← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

باسم الله أوّله وآخره". ورواه أحمد أيضًا، وأبو داود والترمذي والنسائي من غير وجه عن هشام الدستوائي به. وقال الترمذي: حسن صحيح. (حديث آخر): قال أحمد (١٤٩): حدثنا على بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا جابر بن صبح، حدثني المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي، وصحبته إِلى واسط فكان يسمى في أوّل طعامه، وفي آخر لقمة يقول: بسم الله الله وآخره، [فقلت له: إِنك تسمي في أوّل ما تأكل، أرأيت قولك في آخر ما تأكل: بسم الله أوله وآخره] [¬١] فقال: أخبرك [عن ذلك إنَّ جدي] [¬٢] أمية بن مخشي، وكان من أصحاب النبي ﷺ [سمعته يقول: إن رجلًا كان يأكل، والنبي ينظر، فلم يسم، حتى كان في آخر طعامه، قال: بسم الله أوّله وآخره،

стр. 2102

فقال النبي ﷺ : "والله] [¬١] ما زال الشيطان يأكل معه حتى سمى، فلم يبق شيء في بطنه حتى قاءه". وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث جابر بن صبح الراسبي أبي بشر البصري، وثقه ابن معين والنسائي، وقال أبو الفتح الأزدي: لا تقوم به الحجة. (حديث آخر): قال الإِمام أحمد (١٥٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن خيثمة، عن أبي حذيفة - قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإِمام أحمد: واسمه سلمة بن الهيثم بن صهيب من أصحاب ابن مسعود - عن حذيفة قال: كنا إِذا حضرنا مع النبى [على طعام لم نضع أيدينا، حتى يبدأ رسول الله فيضع يده، وإنا حضرنا معه] [¬٢] طعامًا ما، فجاءت جارية كأنما تدفع، فذهبت تضع يدها فى الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، وجاء أعرابي كأنما يدفع، فذهب يضع يده فى الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان يستحل الطعام إِذا لم يذكر اسم الله عليه، وإِنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، وجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخَذت بيده، والذي نفسي بيده، إِن يده في يدي مع يديهما" يعني: الشيطان. وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث الأعمش به. (حديث آخر): روى مسلم وأهل السنن إِلا الترمذي (١٥١)، من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، [عن النبى ﵌] [¬٣] قال: "إِذا دخل

стр. 2103

الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإِذا دخل فلم يذكر اسم الله عند [دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإِذا لم يذكر اسم الله عند] [¬١] طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء". لفظ أبي داود. (حديث آخر): قال الإِمام أحمد (١٥٢): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن [وحشي بن حرب بن] [¬٢] وحشى بن حرب عن أبيه، عن جده أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إِنا نأكل وما نشبع. قال: "فلعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله؛ يبارك لكم فيه". ورواه أبو داود وابن ماجة من طريق الوليد بن مسلم. ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي

стр. 2104

الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾. لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث، وما أحله لهم من الطيبات، قال بعده: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين، من اليهود والنصارى، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإِبراهيم النخعي والسدي ومقاتل ابن حيان: يعني: ذبائحهم. وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إِلا اسم الله، وإِن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه تعالى وتقدس. وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفل قال: دلي بجراب من شحم يوم خيبر، فاحتضنته وقلت: لا أعطى اليوم من هذا أحدًا، والتفت فإِذا النبي ﷺ يتبسم (١٥٣). فاستدل به الفقهاء؛ على أنه يجوز تناول ما يحتاج إِليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة، وهذا ظاهر، واستدل به الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة، على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم؛ كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم، فالمالكية لا يجوّزون للمسلمين أكله؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قالوا: وهذا ليس من طعامهم، واستدل عليهم الجمهور بهذا الحديث، وفي ذلك نظر؛ لأنه قضية عين، ويحتمل أن يكون شحمًا يعتقدون حله، كشحم الظهر والحوايا ونحوهما، والله أعلم. وأجود منه في الدلالة ما ثبت في الصحيح (١٥٤)، أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله ﷺ شاة

стр. 2105

مصلية، وقد سموا ذراعها، وكان يعجبه الذراع، فتناوله، فنهش منه نهشة، فأخبره الذراع أنه مسموم، فلفظه، وأثر ذلك السم في ثنايا رسول الله ﵌، وفي أبهره، وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور، فمات، فقتل اليهودية التي سمتها، وكان اسمها زينب، فقتلت ببشر بن البراء. ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه، ولم يسألهم، هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا؛ وفي الحديث الآخر أنّ رسول الله ﷺ أضافه يهودي على [¬١] خبز شعير، وإهالة سنخة (١٥٥). يعني: ودكًا زنخًا.

