← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وروى الحاكم في مستدركه (٢٧٨) من حديث الثوري أيضًا، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: المرأة والخادم، ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وروى [¬١] ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: كان الرجل من بني إسرائيل؛ إذا كان له الزوجة والخادم والدار [¬٢]؛ سمي ملكًا (٢٧٩). وقال: ابن جرير (٢٨٠): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو هانئ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي، يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل [فقال: ألسنا] [¬٣] من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم؛ قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي خادما. تال: فأنت من الملوك. وقال الحسن البصري: هل الملك إلا مركب وخادم ودار. رواه ابن جرير (٢٨١)، ثم روى عن الحكم ومجاهد ومنصور وسفيان الثوري نحوًا من هذا. وحكاه ابن أبي حاتم، عن ميمون بن مهران.

стр. 2172

وقال ابن شوذب: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم؛ واستؤذِنَ عليه فهو ملك. وقال قتادة (٢٨٢): كانوا أول من ملك الخدم. وقال السدي في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال: يملك الرجل منكم [نفسه وماله وأهله]. رواه ابن أبي حاتم (٢٨٣)، وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: ["كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة؛ كتب ملكًا" (٢٨٤). وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال ابن جرير (٢٨٥): حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، سمعت زيد ابن أسلم، يقول: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه

стр. 2173

وسلم [¬١]: "من كان له بيت وخادم فهو ملك". وهذا مرسل غريب. وقال مالك: بيت وخادم وزوجة. وقد ورد في الحديث: "من أصبح منكم معافى في جسده، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" (٢٨٦). وقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني عالمى زمانكم، فإنهم [¬٢] كانوا أشرف [¬٣] الناس في زمانهم، من اليونان، والقبط، وسائر أصناف بني آدم، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وقال تعالى إخبارًا عن موسى لما قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. والمقصود أنهم كانوا أفضل أهل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجًا، وأكرم نبيًّا، وأعظم ملكًا، وأغزر أرزاقًا، وأكثر أموالاً وأولادًا، وأوسع مملكة، وأدوم عزًّا. قال الله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقال: [﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة، وشرفها، وكرمها عند الله عند قوله تعالى] [¬٤]: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾

стр. 2174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2175

لِلنَّاسِ﴾ من سورة آل عمران. وروى ابن جرير عن ابن عباس، وأبي مالك، وسعيد بن جبير أنهم قالوا في قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني أمة محمدٍ ﷺ (٢٨٧). وكأنهم أرادوا أن هذا الخطاب في قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا﴾ مع هذه الأمة. والجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه، وهو محمول على عالمي زمانهم كما قدمنا. وقيل: المراد ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني بذلك ما كان تعالى نزله عليهم من المن والسلوى، [ويظلهم به من الغمام] [¬١] وغير ذلك، مما كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات، فالله أعلم. ثم قال تعالى مخبرًا عن تحريض موسى ﵇ لبني [¬٢] إسرائيل على الجهاد، والدخول إلى بيت المقدس، الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر، أيام يوسف ﵇، [ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى] [¬٣]، فوجدوا فيها قومًا من العمالقة الجبارين، قد استحوذوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله ﷺ موسى ﵇ بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم، وبشرهم بالنصرة والظفر عليهم، فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره؛ فعوقبوا بالذهاب في التيه، والتمادي في سيرهم حائرين، لا يدرون كيف يتوجهون إلى [¬٤]، مقصد مدة أربعين

стр. 2176

سنة، عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى. فقال تعالى مخبرًا عن موسى أنَّه قال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أي: المطهرة. ولم [¬١] قال سفيان الثَّوري، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قال: هي الطور وما حوله (٢٨٨). وكذا قال مجاهد (٢٨٩) وغير واحد. وروى [¬٢] سفيان الثَّوري، عن أبي سعيد [¬٣] البقال، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: هي أريحاء (٢٩٠). وكذا ذكر عن [¬٤] غير واحد من المفسرين. وفي هذا نظر؛ لأن أريحاء ليست هي المقصودة بالفتح، ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس، وقد قدموا من بلاد مصر حين أهلك الله عدوَّهم فرعون، اللهم [¬٥] إلَّا أن يكون المراد [بأريحاء أرض بيت المقدس، كما قاله السدي فيما رواه ابن جرير (٢٩١) عنه لا أن المراد] [¬٦] بها هذه البلدة المعروفة في طرف الغَوْر، شرقي بيت المقدس. وقوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل، أنَّه وراثة من آمن منكم، ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى [¬٧] أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: ولا تنكلوا

стр. 2177

عن الجهاد، ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا [¬١] فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ أي: اعتذروا بأن في هذه البلدة التي أمرتنا بدخولها وكمال أهلها قويًّا جبارين، أي: ذوي خلق هائلة، وقوى شديدة، وإننا لا نقدر على مقاومتهم، ولا مصاولتهم، ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها؛ فإن يخرجوا منها دخلناها، وإلَّا فلا طاقة لنا بهم. وقد قال ابن جرير (٢٩٢): حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدَّثنا إبراهيم بن بشار، حدَّثنا سفيان، قال: قال أَبو سعيد: قال عكرمة: عن ابن عبَّاس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارش، قال: فسار موسى بمن معه، حتَّى نزل قريبًا من المدينة، وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عينا، من كل سبط منهم عين ليأتوه بخبر القوم، قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم، وجسمهم، وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار، وينظر [¬٢] إلى آثارهم، فتتبعهم [¬٣]، فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، حتَّى التقط الاثني عشر كلهم، فجعلهم في كمه مع الفاكهة، [وذهب بهم] [¬٤] إلى ملكهم، فنثرهم بين يديه، فقال لهم [¬٥] الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، فاذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم. وفي هذا [¬٦] الإِسناد نظر. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثنى عشر رجلًا، وهم النقباء، الذين [¬٧] ذكرهم [¬٨] الله، فبعثهم ليأتوه [¬٩] بخبرهم، فساروا فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم [¬١٠] حتَّى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه، فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى، بعثنا نأتيه بخبركم،

