وبعد نزوله، فإنه رفع وله ثلاث وثلاثون سنة في الصحيح. وقد ورد ذلك في حديث في صفة أهل الجنَّةَ أنهم على صورة آدم وميلاد عيسى: ثلاث وثلاثين [¬١] سنة. وأما ما حكاه ابن عساكر عن بعضهُم أنَّه رفع وله مائة وخمسون سنة، فشاذ غريب بعيد. وذكر الحافظ أَبو القاسم بن عساكر في ترجمة عيسى ابن مريم من تاريخه عن بعض السلف: أنَّه يدفن مع النبي، ﷺ ، في حجرته، فالله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قال قَتَادة: يشهد عليهم أنَّه قد بلغهم الرسالة من الله، وأقر [بالعبودية لله] [¬٢] . وهذا كقوله تعالى في آخر سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾
يخبر تعالى أنَّه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة؛ حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم كما قال ابن أبي حاتم (٩٥٤):
حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو قال: قرأ ابن عبَّاس: (طيبات كانت أحلت لهم).
وهذا التحريم قد يكون قدريًّا بمعنى أنَّه تعالى [قيضهم لأنهم] [¬٣] تأولوا في كتابهم وحرفوا
стр. 1997
وبدلوا أشياء كانت حلالًا لهم، فحرموها عليه أنفسهم تشديدًا منهم على أنفسهم وتضييقًا وتنطعًا، ويحتمل أن يكون شرعيًّا بمعنى أنَّه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالًا لهم قبل ذلك كما قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾. أوقد قدمنا الكلام على هذه الآية، وأن المراد أن الجميع من الأطعمة كانت حلالًا لهم من قبل أن تنزل التوراة] [¬١] ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإِبل وألبانها، ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة كما قال في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي: إنما حرمنا عليهم ذلك لأنهم يستحقون ذلك؛ بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولهذا قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أي: صدّوا الناس وصدُّوا أنفسهم عن اتباع الحق، وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلقًا [¬٢] من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهما.
وقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: إن الله قد نهاهم عن الرِّبَا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل، قال الله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
ثم قال تعالى؛ ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أي: الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في سورة آل عمران.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الراسخين، وخبره: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
قال ابن عبَّاس: أنزلت فى عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية [¬٣] [] [¬٤]، وزيد بن سعية، وأسد بن عبيد الذين دخلوا في الإِسلام، وصدّقوا بما أرسل الله به [¬٥] محمدًا، ﷺ .
стр. 1998
وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ هكذا هو في جميع مصاحف الأئمة وكذا هو في مصحف أبي بن كعب، وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود: (والمقيمون الصلاة)، قال: والصحيح قراءة الجميع، ثم ردّ على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب [¬١]، ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم: هو منصوب على المدح كما جاء في قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ قالوا [¬٢]: وهذا سائغ في كلام العرب، كما قال الشاعر:
لا يَبعدنْ قومِي الَّذينَ هُمُو [¬٣] … سُمُّ [¬٤] العُدَاةِ [¬٥] وآفةُ الحزرِ
النَّازلين بكل مُعْتَرَكٍ … والطَّيِّبونَ مَعَاقِدَ الأزُرِ
وقال آخرون: هو مخفوض عطفًا على قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة: الملائكة، وهذا اختيار ابن جرير، يعني: يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة، وفي هذا نظر، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين، والله أعلم. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: يصدّقون بأنه لا إله إلَّا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال خيرها وشرها.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ هو الخبر عما تقدَّم، ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنَّةَ ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾
стр. 1999
قال محمد بن إسحاق (٩٥٥): عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: قال سُكين وعدي بن زيد: يا محمد؛ ما نعلم [] [¬١] [أنزل الله] [¬٢] على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله في ذلك من قولهما، ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى آخر الآيات.
وقال ابن جرير (٩٥٦): حدَّثنا الحارث، حدَّثنا عبد العزيز، حدَّثنا أَبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: أنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قال [¬٣]: فلما تلاها عليهم - يعنى: على اليهود - وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة جحدوا كل ما أنزل الله وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء ولا موسى ولا عيسى ولا على نبي من شيء، فال: فحل حبوته [¬٤] وقال [¬٥]: ولا على أحد، فأنزل الله عَزَّ رجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.
وفي هذا الذي قاله محمد بن كعب القرظي نظر، فإن هذه الآية التي [¬٦] في سورة الأنعام مكية [¬٧]، وهذه الآية التي [¬٨] في سورة النساء مدنية، رهي رد عليهم لما سألوا النبي، صلى الله عليه ومسلم، أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم وما كانوا عليه وما هم عليه الآن من الكذب والافتراء.
ثم ذكر تعالى أنَّه أوحى إلى عبده ورسوله محمد، ﷺ ، كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدِّمين فقال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. والزبور: اسم للكتاب الذي أوحاه الله إلى داود ﵇،
стр. 2000
وسنذكر ترجمة كل واحد من هؤلاء الأنبياء - عليهم من الله أفضل [¬١] الصلاة والسلام عند قصصهم [في السور الآتية] [¬٢] إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
وقوله: ﴿وَ [¬٣] رُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: من قبل هذه الآية؛ يعني: في السور المكية وغيرها.
وهذه تسمية الأنبياء الذين نص الله [¬٤] على أسمائهم في القرآن، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد، ﷺ .
وقوله: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: خلقًا آخرين لم يُذكروا في القرآن، وقد اختلف في عدة [¬٥] الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه، ﵀، في تفسيره حيث قال (٩٥٧): حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن والحسين بن عبد الله بن يزيد قالا: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حدثني أبي، عن جدّي، عن أبى [¬٦] إدريس الخولاني، عن أبى ذر قال: قلت: يا رسول الله؛ كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا"، قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير"، قلت: يا رسول الله، من كان أوّلهم؟ قال: "آدم"، قلت: يا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: "نعم، خلقه الله بيده و [¬٧] نفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا"، ثم قال: "يا أبا ذر؛ أربعة سريانيون [¬٨]: آدم وشيث [¬٩] ونوح وخنوخ، وهو إدريس، وهو أوّل من خط بقلم [¬١٠]، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر، وأوّل نبى من
стр. 2001
بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأوّل النبيين آدم وآخرهم نبيك".
وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان [¬١] البستي [¬٢] فى كتابه الأنواع والتقاسيم، وقد وسمه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي فذكر هذا الحديث فى كتابه "الموضوعات" واتهم به إبراهيم بن هشام هذا، ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث، فالله [¬٣] أعلم.
