← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

عن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح، ثم قال الشعبي: ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلًا، ويلغي [¬١] ما كان مسحًا. وحدثنا ابن أبي زياد (٢١٦)، حدثنا يزيد، أخبرنا إسماعيل، قلت لعامر: إِن ناسًا يقولون: إِن جبريل نزل بغسل الرجلين، فقال: نزل جبريل بالمسح. فهذه آثار غريبة جدًّا، وهي محمولة على أن المراد بالمسح: هو الغسل الخفيف، لما سنذكره من السنة الثابتة في وجوب غسل الرجلين، وإِنما جاءت هذه القراءة بالخفض، إِما على المجاورة، وتناسب الكلام، كما في قول العرب: جُحْر ضبٍّ خربٍ، وكقوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾، وهذا ذائع شائع في لغة العرب، سائغ، ومنهم من قال: هي محمولة على مسح القدمين، إِذا كان عليهما الخفان، قاله أبو عبد الله الشافعي ﵀ ومنهم من قال: هي دالة على مسح الرجلين، ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف، كما وردت [¬٢] به السنة، وعلى كل تقدير، فالواجب غسل الرجلين، فرضًا لابد منه، للآية والأحاديث التي سنوردها، ومن أحسن ما يستدل به على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف، ما رواه الحافظ البيهقي حيث قال (٢١٧): أخبرنا أبو على الروذباري، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي بن أبي طالب، أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتى بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضله، وهو قائم، ثم قال: إِن ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإِن رسول الله ﷺ صنع كما [¬٣] صنعت. وقال: "هذا وضوء من لم يحدث". رواه البخاري في الصحيح عن آدم ببعض معناه. ومن أوجب [¬٤] من الشيعة مسحهما، كما يمسح الخف - فقد ضل وأضل، وكذا من جوز

стр. 2137

مسحهما، وجوز غسلهما فقد أخطأ أيضًا، ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير، أنه أوجب غسلهما للأحاديث، وأوجب مسحهما للآية، فلم يحقق مذهبه في ذلك، فإِن كلامه في تفسيره؛ إِنما يدل على أنه أراد أنه يجب دَلْكُ الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء؛ لأنهما يليان الأرض والطين، وغير ذلك؛ فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من لم يتأمل كلامه، أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما، فحكاه من حكاه كذلك، ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء، وهو معذور؛ فإِنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل، سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندراجه فيه، وإِنما أراد الرجل ما ذكرته، والله أعلم. ثم تأملت كلامه أيضًا، فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ خفضًا على المسح، وهو الدلكَ، ونصبًا على الغسل، فأوجبهما أخذًا بالجمع بين هذه وهذه. ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لابد منه [¬١] قد تقدم في حديث أميَري المؤمنين: عثمان وعلي، وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد بن عاصم والمقداد بن معد يكرب، أن رسول الله ﷺ غسل الرجلين في وضوئه، إِما مرة وإما مرتين أو ثلاثا، على اختلاف رواياتهم (٢١٨). وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ توضأ، فغسل قدميه، ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إِلا به" (٢١٩). وفي الصحيحين (٢٢٠) من رواية أبي عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو، قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة - صلاة العصر - ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته:

стр. 2138

"أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار". وكذلك هو في الصحيحين عن أبي هريرة. (٢٢١) وفي صحيح مسلم، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار" (٢٢٢). وروى الليث بن سعد، عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن [جَزْءٍ أنه] [¬١] سمع رسول الله ﷺ يقول: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" (٢٢٣)، رواه البيهقي والحاكم، وهذا إِسناد صحيح. وقال الإِمام أحمد (٢٢٤): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إِسحاق أنه سمع سعيد بن أبي كرب أو شعيب بن أبي كرب قال: سمعت جابر بن عبد الله، وهو على جمل [¬٢]،

стр. 2139

يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل [¬١] للعراقيب من النار". وحدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إِسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله، قال: رأى النبي ﷺ في رِجْلِ رَجُلٍ مثل الدرهم لم يغسله، فقال: "ويل للأعقاب [¬٢] من النار" (٢٢٥). ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي [¬٣] الأحوص، عن أبي إِسحاق، عن سعيد به نحوه. وكذا رواه ابن جرير، من حديث سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وغير واحد، عن أبي إِسحاق السبيعي، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر، عن النبى ﷺ مثله، ثم قال (٢٢٦): حدثنا على [¬٤] بن مسلم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر أن رسول الله ﷺ رأى قومًا يتوضئون، لم يصب أعقابهم الماء، فقال: "ويل للعراقيب من النار! ". وقال الإِمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أيوب بن عتبة [¬٥]، عن يحيى [¬٦] بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب قال: قال رسول الله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار! " (٢٢٧). تفرد به أحمد. وقال ابن جرير: حدثني [على بن] عبد الأعلى، حدثنا المحاربي، عن مطرِّح بن يزيد، عن

