← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

هذا مذهب مالك ﵀، وظاهر الآية عام [¬١] فيما استثناه مالك ﵀؛ من الصور التي بلغ الحيوان فيها إِلى حالة لا يعيش بعدها، فيحتاج إِلى دليل مخصص للآية، والله أعلم. وفي الصحيحين (٧٢) عن رافع بن خديج أنه قال: قلت يا رسول الله، إِنا لاقو العدوّ غدًا، وليس معنا مدى [¬٢]، أفنذبح بالقصب؟ فقال: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه؛ فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة". [وفي الحديث الذي] [¬٣] [رواه الدارقطني مرفوعًا وفيه نظر (٧٣)، وروي عن عمر موقوفًا،

стр. 2067

وهو أصح: "ألا إِن الذكاة في الحلق واللبة ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق] [¬١] ". وفى الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية حماد بن سلمة، عن أبي العشراء الدارمي، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق؟ فقال: "لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك" (٧٤). وهو حديث صحيح (٧٥)، ولكنه محمول على ما لا [¬٢] يقدر [¬٣] [على ذبحه] [¬٤] في الحلق واللبة. وقوله: ﴿وما ذبح على النصب﴾. قال مجاهد (٧٦).

стр. 2068

وابن جريج (٧٧): [كانت النصب حجارة حول الكعبة. قال ابن جريج] [¬١]: وهي ثلاثمائة وستون نصبًا، كانت [¬٢] العرب في جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إِلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم، ويضعونه على النصب. وكذا ذكره غير واحد، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرّم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، [حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله، لما في الذبح عند النصب] [¬٣] من الشرك [¬٤] الذي حرّمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا؛ لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله. وقوله تعالى: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ أي: حرّم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام، واحدها: زُلَم [¬٥]، وقد تفتح الزاي فيقال: زَلَم، وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب: "افعل"، وعلى الآخر: "لا تفعل"، والثالث: غفلٌ ليس عليه شيء. ومن الناس من قال: مكتوب على الواحد: "أمرني ربي"، وعلى الآخر: "نهاني ربي"، والثالث: غفل [¬٦] ليس عليه شيء، فإِذا أجالها [¬٧] فطلع السهم الآمر فعله، أو الناهى تركه، وِإن طلع الفارغ أعاد. و [¬٨] الاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام، هكذا قرّر ذلك أبو جعفر بن جرير. وقال ابن أبي حاتم (٧٨): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا الحجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ قال: والأزلام: قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور.

стр. 2069

وكذا روي عن مجاهد وإِبراهيم النخعي والحسن البصري ومقاتل بن حيان. وقال ابن عباس: هي قداحٌ [¬١] كانوا يستقسمون بها في الأمور، وذكر محمد بن إسحاق (٧٩) وغيره: أن أعظم أصنام قريش صنم كان يقال له: هبل، [منصوب على بئر داخل الكعبة] [¬٢]، توضع الهدايا وأموال الكعبة فيه، وكان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما أشكل عليهم، فما خرج لهم منها رجعوا إِليه ولم يعدلوا عنه. وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة، وجد إِبراهيم وإسماعيل مصوّرين فيها، وفي أيديهما الأزلام، فقال: "قاتلهم الله، لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدًا" (٨٠). وفي الصحيح (٨١) أن سراقة بن مالك بن جُعْشم، لما خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، وهما ذاهبان إِلى المدينة مهاجرين، قال: فاستقسمت بالأزلام، هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره لا تضرهم [¬٣]، قال: فعصيت الأزلام واتبعتهم، ثم إِنه استقسم بها ثانية

стр. 2070

وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره: لا تضرهم، وكان كذلك، وكان سراقة لم يسلم إِذ ذاك، ثم أسلم بعد ذلك. وروى ابن مردويه (٨٢) من طريق إِبراهيم بن يزيد، عن رقَبَة [¬١]، عن عبد الملك بن عمير،

стр. 2071

عن رجاء بن حيوة، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : "لن يلج الدرجات من تكهن [¬١] أو استقسم أو رجع من سفر طائرًا". وقال مجاهد (٨٣) في قوله: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ قال: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون بها [¬٢]. وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار - فيه نظر، اللهم إلا أن يقال: إِنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة، وفي القمار أخرى، والله أعلم. فإن الله سبحانه قد فرق [بين هذه] [¬٣] وبين القمار، وهو الميسر فقال في آخر السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [أي: تعاطيه] [¬٤] فسق [¬٥] وغي وضلال وجهالة وشرك. وقد أمر الله المؤمنين إِذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه، بأن يعبدوه، ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه، كما رواه الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال (٨٤): كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة [¬٦] [في