وقد روي هذا الحديث [¬٤] من وجه آخر، عن صحابي آخر، فقال ابن أبي حاتم (٩٥٨): حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟، قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا".
معان بن رفاعة السلامي ضعيف، وعلى بن يزيد ضعيف، والقاسم أبو عبد الرحمن ضعيف أيضًا.
[وقد] [¬٥] قال الحافظ أبو يعلى الموصلى (٩٥٩): حدثنا أحمد بن إسحاق أبو عبد الله الجوهري البصرى، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله، ﷺ : "بعث الله ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف إلى
стр. 2002
بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس".
وهذا أيضًا إسناد ضعيف، فيه الربذي ضعيف، وشيخه الرقاشي أضعف منه [أيضًا] [¬١]، والله أعلم.
وقال أبو يعلى (٩٦٠): حدثنا أبو الربيع، حدثنا محمد بن ثابت العبدي، حدثنا معبد [¬٢] بن خالد الأنصاري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله، ﷺ : "كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنت أنا".
وقد رويناه عن أنس من وجه آخر، فأخبرنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي (٩٦١)، أخبرنا أبو الفضل بن عساكر، أنبأنا الإِمام أبو بكر القاسم بن أبي سعيد الصفار، أخبرتنا [عمة أبي] [¬٣] عائشة بنت أحمد بن منصور بن الصفار، أخبرنا الشريف أبو السنابك هبة الله بن أبي الصهباء محمد بن حيدر القرشي، حدثنا الإمام الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، قال: أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلى، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن طارق، حدثنا مسلم [¬٤] بن خالد، حدثنا زياد بن سعد، عن محمد بن المنكدر، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، صلى الله عليه
стр. 2003
وسلم: "بعثت على أثر ثلاثة [¬١] [] [¬٢] من بني إسرائيل". وهذا عزيز [¬٣] من هذا الوجه، وإسناده لا بأس به، رجاله كلهم معروفون إلا أحمد بن طارق هذا فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح، والله أعلم.
[] [¬٤] حديث أبى ذر الغفاري الطويل في عدد الأنبياء ﵈:
قال محمد بن الحسين الآجري (٩٦٢): حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الفريابى [¬٥] إملاء في شهر رجب سنة سبع وتسعين ومائتين، حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حدثنا أبي، عن جدّه، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله، ﷺ ، جالس وحده، فجلست إليه فقلت: يا رسول الله؛ إنك أمرتني بالصلاة. قال: "الصلاة خير موضوع [¬٦]، فاستكثر أو استقل" قال: قلت: يا رسول الله، فأي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله، وجهاد في سبيله"، قلت: يا رسول الله، فأي المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خلقًا"، قلت: يا رسول الله، فأي المسلمين أسلم؟ قال: "من سلم الناس من لسانه ويده"، قلت [¬٧]: يا رسول الله، فأي الهجرة أفضل؟
стр. 2004
قال: "من هجر السيئات". قلت: يا رسول الله؛ أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت" قلت: يا رسول الله فأي الصيام أفضل؟ قال: "فرض مجزئ وعند الله أضعاف كثيرة" قلت: يا رسول الله؛ فأي الجهاد أفضل؟ قال: "من عقر جواده وأهريق دمه" قلت: يا رسول الله، فأي الرقاب أفضل؟ قال: "أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها"، قلت: يا رسول الله، فأي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد من مقل، وسر إلى فقير"، قلت: يا رسول الله، فأي آية ما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آية الكرسي"، ثم قال: "يا أبا ذر، وما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسى كفضل الفلاة على الحلقة"، قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا"، قال: قلت: يا رسول الله، كم الرسل من ذلك؟ قال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير كثير طيب". قلت: فمن كان أولهم؟ قال: "آدم"، قلت: أنبي مرسل؟ قال: "نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسوّاه قبيلًا".
ثم قال: "يا أبا ذر أربعة سريانيون [¬١]: آدم وشيث [¬٢] وخنوخ - وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم - ونوح. وأربعة من العرب: هود، وشعيب، وصالح، ونبيك يا أبا ذر؛ وأوّل أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول الرسل: آدم، وآخرهم: محمد". قال: قلت: يا رسول الله، كم كتابًا أنزله الله؟ قال: "مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى خنوخ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى من قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان".
قال: قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: "كانت كلها يا أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردّها ولو كانت من كافر، وكان فيها أمثال [¬٣]، وعلى العاقل أن
стр. 2005
يكون له ساعات: ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألا يكون ضاغنًا إلا لثلاث: تزوّد لمعاد، أو مرمة لمعاشٍ، أو لذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه".
قال: قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى؟ قال: "كانت عبرًا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، وعجبت لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم [هو] [¬١] يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا ثم هو لا يعمل".
قال: قلت: يا رسول الله، فهل في أيدينا شيء مما كان في أيدي إبراهيم وموسى وما أنزل الله [¬٢] عليك؟، قال: "نعم، اقرأ يا أبا ذر ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ [¬٣] الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾.
قال: قلت [¬٤]: يا رسول الله، فأوصني، قال: "أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس أمرك".
قال: قلت: يا رسول الله، زدني، قال: "عليك بتلاوة القرآن وذكر الله، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض".
قال: قلت: يا رسول الله، زدنى. قال: "إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه".
قلت: يا رسول الله، زدني، قال: "عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي".
قلت: زدني، قال: "عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك".
قلت: زدني، قال: "انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإنه أجدر لك
стр. 2006
أن لا تزدري نعمة الله عليك"، قلت: زدني، قال: "أحبب المساكين وجالسهم، فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك".
قلت: زدني، قال: "صِلْ قرابتك وإن قطعوك"، قلت: زدني، قال: "قل الحق وإن كان مرًّا".
قلت: زدني، قال: "لا تخف في الله لومة لائم".
قلت: زدني، قال: "يردّك عن الناس ما تعرف من نفسك، ولا [¬١] تجد عليهم فيما تحب، [وكفى بك عيبًا أن تعرف من الناس ما تجهل [¬٢] من نفسك، أو تجد عليهم فيما تحب] [¬٣].
ثم ضرب بيده صدري فقال: "يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحُسنِ الخلق".