стр. 2140

عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " [ويل للأعقاب من النار!] [¬١] ". قال [¬٢]: فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إِلا نظرت إِليه، يقلب عرقوبيه ينظر إِليهما (٢٢٨). وحدثنا أبو كريب، حدثنا حسين، عن زائدة، عن ليث، حدثني عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة - أو عن أخي أبي أمامة - أن رسول الله ﷺ أبصر قومًا يصلون، وفي عقب أحدهم، أو كعب أحدهم مثل موضع الدرهم، أو موضع الظفر لم يمسه الماء، فقال: "ويل للأعقاب من النار! ". قال: فجعل الرجل إِذا رأى في عقبه شيئًا لم يصبه الماء؛ أعاد وضوءه (٢٢٩). ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة، وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك فيهما - لما توعد على تركه؛ لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل، بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف، وهكذا وجَّه هذه [¬٣] الدلالة على الشيعة الإِمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى. وقد روى مسلم [¬٤] في صحيحه من طريق أبي الزبير، عن جابر، عن عمر بن الخطاب - أن رجلًا توضأ، فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ ، فقال: "ارجع فأحسن

стр. 2141

وضوءك" (٢٣٠). وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (٢٣١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني [¬١]، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثنا جرير بن حازم، أنه سمع قتادة بن دعامة قال: حدثنا أنس بن مالك، أن رجلًا جاء إِلى النبي ﷺ قد توضأ، وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله ﷺ : "ارجع فأحسن وضوءك". وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن معروف، وابن ماجة عن حرملة ويحيى كلاهما عن ابن وهب به. وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، لكن قال أبو داود: ليس هذا الحديث بمعروف، لم يروه إلا ابن وهب. وحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا يونس وحميد، عن الحسن أن رسول الله ﷺ … بمعنى حديث قتادة. وقال الإِمام أحمد (٢٣٢): حدثنا إِبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثني بَحِير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، [أن رسول الله ﷺ ] [¬٢] رأى رجلًا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره رسول الله

стр. 2142

ﷺ أن يعيد الوضوء. ورواه أبو داود من حديث بقية، وزاد: والصلاة، وهذا إِسناد جيد قوي صحيح، والله أعلم. وفي حديث حُمران [¬١]، عن عثمان فى صفة وضوء النبي ﷺ ، أنه خلل بين أصابعه (٢٣٣). وروى أهل السنن من حديث إِسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه، قال: قلت يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء فقال: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إِلا أن تكون صائمًا" (٢٣٤).

стр. 2143

وقال الإِمام أحمد (٢٣٥): حدثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله الدمشقي، قال: قال أبو أمامة: حدثنا عمرو بن عبسة، قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء؟ قال: "ما منكم من أحد يقرب وضوءه، ثم يتمضمض، ويستنشق، ويستنثر، إِلا خرت خطاياه من فمه وخياشيمه مع الماء حين يستنثر [¬١]، ثم يغسل وجهه كما أمره الله، إِلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إِلى المرفقين، إِلا خرت خطايا يديه من أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه، إِلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إِلى الكعبين كما أمره الله، إلا خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثم يقوم فيحمد الله، ويثني عليه [¬٢] بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إِلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". قال أبو أمامة: يا عمرو، انظر ما تقول، سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ أيعطي هذا الرجل كله في مقامه؟ فقال عمرو بن عبسة: يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله وعلى رسول الله ﷺ ، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إِلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا! لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك. وهذا إسناد صحيح، وهو في صحيح مسلم من وجه آخر، وفيه: "ثم يغسل قدميه كما أمره الله". فدل على أن القرآن يأمر بالغسل. وهكذا روى أبو إِسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم (٢٣٦).

стр. 2144

ومن هاهنا يتضح لك المراد من [¬١] حديث عبد خير، عن علي أن رسول الله ﷺ رش على قدميه الماء، وهما في النعلين فدلكهما، إِنما أراد غسلًا خفيفًا وهما في النعلين، ولا مانع من إِيجاد الغسل والرجل في نعلها، ولكنْ في هذا رد على المتعمقين والمتنطعين من الموسوسين. وهكذا الحديث الذي أورده ابن جرير على نفسه، وهو من روايته، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: أتى رسول الله ﷺ سباطة قوم، فبال عليها [¬٢] قائمًا، ثم دعا بماء، فتوضأ ومسح على نعليه (٢٣٧). وهو حديث صحيح. وقد أجاب ابن جرير عنه بأن الثقات الحفاظ رووه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: فبال قائمًا ثم توضأ، ومسح على خفيه. قلت: ويحتمل الجمع بينهما، بأن يكون في رجليه خفان، وعليهما نعلان.

стр. 2145

وهكذا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد بن حنبل (٢٣٨): حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني يعلى، عن أبيه، عن أوس بن أَبي أوس، قال رأيت رسول الله ﷺ توضأ [¬١]، ومسح على نعليه، ثم قام إِلى الصلاة. وقد رواه أبو داود، عن مسدد وعباد بن موسى كلاهما عن هشيم؛ عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس قال: رأيت رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم فبال، وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه. وقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ومن طريق هشيم، ثم قال: وهذا محمول على أنه توضأ كذلك، وهو غير محدث إِذ كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية متعارضة، وقد صح عنه ﷺ الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء، بالنقل [¬٢] المستفيض، القاطع عذر من انتهى إِليه وبلغه.