стр. 2178

فأعطوهم حبة من عنب، تكفي الرجل، فقال لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه، فقولوا لهم هذا [¬١] قدر فاكهتهم، [فرجعوا إلى موسى، فأخبروه بما رأوا، فلما أمرهم موسى ﵇ بالدخول عليهم وقتالهم] [¬٢]، قالوا: يا موسى، اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون. رواه ابن أبي حاتم (٢٩٣). ثم قال: حدَّثنا أَبى، حدَّثنا ابن أبي مريم، حدَّثنا يحيى بن أيوب، عن يريد بن الهاد، حدثني يحيى ابن عبد الرحمن، قال: رأيت أَنس بن مالك أخذ عصا، فذرع فيها بشيء لا أدري كم ذرع، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسًا وخمسين، ثم قال: هكذا طول العماليق (٢٩٤). وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا أخبارًا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، [وأنه كان فيهم] [¬٣] عوج بن عنق بن آدم ﵇، وأنَّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعًا وثلث ذراع، تحرير الحساب، وهذا شيء يستحيي من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين (٢٩٥) أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتَّى الآن". ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرًا، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته. وهذا كذب وافتراء، فإن الله تعالى ذكر أن نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾. وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ

стр. 2179

الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ إذا كان ابن نوح الكافر غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر، وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع، ثم في وجود رجل يقال له: عوج بن عنق نظر، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أي: فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله، ومتابعة رسول الله موسى ﵇، حرضهم رجلان، لله عليهما نعمة عظيمة، وهما ممن يخاف أمر الله، ويخشى عقابه. وقرأ بعضهم: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي: ممن لهما مهابة وموضع من الناس، ويقال: إنهما يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا. قاله ابن عبَّاس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدي والربيع بن أَنس وغير واحد من السلف والخلف، ﵏ (٢٩٦). فقالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: متى [¬١] توكلتم على الله، واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم، وأيدكم وظفركم بهم، ودخلتم البلد [¬٢] التي كتبها الله [¬٣] لكم، فلم ينفع ذاك فيهم شيئًا. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وهذا نكول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم، وتخلف عن مقاتلة الأعداء. ويقال: إنهم لما نكلوا عن الجهاد، وعزموا على الانصراف والرجوع إلى مصر [¬٤]، سجد موسى وهارون ﵉ قدَّام ملإٍ من بني إسرائبل، إعظاما لما هموا به، وشق يوشع بن نون وكالب بن يوفنا [¬٥] ثيابهما، ولاما قومهما على ذلك، فيقال: إنهم رجموهما، وجرى أمر عظيم وخطر جليل. وما أحسن ما أجاب به الصحابة ﵃ يوم بدر رسول الله ﷺ ، حين استشارهم في قتال النفير، الذسن جاءوا لمنع العير الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدّة والبيض واليَلَب (*)، فتكلم أَبو بكر ﵁ فأحسن، ثم تكلم من [تكلم

стр. 2180

من] [¬١] الصحابة من المهاجرين، ورسول الله ﷺ يقول: "أشيروا على أيها المسلمون". وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار؛ لأنَّهُم كانوا جمهور الناس يومئذ، فقال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله، والذي [¬٢] بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته، لخضناه معك، ما تخلف منا رجلٍ واحد، وما نكره أن تلقى بنا [¬٣] عدوّنا غدًا، إنا لصُبْر [¬٤] في الحرب، صُدق في اللقاء، لعل الله أن [¬٥] يريك منا ما تقرُّ به عينك [¬٦] فَسِرْ بنا على بركة الله. فسر رسول الله ﷺ بقول سعد، ونشطه ذلك (٢٩٧). وقال أَبو بكر بن مردويه (٢٩٨): حدَّثنا على بن الحسين، حدَّثنا أَبو حاتم البرازي، حدَّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حميد، عن أَنس: أن رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر؛ استشار المسلمين، فأشار عليه عمر، ثم استشارهم، فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار، إياكم يريد رسول الله ﷺ . قالوا: إذا، لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، [والذي بعثك بالحق، لو ضربت أكبادها إلى بَرْك الغِمَاد لاتبعناك. ورواه الأمام أحمد (٢٩٩): عن عبيدة بن حميد، عن حميد الطويل، عن أنس به. ورواه النَّسائي (٣٠٠): عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد، به. ورواه ابن حبان (٣٠١): عن أبي يعلى، عن عبد الأعلى بن حمَّاد، عن معمر بن سليمان، عن حميد به. وقال ابن مردويه (٣٠٢): أنا عبد الله بن جعفر، أنا إسماعيل بن عبد الله، حدَّثنا

стр. 2181

عبد الرحمن بن إبراهيم، حدَّثنا محمد بن شعيب، عن الحسن بن أيوب، عن عبد الله بن ناسج، عن عتبة بن عبد السلمي، قال: قال النبي ﷺ لأصحابه: "ألا تقاتلون؟ " قالوا: نعم، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] [¬١]﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. وكان ممن أجاب [¬٢] يومئذٍ المقدادُ بن عمرو الكندي ﵁، كما قال الإِمام أحمد (٣٠٣): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيان، عن مخارق بن عبد الله [] [¬٣] الأحمسي، عن طارق - هو ابن شهاب - أن المقداد قال لرسول الله ﷺ يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو [¬٤] إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما [¬٥] مقاتلون. هكذا رواه أحمد من هذا الوجه، وقد رواه من طريق أخرى، فقال (٣٠٤): حدَّثنا أسود بن عامر، حدَّثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله [هو] [¬٦] ابن مسعود ﵁: لقد [¬٧] شهدت من المقداد مشهدًا؛ لأن أكون أنا