стр. 2072

الأمور] [¬١]، كما يعلمنا السورة من القرآن و [¬٢] يقول: "إِذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إِني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم [¬٣] إِن كنت تعلم أن [¬٤] هذا الأمر - ويسميه باسمه - خير [¬٥] لي في ديني ودنياي [¬٦]، ومعاشي وعاقبة أمري -[أو قال: عاجل أمري وآجله] [¬٧]- فاقدره لي، ويسره لي، ثم [¬٨] بارك لي فيه، اللهم [¬٩] وإِن كنت تعلم [¬١٠] [أنه شر] [¬١١] لي في ديني ودنياي [¬١٢]، ومعاشي وعاقبة أمري؛ فاصرفني عنه، واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به". لفظ أحمد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إِلا من حديث ابن أبي الموالي. و [¬١٣] قوله: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٨٥): يعني: يئسوا أن يراجعوا دينهم. وكذا روي عن عطاء بن أبي رباح والسدي ومقاتل بن حيان. وعلى هذا المعنى يرد [¬١٤] الحديث الثابت في الصحيح (٨٦) أن رسول الله ﵌ قال: "إِن

стр. 2073

الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينه". ويحتمل أن يكون المراد أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين، لما [¬١] تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله، لهذا [¬٢] قال تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار، ولا يخافوا أحدًا إِلا الله فقال: ﴿فلا تخشوهم واخشوني﴾ أي: لا تخافوهم [¬٣] في مخالفتكم إياهم، واخشوني، أنصركم عليهم، وأبيدهم، وأظفركم بهم، وأشف صدوركم منهم، وأَجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إِلى دين غيره، ولا إِلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إِلى الإنس والجن، فلا حلال إِلا ما أحله، ولا حرام إِلا ما حرمه، ولا دين إِلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف، كما قال تعالى: ﴿وتمت كلمت [¬٤] ربك صدقًا وعدلًا﴾ أي: صدقا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل [لهم الدين] [¬٥] تمت [عليهم النعمة]، ولهذا قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ أي: فارضوه أنتم لأنفسكم؛ فإنه الدين الذي [أحبه الله ورضيه]، وبعثَ به أفضل الرسل [¬٦] الكرام، وأنزل به أشرف كتبه. و [¬٧] قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٨٧): قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾

стр. 2074

وهو الإسلام أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إِلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أَبدًا. وقال أسباط عن السدي (٨٨): نزلت هذه الآية يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول الله ﷺ فمات. قالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله ﷺ تلك الحجة، فبينما نحن نسير إِذ تجلى له جبريل، فمال رسول الله ﷺ على الراحلة؛ فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن، فبركت، فأتيته فسجيت عليه بردًا كان علي. و [¬١] قال ابن جريج [¬٢] وغير واحد: مات رسول الله ﷺ بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يومًا، رواهما ابن جرير (٨٩). ثم قال: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن فضيل، عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: لما نزلت: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر، فقال له النبي ﷺ : "ما يبكيك"؟ قال: أبكاني أنا كنا فى زيادة من ديننا، فأما [إِذا كمل] [¬٣]؛ فإِنه لم يكمل شيء إِلا نقص. فقال: "صدقت" (٩٠). ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت: "إِن الإِسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى

стр. 2075

للغرباء" (٩١). وقال الإِمام أحمد (٩٢): حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: جاء رجل من اليهود إِلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إِنكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا معشر [¬١] اليهود نزلت؛ لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: وأي آية؟ قال: قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ فقال عمر: والله إِني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ ، والساعة التي نزلت [¬٢] فيها على رسول الله ﷺ ، نزلت [¬٣] عشية عرفة في يوم جمعة. ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح، عن جعفر. بن عون به. ورواه أيضًا مسلم [¬٤] والترمذي والنسائي [¬٥] من طرق عن قيس بن مسلم به.

стр. 2076

ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية (٩٣)، من طريق سفيان الثَّوري، عن قيس، عن طارق قال: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرءون آية، لو نزل ت فينا لاتخذناها عيدًا. فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت [¬١]، وأين رسول الله ﷺ حيث أنزلت - يوم عرفة، وأنا والله بعرفة. قال سفيان: وأشك - كان - يوم الجمعة أم لا. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. وشك سفيان ﵀، إن كان في الرواية فهو تورّع، حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا؟ وإِن كان شكًّا في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة؛ فهذا ما إخاله يصدر عن الثَّوري ﵀، فإن هذا أمر معلوم مقطوع به، لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير، ولا من الفقهَاء، وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة، لا يشك في صحتها، والله أعلم. وقد روي هذا الحديث [¬٢] من غير وجه عن عمر (٩٤). وقال ابن جرير (٩٥): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا ابن علية، أخبرنا رجاء بن أبي سلمة، أخبرنا عبادة بن نسي، أخبرنا أميرنا إسحاق - قال أَبو جعفر بن جرير: هو إسحاق ابن خَرَشة [¬٣]- عن قبيصة - يعني: ابن ذؤيب [¬٤]- قال: قال كعب: لو أن غير هذه

стр. 2077

الأمّة نزلت عليهم هذه الآية، اضظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه. فقال عمر: أي آية يا كعب؟ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أُنزلت، والمكان الذي أنزلت [¬١] فيه، نزلت في يوم الجمعة [¬٢]، ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد. وقال ابن جرير (٩٦): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا قبيصة، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن عمار - هو مولى بني هاشم - أن ابن عبَّاس قرأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا. فقال ابن عبَّاس: فإِنهَا نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد ويوم جمعة. وقال ابن مردويه (٩٧): حدَّثنا أحمد بن كامل، حدَّثنا موسى بن هارون، حدَّثنا يحيى [بن

