← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

عن طاوس، عن ابن عبَّاس؛ قال: كنت آخر الناس [¬١] عهدًا بعمر بن الخطاب قال: اختلفت أنا وأَبو بكر في الكلالة، والقول ما قلت، قال: وذكر أن عمر شرَّك بين الإِخوة [للأب والأم] [¬٢] وبين الإِخوة للأم في الثلث إذا اجتمعوا وخالفه أَبو بكر، ﵄. وقال ابن جرير: حدَّثنا [ابن] [¬٣] وكيع، حدَّثنا محمد بن حميد العمري، عن معمر، عن الزُّهْريّ، عن سعيد بن المسيب، أن عمر كتب في الجد والكلالةكتابًا فمكث يستخير الله يقول: اللهم؛ إن علمت فيه خيوًا فأمضه [¬٤]. حتَّى إذا طُعِنَ دعا بكتاب فمحي، ولم يدر أحد ما كتب فيه، فقال: إني كنت كتبت في الجد والكلالة كتابًا، وكنت أستخير [¬٥] الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه. قال ابن جرير: وقد روي عن عمر، ﵁، أنَّه قال: إني لأستحي أن أخالف فيه أبا بكر، وكان أَبو بكر، ﵁، يقول: هو ما عدا الولد والوالد. وهذا الذي قاله الصديق عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، [وقول علماء الأمصار] [¬٦] قاطبة [¬٧]، وهو الذي يدل عليه القرآن، كما أرشد الله أنَّه قد بين ذلك ووضحه [¬٨]، في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. [والله أعلم] [¬٩]. * * * انتهى بحمد اللَّه وحسن توفيقه المجلد الرابع ويليه إن شاء اللَّه تعالى المجلد الخامس وأوله تفسير سورة المائدة

стр. 2032

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تفسير سورة المائدة وهي مدنية قال الإِمام أحمد (١): حدَّثنا أَبو النضر، حدَّثنا أَبو معاوية شيبان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: إِني لآخذة بزمام العضباء، ناقة رسول الله ﷺ ، إِذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة. وروى ابن مردويه (٢) من حديث صالح بن سهيل [¬١]، عن عاصم الأحول قال: حدثتني أمِّ عمرو، عن عمها: أنَّه كان في مسير مع رسول الله ﷺ ، فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق عنق الراحلة من ثقلها. وقال أحمد أيضًا (٣): حدَّثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها. تفرَّد به أحمد. وقد روى التِّرمِذي (٤)، عن قتيبة، عن عبد الله بن وَهْب، عن حيي، عن أبي

стр. 2033

عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو قال: آخر سورة أنزلت [سورة المائدة والفتح؛ ثم قال التِّرمِذي: هذا حديث غريب حسن. وقد روي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: آخر سورة أنزلت] [¬١]: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. وقد روى الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله بن وَهْب بإسناده نحو رواية التِّرمِذي، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الحاكم أيضًا (٥): حدَّثنا أَبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا بحر [¬٢] بن نصر، قال: قرئ على عبد الله بن وَهْب: أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، قال: حججت فدخلت على عائشة، فقالت لي: يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم. فقالت: أما إِنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها [¬٣] من حرام فحرمره. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ورواه الإِمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح وزاد: وسألتها عن خُلُق رسول الله ﷺ ، فقالت: القرآن. ورواه النَّسائي من حديث ابن مهدي (٦). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ

стр. 2034

إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾. قال ابن أبي حاتم (٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا نعيم بن حمَّاد، حدَّثنا عبد الله بن المبارك، حدَّثنا مسعر، حدثني معن وعوف أو أحدهما، أن رجلًا أتى عبد الله بن مسعود، فقال: اعهد إِليَّ، فقال: إِذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرْعِها سمعك، فإِنَّه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه. وقال: حدَّثنا على بن الحسين، حدَّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم - دحيم - حدَّثنا الوليد، حدَّثنا الأوزاعي، عن الزُّهْريّ، قال: إِذا قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ افعلوا، فالنبي ﷺ منهم. وحدثنا أحمد بن سنان، حدَّثنا محمد بن عبيد، حدَّثنا الأعمش، عن خيثمة قال: كل شيء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو في التوراة: يا أيها المساكين. فأما ما رواه عن زيد بن إِسماعيل الصائغ البغدادي، حدَّثنا معاوية - يعني ابن هشام - عن عيسى بن راشد، عن علي بن بذيمة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: ما في القرآن آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إِلا أن عليًّا سيدها وشريفها وأميرها، وما من أصحاب النبي ﷺ أحد إِلا قد عوتب فى القرآن، إِلا على بن أبي طالب؛ فإِنه لم يعاتب في شيء منه (٨). فهو أثر غريب، ولفظه فيه نكارة، وفى إِسناده نظر. قال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر. قلت: وعلى بن بذيمة [¬١]، وإِن كان ثقة إِلا أنَّه شيعي غالٍ، وخبره في مثل هذا فيه تهمة، فلا يقبل. وقوله: ولم يبق أحد من الصحابة إِلا عوتب في القرآن إِلا عليًّا. إنما يشير به إِلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى، فإنه قد ذكر غير واحد أنَّه لم يعمل بها أَحد إِلا علي، ونزل قوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [¬٢] فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. وفي كون هذا عتابًا نظر؛ فإِنه قد قيل: إِن الأمر كان ندبًا لا إِيجابًا ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل؛ فلم ير من أحد منهم خلافه. وقوله عن علي: إنه لم يعاتب في شيء من القرآن، فيه نظر أيضًا، فإِن الآية التي في الأنفال التي فيها