стр. 2182

صاحبه، أحب إلي مما عدل به، أتى رسول الله ﷺ وهو يدعو على المشركين، فقال: والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن يسارك، ومن بين يديك، ومن خلفك. فرأيت وجه رسول الله ﷺ يشرق لذلك وسر [¬١] بذلك. وهكذا رواه البخاري في المغازي، وفي التفسير من طرق عن مخارق به، ولفظه في كتاب التفسير (٣٠٥): عن عبد الله قال: قال المقداد يوم بدر: يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن امض ونحن معك. فكأنه سري عن رسول الله ﷺ . ثم قال البخاري: رواه وكيع، عن سفيان، عن مخارق، عن طارق، أن المقداد قال للنبي ﷺ . و [¬٢] قال ابن جرير (٣٠٦): حدَّثنا بشر، حدَّثنا يزيد، حدَّثنا سعيد، حدَّثنا [¬٣] قَتَادة، قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صدَّ المشركون الهدي، وحيل بينهم وبين مناسكهم: "إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت". فقال له [¬٤] المقداد بن الأسود: أما [¬٥] والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما [¬٦] مقاتلون، فلما سمعها أصحاب رسول الله ﷺ تتابعوا [¬٧] على ذلك. وهذا إن كان محفوظًا يوم الحديبية، فيحتمل أنَّه كرر هذه المقالة يومئذ، كما قاله يوم بدر. وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني: لما نكل بنو إسرائيل عن القتال، غضب عليهم موسى ﵇، وقال داعيًا عليهم: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [أي: ليس أحد يطعني منهم فيمتثل أمر الله، ويجيب إلى ما

стр. 2183

دعوت إليه، إلا أنا وأخي] [¬١] هارون ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. قال العوفي عن ابن عباس: يعني: اقض بيني وبينهم. وكذا قال على بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (٣٠٧). [وكذا قال الضحاك: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم (٣٠٨). وقال غيره: افرق] [¬٢]: افصل بيننا وبينهم، كما قال الشاعر: يارب فافرق بينه وبيني … أشد ما فرقت بين اثنين [¬٣] وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، لما دعا عليهم موسى ﵇ حين نكلوا عن الجهاد، حكم الله [عليهم] بتحريم دخولها قدر [¬٤] مدة أربعين سنة، فوقعوا في التيه، يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه، وفيه كانت أمور عجيبة وخوارق كثيرة، من تظيلهم بالغمام وإنزال [¬٥] المن والسلوى عليهم، ومن إخراج الماء الجارى من صخرة صماء، تحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه؛ انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينًا تجري لكل شعب عين، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران، وهناك أنزلت [¬٦] التوراة، وشرعت لَهُم الأحكام، وعملت قبة العهد، ويقال لها: قبة الزمان. قال يزيد بن هارون: عن أصبغ بن يزيد [¬٧]، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: سألت ابن عبَّاس عن قوله ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، قال: فتاهوا في الأرض أربعين سنة، يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى. وهذا قطعة من حديث الفتون (٣٠٩). ثم كانت وفاة هارون ﵇ ثم بعده بمدة ثلاث سنين وفاة [¬٨] موسى

стр. 2184

الكليم ﵇ وأقام الله فيهم يوشع بن نون ﵇ نبيًّا خليفة عن موسى بن حمران، ومات أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدة، ويقال: إنه لم يبق منهُم أحد سوى يوشع وكالب، ومن هاهنا قال بعض المفسرين في قوله ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾: هذا [¬١] وقف تام، وقوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوب بقوله] [¬٢] ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. فلما انقضت المدة خرج بهم يوشع بن نون ﵇ أو بمن بقي منهم، وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني، فقصد بهم بيت المقدس، فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر، فلما تضيفت الشمس للغروب، وخشي [¬٣] دخول السبت عليهم، قال: إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها علي. فحبسها الله تعالى حتَّى فتحها، وأمر الله يوشع بن نون أن يأمر بنى إسرائيل حين يدخلون بيت المقدس؛ أن يدخلوا بابها سجدًا، وهم يقولون: حطة. أي: حط عنا ذنوبنا، فبدلوا ما أمروا به، ودخلوا [¬٤] يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حبة في شعرة، وقد تقدم هذا كله في سورة البقرة. و [¬٥] قال ابن أبي حاتم (٣١٠): حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمد بن أبي عمر العدني [¬٦]، حدَّثنا سفيان، عن أي سعيد [¬٧]، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵁ قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: فتاهوا أربعين سنة. قال [¬٨]: فهلك موسى وهارون في التيه، وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة، ناهضهم [¬٩] يوشع بن نون وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، وهو الذي قيل له: اليوم يوم الجمعة، فهموا بافتتاحها، ودنت الشمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس: إني مأمور، وإنك مأمورة، فوقفت حتَّى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار فلم تأته [¬١٠]، فقال: فيكم

стр. 2185

الغلول، فدعا رءوس الأسباط وهم اثنا [¬١] عشر رجلا فبايعهم، والتصقت يد رجل منهم بيده، فقال: الغلول عندك فأخرجه، فأخرج رأس بقرة من ذهب، لها عينان من ياقوت، وأسنان من لؤلؤ، فوضعه مع القربان، فأتت النار فأكلتها. وهذا السياق له شاهد في الصحيح (٣١١). وقد اختار ابن جرير أن قوله: ﴿فَإِنَّهَا [¬٢] مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [هو العامل] [¬٣] في أربعين سنة، وأنهم مكثوا لا يدخلونها أربعين سنة، وهم تائهون في البرية لا يهتدون لمقصد، قال: ثم خرجوا مع موسى ﵇ ففتح بهم بيت المقدس. ثم احتج على ذلك من [¬٤] قال بإجماع علماء أخبار [¬٥] الأولين أن عوج بن عنق قتله موسى ﵇ قال: فلو كان قَتْله إياه قبل التيه؛ لما رهبت [¬٦] بنو إسرائيل من العماليق، فدل على أنَّه كان بعد التيه. قال: وأجمعوا على أن بلعام بن باعورا أعان الجبارين بالدعاء على موسى. قال: وما ذاك إلَّا بعد التيه؛ لأنهم كانوا قبل التيه لا يخافون من موسى وقومه. هذا استدلاله، ثم قال (٣١٢): حدَّثنا أَبو كريب، حدَّثنا ابن عطية، حدَّثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، فوثب، فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسرًا لأهل النيل سنة. وروى أيضًا (٣١٣): عن محمد بن بشار، حدَّثنا مؤمل، حدَّثنا سفيان، عن أبي إسحاق،