стр. 2078

الحماني] [¬١]، حدَّثنا قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سلمان [¬٢] عن أبي عمر البزار، عن ابن [¬٣] الحنفية، عن علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو قائم عشية عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. وقال ابن جرير (٩٨): حدَّثنا أَبو عامر إسماعيل بن عمرو السكونى، حدَّثنا هشام [¬٤] بن عمار، حدَّثنا ابن عياش، حدَّثنا عمرو بن قيس السكوني، أنَّه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع [¬٥] بهذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ حتَّى ختمها، فقال: نزلت في يوم عرفة، في يوم جمعة. وروى ابن مردويه (٩٩)، من طريق محمد بن إسحاق، عن عمر [¬٦] بن موسى بن وجيه، عن

стр. 2079

قَتَادة، عن الحسن، عن سمرة قال: نزلت هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ يوم عرفة ورسول الله ﷺ واقف على الموقف. فأما ما رواه ابن جرير وابن مردويه والطبراني من طريق ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش بن عبد الله الصنعانى، عن ابن عبَّاس (١٠٠) قال: ولد نبيكم ﷺ يوم الإثنين، وخرج من مكة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الإثنين، [وفتح بدرًا يوم الإثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الإثنين، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، ورفع الذكر يوم الإثنين] [¬١]. فإِنه أثر غريب، بإِسناده ضعيف. وقد رواه الإِمام أحمد (١٠١) حدَّثنا موسى بن داود، حدَّثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حَنش الصنعاني، عن ابن عبَّاس قال: ولد النبي ﷺ يوم الإثنين، واستنبئ

стр. 2080

يوم الإثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إِلى المدينة يوم الإثنين، وقدم المدينة يوم الإثنين، وتوفي يوم الإثنين، ووضع [¬١] الحجر الأسود يوم الإثنين. هذا لفظ أحمد، ولم يذكر نزول المائدة يوم الإثنين، فالله أعلم. ولعل ابن عبَّاس أراد أنَّها نزلت يوم عيدين اثنين، كما تقدم فاشتبه على الراوي، والله أعلم. و [¬٢] قال ابن جرير (١٠٢): وقد قيل ليس ذلك يوم معلوم عند الناس، ثم روى من طريق العوفي، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يقول: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس، قال: وقد قيل: إِنها نزلت على رسول الله ﷺ في مسيره إِلى حجة الوداع. ثم رواه من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أَنس (١٠٣). قلت: وقد روى ابن مردويه (١٠٤)، من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، أنَّها نزلت على رسول الله ﷺ يوم غدير خم حين قال لعلي: "من كنت مولاه، فعليّ مولاه". ثم رواه عن أَبى هريرة (١٠٥)، وفيه: أنَّه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، يعني؛ مرجعه

стр. 2081

﵇ من حجة الوداع. ولا يصح [] [¬١]، هذا ولا هذا، بل الصواب الذي لا شك في ولا مرية، أنَّها أنزلت يوم عرفة، وكان يوم جمعة، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب، وأول ملوك الإِسلام معاوية بن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عبَّاس، وسمرة بن جندب ﵃ وأرسله الشعبي وكعادة بن دعامة وشهر بن حوشب وغير واحد من الأئمة والعلماء (١٠٦). واختاره ابن جرير الطبري ﵀ (١٠٧). وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فمن احتاج إِلى تناول شيء بن هذه المحرَّمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إِلى ذلك، فله [تناول ذلك] [¬٢]، والله غفور رحيم له؛ لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطرّ، وافتقاره إِلى ذلك، فيتجاوز عنه ويغفر له، وفي المسند وصحيح ابن حبان (١٠٨) عن ابن عمر مرفوعًا [¬٣] قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن الله يحب أن تؤتى رخصته، كما يكره أن تؤتى

стр. 2082

معصيته". لفظ ابن حبان وفي لفظ لأحمدٍ (١٠٩): " من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإِثم مثل جبال عرفة". ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبًا في بعض الأحيان، وهو ما إِذا خاف على مهجته التلف، ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا، بحسب الأحوال، واختلفوا هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق؛ أو له أن يشبع، أو يشبع ويتزوَّد؟ على

стр. 2083

أقوال كما هو مقرر في كتاب الأحكام، وفيما إِذا وجد ميتة وطعام الغير أو [¬١] صيدًا وهو محرم، هل يتناول الميتة، أو ذلك الصيد، ويلزمه الجزاء، أو [¬٢] ذلك الطعام، ويضمن بدله؟ على قولين: هما قولان للشافعى ﵀ وليس من شرط جواز [¬٣] تناول الميتة أن يمضي عليه ثلالة أيام لا يجد طعامًا، كما قد يتوهمه كئير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إِلى ذلك جاز له. وقد قال الإِمام أحمد (١١٠): حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا الأوزاعى، حدَّثنا حسان بن عطية، عن أبي واقد الليثي، أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا [¬٤] بها المخمصة، فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال: "إِذا لم تصطبحوا [¬٥] ولم تغتبقوا [¬٦]، ولم تجتفئوا [¬٧] بها [¬٨]