стр. 2035

المعاتبة على أخذ الفداء عمت جميع من أشار بأخذه، ولم يسلم منها إلا عمر بن الخطاب ﵁ فعلم بهذا وبما تقدَّم ضعف هذا الأثر، والله أعلم. وقال ابن جرير (٩): حدثني المثنى، حدَّثنا عبد الله بن صالح، حدَّثنا اللَّيث، حدثني يونس قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم، حين بعثه إِلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فيه: "هذا بيان من الله ورسوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فكتب الآيات منها [¬١] حتَّى بلغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ". وقال ابن أبي حاتم (١٠): حدَّثنا أبو سعيد، حدثنا يونس بن بكير، حدَّثنا محمد بن إِسحاق، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: هذا كتاب رسول الله ﷺ عندنا، الذي كتبه لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتابًا وعهدًا، وأمره [] [¬٢] فكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ عهد من محمد رسول الله ﷺ ، لعمرو بن حزم، حين بعثه إِلى اليمن، آمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون". قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال ابن عبَّاس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود. وحكى ابن جرير الإِجماع على ذلك. قال: والعهود ما كانوا يتعاهدون عليه من الحلف وغيره. وقال على بن أبي طلحة (١١)، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يعني بالعهود، يعني ما أحل الله وما حرم، وما فرض، وما حدّ في القرآن كله، ولا تغدروا ولا تنكثوا. ثم شدّد في ذلك، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾. وقال الضحاك: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: ما أحل الله وحرم، وما أخذ الله من الميثاق على

стр. 2036

من أقر بالإِيمان بالنبي والكتاب، أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام. وقال زيد بن أسلم: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، قال: هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين. وقال محمد بن كعب: هي خمسة؛ منها حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة. وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، قال: فهذا يدل على لزوم العقد وثبوته، فيقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وخالفهما [فى ذلك] [¬١] الشافعي وأحمد بن حنبل والجمهور. والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين (١٢) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا". وفي لفظ آخر [¬٢] للبخاري (١٣): " إِذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا". وهذا صريح في إِثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافيًا للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعًا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود [¬٣]. وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ هي الإِبل والبقر والغنم. قاله الحسن [¬٤] وقتادة وغير واحد. قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب. وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية، على إِباحة الجنين إِذا وجد ميتًا في بطن أمه إِذا ذبحت، وقد ورد في ذلك حديث في السنن، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، من طريق مجالد، عن أبي الودَّاك جبر ابن نوف [¬٥]، عن أبي سعيد، قال: قلنا: يا رسول الله، ننحر [¬٦] الناقة ونذبح [¬٧] البقرة أو الشاة في بطها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: "كلوه إِن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمه" (١٤).

стр. 2037

وقال الترمذي: حديث حسن. قال أبو داود (١٥): حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عتاب بن بشير، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح [¬١] المكى، عن أبي الزبير، عن جابر ابن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه". تفرد به أبو داود. وقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (١٦): يعني بذلك: الميتة والدم ولحم الخنزير. وقال قتادة (١٧): يعني بذلك؛ الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه. والظاهر والله أعلم أن المراد بذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فإن هذه، وإِن كانت من الأنعام، إلا أنها تحرم بهذه العوارض، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، يعني منها، فإنه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقه، ولهذا قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: إِلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال. وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ قال بعضهم: هذا منصوب على الحال، والمراد بالأنعام ما يعم الإِنسي من الإِبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي كالظاء والبقر والحمر، فاستثنى من الإِنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإِحرام. وقيل: المراد أحللنا [لكم الأنعام] في جميع الأحوال، فحرموا الصيد في حال الإِحرام،

стр. 2038

فإن الله قد حكم بهذا، وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾. ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس (١٨): يعني بذلك: مناسك الحج. و [¬١] قال مجاهد (١٩): الصفا والمروة، والهدي والبدن من شعائر الله. وقيل: شعائر الله محارمه، أي: لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾، يعني بذلك تحريمه، والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال، وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. الآية. وفي صحيح البخاري (٢٠)، عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". وهذا يدل على استمرار تحريمها إِلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٢١) ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلَا

стр. 2039

الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يعنى لا تستحلوا قتالًا [¬١] فيه وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك الجزري، واختاره ابن جرير أيضًا (٢٢). و [¬٢] ذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ، وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ قالوا: والمراد: أشهر التسيير الأربعة، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ قالوا: فلم يستثن شهرًا حرامًا من غيره. وقد حكى الإِمام أبو جعفر الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة، قال: وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء [¬٣] جميع أشجار الحرم؛ لم يكن ذلك له أمانًا من القتل، إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين، أو أمان. ولهذه المسألة بحث آخر له موضع أبسط من هذا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام [¬٤]، فإن فيه تعظيمًا لشعائر [¬٥] الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها [¬٦] من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها؛ فإن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء [¬٧]، ولهذا لما حج رسول الله ﷺ بات بذي الحليفة، وهو وادي العقيق، فلما أصبح طاف على نسائه، وكن تسعًا، ثم اغتسل وتطيب وصلى ركعتين، ثم أشعر هديه وقلده، وأهل بالحج [¬٨] والعمرة، وكان هديه إبلا كثيرة، تنيف على الستين، من أحسن الأشكال والألوان، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. و [¬٩] قال بعض السلف: إعظامها: استحسانها واستسمانها. و [¬١٠] قال على بن أبي طالب: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن. رواه أهل السنن.

стр. 2040

و [¬١] قال مقاتل بن حيان (٢٣): قوله [¬٢]: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ فلا تستحلوه. وكان أهل الجاهلية إِذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم؛ قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر، وتقلد [¬٣] مشركوا الحرم من لحاء شجر الحرم فيأمنون به.