стр. 2106

وقال ابن أبي حاتم (١٥٦): قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان بن المنذر، عن مكحول قال: أنزل اللَّه: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللَّه عليه﴾ ثم نسخه الرب ، ورحم المسلمين فقال: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب. وفي هذا الذي قاله مكحول ﵀ نظر؛ فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إِباحة أكل ما لم يذكر اسم عليه؛ لأنهم يذكرون اسم اللَّه على ذبائحهم [وقرابينهم، هم متعبدون بذلك، ولهذا لم ليح ذبائح من عداهم من أهل الشرك، ومن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم اللَّه على ذبائحهم] [¬١] بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين، ومن شاكلهم من السامرة والصابئة، ومن تمسك [¬٢] بدين إِبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء على أحد قولى العلماء، ونصارى العرب، كبني تغلب وتنوخ وبهراء وجذام ولخم وعاملة، ومن أشبههم، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور. و [¬٣] قال أبو جعفر بن جرير (١٥٧): حدّثنا يعقوب بن إِبراهيم، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد بن عبيدة قال: قال على: لا تأكلوا ذبائح بني تغلب؛ لأنهم إِنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر. وكذا قال غير واحد من الخلف والسلف. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن: أنهما كانا لا يريان

стр. 2107

بأسًا بذبيحة نصارى بني تغلب (١٥٨). وأما المجوس؛ فإنهم؛ واِن أخذت منهم الجزية تبعًا وإِلحاقًا لأهل الكتاب؛ فإِنهم لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكَح نساؤهم، خلافًا لأبي ثور إِبراهيم بن خالد الكلبي، أحد الفقهاء، من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل. ولما قال ذلك واشتهر عنه، أنكر عليه الفقهاء ذلك، حتى قال عنه الإِمام أحمد: أبو ثور كاسمه، يعني في هذه المسألة، وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلًا عن النبي ﷺ أنه قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (١٥٩). ولكن لم يثبت بهذا اللفظ، وإِنما الذي [¬١] في صحيح البخاري، عن عبد الرحمن بن عوف أن

стр. 2108

رسول اللَّه ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر (١٦٠). ولو سلم صحة هذا الحديث، فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾. فدل بمفهومه - مفهوم المخالفة - على [¬١] أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل. وقوله تعالى: ﴿وطعامكم حل لهم﴾ أي [¬٢]: ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم، وليس هذا إِخبارًا عن الحكم عندهم، اللهم إِلا أن يكون خبرًا عما أمروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم اللَّه عليه، سواء كان من أهل ملتهم، أو غيرها. والأول أظهر في المعنى، أي: ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم، كما أكلتم من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة، كما ألبس النبى ﷺ ثوبه لعبد اللَّه بن أبي ابن سلول حين مات، ودفنه فيه. قالوا؛ لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه، فجازاه [¬٣] النبي ﷺ ذلك بذلك (١٦١)، فأما الحديث الذي فيه: "لا تصحب إِلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إِلا تقي" (١٦٢) فمحمول على الندب والاستحباب، واللَّه أعلم.

стр. 2109

وقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ أي: وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات، وذكر هذا توطئة لما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ فقيل: أراد بالمحصنات: الحرائر دون الإِماء. حكاه ابن جرير عن مجاهد (١٦٣)، وإِنما قال مجاهد: المحصنات: الحرائر، فيحتمل [¬١] أن يكون أراد ما حكاه عنه [¬٢]، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة: العفيفة، كما قاله مجاهد في الرواية الأخرى عنه (١٦٤)، وهو قول الجمهور هاهنا وهو الأشبه، لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية، وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: "حشفًا وسوء كيلة". والظاهر من الآية؛ أن المراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنا، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾. ثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ هل يعم كل [¬٣] كتابية عفيفة، سواء كانت حرة أو أمة؟ حكاه ابن جرير عن طائفة من السلف ممن فسر المحصنة بالعفيفة، وقيل: المراد بأهل الكتاب هاهنا: الإِسرائيليات، وهو مذهب الشافعي، وقيل: المراد بذلك: الذميات دون الحربيات، لقوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون باللَّه ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم اللَّه ورسوله ولا

стр. 2110

يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. وقد كان عبد اللَّه بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية، ويقول: لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول: إن ربها عيسى، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ الآية (١٦٥). وقال ابن أبى حاتم (١٦٦): حدثنا أبى، حدثنا محمد بن حاتم بن سليمان المؤدب، حدثنا القاسم بن مالك - يعني المزني - حدثنا إسماعيل بن سميع، عن أبى مالك الغفاري، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ قال: فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، فنكح الناس نساء أهل الكتاب. وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى، ولم يروا بذلك بأسًا، أخذًا بهذه الآية الكريمة: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ فجعلوا هذه مخصصة [¬١] للآية للتي في سورة [¬٢] البقرة: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإِلا فلا معارضة بينها وبينها [¬٣]؛ لأن أهل الكتاب قد انفصلوا [¬٤] في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة﴾، وكقوله [¬٥]: ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب

стр. 2111

والأميين أأسلمتم فإِن أسلموا فقد اهتدوا﴾ الآية. وقوله: ﴿إذا آتيموهن أجورهن﴾ يعني [¬١]: مهورهنّ، أي: كما هنَّ محصنات عفائف، فابذلوا لهنَّ المهور عن طيب نفس، وقد أفتى جابر بن عبد اللَّه [] [¬٢] وعامر الشعبي [وإِبراهيم النخعي] [¬٣] والحسن البصري - بأن الرجل إِذا نكح امرأة، فزنت [¬٤] قبل دخوله بها أَنه يفرق [بينه وبينها] [¬٥]، وترد عليه ما بذل لها من المهر، رواه ابن جرير عنهم (١٦٧). وقوله: ﴿محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾ فكما شرط الإِحصان في النساء - وهي العفة عن الزنا - كذلك شرطها فى الرجال، وهو أبي يكون الرجل [] [¬٦] محصنًا عفيفًا، ولهذا قال: ﴿غير مسافحين﴾ وهم: الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية، ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم، ﴿ولا متخذي أخدان﴾ أي: ذوي [¬٧] العشيقات، اللاتي [¬٨] لا يفعلون إِلا معهن، كما تقدم في سورة النساء سواء، ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إِلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب، ويقلع عما هو فيه من الزنا، لهذه الآية، وللحديث الآخر [¬٩]: "لا ينكح الزاني المجلودُ إِلا مثله" (١٦٨). وقال ابن جرير (١٦٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن لا أدع أحدًا أصاب فاحشة في الإِسلام أن يتزوج محصنة. فقال له أبي بن كعب: يا أمير المؤمنين، الشرك أعظم من ذلك،

стр. 2112

وقد يقبل منه إِذا تاب. وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى عند قوله: ﴿الزاني لا ينكح إِلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إِلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمين﴾. ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿ومن يكفر بالإِيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّةَرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَةِرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ قال كثيرون من السلف في قوله: ﴿إِذا قمتم إِلى الصلاة﴾ معناه: وأنتم محدثون. وقال آخرون: إِذا قمتم من النوم إِلى الصلاة، وكلاهما قريب. وقال آخرون: بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إِلى الصلاة، [ولكن حق المحدث على سبيل الإيجاب، وفي حق المتطهر على سبيل الندب والاستحباب] [١]، وقد قيل: إِن الأمر بالوضوء لكل صلاة كان واجبًا في ابتداء الإِسلام ثم نسخ. وقال الإِمام أحمد بن حنبل (١٧٠): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن علقمة بن

стр. 2113

مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه، وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول اللَّه، إِنك فعلت شيئًا لم تكن تفعله! قال: "إِني عمدًا فعلته يا عمر". وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، ووقع في سنن ابن ماجة، عن سفيان، عن محارب بن دثار - بدل علقمة بن مرثد - كلاهما عن سليمان ابن بريدة به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال ابن جرير (١٧١): حدثنا محمد بن عباد بن موسى، أخبرنا زياد بن عبد اللَّه بن الطفيل البكائي، حدثنا الفضل بن المبشر، قال: رأيت جابر بن عبد اللَّه يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإِذا بال أو أحدث توضأ، ومسح بفضل طهوره الخفين، فقلت: أبا عبد اللَّه، شيء [¬١] تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت النبي ﷺ يصنعه، [فأنا أصنعه؛ كما رأيت رسول اللَّه يصنعه] [¬٢]. وكذا رواه ابن ماجة عن إسمامحيل بن توبة، عن زياد البكائي به. وقال أحمد (١٧٢): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن [¬٣] إِسحاق، حدثني محمد بن