стр. 2084

بقلًا؛ فشأنكم بها". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو إِسناد صحيح على شرط الصحيحين، وكذا رواه ابن جرير، عن عبد الأعلى بن واصل، عن محمد بن القاسم الأسدي، عن الأوزاعي به. لكن رواه بعضهم عن الأوزاعي، [عن حسان بن عطية، عن مسلم بن يزيد، عن أبي واقد به. ومنهم من رواه عن الأوزاعي] [¬١]، عن حسان، عن مرثد أو أبي مرثد، عن أبي واقد به. ورواه ابن جرير (١١١)، عن هناد بن السري، عن عيسى بن يونس، عن حسان، عن رجل قد سمي له فذكره، ورواه أيضًا عن هناد، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي عن حسان مرسلًا. وقال ابن جرير (١١٢): حدثنى يعقوب بن إِبراهيم، حدَّثنا ابن علية، عن ابن عون قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة، فقرأته عليه، فكان فيه: ويجزئ من الاضطرار غبوق أو صبوح. حدَّثنا أَبو كريب (١١٣)، حدَّثنا هُشَيم، عن الخصيب بن زيد التميمي، حدَّثنا الحسن أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: متى يحل الحرام؟ قال: فقال: "إِلى متى يَرْوَى أهلك من اللبن أو تجيء ميرتهم". حدَّثنا ابن حميد (١١٤)، حدَّثنا سلمة، عن ابن إِسحاق، حدثني عمر بن عبد الله بن

стр. 2085

عروة، عن جده عروة بن الزُّبَير، [عن جدته] [¬١] أن رجلًا من الأعراب أتى النبي ﷺ يستفتيه في الذي حرم الله عليه، والذي أحل له، فقال النبي ﷺ : "يحل لك الطيبات، ويحرم عليك الخبائث، إِلا أن تفتقر إِلى طعام [لا يحل] [¬٢] لك، فتأكل منه حتَّى تستغني عنه". فقال الرجل: وما فقري الذي يجل لي، وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي ﷺ : ["إِذا كنت ترجو نتاجًا، فتبلَّغ بلحوم ماشيتك إلى نتاجك، أو كنت ترجو غنى تطلبه فتبلَّغ من ذلك شيئًا؛ فأطعم أهلك ما بدا لك حتَّى تستغني عنه". فقال الأعرابي: ما غناي الذي أدعه إِذا وجدته؟ فقال ﷺ ] [¬٣]: "إذا أرويت أهلك غبوقًا من الليل، فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام [¬٤]، وأما [¬٥] مالك [¬٦]؛ فإنه ميسور كله، ليس [¬٧] فيه حرام". ومعنى قوله: "ما لم [¬٨] تصطبحوا" يعني، به الغداء، "وما لم تغتبقوا" يعني به العشاء، "أو تحتفئوا بقلًا فشأنكم بها، فكلوا منها". و [¬٩] قال ابن جرير: يروى هذا الحرف، يعني قوله: "أو تحتفئوا" على أربعة أوجه: تحتفِئوا بالهمزة، "وتحتفيوا" بتخفيف الياء والحاء، "وتحتفوًا" بتشديد [الفاء] [¬١٠] "وتحتفوا" بالحاء، وبالتخفيف، ويحتمل الهمز، كذا ذكره [¬١١] في التفسير. (حديث آخر): قال أَبو داود (١١٥): حدَّثنا هارون بن عبد الله، حدَّثنا الفضل بن دكين،

стр. 2086

حدثنا عقبة بن وهب بن عقبة العامري، سمعت أبي يحدث عن الفجيع العامري، أنَّه أتى رسول الله ﷺ فقال: ما يحل لنا من الميتة؟ قال: "ما طعامكم؟ " قلنا: [نصطبح ونغتبق]. قال أبو نعيم: فسره لي عقبة: قدح غدوة، وقدح عشية، قال: ذاك وأبي الجوع، وأحل لهم الميتة على هذه الحال. تفرد به أبو داود، وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئًا لا يكفيهم، فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم، وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها؛ حتى يبلغ حد الشبع، ولا يتقيد ذلك [¬١] بسد الرمق، والله أعلم. (حديث آخر): قال أبو داود (١١٦): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا سماك، عن جابر بن سمرة: أن رجلًا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال له رجل: إن ناقة لي ضلت؛ فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها، ولم يجد صاحبها، فمرضت، فقالت له امرأته: انحرها، فأبى، فنفقت، ففالت له امرأته: اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها فنأكله، [فقال] [¬٢]، حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتاه فسأله، فقال: "هل عندك غنى يغنيك؟ "