стр. 2041

رواه ابن أبي حاتم (٢٤) ثم قال: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان: حدثنا عباد ابن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، قال: نسخ من هذه السورة آيتان: آية القلائد، وقوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. وحدثنا المنذر بن شاذان (٢٥)، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون، قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا.

стр. 2042

وقال عطاء (٢٦): كانوا يتقلدون من شجر الحرم فيأمنون، فنهى الله عن قطع شجره. وكذا قال مطرف بن عبد الله. وقوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ أي: ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام، الذي من دخله كان آمنًا، وكذا من قصده طالبًا فضل الله، وراغبًا في رضوانه، فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه. قال مجاهد وعطاء وأبو العالية ومُطَرِّف بن عبد الله وعبد الله بن عبيد بن عمير والربيع بن] [¬١] في قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني بذلك التجارة. وهذا كما تقدم (٢٧) في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وقوله: ﴿وَرِضْوَانًا﴾ قال ابن عباس: يترضون الله بحجهم. وقد ذكر عكرمة والسدي وابن جريج أن هذه الآية نزلت في الحطم [¬٢] بن هند البكري، كان قد أغار على سَرْح المدينة، فلما كان من العام المقبل، اعتمر إلى البيت، فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا في طريقَه إلى البيت، فأنزل الله : ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ (٢٨).

стр. 2043

وقد حكى ابن جرير الإِجماع على أن المشرك يجوز قتله، إِذا لم يكن له أمان، وإن أمِّ البيت الحرام أو بيت المقدس، فإن هذا الحكم منسوخ في حقهم، والله أعلم. فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به، فهذا يُمنع. كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. [ولهذا [] [¬١] بعث رسول الله ﷺ عام تسع - لما أمَّر الصدِّيق على الحجيج - عليًّا وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله صلى الله عليه ومسلم ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفَنَّ بالبيت عريان] [¬٢] (٢٩). [وقال [على] بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٣٠): قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ يعني من توجه قبل البيت الحرام، فكان المؤمنون والمشركون يحجون البيت الحرام، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدًا يحج البيت أو يعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعدها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية] [¬٣]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّه﴾. وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فنفى المشركين من المسجد الحرام. وقال عبد الرزاق (٣١): حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾، قال: منسوخ؛ كان الرجل في الجاهلية إِذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من

стр. 2044

الشجر، فلم يعرض له أحد، فإذا [¬١] رجع تقلد قلادة من شعر، فلم يعرض له أحد، وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام، ولا عند البيت، فنسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾، يعني: إِن تقلدوا [¬٢] قلادة من الحرم فأمّنوهم [¬٣]. قال: ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك. قال الشاعر: ألم تقتلا الحرجين إِذ أعورا [¬٤] لكم … يمران بالأيدي اللحاء المضفرا وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ أي: إِذا فرغتم من إِحرامكم وأحللتم منه، فقد أبحنا لكنم ما كان محرمًا عليكم في حال الإحرام من الصيد، وهذا أمر بعد الحظر [¬٥]، والصحيح الذي بثبت [¬٦] على السَّبْر، أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإِن كان مستحبًّا فمستحبٍّ، أو مباحًا فمباح، ومن قال: إِنه على الوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إِنه للإِباحة يرد عليه آيات أخرى [¬٧]، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره بعض علماء الأصول - والله أعلم. وقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ (*) صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾. ومن القراء من قرأ: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بفتح الألف، من "أن"، ومعناها ظاهر، أي: لا يحملنكم بغض قوم [¬٨] قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا حكم الله فيكم، فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل، في حق [¬٩] كل أحد، وهذه الآية كما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، أي: لا يحملنكم بغض أقوامٍ على ترك العدل؛ فإِن العدل واجب على كل أحد في كل أحد في

стр. 2045

كل حال، وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطع الله فيه. والعدل به قامت السموات والأرض. وقال ابن أبي حاتم (٣٢): حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عفان، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم، قال: كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه، حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي ﷺ : نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم. فأنزل الله هذه الآية. والشنآن، هو: البغض. قاله ابن عباس وغيره (٣٣). وهو مصدر من [شنأته أشنؤه شنآنًا] [¬١] بالتحريك، مثل قولهم: جمزان ودرجان ورفلان من جمز ودرج ورفل [¬٢]. قال ابن جرير: من العرب من يسقط التحريك في شنآن فيقول شنان، ولم أعلم أحدًا قرأ بها. ومنه قول الشاعر: وما العيش إِلا ما تحب وتشتهي … وإِن لام فيه ذو الشنان وفندا وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات [¬٣] وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المآثم والمحارم. قال ابن جرير: الإثم ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان مجاوزة ما حدّ الله في دينكم، ومجاوزة ما فرض الله عَليكم في أنفسكم وفي غيركم. وقد قال الإِمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، [عن جده] [¬٤] أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا". قيل: يا رسول

стр. 2046

الله؛ هذا نصرته مظلومًا، فكيف أنصره إِذا كان ظالمًا؟ قال: ["تحجزه و [¬١] تمنعه فإن ذلك نصره". انفرد به البخاري من حديث هشيم به نحوه، وأخرجاه من طريق ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا". قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال] [¬٢]: "تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إِياه". وقال الإمام أحمد (٣٤): حدثنا يزيد، حدثنا سفيان بن سعيد، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: "المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، أعظم أجرًا من الذي لا يخالط الناس [¬٣]، ولا يصبر على أذاهم". وقد رواه أحمد أيضًا (٣٥) في مسند عبد الله بن عمر، حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي ﷺ أنه -[أي النبي ﷺ ] [¬٤]- قال: "المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم".