стр. 2146

ولما كان القرآن آمرًا بغسل الرجلين، كما في قراءة النصب، وكما هو [¬١] الواجب في حمل قراءة الخفض عليها [¬٢]- توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن لم يصح إِسناده، ثم الثابت عنه خلافه، وليس كما زعموه، فإنه قد ثبت أن النبي ﷺ مسح على [¬٣] الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة. وقال الإِمام أحمد (٢٣٩): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: أنا أسلمت بعد نزول المائدة، وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعدما أسلمت. تفرد به أحمد. وفي الصحيحين (٢٤٠) من حديث الأعمش، عن إِبراهيم، عن همام قال: بال جرير، ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ، ومسح على خفيه. قال الأعمش: قال إِبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث، لأن إِسلام جرير كان بعد نزول المائدة. لفظ مسلم. وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ مشروعيةُ المسح على الخفين، قولًا منه وفعلًا، كما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير، مع [¬٤] ما يحتاج إِلى ذكره هناك من تأقيت المسح، أو عدمه، أو التفصيل فيه، كما هو مبسوط في موضعه، وقد خالفت الروافض [ذلك كله] [¬٥] بلا مستند، بل بجهل وضلال. مع أنه ثابت في صحيح مسلم (٢٤١) من رواية أمير المؤمنين على بن أبي طالب

стр. 2147

﵁ كما ثبت في الصحيحين (٢٤٢) عنه عن النبي ﷺ النهْيُ عن نكاح المتعة، وهم يستبيحونها، وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين، مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله ﷺ على وفق ما دلت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كله، وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر، ولله الحمد. وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين، فعندهم أنهما في ظهر القدم، فعندهم في كل رجل كعبٌ، وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. قال الربيع: قال الشافعي: لم أعلم مخالفًا في أن الكعبين اللذين ذكرهما الله في [¬١] [كتابه في الوضوء هما الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، هذا لفظه، فعند الأئمة ﵏] [¬٢] في [¬٣] كل قدم كعبان [¬٤]، كما هو المعروف عند الناس، وكما دلت عليه السنة، ففي الصحيحين (٢٤٣) من طريق حُمران، عن عثمان أنه توضأ؛ فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين، واليسرى مثل ذلك. وروى البخاري تعليقًا مجزومًا به، وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي القاسم الحسين بن الحارث الجدلي، عن النعمان بن بشير، قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: "أقيموا صفوفكم - ثلاثًا - والله لتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم". قال: فرأيت الرجل يُلْزِقُ كعبه بكعب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، ومنكبه بمنكبه. لفظ ابن خزيمة (٢٤٤).

стр. 2148

فليس يمكن أن يلزق كعبه بكعب صاحبه، إِلا والمراد به العظم الناتئ في الساق، حتى يحاذي كعب الآخر، فدل ذلك على ما ذكرناه؛ من أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم [¬١]، كما هو مذهب أهل السنة. وقد قال ابن أبي حاتم (٢٤٥): حدثنا أبي، حدثنا إِسماعيل بن موسى، أخبرنا شريك، عن يحيى بن الحارث [بن عبد الله] [¬٢] التيمي - يعني: الجابر - قال: نظرت في قتلى أصحاب زيد، فوجدت الكتب فوق [] [¬٣] ظهر القدم، وهذه عقوبة عوقب بها الشيعة بعد قتلهم، تنكيلًا بهم في مخالفتهم الحق، وإِصرارهم عليه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، كل ذلك قد تقدّم الكلام عليه في تفسير آية النساء، فلا حاجة بنا إِلى إِعادته، لئلا يطول الكلام. وقد [¬٤] ذكرنا سبب نزول آية التيمم هناك. لكن البخاري روى ها هنا حديثًا خاصًّا بهذه الآية الكريمة، فقال (٢٤٦):

стр. 2149

حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن عبد الرحمن بن القاسم، حدثه عن أبيه، عن عائشة قالت [¬١]: سقطت قلادة لي بالبيداء، ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله ﷺ ونزل فثنى رأسه في حجري راقدًا، فأقبل [¬٢] أبو بكر فلكزني لكزة شديدة، وقال: حبست الناس في قلادة؟ فَبيَ الموت لمكان رسول الله ﷺ مني، وقد أوجعني، ثم إِن النبي ﷺ استيقظ، وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [إِلى آخر] [¬٣] الآية، فقال أسيد بن الحضير: لَقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إِلا بركة لهم. وقوله تعالى ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: فلهذا سهل عليكم ويسر ولم يعسر، بل أباح التيمم عند المرض، وعند فقد الماء، توسعةً عليكم ورحمة بكم، وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء، إلا من بعض الوجوه كما تقدم بيانه، وكما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ [¬٤] لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [أي: لعلكم تشكرون] [¬٥] نعمه عليكم، فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة؛ والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء؛ بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة، كما رواه الإِمام أحمد ومسلم، وأهل السنن عن عقبة بن عامر (٢٤٧)، قال: كانت علينا رعاية الإِبل، فجاءت نوبتي، فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائمًا يحدّث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ،

стр. 2150

فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبلًا عليهما بقلبه ووجهه - إِلا وجبت له الجنة". قال: قلت: ما أجود هذه! فإِذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود منها، فنظرت فهذا عمر ﵁، فقال: إِني قد رأيتك جئتَ آنفًا، قال: "ما منكم من أحد يتوضأ، فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء يقول: أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ إِلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء" لفظ مسلم. وقال مالك (٢٤٨): عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - أن رسول الله ﷺ قال: "إِذا توضأ [¬١] العبد المسلم أو المؤمن؛ فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إِليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر [¬٢] الماء، فإِذا غسل يديه؛ خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه؛ خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب". رواه مسلم، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك به. وقال ابن جرير (٢٤٩): حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان عن [¬٣]