стр. 2114

يحيى بن حبان الأنصاري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، قال: [قلت له] [¬١]: أرأيت وضوء عبد اللَّه بن عمر لكل صلاة، طاهرًا كان [¬٢] أو غير طاهر؛ عمّن هو؟ قال: حدثنه أسماء بنت زيد بن الخطاب، أن عبد اللَّه بن حنظلة [بن أبي عامر] [¬٣] بن الغسيل، حدثها أن رسول اللَّه ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة، طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول اللَّه ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إِلا من حديث، فكان عبد اللَّه يرى أن به قوّة على ذلك، كان يفعله حتى مات. وهكذا [¬٤] رواه أبو داود عن محمد بن عوف [¬٥] الحمصي، عن أحمد بن خالد الذهبي، عن محمد بن إِسحاق، عن محمد بن يحيى بن [¬٦] حبان، عن عبد [¬٧] اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، ثم قال أبو داود: ورواه إِبراهيم [¬٨] بن سعد، عن محمد بن إسحاق، فقال: عبيد اللَّه بن عمر. يعني: كما تقدم في رواية الإِمام أحمد. وأيًّا ما كان فهو إِسناد صحيح، وقد صرح ابن إِسحاق فيه بالتحديث والسماع من محمد بن يحيى بن حبان، فزال محذور التدليس، لكن قال الحافظ ابن عساكر: رواه سلمة بن الفضل، وعلى بن مجاهد، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن محمد بن يحيى بن حبان به، واللَّه [¬٩] أعلم. وفي فعل ابن عمر هذا، ومداومته على إِسباغ الوضوء لكل صلاة، دلالة على استحباب ذلك، كما هو مذهب الجمهور.

стр. 2115

وقال ابن جرير (١٧٣): حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدثنا أزهر، عن ابن عون، عن ابن سيرين، أن الخلفاء كانوا يتوضئون لكل صلاة. وقال ابن جرير (١٧٤): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت مسعود بن علي الشيبانى، سمعت عكرمة يقول: كان على ﵁ يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا قمتم إِذا الصلاة﴾ الآية. وحدثنا ابن المثنى، حدثنى وهب بن جرير، أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن [¬١] النزال بن سبرة قال: رأيت علما صلى الظهر، ثم قعد للناس في الرحبة، ثم أتي بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مسح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث (١٧٥). وحدثنى يعقوب بن إِبراهيم (١٧٦)، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إِبراهيم؛ أن عليًّا اكتال [¬٢]

стр. 2116

من حُبٍّ (*)، فتوضأ وضوءًا فيه تجوز [¬١]، فقال: هذا وضوء من لم يحدث. وهذه طرق جيدة عن علي، يقوي بعضها بعضًا. وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال: توضأ عزَّ بن الخطاب وضوءًا فيه تجوز خفيفًا (**)، فقال: هذا وضوء من لم يحدث، وهذا إِسناد صحيح (١٧٧). وقال محمد بن سيرين: كان الخلفاء يتوضئون [¬٢] لكل صلاة (١٧٨). وأما ما رواه أبو داود الطيالسي (١٧٩)، عن أبي هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، [أنه قال: الوضوء من غير حدث اعتداء، فهو غريب عن سعيد بن المسيب] [¬٣]، ثم هو محمول فى أن من اعتقد وجوبه فهو معتد، وأما مشروعيته استحبابًا، فقد دلت السنة على ذلك. وقال الإمام أحمد (١٨٠): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن عمرو بن عامر الأنصاري، سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها [¬٤] بوضوء واحد، ما لم نحدث. وقد رواه البخاري وأهل السنن من غير وجه عن عمرو [¬٥] بن عامر به.

стр. 2117

وقال ابن جرير (١٨١): حدثنا أبو سعيد البغدادي، حدثنا إسحاق بن منصور، عن هُرَيم، عن عبد الرحمن بن زياد، - هو الأفريقي - عن [أبي غطيف] [¬١]، عن ابن عمرَ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات". ورواه أيضًا من حديث عيسى بن يونس، عن [¬٢] الأفريقي، عن أبي غطيف [¬٣]، عن ابن عزَّ فذكره، وفيه قصة. وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث الأفريقى به نحوه. وقال الترمذي: وهو إِسناد ضعيف. و [¬٤] قال ابن جرير (١٨٢): وقد قال قوم: إِن هذه الآية نزلت إِعلامًا من الله، أن الوضوء لا

стр. 2118

يجب إلا عند القيام إلى الصلاة، دون غيرها من الأعمال، وذلك لأنه ﵇ كان إذا أحدث؛ امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ. حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان [¬١]، عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر ابن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفَغْواء [¬٢]، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد [¬٣] البول نكلمه ولا [¬٤] يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا، حتى نزلت آية الرخصة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية. ورواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن مسلم، عن أبي كريب به نحوه. وهو حديث غريب جدا، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي ضعفوه. وقال أبو داود (١٨٣): حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء، فقدم إِليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: "إِنما أمرت بالوضوء إِذا قمت إِلى الصلاة".