وروى الإمام أحمد عن أبي المغيرة (٩٦٣)، عن معان بن رفاعة عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة أن أبا ذر سأل النبي، ﷺ ، فذكر: أمر الصلاة والصيام والصدقة، وفضل آية الكرسى ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضل الشهداء، وأفضل الرقاب، ونبوة آدم وأنه مكلم، وعدد الأنبياء والمرسلين، كنحو ما تقدّم.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد (٩٦٤): وجدت في كتاب أبى بِخَطِّهِ: حدثني عبد المتعالي بن
стр. 2007
عبد الوهاب، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا مجالد، عن أبي الوداك قال: قال أبو سعيد: هل تقول الخوارج بالدجال؟ قال: قلت: لا، فقال: قال رسول الله: "إنى خاتم ألف نبي أو أكثر، وما بعث نبي يتبع إلا وقد حذر أمّته منه، وإني قد بين لى فيه ما لم يبين لأحد [¬١]، وأنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخامة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجرى فيها الماء وصورة النار سوداء تدخن".
وقد رويناه في الجزء الذي فيه رواية أبي يعلى الموصلي، عن يحيى بن معين، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا مجالد، عن أبي الوداك، عن أبى سعيد قال: قال رسول الله، ﷺ : "إني أختم ألف ألف نبي أو أكثر، ما بعث الله من نبي إلى قومه إلا حذرهم الدجال". وذكر تمام الحديث هذا لفظه بزيادة ألف، وقد تكون مقحمة [¬٢]، والله أعلم. وسياق رواية الإمام أحمد أثبت وأولى بالصحة، ورجال إسناد هذا الحديث لا بأس بهم، وقد [¬٣] روى هذَا الحديث من طريق جابر بن عبد الله، ﵁، قال الحافظ أبو بكر البزار (٩٦٥):
حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: قال رسول الله، ﷺ : "إني لخاتم ألف نبي أو أكثر، وإنه ليس منهم نبي [¬٤] إلا وقد أنذر قومه الدجال، وإنه [¬٥] قد بين لي ما لم يبين لأحد منهم، وإنه أعور وإن ربكم ليس بأعور".
وقوله [¬٦]: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وهذا تشريف لموسى، ﵇، بهذه
стр. 2008
الصفة، ولهذا يقال له: الكليم، وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردُويه (٩٦٦): حدثنا أحمد بن محمد بن سليمان المالكي، حدثنا مسيح بن حاتم، حدثنا عبد الجبار بن عبد الله قال: جاء رجل إلى أبى بكر بن عياش فقال: سمعت رجلًا يقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر، قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى [¬١] بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو [¬٢] عبد الرحمن السلمي [¬٣] على على بن أبي طالب، وقرأ على بن أبى طالب على رسول الله، ﷺ : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.
وإنما اشتدّ غضب أبى بكر بن عياش، ﵀، على من قرأ كذلك؛ لأنه حرَّفَ لفظ القرآنِ ومعناه، وكأنَّ [¬٤] هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون [¬٥] الله كلم موسى، ﵇، أو يكلم أحدًا من خلقه؛ كما روينا [¬٦] عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فقال له: يا بن اللخناء [¬٧]! فكيف [¬٨] تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ يعني أن هذا لا يحتمل التحريف ولا التأويل.
وقال ابن مردُويه (٩٦٧): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن الحسين بن بهرام [¬٩]، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا هانئ بن يحيى، عن الحسن بن أبي جعفر، عن قتادة، عن يحيي بن وثاب، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ : "لما كلّم الله موسى كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء".
стр. 2009
وهذا حديث غريب، وإسناده لا يصح، وإذا صح موقوفًا كان جيدًا.
وقد روى الحاكم في مستدركه وابن مردُويه من حديث حميد بن قيس [¬١] الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله، ﷺ : "كان على موسى يوم كلمه ربه جبة صوف وكساء صوف وسراويل صوف ونعلان من جلد حمار غير ذكي". (٩٦٨).
стр. 2010
وقال ابن مردُويه بإسناده: عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إن اللَّه ناجى موسى بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام وصايا كلها، فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم، مما وقع في مسامعه من كلام الرب .
وهذا أيضًا إسناد [¬١] ضعيف، فإن جويبرًا ضُعِّف [¬٢]، والضحاك لم يدرك ابن عباس، ﵄. فأما الأثر الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردُويه وغيرهما من طريق الفضل بن عيسى الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه أنه [¬٣] قال: لما كلم اللَّه موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه، فقال له موسى: يا رب هذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال: لا يا موسى؛ إنما [¬٤] كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسنة كلها وأنا أقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى، صف لنا كلام الرحمن، قال: لا أستطيعه، قالوا: فشبه لنا، قال: ألم تسمعوا إلى صوت الصواعق، فإنها [¬٥] قريب منه وليس به (٩٦٩).
стр. 2011
وهذا اسناد ضعيف؛ فإن الفضل [الرقاشي هذا] [¬١] ضعيف بمرة.
وقال عبد الرزاق (٩٧٠): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن [¬٢] جزء بن جابر الخثعمى، عن كعب قال: إن اللَّه لما كلم موسى كلمه [¬٣] بالألسنة كلها سوى كلامه، فقال له [¬٤] موسى: يا رب، هذا كلامك؟ قال: لا، ولو كلمتك بكلامي لم تستقم له، قال: يارب، فهل من خلقك شيء [¬٥] يشبه كلامك؟ قال: لا، وأشدُّ خلقي شبهًا بكلامي أشدَّ ما تسمعون [¬٦] من الصواعق.
стр. 2012
فهذا موقوف على كعب الأحبار، وهو يحكي عن الكتب المتقدّمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل وفيها الغث والسمين.
وقوله: ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين﴾ أي: يبشرون من أطاع اللَّه واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب.
وقوله: ﴿لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل وكان اللَّه عزيرًا حكيمًا﴾ أي: إنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه، مما يكرهه ويأباه؛ لئلا يبقى لمعتذر عذر؛ كما قال تعالى: ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى﴾ وكذا قوله تعالى: ﴿ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين﴾. وقد ثبت في الصحيحين (٩٧١) عن ابن مسعود.
قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "لا أحد أغير من اللَّه؛ من أجل ذلك حرم اللَّه [¬١] الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من اللَّه من أجل [¬٢] ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من اللَّه؛ من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين". وفي لفظ آخر [¬٣]: "من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه".
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ
стр. 2013
الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾.