стр. 2151

منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كعب بن مرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل يتوضأ، فيغسل يديه أو ذراعيه؛ إلا خرجت خطاياه منهما، فإذا غسل وجهه، خرجت خطاياه من وجهه، فإذا مسح رأسه؛ خرجت خطاياه من رأسه، فإذا غسل رجليه؛ خرجت خطاياه من رجليه". هذا لفظ، وقد رواه الإمام أحمد، عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة، عن منصور، عن سالم، عن مرة بن كعب، أو كعب بن مرة السلمي، عن النبي ﷺ قال: "وإذا توضأ العبد فغسل يديه خرجت خطاياه من بين يديه، وِإذا غسل وجهه، خرجت خطاياه من وجهه، وإِذا غسل ذراعيه، خرجت خطاياه [من ذراعيه، وإذا غسل رجليه، خرجت خطاياه] [¬١] من رجليه". قال شعبة: ولم يذكر مسح الرأس. وهذا إِسناد صحيح. وروى ابن جرير من طريق شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة؛ خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه" (٢٥٠).

стр. 2152

وروى مسلم في صحيحه (٢٥١) من حديث يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: "الطهور شطر الإيمان" والحمد لله تملأ [¬١] الميزان، [وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصبر ضياء، والصدقة برهان] [¬٢]، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه؛ فمعتقها أو موبقها". وفي صحيح مسلم (٢٥٢) من رواية سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور". وقال أبو داود الطيالسي (٢٥٣): حدثنا شعبة، عن قتادة، سمعت أبا المليح الهذلي يحدث

стр. 2153

عن أبيه، قال: كنت مع رسول الله ﷺ في بيت، فسمعته يقول: "إِن الله لا يقبل صلاة من غير طهور، ولا صدقة من غلول". وكذا رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث شعبة. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ يقول تعالى مذكرًا عباده المؤمنين نعمته عليهم في شرعه لهم هذا الدين العظيم، وإِرساله إليهم هذا الرسول الكريم، وما أخذ عليهم من العهد والميثاق في مبايعته على متابعته ومناصرته ومؤازرته، والقيام بدينه، وإبلاغه عنه، وقبول منه، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون رسول الله ﷺ عليها عند إِسلامهم، كما قالوا: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله (٢٥٤)، وقال الله تعالى:

стр. 2154

﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقيل: هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من المواثيق والعهود في متابعة محمَّد ﷺ ، والانقياد لشرعه. رواه على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٢٥٥). وقيل: هو تذكار بما أخذ تعالى من العهد على ذرية آدم، حين استخرجهم من صلبه، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ قاله مجاهد ومقاتل بن حيان. والقول الأوّل أظهر، وهو المحكي عن ابن عباس والسدي، واختاره [¬١] ابن جرير. ثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تأكيد وتحريض على مواظبة التقوى في كل حال. ثم أعلمهم أنه يعلم ما يتخالج في الضمائر والسرائر من الأسرار والخواطر، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ﴾ أي: كونوا قوّامين [¬٢] بالحق لله لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل لا بالجور. وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير (٢٥٦) أنه قال: نحلني أبي نحلًا، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليه [¬٣] رسول الله ﷺ ، فجاءه [¬٤] ليشهده على صدقتي، فقال: "أكل ولدك نحلت مثله؟ " قال: لا. قال: "اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم" وقال: "إِني لا أشهد على جور". قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة.

стр. 2155

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم؛ بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقًا كان أو عدوًّا، ولهذا قال: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: عدلكم أقرب إِلى التقوى من تركه، ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه، كما في نظائره من القرآن وغيره، كما في قوله: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾. وقوله: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ (٢٥٧). ثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها؛ إِن خيرًا فخير، وإِن شرًّا فشر، ولهذا قال بعده: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، أي: لذنوبهم، ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وهو الجنة، التي هي من رحمته على عباده؛ لا ينالونها بأعمالهم، بل برحمة منه وفضل، وإِن كان سبب وصول الرحمة إِليهم أعمالهم، وهو تعالى الذي جعلها أسبابًا إِلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه، فالكل منه وله، فله الحمد والمنة. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وهذا من عدله تعالى وحكمته وحكمه الذي لا يجور فيه، بل هو الحكم العدل الحكيم القدير. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾. قال عبد الرزاق (٢٥٨): أخبرنا معمر، عن الزهري، ذكره عن أبي سلمة، عن جابر أن النبي