стр. 2087

قال: لا، قال: "فكلوها" قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك. تفرد به، وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها، والله أعلم. وقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ أي: [غير] متعاط لمعصية الله، فإِن الله قد أباح ذلك له، وسكت عن الآخر، كما قال في سورة البقرة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر؛ لأنَّ الرخص لا تنال بالمعاصي، والله أعلم. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤] لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، إِما في بدنه أو في [¬١] دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حال الضرورة، كما قال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. قال بعدها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾. كما في سورة الأعراف في صفة محمَّد ﷺ : أنَّه يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث. قال ابن أبي حاتم (١١٧): حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله

стр. 2088

ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، أن عديّ بن حاتم وزيد بن مهلهل [¬١] الطائيين، سألا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله: قد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم. وقال مقاتل] [¬٢]: الطيبات [¬٣] ما [¬٤] أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه، وهو الحلال من الرزق. وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي، فقال: ليس هو من الطيبات. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن وهب: سئل مالك عن بيع الطين الذي يأكله الناس؛ فقال: ليس هو من الطيبات. وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] أي: أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها، والطيبات من الرزق، وأحل لكم ما صدتموه [¬٥] بالجوارح، وهي من الكلاب والفهود والصقور وأشباهها [¬٦]، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، وممن قال ذلك على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾: وهن الكلاب المعلمة، والبازي، وكل طير يعلم للصيد، والجوارح يعني: الكلاب الضواري، والفهود والصقور وأشباهها. رواه ابن أبي حاتم (١١٨)، ثمَّ قال: وروي عن خيثمة وطاوس ومجاهد ومكحول ويحيى بن

стр. 2089

أبي كثير نحو ذلك، وروي عن الحسن أنَّه قال: الباز والصقر من الجوارح. وروي عن علي بن الحسين مثله. ثمَّ روى عن مجاهد أنَّه كره صيد الطير كله، وقرأ قوله [¬١] تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك، ونقله ابن جرير عن الضحاك والسدي، ثمَّ قال (١١٩): حدثنا هناد، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر قال: أما ما صاد من الطير البزاة وغيرها من الطير، فما أدركت فهو لك، وإِلا فلا تطعمه. قلت: والمحكي عن الجمهور، أن [الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب] [¬٢]؛ لأنها تكلب الصيد بمخالبها [¬٣]، كما تكلبه الكلاب فلا فرق، وهو [¬٤] مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واختاره ابن جرير. واحتج في ذلك بما رواه عن هناد، حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن عديّ بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي، فقال: "ما أمسك عليك فكل" (١٢٠). واستثنى الإِمام أحمد صيد الكلب الأسود؛ لأنه عنده مما يجب قتله، ولا يحل اقتناؤه، لما

стр. 2090

ثبت في صحيح مسلم (١٢١) عن أبي ذر [¬١] أن رسول الله ﷺ قال: "يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود". فقلت: ما بال الكلب الأسود من الأحمر؟ فقال: "الكلب الأسود شيطان". وفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثمَّ قال: "ما بالهم وبال الكلاب، اقتلوا منها كل أسود بهيم" (١٢٢). وسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهنّ جوارح من الجرح، وهو الكسب، كما تقول العرب: فلان جرح أهله خيرًا، أي: كسبهم خيرًا، ويقولون: فلان لا جارح له، أي: لا كاسب له، وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي: ما كسبتم من خير وشر.

стр. 2091

وقد ذكر في [¬١] سبب نزول هذه الآية الشريفة [¬٢] الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم (١٢٣): حدثنا حجاج بن [¬٣] حمزة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبان ابن صالح، عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى أم رافع، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، [أن رسول الله ﷺ ] [¬٤] أمر بقتل الكلاب، فقتلت، فجاء الناس، فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية. فقال رسول الله ﷺ : "إِذا أرسل الرجل كلبه وسمى، فأمسك عليه، فيأكل [¬٥] ما لم يأكل".

стр. 2092

وهكذا رواه ابن جرير (١٢٤)، عن أبي كريب، عن زيد بن الحباب بإسناده، عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ليستأذن عليه، فأذن له، فقال: "قد أذنَّا لك يا رسول الله، قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب". قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة فقتلت [¬١]، حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها ثمَّ جئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فأمرني فرجعت إِلى الكلب فقتلته، فجاءوا فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ ، قال: فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. ورواه الحاكم في مستدركه، من طريق محمَّد بن إِسحاق، عن أبان بن صالح به. وقال: صحيح ولم يخرجاه. وقال ابن جرير (١٢٥): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع في قتل الكلاب، حتى بلغ العوالي، فجاء [¬٢] عاصم ابن عديّ وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة، فقالوا: ماذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت الآية [¬٣].