لما تضمن قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ إلى آخر السياق - إثبات نبوته، ﷺ ، والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى: ﴿لكن اللَّه يشهد بما أنزل إليك﴾ أي: وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم الذي ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾، ولهذا قال: ﴿أنزله بعلمه﴾ أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه اللَّه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن بعلمه اللَّه به، كما قال تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ وقال ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٩٧٢): حدثنا على بن الحسين، حدثنا الحسن بن سهل الجعفري وخزز [¬١] ابن المبارك قالا: حدثنا عمران بن عيينة، حدثنا عطاء بن السائب قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم اللَّه فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل ثم يقرأ قوله [¬٢]: ﴿أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى باللَّه شهيدًا﴾.
وقوله: ﴿والملائكة يشهدون﴾ [أي] [¬٣]: [بصدق] [¬٤] ما جاءك وأوحي إليك وأنزل عليك مع شهادة اللَّه تعالى لك بذلك ﴿وكفى بالله شهيدًا﴾.
وقد قال محمد بن إسحاق (٩٧٣): عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: دخل على رسول اللَّه، ﷺ ، جماعة من اليهود فقال لهم:
стр. 2014
"إني لأعلم واللَّه إنكم لتعلمون أني رسول اللَّه"، فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل اللَّه : ﴿لكن اللَّه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا﴾.
وقوله: ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللَّه قد ضلوا ضلالًا بعيدًا﴾ أي: كفروا في أنفسهم، فلم يتبعوا الحق وسعوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به، قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه وبعدوا منه بُعدًا عظيمًا شاسعًا.
ثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه [¬١] وانتهاك محارمه [¬٢] بأنه لا يغفر لهم: ﴿ولا ليهديهم طريقًا﴾ أي: سبيلًا إلى الخير، ﴿إلا طريق جهنم﴾ وهذا استثناء منقطع ﴿خالدين فيها أبدًا وكان ذلك على اللَّه يسيرًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرًا لكم﴾ أي: قد جاءكم محمد، صلوات اللَّه وسلامه عليه، بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من اللَّه فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه يكن خيرًا لكم.
ثم قال: ﴿وإن تكفروا فإن للَّه ما في السموات والأرض﴾ أي: فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم؛ كما قال تعالى: ﴿وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعًا فإن اللَّه لغني حميد﴾، وقال هاهنا: ﴿وكان اللَّه عليمًا حكيمًا﴾ أي: بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه ﴿حكيمًا﴾ أى: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾
ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا [حد
стр. 2015
التصديق] [¬١] بعيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه اللَّه إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون اللَّه يعبدونه، كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن [¬٢] زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم فى كل ما قالوه، سواء كان حقا أو باطلًا، أو ضلالًا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا، ولهذا قال اللَّه تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللَّه والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾.
وقال الإِمام أحمد (٩٧٤): حدثنا هشيم، قال: زعم الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر أن سول اللَّه، ﷺ ، قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد اللَّه ورسوله".
ثم رواه هو وعلى بن المديني عن سفيان بن عيينة عن الزهري كذلك. وقال على بن المديني: هذا حديث صحيح سنده، وهكذا رواه البخاري: عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، ولفظه: "فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد اللَّه ورسوله".
وقال الإِمام أحمد (٩٧٥): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت [¬٣]
стр. 2016
البُناني، عن أنس بن مالك أن رجلًا قال: [يا محمد] [¬١]، يا سيدنا، وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول اللَّه، ﷺ : " [يا] [¬٢] أيها الناس؛ عليكم بقولكم [¬٣]، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد اللَّه، عبد اللَّه ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللَّه ". تفرد به من هذا الوجه.
وقوله تعالى: ﴿ولا تقولوا على اللَّه إلا الحق﴾ أي: لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدًا، تعالى اللَّه، ، عن ذلك علوًّا كبيرًا، وتنزه وتقدس، وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته، فلا إله إلا هو ولا رب سواه؛ ولهذا قال: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللَّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ أي: إنما هو عبد من عباد اللَّه، وخلق من خلقه، قال له: كن، فكان، ورسول من رسله ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم﴾ أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل، ﵇، إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه، ، [فكان عيسى بإذن اللَّه، ، وصارت] [¬٤] تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم - والجميع مخلوق للَّه، ، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة اللَّه وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها: كن، فكان، والروح التي أرسل بها جبريل؛ قال اللَّه تعالى: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾ وقال تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند اللَّه كمثل آدم خلقه من تراب لم قال له كن فيكون﴾ وقال تعالى: ﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها [¬٥] وابنها آية للعالمين﴾ وقال تعالى: ﴿ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾ [] [¬٦]، وقال تعالى إخبارًا عن المسيح ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل﴾.
стр. 2017
وقال عبد الرزاق (٩٧٦): عن معمر، عن قتادة: ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم [وروح منه] [¬١]﴾ هو كقوله: ﴿كن فيكون [¬٢]﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٩٧٧): حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، قال: سمعت شاذ [¬٣] بن يحيى يقول في قول اللَّه: ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ قال: ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى.
وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله: ﴿ألقاها إلى مريم﴾ أي: أعلمها بها كما زعمه في قوله: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن اللَّه يبشرك بكلمة منه﴾ أي: يعلمك بكلمة منه ويجعل ذلك كقوله [¬٤] تعالى: ﴿وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك﴾ بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم فنفخ فيها بإذن اللَّه فكان عيسى ﵇.
وقال البخاري (٩٧٨): حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا [¬٥] الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي، ﷺ ، قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن [¬٦] الجنة حق والنار حق - أدخله الله الجنة على ما كان من العمل". [] [¬٧] قال الوليد: فحدثنى عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، عن عمير بن هانئ عن جنادة زاد: "عن أبواب الجنة الثمانية يدخل [¬٨] من أيها شاء".
стр. 2018
وكذا رواه مسلم عن داود بن رشيد، عن الوليد، عن ابن جابر، به. ومن وجه آخر عن الأوزاعي به، فقوله في الآية والحديث: "وروح منه"، كقوله: ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه﴾ أي: من خلقه ومن عنده، وليست (من) للتبعيض كما تقوله النصارى عليهم لعائن اللَّه المتتابعة، بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى.
وقد قال مجاهد في قوله: ﴿وروح منه﴾ أي: ورسول منه. وقال غيره: ومحبة منه. والأظهر الأوّل، وهو [¬١] أنه مخلوق من روح مخلوفة، وأضيفت الروح إلى اللَّه على وجه التشريف كما أضيفت الناقة والبيت إلى اللَّه في قوله: ﴿هذه ناقة اللَّه﴾ وفي قوله: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ وكما ورد في الحديث الصحيح: "فأدخل على ربي في داره"، أضافها إليه إضافة تشريف لها، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد.