стр. 2119

وكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، والنسائي، عن زياد بن أيوب، عن إِسماعيل: هو ابن علية به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وروى مسلم (١٨٤)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس قال: كنا عند النبي ﷺ فأتى الخلاء، ثم إِنه رجع، فأتي بمام، فقيل: يا رسول الله، ألا تتوضأ؟ فقال [] [¬١]: ["لِم؟ أأصلى] [¬٢] فأتوضأ؟! ". وقوله: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾، قد استدل طائفة من العلماء بقوله تعالى: ﴿إِذا قمتم إِلئ الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ على وجوب النية في الوضوء؛ لأن تقدير الكلام: إِذا قمتم إِلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها، كما تقول العرب: إِذا رأيت الأمير فقم؛ أي له. وقد ثبت في الصحيحين (١٨٥) حديث: "الأعمال بالنيات، وإِنما لكل امرئٍ ما نوى". ويستحب قبل غسل الوجه، أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه، لما ورد في الحديث من طرق جيدة عن جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" (١٨٦).

стр. 2120

ويستحب أن يغسل كفيه قبل إِدخالهما في الإِناء، ويتأكد ذلك عند القيام من النوم؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإِناء، قبل أن يغسلها ثلاثًا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (١٨٧). وحد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس، لا اعتبار بالصلع ولا بالغمم إلى منتهى اللحيين والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، وفي النزعتين [¬١] والتحذيف خلاف، هل هما من الرأس أو الوجه؟ وفي المسترسل من اللحية عن محل الفرض قولان: (أحدهما): أنه يجب إِفاضة الماء عليه لأنه تقع [¬٢] به المواجهة. وروي في حديث أن النبي ﷺ رأى رجلًا مغطيًا لحيته فقال: "اكشفها فإن اللحية من الوجه" (١٨٨). وقال مجاهد: هي من الوجه، ألا تسمع إلى قول العرب في الغلام إِذا نبتت لحيته: طلع وجهه.

стр. 2121

ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كثَّة. قال الإمام أحمد (١٨٩): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عامر بن [¬١] شقيق بن جمرة [¬٢]، [عن أبي وائل] [¬٣] قال: رأيت عثمان توضأ … فذكر الحديث، قال: وخلل اللحية ثلاثًا حين غسل وجهه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل الذي رأيتموني فعلت. ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث عبد الرزاق، وقال الترمذي: حسن صحيح. وحسنه البخاري.

стр. 2122

وقال أبو داود (١٩٠): حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا أبو المليح، حدثنا الوليد بن زَوْرَان [¬١]، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان إِذا توضأ أخذ كفًّا من ماء فأدخله

стр. 2123

تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني به ربي ". تفرد به أبو داود، وقد روي هذا [¬١] من غير وجه، عن أنس. قال البيهقي: وروينا في تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة عن النبي ﷺ ، ثم عن على وغيره. وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي، ثم عن النخعي وجماعة

стр. 2124

من التابعين (١٩١). وقد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه، في الصحاح وغيرها، أنه كان إِذا توضأ تمضمض واستنشق، فاختلف الأئمة في ذلك: هل هما واجبان في الوضوء والغسل، كما هو مذهب أحمد بن حنبل ﵀؟ أو مستحبان فيهما، كما هو مذهب الشافعي ومالك. لما ثبت

стр. 2125

في الحديث الذي رواه أهل السنن، وصححه ابن خزيمة، عن رفاعة بن رافع الزرقي أن النبي ﷺ قال للمسيء [] [¬١] صلاته: "توضأ كما أمرك الله" (١٩٢) أو يجبان في الغسل دون الوضوء؟ كما هو مذهب أبي حنيفة، أو يجب الاستنشاق دون المضمضة؟ كما هو رواية عن الإمام

стр. 2126

أحمد؛ لما ثبت في الصحيحين (١٩٣) أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فَلْيَسْتَنْثِر [¬١] ". وفي رراية: "إِذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينتثر". والانتثار: هو المبالغة في الاستنشاق. وقال الإِمام أحمد (١٩٤): حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أنه توضأ فغسل وجهه، ثم [¬٢] أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر، [ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، يعني أضافها إِلي يده الأخرى فغسل بها وجهه] [¬٣]، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح رأسه، ثم أخذ غرفة من ماء ثم رش على رجله اليمني حتى غسلها، ثم أخذ غرفة [من ماء] [¬٤] فغسل بها رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ . يعني يتوضأ.