стр. 2047

وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة، وابن ماجة من طريق إِسحاق بن يوسف، كلاهما عن الأعمش به. وقال الحافظ أبو بكر البزار (٣٦): حدّثنا إِبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي، حذثنا بكر بن عبد الرحمن، حدثنا عيسى بن انحتار، عن ابن أبي ليلى، عن فضيل بن عمرو، عن أبي وائل [¬١]، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "الدال على الخير كفاعله"، ثم قال: لا نعلمه وروى إِلا بهذا الإِسناد.

стр. 2048

قلت: وله شاهد في الصحيح (٣٧)، " من دعا إِلى هذى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إِلى ووم القيامة، لا ينقص ذلك [¬١] من أجورهم شيئًا، ومن دعا إِلى ضلالة، كان عليه من الإِثم مثل آثام من اتبعه إِلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا". وقال أبو القاسم الطبرانى (٣٨): حدثنا عمرو بن إسحاق [بن إِبراهيم بن العلاء] [¬٢] بن زبريق [¬٣] الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي [¬٤]: قال [عباس بن يونس] [¬٥]: إن أبا الحسن نمران بن مخمر حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: "من مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم؛ فقد خرج من الإِسلام". ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ

стр. 2049

أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾. يخبر تعالى عباده خبرًا متضمنًا النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة، وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد، وما ذاك إِلا لما فيها من المضرة، لما فيها من الدم المحتقن، فهي ضارة للدين والبدن، فلهذا حرمها الله ويستثنى من الميتة السمك، فإِنه حلال، سواء مات بتذكية أو غيرها، لما رواه مالك في موطئه، والشافعي وأحمد في مسنديهما، وأبو داود والترمذي والنسائى وابن ماجة في سننهم، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء البحر، فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٣٩) وهكذا الجراد لما سيأتي من الحديث. وقوده: ﴿وَالدَّمَ﴾ يعني به [¬١] المسفوح، لقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير.

стр. 2050

قال ابن أبي حاتم (٤٠): حدثنا كثير بن شهاب المذحجي، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو - يعني ابن قيس - عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال، فقال: كلوه. فقالوا: اِنه دم. فقال: إِنما حرم عليكم الدم المسفوح. وكذا رواه حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة قالت: إِنما نهى عن الدم السافح. وقد قال أبو عبد الله محمد بن إِدريس الشافعي (٤١): حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا [¬١] قال: قال رسول الله ﷺ : "أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال".

стр. 2051

وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجة والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. قال الحافظ البيهقي: ورواه إِسماعيل بن أبى إِدريس، عن أسامة وعبد الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعًا. قلت: وثلاثتهم كلهم [¬١] ضعفاء ولكن بعضهم أصلح من بعض، وقد رواه سليمان بن بلال أحد الأثبات، عن زلد بن أسلم، عن ابن عمر فوقفه بعضهم عليه، قال الحافظ أبو زرعة الرازي: وهو أصح. و [¬٢] قال ابن أبي حاتم (٤٢): حدثنا على بن الحسين، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا بشير بن سريج، عن أبي غالب، عن أبى أمامة وهو صدي بن عجلان، قال: بعثنى رسول الله ﷺ إلى قومي، أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم، فبينا نحن كذلك، إِذ جاءوا بقصعة من دم، فاجتمعوا [¬٣] عليها

стр. 2052

يأكلونها، فقالوا [¬١]: هلم يا صدي فكل. قال: قلت: ويحكم، إِنما أتيتكم من عند [من يحرم] [¬٢] هذا عليكم وأنزل الله عليه [فأقبلوا عليه] [¬٣]، قالوا: وما ذاك؟ قال: فتلوت عليهم هذه الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآتي. و [¬٤] رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث ابن أبي الشوارب بإسناده مثله، وزاد بعده [¬٥] هذا السياق: قال: فجعلت أدعوهم إِلى الإِسلام ويأبون علي، فقلت لهم [¬٦]: ويحكم، اسقوني شربة من ماء، فإني شديد العطش، قال: وعليّ عباءتى، فقالوا: لا، ولكن ندعك حتى تموت عطشًا. قال: فاغتممت، وضربت برأسي في العباء، ونمت على الرمضاء في حرّ شديد، قال: فأتاني آت في منامي بقدح من زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس [] [¬٧] ألذ منه، فأمكنني منها فشربتها، فلما [¬٨] فرغت من شرابي استيقظت، فلا والله ما عطشت ولا عريت بعد تلك الشربة (٤٣). ورواه الحاكم في مستدركه عن علي بن حُمْشاذ [¬٩]، عن [عبد الله بن] [¬١٠] أحمد بن

стр. 2053

حنبل، حدثني عبد الله بن سلمة بن عياش العامري، حدثنا صدقة بن هرمز [¬١]، عن أبي غالب، عن أبي أمامة فذكر نحوه، رزاد بعد قوله: بعد تيك الشربة. فسمعتهم يقولون: أتاكم رجلٍ من سراة قومكم، فلم تمجعوه [¬٢] بمذقة، [فأتونى بمذقة] [¬٣]، فقلت: لا حاجة لي فيها؛ إِن الله [¬٤] أطعمني وسقاني، وأريتهم بطي، فأسلموا عن آخرهم (٤٤). وما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن اِسحاق (٤٥): وإِياك والميتات [لا تقربنها] [¬٥] … ولا تأخذن عظمًا حديدًا فتفصدا [¬٦] أي: لا تفعل [فعل] [¬٧] الجاهلية، وذلك أن أحدهم كان إِذا جاع أخذ [¬٨] شيحًا محددًا من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره، أو حيوانًا من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة، ثم قال الأعشى: وذا النصب المنصوب لا تأتينه … ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا قوله ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ يعني: اِنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه، حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم هاهنا، وتعسفهم في الاحتجاج بقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ يعنون قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إِلا إِلى المضاف دون المضاف إِليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء، كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد. وفى صحيح مسلم (٤٦) عن بريدة بن الخصيب الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لعب بالنردشير؛ فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه"، فإذا كان هذا [التنفير لمجرد اللمس] [¬٩]، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به.