стр. 2186

عن نوف - هو [¬١] البكالي - قال: كان سرير عوج ثمانمائة [¬٢] ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، فضرب عوجًا، فأصاب كعبه فسقط ميتًا، وكان جسرًا للناس يمرون عليه. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ تسلية لموسى ﵇ عنهم، أي: لا تتأسف ولا تحزن عليهم، فمهما حكمت عليهم به؛ فإنهم مستحقون [¬٣] ذلك. وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما [فيما أمراهم] [¬٤] به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله ﵇، وكليمه، وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا [مع ما] [¬٥] شاهدوا ما [¬٦] أحل [¬٧] الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال، والغرق له ولجنوده في اليم، وهم ينظرون لِتَقَرّ به أعينهم، وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد [¬٨]؛ هي [¬٩] بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدّة أهلها وعددهم، فظهرت [¬١٠] قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل، هذا [¬١١]، وهم في جهلهم يعمهون وفي غيهم يتردّدون، وهم البُغَضَاء إلى الله، وأعداؤه، ويقولون مع ذلك نحن أبناء الله وأحباؤه، فقبح الله وجوههم، التي مسخ منها الخنازير والقرود، وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأبيد الخلود، وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود.

стр. 2187

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ يقول تعالى مبينًا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم؛ في خبر ابني [¬١] آدم لصلبه - في قول الجمهور - وهما [قابيل وهابيل]، كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله بغيًا عليه، وحسدًا له فيما وهبه الله من النعمة، وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله ، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل، ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين [¬٢]، فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ أي: واقصص على هؤلاء البغاة الحسدة، إخوان الخنازير والقردة، من اليهود وأمثالهم وأشباههم، خبر ابني آدم، وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: على الجلية، والأمر الذي لا لبس فيه، ولا كذب، [ولا وهم] [¬٣]، ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾، وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾. وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف: أن الله تعالى [] [¬٤] شرع لآدم ﵇ أن يزوّج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا [¬٥]: كان يولد له في كل بطن

стр. 2188

ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت [¬١] أخت هابيل دميمة [¬٢]، وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقرّبا قربانًا، فمن تقبل منه فهي له، فقربا فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل فكان من أمرهما ما قصه [¬٣] الله في كتابه. ذكر أقوال المفسرين هاهنا قال السدي: فيما ذكر عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ومسلم: أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد ومعه [¬٤] جارية، فكان يزوّج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما: [هابيل وقابيل]، وكان قابيل فيحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه، وقال: هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوّج بها. فأمره أبوه أن يزوّجها هابيل فأبى، وأنهما قرّبا قربانًا إلى الله أيهما أحق بالجارية، وكان آدم ﵇ قد غاب عنهما أتى مكة ينظر إليها، قال الله : هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللهم لا. قال: إنّ لي بيتًا [في مكة] [¬٥] فأته. فقال آدم للسماء: احفظي رلدي بالأمانة. فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع، وتجد أهلك كما يسرك. فلما انطق آدم قربا قربانًا، وكان قابيل يفخر عليه، فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي وأنا أكبر منك، وأنا وصي والدي. فلما قربا قرّب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففركها وأكلها [¬٦]، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب، وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختى. فقال هابيل: إنما يتقبل الله من المتقين رواه ابن جرير (٣١٤).

стр. 2189

وقال ابن أبي حاتم (٣١٥): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير، فحدثني عن ابن عباس قال: نهى أن تنكح المرأة أخاها توأهما، [وأمر أن ينكحها] [¬١] غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل [بطن رجل] [¬٢] وامرأة [فبينما هم] [¬٣] كذلك، ولد له امرأة وضيئة، وولد له أخرى قبيحة دميمة [¬٤]، فقال أخو الدميمة [¬٥]: أنكحني أختك، وأنكحك أختي. فقال [¬٦]: لا، أنا أحق بأختي. فقربا قربانًا، فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. إسناد جيد. وحدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقوله [¬٧]: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ فقربا قربانهما فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض، وصاحب الحرث بصبرة من طعامه [¬٨]، فقبل الله الكبش فخزنه في الجنة أربعين خريفًا، وهو الكبش [¬٩] الذي ذبحه إبراهيم ﵇. إسناد جيد (٣١٦). وقال ابن جرير (٣١٧): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن أبي

стр. 2190

المغيرة، عن عبد الله بن عمرو [¬١]، قال: إن ابني آدم الذين قرّبا قربانا فتقبل من أحدهما، ولم يتقبل من الآخر؛ كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، وأنهما [¬٢] أمرا أن يقربا قربانًا، وإنّ صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها، طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب أشر حرثه الكردن [¬٣] والزوان، غير طيبة بها نفسه، وإن الله تقبل قربان صاحب الغنم، ليلم يتقبل قربان [¬٤] صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، قال: وايم الله، إن كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرّج أن يبسط يده [¬٥] إلى أخيه. وقال إسماعيل بن رافع المدني القاص: بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان كان أحدهما صاحب غنم، وكان أنتج له حمل في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على طهره من حبه، حتى لم يكن له مال أحب إليه منه، فلما أمر بالقربان قرّبه لله فقبله الله منه، فما زال يرتع في الجنة، حتى فدي به ابن [¬٦] إبراهيم ﵇. رواه ابن جرير (٣١٨). وقال ابن أبي حاتم (٣١٩): حدثنا أبي، حدثنا الأنصاري، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن علي بن الحسين، قال: قال آدم ﵇ لهابيل وقابيل: أن ربي عهد