стр. 2156

ﷺ نزل منزلًا، وتفرق الناس في العضاة يستظلون تحتها، وعلق النبي ﷺ ، سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إِلى سيف رسول الله ﷺ فأخذه فسله، ثم أقبل فى النبي ﷺ فقال: من يمنعك مني؟ قال: "الله ". قال الأعرابي مرتين أو ثلاثًا: من يمنعك منى؟ والنبي ﷺ يقول: "الله". قال: فشام الأعرابي السيف، فدعا النبى ﷺ أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي، وهو جالس إِلى جنبه ولم يعاقبه. وقال معمر: كان قتادة يذكر نحو هذا، ويذكر أن قومًا من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله ﷺ ، فأرسلوا هذا الأعرابي، وتأول ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية. وقصة هذا الأعرابي - وهو غورث بن الحارث - ثابتة في الصحيح. وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ وذلك أن قومًا من اليهود صنعوا لرسول الله ﷺ ولأصحابه طعامًا ليقتلوهم [¬١]، فأوحى الله تعالى إِليه بشأنهم، فلم يأت الطعام، وأمر أصحابه فلم يأتوه. رواه ابن أبي حاتم (٢٥٩). وقال أبو مالك: نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه، حين أرادوا أن يغدروا بمحمد وأصحابه في دار كعب بن الأشرف. رواه ابن أبي حاتم. وذكر محمد بن إِسحاق بن يسار، ومجاهد وعكرمة، وغير واحد - أنها نزلت في شأن بني النضير، حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله ﷺ الرحى، لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين، ووكلوا عمرو بن جَحَّاش بن كعب بذلك، وأمروه إِن جلس النبي ﷺ تحت الجدار، واجتمعوا عنده أن يلقى تلك الرحى من فوقه، فأطلع الله النبي ﷺ على ما تمالئوا عليه، فرجع إِلي المدينة، وتبعه أصحابه، فأنزل الله في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا

стр. 2157

اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. ثم أمر رسول الله ﷺ أن يغدو [¬١] إليهم فحاصرهم، حتى أنزلهم فأجلاهم. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، يعني من توكل على الله كفاه الله ما أهمه، وحفظه من شرِّ الناس، وعصمه. ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ لما أمر تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده، وميثاقه الذي أخذه عليهم، على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ ، وأمرهم بالقيام بالحق والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة؛ فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على كل [¬٢] من كان قبلهم؛ من أهل الكتابين اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه، أعقبهم ذلك لعنًا منه لهم، وطردًا عن بابه وجنابه، وحجابًا لقلوبهم عن الوصول إِلى الهدى ودين الحق؛ وهو العلم النافع والعمل الصالح، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ يعنى: عرفاء على قبائلهم، بالمبايعة والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه.

стр. 2158

وقد ذكر ابن عباس ومحمد بن إسحاق وغير واحد (٢٦٠) - أن هذا كان لما توجه موسى ﵇ لقتال الجبابرة؛ فأمر بأن يقيم نقباء. من كل سبط نقيب. قال محمد بن إسحاق: فكان من سبط روبيل "شامون بن زكُّور [¬١] "، ومن سبط شمعون "شافاط بن حري"، ومن سبط يهوذا "كالب بن يوفنا"، ومن سبط أبين "فيخاييل بن يوسف"، ومن سبط يوسف - وهو سبط إِفرايم - "يوشع بن نون"، ومن سبط بنيامين "فلطمي بن رفون"، ومن سبط زبلون "جدي بن سودي"، ومن سبط يوسف وهو منشا بن يوسف "جدي بن سوسي"، ومن سبط دان "خملائيل بن جمل"، ومن سبط أسير "ساطور بن ملكيل [¬٢] "، ومن سبط نفثالي "نحى [¬٣] ابن وفسى"، ومن سبط جاد [¬٤] "جولايل بن ميكي [¬٥] ". وقد رأيت في السفر الرابع من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إِسرائيل، وأسماء مخالفة لما ذكره ابن إِسحاق، والله أعلم. قال فيها: فعلى بني روبيل الصوني بن سادون، وعلى بني شمعون شموال بن صورشكي، وعلى بني يهوذا يحشون بن عمبياذاب [¬٦]، وعلى بني يساخر [¬٧] شال ابن صاعون، وعلى بني زبلون [¬٨] إلياب بن حالوب، وعلى بني يوسف أفرايم ومنشا بن عمنهود، وعلى بني منشا حمليائيل بن يرصون، وعلى بني بنيامين [¬٩] أبيدن ابن جدعون، وعلى بني دان جعيذر بن عميشذي، وعلى بني أسير نحايل بن عجران، وعلى بني حاز السيف بن دعواييل، وعلى بني نفتالي أجزع بن عمينان. وهكذا لما بايع رسول الله ﷺ الأنصار ليلة العقبة؛ كان فيهم اثنا عشر نقيبًا؛ ثلاثة من الأوس وهم: أسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر. ويقال بدله أبو الهيثم بن التيهان ﵃، وتسعة من الخزرج وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء

стр. 2159

ابن معرور، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، والمنذر بن [عمرو بين خُنيس] [¬١]، ﵃، وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له، كما أورده ابن إِسحاق ﵀ (٢٦١). والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ، عن أمر النبي ﷺ لهم بذلك، وهم الذين ولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي ﷺ على السمع والطاعة. قال [¬٢] الإمام أحمد (٢٦٢): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد [¬٣]، عن الشعبي، عن مسروق قال: كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود، وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: كا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله ﷺ كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم. ولقد سألنا رسول الله ﷺ فقال: "اثنا عشر كعدة نقباء بني إِسرائيل". هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأضل هذا الحديث ثابت في الصحيحين (٢٦٣) من [¬٤] حديث [¬٥] جابر بين سمرة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلاً". ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت على، فسألت أبي: ماذا قال

