيها قبل رفعه
стр. 1996
وبعد نزوله، فإنه رفع وله ثلاث وثلاثون سنة في الصحيح. وقد ورد ذلك في حديث في صفة أهل الجنَّةَ أنهم على صورة آدم وميلاد عيسى: ثلاث وثلاثين [¬١] سنة. وأما ما حكاه ابن عساكر عن بعضهُم أنَّه رفع وله مائة وخمسون سنة، فشاذ غريب بعيد. وذكر الحافظ أَبو القاسم بن عساكر في ترجمة عيسى ابن مريم من تاريخه عن بعض السلف: أنَّه يدفن مع النبي، ﷺ ، في حجرته، فالله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قال قَتَادة: يشهد عليهم أنَّه قد بلغهم الرسالة من الله، وأقر [بالعبودية لله] [¬٢] . وهذا كقوله تعالى في آخر سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾
يخبر تعالى أنَّه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة؛ حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم كما قال ابن أبي حاتم (٩٥٤):
حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو قال: قرأ ابن عبَّاس: (طيبات كانت أحلت لهم).
وهذا التحريم قد يكون قدريًّا بمعنى أنَّه تعالى [قيضهم لأنهم] [¬٣] تأولوا في كتابهم وحرفوا
стр. 1997
وبدلوا أشياء كانت حلالًا لهم، فحرموها عليه أنفسهم تشديدًا منهم على أنفسهم وتضييقًا وتنطعًا، ويحتمل أن يكون شرعيًّا بمعنى أنَّه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالًا لهم قبل ذلك كما قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾. أوقد قدمنا الكلام على هذه الآية، وأن المراد أن الجميع من الأطعمة كانت حلالًا لهم من قبل أن تنزل التوراة] [¬١] ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإِبل وألبانها، ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة كما قال في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي: إنما حرمنا عليهم ذلك لأنهم يستحقون ذلك؛ بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولهذا قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أي: صدّوا الناس وصدُّوا أنفسهم عن اتباع الحق، وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلقًا [¬٢] من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهما.
وقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: إن الله قد نهاهم عن الرِّبَا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل، قال الله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
ثم قال تعالى؛ ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أي: الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في سورة آل عمران.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الراسخين، وخبره: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
قال ابن عبَّاس: أنزلت فى عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية [¬٣] [] [¬٤]، وزيد بن سعية، وأسد بن عبيد الذين دخلوا في الإِسلام، وصدّقوا بما أرسل الله به [¬٥] محمدًا، ﷺ .
стр. 1998
وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ هكذا هو في جميع مصاحف الأئمة وكذا هو في مصحف أبي بن كعب، وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود: (والمقيمون الصلاة)، قال: والصحيح قراءة الجميع، ثم ردّ على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب [¬١]، ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم: هو منصوب على المدح كما جاء في قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ قالوا [¬٢]: وهذا سائغ في كلام العرب، كما قال الشاعر:
لا يَبعدنْ قومِي الَّذينَ هُمُو [¬٣] … سُمُّ [¬٤] العُدَاةِ [¬٥] وآفةُ الحزرِ
النَّازلين بكل مُعْتَرَكٍ … والطَّيِّبونَ مَعَاقِدَ الأزُرِ
وقال آخرون: هو مخفوض عطفًا على قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة: الملائكة، وهذا اختيار ابن جرير، يعني: يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة، وفي هذا نظر، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين، والله أعلم. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: يصدّقون بأنه لا إله إلَّا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال خيرها وشرها.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ هو الخبر عما تقدَّم، ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنَّةَ ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾
стр. 1999
قال محمد بن إسحاق (٩٥٥): عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: قال سُكين وعدي بن زيد: يا محمد؛ ما نعلم [] [¬١] [أنزل الله] [¬٢] على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله في ذلك من قولهما، ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى آخر الآيات.
وقال ابن جرير (٩٥٦): حدَّثنا الحارث، حدَّثنا عبد العزيز، حدَّثنا أَبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: أنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قال [¬٣]: فلما تلاها عليهم - يعنى: على اليهود - وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة جحدوا كل ما أنزل الله وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء ولا موسى ولا عيسى ولا على نبي من شيء، فال: فحل حبوته [¬٤] وقال [¬٥]: ولا على أحد، فأنزل الله عَزَّ رجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.
وفي هذا الذي قاله محمد بن كعب القرظي نظر، فإن هذه الآية التي [¬٦] في سورة الأنعام مكية [¬٧]، وهذه الآية التي [¬٨] في سورة النساء مدنية، رهي رد عليهم لما سألوا النبي، صلى الله عليه ومسلم، أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم وما كانوا عليه وما هم عليه الآن من الكذب والافتراء.
ثم ذكر تعالى أنَّه أوحى إلى عبده ورسوله محمد، ﷺ ، كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدِّمين فقال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. والزبور: اسم للكتاب الذي أوحاه الله إلى داود ﵇،
стр. 2000
وسنذكر ترجمة كل واحد من هؤلاء الأنبياء - عليهم من الله أفضل [¬١] الصلاة والسلام عند قصصهم [في السور الآتية] [¬٢] إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
وقوله: ﴿وَ [¬٣] رُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: من قبل هذه الآية؛ يعني: في السور المكية وغيرها.
وهذه تسمية الأنبياء الذين نص الله [¬٤] على أسمائهم في القرآن، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد، ﷺ .
وقوله: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: خلقًا آخرين لم يُذكروا في القرآن، وقد اختلف في عدة [¬٥] الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه، ﵀، في تفسيره حيث قال (٩٥٧): حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن والحسين بن عبد الله بن يزيد قالا: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حدثني أبي، عن جدّي، عن أبى [¬٦] إدريس الخولاني، عن أبى ذر قال: قلت: يا رسول الله؛ كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا"، قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير"، قلت: يا رسول الله، من كان أوّلهم؟ قال: "آدم"، قلت: يا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: "نعم، خلقه الله بيده و [¬٧] نفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا"، ثم قال: "يا أبا ذر؛ أربعة سريانيون [¬٨]: آدم وشيث [¬٩] ونوح وخنوخ، وهو إدريس، وهو أوّل من خط بقلم [¬١٠]، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر، وأوّل نبى من