стр. 2191

إليَّ أنه كائن من ذريتي من يقرب القربان، فقرَّبا قربانا، حتى تقر عيني إذا تقبل قربانكما. فقربا، وكان هابيل صاحب غنم، فقرب أكولة غنمه [¬١] خير ماله، وكان قابيل صاحب زرع فقرب مشاقة [¬٢] من زرعه، فانطلق آدم معهما، ومعهما قربانهما، فصعدا الجبل، فوضعا قربانهما، ثم جلسوا ثلاثتهم: آدم وهما، ينظران إلى القربان، فبعث الله نارًا حتى إذا كانت فوقهما؛ دنا منها عنق فاحتمل قربان هابيل، وترك قربان قابيل، فانصرفوا وعلم آدم أن قابيل مسخوط عليه، فقال: ويلك يا قابيل، ردّ عليك قربانك!! فقال قابيل: أحببته، فصليت على قربانه، ودعوت له، فتقبل قربانه، ورد على قرباني. فقال [¬٣] قابيل لهابيل: لأقتلنك وأستريح [¬٤] منك، دعا لك أبوك، فصلَّى على قربانك، فتقبل منك. وكان يتواعده بالقتل، إلى أن احتبس هابيل ذات عشية في غنمه، فقال آدم: يا قابيل، أين أخوك؟ قال: [] [¬٥] وبعثتني [¬٦] له راعيًّا لا أدرى. فقال آدم: ويلك يا قابيل، انطلق فاطلب أخاك. فقال قابيل في نفسه: الليلة أقتله. وأخذ معه حديدة، فاستقبله وهو منقلب، فقال: يا هابيل تقبل قربانك ورد على قرباني لأقتلنك. فقال هابيل: قربت أطيب مالي، وقربت أنت أخبث مالك، وإن الله لا يقبل إلا الطيب، إنما يتقبل الله من المتقين. فلما قالها غضب قابيل [¬٧] فرفع الحديدة وضربه [¬٨] بها، فقال: ويلك يا قابيل، أين أنت من الله كيف يجزيك بعملك؟ فقتله فطرحه في جوبة (*) من الأرض، وحثى عليه شيئًا من التراب [¬٩]. وروى [¬١٠] محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم أمر ابنه قينًا أن ينكح أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قين، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى ذلك قين [¬١١]، وكره تكرما عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال [¬١٢]:

стр. 2192

نحن من [¬١] ولادة الجنة، وهما من ولادة [¬٢] الأرض، وأنا أحق بأختي. ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قين من أحسن الناس، فضن [¬٣] بها على [¬٤] أخيه، وأرادها لنفسه، والله أعلم أي ذلك كان، فقال له أبوه: يا بني، [إنها لا تحل لك. فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، قال له أبوه: يا بني] [¬٥]، قرب قربانًا ويقرب أخوك هابيل قربانًا فأيكما تُقُبل قربانه، فهو أحق بها. وكان قين على بذر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قين قمحًا، وقرب هابيل أبكارًا من أبكار غنمه، وبعضهم يقول: قرب بقرة، فأرسل الله نارًا بيضاء، فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قين، وبذلك كان بقبل القربان إذا قبله. رواه ابن جرير (٣٢٠). وروى [¬٦] العوفي عن ابن عباس قال: كان [¬٧] من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه، وإنما كان القربان يقربه الرجل، فبينا ابنا آدم قاعدان، إذ قالا: لو قربنا قربانًا. وكان الرجل إذا قرب قربانًا، فرضيه الله أرسل إليه نارًا فتأكله، وإنْ لم يكن رضيه الله خبت النار، فقربا قربانًا وكان أحدهما راعيًا وكان الآخر حراثًا، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها، وقرب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت بينهما فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانًا فتقبل منك وردّ على، فلا والله لا ينظر الناس إليك [¬٨] وإليَّ وأنت خير مني. فقال: لأقتلنك. فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين. رواه ابن جرير (٣٢١). فهذا الأثر يقتضي أن تقربب القربان كان لا عن سبب، ولا عن تدارئ [¬٩] في امرأة، كما تقدم عن جماعة ممن [¬١٠] قدم ذكرهم، وهو ظاهر القرآن ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا

стр. 2193

وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فالسياق يقتضي أنه إنما غضب عليه وحسده [¬١] لقبول [¬٢] قربانه دونه. ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل، وأن الذي قرب الطعام هو قابيل، وأنه تقبل من هابيل شاته - حتى قال ابن عباس وغيره: أنها الكبش الذي فدي به الذبيح، وهو مناسب، والله أعلم [] [¬٣]-[ولم يتقبل من قابيل] [¬٤]. كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف، وهو المشهور عن مجاهد أيضًا، ولكن روى ابن جرير عنه أنه قال: الذي قرب الزرع قابيل، وهو المتقبل منه، وهذا خلاف المشهور، ولعله لم يحفظ عنه جيدًا، والله أعلم. ومعنى [¬٥] قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: ممن اتقى الله في فعله ذلك. وقال ابن أبي حاتم (٣٢٢): حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زبريق [¬٦]، حدثنا إسماعيل ابن عياش، حدثنى صفوان بن عمرو، عن تميم - يعني ابن مالك المقري [¬٧]- قال: سمعت أبا الدرداء يقول: [لأن أستيقن أن الله قد تقبل لي صلاة واحدة أحب إلى من الدنيا وما فيها، إن الله يقول] [¬٨]: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. وحدثنا أبي (٣٢٣): حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا إسحاق بن سليمان - يعني الرازي -

стр. 2194

عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون بن أبي حمزة، قال: كنت جالسًا عند أبي وائل فدخل علينا رجل، يقال له: أبو عفيف من أصحاب معاذ، فقال له [شقيق بن سلمة] [¬١]: يا أبا عفيف، ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل. قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس في بقيع واحد، فينادي مناد أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن، لا يحتجب الله منهم، ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك، وعبادة الأوثان وأخلصوا العبادة، فيمرون إلى الجنة. وقوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل الله قربانه لتقواه، حين تواعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ أي: لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ أي: من أن أصنع كما تريد أن تصنع، بل أصبر وأحتسب. قال عبد الله بن عمرو (٣٢٤): وايم الله، إن كان لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج. يعنى: الورع. ولهذا ثبت في الصحيحين (٣٢٥) عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا تواجه المسلمان بسيفِيهما، فالقاتل والمقتول في النار". قالوا يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه".