стр. 2127

ورواه البخاري عن محمد بن عبد الرحيم، عن أبى سلمة منصور بن سلمة الخزاعي به. وقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أي: مع المرافق. كما قال. تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. وقد روى الحافظ الدارقطني وأبو بكر البيهقى من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن محمد ابن عقيل، عن جده، عن جابر بن عبد اللَّه (١٩٥) قال: كان رسول الله ﷺ إِذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. ولكن القاسم هذا متروك الحديث، وجده ضعيف، والله اعلم. ويستحب للمتوضئ أن يشرع في العضد، فيغسله مع ذراعيه، لما روى البخاري ومسلم من حديث نعيم المجمر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أمّتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرّتهَ فليفعل" (١٩٦). وفي صحيح مسلم (١٩٧)، عن قتيبة [¬١]، عن خلف بن خليفة، عن أبي مالك الأشجي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: سمعت خليلي ﷺ يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". وقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ اختلفوا في هذه الباء: هل هي للإلصاق؟ وهو الأظهر، أو للتبعيض؟ وفيه نظر، على قولين، ومن الأصوليين من قال: هذا مجمل،

стр. 2128

فليرجع في بيانه إلى السنة. وقد ثبت في الصحيحين (١٩٨) من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه: أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي ﷺ [هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ [¬١] يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، [فغسل يديه] [¬٢] مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين [¬٣] مرتين إِلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدّم رأسه، ثم ذهب بهما إِلي قفاه، ثم ردّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. وفي حديث عبد خير، عن علي في صفة وضوء رسول الله ﷺ نحو هذا (١٩٩). وروى أبو داود عن معاوية والمقدام بن معد يكرب في صفة وضوء رسول الله ﷺ مثله (٢٠٠). ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس، كما هو مذهب الإِمام مالك وأحمد بن حنبل، لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن. وقد ذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس وهو مقدار الناصية. وذهب أصحابنا إِلى أنه إِنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح، و [¬٤] لا يتقدر ذلك بحد؛ بل لو

стр. 2129

مسح بعض شعرة من رأسه أجزأه. واحتج الفريقان بحديث المغيرة بني شعبة قال: تخلف النبي ﷺ فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: "هل معك ماء؟ " فأتيته بمطهرة؛ فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه، [فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه، فغسل ذراعية] [¬١]، ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى خفيه. وذكر باقي الحديث، وهو في صحيح مسلم وغيره (٢٠١). فقال لهم أصحاب الإِمام أحمد: إنما اقتصر على مسح الناصية؛ لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة، "ونحن نقول بذلك، وأنه يقع عن الموقع، كما وردت بذلك أحاديث كثيرة، وأنه كان يمسح على العمامة وعلى الخفين، فهذا أولى، وليس لكم فيه دلالة على جواز الاقتصار على مسح الناصية، أو بعض الرأس من غير تكميل على العمامة، والله أعلم.

стр. 2130

ثم اختلفوا في أنه هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثًا، كما هو المشهور من مذهب الشافعي، أو [¬١] إنما يستحب مسحة واحدة كما هو مذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه على قولين؛ فقال عبد الرزاق (٢٠٢): عن معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران بن أبان، قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثًا فغسلهما، ثم تمضمض [¬٢] واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى إِلى المرفق ثلاثًا، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثًا، ثم اليسرى ثلاثًا مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا. ثم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه". أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، من طريق الزهري به نحو هذا. وفي سنن أبي داود من رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عثمان في صفة الوضوء: "ومسح برأسه مرة واحدة" (٢٠٣)، وكذا من رواية عبد خير عن علي

стр. 2131

مثله (٢٠٤). واحتج بن استحب تكرار مسح الرأس بعموم الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا. وقال أبو داود (٢٠٥): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا عبد الرحمن بن وردان، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني حمران قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فذكر نحوه، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، قال فيه: ثم مسح رأسه ثلاثًا، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا، وقال: "من توضأ دون [¬١] هذا كفاه". تفرّد به أبو داود، ثم قال: وأحاديث عثمان في [¬٢] الصحاح تدل على أنه مسح الرأس مرة واحدة. وقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قرئ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفًا على ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾. قال [¬٣] ابن أبي حاتم (٢٠٦): حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو سلمة، حدثنا وهيب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس - أنه قرأها ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. يقول: رجعت إِلى الغسل.