وقوله: ﴿فآمنوا باللَّه ورسله [¬٢]﴾ أي: فصدقوا بأن اللَّه واحد أحد لا صاحبة [¬٣] له ولا ولد [¬٤]، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد اللَّه ورسوله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ أي: لا تجعلوا عيسى وأمه مع اللَّه شريكين، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وهذه الآية والتي تأتى [¬٥] في سورة المائدة حيث يقول تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن اللَّه ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد﴾ وكما قال في آخر السورة المذكورة: ﴿وإذ قال اللَّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون اللَّه قال سبحانك﴾ الآية، وقال في أولها: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن اللَّه هو المسيح ابن مريم﴾ الآية.
فالنصارى [¬٦] عليهم لعنة [¬٧] اللَّه من جهلهم ليس لهم ضابط ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده [¬٨] إلهًا، ومنهم من يعتقده شريكًا، ومنهم من يعتقده ولدًا، وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة، ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على [¬٩] أحد عشر قولًا، ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير عندهم وهو سعيد بن بطريق بطرق [¬١٠] الإسكندرية في حدود
стр. 2019
سنة أربعمائة من الهجرة النبوية أنهم اجتمعوا المجمع الكبير الذي عقدوا فيه الأمانة الكبيرة التي لهم، وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة، وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة، وأنهم اختلفوا عليه اختلافًا لا ينضبط ولا ينحصر، فكانوا أزيد من ألفين أسقفًّا فكانوا أحزابًا كثيرة، كل خمسين منهم على مقالة، وعشرون على مقالة، ومائة على مقالة، وسبعون على مقالة، وأزيد من ذلك وأنقص.
فلما رأى [عصابة منهم] قد زادوا على الثلاثمائة وثمانية [¬١] عشر نفرًا، وقد توافقوا على مقالة فأخذها الملك ونصرها وأيدها وكان فيلسوفًا داهية [¬٢]، ومحق ما عداها من الأقوال، وانتظم دست أولئك الثلاثمائة وثمانية [¬٣] عشر، وبنيت لهم الكنائس، ووضعوا لهم كتبًا وقوانين، وأحدثوا فيها [¬٤] الأمانة التى يلقنونها الولدان من الصغر [¬٥] ليعتقدوها، ويُعَمِّدونهم عليها، وأتباع هؤلاء هم الملكية [¬٦]، ثم أنهم اجتمعوا مجمعًا ثانيًا فحدث فيهم اليعقوبية، ثم مجمعًا ثالثًا فحدث فيهم النسطورية، وكل هذه الفرق تثبت الأقانيم الثلاثة فى المسيح، ويختلفون في كيفية ذلك وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم هل اتحدا أو ما اتحدا أو امتزجا أو حل فيه؟ على ثلاث مقالات، وكل منهم يكفر الفرقة الأخرى، ونحن نكفر الثلاثة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿انتهوا خيرًا لكم﴾ أي: يكن خيرًا لكم ﴿إنما اللَّه إله واحد سبحانه أن يكون له ولد﴾ أي: تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرًا ﴿له ما في السموات وما في الأرض وكفى باللَّه وكيلًا﴾ أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع [ما فيهما] [¬٧] عبيده وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل [¬٨] على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة أو [¬٩] ولد، كما قال في الآية الأخرى: ﴿بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم يكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم﴾. وقال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا لقد جئتم شيئًا إدًّا﴾ إلى قوله: ﴿فردًا﴾.
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
стр. 2020
فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾.
قال ابن أبي حاتم (٩٧٩): حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾: لن يستكبر.
وقال قتادة: لن يحتشم ﴿الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وليس له في ذلك دلالة؛ لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، فلهذا قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل.
وقيل: إنما ذكروا؛ لأنهم اتخذوا آلهة مع الله، كما اتخذ المسيح، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عبيده وخلق من خلقه؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ الآيات.
ثم [¬١] قال: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ أي: فيجمعهم إليه [¬٢] يوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا يجور فيه ولا يحيف. ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني [¬٣]: فيعطهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة، ونريدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه.
وقد روى ابن مردويه (٩٨٠) من طريق بقية، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش،
стр. 2021
عن شَقِيق [¬١]، عن عبد الله [] [¬٢] قال: قال رسول الله، ﷺ : ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: [] [¬٣]: "أجورهم: أدخلهم الجنة". ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: "الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا [¬٤] ".
وهذا إسناد لا يثبت، وإذا روي عن ابن مسعود موقوفًا فهو جيد.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [كما قال تعالى] [¬٥]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي: صاغرين حقيرين ذليدين كما كانوا ممتنعين مستكبرين.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾
يقول تعالى مخاطبًا جميع الناس ومخبرًا [لهم] [¬٦] بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر [] [¬٧] والحجة المزيلة للشبهة؛ ولهذا قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ أي: ضياء واضحًا على الحق، قال ابن جريج وغيره: وهو [¬٨] القرآن.
стр. 2022
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أي: جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله فى جميع أمورهم. وقال ابن جريج [] [¬١]: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن، رواه ابن جرير (٩٨١). ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ [¬٢] فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ أي: يرحمهم، فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابًا ومضاعفة ورفعًا في درجاتهم من فضله عليهم وإحسانه إليهم، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: طريقًا واضحًا قصدًا قوامًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف، وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات. وفي حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "القرآن صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين".
وقد تقدم الحديث بتمامه فى أول التفسير، ولله الحمد والمنة.
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾
قال البخارى (٩٨٢): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق؛ قال: سمعت البراء قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية [نزلت] [¬٣] ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾.
стр. 2023
وقال الإِمام أحمد (٩٨٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن محمد بن المنكدر؛ قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: دخل عليَّ رسول الله، ﷺ ، وأنا مريض لا أعقل قال: فتوضأ [¬١] ثم صب عليَّ - أو قال: صَبُّوا عليَّ [¬٢]-[فعقلت] [¬٣] فقلت: إنه [¬٤] لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ [فنزلت] [¬٥] آية الفرائض. أخرجاه فى الصحيحين من حديث شعبة، ورواه الجماعة من طريق سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر به، و [¬٦] في بعض الألفاظ: فنزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآية.