стр. 2195

وقال الإمام أحمد (٣٢٦): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث بن سعد، عن عياش [بن عباس، عن بكير بن عبد الله، عن] [¬١] بُسْر بن سعيد: أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله صلى الذ عليه وسلم قال: "إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي". قال: أفرأيت أن دخل عليَّ بيتي، فبسط يده إليَّ ليقتلني؟ فقال [¬٢]: "كن كابن آدم". وكذا رواه الترمذي عن قتيبة بن سعيد، وقال: هذا حديث حسن، وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت [¬٣] وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة. ورواه بعضهم عن الليث بن سعد، وزاد في الإسناد رجلًا [¬٤]. قال الحافظ ابن عساكر: الرجل هو [¬٥] حسين الأشجعي.

стр. 2196

قلت [¬١]-: وقد رواه أبو داود من طريقه فقال (٣٢٧): حدثنا يزيد بن خالد الرملي، حدثنا المفضل، عن عياش بن عباس، عن بكير، عن بُسْر [¬٢] بن سعيد، عن حسين [¬٣] بن عبد الرحمن الأشجعي: أنه سمع سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ في هذا الحديث، قال: فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن دخل بيتي، وبسط يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : "كن كابن آدم" وتلا يزيد [¬٤] ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾. قال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ لعثمان بن عفان ﵁. رواه ابن أبي حاتم. وقال الإمام أحمد (٣٢٨): حدثنا [] [¬٥] مرحوم، حدثني أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: ركب النبي ﷺ حمارًا وأردفني خلفه وقال: "يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد، لا تستطيع [¬٦]، أن تقوم [¬٧]، من فراشك إلى مسجدك كيف كصنع؟ " قال: الله ورسوله أعلم. [قال: "تعفف". قال: "يا أبا ذو، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد، يكون البيت فيه بالعبد - يعني القبر - كيف كصنع؟ " قلت: الله ورسوله أعلم] [¬٨]. قال: "اصبر". قال: "يا أبا ذر، أرأيت إن

стр. 2197

قتل الناس بعضهم بعضا - يعني حتى تغرق حجارة الزيت، من الدماء - كيف تصنع؟ ". قال: الله ورسوله أعلم. قال: "اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك". قال: فإن لم أترك؟ قال: "فأْت من أنت منهم فكن منهم". قال: فآحذ سلاحي؟ قال: "فإذًا [¬١] تشاركهم فيما هم فيه، ولكن إذا [¬٢] خشيت أن يروعك [¬٣] شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك كي [¬٤] يبوء بإثمه وإثمك". ورواه مسلم وأهل السنن سوى النسائي من طرق، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت به. ورواه أبو داود وابن ماجة من طريق حماد بن زيد، عن أبي عمران، عن المشعث [¬٥] بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر بنحوه. قال أبو داود: ولم يذكر المشعث [¬٦] في هذا الحديث غير حماد بن زيد. وقال ابن مردويه (٣٢٩): حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان، عن منصور، عن ربعي، قال: كنا في جنازة حذيفة، فسمعت رجلًا يقول: [سمعت هذا يقول] [¬٧] في ناس مما سمعت من رسول الله صلى الله

стр. 2198

عليه وسلم: "لئن اقتتلتم لأنظرن إلى أقصى بيت في داري فَلأَلِجَنَّه، فلئن دخل علي [فلان لأقولن] [¬١]-: ها بؤ بإثمي وإثمك، فأكون كخير ابني آدم". وقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي في قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي: بإثم قتلي، وإثمك الذي عليك قبل ذلك. قاله ابن جرير (٣٣٠). وقال آخرون: يعني بذلك إني أريد أن تبوء بخطئتي فتتحمل وزرها، وإثمك في قتلك إياي. وهذا قول وجدته عن مجاهد وأخشى أن يكون غلطًا؛ لاُن الصحيح من الرواية عنه خلافه. يعني ما رواه سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [قال: بقتلك إياي] [¬٢]، ﴿وَإِثْمِكَ﴾ قال: بما كان منك قبل ذلك. وكذا روي [¬٣] عيسى بن أبي نجيح، عن مجاهد مثله (٣٣١). وروي شبل، عن ابن أبي نجيح [¬٤]، عن مجاهد ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ يقول: إني أريد أن يكون عليك خطيئتي ودمي. فتبوء [¬٥] بهما جميعًا (٣٣٢).

стр. 2199

(قلت): وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثًا لا أصل له: "ما ترك القاتل على المقتول من ذنب" (٣٣٣). وقد روي الحافظ أبو بكر البزار حديثًا يشبه هذا، ولكن ليس به، فقال: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثنا يعقوب بن عبد الله، حدثنا عتبة بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه" (٣٣٤). وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه: أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن يتحمل [¬١]- على القاتل فلا، ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص، وهو الغالب، فإن المقتول يطالب الفاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفذت [¬٢] ولم يستوف حقه، أخذ من سيئات المقتول فطرحت على القاتل، فربما لا يبقي على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل، وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ في المظالم كلها (٣٣٥)، والقتل من أعظمها وأشدها، والله أعلم. وأما ابن جرير فقال [¬٣]: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن تأويله: إني أريد أن