стр. 2132

وروي عن عبد الله بن مسعود وعروة وعطاء وعكرمة والحسن ومجاهد؛ وإِبراهيم والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان والزهري وإِبراهيم التيمي - نحو ذلك. وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل كما قاله السلف، ومن هاهنا ذهب من ذهب إِلى وجوب الترتيب [في الوضوء] [¬١]، كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، حيث لم يشترط الترتيب، بل لو غسل قدميه، ثم مسح رأسه، وغسل يديه، ثم وجهه أجزأه ذلك؛ لأن الآية أمرت بغسل هذه الأعضاء، والواو لا تدل على الترتيب. وقد سلك الجمهور في الجواب عن هذا البحث طرقًا. فمنهم من قال: الآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء عند القيام إِلى الصلاة، لأول مأمور به بفاء التعقيب، وهي مقتضية للترتيب، ولم يقل أحد من الناس بوجوب غسل الوجه أولاً، ثم لا يجب الترتيب بعده، بل القائل اثنان: أحدهما يوجب الترتيب، كما هو واقع في الآية، والآخر يقول: لا يجب الترتيب مطلقًا، والآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء، فوجب الترتيب فيما بعده بالإِجماع و [¬٢]، حيث [¬٣] لا فارق. ومنهم من قال: لا نسلم أن الواو لا تدل على الترتيب، بل هي دالة كما هو مذهب طائفة من النحاة، وأهل اللغة، وبعض الفقهاء، ثم يقول بتقدير تسليم [¬٤] كونها لا تدل على الترتيب اللغوي، هي دالة على الترتيب شرعًا، فيما من شأنه أن يرتب، والدليل على ذلك أنه ﷺ لما طاف بالبيت؛ خرج من باب الصفا، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ثم قال: " أبدأ بما بدأ الله به". لفظ مسلم، ولفظ النسائي: "ابدءوا بما بدأ الله به". وهذا لفظ أمر، وإِسناده صحيح (٢٠٧)، فدل على وجوب البداءة بما بدأ اللَّه به، وهو معنى كونها تدل على الترتيب شرعًا، والله أعلم.

стр. 2133

ومنهم من قال: لما ذكر الله تعالى هذه الصفة في هذه الآية على هذا الترتيب، فقطع النظير عن النظير، وأدخل الممسوح بين المغسولين، دل ذلك على إرادة الترتيب. ومنهم من قال: لا شك أنه قد روى أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إِلا بة" (٢٠٨) قالوا: فلا يخلو، إِما أن يكون توضأ مرتبًا [¬١]، فيجب الترتيب، أو يكون توضأ غير مرتب، فيجب عدم الترتيب، ولا قائل به، فوجب مما ذكرناه.

стр. 2134

وأما القراءة الأخرى، وهي قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض. فقد احتج بها الشيعة في قولهم بوجوب مسح الرجلين؛ لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس. وقد روي عن طائفة من السلف ما يوهم القول بالمسح، فقال ابن جرير (٢٠٩): حدثني بعقوب بن إِبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا حميد قال: قال موسى بن أنس لأنس، ونحن عنده: يا أبا حمزة، إِن الحجاج خطبنا بالأهواز، ونحن معه، فذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم، وامسحوا برءوسكم وأرجلكم، وأنه ليس شئ من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج. قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قال: وكان أنس إِذا مسح قدميه بلهما. إِسناد صحيح إِليه. وقال ابن جرير (٢١٠): حدثنا على بن سهل، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس [¬١] قال: نزل القرآن بالمسح، [والسنة بالغسل] [¬٢]. وهذا أيضًا إِسناد صحيح. وقال ابن جرير (٢١١): حدثنا أبو كريب، [حدثنا محمد بن قيس] [¬٣] الخراساني، عن ابن

стр. 2135

جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان. وكذا روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة (٢١٢). وقال ابن أبي حاتم (٢١٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قال: هو المسح. ثم قال: وروي عن ابن عمر وعلقمة وأبي جعفر محمد بن عَلي والحسن في إِحدى الروايات وجابر بن زيد ومجاهد في إحدى الروايات - نحوه. وقال ابن جرير (٢١٤): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب، قال: رأيت عكرمة يمسح على رجليه قال: وكان يقوله. وقال [¬١] ابن جرير (٢١٥): حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إِدريس، عن داود بن أبي هند،

стр. 2136

عن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح، ثم قال الشعبي: ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلًا، ويلغي [¬١] ما كان مسحًا. وحدثنا ابن أبي زياد (٢١٦)، حدثنا يزيد، أخبرنا إسماعيل، قلت لعامر: إِن ناسًا يقولون: إِن جبريل نزل بغسل الرجلين، فقال: نزل جبريل بالمسح. فهذه آثار غريبة جدًّا، وهي محمولة على أن المراد بالمسح: هو الغسل الخفيف، لما سنذكره من السنة الثابتة في وجوب غسل الرجلين، وإِنما جاءت هذه القراءة بالخفض، إِما على المجاورة، وتناسب الكلام، كما في قول العرب: جُحْر ضبٍّ خربٍ، وكقوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾، وهذا ذائع شائع في لغة العرب، سائغ، ومنهم من قال: هي محمولة على مسح القدمين، إِذا كان عليهما الخفان، قاله أبو عبد الله الشافعي ﵀ ومنهم من قال: هي دالة على مسح الرجلين، ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف، كما وردت [¬٢] به السنة، وعلى كل تقدير، فالواجب غسل الرجلين، فرضًا لابد منه، للآية والأحاديث التي سنوردها، ومن أحسن ما يستدل به على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف، ما رواه الحافظ البيهقي حيث قال (٢١٧): أخبرنا أبو على الروذباري، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي بن أبي طالب، أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتى بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضله، وهو قائم، ثم قال: إِن ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإِن رسول الله ﷺ صنع كما [¬٣] صنعت. وقال: "هذا وضوء من لم يحدث". رواه البخاري في الصحيح عن آدم ببعض معناه. ومن أوجب [¬٤] من الشيعة مسحهما، كما يمسح الخف - فقد ضل وأضل، وكذا من جوز