стр. 2093

ورواه الحاكم (١٢٦) من طريق سماك، عن عكرمة، وكذا [¬١] قال محمَّد بن كعب القرظى في سبب نزول هذه الآية، أنَّه [¬٢] في قتل الكلاب (١٢٧). وقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ يحتمل أن يكون حالًا من الضمير في علمتم؛ فيكون حالًا من الفاعل، ويحتمل أن يكون حالًا من المفعول، وهو الجوارح، أي: وما علمتم من الجوارح في حال كونهنّ مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو [¬٣] أظفارها، فيستدل بذلك - والحالة هذه - على أن الجارحة إِذا قتل الصيد بصدمته أو بمخلابه وظفره - أنَّه لا يحل كما هو أحد قولى الشافعي، وطائفة من العلماء؛ ولهذا قال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾، وهو أنَّه إِذا أرسله استرسل، وإِذا أشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه، حتى يجيء إليه، ولا يمسكه لنفسه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. فمتى كان الجارح [¬٤] معلمًا، وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عليه وقت إِرساله - حَلَّ الصيد، وإِن قتله بالإِجماع. وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين (١٢٨) عن عديّ بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله؛ إني أرسل الكلاب المعلمة، وأذكر اسم الله. فقال: "إِذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك". قلت: وإِن قتلن؟ قال: "وإِن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها؛ فإنك إِنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره". قلت له: فإِني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: "إِذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإِن أصابه بعرض فإِنَّه وقيذ؛ فلا تأكله". وفي لفظ لهما: "إِذا أرسلت كلبك؛ فاذكر اسم الله [¬٥]؛ فإن أمسك عليك فأدركته حيًّا فاذبحه، وإِن

стр. 2094

أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته". وفي رواية لهما: "فإِن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه". فهذا دليل للجمهور، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنَّه إِذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقًا، ولم يستفصلوا كما ورد بذلك الحديث، وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا: لايحرم مطلقًا. (ذكر الآثار بذلك) قال ابن جرير (١٢٩): حدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، قال: قال سلمان الفارسي: كُلْ، وإِن أكل ثلثيه، يعني الصيد إِذا أكل منه الكلب. وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة وعمر بن عامر، عن قتادة. وكذا رواه محمَّد بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن سلمان. ورواه ابن جرير أيضًا (١٣٠) عن مجاهد بن موسى، عن يزيد، عن حميد، [عن بكر بن عبد الله المزني، والقاسم: أن سلمان قال: إِذا أكل الكلب فكل، وإِن أكل ثلثيه. وقال ابن جرير (١٣١): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مخرمة بن

стр. 2095

بكير، عن أبيه، عن حميد] [¬١] بن مالك بن خثيم الدؤلي، أنَّه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب، فقال: كل، وإِن لم يبق منه إِلا حذية، يعني بضعة. ورواه شعبة (١٣٢)، عن عبد ربه بن سعيد، عن بكير بن الأشج، عن سعيد بن المسيّب، عن سعد بن أبي وقاص قال: كُلْ، وإِن أكل ثلثيه. وقال ابن جرير (١٣٣): حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عامر، عن أبى هريرة قال: إِذا أرسلت كلبك فأكل منه، فإِن أكل ثلثيه وبقى ثلثه، فكله. وقال ابن جرير (١٣٤): حدثنا محمَّد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، قال سمعت عبيد الله. وحدثنا هنّاد، حدثنا [¬٢] عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: إِذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك، أكل أو لم يأكل.

стр. 2096

وكذا رواه عبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب، وغير واحد عن نافع. فهذه الآثار ثابتة عن سلمان وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وابن عمر، وهو محكي عن علي وابن عباس. واختلف فيه عن عطاء والحسن البصري، وهو قول الزهري وربيعة ومالك وإليه ذهب الشافعي في القديم، وأومأ إليه في الجديد. وقد روي من طريق سلمان الفارسي مرفوعًا، فقال ابن جرير (١٣٥): حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى اللاحوني، حدثنا محمد بن دينار - وهو الطاحي - عن أبي إِياس معاوية بن قرّة، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ قال: "إِذا أرسل الرجل كلبه على الصيد، فأدركه وقد أكل منه؛ فليأكل ما بقي". ثم قال ابن جرير (١٣٦): وفي إِسناد هذا الحديث نظر، وسعيد غير معلوم له سماع من سلمان، والثقات يروونه من كلام سلمان غير مرفوع. وهذا الذي قاله ابن جرير صحيح، لكن قد روي هذا المعنى مرفوعًا من وجوه أخر. فقال أبو داود (١٣٧): حدثنا محمد بن المنهال الضرير، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن أعرابيًّا يقال له: أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، إِن لي كلابًا مكلبة، فأفتني في صيدها، فقال النبي ﷺ : "إن كان لك كلاب مكلبة، فكل مما أمسكن عليك". فقال: ذكيًّا وغير ذكي، [قال: "نعم". قال] [¬١]: وإِن أكل منه؟ قال: "نعم وإِن أكل منه". فقال: يا رسول الله، أفتني في قوسي. قال: "كل ما ردت عليك قوسك". قال: "ذكيًّا وغير ذكي" [قال: وإن تغيب عني؟] [¬٢] قال: "وإِن تغيب عنك ما لم يَضِلَّ، أو تجد فيه أثرًا غير سهمك". قال: أفتنى في آنية المجوس إِذا اضطررنا اِليها، قال: " اغسلها وكل فيها ". هكذا رواه أبو داود. وقد أخرجه النسائي.