стр. 2054

وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "إِن الله حرم بيع الحمر والميتة والخنزير والأصنام". فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: "لا هو حرام" (٤٧). وصحيح البخاري من حديث أبي سفيان، أنه قال لهرقل ملك الروم: نهانا عن الميتة والدم (٤٨). وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله، فهو حرام؛ لأن الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك، وذكر عليها اسم غيره، من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر الخلوقات، فإنها حرام بالإِجماع. وإنما اختلف العلماء في المتروك التسمية عليه إِما عمدًا، أو نسيانًا، كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام. وقد قال ابن أبي حاتم (٤٩): حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني [¬١]، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: نزل آدم بتحريم أربع: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، واِن هذه الأربعة أشياء لم تحل قط، ولم تزل حرامًا منذ خلق

стр. 2055

الله السموات والأرض، فلما كانت بنو إِسرائيل حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بذنوبهم، فلما بعث الله عيسى ابن مريم ﵇، نزل بالأمر الأوّل الذي جاء به آدم، وأحل لهم ما سوى ذلك، فكذبوه وعصوه. وهذا أثر غريب. وقال ابن أبي حاتم أيضًا (٥٠): حدثنا أبى، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا ربعي بن عبد الله، قال: سمعت الجارود بن أبي سبرة، قال: هو جدي، قال: كان رجل من بني رياح يقال له: ابن وثيل، وكان شاعرًا نافَرَ غالبًا أبا الفرزدق بماءٍ بظهر الكوفة، على أن يعقر هذا مائة من إِبله، [وهذا مائة من إِبله] [¬١]، إِذا وردت الماء، فلما وردت الماء قاما إليها بالسيوف، فجعلا يكسفان عراقيبها، قال: فخرج الناس على الحمرات والبغال يريدون اللحم، قال: وعليٌّ بالكوفة، قال: فخرج على [¬٢] على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، وهو ينادي: يا أيها الناس لا تأكلوا من لحومها، فإِنها [¬٣] أهل بها لغير الله. هذا أثر غريب. ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود (٥١). حدثنا هارون بن عبد الله، ثنا [¬٤] حماد بن مسعدة، عن عوف، عن أبي ريحانة، عن ابن عباس، قال: نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب. ثم قال أبو داود محمد بن جعفر - هو غندر - أوقفه على ابن عباس. تفرد به أبو داود. وقال أبو داود أيضًا (٥٢): حدثنا هارون بن زيد بن [] [¬٥] أبي الزرقاء، حدثنا أبي، حدثنا

стр. 2056

جرير بن حازم، عن الزبير بن خريت [¬١]، قال: سمعت عكرمة يقول: إِن رسول الله ﷺ نهي عن طعام المتباريين أن يؤكل. ثم قال أبو داود: أكثر من رواه عن [¬٢] جرير، لا يذكر فيه ابن عباس. تفرد به أيضًا. وقوله: ﴿والمنخنقة﴾ وهي التي تموت بالخنق، إِما قصدًا، وإِما اتفاقًا، بأن تتخبل [¬٣] في وثاقها فتموت به، فهي حرام. وأما ﴿الموقوذة﴾، [فهي التي] [¬٤] [تضرب بشيء ثقيل غير محددٍ، حتى تموت، كما قال ابن عباس (٥٣) وغير واحد] [¬٥]: هي [¬٦] التي [¬٧] تضرب بالخشبة حتى توقذ بها فتموت. وقال قتادة (٥٤): كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصي، حتى إِذا ماتت أكلوها.

стр. 2057

وفي الصحيح: أن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال: "إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه [¬١] بعرضه فإِنما هو وقيذ فلا تأكله" (٥٥). [ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمزراق ونحوه بحده فأحله] [¬٢]، وما أصابه [¬٣] بعرضه فجعله وقيذًا فلم [¬٤] يحله، [وقد أجمع الفقهاء] [¬٥] [على هذا الحكم هاهنا] [¬٦]، واختلفوا فيما إِذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله، ولم يجرحه، على قولين هما قولان للشافعي ﵀: (أحدهما): لا يحل كما في السهم، والجامع أن كلًّا منهما ميت بغير جرح، فهو وقيذ. (والثاني): أنه يحل لأنه حكم يإِباحة ما صاده الكلب، ولم يستفصل، فدل على إِباحة ما ذكرناه؛ لأنه قد [¬٧] دخل في العموم، وقد قررت لهذه المسألة فصلًا، فليكتب هاهنا. [فصل] اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما إِذا أرسل كلبًا على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه، أو صدمه، هل يحل أم لا؟ على قولين: (أحدهما): أن ذلك حلال لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وكذا عمومات حديث عدي بن حاتم، وهذا قول حكاه الأصحاب عن الشافعي ﵀ وصححه بعض المتأخرين منهم [¬٨] كالنووي والرافعي.