وقال ابن أبى حاتم (٩٨٤): حدثنا محمد بن عبد الله بن يريد، حدثنا سفيان، وقال أبو الزيير: قال - يعنى جابرًا -: نزلت فيَّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ وكأن معنى الكلام - والله أعلم -: يستفتونك [عن الكلالة] [¬٧] ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ فيها، فدل المذكور على المتروك. وقد تقدم الكلام على الكلالة واشتقاقها وأنها مأخوذة من الإكليل الذى يحيط بالرأس من جوانبه، ولهذا فسرها أكثر العلماء بمن يموت وليس له ولد ولا [والد] [¬٨]، ومن الناس من
стр. 2024
يقول: الكلالة من لا ولد له كما دلت عليه هذه الآية ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ وقد أشكل حكم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، كما ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال: ثلاث وددت أن رسول الله، ﷺ ، كان عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب [¬١] من أبواب الربا.
وقال الإِمام أحمد (٩٨٥): حدثنا إسماعيل، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، قال: قال عمر بن الخطاب: ما سألت رسول الله، ﷺ ، عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه فى صدري وقال: "يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء". هكذا رواه مختصرًا، وقد [¬٢] أخرجه مسلم [¬٣] مطولًا أكثر من هذا.
(طريق أخرى) قال الإِمام أحمد (٩٨٦): حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك - يعني: ابن مغول -[] [¬٤] سمعت الفضل بن عمرو، عن إبراهيم، عن عمر؛ قال: سألت رسول الله، ﷺ ، عن الكلالة فقال: "يكفيك آية الصيف" فقال: لأن أكون سألت رسول الله، ﷺ ، عنها أحب إلى من أن يكون لي حُمر النعَم. وهذا إسناد جيد إلا أن فيه انقطاعًا بين إبراهيم وبين عمر، فإنه لم يدركه.
وقال الإِمام أحمد (٩٨٧): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر، عن أبي إسحاق، عن البراء بن
стр. 2025
عازب؛ قال: جاء رجل إلى النبى، ﷺ ، فسأله عن الكلالة؛ فقال: "يكفيك آية الصيف"، وهذا إسناد جيد، رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر بن عياش، به. وكأن المراد بآية الصيف أنها نزلت فى فصل الصيف والله أعلم. ولما أرشده النبي، ﷺ ، إلى تفهمها؛ فإن فيها كفاية نسي أن يسأل النبي، ﷺ ، عن معناها؛ ولهذا قال: فلأن أكون سألتُ رسول الله، ﷺ ، عنها أحب إلى من أن يكون لي حُمْرُ النَّعَم.
وقال ابن جرير (٩٨٨): حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير، عن [¬١] الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب؛ قال: سأل عمر بن الخطاب النبي، ﷺ ، عن الكلالة؛ فقال: "أليس قد بين الله ذلك؟ "؛ فنزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا بكر الصديق قال فى خطبته: ألا إن الآية التي أنزلت [¬٢] فى أول سووة النساء فى شأن الفرائض أنزلها الله فى الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها فى الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التى ختم بها سورة النساء أنزلها فى الإخوة والأخوات من الأب والأُم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها فى أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله مما جرت الرحم من العصبة، رواه ابن جرير (٩٨٩).
ذكر الكلام على معناها وبالله المستعان وعليه التكلان
قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أي: ممات؛ قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله، ؛ كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفَاء الوالد، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد، وهو رواية عن عمر بن الخطاب رواه [¬٣] ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه، ولكن الذى رجع [¬٤] إليه هو قول الجمهور وقضاء الصديق أنه من [¬٥] ولد له ولا والد، ويدل على ذلك قوله:
стр. 2026
﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ولو كان معها أب لم ترث شيئًا،. لأنه يحجبها بالإجماع؛ فدل على أنه من لا ولد له [¬١] بنص القرآن، ولا والد له بالنص عند التأمل أيضًا؛ لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد بل ليس لها ميراث بالكلية.
و [¬٢] قال الإمام أحمد (٩٩٠): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن عبد الله، عن مكحول، وعطية وحمزة وراشد، عن زيد بن ثابت، أنه سئل عن زوج وأخت لأب وأم [¬٣] فأعطى الزوج النصف والأخت النصف، فكئم في ذلك، فقال: حفعرت رسول الله، ﷺ ، قضى بذلك.
تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقد نقل ابن جرير وغيره عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان فى الميت ترك بنتًا وأختًا: إنه لا شئ للأخت، لقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ قالا [¬٤]: فإذا ترك بنتًا فقد ترك ولدًا، فلا شيء للأخت، وخالفهما الجمهور، فقالوا في هذه المسألة: للبنت النصف بالفرض، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب، بدليل، غير هذه الآية، وهذه الآية نصت أن يفرض لها في هذه الصورة، وأما وراثتها بالتعصيب، فلما رواه البخارى (٩٩١) من طريق سليمان عن إبراهيم عن الأسود؛ قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله، ﷺ : النصف للابنة [¬٥] والنصف للأخت، ثم قال سليمان: قضى فينا، ولم يذكر على عهد رسول الله، ﷺ .
стр. 2027
وفى صحيح البخاري أيضًا (٩٩٢) عن هزيل بن شرحبيل؛ قال: سئل أبو موسى الأشعري عن [ابنة و] [¬١] ابنة ابن، وأخت [¬٢] فقال: للابنة النصف وللأخت النصف، وأتِ ابن مسعودٍ فسيتابعني [¬٣]، فسأل [¬٤] ابن مسعود فأخبره [¬٥] بقول أبي موسى، فقال: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أقضي فيها بما قضى النبي، ﷺ : [للابنة النصف] [¬٦] [ولابنة] [¬٧] الابن السدس تكملةَ الثلثين، وما بقي فللأخت، [فأتينا أبا موسى] [¬٨] فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألونى ما دام هذا الحبر فيكم.
وقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾، أي: والأخ يرث جميع مالها إذا ماتت [كلالة] [¬٩] و [¬١٠] ليس لها ولد، أي: ولا والد؛ لأنه [¬١١] لو كان لها والد لم يرث الأخ شيئا، فإن فرض أن [¬١٢] معه من له فرض صرف إليه فرضه كزوج أو أخٍ من أم، وصرف الباقي إلى الأخ، لما ثبت فى الصحيحين (٩٩٣) عن ابن عباس أن رسول الله، ﷺ ، قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذَكَرٍ".