стр. 2160

النبي ﷺ ؟ قال: "كلهم من قريش". وهذا لفظ مسلم. ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني [¬١] عشر خليفة صالحًا [¬٢]، يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وجد منهم أربعة على [¬٣] نسق، وهم الخلفاء الأربعة أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى ﵃ ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة، وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره، فذكر [¬٤] أنه يواطئ اسمه اسم النبي ﷺ واسم أبيه اسم أبيه، فيملأ الأرض عدلًا وقسطًا، كما ملئت جورًا وظلمًا، وليس هذا بالمنتظر الذي يتوهم [¬٥] الرافضة وجوده، ثم ظهوره من سرداب سامرا؛ فإِن ذلك وليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء [¬٦] الخلفاء الاثني عشر؛ الأئمة الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم. وفي التوراة البشارة بإسماعيل ﵇ وأن الله يقيم من صلبه اثني عشر عظيمًا، وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا [¬٧] عشر، المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة. وبعض الجهلة ممن أسلم [¬٨] من اليهود، إِذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثنا عشر؛ فيتشيع كثير منهم جهلًا وسفهًا، لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك - بالسنن الثابتة عن النبي ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾، أي: بحفظي وكلاءتي ونصري، ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ أي: صدّقتموهم فيما [¬٩] يجيئونكم به من الوحي، ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أى: نصرتموهم وآزرتموهم على الحق، ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وهو الإِنفاق في سبيله، وابتغاء مرضاته، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: ذنوبكم، أمحوها [¬١٠] وأسترها ولا أؤاخذكم بها، ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: أدفع عنكم المحذور، وأحصل لكم المقصود. وقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: فمن خالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده، وشدّه، وجحده وعامله معاملة من لا [¬١١] يعرفه، فقد أخطأ الطريق

стр. 2161

الواضح [¬١]، وعدل عن الهدى إِلى الضلال. ثم أخبر تعالى عما حل [¬٢] بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقَهُ، ونقضهم عهده فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ أي: فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم؛ لعناهم أي: أبعدناهم عن الحق، وطردناهم عن الهدى، ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ أي: فلا يتعظون بموعظة لغلظها [¬٣] وقساوتها. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: فسدت فهومهم، وساء تصرفهم في آيات الله، وتأوّلوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل، عياذًا بالله من ذلك. ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: وتركوا العمل به رغبة عنه. و [¬٤] قال الحسن: تركوا عرى دينهم ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إِلا بها (٢٦٤). وقال غيره: تركوا العمل فصاروا إِلى حالة رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فِطَرَ مستقيمة، ولا أعمال قويمة. ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: مكرهم، وغدرهم، لك ولأصحابك. وقال مجاهد وغيره: يعني بذلك: تمالؤهم الفتك برسول الله ﷺ (٢٦٥). ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [] [¬٥] وهذا هو عين النصر والظفر، كما قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك، بمثل أن تطيع الله فيه. وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني به: الصفح عمن أساء إِليك. وقال قتادة: هذه الآية ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ منسوخة بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ

стр. 2162

الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢٦٦). وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: ومن الذين ادّعوا لأنفسهم أنهم نصارى، يتابعون المسيح ابن مريم ﵇ وليسوا كذلك، أخذنا عليهم [¬١] العهود والمواثيق على متابعة الرسول ﵌ ومناصرته، ومؤازرته، واقتفاء آثاره، وعلى [¬٢] الإِيمان بكل نبى يرسله الله إِلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق، ونقضوا العهود؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء [¬٣] لبعضهم بعضًا، ولا يزالون كذلك إِلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم؛ لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا، فكل فرقة تحرم الأخرى، ولا تدعها تلج معبدها؛ فالملكية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد. ثم قال تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى، على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى [¬٤] رسوله، وما نسبوه إِلى الرب وتعالى وتقدّس عن قولهم علوًّا كبيرًا، من جَعْلِهم له صاحبةً وولدا، تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض؛ عربهم وعجمهم، أمّيهم وكتابيهم [¬٥]، وأنه بعثه بالبينات، والفرق بين

стр. 2163

الحق والباطل، فقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: يبين مما بدلوه وحرّفوه وأوّلوه، وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه، ولا فائدة فى بيانه. وقد روى الحاكم في مستدركه (٢٦٧) من حديث الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن، من حيث لا يحتسب، قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فكان الرجم مما أخفوه. ثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم، الذي أنزله على نبيه الكريم فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ أي: طرق النجاة والسلامة، ومناهج الاستقامة، ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك، فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب [¬١] الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾

стр. 2164

يقول تعالى مخبرًا وحاكمًا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم، وهو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه، أنه هو الله - تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرا. ثم قال مخبرًا عن قدرته على الأشياء، وكونها تحت قهره وسلطانه: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: لو أراد ذلك فمن ذا الذي كان يمنعه منه [¬١]؟ أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك؟ ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: جميع الموجودات ملكه وخلقه، وهو القادر على ما يشاء، لا يسأل عما يفعل؛ لقدرته وسلطانه وعدله وعظمته، وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة [¬٢] إلى يوم القيامة. ثم قال تعالى ردًّا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه، وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: أنت ابني بكري، فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه. وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإِكرام، كما نقل النصارى من [¬٣] كتابهم؛ أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدّعوا لأنفسهم من البنوة ما ادّعوها في عيسى ﵇ وإنّما أرادوا من ذلك [¬٤] معزتهم لديه، وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. قال الله تعالى رادًّا عليهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أي: لو كنتم [كما تدعون أبناؤه وأحباؤه، فلِمَ أعدَّ لكم نار جهنم] [¬٥] على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه فتلا عليه الصوفي هذه الآية ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ وهذا الذي قاله حسن، وله يشاهد في المسند للإِمام أحمد حيث قال (٢٦٨):