стр. 2058

(قلت): وليس ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم والمختصر، فإِنه قال في كلا الموضعين: يحتمل معنيين، ثم وجه كُلًّا منهما، فحمل ذلك الأصحاب منه، فأطلقوا في المسألة قولين عنه، اللهم إِلا أنه في بحثه حكايته للقول بالحل رشحه قليلًا، ولم يصرح بواحد منهما ولا جزم به، والقرل بذلك - أعني الحل - نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة من رواية الحسن بن زياد عنه، ولم يذكر غير ذلك. وأما أبو جعفر بن جرير فحكاه في تفسيره (٥٦)، عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر، وهذا غريب جدًّا، وليس يوجد ذلك مصرحًا به عنهم، إِلا أنه من تصرفه، ﵀ ورضي عنه -. (والقول الثاني): أن ذلك لا يحل، وهو أحد القولين عن الشافعي ﵀، واختاره المزني، ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضًا، والله أعلم. ورواه أبو يوسف ومحمد عن [¬١]- أبي حنيفة، وهو المشهور عن الإِمام أحمد بن حنبل ﵁، وهذا القول أشبه بالصواب، والله أعلم؛ لأنه أجري على القواعد الأصولية، وأمس بالأصول الشرعية، واحتج ابن الصباغ له بحديث رافع بن خديج، قلت: يا رسول الله، إِنا لاقوا العدو غدًا، وليس معنا مدي [¬٢]، أفنذبح بالقصب، قال: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه". الحديث بتمامه وهو في الصحيحين" (٥٧).

стр. 2059

وهذا وإِن كان واردًا على سبب خاص، فالعبرة بعموم اللفظ عند جمهور من العلماء في الأصول والفروع، كما سئل ﵇ عن البتع، وهو نبيذ العسل، فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" (٥٨). أفيقول فقيه: إن هذا اللفظ مخصوص بشراب العسل؟ وهكذا [هذا] [¬١] سألوه عن شيء من الذكاة، فقال لهم كلامًا عامًّا يشمل ذاك المسئول عنه وغيره؛ لأنه ﵇ كان [¬٢] قد أوتي جوامع الكلم. إِذا تقرر هذا فما صدمه الكلب، أو غمه بثقله؛ ليس مما أنهر دمه فلا يخل لمفهوم هذا الحديث، فإِن قيل: هذا الحديث ليس من هذا القبيل بشيء؛ لأنهم إِنما سألوه [¬٣] عن الآلة التي يُذَكَّي بها، و [¬٤] لم يسألوه عن الشيء الذي يُذَكَّي، ولهذا استثني من ذلك السن والظفر، حيث قال: "ليس السنّ والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدي الحبشة" (٥٩) والمستثني يدل على جنس المستثني منه، وإِلا لم يكن متصلًا، فدل على أن المسئول عنه هو الآلة، فلا يبقي فيه دلالة لما ذكرتم. فالجواب [¬٥] عن هذا بأن في الكلام ما يشكل عليكم أيضًا، حيث يقول: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه". ولم يقل فاذبحوا به، فهذا يؤخذ منه الحكمان معًا، يؤخذ حكم الآلة التي يذكي بها، وحكم المذكي، وأنه لابد من إِنهار دمه بآلة ليست سنًّا ولا ظفرًا، هذا مسلك. والمسلك الثاني: طريقة المزني، وهي أن السهم جاء التصريح فيه بأنه إن قتل بعرضه فلا تأكل، وإِن خزق فكل، والكلب جاء مطلقًا فيحمل على ما قيد هناك من الخزق؛ لأنهما اشتركا في الموجب، وهو الصيد، فيجب الحمل هنا، واِن اختلف السبب، كما وجب حمل مطلق الإِعتاق في الظهار على تقييده بالإِيمان في القتل، بل هذا أولى، وهذا يتوجه له

стр. 2060

على من يسلم له أصل هذه القاعدة، من حيث هي، وليس في خلاف بين الأصحاب قاطبة - فلابدّ لهم من جواب عن هذا. وله أن يقول: هذا قتله الكلب بثقله، فلم يحل؛ قياسًا على ما قتله السهم بعرضه، والجامع أن كلًّا منهما آلة للصيد، وقد مات بثقله فيهما، ولا يعارض ذلك بعموم الآية؛ لأن القياس مقدم على العموم، كما هو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور، وهذا مسلك حسن أيضًا. (مسلك [¬١]- آخر): وهو أن قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ عام فيما قتلن بجرح أو غيره، لكن هذا المقتول على هذه الصورة المتنازع فيها لا يخلو إِما أن يكون نطيحًا أو في حكمه، أو منخنقًا أو في حكمه، وأيا مّا كان؛ فيجب تقديم هذه الآية على تلك؛ لوجوه: (أحدها): أن الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد، حيث يقول لعدي بن حاتم: "وإِن أصابه بعرضه [¬٢]، فإِنما هو وقيذ فلا تأكله". ولم نعلم أحدًا من العلماء فصل بين حكم وحكَم من هذه الآية، فقال: إِن الوقيذ معتبر حالةَ الصيد، والنطيح ليس معتبرًا، فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقًا للإِجماع، لا قائل به، وهو محظور عند كثير من العلماء. (الثاني): أن تلك الآية: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ليست على عمومها بالإِجماع، بل مخصوصة بما صدن من الحيوان المأكول، وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق والعموم المحفوظ مقدّم على غير المحفوظ. (المسلك [¬٣] الآخر): أن هذا الصيد، والحالة هذه، في حكم الميتة سواء؛ لأنه قد احتقن فيه الدماء وما يتبعها من الرطوبات، فلا تحل قياسًا على الميتة. [المسلك [¬٤] الآخر): أن آية التحريم - أعني قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إِلى آخرها - محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص، وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة، أعني قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية. فينبغي أن لا يكون بينهما تعارض أصلا، وتكون السنة جاءت لبيان ذلك، وشاهد ذلك قصة السهم، فإِنه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية، وهو ما إِذا خزقه المعراض فيكون حلالًا، لأنه من الطيبات، وما دخل في حكم تلك الآية، آية التحريم، وهو ما إِذا أصابه بعرض فلا يؤكل؛ لأنه وقيذ، فيكون أحد أفراد آية التحريم، وهكذا يجب أن يكون حكم هذا،