وقوله ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾؛ أى: فإن كان لمن يموت كلالة أختان؛ فرض لهما الثلثان، وكذا ما زاد على الأختين فى حكمهما، ومن هاهنا أخذ الجماعة حكم البنتين كما استفيد [¬١٣] حكم الأخوات من البنات فى قوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ هذا حكم العصبات
стр. 2028
من البنين وبني البنين والإِخوة، إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم أعطي [للذكر منهم] [¬١] مثل حظ الأنثيين.
وقور: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أى: يفرض لكم فرائضه، ويحد لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه.
وقوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾؛ أي: لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، أي: هو عالم بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها [¬٢] من الخير لعباده وما يستحقه كل واحد من القرابات بحسب قربه من المتوفى.
وقد قال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثنى ابن علية، أنبأنا ابن عون، عن محمد ابن سيرين؛ قال: كانوا فى مسير، ورأس راحلة حذيفة عند ردف راحلة رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ورأس راحلة عمر عند ردف راحلة حذيفة؛ قال: ونزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ فلقاها رسول الله، ﷺ ، حذيفة، فلقاها حذيفة عمر، فلما كان بعد ذلك سأل عمر عنها حذيفة [¬٣] فقال: والله [¬٤] إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقانيها رسول الله، ﷺ ، فلقيتكها كما لقانيها رسول الله، ﷺ ، والله، لا أزيدك عليها شيئا أبدًا.
قال: فكان عمر يقول: اللهم؛ إن كنت بينتها له فإنها لم تبين لي. كذا رواه ابن جرير.
ورواه أيضًا عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين كذلك بنحوه وهو منقطع بين ابن سيرين وحذيفة.
وقد قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار فى مسنده: حدثنا يوسف بن حماد المعنيّ، ومحمد بن مرزوق قالا: أخبرنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة [عن أبيه قال: نزلت آية الكلالة على النبي، ﷺ ، وهو فى مسير له فوقف النبي، ﷺ ، وإذا هو بحذيفة] [¬٥] وإذا رأس ناقة حذيفة عند [مؤتزر] [¬٦] النبى، ﷺ ، فلقاها
стр. 2029
إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر، ﵁، فلقاها إياه، فلما كان في خلافة عمر، [نظر عمر] [¬١] فى الكلالة فدعا حذيفة: فسأله عنها. فقال حذيفة: لقد لقانيها رسول الله، ﷺ ، فلفيتك [¬٢] كما لقاني [] [¬٣] والله إني لصادق، ووالله لا أزيدك [¬٤] على ذلك شيئًا أبدًا.
ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا [¬٥] رواه إلا حذيفة، ولا نعلم له طريقًا عن حذيفة إلا هذا الطريق. ولا رواه عن هشام إلا عبد الأعلى.
وكذا رواه ابن مردُويه من حديث عبد الأعلى.
وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن سعيد - هو ابن المسيب - أن عمر سأل رسول الله، ﷺ : كيف يورث [¬٦] الكلالة؟ قال: فأنزل الله ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآية. قال: فكأنّ عمر لم يفهم؛ فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله، ﷺ ، طيب نفس فسليه [¬٧] عنها؛ فرأت منه طيب نفس فسألته عنها [¬٨] فقال: "أبوك ذكر لك هذا ما أرى أباك يعلمها". قال: فكان [¬٩] عمر يقول: ما أراني أعلمها، وقد قال رسول الله، ﷺ ، ما قال.
رواه ابن مردُويه ثم رواه من [¬١٠] طريق ابن عيينة، [] [¬١١] عن [عمرو عن] [¬١٢] طاوس أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي، ﷺ ، عن الكلالة فأملاها عليها فى كتف فقال: "من أمرك بهذا؟ أعمر؟ ما أراه يقيمها [¬١٣] أو ما تكفيه آية الصيف؟ " [قال: سفيان] [¬١٤] وآية الصيف التي في النساء ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ فلما سألوا رسول الله، ﷺ ، نزلت الآية التي هي خاتمة النساء [فألقى عمر] [¬١٥] الكتف. كذا قال في هذا الحديث وهو مرسل.
стр. 2030
وقال ابن جرير: حدَّثنا أَبو [¬١] كريب، حدَّثنا عثام عن الأعمش، عن قيس بن [مسلم عن] [¬٢] طارق بن شهاب؛ قال: أخذ عمر كتفًا وجمع أصحاب رسول الله، ﷺ ، ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورهن، فخرجت حينئذ حية من البيت فتفرقوا فقال: لو أراد الله، ، أن يتم هذا الأمر لأتمه.
وهذا إسناد صحيح، وقال الحاكم أَبو عبد الله النيسابوري: حدَّثنا على بن محمد بن [] [¬٣] عقبة الشيباني بالكوفة، حدَّثنا الهيثم بن خالد، حدَّثنا أَبو نعيم، حدئنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار؛ سمعت محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة يحدِّث عن عمر بن الخطاب قال؛ لأن أكون سألت رسول الله، ﷺ ، عن ثلاث أحب إلي من حُمْر النَّعَم: مَن الخليفة بعده؟ وعن قوم قالوا: نقر بالزكاة فى أموالنا ولا نؤديها إليك [¬٤] أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة.
ثم قال: صحيح الإِسناد [¬٥] على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
ثم روى بهذا [¬٦] الإِسناد إلى [¬٧] سفيان بن عيينة، عن عمر بن مرة، عن [مرة، عن] [¬٨] عمر قال: ثلاث لأن يكون النبي، ﷺ ، بينهنَّ لنا أحب الي من الدنيا وما فيها: الخلافة، والكلالة، والربا.
ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وبهذا الإِسناد إلى سفيان بن عيينة قال: سمعت سليمان الأحول يحدّث عن طاوس، قال: سمعت ابن عبَّاس قال: كنت آخر الناس عهدًا بعمر فسمعته يقول: القول ما قلت. قلت: وما قلت؟ قال: قلت: الكلالة من لا ولد له.
ثم قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
وهكذا رواه ابن مردويه من طريق زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، وسليمان الأحول،
стр. 2031
عن طاوس، عن ابن عبَّاس؛ قال: كنت آخر الناس [¬١] عهدًا بعمر بن الخطاب قال: اختلفت أنا وأَبو بكر في الكلالة، والقول ما قلت، قال: وذكر أن عمر شرَّك بين الإِخوة [للأب والأم] [¬٢] وبين الإِخوة للأم في الثلث إذا اجتمعوا وخالفه أَبو بكر، ﵄.