стр. 2137

مسحهما، وجوز غسلهما فقد أخطأ أيضًا، ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير، أنه أوجب غسلهما للأحاديث، وأوجب مسحهما للآية، فلم يحقق مذهبه في ذلك، فإِن كلامه في تفسيره؛ إِنما يدل على أنه أراد أنه يجب دَلْكُ الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء؛ لأنهما يليان الأرض والطين، وغير ذلك؛ فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من لم يتأمل كلامه، أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما، فحكاه من حكاه كذلك، ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء، وهو معذور؛ فإِنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل، سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندراجه فيه، وإِنما أراد الرجل ما ذكرته، والله أعلم. ثم تأملت كلامه أيضًا، فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ خفضًا على المسح، وهو الدلكَ، ونصبًا على الغسل، فأوجبهما أخذًا بالجمع بين هذه وهذه. ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لابد منه [¬١] قد تقدم في حديث أميَري المؤمنين: عثمان وعلي، وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد بن عاصم والمقداد بن معد يكرب، أن رسول الله ﷺ غسل الرجلين في وضوئه، إِما مرة وإما مرتين أو ثلاثا، على اختلاف رواياتهم (٢١٨). وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ توضأ، فغسل قدميه، ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إِلا به" (٢١٩). وفي الصحيحين (٢٢٠) من رواية أبي عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو، قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة - صلاة العصر - ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته:

стр. 2138

"أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار". وكذلك هو في الصحيحين عن أبي هريرة. (٢٢١) وفي صحيح مسلم، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار" (٢٢٢). وروى الليث بن سعد، عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن [جَزْءٍ أنه] [¬١] سمع رسول الله ﷺ يقول: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" (٢٢٣)، رواه البيهقي والحاكم، وهذا إِسناد صحيح. وقال الإِمام أحمد (٢٢٤): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إِسحاق أنه سمع سعيد بن أبي كرب أو شعيب بن أبي كرب قال: سمعت جابر بن عبد الله، وهو على جمل [¬٢]،

стр. 2139

يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل [¬١] للعراقيب من النار". وحدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إِسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله، قال: رأى النبي ﷺ في رِجْلِ رَجُلٍ مثل الدرهم لم يغسله، فقال: "ويل للأعقاب [¬٢] من النار" (٢٢٥). ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي [¬٣] الأحوص، عن أبي إِسحاق، عن سعيد به نحوه. وكذا رواه ابن جرير، من حديث سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وغير واحد، عن أبي إِسحاق السبيعي، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر، عن النبى ﷺ مثله، ثم قال (٢٢٦): حدثنا على [¬٤] بن مسلم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر أن رسول الله ﷺ رأى قومًا يتوضئون، لم يصب أعقابهم الماء، فقال: "ويل للعراقيب من النار! ". وقال الإِمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أيوب بن عتبة [¬٥]، عن يحيى [¬٦] بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب قال: قال رسول الله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار! " (٢٢٧). تفرد به أحمد. وقال ابن جرير: حدثني [على بن] عبد الأعلى، حدثنا المحاربي، عن مطرِّح بن يزيد، عن

стр. 2140

عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " [ويل للأعقاب من النار!] [¬١] ". قال [¬٢]: فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إِلا نظرت إِليه، يقلب عرقوبيه ينظر إِليهما (٢٢٨). وحدثنا أبو كريب، حدثنا حسين، عن زائدة، عن ليث، حدثني عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة - أو عن أخي أبي أمامة - أن رسول الله ﷺ أبصر قومًا يصلون، وفي عقب أحدهم، أو كعب أحدهم مثل موضع الدرهم، أو موضع الظفر لم يمسه الماء، فقال: "ويل للأعقاب من النار! ". قال: فجعل الرجل إِذا رأى في عقبه شيئًا لم يصبه الماء؛ أعاد وضوءه (٢٢٩). ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة، وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك فيهما - لما توعد على تركه؛ لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل، بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف، وهكذا وجَّه هذه [¬٣] الدلالة على الشيعة الإِمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى. وقد روى مسلم [¬٤] في صحيحه من طريق أبي الزبير، عن جابر، عن عمر بن الخطاب - أن رجلًا توضأ، فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ ، فقال: "ارجع فأحسن
следующие страницы →