стр. 2061

سواء إِن كان قد جرحه الكلب، فهو داخل في حكم آية التحليل، وإِن لم يجرحه بل صدمه أو قتله بثقله؛ فهو نطح أو في حكمه؛ فلا يكون حلالًا. (فإِن قيل): فلم لا فصَّل في حكم الكلب، فقال ما ذكرتم؛ إِن جرحه فهو حلال، وإِن لم يجرحه فهو حرام؟. (فالجواب): أن ذلك نادر؛ لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معًا، وأما اصطدامه هو والصيد فنادر، وكذا قتله إِياه بثقله، فلم يحتج إِلي الاحتراز من ذلك لندوره، أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وأما السهم والمعراض فتارة يخطئ لسوء رمي راميه، أو للهواء، أو نحو ذلك، بل خطؤه أكثر من إِصابته، فلهذا ذكر كلًّا من حكميه مفصلًا، والله أعلم. ولهذا لما كان الكلب من شأنه أنه [قد] [¬١] يأكل من الصيد، ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد، فقال: "إِن أكل فلا تأكل، فإِني أخاف أن يكون أمسك على نفسه". وهذا صحيح ثابت في الصحيحين (٦٠)، وهو أيضًا مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين، فقالوا: لا يحل ما أكل منه الكلب، حكي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس، وبه قال الحسن والشعبي والنخعي، وإِليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه، وأحمد بن حنبل والشافعي في المشهور عنه. وروى ابن جرير في تفسيره (٦١)، عن علي وسعد وسلمان وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس، أن الصيد يؤكل، وإِن أكل منه الكلب، حتى قال سعد [¬٢] وسلمان وأبو هريرة وابن عمر وغيرهم: يؤكل ولو لم يبق منه إِلا بضعة. وإِلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم، وأومأ في الجديد إِلى قولين، قال ذلك الإِمام أبو نصر بن الصباغ وغيره من الأصحاب عنه [¬٣]. وقد روي أبو داود بإِسناد جيد قوي عن أبي ثعلبة الخشني (٦٢)، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال

стр. 2062

في صيد الكلب: "إِذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله فكل وإِن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك". ورواه أيضًا النسائي (٦٣) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن أعرابيًّا يقال له: أبو ثعلبة، قال: يا رسول الله؛ … فذكر نحوه. وقال محمد بن جرير في تفسيره (٦٤): حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى - هو اللاحوني -، حدثنا محمد بن دينار - هو الطاحي - عن أبي إِياس وهو معاوية بن قرة عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ قال: "إِذا أرسل الرجل [¬١] كلبه على الصيد، فأدركه وقد أكل منه، فليأكل ما بقي"، ثم [¬٢] إِن ابن جرير علله بأنه قد رواه قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب عن سلمان موقوفًا. وأما الجمهور فقدّموا حديث عدي على ذلك، وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره، وقد حمله بعض العلماء على أنه إِن أكل بعد ما انتظر صاحبه، فطال عليه الفصل، ولم يجئ فأكل منه لجوعه

стр. 2063

ونحوه، فإنه لا بأس بذلك؛ لأنه والحالة هذه؛ لا يخشى أنه إِنما أمسك على نفسه، بخلاف ما إِذا أكل [¬١] منه أول وهلة، فإِنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه، والله أعلم. فأما الجوارح من الصيد، فنص الشافعي على أنها كالكلب [¬٢]، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور، ولا يحرم عند الآخرين، واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكْلُ ما أكلتْ منه الطور والجوارح، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، قالوا: لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه. وأيضًا فإِنها لا تعلم إِلا بأكلها من الصيد، فيعفى عن ذلك، وأيضًا فالنص إِنما ورد في الكلب لا في الطير، وقال الشيخ أبو على في الإِفصاح: إِذا قلنا يحرم ما أكل منه الكلب، ففي تحريم ما أكل منه الطير وجهان. وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب؛ لنص الشافعي ﵀ على التسوية بينهما، والله أعلم. وأما المتردّية: فهي التي تقع من شاهق، أو موضع عال، فتموت بذلك، فلا تحل. قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٦٥): المتردّية التي تسقط من جبل. وقال قتادة (٦٦): هي التي تتردّى في بئر.

стр. 2064

[وقال السدي (٦٧): هي التي تقع من جبل، أو تتردّي في بئر] [¬١]. وأما النطحة: فهي [¬٢] التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام، وإِن جرحها القرن، وخرج منها الدم، ولو من مذبحها. والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة، أي منطوحة، وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث، فيقولون: [عين كحيل، وكف [¬٣] خضيب] [¬٤]، ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين كحيلة، وأما هذه فقال بعض النحاة: إِنما استعمل فيها تاء التأنيث لأنها أجريت مجرى الأسماء، كما في قولهم: طريقة طويلة، وقال بعضهم: إِنما أُتي بتاء التأنيث فيها؛ لتدل على التأنيث من أوّل وهلة، بخلاف، عين كحيل، وكف خضيب؛ لأن التأنيث مستفاد من أوّل الكلام. وقوله تعالى: ﴿وما أكل السبع﴾ أي: ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب؛ فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام؛ وإن كان قد سال منها الدم [¬٥]، ولو من مذبحها، فلا تحل بالإِجماع، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة، أو البعير أو البقرة ونحو ذلك، فحرّم الله ذلك على المؤمنين. وقوله: ﴿إِلا ما ذكيتم﴾ عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرّة، وذلك إِنما يعود على قوله: ﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وما أكل السبع﴾. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلا ما ذكيتم﴾ يقول: إِلا ما ذبحتم من هؤلاء، وفيه روح، فكلوه، فهو ذكي. وكذا روي عن سعيد بن جبير والحسن البصري والسدي. وقال ابن أبي حاتم (٦٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا جعفر بن