стр. 2200

تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي، وذلك هو معنى قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾، [وأمّا معنى] [¬١] وإثمك [¬٢] ": فهو إثمه بغير [¬٣] قتله، وذلك - معصية الله في أعمال سواه. وإنما قلنا ذلك هو الصواب؛ لإِجماع أهل التأويل عليه، وأن الله أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه، وإذا كان هذاء حكمه في خلقه، فغير جائز أن تكون آثام المقتول مأخوذًا بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرّم، وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه، دون ما ركبه قتيله (٣٣٦). هذا لفظه، ثم أورد [على هذا] [¬٤] سؤالًا حاصله: كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله وإثم نفسه، مع أن قتله له محرّم؟ وأجاب بما حاصله: أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله، بل يكف [عنه يده] [¬٥]، طالبًا ان وقع كمل أن يكون من أخيه، لا منه. قلت: وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ، وزجرًا له لو انزجر، ولهذا قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [أي: تتحمل إثمي وإثمك] [¬٦] ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. و [¬٧] قال ابن عباس: خوّفه بالنار [¬٨] فلم ينته ولم ينزجر. وقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ أي: فحسَّنت وسوَّلت له نفسه، وشجعته على قتل أخيه فقتله، أي: بعد هذه الموعظة [¬٩] وهذا الزجر. و [¬١٠] قد تقدم في الرواية عن أبي جعفر الباقر - وهو محمد بن علي بن الحسين - أنه قتله بحديدة في يده (٣٣٧).

стр. 2201

وقال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن عبد الله، وعن ناس من أصحاب النبي ﵌: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رءوس الجبال، فأتاه يومًا من الأيام وهو يرعي غنمًا له وهو نائم، فرفع صخرة، فشدخ بها رأسه، فمات، فتركه بالعراء. رواه ابن جرير (٣٣٨). وعن بعض أهل الكتاب: أنه قتله خنقًا وعضًّا كما تقتل السباع. وقال ابن جرير: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابة، فوضع [¬١] رأسها على حجر، ثم أخذ حجرًا آخر فضرب به رأسها حتى قتلها وابن آدم ينظر، ففعل بأخيه مثل ذلك. رواه ابن أبي حاتم (٣٣٩). وقال عبد الله بن وهب: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: أخذ برأسه ليقتله، فاضطجع له، وجعل يغمز رأسه وعظامه، ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس فقال: أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه. قال: فأخذها فألقاها عليه فشدخ رأسه، ثم جاء إبليس إلى حوّاء مسرعًا، فقال: يا حوّاء، إن قابيل قتل هابيل. فقالت له: ويحك، و [¬٢] أي شيء يكون القتل؟ قال: لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرّك. قالت: ذلك الموت. قال: فهو الموت. فجعلت تصيح، حتى دخل عليها آدم وهي تصيح، فقال: ما لك؟ فلم تكلمه، فرجع إليها مرّتين فلم تكلمه، فقال: عليك الصيحة، وعلى بناتك، وأنا وابني منها برآء. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من هذه، وقد قال الإِمام أحمد (٣٤٠): حدثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقتل نفس ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سنّ القتل".

стр. 2202

وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود من طرق عن الأعمش به. وقال ابن جرير (٣٤١) حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ، [إلى يوم القيامة] [¬١] ووجهه في الشمس حيثما دارت دار عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج. قال: وقال عبد الله بن عمرو: و [¬٢] إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم. وقال ابن جرير (٣٤٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، أنه حدث عن عبد الله بن عمرو، أنه كان يقول: إن أشقى أهل النار رجلًا، ابنُ آدم الذي قتل أخاه، ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة، إلا لحق به منه شر؛ وذلك أنه أول من سنّ القتل. وقال إبراهيم النخعي: ما من مقتول يقتل ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفلٌ منه. رواه ابن جرير أيضًا (٣٤٣). وقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.

стр. 2203

قال السدي (٣٤٤) بإسناده المتقدم إلى الصحابة ﵃: لما مات الغلام، تركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخويين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له، ثم حثى عليه، فلما رآه قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ (٣٤٥). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: جاء غراب [¬١]- إلى غراب ميت، فبحث عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾. وقال الضحاك، عن ابن عباس: مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة، حتى بعث الله الغرابين، فرآهما يبحثان، فقال: [﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾] [¬٢] [فدفن أخاه (٣٤٦). وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: كان يحمله على عاتقه مائة سنة ميتًا، لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض، حتى رأي الغراب يدفن الغراب، فقال: ﴿يَا وَيْلَتَا] [¬٣] [أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ] [¬٤] فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (٣٤٧). وقال عطية العوفي: لما قتله ندم، فضمه إليه حتى أروح، وعكفت عليه الطيور والسباع،

стр. 2204

تنتظر متى يرمي به فتأكله. رواه ابن جرير (٣٤٨). وروى [¬١] محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: لما قتله سقط في يده، أي: ولم يدر كيف يواريه، وذلك أنه كان - فيما يزعمون - أولَ قتيل في بني آدم، وأول ميت. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قال: وزعم أهل التوراة: أن قينًا لما قتل أخاه هابيل [¬٢]، قال له الله : يا قين [¬٣]، أين أخوك هابيل [¬٤]؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا. فقال الله: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض و [¬٥] الآن أنت ملعون من الأرض التي فتحتْ فاها، فتلقتْ دم أخيك من يدك، فإن أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثها، حتى تكون فزعًا تائهًا في الأرض (٣٤٩). وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قال الحسن البصري: علاه الله بندامة بعد الخسران. فهذه أقوال المفسرين في هذه القصة، وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه، كما هو ظاهر القرآن، وكما نطق به الحديث في قوله: "إلا كان على [ابن آدم] [¬٦] الأول كفلٌ من دمها؛ لأنه أول من سنّ القتل" (٣٥٠). وهذا ظاهر جلي، و [¬٧] لكن قال ابن جرير: حدثنا ابن [¬٨] وكيع، حدثنا سهل بن بوسف، عن عمرو، عن الحسن - هو البصري - قال: كان الرجلان اللذان في القرآن، اللذان قال الله: ﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم

стр. 2205

بالحق﴾ - من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان من [¬١] بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات (٣٥١). وهذا غريب جدًّا، وفي إسناده نظر. وقد قال عبد الرزاق (٣٥٢): عن معمر، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ابني آدم ﵇ ضربا لهذه الأمّة [¬٢] مثلًا، فخذوا بالخير منهما [¬٣] ". ورواه ابن المبارك (٣٥٣): عن عاصم الأحول، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلًا، فخذوا من خيرهم ودعوا شرهم [¬٤] ". وكذا أرسل هذا الحديث بكر بن عبد الله المزني. روي ذلك كله ابن جرير. وقال سالم بن أبي الجعد (٣٥٤): لما قتل ابن آدم أخاه، مكث آدم مائة سنة حزينًا لا يضحك،

стр. 2206

ثم أتي فقيل له: حيَّاك الله وبيَّاك. أي: أضحكك. رواه ابن جرير، ثم قال (٣٥٥): حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني، قال: قال على بن أبي طالب، لما قتل ابن آدم آخاه بكاه آدم فقال: تغيرت البلاد ومن عليها … فلون الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم … وقل بشاشة الوجه المليح فأجيب آدم ﵊: أبا هابيل قد قتلا جميعًا … وصار الحي كالميْت [¬١] الذبيح وجاء بشرّةٍ قد كان منها [¬٢] … على خوف فجاء بها يصيح والظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة، كما ذكره [] [¬٣] مجاهد بن جبر: أنه علقت ساقه بفخذه [إلى يوم القيامة] [¬٤]، وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت، عقوبة له وتنكيلا به (٣٥٦)، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة: من البغي وقطيعة الرحم" (٣٥٧). وقد اجتمع في [¬٥] فعل قابيل هذا وهذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي

стр. 2207

﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ يقول تعالى: من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلمًا وعدوانًا ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: شرعنا لهم وأعلمناهم ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي: من [¬١] قتل [¬٢] [نفسًا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب، ولا جناية - فكأنما] [¬٣] قتل [¬٤] الناس جميعًا؛ لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس؛ ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: حرم قتلها واعتقد ذلك، فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار، ولهذا قال: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. [وقال] [¬٥] الأعمش وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: دخلت على عثمان يوم الدار، فقلت: جئت لأنصرك، وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين. فقال: يا أبا هريرة: أيسرك [¬٦] أن تقتل الناس جميعًا وإياي معهم؟ قلت: لا. قال: فإنك إن قتلت رجلًا واحدًا، فكأنما [¬٧] قتلت الناس جميعًا، فانصرف مأذونًا لك، مأجورًا غير مأزورٍ. قال: فانصرفت ولم أقاتل (٣٥٨).

стр. 2208

وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ] [¬١] فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وإحياؤها ألا يقتل نفسًا حرمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعًا. يعني: أنه من حرم قتلها إلا [¬٢] بحق حيي الناس منه (٣٥٩). وهكذا قال مجاهد: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: كف عن قتلها (٣٦٠). وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يقول: من قتل نفسًا واحدة حرمها الله، فهو مثل من قتل الناس جميعًا (٣٦١). وقال سعيد بن جبير: من استحل دم مسلم؛ فكأنما استحل دماء الناس جميعًا، ومن حرم دم مسلم؛ فكأنما حرم دماء [¬٣] الناس جميعًا. هذا قول، وهو الأظهر، وقال عكرمة والعوفي عن ابن عباس: من قتل نبيًّا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شدّ على عضد نبي أو إمام عادل، فكأنما أحيا الناس جميعًا. رواه ابن جرير (٣٦٢). وقال مجاهد في رواية أخرى عنه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ وذلك لأنه من قتل النفس فله النار، فهو كما لو قتل الناس جميعًا [¬٤]. قال ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد فى قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ من قتل النفس المؤمنة متعمدًا؛ جعل الله جزاءه جهنم، وغضب [] [¬٥] عليه ولعنه، وأعدّ له عذابًا

стр. 2209

عظيمًا، يقول: لو قتل الناس جميعًا، لم يزد على مثل ذلك العذاب (٣٦٣). قال ابن جريج: قال مجاهد: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: من لم يقتل أحدًا فقد حَيِيَ الناس منه (٣٦٤). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: من قتل نفسًا، فكأنما قتل الناس، يعني: فقد وجب عليه القصاص، فلا فرق بين الواحد والجماعة، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: عفا عن قاتل وليه؛ فكأنما أحيا الناس جميعًا. وحكى ذلك عن أبيه. رواه ابن جرير (٣٦٥)، وقال مجاهد في رواية: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة (٣٦٦). وقال الحسن وقتادة: فى قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ] [¬١] فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ هذا تعظيم لتعاطي القتل، قال قتادة: عظم [¬٢] والله وزرها، وعظم [¬٣] والله أجرها (٣٦٧). وقال ابن المبارك، عن سلام بن مسكين، عن سليمان بن علي الربعي، قال: قلت للحسن: هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل، وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا (٣٦٨).

стр. 2210

وقال الحسن البصري: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: وزرًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: أجرًا (٣٦٩). وقال الإِمام أحمد (٣٧٠): [حدثنا حسن] [¬١]، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا حيي [¬٢] بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو [¬٣]، قال: جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، اجعلني على شيء أعيش به. فقال رسول الله ﷺ : "يا حمزة، نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها؟ " قال: بل نفس أحييها. قال: "عليك بنفسك". قوله [¬٤] تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا [¬٥] بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والبراهين، والدلائل الواضحة ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، كما كانت بنو قريظة والنضير، وغيرهم من بني قينقاع، ممن حول المدينة من اليهود، الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج، إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها، فدوا من أسروه، وودوا من قتلوه، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة حيث يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. قوله [¬٦]: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية. المحاربة: هي المضادة
следующие страницы →