стр. 2165

حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال: مر النبى ﷺ في نفر من أصحابه، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابنى ابني، وسعت فأخذته. فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقى ولدها [¬١] في النار. قال: فَخَفَّضَهُم النبي ﷺ فقال: "و [¬٢] لا والله [ ] [¬٣] ما يلقي حبيبه في النار". تفرد به أحمد [¬٤]. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: لكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو سبحانه [¬٥] الحاكم فى جميع عباده، ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هو فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب إليه؛ فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور. وروى [¬٦] محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: وأتى رسول الله ﷺ نعمان بن آصا [¬٧] وبحري [¬٨] بن عمرو وشاس بن عدي، فكلموه، وكلمهم رسول الله ﷺ ، ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن - والله - أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله فيهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ إلى آخر الآية. روإه ابن أبي حاتم وابن جرير (٢٦٩).

стр. 2166

ورويا أيضًا (٢٧٠) من طريق أسباط، عن السدي في قول الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. أما قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾؛ فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل: [ولدًا من ولدك، أدخلهم النار] فيكونون فيها أربعين ليلة، حتى تطهرهم، وتأكل خطاياهم، ثم ينادى مناد: أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل، فأخرجوهم [¬١]، فذلك قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾ يقول تعالى مخاطبًا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بأنه [¬٢] قد أرسل إليهم رسوله محمدًا [¬٣] ﵌، خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول، بل هو المعقب لجميعهم، ولهذا قال: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: بعد مدة متطاولة، ما بين إرساله، وعيسى ابن مريم. وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة: كم هي؟ فقال أبو عثمان النهدي وقتادة في رواية عنه: كانت ستمائة سنة. ورواه البخاري عن سلمان الفارسي. وعن قتادة: خمسمائة وستون سنة (٢٧١). وقال معمر عن بعض أصحابه: خمسمائة وأربعون سنة (٢٧٢). وقال الضحاك: أربعمائة وبضع [¬٤] وثلاثون سنة (٢٧٣).

стр. 2167

وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى ﵇ عن الشعبي أنه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي ﷺ تسعُمائة وثلاثة وثلاثون سنة (٢٧٤). والمشهور هو القول [¬١] الأول، وهو أنها ستمائة سنة، ومنهم من يقول: ستمائة وعشرون سنة، ولا منافاة بينهما؛ فإن القائل الأول أراد ستمائة سنة شمسية، والآخر أراد قمرية، وبين كل مائة [¬٢] سنة شمسية وبين القمرية نحوٌ من [¬٣] ثلاث [¬٤] سنين، ولهذا قال تعالى في قصة أهل الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي: قمرية لتكميل ثلاثمائة الشمسية التي كانت معلومة لأهل الكتاب، وكانت الفترة بين عيسى ابن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل، وبين محمد خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إن أولى الناس بابن مريم لأنا؛ لأنه لا نبي بينى وبينه" (٢٧٥) وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي يقال له: خالد بن سنان، كما حكاه القضاعي وغيره. والمقصود أن الله بعث محمدًا ﷺ على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان. فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه اُمر عمم [¬٥]، فإن الفساد كان قد عم [¬٦] جميع البلاد، رالطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد، إلا قليلًا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهرد وعباد النصارى والصابئين، كما قال الإمام أحمد (٢٧٦):

стр. 2168

حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن مطرف، عن عياض بن حمار المجاشعى ﵁ أن النبي ﷺ خطب ذات يوم فقال في خطبته: "وإن ربي أمرني أن أعلمكم مما جهلتم مما علمني في يومي هذا، كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، [وإن الشياطين أتتهم] [¬١] فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، ثم إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، [عربهم وعجمهم]، إلا بقايا من أهل الكتاب [] [¬٢] وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرأه نائمًا ويقظانًا، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشًا فقلت: يا رب إذن يثلغوا (*) رأسي فيدعوه خُبْزَةً [¬٣]، فقال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق عليهم فسننفق [¬٤] عليك، وابعث جيشا [¬٥] نبعث خمسة أمثاله، وقاتل بمن أطاعك [¬٦] من عصاك، وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط [موفق متصدق]، ورجل رحيم رقيق القلب، بكل ذي قربى ومسلم، ورجل [عفيف فقير] [ذو عيال] [¬٧]، متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف [الذي لا زبر (**) له] [¬٨]، و [¬٩] الذين هم فيكم تبعًا أو تبعاء -