стр. 2097

وكذا رواه أبو داود (١٣٨) من طريق [بُسْر بن] [¬١] [عبيد الله] [¬٢]، عن أبي إِدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله، فكل وإِن أكل منة، وكل ما ردت عليك يدك". وهذان إِسنادان جيدان، وقد روى الثوري، عن سماك بن حرب، عن عدي قال: قال رسول الله ﵌: "ما كان من كلب ضارٍ أمسك عليك فكل" قلت: وإِن أكل؟ قال: "نعم". وروى عبد الملك بن حبيب، حدثنا أسد بن موسى، عن ابن أبي زائدة، عن الشعبي، عن عدي بمثله (١٣٩). فهذه آثار دالة على أنه يغتفر إن أكل منه الكلب، وقد احتج بها من لم يحرم الصيد بأكل الكلب وما أشبهه، كما تقدم عمن حكيناه عنهم. وقد توسط آخرون فقالوا: إِن أكل عقب ما أمسكه، فإِنه يحرم لحديث عدي بن حاتم، وللعلة التى أشار إِليها النبي ﷺ : "فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه". وأما إِن أمسكه، ثم انتظر صاحبه، فطال عليه وجاع، فأكل منه لجوعه، فإِنه لا يؤثر في التحريم، وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني. وهذا تفريق حسن، وجمع بين الحديثين صحيح. وقد تمني الأستاذ أبو المعالي الجويني في كتابه النهاية، أن لو فصَّل مفصِّل هذا التفصيل، وقد حقق الله أمنيته، وقال بهذا القول والتفريق طائفة من الأصحاب منهم، وقال آخرون قولًا رابعًا فى المسألة، وهو التفرقة بين أكل الكلب، فيحرم لحديث عدي، وبين أكل الصقور ونحوها فلا يحرم؛ لأنه لا يقبل التعليم إِلا بالأكل. وقال ابن جرير (١٤٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا أبو إِسحاق الشيباني، عن حماد، عن [¬٣] إِبراهيم، عن ابن عباس أنه قال فى الطير: [إِذا أرسلته فقتل فكل، فإِن الكلب إِذا ضربته لم يعد، واِن تعليم الطير أن] [¬٤] يرجع إِلى صاحبه وليس

стр. 2098

يضرب، فإِذا أكل من الصيد ونتف الريش فكل. وكذا قال إِبراهيم النخعي والشعبى وحماد بن أبي سليمان. وقد يحتج لهؤلاء بما رواه ابن أبي حاتم (١٤١). حدثنا أبو سعيد، حدّثنا المحاربي، حدثنا مجالد، عن الشعبى، عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إِنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فما يحل لنا منها؟ قال: "يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلّبين تعلمونهنّ مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه". ثم قال: "ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله عليه؛ فكل مما أمسك عليك". قلت: وإِن قتل؟ قال: "وإِن قتل ما لم يأكل". قلت: يا رسول الله، وإِن خالطت كلابنا كلابًا [¬١]، غيرها؟ قال: "فلا تأكل حتى تعلم أن كلبك هو الذي أمسك". قال: قلت: إِنا قوم نرمي فما يحل لنا؟ قال: "ما ذكرت اسم الله عليه وخزقت، فكُلْ". فوجه الدلالة لهم أنه اشترط في الكلب أن لا يأكل، ولم يشترط ذلك في البزاة، فدل على التفرقة بينهما في الحكم، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، أي: عند إِرساله [¬٢]، كما قال النبي ﷺ لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل مما أمسك عليك" (١٤٢). وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضًا (١٤٣): وإِذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإِذا رميت بسهمك، [فاذكر اسم الله] [¬٣] ". ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة كالإِمام أحمد ﵀ في المشهور عنه: التسمية

стр. 2099

عند إِرسال الكلب، والرمي بالسهم، لهذه الآية، وهذا الحديث، وهذا القول هو المشهور عند الجمهور، أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإِرسال، كما قاله السدي وغير واحد. وقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يقول: إِذا أرسلت جارحك، فقل: بسم الله، وإِن نسيت فلا حرج (١٤٤). وقال بعض الناس: المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ علم ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال: "سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك" (١٤٥). وفي صحيح البخاري عن عائشة: أنهم قالوا: يا رسول الله؛ إِن قومًا يأتوننا حديث عهدهم [¬١] بكفر بلحمان، لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا؟ فقال: "سموا الله أنتم وكلوا" (١٤٦). (حديث آخر): وقال الإِمام أحمد (١٤٧): حدثنا يزيد، حدثنا هشام [¬٢]، عن بديل، عن

стр. 2100

عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يأكل طعامًا [¬١] في ستة نفر بن أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي ﷺ : "أما إِنه لو كان [¬٢] ذكر اسم الله لكفاكم، فإِذا أكل أحدكم طعامًا [¬٣] فليذكر اسم الله، فإِن نسي أن يذكر اسم الله أوّله، فليقل باسم الله أوّله وآخره". وهكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون به. وهذا منقطع بين عبد الله بن عبيد بن عمير وعائشة؛ فإِنه لم يسمع منها هذا الحديث، بدليل ما رواه الإِمام أحمد (١٤٨): حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا هشام يعنى ابن أبي عبد الله الدستوائي، عن بديل، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، أن امرأة منهم يقال لها: أم كلثوم حدثته عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يأكل طعامًا في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي جائع فأكله بلقمتين فقال: "أما إِنه لو ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسى اسم الله في أوّله فليقل:

стр. 2101

باسم الله أوّله وآخره". ورواه أحمد أيضًا، وأبو داود والترمذي والنسائي من غير وجه عن هشام الدستوائي به. وقال الترمذي: حسن صحيح. (حديث آخر): قال أحمد (١٤٩): حدثنا على بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا جابر بن صبح، حدثني المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي، وصحبته إِلى واسط فكان يسمى في أوّل طعامه، وفي آخر لقمة يقول: بسم الله الله وآخره، [فقلت له: إِنك تسمي في أوّل ما تأكل، أرأيت قولك في آخر ما تأكل: بسم الله أوله وآخره] [¬١] فقال: أخبرك [عن ذلك إنَّ جدي] [¬٢] أمية بن مخشي، وكان من أصحاب النبي ﷺ [سمعته يقول: إن رجلًا كان يأكل، والنبي ينظر، فلم يسم، حتى كان في آخر طعامه، قال: بسم الله أوّله وآخره،

стр. 2102

فقال النبي ﷺ : "والله] [¬١] ما زال الشيطان يأكل معه حتى سمى، فلم يبق شيء في بطنه حتى قاءه". وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث جابر بن صبح الراسبي أبي بشر البصري، وثقه ابن معين والنسائي، وقال أبو الفتح الأزدي: لا تقوم به الحجة. (حديث آخر): قال الإِمام أحمد (١٥٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن خيثمة، عن أبي حذيفة - قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإِمام أحمد: واسمه سلمة بن الهيثم بن صهيب من أصحاب ابن مسعود - عن حذيفة قال: كنا إِذا حضرنا مع النبى [على طعام لم نضع أيدينا، حتى يبدأ رسول الله فيضع يده، وإنا حضرنا معه] [¬٢] طعامًا ما، فجاءت جارية كأنما تدفع، فذهبت تضع يدها فى الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، وجاء أعرابي كأنما يدفع، فذهب يضع يده فى الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان يستحل الطعام إِذا لم يذكر اسم الله عليه، وإِنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، وجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخَذت بيده، والذي نفسي بيده، إِن يده في يدي مع يديهما" يعني: الشيطان. وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث الأعمش به. (حديث آخر): روى مسلم وأهل السنن إِلا الترمذي (١٥١)، من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، [عن النبى ﵌] [¬٣] قال: "إِذا دخل

стр. 2103

الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإِذا دخل فلم يذكر اسم الله عند [دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإِذا لم يذكر اسم الله عند] [¬١] طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء". لفظ أبي داود. (حديث آخر): قال الإِمام أحمد (١٥٢): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن [وحشي بن حرب بن] [¬٢] وحشى بن حرب عن أبيه، عن جده أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إِنا نأكل وما نشبع. قال: "فلعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله؛ يبارك لكم فيه". ورواه أبو داود وابن ماجة من طريق الوليد بن مسلم. ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي

стр. 2104

الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾. لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث، وما أحله لهم من الطيبات، قال بعده: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين، من اليهود والنصارى، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإِبراهيم النخعي والسدي ومقاتل ابن حيان: يعني: ذبائحهم. وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إِلا اسم الله، وإِن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه تعالى وتقدس. وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفل قال: دلي بجراب من شحم يوم خيبر، فاحتضنته وقلت: لا أعطى اليوم من هذا أحدًا، والتفت فإِذا النبي ﷺ يتبسم (١٥٣). فاستدل به الفقهاء؛ على أنه يجوز تناول ما يحتاج إِليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة، وهذا ظاهر، واستدل به الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة، على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم؛ كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم، فالمالكية لا يجوّزون للمسلمين أكله؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قالوا: وهذا ليس من طعامهم، واستدل عليهم الجمهور بهذا الحديث، وفي ذلك نظر؛ لأنه قضية عين، ويحتمل أن يكون شحمًا يعتقدون حله، كشحم الظهر والحوايا ونحوهما، والله أعلم. وأجود منه في الدلالة ما ثبت في الصحيح (١٥٤)، أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله ﷺ شاة

стр. 2105

مصلية، وقد سموا ذراعها، وكان يعجبه الذراع، فتناوله، فنهش منه نهشة، فأخبره الذراع أنه مسموم، فلفظه، وأثر ذلك السم في ثنايا رسول الله ﵌، وفي أبهره، وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور، فمات، فقتل اليهودية التي سمتها، وكان اسمها زينب، فقتلت ببشر بن البراء. ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه، ولم يسألهم، هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا؛ وفي الحديث الآخر أنّ رسول الله ﷺ أضافه يهودي على [¬١] خبز شعير، وإهالة سنخة (١٥٥). يعني: ودكًا زنخًا.
следующие страницы →