وقال ابن جرير: حدَّثنا [ابن] [¬٣] وكيع، حدَّثنا محمد بن حميد العمري، عن معمر، عن الزُّهْريّ، عن سعيد بن المسيب، أن عمر كتب في الجد والكلالةكتابًا فمكث يستخير الله يقول: اللهم؛ إن علمت فيه خيوًا فأمضه [¬٤]. حتَّى إذا طُعِنَ دعا بكتاب فمحي، ولم يدر أحد ما كتب فيه، فقال: إني كنت كتبت في الجد والكلالة كتابًا، وكنت أستخير [¬٥] الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه.
قال ابن جرير: وقد روي عن عمر، ﵁، أنَّه قال: إني لأستحي أن أخالف فيه أبا بكر، وكان أَبو بكر، ﵁، يقول: هو ما عدا الولد والوالد.
وهذا الذي قاله الصديق عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، [وقول علماء الأمصار] [¬٦] قاطبة [¬٧]، وهو الذي يدل عليه القرآن، كما أرشد الله أنَّه قد بين ذلك ووضحه [¬٨]، في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. [والله أعلم] [¬٩].
* * *
انتهى بحمد اللَّه وحسن توفيقه المجلد الرابع
ويليه إن شاء اللَّه تعالى المجلد الخامس
وأوله تفسير سورة المائدة
стр. 2032
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
تفسير سورة المائدة وهي مدنية
قال الإِمام أحمد (١): حدَّثنا أَبو النضر، حدَّثنا أَبو معاوية شيبان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: إِني لآخذة بزمام العضباء، ناقة رسول الله ﷺ ، إِذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة.
وروى ابن مردويه (٢) من حديث صالح بن سهيل [¬١]، عن عاصم الأحول قال: حدثتني أمِّ عمرو، عن عمها: أنَّه كان في مسير مع رسول الله ﷺ ، فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق عنق الراحلة من ثقلها.
وقال أحمد أيضًا (٣): حدَّثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها. تفرَّد به أحمد.
وقد روى التِّرمِذي (٤)، عن قتيبة، عن عبد الله بن وَهْب، عن حيي، عن أبي
стр. 2033
عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو قال: آخر سورة أنزلت [سورة المائدة والفتح؛ ثم قال التِّرمِذي: هذا حديث غريب حسن. وقد روي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: آخر سورة أنزلت] [¬١]: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.
وقد روى الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله بن وَهْب بإسناده نحو رواية التِّرمِذي، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقال الحاكم أيضًا (٥): حدَّثنا أَبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا بحر [¬٢] بن نصر، قال: قرئ على عبد الله بن وَهْب: أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، قال: حججت فدخلت على عائشة، فقالت لي: يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم. فقالت: أما إِنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها [¬٣] من حرام فحرمره. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
ورواه الإِمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح وزاد: وسألتها عن خُلُق رسول الله ﷺ ، فقالت: القرآن. ورواه النَّسائي من حديث ابن مهدي (٦).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ
стр. 2034
إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾.
قال ابن أبي حاتم (٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا نعيم بن حمَّاد، حدَّثنا عبد الله بن المبارك، حدَّثنا مسعر، حدثني معن وعوف أو أحدهما، أن رجلًا أتى عبد الله بن مسعود، فقال: اعهد إِليَّ، فقال: إِذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرْعِها سمعك، فإِنَّه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
وقال: حدَّثنا على بن الحسين، حدَّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم - دحيم - حدَّثنا الوليد، حدَّثنا الأوزاعي، عن الزُّهْريّ، قال: إِذا قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ افعلوا، فالنبي ﷺ منهم.
وحدثنا أحمد بن سنان، حدَّثنا محمد بن عبيد، حدَّثنا الأعمش، عن خيثمة قال: كل شيء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو في التوراة: يا أيها المساكين.
فأما ما رواه عن زيد بن إِسماعيل الصائغ البغدادي، حدَّثنا معاوية - يعني ابن هشام - عن عيسى بن راشد، عن علي بن بذيمة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: ما في القرآن آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إِلا أن عليًّا سيدها وشريفها وأميرها، وما من أصحاب النبي ﷺ أحد إِلا قد عوتب فى القرآن، إِلا على بن أبي طالب؛ فإِنه لم يعاتب في شيء منه (٨).
فهو أثر غريب، ولفظه فيه نكارة، وفى إِسناده نظر. قال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر. قلت: وعلى بن بذيمة [¬١]، وإِن كان ثقة إِلا أنَّه شيعي غالٍ، وخبره في مثل هذا فيه تهمة، فلا يقبل. وقوله: ولم يبق أحد من الصحابة إِلا عوتب في القرآن إِلا عليًّا. إنما يشير به إِلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى، فإنه قد ذكر غير واحد أنَّه لم يعمل بها أَحد إِلا علي، ونزل قوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [¬٢] فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. وفي كون هذا عتابًا نظر؛ فإِنه قد قيل: إِن الأمر كان ندبًا لا إِيجابًا ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل؛ فلم ير من أحد منهم خلافه. وقوله عن علي: إنه لم يعاتب في شيء من القرآن، فيه نظر أيضًا، فإِن الآية التي في الأنفال التي فيها
стр. 2035
المعاتبة على أخذ الفداء عمت جميع من أشار بأخذه، ولم يسلم منها إلا عمر بن الخطاب ﵁ فعلم بهذا وبما تقدَّم ضعف هذا الأثر، والله أعلم.
وقال ابن جرير (٩): حدثني المثنى، حدَّثنا عبد الله بن صالح، حدَّثنا اللَّيث، حدثني يونس قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم، حين بعثه إِلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فيه: "هذا بيان من الله ورسوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فكتب الآيات منها [¬١] حتَّى بلغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ".
وقال ابن أبي حاتم (١٠): حدَّثنا أبو سعيد، حدثنا يونس بن بكير، حدَّثنا محمد بن إِسحاق، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: هذا كتاب رسول الله ﷺ عندنا، الذي كتبه لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتابًا وعهدًا، وأمره [] [¬٢] فكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ عهد من محمد رسول الله ﷺ ، لعمرو بن حزم، حين بعثه إِلى اليمن، آمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون".
قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال ابن عبَّاس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود. وحكى ابن جرير الإِجماع على ذلك. قال: والعهود ما كانوا يتعاهدون عليه من الحلف وغيره.
وقال على بن أبي طلحة (١١)، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يعني بالعهود، يعني ما أحل الله وما حرم، وما فرض، وما حدّ في القرآن كله، ولا تغدروا ولا تنكثوا. ثم شدّد في ذلك، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾.
وقال الضحاك: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: ما أحل الله وحرم، وما أخذ الله من الميثاق على