стр. 2169

شك يحيى - لا يبتغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك". وذكر البخل أو الكذب، والشنظير الفاحش. ثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائى من غير وجه، عن قتادة، عن مطرِّف بن عبد الله بن الشخير. وفي رواية سعيد [¬١] عن قتادة التصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرف. [وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده أن قتادة لم يسمعه من مطرف] [¬٢]، وإنما سمعه من أربعة عنه. ثم رواه هو عن روح عن عوف عن حكيم الأثرم عن الحسن، قال: حدثنى مطرف، عن عياض بن حمار فذكره. و [¬٣] رواه النسائى من حديث غندر، عن عوف الأعرابي به. والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله: "وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، [عجمهم وعربهم]، إلا بقايا من بني إسرائيل" وفي لفظ مسلم: "من أهل الكتاب"، فكان [¬٤] الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم، حتى بعث الله محمدًا ﷺ ، فهدى الخلائق، وأخرجهم الله به من الظمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ أى: لئلا تحتجوا [¬٥] وتقولوا [¬٦]- يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه -] [¬٧] ما جاءنا من رسول يبشر بالخير، وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير، يعنى محمدًا ﷺ . ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال ابن جرير: معناه إني قادر على عقاب من عصاني وثواب من أطاعني ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا

стр. 2170

جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇ فيما ذكر به قومه من [¬١] نعم الله عليهم وآلائه لديهم، في جمعه لهم خير الدنيا والآخرة، لو استقاموا على [¬٢] طريقتهم المستقيمة. فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ أي: كلما هلك نبي قام فيكم نبي من لدن أبيكم إبراهيم إلى من [¬٣] بعده، وكذلك كانوا لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله، ويحذرون نقمته، حتى ختموا بعيسى [ابن مريم] [¬٤] ﵇، ثم أوحى الله إلى خاتم الأنبياء والرسل على الإطلاق محمد بن عبد الله، المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵇ وهو أشرف من كل من تقدمه منهم ﷺ . وقوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال: الخادم والمرأة والبيت (٢٧٧).

стр. 2171

وروى الحاكم في مستدركه (٢٧٨) من حديث الثوري أيضًا، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: المرأة والخادم، ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وروى [¬١] ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: كان الرجل من بني إسرائيل؛ إذا كان له الزوجة والخادم والدار [¬٢]؛ سمي ملكًا (٢٧٩). وقال: ابن جرير (٢٨٠): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو هانئ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي، يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل [فقال: ألسنا] [¬٣] من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم؛ قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي خادما. تال: فأنت من الملوك. وقال الحسن البصري: هل الملك إلا مركب وخادم ودار. رواه ابن جرير (٢٨١)، ثم روى عن الحكم ومجاهد ومنصور وسفيان الثوري نحوًا من هذا. وحكاه ابن أبي حاتم، عن ميمون بن مهران.

стр. 2172

وقال ابن شوذب: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم؛ واستؤذِنَ عليه فهو ملك. وقال قتادة (٢٨٢): كانوا أول من ملك الخدم. وقال السدي في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال: يملك الرجل منكم [نفسه وماله وأهله]. رواه ابن أبي حاتم (٢٨٣)، وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: ["كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة؛ كتب ملكًا" (٢٨٤). وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال ابن جرير (٢٨٥): حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، سمعت زيد ابن أسلم، يقول: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه

стр. 2173

وسلم [¬١]: "من كان له بيت وخادم فهو ملك". وهذا مرسل غريب. وقال مالك: بيت وخادم وزوجة. وقد ورد في الحديث: "من أصبح منكم معافى في جسده، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" (٢٨٦). وقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني عالمى زمانكم، فإنهم [¬٢] كانوا أشرف [¬٣] الناس في زمانهم، من اليونان، والقبط، وسائر أصناف بني آدم، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وقال تعالى إخبارًا عن موسى لما قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. والمقصود أنهم كانوا أفضل أهل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجًا، وأكرم نبيًّا، وأعظم ملكًا، وأغزر أرزاقًا، وأكثر أموالاً وأولادًا، وأوسع مملكة، وأدوم عزًّا. قال الله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقال: [﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة، وشرفها، وكرمها عند الله عند قوله تعالى] [¬٤]: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾

стр. 2174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2175

لِلنَّاسِ﴾ من سورة آل عمران. وروى ابن جرير عن ابن عباس، وأبي مالك، وسعيد بن جبير أنهم قالوا في قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني أمة محمدٍ ﷺ (٢٨٧). وكأنهم أرادوا أن هذا الخطاب في قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا﴾ مع هذه الأمة. والجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه، وهو محمول على عالمي زمانهم كما قدمنا. وقيل: المراد ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني بذلك ما كان تعالى نزله عليهم من المن والسلوى، [ويظلهم به من الغمام] [¬١] وغير ذلك، مما كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات، فالله أعلم. ثم قال تعالى مخبرًا عن تحريض موسى ﵇ لبني [¬٢] إسرائيل على الجهاد، والدخول إلى بيت المقدس، الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر، أيام يوسف ﵇، [ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى] [¬٣]، فوجدوا فيها قومًا من العمالقة الجبارين، قد استحوذوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله ﷺ موسى ﵇ بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم، وبشرهم بالنصرة والظفر عليهم، فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره؛ فعوقبوا بالذهاب في التيه، والتمادي في سيرهم حائرين، لا يدرون كيف يتوجهون إلى [¬٤]، مقصد مدة أربعين
следующие страницы →