стр. 2065

محمد، عن أبيه، عن علي في الآية، قال: إِن مصعت بذنبها، أو ركضت برجلها، أو طرفت بعينها؛ فَكُل. وقال ابن جرير (٦٩): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم وعباد، قالا: حدثنا حجاج، عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردّية والنطيحة وهي تحرك يدًا أو رجلًا؛ فكلها. وهكذا روي عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد - أن المذكّاة متي تحرّكت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح؛ فهي حلال، وهذا مذهب جمهور الفقهاء. وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل. قال ابن وهب (٧٠): سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع، حتى تخرج أمعاؤها، فقال مالك: لا أري أن تذكي، أي شيء يذكن منها؟. وقال أشهب (٧١): سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش فيدق ظهره، أتري أن يذكي قبل أن يموت فيؤكل؟ فقال: إِن كان قد بلغ السُّحْرة فلا أري أن يؤكل، وإِن كان أصاب أطرافه فلا أري بذلك بأسًا. قيل له: وثب عليه فدق ظهره؟ فقال: لا يعجبني، هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها ولا يشق الأمعاء؟ فقال: إِذا شق بطها فلا أرى أن تؤكل.

стр. 2066

هذا مذهب مالك ﵀، وظاهر الآية عام [¬١] فيما استثناه مالك ﵀؛ من الصور التي بلغ الحيوان فيها إِلى حالة لا يعيش بعدها، فيحتاج إِلى دليل مخصص للآية، والله أعلم. وفي الصحيحين (٧٢) عن رافع بن خديج أنه قال: قلت يا رسول الله، إِنا لاقو العدوّ غدًا، وليس معنا مدى [¬٢]، أفنذبح بالقصب؟ فقال: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه؛ فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة". [وفي الحديث الذي] [¬٣] [رواه الدارقطني مرفوعًا وفيه نظر (٧٣)، وروي عن عمر موقوفًا،

стр. 2067

وهو أصح: "ألا إِن الذكاة في الحلق واللبة ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق] [¬١] ". وفى الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية حماد بن سلمة، عن أبي العشراء الدارمي، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق؟ فقال: "لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك" (٧٤). وهو حديث صحيح (٧٥)، ولكنه محمول على ما لا [¬٢] يقدر [¬٣] [على ذبحه] [¬٤] في الحلق واللبة. وقوله: ﴿وما ذبح على النصب﴾. قال مجاهد (٧٦).

стр. 2068

وابن جريج (٧٧): [كانت النصب حجارة حول الكعبة. قال ابن جريج] [¬١]: وهي ثلاثمائة وستون نصبًا، كانت [¬٢] العرب في جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إِلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم، ويضعونه على النصب. وكذا ذكره غير واحد، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرّم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، [حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله، لما في الذبح عند النصب] [¬٣] من الشرك [¬٤] الذي حرّمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا؛ لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله. وقوله تعالى: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ أي: حرّم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام، واحدها: زُلَم [¬٥]، وقد تفتح الزاي فيقال: زَلَم، وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب: "افعل"، وعلى الآخر: "لا تفعل"، والثالث: غفلٌ ليس عليه شيء. ومن الناس من قال: مكتوب على الواحد: "أمرني ربي"، وعلى الآخر: "نهاني ربي"، والثالث: غفل [¬٦] ليس عليه شيء، فإِذا أجالها [¬٧] فطلع السهم الآمر فعله، أو الناهى تركه، وِإن طلع الفارغ أعاد. و [¬٨] الاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام، هكذا قرّر ذلك أبو جعفر بن جرير. وقال ابن أبي حاتم (٧٨): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا الحجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ قال: والأزلام: قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور.

стр. 2069

وكذا روي عن مجاهد وإِبراهيم النخعي والحسن البصري ومقاتل بن حيان. وقال ابن عباس: هي قداحٌ [¬١] كانوا يستقسمون بها في الأمور، وذكر محمد بن إسحاق (٧٩) وغيره: أن أعظم أصنام قريش صنم كان يقال له: هبل، [منصوب على بئر داخل الكعبة] [¬٢]، توضع الهدايا وأموال الكعبة فيه، وكان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما أشكل عليهم، فما خرج لهم منها رجعوا إِليه ولم يعدلوا عنه. وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة، وجد إِبراهيم وإسماعيل مصوّرين فيها، وفي أيديهما الأزلام، فقال: "قاتلهم الله، لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدًا" (٨٠). وفي الصحيح (٨١) أن سراقة بن مالك بن جُعْشم، لما خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، وهما ذاهبان إِلى المدينة مهاجرين، قال: فاستقسمت بالأزلام، هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره لا تضرهم [¬٣]، قال: فعصيت الأزلام واتبعتهم، ثم إِنه استقسم بها ثانية

стр. 2070

وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره: لا تضرهم، وكان كذلك، وكان سراقة لم يسلم إِذ ذاك، ثم أسلم بعد ذلك. وروى ابن مردويه (٨٢) من طريق إِبراهيم بن يزيد، عن رقَبَة [¬١]، عن عبد الملك بن عمير،
следующие страницы →